عهد
أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضا الناس عني، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي. فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين يتفضلون عليّ فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضا.
كذلك كنت منذ بدأت أكتب، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا. فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم، ويحسنوا بها الظن، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال.
لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في «الكوكب» فأحبوا ذلك، ورضوا عنه، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له. نعم، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في «الكوكب»، وألحوا عليّ في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر، والرغبة في الخير لي، وللقراء مما سأكتبه.
نعم، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون. ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين، وقبلت مغتبطًا رضا الراضين، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني. فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي، ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين.
وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب. فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب «الكوكب» وقراؤه، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء.
وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور؟ كل شيء ضيق من حولنا، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي، فضيقته وبالغت في تضييقه. ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق، وتأخذنا بتصغير عقولنا، وتقصير ألسنتنا، والكبح من أقلامنا، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة، وبسلطانها الإداري مرة أخرى. وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة، رقيقة مسرفة الرقة، حساسة حادة الحس، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله، لا بما ينكر العرف، ولا بما ينكر الدستور، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق. وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر، فيباح أو يحظر. وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا، وعلى غير وجهه أحيانًا. وإذا تفكيرنا يتهم، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه، وكل شيء نأباه مرغوب فيه. وتمضي الأسابيع والأشهر، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة. فلابد إذن من أن تضيق العقول، وتضعف الإرادة، وتنحل العزائم. وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم، ولتجمعه كله إليها، ولتحصره كله في يدها، ولتضغطه ما وسعها الضغط، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا.
هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان، فيجب أن تظلها بجناحها، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق. وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر. وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي؟
هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي. فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله.
نعم، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط، ويقودونه إلى الرقي والخير.
لندع التفكير في هذا كله، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء، ويستأثر بكل شيء، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة.
كل شيء ضيق من حولنا، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان، وإنما الغريب أننا لم نتأخر، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة. وليس الغريب أن عقولنا لم تزدد سعة، وأن إرادتنا لم تزدد قوة، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية، وأخذت علينا كل سبيل.
نعم، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه. فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية، والعزيمة الماضية، والقوة على المقاومة.
وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد.
كوكب الشرق ٩ – ٣ – ١٩٣٣
حديث الوادي
تضليل…
يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يثاب من أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويعاقب من أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله، على حين تريد الحضارة، ويريد الرقي، وتريد الأخلاق، ويريد الدين، أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه.
ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات، فلا ينبغي فيما يقال إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين، أن تكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يصور للأجيال الحاضرة، والأجيال المقبلة، تصويرًا صادقًا، ويبين للناس ما قدم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.
وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.
فالقانون الذي يراد إصداره، إن أتيح له الصدور، سيدخل إذن بين الكتاب والمؤرخين، وبين ضمائرهم، وسيكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيلزم إذن كل كاتب، وكل مؤرخ يعرض للموتى، بأن يتحرى ما يمكن وما لا يمكن، ويتبين ما يساغ وما لا يساغ، ويبحث عما يرضى وما لا يرضى، ولا يقول من ذلك كله إلا ما لا يعرضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء، ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا.
وإذن فسيفرض على الكتاب والمؤرخين، حين يعرضون لسير الموتى، ألا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدوات للتضليل، – وأي تضليل؟ – لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد.
والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر، ليضيق بها، وينفر منها، ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاء للنفس، تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها، ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا.
والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء، يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًا، أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ، من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ، أو الحرية البحث التاريخي، مهما تكن الظروف.
الغريب أن في مصر نقرأ من هؤلاء، وأنهم يقرأون ويسمعون ما يذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يدبر للتاريخ، فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون، لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة، التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد، وقدرة على الدفاع.
والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه، كما ينبغي أن ينفذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة، وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حر إلى الآن، فلابد من تقييد هذه الحرية، ولابد من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء، حماية لمن فارق هذه الدار، أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له، حين كان التاريخ حرًا، فلابد من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقية من جراثيم الحرية والحق، ولابد من أن يعاد تأليف هذه الكتب، ليرد التاريخ إلى ما يراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولابد مع ذلك من تعيين المراقبين، لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون، ويستطردون، ولعلهم أن يمسوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا، حماية للموتى، وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!
والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية، وما ينالها من رقي، وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة، ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغى أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبتنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة، ثم على المؤتمر، هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.
فمن يدري؟ لعل هذا المذهب أن يوافق رضى المؤرخين في الأرض كلها، فيصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويسجل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد!
والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد، ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة، والتاريخي خاصة، من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ، وفي رعاية حرمات العلم، على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقر هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها…
وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها، فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون بما لم تقم به الوزارة، ولم يقم به المؤرخون.
وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم، ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.
ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله، ليست نائمة، ولا راكدة، ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة، جادة، تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب…
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/١
إغراء
كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣
إعلان
إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣
Leave a Reply