مجانية التعليم
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٥ أغسطس ١٩٤٦
رئيس وزارتنا يستريح في ضيعة من ضياعه في كفر الدوار، واللورد ستانسجيت يستريح في ضيعة من ضياع الإمبراطورية البريطانية في جزيرة قبرص، وهذه الغانية الحسناء التي تسمى المفاوضات قد استعارت من إله الأساطير اليونانية القديمة نعليه المجنحتين، فهي تطير بهما حائرة بين الإسكندرية ولندرة وباريس. أمَّا الشعب المصري فهو لا يستريح؛ لأنه لا يملك ضيعة يستريح فيها، وهو لا يستريح؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن الشكوى من الألم، ولا أن يمتنع من المطالبة بالحق.
وما أحب أن أزعج رئيس الوزراء في اعتكافه وراحته ومحاسبته لنفسه. وما أحب أن أزعج المفاوض البريطاني في تروضه واستمتاعه بما في قبرص من مناظر رائعة في القمم والسفوح. وما أحب أن أنغص على الغانية الحسناء المفاوضات تنقلها في أجواء السماء وتنزلها من السماء مرة بعاصمة الإنجليز ومرة بعاصمة الفرنسيين. وما أحب أن أدعوها إلى أن تعود إلينا، فأنا أشفق عليها من قيظنا المحرق وصيفنا المرهق، وأشفق على المصريين من هذا الإلحاح الذي لا يلائم كرامة الرجال، وهذا الإلحاف الذي لا يلائم عزة الشعوب العزيزة مهما تكن الغانية حسناء ومهما يكن حظها عظيمًا من رقة الشمائل وخفة الروح وسحر الجمال.
ونحن قوم لا نحب التهالك حتى حين يكون الجمال رائعًا، ولا نحب التذلل حتى حين يكون الحسن بارعًا، ولا نحب إراقة ماء الوجوه حتى حين تكون الفتنة ساحرة للقلوب فتَّانة للعقول مستهوية للألباب. وإنما نحن كشاعرنا العربي القديم حين يقول في صاحبته الحسناء القديمة:
أَرَثَّ جَديدُ الحَبْلِ مِنْ أُمِّ معبدِ بعاقِبَةٍ وأخْلفَتْ كلَّ موْعِدِ
وبانَتْ ولَمْ أَحْمَدْ إليْكَ لِقَاءَهَا ولَمْ أَرْجُ منها رَجْعَةَ اليَوْمِ أوْ غَدِ؟
فلتبن أم معبد إذن إلى غير رجعة، ولتقم في ربوع أوروبا ما شاء الله لها أن تقيم، وليسترح رئيس وزرائنا في ضيعته ما أعجبته الراحة، وليتروض المفاوض البريطاني في قبرص أيامًا تقصر أو تطول، فليس في شيء من هذا كله غناء، وليس في شيء من هذا كله نفع، وإنما هي أيام تلهو وقوم يلعبون. ولنتحدث إلى وزير المعارف في شيءٍ غير هذا كله، في شيء لا يتصل بهذه الغانية الحسناء النافرة من قريب ولا بعيد، وإنما يتصل بغانية أخرى ليست أقل منها جمالًا باختلاف الناظرين إليها: فهو رائع بارع حين ينظر إليها الشعب، وهو سمج شائه حين ينظر إليه المترفون. وهذه الجميلة القبيحة والخفيفة الثقيلة والحبيبة البغيضة تسمى مجانية. قد تعلقت بها نفس الشعب منذ وقت بعيد، فسعى إلى ودِّها جادًّا في السعي، وطلب القرب منها ملحًّا في الطلب، وتجشَّم في سبيل ذلك أهوالًا، واحتمل في سبيله أعباءً ثقالًا. ونغَّص عليها حبها نهاره المشرق، وأرَّق عليه حبها ليله المظلم. ولم يكن في ذلك بدعًا من الشعوب، فالشعوب كلها مشغوفة بهذه الفتاة، هائمة بحبها، قد ضحَّت في سبيل الوصول إليها بالراحة والأمن، واحتملت للوصول إليها المشقة والخوف، وظفرت منها آخر الأمر بما كانت ترجو، ونالت منها آخر الأمر ما كانت تريد. ولم تكن الشعوب ترجو منها إلَّا ابتسامة راضية، ونظرة مرضية، وعطفًا يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا. وقد خُيِّل إلى الشعب المصري ذات يوم أنها قد أخذت تنظر إليه باسمة، وتلحظه مترفقة، فشاع في نفسه الرضا واستقر في قلبه الأمن. ولكن نظر فإذا هذه الغادة الحسناء الشوهاء تُزجر عنه زجرًا، وتُطرد عنه طردًا، وتُنفى من أرضه نفيًا مهينًا. وإذا هو يستأنف حزنه المهلك، وجرعه المضني، ويشكو همه وبثه إلى الله، ويطلب إلى الكتَّاب القادرين على أن يتوسطوا بينه وبين السادة الحاكمين أن يمنحوه المعونة ويؤثروه بالمعروف، ويرفعوا شكواه إلى الوزراء، لعل قلوبهم القاسية أن تلين، ولعل نفوسهم الصلبة أن ترق، ولعلهم أن يخلُّوا بين الشعب وبين هذه الغادة الحسناء الشوهاء التي سحرت لُبَّه سحرًا وفتنت قلبه فتونًا! وقد حدثني هذا الشعب البائس وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه الوزراء بأنه لم يشقَ قط بحب هذه الحسناء الشوهاء كما شقيَ به في هذه الأيام الشداد. فالحياة عسيرة، والضيق شديد، والبؤس جاثم على الصدور، والعين بصيرة واليد قصيرة، والنقد في مصر كثير، ولكنه لا يتاح إلا لقلة قليلة وجماعة ضئيلة من الناس. وفي قدرة هذه الغادة الحسناء الشوهاء إن أُتيحت لها الإقامة في مصر أن تسلي الشعب عن بعض همه، وأن تحط عن الشعب بعض ثقله، وأن تبسم له فيبسم له الدهر، وأن تعطف عليه فتعطف عليه الأيام، وأن يمسه بيدها الناعمة الخشنة فتنجلي عنه الغمرات وتنجاب عنه الخطوب.
