تشريف وتكليف
بقلم الدكتور طه حسين
لست أدري أيتاح لهذا الحديث أن يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة، اللواء أركان حرب محمد نجيب. وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه، فإني لم أكتبه إلا مفكراً فيه أعمق التفكير ومكبراً له أصدق الإكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جداً. قرأته الآن في صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار. وهي صحيفة الأحد التي تصدرها الكوريري ديلا سيرا ليقرأ فيها الناس الأخبار التي يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف في هذا اليوم من أيام الأسبوع.
فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التي وقعت فيها أخيراً وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعاً لهذا الحديث. فهو قد رأى أن صور السلطان الذي أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد، وإنما تُرك هذا المكان خالياً وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب.
وليس يعنيني الآن ولا يعني قُرّاء الأهرام من مقال الصحفي الإيطالي إلا هذا النبأ، فنحن نقرأ أنباء مراكش في الصحف العالمية على اختلافها مفصلةً مرةً ومجملةً مرةً أخرى، صادقةً أحياناً مغاليةً في كثير من الأحيان.
ولست أدري أيَشعر القارئ المصري بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين، وأي فخر يجده المصري أعمق في القلوب أثراً، وأبعد في النفوس صدى، من هذا الذي يجده حين يقرأ في صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست في حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيراً ولا تخاف منه شراً، إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى في أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها، فلما نُفيت صور السلطان كما نُفي السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزاً لما يحتاج المراكشيون إليه من العزاء ورمزاً كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل، وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التي حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من الاستعمار، ليست رمزاً للتحرير في مصر وحدها، ولكنها رمز للتحرير في البلاد الأخرى التي تشقى بالاستعمار وطغيان الأجنبي وخيانة بعض المواطنين.
فخر يملأ النفوس بهجةً ورضا، لولا أنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضا. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نُزعت منهم صورة السلطان الذي يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء، يجدون في نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزي والشقاء. كانوا يرون أنفسهم أحراراً، فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغوٌ من اللغو ووهمٌ من الوهم. وكانوا يرون أنهم كراماً. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطاناً يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم، فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه، واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده في جزيرة من جزر البحر، ليس يدري أيقيم فيها إقامة المستقر أم يُنقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
ثم لم يقص الاستعمار هذا السلطان وحده، إنما أقصى معه صوره التي كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأي سرور يجده القارئ المصري يعدل هذا السرور الذي يغمر القلوب حين نقرأ في هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذي كان المراكشيون يحبونه قد أُزيلت من أماكنها، وأن صورة نجيب قد بقيت في مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفي سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء.
ولكنه سرور يشوبه ظلمٌ لاذع وحزنٌ ممض، لأن نجيباً بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء في صمتها الرائع البليغ، ولكنهم في حاجة إلى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم في حاجة إلى الكلام الحي الذي يُحيي القلوب، وهم في حاجة إلى العمل الحي الذي يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد إلى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها، لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم. فيها الشعور بأن العزة ليست وهماً وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة، يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنوا ثمرها، فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتي نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغٍ ولا باغٍ ولا مستعمرٍ ولا متجبر.
هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال، وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت في هذه الصحيفة الإيطالية. وما أشك في أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذي أنقذ وطنه من بعض الشر، ويريد أن ينقذه من الشر كله.
وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف وحده، فهو أبعد الناس عن الإثرة وأبغضهم لها، ولكنه سيرد هذا الشرف إلى وطنه أولاً، فهو الذي أنشأه وبعث فيه روحه القوية الذكية، ورفعه إلى حيث هو الآن، وسيرد هذا الشرف إلى أعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة إلى النور ومن الضعف إلى القوة ومن الهوان إلى العزة والكرامة.
