Back to homepage

منهج النقد الأدبي عند طه حسين | Taha Hussein’s Method: How to Read a Text

وجوب درس آداب وتاريخ العرب
على طريقة ديكارت

طه حسين
الفجر
٢٥ أبريل ١٩٢٦

يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قُدِّر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال، وبما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف؛ لِيَفْهَمَ تاريخ الأمة العربية على وجهه ويَرُدَّ كل شيء فيه إلى أصله، وإذا كان هناك شيء يُؤخَذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يُوفَّقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يُلِمُّوا إلمامًا كافيًا بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بينها وبين الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدًا ولم يعرفها أحد، لم تُشْبِه أحدًا ولم يُشْبِهها أحد، لم تُؤَثِّر في أحد ولم يُؤَثِّر فيها أحد، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم.

والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيَّرَ رأيُهم في الأمة العربية ولتغيَّرَ بذلك تاريخ العرب أنفسهم، ولستُ أذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين: الأمة اليونانية، والأمة الرومانية.

قُدِّر لهاتين الأُمَّتين في العصور القديمة مثل ما قُدِّر للأمة العربية في العصور الوسطى، كلتاهما خضعت في حياتهما الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة، وكلتاهما انتهتْ إلى نوع من التكوين السياسي دَفَعَها إلى أن تتجاوز موطنها الخاص وتُغِير على البلاد المجاورة وتبسط سلطانها على الأرض، وكلتاهما لم تبسط سلطانها على الأرض عبثًا، وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثًا قيِّمًا لا نزال ننتفع به إلى الآن. ترك اليونان فلسفة وأدبًا، وترك الرومان تشريعًا ونظامًا.

وكذلك شأن هذه الأمة العربية تحضَّرَتْ كما تحضَّر اليونان والرومان بعد بداوة، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بصروف سياسية مختلفة، وانتهى بها تكوينها السياسي إلى مثل ما انتهى التكوين السياسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان على الأرض، وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثًا خالدًا فيه أدب وعلم ودين.

وليس من العجب شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب على اختلاف فروعها مشبهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة.

وفي الحق أن التفكير الهادئ في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلى نتائج متشابهة إن لم نَقُلْ متَّحِدة، ولِمَ لا؟ أليستْ هذه الإشارة التي قدَّمناها إلى ما بين هذه الأمم الثلاث من شبه تكفي لِتَحْمِلَك على أن تُفكِّر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلى نتائج واحدة أو متقاربة؟!

ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق وافتراق بين العرب واليونان والرومان، فنحن لم نكتب لهذا، وإنما نريد أن نقول إن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب، والتي يجزع لها أنصار القديم جزعًا شديدًا ليست مقصورة على الأمة العربية، وإنما تتجاوزها إلى غيرها من الأمم القديمة، ولا سيما هاتين الأمتين الخالدتين؛ فلن تكون الأمة العربية أول أمة انتُحِل فيها الشعر انتحالًا وحُمِل على قدمائها كذبًا وزورًا، وإنما انْتُحِل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية مِنْ قبل وحُمِل على القدماء من شعرائهما، وانخدع به الناس وآمنوا له، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سُنَّة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها، حتى كان العصر الحديث وحتى استطاع النُقَّاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردُّوا الأشياء إلى أصولها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلى اليونان والرومان لم تنتهِ بعد، وأنها لن تنتهي غدًا ولا بعد غد، وأنت تعلم أنها قد وصلت إلى نتائج غيَّرت تغييرًا تامًّا ما كان معروفًا متوارثًا من تاريخ هاتين الأُمَّتين وآدابهما، وأنت إذا فكرت فستوافقني على أن منشأ هذه الحركة النقدية، إنما هو في حقيقة الأمر تأثُّر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب، وهو منهج «ديكارت» الفلسفي.

وسواء رضينا أم كرهنا فلا بد من أن نتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي، كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب، ولا أن يكون ما نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما اصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم؛ ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية؛ أو قُلْ أقرب إلى الغربية منها إلى الشرقية، وهي كلما مضى عليها الزمن جدت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب.

وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم، وآخرون ينصرون الجديد، فليس ذلك لأن في مصر قومًا قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل.

وانتشار العِلْم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلى يوم، واتجاه الجهود الفردية والاجتماعية إلى نشر هذا العِلْم الغربي، كل ذلك سيقضي غدًا أو بعد غد أن يصبح عقلنا غربيًّا، وبأن ندرس آداب الغرب وتاريخهم متأثرين بمنهج «ديكارت» كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان.

ولقد أحب أن تُلِمَّ إلمامًا قليلًا بأي كتاب من الكتب الكثيرة التي تُنشَر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقي مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأُمَّتين؟ أحق ما كان يعتقد القدماء في شأن الإلياذة والأودسا؟ أحق ما كانوا يتحدثون به، بل ما كانوا يؤمنون به في شأن «هيرودوس» وغيرهما من الشعراء القصصيين؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسًا لسياستهم وعلمهم وأدبهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان؟

إن من اللذيذ حقًّا أن نقرأ ما كتب «هيرودوت» في تاريخ اليونان، و«تيتوس ليفوس» في تاريخ الرومان، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين، ولكنك لا تكاد تجد شيئًا من الفرق بين ما كان يتحدَّث به ابن إسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم، وما يكتبه المؤرخون والأدباء عن العرب في هذا العصر؛ ذلك أن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بَعْدُ بهذا المنهج الحديث، ولم تستطع بَعْدُ أن تؤمن بشخصيتها وأن تُخَلِّص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير.

وإذا كان قد قُدِّر لهذا الكتاب ألا يُرْضِي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين، فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يُقلِّل من تأثيره في هذا الجيل الناشئ؛ فالمستقبل لمنهج «ديكارت» لا لمناهج القدماء.

إخوان الصفا – مقدمة تاريخية تحليلية
طه حسين
جريدة السياسة الأسبوعية
٢٤ نوفمبر ١٩٢٨
١
لم يعرف المسلمون عصرًا كالقرن الرابع للهجرة، تناقضت فيه حياتهم العامة أشد التناقض، فكانت سيئة أشد السوء مجدبة أقبح الإجداب من ناحية، وكانت حسنة قيمة خصبة منتجة من ناحية أخرى، فسدت فيه حياتهم السياسية فسادًا ظاهرًا، فانحل سلطان الخلافة في بغداد، وأصبح أمر الخلفاء إلى المسيطرين عليهم من رجال القصر ونسائه يعبثون بهم، ويحتكمون فيهم، ويكلفونهم صروف الذلة والهوان، واضطربت الدولة كلها فاستقلت عنها الأطراف البعيدة استقلالًا تامًّا، وطمحت الأقاليم القريبة إلى شيء من الاستقلال الداخلي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الأقاليم من حظٍّ في حياتها الاقتصادية والاجتماعية، وباختلاف من ينجم فيها من الزعماء وأصحاب المطامع، بحيث أصبح العالم الإسلامي في هذا العصر ميدانًا للتنافس وازدحام الأهواء والشهوات والاستباق إلى مظاهر الفوضى والاضطراب. وصلحت فيه من ناحية أخرى حياتهم العقلية صلاحًا لم يعرفوا له مثيلًا من قبل، فأزهر الشعر والنثر، ونضج العلم والفلسفة، وتمت علوم اللغة وفنونها، ونهض التاريخ والجغرافيا، بحيث إنك تنظر إلى هاتين الناحيتين من نواحي الحياة الإسلامية في هذا العصر، فلا تكاد تستريح إلى أنهما تمثلان أمة واحدة، هي الأمة الإسلامية متأثرة بحضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، وخاضعة لسلطان واحد هو سلطان الإسلام.

ذلك أنَّ هذه الأمة لم تكن في حقيقة الأمر أمة واحدة، وإنما كانت أممًا مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، جمعها الإسلام تحت لواء واحد في أمد قصير من الدهر، وحاول أنْ يمزجها، ويلغي ما بينها من الفروق فَوفِّق إلى ذلك أحيانًا، ولم يوفَّق إليه أحيانًا أخرى.

وبينما كان يُخيَّل إلى من ينظر إلى الأمة الإسلامية إبان قوة الأمويين أو العباسيين، أنْ ستكون من كل هذه الشعوب وحدة قوية، قد مونتها وحدة اللغة والدين والنظام، كانت هناك مؤثرات أخرى تحول بين وحدة الدين واللغة والنظام، وبين نتائجها الطبيعية المنتظرة، وكان أهم هذه المؤثرات بعض الجنسيات القوية، التي لم يستطع النظام الجديد أنْ يهضمها، ولا أنْ يمحوها، بل لم يستطع أنْ يغير طموحها إلى الحياة القوية، ويضعف ميلها إلى الاستقلال والسلطان.

فقد أسلم الفرس جميعًا، وتعلَّم كثير منهم العربية أو استعربوا، ولكن الأمة الفارسية في جملتها ظلت فارسية، إنْ لم تحتفظ بدينها القديم، فقد احتفظت بلغتها وأدبها وعاداتها، وكثير من نظمها الاجتماعية، بل هي لم تكتفِ بهذا، وإنما جدت في إخضاع الغالبين إلى حد ما لما احتفظت به من لغة فإعادة ونظام، ثم اتصلت بالسياسة العربية الإسلامية، وأثرت فيها أشد التأثير، وانتهزت فرصة الخلاف بين الأمويين والهاشميين، فانحازت إلى هؤلاء الآخرين ومنحتهم القوة، وأجلست زعماءهم على عرش الخلافة، ثم أحاطت بهذا العرش تذود عنه وتحميه، وتحتكره في حقيقة الأمر، وتستأثر به وتقصي عنه العرب شيئًا فشيئًا، وما هي إلا أنْ يمضي القرن الثاني وينتصف القرن الثالث حتى تنقطع الصلة، أو تكاد تنقطع بين هذا العرش وبين الأمة العربية، وإذا العرب قد ارتدوا إلى أوطانهم الأولى، وإذا الخلفاء قد أصبحوا أسرى للعناصر الأجنبية المغلوبة في الدولة، وإذا هذه العناصر قد أخذت ترفع رءوسها، وتمد أيديها إلى السلطان فتأخذ منه — كما قدمنا — بحظوظ مختلفة من القوة والبأس ومن السيادة والاستقلال.