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أتحدث إلى الوزراء بأنه يستقبل شهر الصوم محزونًا كئيبًا. وكلما مضى يوم من هذا الشهر الكريم ازداد حزنه واشتدت كآبته وتكاثفت أمامه الهموم واثَّاقلت عليه الخطوب؛ لأن هذا الشهر الكريم يحب الإنفاق والتوسعة على العيال، ولأنه لا ينتهي كما تنتهي الشهور إلى يوم من الأيام اليسيرة البسيطة، وإنما ينتهي إلى يوم معلوم قد جعله الله عيدًا للأغنياء والفقراء والموسرين والمعسرين على السواء. والأعياد تحب الإنفاق أكثر مما يحبه شهر الصوم، وتقتضي من التوسعة ما لا يقتضيه شهر الصوم، فلا بدَّ من كسوة النساء والأطفال وإمتاعهم القليل أو الكثير من الطرف. فإذا لم يفعل الآباء ذلك؛ عبست وجوه من حقها أن تبسم، وحزنت قلوب من حقها أن تفرح، وامتلأت بالدموع عيون من حقها أن تمتلئ بهجةً وسرورًا.
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن الآباء حائرون، لا يدرون كيف يوسعون على عيالهم في شهر الصوم، وكيف يرفهون عليهم حين يقبل العيد؛ لأن كثيرًا منهم لا يجدون ما ينفقون. وهم حائرون لا يدرون أيحتالون لنفقات رمضان، أم يحتالون لنفقات العيد، أم يحتالون لنفقات التعليم؛ لأن المدارس ستفتح أبوابها بعد العيد بقليل!
وقد حدثني هذا الشعب البائس، وطلب إليَّ أن أحدث وزير المعارف وزملاءه بأن قد كان له حظٌّ من أمل حين أُتيحت للأطفال والصبية مجانية التعليم الابتدائي. وكان يظن، بل كان يعتقد واثقًا أن ستُتاح لهؤلاء الأطفال والصبية مجانية التعليم الثانوي، ولكنه ينظر فإذا ظنه يكذب وإذا أمله يخيب وإذا المجانية تُلغى إلغاءً ويُضيَّق عليها حتى لا تستطيع أن تتنفس. وإذا أضيق الناس يدًا وأشدهم بؤسًا مخير بين اثنتين: إمَّا أن يرد ابنه عن التعليم، وإمَّا أن يدفع لوزارة المعارف أكثر من سبعة جنيهات ثمنًا للغذاء والأدوات والعناية بصحته، وأجرًا للعبه أيضًا. وأين يريد وزير المعارف وزملاؤه أن تجد كثرة الشعب البائس هذا المقدار من المال لتؤديه إلى الدولة التي نيفت مصروفاتها على المائة من الملايين.
ليس يعنيني أن تكون الوزارة القائمة قد سارت سيرة الوزارة الوفدية أو انحرفت عنها. وأمَّا الذي يعنيني هو أن الوفد قد وضع أساسًا لتيسير التعليم للمصريين جميعًا، وكان يجب البناء على هذا الأساس، وكان يجب أن تخطو الحكومات التي جاءت بعد حكومة الوفد خطواتٍ جديدة واسعة، ولكن الشيء المحقق أن هذه الحكومة لم تبنِ وإنما تأخرت. وليس يعنيني أن يكون مجلس التعليم الأعلى قد أقرَّ أو لم يقرَّ خطة وزير المعارف، فليس المجلس الأعلى معصومًا من الخطأ، وليس بين أعضائه من يضيق بسبعة جنيهات، وليس بين أعضائه من يعرف لذة الجوع، وليس بين أعضائه من يعرف انكسار النفس حين يُردُّ ابنه عن المدرسة؛ لأنه لم يدفع المصروفات، فيعود إليه باكيًا تغسل الدموع الغزار وجهه الصغير. فإقرار المجلس الأعلى لهذا النظام لا يجعله صالحًا، ورفضه لهذا النظام لا يجعله فاسدًا. والأصل الوحيد الذي ينبغي أن يرجع إليه وزير المعارف هو أن التعليم حق للناس جميعًا، وأن على الدولة أن تيسره لهم، بل أن تكفله لهم، وأن تزيل من طريقهم العقبات. وأن مصر هي البلد الوحيد في هذا العصر بين بلاد العالم، البلد الوحيد الذي يشقى الشعب فيه بنفقات التعليم. ولا ينبغي لوزير المعارف ولا لوزير المالية ولا لرئيس الوزراء أن يحتجوا بضيق الميزانية، فالميزانية الضيقة يمكن أن تتسع، بل يجب أن تتسع حين تقتضي ذلك مصالح الشعب. ولست أدعو إلى الشيوعية ولا إلى الاشتراكية، بل لست أتجاوز حدود الديمقراطية الضيقة المعتدلة الملحة في الاعتدال حين أطالب الحكومة بأن تعفي المصريين، لا من نفقات التعليم وحده، ولكن من نفقات الغذاء أيضًا. فإن ضاقت الميزانية فعلى الدولة توسيعها بفرض ما تقتضيه المصلحة من الضرائب، فإن لم تفعل الدولة فهي مقصِّرة، والحكومة التي تحتمل هذا التقصير ليست خليقة بالبقاء في مناصب الحكم.