وما أشك أيضاً في أن نجيباً سيفهم هذا التشريف كما فهمته، وكما يجب أن يفهمه المصريون جميعاً، وكما ينبغي أن يفهمه الرجل الذي يجد في نفسه شعور الرجولة والمروءة. ذلك أن التشريف في نفسه ليس كلاماً يُرسَلُ إرسالاً ولا ثناءً يُكالُ كيلاً ولا تمجيداً لا يتجاوز إرضاءَ من يُساقُ إليه، وإنما التشريف تكليف قبل كل شأن، هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغي أن يُؤدَّى الواجب كاملاً غير منقوص.
إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضا هذا الذي يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم، فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقاً ولا رياءً ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلاً إلى فضل. يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه في أن يضيف إحساناً إلى إحسان، يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل. على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب. وما أشك في أنه يفهم تشريف المراكشيين له على هذا النحو، هم يحمدون له ما فعل في وطنه وينتظرون منه أن يمضي في الطريق التي سلك، وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه، وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفي الأثرة أشد النفي. فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون غيره من الأوطان. والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد.
إن في نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها؛ لأننا وجدنا هذه العقدة في أنفسنا. وهي عقدة فيها كثير من الخزي وكثير من الذل؛ لأنهم ظلموا في وطنهم وأوذوا في كرامتهم، وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلاً ولا كثيراً. فمن الحق علينا جميعاً أن نرد عليهم شيئاً من ثقةٍ ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة، وأن نشعرهم بأن النُّوبَ تنوب، وبأن الخطوبَ تُلِمُّ، ولكنها لا تلبث أن تزول، وإنما هي الغمرات ثم تنجلي، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح.
يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه، وإنما يشقى به معهم إخوانهم في اللغة والتاريخ والدين.
وأنا واثق بعد هذا بأن تألُّب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء. فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذي ليس فيه شك أن القوة الجامحة لن تُغني عن أصحابها شيئاً. وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق.
يجب أن يشعر المصريون جميعاً بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية، من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه، ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة إخواننا على ما أصابهم من البأساء والضراء، وأن نكون أهلاً لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
طه حسين
الأهرام ٤ سبتمبر ١٩٥٣.
حيرة
بقلم الدكتور طه حسين
وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.
كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.
كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة. وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا. ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.
فقد كان رد مصر محيرًا حقًا كان موجزًا أشد الإيجاز واضحًا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصري لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجري فيه من حديث.
ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الإيجاز يخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات. وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء. وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.
ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبَلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي. فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزاما. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.
فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا. يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملَى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يُملَى عليها فتصب الحرب عليها صبًا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره.
والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار. هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف. فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.
وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها. وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع. وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تعرف.
ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبًا وفرقًا. فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل. كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث. لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمِّن جندها من القبرصيين أنفسهم، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.
وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم. قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملأوا قلوب المصريين فرقًا ورعبًا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقًا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار.
طه حسين
الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦.
خاتمة
أما المقدمة فقد قرأها من قرأها، وسمعها من سمعها من الناس يوم افتتحت الدورة البرلمانية في آخر العام الماضي، وألقى رئيس الوزراء خطبة العرش، فرأى الناس وعودًا كثيرة.
وأما الخاتمة فقد سمعها من سمعها، وقرأها من قرأها، ورآها من رآها أمس واليوم في هذه الخطب القصار والطوال التي ألقيت في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ. وفيها تسجيل وليس فيها وعد، وفيها آمال يرجو الشيوخ والنواب والوزراء أن تتحقق، وعند الله وحده تحقيق الآمال. والله وحده قادر على أن يمضي فيتم ما قضى، مهما يقل الناس، ومهما يعملوا، ومهما يرج الناس، ومهما يأملوا.
على أن هذه الخاتمة التي انتهت بها الدورة أمس لا تخلو مما يدعو إلى التفكير، ويثير في النفوس عبرًا وعظات يحسن أن يعتبر بها الحكماء، ويتعظ بها الألباء.
فقوام هذه الخاتمة شكر وثناء، وحمد وإطراء. كل إنسان في البرلمان شاكر ومشكور، وكل إنسان في البرلمان باذل للمدح، وقابل للثناء.