وكانت الأمة الفارسية أسبق الأمم إلى اقتطاع حظها من هذا السلطان، وكانت أعظمها منه حظًّا وأوفرها منه نصيبًا، ولا سيما في هذا القرن الرابع للهجرة.

٢
ولكن هذه الحركة العنيفة التي بعثها الإسلام في العالم القديم كله، أنتجت ما لم يكن بد من إنتاجه، فقد اختلطت كل هذه الأمم، وائتلفت كل هذه الشعوب، وعرف بعضها بعضًا، وأحب أنْ يتزيد من هذه المعرفة، فانكشفت للعرب نفوس الفرس والروم والساميين والقبط والبربر والإسبانيين، وانكشفت لهؤلاء جميعًا نفوس العرب، وكانت بينهم إلى هذه الصلات السياسية، التي أحدثها الفتح والدين صلات عقلية أشبه شيء بما حدث في العالم القديم، حين أغار الإسكندر على الشرق، وحين بسطت روما سلطانها على الشرق والغرب معًا.

أصبحت اللغة العربية لغة رسمية لهذه الشعوب، تترجم ما بينهم من صلات سياسية ودينية، وتترجم ما بينهم من صلات نفسية وعقلية، وأخذ كل شعب من هذه الشعوب يحرص على أنْ يكون له فيها أثر ظاهر، وأخذ العرب أنفسهم يحرصون على أنْ يكون في لغتهم مثال صادق لخير ما انتهت إليه حضارات هذه الشعوب وحياتها من أدب وفن ومن علم وفلسفة؛ فكانت الترجمة من الفارسية والهندية والسريانية واليونانية، وكثرت هذه الترجمة، وكثر درسها وشرحها وتفسيرها، وتأثرت بهذا كله حياة المسلمين العقلية منذ عهد بعيد، فظهرت آثارها في فلسفتهم وكلامهم وعلومهم وآدابهم.

ولكن هذا كله لم يسغه العقل الإسلامي الجديد، ولم يحسن هضمه إلا بعد أنْ انقضى القرن الثالث، وأظل المسلمين هذا القرن الرابع. في هذا القرن والقرن الذي بعده أخذت تظهر للمسلمين حياة عقلية جديدة مصطبغة بالصبغة الإسلامية الخالصة، وأخذ يظهر في العالم الإسلامي مفكرون مسلمون لا يصطبغ تفكيرهم بصبغة الدين ولا بالصبغة الفلسفية الأجنبية، كما كان ذلك شأن المتكلمين إبان القرنين الثاني والثالث، وإنما هم مفكرون مستقلون يحاولون أنْ يصبغوا ما انتهى إلى المسلمين من آثار الأمم الأخرى صبغة إسلامية صرفة مستقلة، وكان من زعماء هؤلاء جماعة كالفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة الذين ظهروا في هذا العصر. وكان لنضج هذه العلوم والفنون والفلسفة في نفوس المسلمين أثرها في الفن والأدب أيضًا؛ فليس شعر المتنبي وأبي العلاء كشعر البحتري وأبي تمام، أو كشعر أبي نواس ومسلم، أو كشعر الفرزدق وجرير، وليس نثر الصابي وابن العميد كنثر الجاحظ، أو كنثر ابن المقفع، أو كما يُرْوى من النثر لكُتَّاب الأمويين وخطبائهم، وإنما هذا كله شيء جديد لا هو بالبدوي أو القريب من البدوي، ولا هو بالأجنبي أو القريب من الأجنبي، وإنما هو فن عربي قوي الأسر متمكن في عربيته الجديدة أشد التمكين.

٣
من خضوع المسلمين في هذا العصر لهاتين الظاهرتين المتناقضتين؛ ظاهرة الانحطاط السياسي والرقي العقلي، بقيت لنا آثار مختلفة كثيرة، لعل أظهرها وأقواها وأشدها تشخيصًا لهذا العصر هذا الكتاب الذي أقدمه إلى القُرَّاء وهو «رسائل إخوان الصفا»؛ فهذا الكتاب يمثل أصدق تمثيل وأقواه هاتين الظاهرتين المتناقضتين، يمثل من جهة فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك الوقت؛ لأن الذين كتبوه جماعة لا نكاد نعرف منهم أحدًا؛ لأنهم كانوا يعملون من وراء ستار، وكانوا يعملون لغرض سياسي قبل كل شيء. فهم كانوا خصومًا للنظام السياسي القائم في بغداد، كما لم يكونوا أنصارًا مخلصين للنظام السياسي القائم في القاهرة، لم يكونوا يرتاحون إلى خلافة العباسيين، ولم يكونوا يحبون خلافة الفاطميين، وإنما كانت لهم أغراض سياسية متطرفة مسرفة في التطرف، فهم من غلاة الشيعة ولعلهم من الإسماعيليين، والقول كثير في أغراض الإسماعيليين ووسائلهم السياسية ونفورهم من الفاطميين وبغضهم لدولة بني العباس.

كان هؤلاء الناس إذن يعملون من وراء ستار ويؤلفون جماعة سرية، وكان قوام جماعتهم هذه — فيما يظهر — سياسي وعقلي، فهم يريدون قلب النظام السياسي المسيطر على العالم الإسلامي يومئذ، وهم يتوسلون إلى ذلك بقلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين أيضًا، وهم يسلكون في ذلك مسلك جماعات سبقتهم في العالم القديم؛ أظهرها جماعة الفيثاغوريين في المستعمرات اليونانية الإيطالية، فقد كانت هذه الجماعة مبغضة للنظام السياسي اليوناني المألوف، وكانت تريد قلبه وتغييره، وكانت تتوسل إلى ذلك بوسائل أهمها تغيير النظام العقلي، وإنشاء فلسفة جديدة تكون الحياة العقلية والعلمية للفرد والجماعة تكوينًا جديدًا، يلائم بينها وبين السياسة الجديدة، ويمكِّن هذه الجماعة من السيطرة على الأمور العامة، وقد وُفقت هذه الجماعة الفيثاغورية بعض التوفيق، وحاول أفلاطون شيئًا من ذلك فوُفق من الجهة العقلية، وتخيل نظامًا سياسيًّا بسطه في كتاب الجمهورية وكتاب القوانين، وأقامه على الفلسفة الأفلاطونية كلها، كما أقام الفيثاغوريون نظامهم على الفلسفة الفيثاغورية. ولكن أفلاطون لم يوفق في الحياة العملية إلى شيء، وظلت سياسته خيالًا ليس غير، وفلاسفة اليونان جميعًا متفقون على أنَّ النظام السياسي كائنًا ما كان لا قيمة له، إذا لم يعتمد على نظام من نظم التربية يلائمه ويهيئ الأفراد والجماعات لتأييده والذود عنه. فالتربية أهم ما يعنى به أفلاطون في الجمهورية، وهي أهم ما يعنى به أرستطاليس في كتاب السياسة، وكلاهما يبين أحسن تبيين الصلة بين أنواع التربية والتعليم المختلفة، وبين ما يوجد أو يتخيل من نظم الحكم والسياسة.

فجماعتنا السرية هذه متأثرة من غير شك بما كان في العالم اليوناني من محاولات تشبه محاولتها السياسية، متأثرة بمحاولة الفيثاغوريين، متأثرة بمحاولة أفلاطون. وقد كان حظها من التوفيق كحظ الفيثاغوريين، فقد وفق الإسماعيليون إلى وجود نظام سياسي مكَّن لهم في بعض الأرض، ونشر الرعب في العالم الإسلامي حينًا.

وليس أدل على فساد الحياة السياسية من قيام هذه الجماعات السرية التي تعمل لهدمها وتقويضها جادة ملحة، فكما كانت فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين دليلًا على فساد الحياة السياسية اليونانية؛ ففلسفة إخوان الصفا دليل على فساد الحياة السياسية الإسلامية في ذلك العصر، وقد احتاط هؤلاء الناس في التستر والاستخفاء، فلم نكد نعرف منهم أحدًا — كما قلنا — وإنما سميت أسماء لا تتجاوز الخمسة، ولا تخلو أنْ يحيطها الشك، وكل ما نستطيع أنْ نعرفه من أمر هذه الجماعة أنها نشأت في البصرة في منتصف القرن الرابع، وعُرف لها فروع في بغداد، وليس عندي شك في أنَّ أبا العلاء قد اتصل بهذا الفرع البغدادي حين ارتحل إلى بغداد آخر هذا القرن، وكان يحضر اجتماعه يوم الجمعة من كل أسبوع، نرى ذلك في سقط الزند، بل نرى بعض أسماء الذين كانوا يحضرون جلسات هذا الفرع، ونكاد نعرف المكان الذي كانوا يجتمعون فيه يوم الجمعة من كل أسبوع، ونكاد نلمح في هذه الاجتماعات شيئًا من اللهو المعتدل الذي لا بدَّ منه — فيما يظهر — لتستقيم فلسفة الفلاسفة، وقد أشرت إلى شيء من ذلك في «ذكرى أبي العلاء» على أني أشد استيقانًا به الآن، وأعتقد أنا نجد في رسائل إخوان الصفا أحسن تفسير لكثير من غوامض اللزوميات.

٤
و«رسائل إخوان الصفا» هذه تمثل الحياة العقلية في ذلك العصر، كما تمثل الحياة السياسية، أو هي أقوى من تمثيلها للحياة السياسية، فهي مرآة تنعكس فيها الحياة العقلية انعكاسًا مباشرًا. ونحن نرى فيها هذه الحياة واضحة جلية، نرى أنَّ العقل الإسلامي في القرن الرابع كان قد وعى ما نُقل إليه من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، وآداب الفرس والآداب العربية، والإسلام وغيره من الديانات السماوية وغير السماوية، وجمع ذلك كله ورتبه ولاءم بينه، وحاول أنْ يكِّون منه مزاجًا واحدًا مؤتلفًا، هو خلاصة الثقافة التي يجب على الرجل المستنير حقًّا أنْ يظفر بها ويأخذ منها بالحظ الموفور.