ليصدقني وزير المعارف وزملاؤه أنهم يزعمون أنهم يريدون محاربة الجهل والفقر والمرض. فالخطوة الأولى في سبيل محاربة هؤلاء الأعداء الثلاثة، إنما هي أن نعلم الصبية والفتية ونكفل لهم طعامًا مريئًا ولعبًا هنيئًا وصحةً موفورة، دون أن نتقاضى من آبائهم على ذلك أجرًا يعجز أكثرهم عن أدائه.
فليتوكل وزير المعارف على الله، وليستقبل أمره حازمًا، وليهدِ إلى الشعب بقرارٍ من مجلس الوزراء هذه الهدية القيمة التي لا تكلفه ولا تكلف زملاءه شيئًا، وإنما تكلف الشعب نفسه أعباءً جديدة يحملها راضيًا. وهذه الهدية هي المجانية الشاملة الكاملة للتعليم. فإن لم يستطع — ولست أدري لماذا لا يستطيع — فلا أقل من أن يُعفى الناس من هذه النفقات الإضافية، فإن لم يفعل فليثق بأنه لا يحارب الجهل والفقر والمرض، وإنما يمنحها قوةً إلى قوةٍ وانتشارًا إلى انتشارٍ.
قضية التعليم
طه حسين
جريدة الأهرام
١١ يوليو ١٩٤٩
يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.
وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.
إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.
والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.
وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.
كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.
وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.
ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.
وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.
فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.
والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.
وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.
فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.
ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.
ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.
لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.
فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.
ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.
مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.
ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.
موسم
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٣ سبتمبر ١٩٤٩
هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.
وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.
إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.
فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.
فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.
فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.
هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.
ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.
إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.
ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.
ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.
وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.
الحق المر
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٨ أكتوبر ١٩٤٩
يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.
ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.
ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.
فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.
فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.
كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.
ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.
وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.
أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.
مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.
مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.
مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.
هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.
أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»
برنامج …
طه حسين
جريدة الأهرام
٧ نوفمبر ١٩٤٩
لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …
لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.
فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.
فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.
وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.
أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.
وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.
فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.
وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.
ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.
وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.
فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.
هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.
كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.
وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.
لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.
لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.
وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.
وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.
فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.
في التعليم
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ أبريل ١٩٥٣
عدد طلابنا الجامعيين في هذا العام ثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخير للتعليم أن ينزل هذا العدد إلى نصفه. ولكنه مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد — كما تشاء — سيزيد في العام المقبل إلى ثلاثة وخمسين أو إلى خمسة وخمسين ألفًا أو إلى أكثر من ذلك.
وسيكون من الخير للتعليم في العام المقبل أن ينزل عدد الطلاب إلى أقل من نصفه. فإذا كان العام الذي يليه، فسيزيد عددهم حتى يبلغ السبعين ألفًا، وسيكون من الخير للتعليم أن يهوى هذا العدد إلى ثلثه. وسيظل العدد في ازدياد واقعي وفي نقص مثالي حتى يهدينا الله الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم فآتاهم من لدنه رحمة وهيأ لهم من أمرهم رشدًا.
وهذا الصراط المستقيم هو الذي لا يفكر المهتدون إليه في أن يعاكسوا الطبيعة ويخاصموا منطق الحياة، ويردُّوا عن التعليم شعبًا يريد أن يتعلم، وعن النور شعبًا يريد أن يخرج إلى النور.
ليس في الأرض أمة يزدحم فيها الطلاب على الجامعات أو على المدارس الثانوية، فتردهم عن الجامعات والمدارس الثانوية؛ حرصًا على صلاح التعليم وإتقانه. وإنما السبيل أن تنشئ من الجامعات والمدارس ومعاهد التعليم ما يلائم إقبال الناس على المعونة ورغبتهم في أن يزدادوا منها. وما أعرف بلدًا كمصرَ يضيق الناس فيه بإقبال أبناء الشعب على أن يتعلموا، وإنما الأصل أن يكون ذلك مصدر غبطة ورضًا وابتهاج، لا مصدر حسرة وحزن واكتئاب. وقد علمنا شيوخنا منذ الزمان الأول أن العلم نور، وأن الجهل ظلمة، وأن الخير في أن يخرج الناس من الجهل إلى العلم ومن الظلمة إلى النور.
كذلك تعلمنا وإلى ذلك دعونا، وقد سمع الناس لنا، واستجابوا لدعائنا، وأقبلوا يطلبون العلم حتى ضاقت بهم معاهده على اختلافها. فالناس يشكون من قلة هذه المعاهد، والذين إليهم أمر التعليم يوشكون أن يشكوا من كثرة المقبلين على العلم، لولا فضل من حياء يمنعهم من الدعوة إلى الجهل فضلًا عن إمساك الناس فيه.