أما رئيس مجلس النواب فيبدأ بما يجب البدء به من حمد الله عز وجل، والثناء عليه، ثم ينثر باقة من الزهر تغمر الوزراء والنواب جميعًا، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال، فيحمد الوزراء ويثني عليهم، ويشكر النواب ويطريهم، ولا ينسى الموظفين من سكرتيرية المجلس.
ولا يكاد يفرغ الرئيس حتى يقفي على آثاره النواب، فإذا هم يحمدون ويثنون، وإنما هم يشكرون ويطرون. ثم يرد رئيس الوزراء بالنيابة، فيجزي الثناء بثناء، والإطراء بإطراء.
ويقع مثل هذا في مجلس الشيوخ، فقد شرب الوزراء والنواب والشيوخ إذن من الثناء، بالصغير والكبير، حتى ارتووا ريًا لن يظمؤوا بعده إلى آخر الصيف.
وكم كنا نحب أن تقدم أقداح الثناء وكؤوسه إلى الوزراء والنواب والشيوخ من غيرهم، لا من أنفسهم، وأن يثني عليهم الشعب، أفراده وجماعاته، بدل أن يثني بعضهم على بعض، ويهدي بعضهم إلى بعض هذه الباقات المنسقة من الحمد والإطراء.
ولكن المثل القديم لم يخطئ حين قال:
ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
فتولَّ أنت جميعَ أمرِك
فإذا قصر الشعب، راضيًا أو طائعًا، في ذات الوزراء والنواب والشيوخ، فمن الحق عليهم هم ألا يقصروا في ذات أنفسهم. وإذا بخل الشعب، راضيًا أو كارهًا، على الوزراء والنواب والشيوخ بالتقدير والشكر والاعتراف بالجميل، فمن الحق عليهم لأنفسهم أن يقدروها، ويشكروها، ويعترفوا لها بالجميل. وقد فعلوا، وبلغوا من ذلك أمس ما يريدون، وأكثر مما يريدون. ومهما ننقدهم، ومهما ننكر عليهم، فلن نستطيع أن نصفهم بأنهم قصروا أمس في ذات أنفسهم، أو بخلوا أمس على أنفسهم بالإكبار والإعظام، وبالتحية والتقدير.
أما الشعب فهو بين اثنتين: إما أن يكون جاحدًا للفضل، منكرًا للجميل، ظالمًا للذين يحسنون إليه، بخيلًا على الذين ينالونه بالفضل، ويغمرونه بالنعمة، وهو لذلك يستقبل الخاتمة فاترًا كما استقبل المقدمة فاترًا، فلا يحمد، ولا يثني، ولا يشكر، ولا يطري.
وإما أن يكون بليد الحس، نائم الشعور، يأخذه الإحسان من كل مكان فلا يحسه ولا يشعر به، وتغرقه النعمة إلى أذنيه فلا يشعر بهذا السيل الجارف من البركات الذي كاد يأتي عليه. وهو لذلك معقود اللسان عن الحمد والشكر، مغلول الأيدي عن التصفيق، قد غشيت وجهه سحائب فيها من ظلمة وحزن، كأنه شقي مع أنه سعيد، وكأنه محزون مكلوم مع أنه فرح مبتهج، وكأنه يائس قانط مع أن قلبه يملؤه الأمل، ويفعمه الرجاء.
لإحدى هاتين الخصلتين، أو لهما جميعًا، كان الشعب فاترًا يوم افتتحت الدورة، وكان الشعب فاترًا يوم اختتمت الدورة.
وما رأيك في شعب يجتمع عليه العقوق وبلادة الحس؟ إنه لشعب خليق بما يلقى، حقيق أن تعبث به الأحداث، لعلها تعلمه شكر المحسنين إليه، ولعلها توقظه من هذا النوم العميق الذي يغرق فيه إغراقًا!
ومهما يكن من شيء، فلا بد من تسجيل هذه الظاهرة، ليعرفها الشعب حين يستيقظ ويفيق، وهي أن الشعب كان نائمًا غافلًا، مسرفًا في النوم والغفلة، على حين كان الوزراء والشيوخ والنواب يقظين متنبهين، وأن الشعب كان ماضيًا في نومه، يحلم بالأمل والرجاء، والنعمة وحسن الحال، ويشكو من الحزن والضيق والبؤس وسوء الحال، بينما كان الوزراء والشيوخ والنواب ماضين في يقظتهم وتنبههم، يرون الحقائق الواقعة، ويسجلون ما انتهت إليه مصر من رخاء وسعة، ومن رقي وتقدم، ومن ارتفاع الكلمة وعلو المنزلة، ويحمدون هذه النعم كلها للذين أسدوها، ويشكرون هذه الآلاء كلها للذين أهدوها، وهم الوزراء والنواب والشيوخ.
وما رأيك في شعب تذكر له هذه الملايين التي أرصدتها الوزارة، وأقرها النواب والشيوخ لحل الأزمة وتفريج كربها، فلا يزيد على أن يشكو الضنك والضيق، ويذكر الجوع والحرمان، والمرض والأوبئة، ويؤكد ويلح في التأكيد أن الأزمة ما زالت قائمة، لازمة، ملحة، ثقيلة؟ أليس من الحق عليك أن تنبئ هذا الشعب بأنه نائم يحلم، وبأن الحق كل الحق فيما يقوله الوزراء والنواب والشيوخ في خاتمتهم أمس؟ فليس هناك ضنك ولا ضيق، وليست هناك عسرة ولا أزمة، وإنما هي أحلام نيام قد اكتظوا بالثروة والغنى، فخيل إليهم عسر الهضم أنهم جياع محرومون!
نعم، وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أرصدوا أموالًا وأموالًا، وأنفقوا ألوفًا وألوفًا للري والصرف، وإقامة الخزانات والتمهيد لها، فلا يعترف بفضلهم في ذلك، بل يشكو ويلح في الشكوى، ويأسف لأن هذه الأموال قد كان يحسن أن ترصد لغير ما رصدت له، وتنفق في غير ما أنفقت فيه؟ أليس هذا الشعب نائمًا غافلًا، قد صرفه النوم عن منافعه، وألهته الغفلة عن مصالحه، فرأى كل حسن قبيحًا، وخيل إليه أن كل قبيح حسن؟ بلى، لقد أخطأ الشعب كل الخطأ، وأصاب الوزراء والشيوخ والنواب كل الصواب!
وما رأيك في شعب يذكر له الوزراء والشيوخ والنواب أنهم قد أقاموا له صرحًا مشيدًا متينًا، متناسب الأجزاء، من الثقافة، ففرضوا التعليم الإلزامي، وأصلحوا نظم الجامعة، ووسعوا نشاط الأزهر، فلا يعترف بشيء من ذلك، ولكنه يتعلل ويتجنى، ويزعم أن التعليم الإلزامي لم يدرس ويمحص، وإنما أرسل على عجل ليقال إن قانونه قد صدر، ويزعم أن الحكومة والبرلمان قد نشرا جناح الأزهر إلى أبعد مما ينبغي، وقصا جناح الجامعة حتى عجزت عن أن ترتفع في الجو، وأمضيا أمر هذا كله في سرعة لا يعرفها بلد من بلاد الأرض، وعجلة لا يعرفها جيل من أجيال الناس. وكانت الفكرة السياسية أظهر فيها من الفكرة الفنية، حتى لم يبق بد للأحزاب السياسية المعارضة من أن تجعل في برامجها إصلاح أمر الثقافة والتعليم، ورده إلى حيث كان، أو إلى خير مما كان قبل هذا العهد السعيد. أليس هذا دليلًا على أن هذا الشعب نائم حالم، يرى الخير فيحسبه شرًا، ويرى النعمة فيحسبها بؤسًا؟
ما أشد حاجة هذا الشعب إلى أن يؤخذ بشيء من العنف والقسوة، لتستقيم قناته المعوجة، ويعتدل مزاجه المنحرف، ويؤمن بما يقول الوزراء والنواب والشيوخ!..
ولكن قناة هذا الشعب، مع الأسف أو مع السرور، ومع الحزن أو مع الابتهاج، تأبى أن تلين لغمز الغامزين، وتثقيف المثقفين، وتقويم المقومين. فستظل كما هي معوجة، وسيظل مزاج هذا الشعب كما هو منحرف، لا تستقيم القناة، ولا يعتدل المزاج، مهما يقل الوزراء والنواب والشيوخ، ومهما يعملوا.
ما أشد التناقض بين هاتين المصرين اللتين تعيشان في أرض واحدة، وتتنفسان هواءً واحدًا، وتشربان من نهر واحد: مصر الرسمية ومصر الشعب!
وأي دليل على هذا التناقض بين هاتين المصرين أكثر من أن تضطرب مصر الرسمية بما يثور فيها من عواطف الرضا والسخط، وبما يدفعها من بواعث الأمل واليأس، وبما يسيطر عليها من أسباب النشاط والفتور منذ تليت المقدمة في العام الماضي إلى أن تليت الخاتمة أمس، فلا يكون لشيء من هذا كله صدى في نفس مصر الشعبية؟
تناقض شديد، وافتراق بعيد بين هاتين المصرين، والله وحده قادر على أن يلائم بين هذين النقيضين.
كوكب الشرق سنة ١٩٣٣
مجنون
بقلم طه حسين
لم يتحدث أحد عن خزي الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التي لا تكاد تُحصى، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولا نعرف هيئة فرنسية بريئة من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني. وقد أظهرت المحاكمات التي لم تنقض بعد أنَّ هذا الخزي كان متغلغلًا في طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي. شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة في الجيش، وكان أحدهم يُحاكَم منذ أسبوعين اثنين، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة في نفس الحكم لسبب ما. وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير جامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوي أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا. وقد لَقيَ كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أُهدرت شخصيته فحُرم حقوقه السياسية والمدنية جميعًا، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلًا أو كثيرًا، وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثَّل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة. وقد صُوِّر هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية أيضًا. فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم في فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صورًا مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة. أقل ما توصف به أنني لا أستطيع أن أذكرها في هذا الحديث.
وما أنا فلست أنسى ما قرأت في بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دُعوا إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعًا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائدًا ألمانيًا عظيمًا. وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئًا فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير. قالت: لا ننتظر الآن إلا قاهرنا الجميل. وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس به وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقي إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثًا.
كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزيًا ونكرًا. وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزي. ولكن آخر من ينبغي أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأوا هذا الخزي في نفوسهم عُقدًا منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها. وإلى هذه العُقد التي أنشأها الخزي في نفوس الفرنسيين ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة.
فحرب الهند الصينية ليست إلا أثرًا من آثار هذه العُقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصرًا يحررهم من خزي نفوسهم. فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزيًا جديدًا أضيف إلى خزي قديم. وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثرًا من آثار هذا الخزي. حاول الفرنسيون أن يجدوا في آثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزي الضمائر. ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارًا. فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزيًا وعارًا يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار.
فهذه مراكش قد تحررت، وهذه تونس قد تحررت أيضًا بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان. وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسي من الخزي والعار. وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثرًا من آثار ذلك الخزي. حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب. فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجري مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون في حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسًا وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويُدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال.
فهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء. فر الضباط أولًا، وفر الجنود ثانيًا، وأذعن شعب بورسعيد أخيرًا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام.
وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه في الإثم؟ وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا؟ وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتًا يستهزئ منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن همَّ جيشه أن يتجاوز مكانه. وأطال المقام في هذا المكان. وما بال الشعب المصري، ما زال ثابتًا يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على الرغم من فرنسا وبريطانيا العظمى.
وسأل الصديق سامي داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق. ولست أدرك فيمَ يسأل الصديق وفيمَ يبحث. وليس في اللغة العربية ولا في غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهي أنه مجنون.
طه حسين
الجمهورية 12 نوفمبر 1956.
Leave a Reply