ونلاحظ ونحن نقرأ «رسائل إخوان الصفا» ما نلاحظ ونحن نقرأ اللزوميات ورسالة الغفران؛ من أنَّ الصلات كانت في ذلك العصر، قد كثرت واستوثقت بين المسلمين في العراق وبين الهند، فانتقلت إلى أهل العراق مذاهب الهند الفلسفية وأساطيرها الشعبية، واختلط هذا كله بمجموعة العلم المحصلة يومئذ عند المسلمين، فأثر فيه أثرًا ظاهرًا، ولعل مذهب التناسخ لم يكثر التحدث به ومحاولة شرحه وتأييده وتصويره في الصور المختلفة، كما كثر ذلك في هذا العصر.

ولسنا نقول شيئًا جديدًا حين نقول: إنَّ «رسائل إخوان الصفا» هذه أشبه شيء بدائرة معارف فلسفية علمية، جمعت كل ما لم يكن بد من تحصيله للرجل المثقف حقًّا في ذلك العصر، ولكنها جمعت ذلك كله على شيء من النظام، يمثله الفهرست الذي قدَّم بين يديها، وهذا النظام يجب أنْ ينظر إليه من وجهين، أحدهما الوجه الفلسفي الصرف، وهو من هذه الناحية متأثر بما عرف المسلمون عن فلسفة الفيثاغوريين والأفلاطونيين القدماء والمحدثين وأرستطاليس متأثر بهذا كله، فهو يقسم الكتاب إلى أجزاء أربعة، أولها في أربع عشرة رسالة في الرياضة على اختلافها، في العدد والهندسة والفلك، ثم في الفنون العملية، ثم في المنطق، وهذا الجزء فيثاغوري أفلاطوني في أوله، وهو في آخره متأثر بأرستطاليس، إذ منطقه هو منطق أرستطاليس بترتيبه وأسمائه. والجزء الثاني أرستطاليسي الصبغة، يتناول الطبيعيات كلها على النحو الذي تناولها عليه أرستطاليس، يبدأ بالهيولي والصورة والزمان والمكان والحركة، وينتقل إلى الآثار العلوية، ثم ما يزال يتدرج حتى يصل إلى المعادن، ثم إلى النبات، ثم إلى الحيوان، ثم إلى الإنسان، ويختم بعلم النفس. والجزء الثالث عشر رسائل فيما بعد الطبيعة، وهو ظاهر التأثر بهذه الضروب الثلاثة من الفلسفة اليونانية، ففيه من الفيثاغوريين، وفيه من أفلاطون، وفيه من الأفلاطونية الحديثة، وفيه من أرستطاليس، فإذا كان الجزء الرابع فهو يتناول الإلهيات وما يتصل بالديانات والشرائع والتصوف، وهو المزاج الذي التأمت فيه كل العناصر المؤثرة في الفلسفة الإسلامية، سواء منها الشرقي والغربي والفلسفي والعلمي والديني والأدبي والفني والخرافي أيضًا. وهذه الأجزاء الأربعة كلها ورسائلها التي تبلغ اثنتين وخمسين رسالة، ليست في حقيقة الأمر إلا مقدمة ومدخلًا إلى رسالة جامعة هي خلاصة العلم وغاية الغايات التي كانت تنتهي إليها الجماعة، لا ينبغي أنْ تُعرض على أحد حتى يكون قد أخذ بحظه من كل هذه الرسائل. والجماعة تشبه نفسها برجل حكيم جواد كريم له بستان فيه من كل لذة ما فيه بهجة لا تعدلها بهجة، ولكنه لا يدخل الناس في هذا البستان حتى يعرض عليهم نماذج بما فيه، فهم ينظرون إليها ويدنون منها، فيذوقون ويشمون ويلمسون حتى إذا أنسوا واطمأنوا، ثم رغبوا واشتهوا أُدخلوا في هذا البستان، وهم يشبهون رسالتهم الجامعة هذه بالدواء الذي يشفي إنْ كان الجسم متهيئًا لقبوله، ويقتل إنْ كان الجسم لم يتهيأ له. ولكن هذه الرسالة الجامعة لم تصل إلينا، ولو قد وصلت لعرفنا كنه هذه الجماعة وأغراضها ووسائلها معرفة واضحة قاطعة.

٥
درس هذه الرسائل مفيد للذين يريدون أنْ يدرسوا تاريخ الفلسفة الإسلامية؛ لأنه — كما رأيت — يمثل عصرًا من أنضر العصور الفلسفية في الإسلام. ومن يدري؛ لعل قراءة هذا الكتاب في عناية وتحقيق تكشف عن أشياء لم تظهر بعد، فهل يبعد أنْ يكون رجل كالغزالي قد تأثر إلى حد قريب أو بعيد بفلسفة هذه الجماعة، ولا سيما حين نلاحظ أنه نشأ فيلسوفًا وانتهى صوفيًّا، وأنَّ إخوان الصفا يستخلصون التصوف والغلو فيه من الفلسفة الخالصة؟ وهذا الدرس يفيد الذين يدرسون التاريخ السياسي للمسلمين، فهو يكشف لهم عن أشياء قد لا يظفرون بها في كتب التاريخ السياسي؛ لأن التاريخ السياسي قد كُتب — كما يعلم كل إنسان — متأثرًا بطائفة من المؤثرات حالت بينه وبين الإنصاف في كثير من الأحيان، وكثير من الذين كتبوا هذا التاريخ السياسي لم يكونوا ينظرون إلا إلى ظواهر الأمور وأغراض الحياة العامة؟ ومن يدري؛ لعل هذه الرسائل لو قرأها المؤرخون في عناية وتحقيق تكشف عن أسرار تاريخية لا نقدِّرها، بل لا نفترضها نحن الآن.

وهذا الدرس يفيد الذين يريدون أنْ يتثقفوا، وأنْ يأخذوا بحظ من قديمنا العربي، فالفكرة العامة الآن عند الذين ينصرون القديم ويتعصبون له أنَّ هذا القديم ينحصر أو يكاد ينحصر في الشعر والنثر، وما يتصل بهما من علوم اللغة وفنون الأدب، وهم لا يكادون يحفلون بالفلسفة والعلم؛ لأنهم يحسون في وضوح وجلاء تفوق الفلسفة الحديثة والعلم الحديث على ما كان للقدماء من فلسفة وعلم، وهم في ذلك نفعيون يتأثرون منافعهم القريبة، خاضعون لعقول هي أرقى من أذواقهم، يقدرون رقي العلم والفلسفة في هذا العصر، فيزدرون ما للعصور القديمة من علم وفلسفة، ولا يقدرون رقي الآداب لفتور أذواقهم فيحفلون الأدب القديم ويسرفون في تقديمه، ولو قد أنصفوا أنفسهم، ولو قد لاءم الله بين عقولهم وأذواقهم لقدروا الأدب القديم والعلم القديم والفلسفة القديمة كلها على سواء، وفي شيء من العدل والإنصاف، فليس أدب القدماء أشد لذة وإمتاعًا للنفوس من علم القدماء وفلسفتهم، وإذا كان علم القدماء وفلسفتهم لا يلائمان عقولنا الآن فأدب القدماء يجب ألا يلائم أذواقنا الآن، إلا أنْ يكون الله قد مسخ هذه النفوس فضمم عقولها ومحا أذواقها أو كاد.

فالذين ينشرون القديم ويتعصبون له، والذين يريدون أنْ يكونوا لأنفسهم ثقافة قديمة صالحة، والذين يريدون أنْ يعرفوا القديم على وجهه ليستطيعوا أنْ يعرفوا الحديث حق معرفته، كل هؤلاء خليقون أنْ يقرءوا الفلسفة القديمة، كما يقرءون الأدب القديم، وليس كل الناس، بل ليس كل المثقفين، يستطيع أنْ يتصرف في فلسفة الفارابي وابن سينا، وإنما هذه الفلسفة وقف على الإخصائيين؛ لأنها كُتبت للإخصائيين، في حين كُتبت رسائل إخوان الصفا لعامة المثقفين، وقصد بها إلى إيجاد الثقافة الفلسفية الصالحة، فهي أدنى إلى العقول وأيسر على النفوس، وهي مقدمة صالحة لدرس الفلاسفة الإخصائيين.

على أنَّ من الحق أنْ نلفت الناس إلى أنَّ هذه الرسائل لم تقصد بها الفلسفة من حيث هي، ولا العلم من حيث هو، وإنما أريد بها تكوين ثقافة معينة تهيئ لنحو من السياسة معين، ففيها من التأويل والدوران، وفيها من الحيل والخيال ما يحسن الالتفات إليه والاحتياط منه، وقد كان إخوان الصفا أنفسهم مخلصين، فقدَّروا ذلك ولفتوا إليه ودعوا وألحوا في الدعاء إلى ألا تعطى هذه الرسائل للناس إلا بمقدار. وقد كان ذلك ميسورًا في العصر القديم حين كان العلم لا يؤخذ إلا في المدارس وعن العلماء، وحين كان تحصيل الكتب واقتناؤها لا يأتيان إلا بعد مشقة وجهد. فأما الآن وقد وجدت المطبعة، وأصبحت الكتب تعرض نفسها على الناس، وتلح في العرض والإغراء، فنحن بين أمرين، إما أنْ نحظر نشر الكتب إلا بمقدار وبعد امتحان وفتنة واختبار وتمحيص، وإذن فهو الجهل والجمود والضعف عن اجتماع الجهود في سبيل الحياة، وإما أنْ نذيع الكتب وننشرها ولا نقيد حرية المطبعة إلا بما لا بدَّ منه لحماية الأخلاق وحياطة النظام الاجتماعي، وهذا هو الوجه وهو الطريق التي سلكتها الأمم إلى الآن، والتي نسلكها نحن راضين أو كارهين، وكل ما يجب علينا لأنفسنا ولشبابنا إنما هو التنبيه واللفت إلى ما يجب من الاحتياط والحذر حين تعرض عليه كتب بعينها حتى لا تُقرأ على علاتها، ولا تؤخذ في غير حذق وفطنة، فيكون شرها أكثر من خيرها، وخيرها أكثر من نفعها.