لا بدَّ إذن من أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونواجه الحقائق كما هي وكما ينبغي للرجال أن يواجهوها، فنحاول إنشاء ما نحتاج إليه من المعاهد والمدارس والجامعات؛ ليتعلم الشعب في يسر ودون أن يجد حرجًا في هذا الطموح الكريم إلى الحياة الكريمة.
وأحب للمثقفين وقادة الرأي أن يصطنعوا شيئًا من التواضع والقصد والاعتدال، فإن الله لم يجعلهم أوصياء على الشعب، وإنما جعلهم له نصحاء ومرشدين. فمن حقهم أن يشيروا عليه وأن ينصحوا له وأن يقولوا له: هذا خير فاقصد إليه، وهذا شر فارغب عنه! ثم تترك له بعد ذلك حريته، فإن شاء اتبعهم فعسى أن يرشد، وإن شاء خالفهم فعسى ألَّا يخطئ؛ لأن المثقفين من الهداة والقادة والمرشدين ليسوا معصومين من الخطأ، فجائز أن يروا الخير ويدلوا عليه، ثم لا يكون الخير ما رأوا، وإنما يكون الخير في ناحية أخرى غير الناحية التي ذهبوا إليها.
وهم على كل حال أدلاء وقادة، لا أوصياء ولا مسيطرون. وقد قال الله لرسوله: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ).
وقال له كذلك: ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ). فأجدر بالمثقفين والقادة أن يعلموا أنهم مذكِّرون لا مسيطرون، ومرشدون لا أوصياء ولا مهيمنون. وقد انقضى العصر الذي كان أولو الرأي فيه مسيطرين على مصير الشعب، وأصبحنا نعيش في عصر يسيطر الشعب فيه على مصيره.
فلننصح له ولنُشِرْ عليه دون أن نتحكم فيه أو نضطره إلى غير ما يريد. وهو يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في المدارس الثانوية والفنية وفي الجامعات، فلنهيئ له من العلم ما يريد، ولنوجهه إلى ما نعتقد أنه الخير، ولنصرفه عما نعتقد أنه الشر، ولكن دون أن نعنف به أو نشق عليه، فقد يخرجه ذلك عن طوره؛ فتكون عاقبة ذلك شرًّا عليه وعلينا جميعًا.
يجب إذن أن نستخير الله ونحزم أمورنا، ونقدم على بصيرة، فننشئ من المدارس والمعاهد والجامعات ما يحتاج إليه هذا الشعب الطامح. فإن مصر لم تخلق للجهل، وهي التي عرَّفت الشعوبَ طريق العلم. وهي لم تخلق للضعة، وهي التي سبقت إلى الرفعة وهدت إليها غيرها من الأمم. ولم تخلق للخمول، وهي أول دولة عظيمة عرفها التاريخ.
وقد أحسَّ قائد الثورة هذا كله إحساسًا قويًّا، وعبر عنه تعبيرًا قويًّا حين قال: إن مصر لن ترضى حتى تصبح إحدى الدول العظمى. ولن تصبح مصر إحدى الدول العظمى حين يبلغ طلاب الجامعة فيها ثلاثة وأربعين ألفًا بين شعب قد نيف عدده على عشرين مليونًا. فكيف ومنَّا قومٌ يودُّون لو نقص هذا العدد إلى النصف؟!
وإنما السبيل إلى عظمة مصر أن يتعلم أبناؤها جميعًا كلٌّ حسب طاقته وميله، وفي حدود حريته واستعداده.
وإنما السبيل إلى عظمة مصر ألَّا يوجد لون من ألوان المعرفة، ولا فن من فنون العلم، ولا ضرب من ضروب النشاط، إلَّا ولبعض أبنائها حظٌّ منه ومشاركةٌ فيه. إنما سبيل العظمة إلى مصر أن يشعر العالم كله بمشاركة مصر القوية في علمه وفنه ونشاطه على اختلاف ما يكون من ألوان النشاط.
إن الشعب المصري يطمح بطبعه وغريزته وإرادته الخفية والظاهرة إلى أن يكون شعبًا عظيمًا. وقد كان شعبًا عظيمًا في عصور كثيرة من تاريخه الطويل، فما يمنعه أن يجدد عظمته ويستأنف سيرته في الحياة الحرة الكريمة الخصبة المنتجة. لا ينبغي أن نضيق بأن عدد الطلاب الجامعيين قد بلغ ثلاثة وأربعين ألفًا، بل لا ينبغي أن نرضى حين يبلغ هذا العدد مائة ألف، ولكن يجب أن ننشئ الجامعات التي تتيح لهذا العدد وللأعداد المقبلة، درسًا منتجًا وعلمًا نافعًا وتفرغًا للتحصيل الصحيح واتصالًا بالأساتذة وتوفرًا على البحث.
وأنا أعلم حق العلم أن ميزانية الدولة ضيقة، وأن طاقتها المالية محدودة الآن. ولكن ميزانيتها لن تظل ضيقة دائمًا، وطاقتها لن تظل محدودة على هذا النحو إلى آخر الدهر. فالله جعل بعد ضيق فرجًا، وبعد عسر يسرًا، وفي الشعب قدرة أي قدرة، على أن يعين الحكومة وينشئ من المدارس ومعاهد العلم ما تقصر يد الدولة عن إنشائه، فلم لا يوجه إلى ذلك، ولما لا يطالب به، ولم لا يلح عليه فيه؟!
لتصدِّقني الحكومة، ولتصدِّقني الثورة أيضًا، ولتجري هذه التجربة التي أقترحها. ولكن يجب أن نجربها جادين حازمين، ومصممين غير مترددين؛ لنقرر أن مصر محتاجة في الأعوام العشرة المقبلة إلى عدد بعينه من المدارس الثانوية وإلى عدد بعينه من الجامعات والمعاهد العلمية العالية. ولنبين في وضوح نصيب كل إقليم من هذه المدارس والمعاهد والجامعات. ولنبين للشعب ما تستطيع الدولة أن تنهض بإنشائه منها، وما يجب أن تنهض بإنشائه الأقاليم، ولندعها إلى أن تسبق إلى هذا الخير. فأي الأقاليم سبق إلى إنشاء حاجته من المدارس والجامعات كانت له جائزة أي جائزة، حين تنهض الحكومة بتلقي هذه المدارس والجامعات، وتمكين الطلاب من أن يختلفوا إليها والأساتذة من أن يعلِّموا فيها. ذلك أجدر بأن يشعر الشعب بواجبه وحقه، وأن ينشطه لأداء الواجب وكسب الحق، وأن يعلمه أن الشعب الحي اليقظ لا ينتظر أن يهبط إليه الخير من السماء، وإنما يكسب هذا الخير بالاتحاد الذي يتيح له أن يتعاون على البر والمعروف، وبالنظام الذي يتيح له ألَّا تتفرق جهوده ولا يختلط نشاطه، وبالعمل الذي يتيح له الإنتاج النافع الباقي على الدهر.
وكذلك تصبح هذه الكلمات الثلاث التي جعلها قائد الثورة شعارًا لهذه الثورة كلماتٍ مملوءةً تدل على شيء واقع محقق، لا تنطق بها الألسنة وحدها، وإنما تخفق بها القلوب، وتفكر فيها العقول وتنطق بها الألسنة وتعمل بها الأيدي، فتجعلها حقائق تراها العيون وتلمسها الأيدي وتتوارثها الأجيال، وتنتهي بها مصر إلى أن تكون بلدًا عظيمًا يسكنه شعبٌ عظيمٌ.
لندع إذن هذا الخوف الذي يذيب قلوبنا فَرَقًا حين نرى الإقبال على التعليم الثانوي والعالي، بل لنبتهج به ولنشجع عليه، ولنحرض الشعب على أن يُقبل مع هذا على فنون أخرى من التعليم، وضروب أخرى من النشاط. ثم لنلائم بين ما نعمله وما نقوله، وبين ما نعمله اليوم وما نريد أن نعمله غدًا، ولنجتهد في ألَّا نخادع أنفسنا عن الحق، ولا نملقها بالوهم والخيال.
لقد قررت لجنة سياسة التعليم مثلًا أن تعيد فرض الرسوم على الامتحانات لنيل الشهادة الإعدادية والثانوية، وعارضت في ذلك فلم أُفلح، وكان ذلك من الأسباب التي حملتني على الاستقالة من هذه اللجنة؛ لأني لا أستطيع أن أرجع في حق كسبه الشعب.
فماذا أقرأ اليوم في الصحف؟ أقرأ أن الوزارة قد قررت في هذا العام إلغاء الرسوم على الامتحانات جميعًا من غير استثناء.
الوزارة تقرر في هذا العام إلغاء الرسوم على ما نعلمه من ضيق الميزانية، وحسنًا فعلت. ولكن كيف أفهم إلغاء الرسوم هذا العام ووضعها في مشروع القانون الجديد؟
والحكومة تتشدد أول العام في تحصيل هذه الرسوم أو تلك وتغلو في التشدد، ثم تنتهي آخر الأمر من إعفاء هذه الرسوم، وحسنًا تفعل حين ترفق بالناس، ولكن أليس الخير أن تبدأ فترفق بهم ليلقوا عامهم باسمين في غير مشقة ولا عسر ولا ضيق؟!
والجامعات تتشدد في رسومها وتسرف في هذا التشدد، حتى تبلغ به أقصاه، ثم يفي قائد الثورة ورئيس الحكومة حقائق الحياة التي يحياها الناس؛ فإذا التشدد قد أصبح لينًا وإسماحًا. فلم لا تتخذ اللين والإسماح أساسًا للصلة بين الحاكمين والمحكومين.
وتتشدد الجامعات في عدد الطلاب الذين تستطيع أن تقبلهم، حتى إذا أرهقت الناس من أمرهم عسرًا هبطت كلمة الخير من عَلٍ، فاستحال العسر يسرًا والضيق فرجًا. لم لا نلائم بين أعمالنا ومنطق الحياة، فنجنِّب الناس ونجنِّب أنفسنا كثيرًا من الحرج والضيق، ونخلص جهودنا للعمل والإنتاج، وننقيها من الهم والغيظ والغم والعناء.
ذلك أحرى أن يتيح لجهودنا حظًّا أعظم من الخصب، وقدرةً أوسع على الخير، وأن يجعل أمورنا كلها سواء لا عوج فيها ولا اضطراب.
ليتنا نستقبل أمور التعليم كلها بما ينبغي لها من الرضا والغبطة والابتسام، ونذكر الحديث الشريف في كل ما نحاول من أمور الشعب: «إنما بعثتم ميَسِّرين لا معسِّرين.»