لرسائل إخوان الصفا قيمة أخرى لم أشر إليها بعد، وهي قيمتها الفنية الخالصة، فهي من حيث إنها تتجه إلى جمهرة الناس للتعليم والتثقيف، قد عدل فيها عن العسر الفلسفي إلى اليسر الأدبي، وعني كُتابها بألفاظها وأساليبها عناية أدبية خاصة، ففيها خيال كثير، وفيها تشبيه متقن، وفيها ألفاظ متخيرة ومعانٍ ميسرة، وليس من الغلو أنْ يقال: إنها قاربت المثل الأعلى في تذليل اللغة العربية وتيسيرها لقبول ألوان العلم على اختلافها. ولو أنَّ لدينا من الذين يعنون بالدرس الأدبي جماعة تتوفر على «رسائل إخوان الصفا» درسًا وتحليلًا ونقدًا؛ لكان من الممكن أنْ نتبين ما فيها من الشخصيات الفنية المتفاوتة، بل لكان من الممكن أنْ نستكشف بعض هذه الشخصيات، ومن يدري؛ لعل منها شخصيات معروفة كتبت في الأدب والفلسفة والعلم وعُرفت كتبها، واشتركت في هذه الرسائل سرًّا ولم يعرف اشتراكها إلى الآن.

وجملة القول أنَّ هذه الرسائل كنز لم يقدر بعد؛ لأنه لم يُعرف بعد، وهو إذا عُرف قد يجلو قطعة من حياة الأمة الإسلامية في عصر من أهم عصورها وأجلها خطرًا، وعسى أنْ يكون في نشر هذه الرسائل وتيسير الحصول عليها ما يدني من هذه الغاية ويقرب من هذا المثل الأعلى.

الكتب شعر ونثر
طه حسين
مجلة الرسالة
١ يوليو ١٩٣٣

عليَّ دين ثقيل للأستاذ العقاد حِيلَ بيني وبين أدائه إلى الآن. ويظهر أني لن أستطيع أنْ أؤديه جُمْلةً، فلا بدَّ من تأديته أقساطًا؛ فبَيْنَ يديَّ كُتُبٌ ثلاثة قرأتُها وأُعْجِبتُ بها، ولي فيها آراء وأحب أنْ أذيعها؛ وهي: كتاب الأستاذ عن ابن الرومي، وكتابه عن جوت، وديوانه الأخير وحي الأربعين.

ولست أدري! لماذا آثرت أنْ يكون قضائي لهذا الدَّيْن عكسيًّا فأبدأ بآخر هذه الكتب الثلاثة ظهورًا؟! ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بوحي الأربعين لأنه شعر، ولأن الوقوف عند الشعر والشعراء عذب لذيذ للكُتَّاب الذين لا يحسنون قَرْضَ الشِّعْر؛ فهم يجدون في قراءته ونقده وتحليله لذَّةً لا يجدونها في قراءة النثر ونقده وتحليله. ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بهذا الديوان؛ لأن نقده أيسر من نقد الكتابَيْن الآخرين — أيسر عليَّ، وأيسر على الشاعر الكبير نفسه — فلن يكون بيننا جدال طويل ولا قصير، ولن نحتاج إلى أنْ نرجع إلى كتب الأدب والتاريخ؛ لنثبت رأيًا أراه ويخالفني العقاد فيه، أو رأيًا يراه العقاد ولا أقره عليه، إنما هي آراء وخواطر تثيرها في نفسي قراءة هذا الديوان، وسأعرضها على العقاد وعلى قرائه الذين نقدوه والذين قرظوه، دون أنْ أحاول أنْ أفرضها على أحدٍ فرضًا، أو أنْ أتعصَّب لها أو أنْ أُجادل عنها، ودون أنْ يكون للعقَّاد وأنصاره وخصومه أنْ ينكروا هذه الآراء أو يجادلوا فيها؛ لأنها آراء تتصل بالذَّوْق وتتصل بمزاج الكاتب وطبيعته وتأثره بالفن الجميل أكثر مما تتصل بالحقائق المقررة، أو الأمور التي يكثر فيها الجدال والنضال.

وما أظن أنَّ أحدًا يطمع في أنْ يفرض عليَّ ذوقًا غير ذوقي، أو طبيعة غير طبيعتي، أو تأثرًا بالفن الجميل غير تأثري به لمن شاء أنْ يرضى، ولمن شاء أنْ يسخط، وأنا أوثر بالطبع رضا الناس على سخطهم، ولكن إيثاري لهذا الرضا شيء وظَفَري به شيء آخر.

ولعلِّي آخر الأمر إنما آثرت البدء بهذا الديوان؛ لأن كلام الناس قد كثر فيه، ولأن جدالهم قد اشتدَّ من حوله، ولأن نُقَّاده قد غلوا حتى جاوزوا القصد، وأنصاره قد أسرفوا حتى جاروا عن الحق، فأحببت أنْ أقول في هذا الديوان كلمة، لا أقول إنها تقر الأمر في نِصَابه، وترد المختلفين إلى الوفاق، فليس إلى ذلك من سبيل. ولكنها قد تصوِّر رأيَ جماعة من المنصفين الذين لا يرضون عن آثار العقاد ولا ينكرونها؛ لأنهم يغلون في حُبِّ العقاد أو يغلون في بُغْضه، بل لأنهم ينظرون إليها من حيث هي آثار فنية خالصة تلائم أذواقهم أحيانًا فيرضون، وتُنافِر أذواقَهم حينًا فيُنكِرون. ومن حق هؤلاء الناس أنْ تُصوَّر آراؤهم، وتظهر مذاهبهم في آثار كاتبٍ مهما يَقُلْ فيه خصومُه، فلن يستطيعوا أنْ ينكروا عليه البراعة، وشاعرٍ مهما يَقُلْ أعداؤه فلن يستطيعوا أنْ يجحدوا حظَّه من الإجادة، وتوفيقه إلى شيء كثير جدًّا من الإبداع.

وأريد أنْ أقف وقفة قصيرة عند هذه الصفحات التي قدَّمها العقاد بين يَدَيْ ديوانِه هذا لِأُقرَّه في غير تحفُّظ، على ما ذهب إليه فيها من أنَّ بين المجدِّدين قومًا يُقلِّدون في التجديد، فيخطئون الفهمَ، ويَعْدُون الصواب، ويتورَّطون في أحكام على الشعر والفن، لا خطر لها ولا غناء. وأنْ أُقِرَّه أيضًا في غير تحفُّظ على ما ذهب إليه في هذه الصفحات، من أنَّ للشاعر المجدِّد أنْ يطرق الفنون التي طرقها القدماء دون أنْ يمس ذلك تجديدَه أو يغُضَّ ذلك من براعته، بل قد يكون من الحق عليه أنْ يطرق هذه الفنون فيُجدِّدها ويبعث فيها حياة ملائمة للعصر والبيئة، ولميول الجيل الذي يعيش الشاعر فيه.

فليس المدح عيبًا من حيث هو مدح، وليس المدح فنًّا يجب أنْ يموت، وإنما المدح فن من فنون الشعر لا بدَّ من بقائه ما بقي الشعر، وما بقي بين الناس من يُجِيد ويُحسِن، وما بقي بين الناس من يرضى عن الإجادة ويحمد الإحسان للمحسنين. والهجاء فن من فنون الشعر لا بدَّ من أنْ يبقى ما بقي في الناس من يسيء، وما بقي في الناس من يحب نقد المفسد وتقويم المسيء.

وقُلْ مثلَ ذلك في غير المدح والهجاء من هذه الفنون التي طرقها القدماءُ من العرب وغير العرب، لا ينبغي أنْ تزول أو أنْ تُهجَر، وإنما ينبغي أنْ تتطور لتلائم غيرها من أساليب الحياة العقلية والفنية التي يحياها الناس على اختلاف البيئات والعصور.

ولكني وقفت مفكرًا بعضَ الشيء عند هذا التعريف، الذي أراد العقَّاد أنْ يُعرِّف به الشعر حين يقول:

وإنَّ مَنْ أراد أنْ يحصر الشعر في تعريف محدود لَكَمَنْ يريد أنْ يحصر الحياةَ نفسَها في تعريف محدود؛ فالشاعر لا ينبغي أنْ يتقيَّد إلا بمطلب واحد يُطوَى فيه جميعُ المطالب؛ وهو: «التعبير الجميل عن الشعور الصادق»، وكُلُّ ما دَخَلَ في هذا البابِ — بابِ التعبير الجميل عن الشعور الصادق — فهو شِعْر وإنْ كان مديحًا أو هجاء أو وصفًا للإبل والإطلال، وكل ما خرج عن هذا الباب فليس بشعر، وإنْ كان قصة أو وصف طبيعة أو مُخترَع حديث.

فالشِّعْر عند العقاد كالحياة ليس إلى حصره ولا إلى تحديده من سبيل، أو هو كالحياة يُحْصَر ويُحَدَّد، إذا أمكن حصر الحياة أو تحديدها! ولكن العقَّاد بعد ذلك يُعرِّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وهو بهذا التعريفِ نَفْسِه قد حدَّد الشِّعْرَ وجعله أضيق من الحياة، فليست الحياةُ كلُّها تعبيرًا جميلًا عن شعور صادق، بل في الحياة شعور غير صادق يُعبَّر عنه تعبيرًا غير جميل، وفيها شعور كاذب يُعبَّر عنه تعبيرًا جميلًا، وفيها شعور صادق يُعبَّر عنه أحيانًا تعبيرًا جميلًا وتعبيرًا غير جميل.