التعليم حق طبيعي لكل إنسان
طه حسين
النداء
٢١ أبريل ١٩٥٣
رأي الدكتور طه حسين
وقابلت الدكتور طه حسين في حفل نقابة الصحفيين لتكريم الصحفيين العرب، وعرضت عليه فكرة تقييد تعليم الطب في كلياته الثلاث … وقصر عدد المقبولين على مائتين لكلية طب القاهرة، ومائة لكل من كليتي طب العباسية والإسكندرية.
ضد تقييد أي نوع من التعليم
فقال: لم أسمع بهذا الموضوع، ولا أظن أن مجرد عرض فكرة كهذه يجعل الكليات متقيدة بها دون عرضها على مجلس التعليم الأعلى وموافقته عليها … ولو أن التعليم حق طبيعي لكل إنسان، ولا يمكن أن تحول فكرة عابرة دون حصول الراغبين في التعليم على هذا الحق … وأنا شخصيًّا ضد تقييد أي نوع من التعليم مهما كانت الظروف والأسباب.
زيادة التعليم تحقق الغاية
قلت: وما رأيكم في الأعذار التي تبرر بها الكليات تنفيذ فكرة تقييد تعليم الطب، وهي نقص الأساتذة والمعامل وضيق المباني، وانخفاض مستوى التعليم؟
فقال: إن هذه المعاذير والأسباب لا تبرر تقييد أي نوع من التعليم والطب بنوع خاص؛ لأن البلاد في حاجة إلى أضعاف أضعاف عدد الأطباء الحالي … وما يوجد من نقص في المدرسين والمباني والمعامل؛ فهذا كله يمكن استكماله بسهولة بكل الوسائل الممكنة.
الكليات الثلاث الجديدة
قلت: وما رأيكم في وقف مشروعات إنشاء الجامعات الثلاث الجديدة بكل من أسيوط وطنطا والمنصورة، وكليات الطب الثلاث بكل منها؟
فقال: لم يقُل أحد إن مثل هذه المشروعات يمكن الاستغناء عنها تمشيًا مع التوسُّع في سياسة التعليم وتيسيره لمختلف طبقات الشعب، وأعتقد أن العهد الجديد يهدف إلى تيسير التعليم لا إلى تقييده، وأن وقف إنشاء هذه الجامعات وتلك الكليات لا يتفق مع السياسة …
قلة الأساتذة
قلت: إن الشكوى في كليات الطب الحالية هي من قلة الأساتذة وانخفاض مستوى تعليم الطب، وربما كان ذلك سببًا في وقف الكليات الجديدة. فقال: لا شك أن زيادة درجات التعليم والتوسع فيها يساعد كثيرًا على وجود المدرسين والأساتذة، ويوفر ما يحتاجه هذا التوسع تدريجيًّا، وكما ذكرت لك أن النقص في ناحية ما لا يمكن تداركه واستكماله بوقف نشاط هذه الناحية، بل يمكن تحقيق الكمال بوسائل كثيرة في متناول أيدي المسئولين، ومع ذلك فالأمر لا يعدو اقتراحًا تقدَّم به أحد الأطباء من أعضاء نقابتهم، ولم يُعرض على مجلس التعليم حتى يمكن اعتباره أمرًا مقضيًّا فيه أو واجب التنفيذ.
تبعات التعليم
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ أغسطس ١٩٥٤
كان يُقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من فتح مدرسةً أغلق سجنًا. وكانت هذه الجملة تتردد كثيرًا في أوائل هذا القرن حين كنَّا صبيةً وشبابًا، وحين كان المخلصون الناصحون لهذا الوطن يحضُّون على إنشاء المدارس الحرة، ويشكون من أن الحكومات الخاضعة لسلطان الاحتلال تقتر على الناس في إنشاء المدارس، ولا تنشر التعليم إلَّا بمقدار حاجتها هي إلى الموظفين، لا بمقدار حاجة الشعب إلى المعرفة والثقافة والخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد كانت جريدة اللواء — التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل — أكثر الصحف ترديدًا لهذه الجملة. والشيء المهم هو أن المصريين في أوائل هذا القرن كانوا يعتقدون مؤمنين أصدق الإيمان وأعمقه أن الجهل ظلمةٌ، وأن العلم نورٌ، وأن إنشاء المدارس واجبٌ وطنيٌّ من أعظم الواجبات الوطنية خطرًا، وأبعدها أثرًا في إخراج الشعب من الذلة إلى العزة، وفي تمكينه من مقاومة الاستعمار والتمرد على المستعمرين. ولأمرٍ ما أنشأ الزعيم مصطفى كامل مدرسته تلك التي لم تكن دار تعليم فحسب، وإنما كانت دار تعليم وسياسة ومقاومة للاحتلال.
وكان كاتبٌ معروفٌ — تُوفِّي منذ حين — معنيًا بفتح المدارس، فكان كلما فتح مدرسة أنبأ صديقه مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة، الأستاذ حسين فوزي، بأنه أغلق سجنًا.
كان يقول هذه الجملة لصديقه ضاحكًا مداعبًا، ولكنه لم يكن يضحك ولا يداعب استخفافًا بهذه الحكمة الشائعة أو شكًّا فيها، وإنما كان يضحك ويداعب ثقةً بها، وتثبيتًا لها، وابتهاجًا بانتصاره على الجهل في بيئة ما من بيئات مواطنيه.
كذلك كانت الحال في أوائل هذا القرن، وكذلك كانت الحال بين الحربين العالميتين حين ظفرت مصر ببعض حقها، وأقبلت على أمور التعليم تدبرها معنيةً بها، حريصةً على أن تنشئ المدارس الحكومية والحرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
كانت مؤمنةً بأن التعليم يرد إلى الناس نفوسهم الضائعة، ويشعرهم بحقوقهم المهدرة، ويحبب إليهم الكرامة، ويزينها في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الذلة، ويقبِّحها في نفوسهم. ومن أجل ذلك أنشأ المصريون جامعتهم الأولى على كرهٍ من المحتلين، وأنشئوا مدارسهم الحرة الكثيرة على كرهٍ من المحتلين أيضًا. كان ذلك في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كما كان القُصَّاص يقولون، فأمَّا الآن فقد تغيرت الدنيا، وأصبح فتح المدرسة شيئًا يوشك أن يكون شرًّا يجب أن يُتَّقى؛ فقد كثر العلم فيما يظهر حتى ضقنا به، وأشفقنا منه. وخير الأمور أوساطها كما يُقال. فالتقتير في العلم شرٌّ، والإسراف في العلم شرٌّ، والخيرُ كل الخير هو أن يكون الأمر وسطًا بين ذلك.
وأنا أعلم حق العلم أن هذا الكلام الذي أمليه مناقض أشد المناقضة لمبادئ الثورة المصرية وأغراضها، والجهود الخطرة التي تبذلها في إنشاء المدارس، وفي تنظيم هذا الإنشاء، بحيث لا تمضي أعوامٌ قليلةٌ إلَّا وقد أُتيح للأطفال المصريين جميعًا أن يتعلموا. وبحيث يصبح النص الدستوري على أن التعليم الابتدائي فرض على البنين والبنات من المصريين مصورًا للحقيقة الواقعة لا كلامًا يُقال ولا يُصوِّر شيئًا.
أنا أعلم هذا كله حق العلم، ولكني أعلم أيضًا أن في مصر قومًا يضيقون بالتعليم، ويشفقون من خطره على الأخلاق، بل على الأمن، بل على النظام كله. ألم يقل بعض القائلين: إن وزارة المعارف مسئولة عن تلك الجريمة المنكرة التي اقترفها بعض التلاميذ في حيٍّ من أحياء القاهرة منذ أسابيع؟ ألم يكتب كتَّاب في بعض الصحف فصولًا يدعون فيها إلى ألَّا يُباح التعليم للناس جميعًا، وإنما ييسر للقادرين عليه المؤهلين له، وتصرف الكثرة الكثيرة من غير القادرين والمؤهلين إلى ما يلائمها من المهن والصناعات والعمل المألوف في كسب الحياة بالأيدي في الحقوق والطرق، وما شاء الله من ميادين العمل بالأيدي.
كُتِب هذا الكلام كله حين كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الثاني من أعياد الثورة، وحين كان رجال الثورة أنفسهم يتحدثون إلى المواطنين — كلما أُتيح لهم أن يتحدثوا إلى المواطنين — بأنهم قد أزمعوا أن ينشئوا المئات من المدارس في كل عام ليخرج الشعب من ذلة الجهل إلى عزة المعرفة.
وأنا أفهم حق الفهم أن يختلف المصريون في سياسة التعليم، وأن يذهبوا فيها المذاهب، يختصموا حول هذه السياسة، فينكر بعضهم سياسة بعض، ويعرف بعضهم سياسة بعضهم الآخر. ولكن الشيء الذي لا أفهمه ولا أسيغه، هو أن تدفعنا الخصومة إلى أن نرسل الكلام إرسالًا في غير تدبرٍ ولا رويةٍ ولا أناةٍ. فيقول قائل: إن التعليم مسئول عما يتورط فيه بعض التلاميذ من الجرائم والآثام، ويقول قائل آخر: إن التعليم يجب أن يُقصر على المؤهلين له القادرين على احتماله.
وتنقلب الآية في أقل من نصف قرن، فيُصبح من فتح مدرسة كأنه فتح سجنًا بعد أن كان من فتح مدرسة أغلق سجنًا. ما مصدر هذا التحول؟ أهو تحول عميقٌ حقًّا؟ خطيرٌ حقًّا! يجب أن نحسب حسابه في تقدير الحياة المصرية المعاصرة وتدبير أمورها في مستقبل أيامها، أم هو كلام تغري به الخصومة أحيانًا، ويغري به القصور الذهني أحيانًا أخرى، ويغري به البغض والموجدة الذين لم تبرأ منهما بعض القلوب؟
أمَّا أنا فأعتقد أوثق الاعتقاد وأرسخه أن الشعب المصري ما زال مؤمنًا بأن من فتح مدرسة قد أغلق سجنًا، وأن إيمانه بهذه الحكمة قد أصبح في هذه الأيام أكثر شيوعًا ورسوخًا مما كان في أول هذا القرن. وآية ذلك أن المدارس القائمة — سواء أكانت حكومية أم حرة — لا تستطيع أن ترضي حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم وبناتهم، وأن الثورة قد أنشأت مؤسسة خاصة للاستكثار من بناء المدارس في كل عام، وأن الثورة تهيب بالمواطنين أن ينشئوا المدارس الحرة الخاصة، وتمدهم بالمعونة والتأييد إن فعلوا.