وإذن؛ فليس الشِّعْر كالحياة لا سبيل إلى حصره، بل ليس الشعر كالحياة يُحصَر كما تُحصَر الحياة، ويُحدَّد كما تُحدَّد الحياة، وإنما الشعر لون من ألوان الحياة وتحديده ليس مستحيلًا ولا عسيرًا. وآية ذلك أنَّ العقاد نفسَه قد حاول هذا التحديد، فعرَّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وجعل كُلَّ ما يدخل في هذا الباب شِعْرًا مهما يكن جوهره، وكل ما يخرج من هذا الباب لم يجعله شعرًا مهما يكن شكله وصورته وموضوعه.

وأظن أنَّ العقاد لم يُوفَّق في هذا التعريف، فماذا أراد بالتعبير الجميل أهو المنظوم أو المنثور؟ أم هما المنظوم والمنثور معًا؟ فإن تَكُنِ الأُولى فقد يدخل في تعريف الشعر من الكلام ما ليس منه، وإنْ تَكُنِ الثانية فقد يخرج الشعر المنظوم كله من هذا التعريف، وإنْ تَكُنِ الثالثة فكل كلام جميل يَصِف شعورًا صادقًا فهو شعر! وإذن، ففيمَ تقسيم الكلام إلى شعر ونثر؟! سيقول العقاد: إنَّ هذا التقسيم قديم لا غناء فيه، ولكن العقَّادَ نفسَهُ لم يُسَمِّ نثرَه شعرًا، ولم يُطلِق لفظ الديوان إلا على كلامه المنظوم، ووحي الأربعين — فيما أعلم — نَظْمٌ كله لا نثر فيه إلا الشرح والتفسير؛ فالتعريف إذن من هذه الناحية بعيد كل البُعد عن الدقة التي يُعرَف بها العقَّادُ.

ويزداد هذا البُعد إذا توسَّعْتَ بعضَ الشيء في معنى التعبير الجميل؛ فالتصوير تعبير جميل، والموسيقى تعبير جميل، والغناء تعبير جميل. فكُلُّ فنٍّ جميلٍ إذن، فهو شعر! وهذا كلام يقوله الكُتَّابُ حين يتجوَّزون، أو حين لا يحرصون على التحقيق، فأما إذا أرادوا الإصابة والدِّقَّة فلا بدَّ لهم من تحديد التعبير الجميل. هذا، ولا بدَّ لهم من أنْ يلاحظوا فيه الوزنَ والقافيةَ، أو الوزنَ دون القافية، أو الانسجامَ الموسيقيَّ على كل حال. وهذا الشعور الصادق، ما هو؟ وما عسى أنْ يكون؟ وهل يطمئن العقاد حقًّا إلى أنَّ كل ما يصفه الشعراء فيجيدون وصفه إنما هو نتيجة لشعور صادق حقًّا؟ أليس من الشعراء من يُجِيد الوصف لطائفة من العواطف لا يَجِدها ولا يشعر بها شعورًا صادقًا، وإنما هو يعرفها ويُحسِن معرفتها، ويواتيه الفن فيجيد وصفها، ويُعبِّر عنها تعبيرًا جميلًا؟!

وأظن العقَّاد يوافقني على أنَّ المعرفة الجيِّدة شيء، والشعور الصادق شيء آخر. والعقاد يَعْرِف — من غير شك — هذا المَثَل الذي ضربه أرسطاطاليس لبراعة الشعراء في التناقض، وهو مَثَلُ بندار حين طُلِب إليه أنْ يمدح بغلًا ولم يعجبه الأجر، فاستكبر وذم البغل، فلما ضُوعِف له الأجر، جعل هذا البغلَ فرسًا ذات جناحين! ومن المؤكد أنَّ بندار لم يكن يشعر شعورًا صادقًا لا بمحاسن هذا البغل ولا بعيوبه، وإنما كان يعرف هذه المحاسن والعيوب، وأعانه فنُّه فصورها تصويرًا بديعًا.

وكُلُّنا يعلم أنَّ الشعراء والخطباء يُروِّضون أَنْفُسَهم على مَدْحِ الشيء وذمِّه، فيُجِيدون في المدح والذم جميعًا، ويُعبِّرون عنهما تعبيرًا جميلًا دون أنْ يكون شعورهم بهما صادقًا من غير شك، أو كاذبًا من غير شك، إنما هي البراعة الفنية الخالصة. وإذن؛ فصدق الشعور قد يكون مزايا الشِّعْر ومحاسنه، ولكنه لن يكون ركنًا من أركان الشعر، ولو قد جعلنا صدق الشعور ركنًا من أركان الشعر؛ لأسقطنا أكثر الشعراء من تاريخ الأدب في جميع اللغات. ولم يُخطِئ القدماء حين قالوا: إنَّ أعذبَ الشِّعْر أكذبُه. ولم يخطئ أرسطاطاليس حين أباح للشعراء ما لم يُبِح للخطباء من الإسراف والإغراق؛ فلا بدَّ إذن من أنْ يُحقِّق العقادُ تعريفَهُ هذا للشعر، ومن أنْ يُحقِّق جزأيه جميعًا. ومع ذلك، فهل يَصْدُق هذا التعريفُ على وحي الأربعين؛ بحيث نستطيع أنْ نقول إنَّ هذا الديوانَ كله تعبيرٌ جميلٌ عن شعور صادق؟

أمَّا أنَّ شعورَ العقاد بكل ما وصفه في ديوانه صادقٌ فشيء أُحِسُّه في قُوَّة لا تقبل الشك ولا الرَّيْب. ولكن، بالقياس إلى بعض الأبواب، بالقياس إلى هذه الأبواب التي تظهر فيها شخصية العقاد ظهورًا واضحًا كل الوضوح، بالقياس إلى باب الغَزَل، مثلًا، هذا الذي تظهر فيه للعقاد شخصيَّة خفيفة الظِّلِّ جدًّا، حلوة الروح جدًّا، مُحِبَّة للحياة جدًّا، مُقبِلة على اللذة جدًّا، في حب لها واقتصاد فيها. انظر إلى هذه الأبيات:

يا له من فمٍ!يا لها من شفَهْ!يا لشهدٍ بهاكِدْتُ أنْ أرشفَهْ!يا لزهرٍ بهاكدت أنْ أقطفَهْ!حلوة، وَيْحَها!غضة مرهفَهْحسرتي بعدهاحسرةٌ مُتْلِفَهْ
ألست ترى فيها شخصيةً تُحِبُّ الحياة وتَكْلَف بها، وتحب اللذة وتوشك أنْ تسرع إليها، لولا أنَّ شيئًا يصدها عنها صدًّا ويَرُدُّها فترتدَّ كارهة آسفة؟! وانظر إليه كيف وُفِّق إلى الإبداع في تصوير هذه المعاني السهلة المألوفة، في لفظ جميل عذب كله أنيق، وكيف استطاع أنْ يُصوِّر من وراء هذه المعاني اليسيرة المألوفة، التي يجدها الناس جميعًا، ويراها الناس جميعًا، معنى آخرَ ليس يسيرًا، ولا مألوفًا ولا شائعًا بين الناس، وإنما هو مقصور على الذين يُسلِّطون العقل على الحس، ويُحكِّمون الإرادة في العاطفة، ويَجِدون لذة في الرغبة الحادَّة يمسكها الحرمان الشديد؛ فالعقاد مفتون بصاحبته، مفتون بهذا الفم وهذه الشفة، شديد الظمأ إلى شهدها، شديد الميل إلى زهرها، يَوَدُّ ولكنه لا يفعل، ويكاد ولكنه لا يُحقِّق، ويجد لذة قوية في هذا الحب، وفي هذا الحرمان، يخرج عن طور اللذة الغرامية المألوفة إلى طور اللذة الفلسفية الخالصة.

في هذه الأبيات تظهر شخصية العقاد، كما هي، خفيفة جدًّا تهفو إلى الجمال وتصبو إليه، رزينة جدًّا تُؤثِر أنْ يكون استمتاعها بالجمال عقليًّا لا إثم فيه ولا جُناح.

في هذه الأبيات تظهر براعة العقاد، ويظهر كل ما يملأ قلب العقاد من غناء، يجمع بين الحلاوة والقوة، ويُغرِي المغنين بتلحينها في هذه الأبيات، يتحقق تعريف العقاد للشعر فهي تعبير جميل عن شعور صادق.

وقُلْ مِثْلَ هذا في هذين البيتين، وهما عندي من أجمل الشعر وأرقاه، وهما عندي يمثلان العقاد تمثيلًا صادقًا. يمثلان جُمُوحَهُ وتمرُّدَه، ويمثلان وداعته وطمأنينته.

لا أرى الدنيا على نور الضحىحبذا الدنيا على نور العيونهي كالرَّاوُوق للنور فلاصفو إلا صفوها العذب المصون
فانظر إليه كيف نفر وشذ وجمح في الشطر الأول من البيت الأول، فلم يرَ الدنيا على نور الضحى، كما يراها الناس جميعًا، ولم يألفها على هذا النور، كما يألفها الناس جميعًا! ثم انظر إليه كيف ثاب وأناب وهدأ واطمأن وأحب هذه الدنيا، ولكن في نور العيون بعد أن اختُصِرَتْ وهُذِّبَتْ ونُفِيَتْ عنها الأعراضُ، واستُبْقِيَتْ منها الخلاصة الخالصة والصفو الذي برئ من كل كدر، حبذا الدنيا على نور العيون. ثم انظر إليه كيف فسَّر حُبَّه لهذه الدنيا المصفاة في هذا البيت الجميل:

هي كالراووق للنور فلاصفو إلا صفوها العذب المصون
فالعقاد في هذين البيتين لا يحب الدنيا المبتذَلة التي يُرخِّصها نورُ الضحى، ويبيحها للناس جميعًا، وإنما يحب الدنيا المصونة الممتازة التي يحتويها نور العيون، ولا يبيحها إلا لطبقة خاصة من الناس؛ هم الشعراء.