ولو قد أحست الثورة نفورًا من التعليم أو زهدًا فيه لأراحت نفسها من هذا العناء، ولاقتصرت فيما تنفق من الجهد والمال، أو لاتخذت الوسائل الدكتاتورية لإكراه الناس على أن يعلِّموا أبناءهم وبناتهم، ولكن الثورة تنفق الجهود والأموال، ولا تعمد إلى أي وسيلة من وسائل الإكراه على التعليم، وإنما تعمد إلى الوسائل المختلفة لتُيسِّر التعليم للراغبين فيه والمقبلين عليه. وأخصُّ ما يؤخذ به هؤلاء الذين يقولون أن يعيش فيه المثقفون في هذه الأيام، ولا سيما حين ينهضون بالأعباء العامة، وتوجيه الشعب في حياته إلى ما يلائم منافعه القريبة والبعيدة.
يجب أن يعرف المصريون أن كثيرًا من الحقائق يخفى عليهم، ولا يُجلى لهم، فليست مصر مثلًا هي البلد الوحيد الذي تزدحم فيه المدارس بالتلاميذ ازدحامًا يعرض التعليم للنقص والضعف، وإنما هذه آفةٌ شائعةٌ في كثيرٍ من البلاد، وفي كثيرٍ من البلاد التي يتخذها بعضنا قبلةً وإمامًا. فازدحام المدارس بالتلاميذ آفة يشكو منها الإنجليز، ويشكو منها الفرنسيون، ويشكو منها الأمريكيون أيضًا. وتُبذل الجهود الضخمة في تلك البلاد كما يُبذل في مصر لعلاجها والتخلص منها.
هذه واحدة، وحقيقة أخرى تخفى على المصريين، ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست وحدها هي البلد الذي يُنهض فيه بأعباء التعليم، قومٌ لم يُهيَّئوا له تهيئة كافية، فقلة المعلمين الأكفاء ليست آفة مصرية أو عربية، وإنما هي آفة عالمية تشكو منها أرقى بلاد العالم وأرسخها قدمًا في الثقافة والحضارة والعلم.
يشكو منها الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكيون، وغيرهم من بلاد أوروبا على اختلافها. والسر في هذا ليس عسيرًا، فالديمقراطية تريد أن يتعلم الناس جميعًا لأنها ترى التعليم حقًّا لا هبةً ولا منحةً، ولأنها ترى التعليم في بعض أطواره واجبًا لا خيرةَ للمواطنين في إهماله أو التخفف منه. والديمقراطية في حاجة إلى وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ ثقيلٍ، ومالٍ كثيرٍ، وسلامٍ مستقرٍّ مطمئنٍّ لتبني ما يجب أن يُبنى من المدارس، وتُهيئ من يجب أن يُهيَّأ من المعلمين، وتقيم التعليم على أسس متينة ترضي فقهاء التربية وفلاسفة البيداجوجيا جميعًا.
وحقيقة ثالثة تخفى على المصريين ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي يقترف التلاميذ والطلاب فيه بعض الجرائم والآثام، وإنما تورط الشباب في الجريمة والإثم قضية عالمية تشكو منه بلاد كثيرة جدًّا سبقت مصر إلى نشر التعليم والوصول به إلى أعماق الشعب.
وقد شهدت هذا العام في باريس إثمًا خطيرًا منكرًا، اقترفته جماعات التلاميذ إثر فراغها من امتحان الشهادة الثانوية. فاعتدت على الكرامات وعلى أجسام الناس وأموالهم، وخربت متاجر كثيرة، وأضاعت على الفرنسيين عشرات كثيرة من ملايين الفرنكات. ولم تُحمَّل وزارة المعارف الفرنسية تبعة هذا الفساد، وإنما ترك أمره إلى النيابة تدرسه وتستقصيه، ثم إلى القضاء يقضي فيه بحكم القانون، وتركت تعليله وتأويله للباحثين في شئون الاجتماع يقولون فيه بعد روية وتدبر واستقصاء.
ولو قد استجبنا لهؤلاء السادة الذين يحمِّلون التعليم تبعات ما يقترفه المتعلمون من الآثام؛ لأُغلقت المدارس في الأرض كلها، ولرُدَّت الإنسانية إلى الجهل الجاهل والظلمة المظلمة، ولحوَّلت الحكومات جهودها وأموالها عن إنشاء المدارس إلى إنشاء السجون؛ فالجهل لا يعفي الناس من الجرائم، وإنما يغريهم بها إغراءً ويدفعهم إليها دفعًا.
وأنا أقرأ في صحيفة الموند الفرنسية تقريرًا لرئيس الشرطة في نيويورك، يؤكد فيه أن الجرائم التي تُرتكب في هذه المدينة لا تُحصى بالأيام ولا بالأسابيع ولا بالشهور … بل لا تحصى بالساعات، وإنما تُحصى بالدقائق، فتُقترف في كل دقيقتين جريمة من الجرائم.
والتعليم في نيويورك أكثر انتشارًا وتغلغلًا في أعماق الشعب منه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية، ورئيس الشرطة في نيويورك لا يلقي التبعة على التعليم ولا يطلب تضييقه، وإنما يطلب أن تيسر له الوسائل لحماية الأمن، وتتبُّع المجرمين.
فلنخلص أنفسنا للحق، ولنخلص نصحنا للشعب، ولنستأني فيما نصدر من الأحكام، ولنتجنب ما استطعنا إرسال الكلام في غير تثبت ولا تحفظ ولا احتياط … ولنسأل الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة حين نعمل، وحين نفكر، وحين نقول، فإنه عزَّ اسمه يقول: ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ).
Leave a Reply