فإذا أردت — ويجب أنْ تريد دائمًا مع العقاد — أنْ تتجاوز هذا المعنى الظاهر الذي يفهمه كل ذي حظ من الأدب، إلى الرمز الذي يريد إليه العقاد، وإذا ذهبت — ويجب أنْ تذهب دائمًا مع العقاد — مذهب الرمزيين الذين يَدُلُّون بالقليل على الكثير، وبالواضح على الخفي، فسترى أنَّ هذين البيتين — على قلتهما وقصرهما وضيقهما — يَسَعان كلَّ شيء ويُصوِّران نفسَ الشاعر ونظرها إلى كل شيء؛ فالعقاد لا يحب الابتذال، وإنما يحب الامتياز، ولا بأس عليه من ذلك ولا جناح عليه فيه، فالشاعر الذي يستحق هذا الاسمَ أرستقراطيٌّ بطبعه، وإنْ كان أقدر الناس على تصوير الديمقراطية وفهمها وإمدادها بالحياة.

وأكاد لا أشك في أنَّ شعور العقاد صادق في كل هذا الباب من الديوان، ولو أني ذهبتُ أُحلِّل الجيِّدَ من هذا الباب، وكله جيد، لما فرغتُ من التحليل في فصل ولا في فصول. وكم كنت أود لو أُتِيحَ لي أنْ أقف عند هذه القصيدة البديعة التي يسميها العقاد «المعاني الحية»، أو عند هذه الآية الشعرية التي يسميها العقاد «الغزل الفلسفي»، أو عند هذه الآية الأخرى من بين الموشحات، وهي التي سماها العقاد «ليلة البدر»؛ فقد اجتمع للعقاد في هذه القصائدِ الثلاثِ من محاسن الشعر الرائع ما لم يجتمع له في غيرها من قصائد هذا الديوان. اجتمع له صدقُ الشعور وعلوُّه، وصدق التصوير ودِقَّتُه، وصدق الحس وامتيازه، وجمال اللفظ الذي لا غبار عليه، واجتمع له التوفيق إلى المعاني النادرة التي قلَّما يقع عليها الشعراء عندنا، والمهارة في تأدية هذه المعاني بحيث يُخدَع عنها القراء والسامعين، فيُخيَّل إليهم أنهم يقرءون أو يسمعون شيئًا مألوفًا، وهم يقرءون ويسمعون كلامًا من أندر الكلام وأنفسه وأعلاه؛ كلامًا لا يصدر إلا عن شاعر حقًّا، اجتمع له في هذه القصائد جمال التعبير وصدق الشعور، وكاد يجتمع له جمال التعبير وصدق الشعور في كل هذا الباب، لولا ألفاظ تنبو عن سمعي وأحسبها تنبو عن سمع كثير من الناس، كلفظ المأرف في قوله:

لك وجه كأنه طابع الصدق على صفحة الزمان المأرف
فلست أدري لِمَ لا أحب هذه الكلمة في هذا البيت، ولِمَ أشعر بأنها قَلِقة لا تستقر في مكانها إلا كرهًا، ولِمَ أشعر بأنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى الزمان. وكلفظ الطين الذي أنْكَرَهُ غيري من النُّقَّاد على العقاد في قوله في القُبْلة:

هي كأس من كئوس الخالدينلم يَشُبها المزج من ماءٍ وطين
فأنا لا أناقش في المعنى ولا أعتدي عليه بمحاولة إفساده أو الغض منه، ولكن ذوقي هذا الذي تأثر بأدبنا العربي القديم يَنْفِر، بل يَفِرُّ، من هذا الطِّين الذي يُقرَن بالقُبْلة، وأنا أفهم أنْ يعتذر الشاعر بصحة المعنى ودقته وامتيازه وارتفاعه من مألوف الناس، ولكني مع ذلك لا أطمئن إلى هذا الطين الذي تُقرَن به القُبلة، أو يُقرَن بها.

وهنا تظهر خصلة من خصال العقاد التي تُميِّزه من غيره من الشعراء المعاصرين؛ فهو من شعراء المعاني الذين يحرصون أشدَّ الحرص على تصحيح معانيهم، وتجويدها، وتمييزها، والارتفاع بها عن المألوف. ولكنهم لا يتكلفون مع الألفاظ ما يتكلفونه مع المعاني من تخيُّر وتدقيق في التخيُّر، ومن تحرُّج وغلو في التحرج. هم أتباع المعاني، وهم يزعمون أنَّ الألفاظ يجب أنْ تتبعهم وأنْ تدين لهم، وهم لا يطلبون إلى الألفاظ إلا أنْ تؤدِّي لهم معانيهم وتعرب عنها إعرابًا صحيحًا لا لبس فيه، فإن أُتِيحَ لها مع ذلك أنْ تكون جميلة جذلة ورقيقة عذبة فذاك، وإلا فليس عليهم بأس ولا جناح.

ولكن العقاد خليق بإحدى اثنتين: فإما أنْ يُصلِح تعريفَهُ للشعر فلا يشترط جمال التعبير، وإما أنْ يُصلِح مَذْهَبَه في الشعر، فيكون أحرص على تجويد اللفظ وتجميله وتزيينه في السمع والقلب مما هو الآن. وأنا أؤثر له الثانية، فليس من الحق في شيء أنَّ الشعر يستطيع أنْ يستغني عن جمال اللفظ بجمال المعنى وروعته، ولعله يستطيع أنْ يستغني بجمال اللفظ عن جمال المعنى أحيانًا؛ فالشعر موسيقي أولًا، وهو إذن متجه إلى السمع، فإذا استطاع أنْ يَخْدَع السَّمْعَ بجمال اللفظ وانسجامه، فقد يستطيع أنْ يخدع القلبَ والعقلَ، وقد يستطيع أنْ يكتفي بالسمع وحده. والخير كل الخير أنْ يُوفَّق الشاعر إلى الملائمة بين جمال اللفظ وجمال المعنى، والعقاد يُوفَّق إلى هذه الملاءمة كثيرًا، ولكنها تخطئه أحيانًا.

تخطئه حين ينسى نفسه، ويعمد إلى الفلسفة ويريد أنْ يكون فيلسوفًا موضوعيًّا — إنْ صح هذا التعبير — يَعرِض علينا الآراء الفلسفية في نفسها ومن حيث هي، دون أنْ يبعث فيها شيئًا من شخصيته، أو من حياته كأنه العالِمُ يُقرِّر أصلًا من أصول العلم أو قانونًا من قوانينه. في هذه الحال، يُتقِن العقادُ معانيَهُ ويصحِّحها تصحيحًا لا غبار عليه، ولكن هذا الإتقان والتصحيح يستغرق جهده أو أكثره، ولا يكاد يبقى له إلا ما يمكنه من النظم، وإذا شاعِرُنا مُفَكِّر من الطبقة الأولى، ولكنَّ نَظْمَهُ يُشبِه نَظْمَ أبي العلاء، تنقصه السلاسة والنصاعة وصفاء الديباجة، وهذا الانسجام الذي يخلب سمعك ويملك عليك أمرك ويجعلك نهبًا للشاعر يلقي في روعك ما يشاء.

كل هذه الخواطر تخطر لك حين تقرأ القسم الأول من وحي الأربعين. وأحب أنْ أكون منصفًا؛ فلا يكاد الإنسان ينظر في هذا الديوان وفي غيره من دواوين العقاد، حتى يُعجَب بالشاعر إعجابًا لا حدَّ له؛ لأنه رفع نفسه ورفع الشعر معه إلى عالم لم يتعوَّد شعراء العرب أنْ يعيشوا فيه، لا أكاد أستثني منهم إلا أبا العلاء. فالموضوعات التي يقصد إليها العقاد ويَنْظِم فيها الشِّعر موضوعاتٌ عالية كلها رفيعة، حتى إذا هبط العقاد إلى حيث يعيش الناس وشاركهم — فيما تعوَّدوا — أنْ يقرضوا الشعر فيه من الفنون لم يلبث أنْ يرتفع بهذه الفنون، ويُحلِّق بها في جو لا يكاد يرقى إليه الطرف.

وأكاد أجزم بأن العقاد لو استقامت له الألفاظ وأسمحت له اللغة، لما استطاع أحد في هذه الأيام أنْ يساميه، ولكن لغته لا تمكنه — مع الأسف الشديد — من أنْ يستمرَّ مُحلِّقًا في الجو، بل تثقل عليه وتثقل على معانيه، وتضطره إلى الهبوط، فيهبط ومن حقه أنْ يظل عاليًا. وهل يأذن العقاد في أنْ أُنْكِر عليه خصلةً أخرى في وحي الأربعين؟ وهي هذه الشروح التي يُقدِّمها بين يدَيْ طائفةٍ من قصائده الفلسفية، والتي تترك في النَّفْس أثرًا مؤلمًا ثقيلًا إلى حد ما، وتُخيِّل إلى القارئ أنَّ الشاعر قد تخيَّر بعضَ الموضوعات الفلسفية التي طرقها الناس من قبله وأتقنوها بحثًا ودرسًا فنظمها، ونظمها في غير توفيق إلى الوضوح؛ فقدَّم هذا الشرح بين يديها وجعل شِعْرَه أشبهَ بالمتون منه بالشِّعر حقًّا!

إنَّ الذين يقرءون شعر العقاد ويذوقونه هم المثقفون المستنيرون، الذين تعوَّدوا أنْ يقرءوا الشِّعْر وأنْ يفهموه، وأنْ يقرءوا شعرًا أصعب من شعر العقاد، وأشد منه إمعانًا في الغموض، فيستطيع العقاد أنْ يُحسِن بهم الظن، وأنْ يُخلِّي بينهم وبين شعره ليفهموه كما يريدون وكما يستطيعون.

وليس على العقاد بأس أنْ يُفهَم شعره أحيانًا على غير ما أراد هو؛ فمن يدري؟! لعله أنْ يكون هو مخطئًا، وأنْ يكون قارئه مصيبًا، ومن يدري؟! لعله أنْ يَعُود إلى شعره يقرؤه فيفهم منه غير ما كان أراد، قد يكون هذا عيبًا في النثر، ولكنه مزية من مزايا الشعر الرائع، ولو أنَّ لي أنْ أقترح على العقاد لطلبتُ إليه أنْ يلغي هذه الشروح الفلسفية في الطبعة الثانية لهذا الديوان، إنْ لم تكن قد تمَّتْ، فإني أعلم أنَّ الطبعة الأولى قد نفدت منذ حين.

ولست أدري لِمَ لا أريد أنْ أقِفَ وأنْ أختم هذا الحديث دون أنْ آخذ العقاد بملاحظة أخرى، أود لو يُقدِّرها ويُفكِّر فيها؟! وهي أنَّ التجديد في الشعر يتناول الألفاظ ويتناول المعاني من غير شك، ولكنه خليق أنْ يتناول الوزن أيضًا؛ فلكل نَفْسٍ مذهبُها في التفكير، ومذهبها في التعبير، ولكل نفس موسيقاها أيضًا.

وإذا صدق هذا بالقياس إلى الأفراد؛ فهو صادق بالقياس إلى الأجيال. والعقاد يعلم أنَّ كل نهضة في الشِّعْر خليقة بهذا الاسم تستتبع تغييرًا في الوزن، واستحداثًا لفنون جديدة من التوقيع. كان ذلك في شعرنا العربي في الشرق وفي الأندلس، وكان ذلك في غير شِعْرنا من الأمم، وكنت أحب أنْ يكون ذلك في شعرنا الحديث، وكنت أحب أنْ يكون العقاد من السابقين إليه، ولستُ يائسًا من ذلك؛ فإن العقاد رجل خصب النَّفْس، قوي الحس، دقيق الشعور. وأَخْلِقْ بمن تجتمع له هذه الخصال، ويكون له معها خيال قوي بعيد المدى أنْ يُجدِّد في الشعر فيُحسِن التجديد، وأنْ يتجاوز التجديد في الألفاظ والمعاني إلى التجديد في الأوزان والقوافي.

أعترف بأني قرأت وحي الأربعين مرتين، وأني أود لو أقرأه مرة ومرة، وأني واثق بأني سأَجِد في قراءته المُقبِلة من اللذة والمتاع، ما يجعلني فيها راغبًا وعليها حريصًا.

أهي المصادفة التي أرادت أنْ أتحدَّث عن العقاد وعن هيكل في مقال واحد، أم هو تشابه قوي أو ضعيف بين هذين الأديبين دعاني إلى أنْ أجمع بينهما في هذا الفصل، وإنْ كان الاختلاف بينهما شديدًا مُغْرِقًا في الشِّدَّة؟

أما الذي لا أشك فيه هو أنَّ ظهور ثورة الأدب ليس هو الذي دعاني إلى الجمع بين هذين الأديبين، فقد كنتُ أستطيع أنْ أُفْرِد لكل واحد منهما فصلًا، ولَعلِّي لو فعلتُ أرحتُ القارئَ وأرحتُ نفسي من الإطالة، ولَعلِّي لو فعلت فرغت لكل واحد منهما فوفَّيْتُه بعضَ حقِّه من النقد والثناء، ولكنِّي وجدْتُ نفسي مدفوعًا إلى أنْ أنْظِمَهُما في سلك، وأجمعهما في فصل، وأبحث بعد ذلك عمَّا دفعني إلى هذا. وأظن أنه الشعور الذي كنت أجده حين كنتُ أنتقل من شعر العقاد إلى نثر هيكل، ومن نثر هيكل إلى شعر العقاد، فقد كان يُخيَّل إليَّ أني أتنقَّل بين أديبين مختلفين غاية الاختلاف، وإنما كنت أنتقل من شِعْر كثيرًا ما يشبه النثر إلى نثر كثيرًا ما يشبه الشعر، وكلاهما يمتاز بالخصب والثروة والعمق، وكلاهما يمتاز بهذه الديباجة التي ينقصها الصفاء في كثير من الأحيان، وكلاهما يمتاز بإيثار المعاني وإهمال الألفاظ إلى حد بعيد.

وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هيكلًا، وأَحمدُ قلبَهُ الزكيَّ وعقلَه القويَّ، وبصيرتَه النافذةَ وفهمَه الصحيحَ لحقائق الأشياء التي يَعرِض لها بالبحث والدرس؟! وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هذا الخصب المدهش الذي يحار الإنسان في وصفه وفي تصويره، كُلَّما فكر في هذه الجهود الهائلة التي يبذلها هيكل في غير انقطاع ولا تواني ولا فتور، والتي تستطيع مع هذا كله أنْ تحتفظ بقوة متشابهة، لا يكاد يظهر فيها التفاوت، ولا يكاد يعرض لها الضعف؟! فهيكل صاحب صحيفة يُشرِف عليها ويُدبِّر أمورها، ويكتب فيها فصلًا في كل يوم على أقل تقدير، وهو عضو في حزب سياسي يشارك زملاءه فيما يعملون، ويتحدث إليهم كل يوم في السياسة، إذا كان الصباح وإذا كان المساء، وهو أديب يقرأ فيُكثِر القراءةَ ويُنوِّعها فيُحسِن تنويعها. يقرأ في الأدب العربي، ويقرأ في الأدب الإنجليزي، ويقرأ في الأدب الفرنسي، ويقرأ في السياسة، ويقرأ في التاريخ، والغريب أنه لا يكره أنْ يقرأ في علوم القانون، وإنْ كان من رجال القانون!

وهو على هذا كله، يكتب في الأدب في موضوعات مختلفة منه؛ يكتب في الأدب الإنشائي فإذا هو يَصِف فيُبدِع في الوصف، وإذا هو يقص فيُجِيد القصص، ويكتب في الأدب الوصفي، فإذا هو ينقض الشعر وينقض النثر، ويُوفَّق في هذا النقد إلى خير ما يطمع فيه الناقدون.

وهو على ذلك كله، أب وزوج لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وهو صديق لا يبخل على أصدقائه بحقوقهم عليه، وهو رجل له مكانته الظاهرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وهو ينهض بما تستتبعه هذه المكانة من حقوق وواجبات.

والغريب مع هذا كله، أنك تلقاه فإذا رجل هادئ مطمئن، كأنه أَفَاقَ منذُ حِينٍ قصيرٍ من نوم مريح، فهو لم ينشط كل النشاط بعدُ، ولكنه بعيد كل البُعد عن الخمود والفتور، ولا تكاد تتحدَّث إليه دقائقَ حتى يَفْتِنك ويروعك، فكأنك تتحدث إلى جني، ولكنه جني عذب الروح لذيذ الحديث.

هذا هو هيكل، فالذي لا يقضي الإنسان عجبًا من قدرته على الإنتاج المتصل، في السياسة وفي أي سياسة، في الأدب وفي أي أدب، دون أنْ يظهر عليه ضعف أو إعياء أو شيء يشبه الملل.

أصبحتُ ذاتَ يوم لا أكاد أسمع صاحبي يتلو عليَّ صحيفةً من صُحُف الصباح إلا سمعت إعلانًا في هذه الصحيفة عن كتاب لهيكل جديد، هو «ثورة الأدب»، وكان الإعلان أمريكيًّا لا عهد لهيكل بمثله. فهيكل من أنشط الناس في الأدب والسياسة، ولكنه من أشدهم فتورًا في الإعلان، فقلت: يجب أنْ يكون هيكل قد تغيَّر، ومع ذلك فليس عهدي به بعيدًا، يجب أنْ يكون شيء من حوله قد تغير، يجب أنْ يكون الله قد رزقه عفريتًا في الإعلان، كما هو عفريت في الإنتاج! وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى أقبل رسول يحمل إليَّ نسخة من الكتاب.

وكنتُ أعرف هيكلًا بطيئًا في إهداء كتبه، وكثيرًا ما لُمْتُه في ذلك، وكثيرًا ما أسرفتُ في الإلحاح؛ لأظفر بنسختي مما كان يُصدِر من الكتب، فلم أزدد أمام هذه السرعة وهذا النظام إلا دهشًا، وما زلت إلى الآن دهشًا؛ لأني لم أفهم بعدُ مصدرَ هذه السرعة، وهذا النظام في الإهداء والإعلان!

ومهما يكن من شيء، فقد أسرعتُ فأعلنتُ كتاب هيكل إلى الناس في الكوكب، كما أعلنتْهُ الصحفُ الأخرى، ثم أسرعتُ فبدأتُ في قراءة الكتاب، ولم يُخِفْني عنوانُه؛ إما لأن صديقي هيكلًا لا يُخِيف مهما يُثَرْ، وإما لأن الثورة مهما تكن لا تخيفني. ولم أحتَجْ إلى هذا التفسير الذي خُيِّل إلى هيكل أنه محتاج إليه؛ لِيَفْهمَ الناسُ عنه هذا العنوانَ؛ فأي غرابة في أنْ يُسمَّى أي كتاب في الأدب الآن «ثورة الأدب»؟! وهل حياة الأدب العربي في هذه الأيام إلا ثورة متصلة؟! نحن ثائرون حين نُنشِئ، ونحن ثائرون حين نَصِف، ونحن ثائرون حين نَنْقُد؛ كل إنتاجنا الأدبي ثورة. حتى الذين يُسمُّون أنفسَهم محافظين، ويُلِحُّون في المحافظة، ويتمدَّحون بها، ويبتغون بها الوسيلة عند الذين يحبونها ويستغلونها، هؤلاء أنفسهم ثائرون يفرُّون من القديم الذي يحرصون عليه، يريدون أنْ يؤيِّدوه، فإذا هم يُجدِّدونه ويُغيِّرونه!

ويكفي أنْ تقرأ حتى في نور الإسلام، وهي المجلة الرسمية للأزهر، فسترى فيها ثورة ومحاولة للتجديد، وحرصًا على أنْ يظهر شيوخ الأزهر حين يفكرون ويكتبون ملائمين للعصر الذي يعيشون فيه. حياتنا الأدبية كلها ثورة إذن، وكل كتاب نكتبه في الأدب فهو ثورة الأدب؛ لذلك لم أقف طويلًا عند العنوان، وإنما أسرعتُ فمضيتُ في قراءة الكتاب.

لم أَجِدْ في الكتاب شيئًا جديدًا، وأرجو ألا يغضب هيكل؛ فالكتاب كله جديد، ولكنِّي أعرفه! لا لأني قرأتُ كثيرًا من فصوله حين نُشِرَتْ في السياسة اليومية أو الأسبوعية، بل لأني قرأتُه وسأقرأه كلَّه في هيكل كلما لقيتُه أو تحدثتُ إليه؛ فالكتاب صورة مُطابِقة أشدَّ المطابقة وأصدقها وأجملها لنفس الكاتب. تقرأ في الكتاب فترى هيكلًا وتسمع له، وقد تُنكِر الرأيَ من آرائه، فتهم بأن تتحدث بإنكارك هذا إلى هيكل كأنه جالس إليك تراه وتسمع منه، وتريد أنْ تأخذ معه في الحديث.

ليس في الكتاب شيء جديد؛ وهو لذلك من أخطر الكتب وأشدها غدرًا لك ومكرًا بك، تمضي فيه فيُخيَّل إليك أنك تمضي في كلام مألوف، ولكنك لا تكاد تفكر قليلًا فيما تقرأ، أو لا تكاد تُلِحُّ في القراءة، حتى يفتح هذا الكتابُ لك أبوابًا ويبسط أمامك آفاقًا ما كُنْتَ تعرفها أو تُفكِّر فيها من قبل، وإذ كل شيء جديد، وإذ كل شيء طريف، وإذا الكاتب يخدعك ويمكر بك، وإنْ لم يُرِد خداعًا ولا مكرًا.

أُرِيدُ أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب، بشرط ألا أُلخِّصه ولا أحلِّله. لا لأني لم أقرأه كما ظن هيكل بصديقنا المازني، بل لأن تلخيصه يُفسِده ويذهب بجماله وقيمته الصحيحة، وكيف تُلخِّص في فصل واحد كتابًا يتناول التجديد والتقليد في الأدب، ويتناول القصص والتمثيل، ويتناول الأدب القومي، ويحاول الإنتاج في هذا الأدب القومي؟! كيف تريد أنْ تُلخِّص هذا الكتابَ على اختلاف ما فيه من ثمرات وألوان؟! لقد حاول صديقنا المازني أنْ يلخصه فلم يُوفَّق، ولولا أنَّ هيكلًا شك في قراءته للكتاب لَمَا تكلَّف المازنيُّ هذه المحاولةَ.

أريد إذن أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب دون أنْ أُلخِّصه، ولَعلِّي أُوَفَّق إنْ لاحظتُ أنَّ لهذا الكتاب ناحيتين، فهو تاريخ صحيح دقيق للأدب العربي المصري في هذه الأعوام الأخيرة من جهة، وهو فلسفة أدبية رفيعة موضوعها أدبنا الحديث من جهة أخرى.

فإذا كنتَ تريد أنْ تعرف كيف نشأتِ الخصومةُ عندنا بين القديم والجديد، وكيف تطورتْ، وإلى أين انتهتْ، وما المؤثرات المختلفة التي ألحَّتْ عليها فقوَّتْها حينًا وأضعفتها حينًا آخر، وإذا كنتَ تريد أنْ تعرف مقدارَ ما كسبنا لأنفسنا من شخصية قوية أو ضعيفة في فنون الأدب على اختلافها في الشعر والنثر رسائل وقصصًا وتمثيلًا، وإذا كنت تريد أنْ تعرف الصورة التي نرسمها لأنفسنا من الأدب القومي، والحقيقة التي استطعنا أنْ ننتهي إليها من هذا الأدب، فأنت واجد هذا كله في هذا الكتاب، وأنت واجد مع هذا كله قصصًا هيكليًّا ممتعًا بديعًا.

ثم إذا كنتَ تريد أنْ تجعل الأدبَ موضوعًا للتفكير والفلسفة، كما يجعل الفلاسفةُ الطبيعةَ وما بعد الطبيعة موضوعًا لفلسفتهم وتفكيرهم، فيُحلِّلون ويُعلِّلون ويشرحون ويُفسِّرون ويتنبأون فستجد هذا كله في هذا الكتاب؛ فقد حلَّل هيكلٌ وعلَّل، وقد شرح هيكل وفسَّر، وقد أرَّخ هيكل وتنبأ، ووُفِّق هيكل إلى كثير جدًّا من الحق في هذا كله.

أَظْلِم هيكلًا وأَظْلِم نفسي إنْ قُلْتُ أنَّ إعجابي بكتابه يمكن أنْ يُحَدَّ؛ فهو مرآة صافية نقية صادقة لحياتنا الأدبية منذ وَضَعَتِ الحربُ الكبرى أوزارَها، ولكنِّي أظلم هيكلًا وأظلم نفسي إنْ قلتُ أني راضٍ عن كتابه كل الرضا، مُقِرٌّ بكل ما جاء فيه؛ فبين هيكل وبيني خصومة قديمة ما أرى أنها تنتهي لأنه لا يريد أنْ يُنهيَها! ولغة هيكل هي موضوع هذه الخصومة؛ فهيكل من أصحاب المعاني بين الكُتَّاب، كما أنَّ العقاد من أصحاب المعاني بين الشعراء، وهيكل يُهمِل لُغتَه إهمالًا شديدًا، ويتورَّط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانًا من الابتذال. والغريب أنه لا يضيق بذلك ولا يَجِد به بأسًا، ولا يعترف بأنه يُسِيء إلى نفسه وإلى أدبه معًا!

ولستُ أريد أنْ أُحصي عليه هذه العيوبَ، ولا أنْ أضرب لها الأمثال؛ فهو لا ينكرها ولا يراها عيوبًا، ولعله يتمدَّح بها أحيانًا وهو مخطئ من غير شك؛ فإن من المؤلم أنْ تبدو معانيه الجميلة الرائعة في ثياب رثة بالية في كثير من الأحيان.

وهيكل كالسَّيْل؛ إذا عرض لموضوع اندفع فيه فجاءَ بالجيِّد الكثير، ولكنه لا يَسْلَم أحيانًا من الغثاء؛ فكثيرًا ما يتورَّط في الخطأ لأنه يُسرِع ولا يتكلف التحقُّق والتثبُّت في بعض مسائل التاريخ. انظر إليه في المقدمة يريد أنْ يذكر الأودسا، فيذكر الإنيادة ويضيفها إلى اليونان! والإنيادة هي قصيدة فرجيل، وهيكل يعلم ذلك حق العلم، ولكنه نسي وصحَّح كتابَه، ولم يخطر له أنْ يتحقق مما يكتب.

وانظر إليه في موضع آخر، حين يَذكُر تحرُّرَ الفرنسيين من آثار اليونان والرومان في القرن السابع عشر، كيف يذكر لابروير وموليير وهو يعلم حقَّ العلم أنَّ أولهما تأثر من غير شك بتيوفرايست، وأنَّ الثاني تأثر من غير شك بتيرانس وبلوت! وتستطيع أنْ تأخذ هيكلًا بطائفة غير قليلة من هذا الخطأ، الذي مصدره الإهمال والسرعة، وشيء من الازدراء لتحقيق المحقِّقين. ولو أني عرفتُ أنَّ هيكلًا يحفل بنقد الناقدين، أو نُصْح الناصحين لألححتُ عليه في أنْ يتخذ لفصوله الأدبية مصفاةً — إنْ صحَّ هذا التعبير — يُصفِّي بها ما يَكْتُب؛ فيُزيلَ منه الخطأَ اللغويَّ، ويزيلَ منه الإهمالَ في بعض الحقائق التاريخية!

أَمُتَّفِق أنا بعد هذا كله مع هيكل في آرائه كلها حول القديم والجديد؟ ما أظن إلا أننا نتفق في أكثرِها ونختلف في أقلِّها، ولعل اختلافنا أنْ يكون ناشئًا من شيئين؛ أحدهما: هذا الإهمال الذي آخذ به هيكلًا، والذي يدفعه إلى المبالغة ويضطره إلى التقصير أحيانًا. والثاني: أنَّ هيكلًا رجلٌ أديبٌ، ولكن اشتغاله المتَّصِل بالسياسة قد أثَّر في تصوُّره للأشياء وحُكْمِهِ عليها بعضَ الشيء.

فهو يُسرِف حين يُسيء الظنَّ بما يكتبه الأوربيون عنا حين يمسون حياتنا الأدبية؛ فما أظن أنَّ «جيب» وأمثاله يتخذون السياسة وأهواءها مقياسًا لدراساتهم الأدبية، وهو يُسرِف أيضًا حين يُحسِن الظنَّ بنا وبحظنا من الخيال، وقُدْرتنا على الإنتاج. ولكنه رجل سياسي حتى حين يكتب في الأدب، يريد أنْ يُدافِع عن مصر والشرق، كما يفعل في السياسة، ويريد أنْ يُرضِي المصريين والشرقيين، كما يفعل في السياسة. أَمَّا أنا فأريد أنْ أدافع عن مصر والشرق، وأريد أنْ أُرْضِيَ مصرَ والشَّرْقَ، ولكن بشرط ألا يُوَرِّطني هذا في تغيير الحقائق العلمية، أو ما مسها بشيء من التشويه ولو قليلًا؛ فالحق آثر عندي من أي شيء، ومن أي إنسان.

أما بعدُ، فمهما نأخذ به كتابَ هيكل هذا، فلن نغُضَّ منه، ولن يستطيع أحد أنْ يُنْكِر أنَّ هيكلًا هو المؤرِّخ العربي للأدب العصري الحديث، وأنه قد فرض بذلك نَفْسَهُ، ولا أقول على هذا الجيل وحده، بل أقول على الأجيال المُقبِلة أيضًا، وأنا واثق كُلَّ الثقة بأن كتابه هذا سيصبح من المصادر القيِّمة للذين يريدون أنْ يدرسوا أدبنا المصري في نهضته هذه الحاضرة.

صراحة الأديب
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٨ يناير ١٩٤٩

بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading