Back to homepage

الأدب العربي بين المجمع والقراء | Arabic Letters Between the Academy and the Reader

في التجديد
طه حسين
المجلة الجديدة
١٠ نوفمبر ١٩٢٩

وإنَّما أريد التجديد الأدبي؛ لأنَّه بطيء مضطرب لا نظام له ولا اطِّراد، على حين يأخذ التجديد في نواحي حياتنا الأخرى طرقًا واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء. فالعلم يدرَّس في مدارسنا المدنية على النحو الأوروبي الجديد في غير مراوغة ولا تلكؤ. ولسنا نعرف مدرسة مدنية تدرس فيها الطبيعة أو الطب على نحو ما كان يدرسهما أصحاب أرسططاليس، وتلاميذ الفارابي وابن سينا، وإنَّما تدرس الطبيعة والطب وغيرهما من العلوم على أحدث نوع من أنحاء الدرس تعرفه أوروبا وأمريكا. وليس على ذلك اعتراض أو نكير، وإنَّما يكون الاعتراض والإنكار لو حاولت المدارس أن تعدل عن هذا النحو الجديد من الدرس إلى نحو آخر قديم ولو قليلًا. والفن الذي يتبع هذا العلم ويجاريه في الحياة العلمية مجاراة الظل للشخص يسلك طريقًا جديدة أيضًا.

فكما أننا ندرس الطبيعة والميكانيكا والطب على النحو الجديد، فنحن نُطبقها أيضًا على النحو الجديد. أما حياتنا السياسية فمسرفة في الميل إلى التجديد، ويكفي أن تكون الصلة قد انقطعت بينها وبين ما ألف آباؤنا من الحياة السياسية، فليست هناك صلة ما بين نظامنا السياسي القائم مهما يكن، وما أَلِف المصريون القدماء من حكم الفراعنة، أو ما ألف المصريون المسلمون من حكم الخلفاء والسلاطين، وتستطيع أن تقول مثل هذا في حياتنا الاجتماعية، فهي ممعنة في التجديد، وحسبك أنَّ تشريعنا المدني كله يقتبس من أوروبا لا من النظم القديمة ولا من الإسلام نفسه، وحياتنا الاقتصادية جديدة كلها. فلم يعرف القدماء هذا النحو من البيوت المالية، وهذا النحو من التعاون المالي الذي نعرفه نحن، ونسرف فيه أكثر مما يُسرف فيه الأوروبيون أنفسهم.

التجديد عندنا إذن مطَّرد في كل شيء تؤيده الحكومة، وتلح فيه، وتفرضه على الناس فرضًا، وتشرع القوانين في كثير من الأحيان لمعاقبة الذين يُنكرونه أو يخرجون عليه.

وهذا التجديد ملائم كل الملاءمة لميولنا وأهوائنا ولطبائعنا وأمزجتنا، فنحن مطمئنون إلى ما يُشرَّع لنا من النظم التعليمية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وإذا كنا ننكر على الحكومة شيئًا فإنَّما ننكر عليها إبطاءها في التجديد، وإذا كنَّا نتمنى شيئًا فإنَّما نتمنى الإسراع في هذا التجديد حتى تزول الفروق بيننا وبين الأوروبيين. ومع ذلك فهناك ناحية من نواحي حياتنا العامة والخاصة يشتد فيها إنكار التجديد، والخروج عليه، ولا يكاد المجددون يشقون فيها طريقهم إلا على شيء من المشقة والعناء غير قليل؛ وهي الناحية الأدبية.

فالمجددون من الأدباء لا يزالون قلة في الشرق عامة وفي مصر خاصة، وهذه القلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلها العليا، ومذاهبها في التفكير والتعبير، وإنَّما هي عرضة دائمًا للمقاومة والمناوأة وللكيد والدس، وما إلى هذا كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة. والذوق العام ينقاد لهم حينًا ويزورُّ عنهم حينًا آخر، وازوراره عنهم أشد من انقياده لهم. وهؤلاء المجددون أنفسهم على اقتناع كثير منهم برأيهم في التجديد، مضطربون لم يبلغ بهم الإيمان بمذهبهم الجديد إلى الحد الذي يستطيعون معه التضحية في سبيل مذهبهم أو الجهاد الصريح لنصر هذا المذهب. فمنهم من يفتر إذا اشتدت الخصومة، ومنهم من يتملق القديم؛ فيحتال في أن يلون آراءه الجديدة بلون فيه ميل قوي أو ضعيف إلى القدم. فما علة هذا النوع من التناقض بين حياتنا الأدبية وغيرها من فروع الحياة المختلفة التي نحياها؟ وما السبيل إلى إلغاء هذا التناقض، والملاءمة بين حياتنا العاقلة الشاعرة، وحياتنا العامة؟

أما جواب السؤال الأول فيسير فيما يظهر؛ ذلك أنَّ تطور العقل والشعور بطيء بطبعه، أشد بطئًا من تطور الحياة العملية، فقد يكون من اليسير أن ندفع الزي الشرقي إلى الزي الغربي، وأن نجلس إلى الموائد لنأكل ونشرب على النحو الذي يأكل عليه الأوروبيون ويشربون، دون أن يكون لهذا كله مصدر إلا الرغبة اليسيرة في التقليد، والميل اليسير إلى ما هو أدنى إلى الراحة، وأقرب إلى المنفعة، فحياتنا المادية تتطور وتسرف في التطور دون أن يؤثر ذلك في حياتنا العقلية والشعورية. وكثيرون جدًّا هؤلاء الذين ذهبوا إلى أوروبا قد درسوا فيها وأقاموا فيها أعوامًا طوالًا، وظهر عليهم التأثر بدرسهم الأوروبي، وإقامتهم في أوروبا حتى وصفهم الناس بالتفرنج، واقتنعوا هم أيضًا بأنَّهم متفرنجون، ولكنَّهم على ذلك يُفكِّرون كما يفكِّر الشرقي الخالص، ويشعرون كما يشعر الشرقي الخالص، وهم شرقيون بأشدِّ معاني هذه الكلمة دقةً إذا خلوا إلى أنفسهم أو أرسلوا طبائعهم على سجاياها.

وكثيرًا ما يكون لهذا أثر بعيد منكر في حياة الشرقيين والأوروبيين جميعًا. فهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يخدعون أنفسهم، ويخدعون الناس، ويمضون في هذه الخديعة حتى يصهروا إلى الأوروبيين، يحسبهم الأوروبيون أمثالهم في التفكير والشعور؛ فيقبلونهم أصهارًا، ويظنون هم أنفسهم أنَّهم أوروبيون في التفكير والشعور؛ فيقترنون بالأوروبيات حتى إذا عادوا إلى مصر وصهرتهم شمسها الحارة زال عنهم هذا الطلاء، فظهرت شخصياتهم الشرقية واضحة جلية، فأنكرهم أزواجهم وأنكروا هم أزواجهم أيضًا، واتصلت لهم ولأزواجهم حياة مرة منغصة.

وهؤلاء الشرقيون المتفرنجون يتحدثون إليك في أوروبا أو حين يعودون منها، فإذا هم ينكرون في مصر كل قديم، وإذا هم حِرَاص على التجديد حتى إنَّك لتخافهم على النظام، وتحسبهم دعاة ثورة وفتنة، ثم لا يمضي عليهم في مصر زمن قليل حتى يصبحوا — أو قل حتى يعودوا — أنصارًا للقديم كما كانوا قبل أن يذهبوا إلى أوروبا.

لا مصدر لهذا كله إلا ما قلناه من أنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء بطبعه، وإذا كان تطور التفكير والشعور بطيئًا فلا جرم تبعه في البطء تطور التعبير؛ أي تطور الحياة الأدبية، فلأجل أن تُجيد الإنشاء الفني شعرًا أو نثرًا يجب أن يكون هذا الإنشاء صادقًا؛ أي صورة قوية صحيحة لما يضطرب في نفسك من خاطر، وما تجد من عاطفة أو هوى. وإذا كنت شرقيًّا خالصًا فستخطر لك الخواطر الشرقية، وستجد العواطف الشرقية، وستعبر عنها كما يُعبِّر الشرقيون؛ أي ستكون قديمًا في تفكيرك وشعورك وتعبيرك.

أما الجواب عن السؤال الثاني: فما نظنه أشد عسرًا من الجواب عن السؤال الأول؛ ذلك أنَّ من الواضح أنَّ أحسن دواء إنَّما هو استئصال العلة التي تدعو إلى المرض، فإذا كان التجديد في الأدب بطيئًا لأنَّ التطور العقلي والشعوري بطيء؛ فخير طب لهذا إنَّما هو إعانة التطور العقلي والشعوري على أن يتحقق ويسرع إلى حد ما. وبمقدار ما نعين هذا التطور على الإسراع يكون حظ أدبنا العربي من التجدد.

ومن الغريب أنَّك تُلاحظ بين حياتنا العلمية والأدبية تناقضًا في حظهما من التجديد مصدره التناقض فيما بُذل من الجهود لتحقيق التطور العلمي والأدبي؛ فقد بُذلت جهود عنيفة كثيرة متصلة لتحقيق التطور العلمي منذ أول القرن الماضي، فَفُرض العلم المدني على النَّاس فرضًا؛ لأنَّ حاجتهم في حياتهم العلمية كانت تقتضي ذلك، وبلغنا بفضل هذه الجهود إلى حياة علمية قد تكون قوية منتجة وقد تكون ضعيفة قليلة الإنتاج، ولكنَّها جديدة على كلِّ حالٍ.

أمَّا الجهود التي بُذلت لتحقيق التطور الأدبي فقليلة ضئيلة متقطعة؛ لأنَّ التطور الأدبي لم تدعُ إليه الحاجة العاجلة، فبينما كان التقدم العلمي قد مضى إلى أمد بعيد في مصر كانت الحكومة لم تُفكِّر بعد في إنشاء مدرسة دار العلوم. فلما أنشأتها مضت في إنشائها على استحياء، وجدَّدت في نظامها بمقدار، ثم وقفت عند هذا الحد من الجهد لتحقيق التطور الأدبي. وطبيعي أن تكون ضئيلة ثمرات هذا الجهد الضئيل. ثم انتظرت الحكومة نصف قرن، وأضافت إلى جهدها الأول جهدًا آخر هو إنشاء كلية الآداب في الجامعة، ولكنَّ هذا الجهد لم يؤتِ ثمره بعد؛ لأنَّه لا يزال حديث العهد. جهد الحكومة لتحقيق التطور الأدبي ضئيل بالقياس إلى جهدها لتحقيق التطور العلمي، ومع ذلك فقد تطور الأدب العربي نحو التجديد في مصر تطورًا لا بأس به مصدره جهود فردية بُذلت لنشر الكتب القديمة وترجمة الكتب الحديثة، وقُرئت هذه الكتب وتلك، فكانت هذه النهضة التي نشهدها الآن.

ولو قد عني الأفراد بالعلم عنايتهم بالأدب لكانت حياتنا العلمية أرقى جدًّا مما هي الآن، ولو قد عنيت الحكومة بالأدب عنايتها بالعلم لكانت حياتنا الأدبية أرقى جدًّا مما هي الآن. على أنَّ هذا كله من التاريخ، وربما كان الخير في أن تفكر الحكومة في بذل شيء من الجهد القيم الجدِّي لتحقيق التطور الأدبي، حتى لا يوجد هذا التناقض بين حياتنا الأدبية وفروع حياتنا الأخرى، وحتى تنشط الألسنة والعقول والقلوب كما تنشط الأيدي، وحتى تصبح اللغة العربية لغة للمصريين حقًّا؛ تلائم حاجاتهم ملاءمة صحيحة، وسبيل هذا الجهد عندي أن تُدرَّس الآداب الحديثة كما تُدرَّس العلوم الحديثة، وأن تُفرض هذه الآداب على شباب المتعلمين كما فرضت عليهم العلوم، ولا أكاد أفهم معنى لجهل العلم الحديث فرضًا لا تنال الإجازات بدونه، وإهمال الأدب الحديث كأنه لم يُوجد.

سيقولون إن العلم الحديث سبيل إلى الحياة المادية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، فنقول: والأدب الحديث سبيل إلى الحياة الروحية التي لا سبيل إلى الاستغناء عنها، إلا أن تتحول مُثُلنا العليا فنقنع بأن نكون أجسامًا لا أرواح فيها، على أنَّ قليلًا من التفكير كفيل بإثبات أنَّ الحياة العلمية الخالصة نفسها لم تُوجد ولم تقوَ في عصر من العصور إلا لأنَّ الأدب وجد قبلها فأحيا العقل، وأحيا الشعور، ودفع النَّاس إلى البحث والاستقصاء ثُمَّ إلى الإنتاج والاختراع.

ومن يدري؟ لعلَّ العلة الصحيحة في أنَّ كثرة علمائنا مقلدون لا ينتجون ولا يبتكرون، إنَّما هي قلة بضاعتهم من الأدب المنتج.

نهضتنا الأدبية وما ينقصها
طه حسين
مجلة الهلال
نوفمبر ١٩٣٣

لست أخاف على نهضتنا الأدبية شيئًا كما أخاف عليها الغلو في إكبارها، والإعجاب بها، والاطمئنان إليها، ولعلي من أجل هذا الخوف أكره التفكير فيها، والوقوف عندها، وتناولها بشيء من الدرس والتحليل، فهي نهضة قوية من غير شك، لها من الخصب حظٌّ عظيم، تناولت آدابنا القديمة فأحيتها، ثم لم تقف عند هذا الإحياء بل أضافت إلى تلك الآداب القديمة آدابًا حديثة لم يعرفها القدماء، ولم يفكروا فيها، وهي ماضية في إحياء الأدب القديم، وإنشاء الأدب الحديث، يُصيبها الفتور من حين إلى حين، ويدركها الضعف من وقت إلى وقت، ولكنَّها لا تلبث أن تخلص من هذا الفتور، وتبرأ من هذا الضعف، وتمضي في طريقها نشطة قوية لا تلوي على شيء، وهي من هذه الجهة خليقة بالإكبار والإعجاب حقًّا.

فليست قصيرة هذه الطريق التي قطعناها منذ أواسط القرن الماضي، وليس قليلًا هذا الجهد الذي بذلناه منذ أول هذا القرن، وليس يسيرًا هذا التوفيق الذي ظفرنا به منذ وضعت الحرب الأخيرة أوزارها. وليس من شك في أنَّ هذا كله خليق أن يُثير فينا شيئًا من الرضى يوشك أن يبلغ التيه، وأن يدفعنا كارهين إلى أن نلقي على المرآة نظرة لا تخلو من حب للنفس وثقة بها.

ولكني على ذلك — أو قل لذلك — أكره هذه النظرة؛ لأنِّي أخاف أن تفتننا، وتستهوينا، وتضطرنا إلى حب المرآة، وإطالة النظر فيها، والانصراف إلى هذه الصورة التي تعكسها لنا عن الطريق البعيدة التي لا بد من أن نمضي فيها حتى نصل إلى غايتها إن كانت، وما أظن أنَّ لها غاية تنتهي إليها. ومن ذا الذي يستطيع أن يحد الطريق التي يسلكها الطامحون إلى مُثلهم العليا؟ ثُمَّ إنِّي لست واثقًا بأنَّ الصورة التي ستعكسها لنا المرآة — إنْ نظرنا فيها — جميلة كل الجمال، محببة إلى النفوس من جميع نواحيها، ولعلي واثق بأنَّ بعض نواحيها لا يخلو من عيب شديد بغيض، وأنا أخشى إنْ وقفت أبصار الناظرين في المرآة عند هذه العيوب أن تسوءهم، وتلقي في نفوسهم شيئًا إلا يكن يأسًا فليس بعيدًا من اليأس. لذلك أحببت، وما زلت أحب للأدباء أن يمضوا في طريقهم محيين للأدب القديم، منشئين للأدب الحديث، دون أن يقفوا، أو دون أن يُطيلوا الوقوف، ودون أن ينظروا في المرآة، أو دون أن يُطيلوا النَّظر في المرآة، لعلهم يأمنون شرَّ الفتنة بقوتهم، وشرَّ اليأس من ضعفهم، فهم في حقيقة الأمر مُعرضون لهذين الشرَّين جميعًا.

ولكنَّ «الهلال» تُحبُّ دائمًا أنْ تتعرف إلى أيِّ حد بلغت النهضة، وإلى أي حد انتهى نشاط الأدب والأدباء، وهي بذلك تضطرنا إلى هذا الوقوف الذي لا أحبه، وإلى هذا النظر في المرآة الذي أكرهه للأدباء، ولكن إذا طلبت «الهلال» إلينا أن نقف، أو أن ننظر في أنفسنا، فهل نستطيع أن نأبى عليها، أو أنْ نُخالف ما تريد؟

ومن يدري لعل «الهلال» موفقةٌ إلى الصواب حين تطلب إلينا من وقت إلى آخر أن ننظر إلى الطريق التي قطعناها لعلنا نجد من طولها وعرضها وخصبها ما يبعث فينا قوة، ويجدد فينا نشاطًا، ويدفعنا إلى أن نمضي أمامنا لا كسلين ولا يائسين.

ولست أدري لماذا طلبت «الهلال» إليَّ أن أُبيِّن ما ينقص نهضتنا من أسباب القوة، ولم تطلب إليَّ أن أُبَيِّن ما يُزيِّن هذه النهضة من مظاهر الكمال. بل لست أدري لِمَ اختارت الهلال أن تجعلني ترجمانًا عن العيب مصوِّرًا لمواضع الضعف، وآثرت غيري من الكتَّاب بموضوعات أخرى يسرهم أن يدرسوها، ويكتبوا فيها، ويسر غيرهم من النَّاس أن يقرءوا درسهم إياها وتصويرهم لها؟ أهو مكر من «الهلال» بي وكيد لي، أم هو ثقة وحسن ظن؟ فإن تكن الأولى فإني خليق أنْ ألقى مكرًا بمكر وكيدًا بكيد، وإنْ تكن الثانية فإني خليق أنْ أشكر للهلال حسن رأيها فِيَّ وحسن ظنها بِي.

وأكبر الظن أنَّ «الهلال» قد جمعت بين المكر وحسن الظن، فلأمكر بها كما مكرت بي، ولأجزل لها الشكر كما أحسنت بي الظن.

ولأسجل قبل كل شيء لأردَّ على «الهلال» مكرها أنَّ نهضتنا آية من آيات هذا العصر الحديث يكاد فهمها وتفسيرها يكون أبعد من أن تناله العقول، ويظفر به التفكير الطويل، فقد خلقنا أنفسنا خلقًا جديدًا، وأكرهنا العالم الأوروبي لا على أن يعترف بنا، ويؤمن لنا بالحياة الخصبة المنتجة فحسب، بل على أن يحسب لنا حسابًا، ويستيقن بأنَّ العالم الحديث لن يستطيع أن يعيش بغير جهودنا، ولا أحد يستغني عن مشاركتنا في احتمال هذه الأعباء الثقال التي تفرضها الحضارة على الشعوب الراقية.

ويكفي أنْ نقرأ ما يكتبه المستشرقون عن جهودنا في الإحياء والإنشاء لتوافقني على أنَّنا لم نبقَ كما كنَّا من قبل شعوبًا لا يُفكر فيها الغربيون إلا من حيث إنَّها أدوات تستغل، وتستذل، وتسخر في سبيل المنافع والمآرب التي يسعى إليها الاستعمار، وإنَّما نحن شعوب قد استيقنت الأمم الغربية بأنَّها قد أفلتت من يدها، وآمنت بنفسها وحقها. فهذه الأمم الغربية لا تكاد تتعزى عن إفلاتنا من يدها، ولكنَّها مع ذلك تُحاول ما استطاعت أن تجد الوسيلة لا لإذلالنا واستغلالنا، فلم يبقَ إلى هذا من سبيل؛ بل لتنظيم الصلة بينها وبيننا على أحسن وجه يلائم منافعها وأغراضها وآمالها في الحياة. كل ما تقرؤه في كتب المستشرقين وفصولهم الطوال التي تنشرها المجلات، والتي تتناول حياتنا الحديثة، وآدابنا الحديثة، إنَّما تُمهد لهذا اليوم الذي لا بد من أن يجيء، ومن أن يجيء في وقت أقصر مما نظن ويظنون، والذي سيجد الغرب فيه نفسه أمام شرق قوي عزيز كله خصب، وكله إنتاج، وكله أمل، وكله عمل، ولا بد من أن تنظم معه صلات قوامها الاحترام والسلام.

فمن ظنَّ أنَّ هذه النهضة التي انتهت بنا إلى هذه المنزلة، والتي ستنتهي بنا بعد قليل إلى حيث ينظر إلينا الغرب كما ينظر الند إلى الند، والنظير إلى النظير؛ أقول من ظنَّ أنَّ هذه النهضة يسيرة، أو ضئيلة، فهو مسرف في الطمع لا يعرف لآماله حدًّا تقف عنده أو تنتهي إليه. وأنا أحد هؤلاء المسرفين الذين يرضون عمَّا وصلنا إليه من الرقي، ولكنَّهم مع ذلك يأبون أن يقنعوا به، أو يطمئنوا إليه، أو يروه لائقًا بما نستحق وبما نستطيع من التقدم والرقي، فأنا راضٍ ساخطٌ معًا! ومن هذا الرضى وهذا السخط يأتلف لي مزاج فيه الابتسام والعبوس، وفيه التفاؤل والإشفاق. ولعلك إنْ سألتني عمَّا يسخطني ويبعث في نفسي الخوف والإشفاق بعد أن عرفت ما يرضيني ويبعث في نفسي الأمل والرجاء، لم تجد عندي جوابًا يقنعك، ولكنَّه يقنعني أنا، ويدعوني لا إلى اليأس ولا إلى الوقوف، بل إلى الأمل وإلى الجهاد الذي لا يعرف مللًا ولا فتورًا.

فنهضتنا على كل هذا الفوز الذي ظفرت به تنقصها أشياء أساسية لا بقاء للنهضة من دونها. وليس الغريب أننا لم نكمل هذا النقص أو لم نتبينه، وإنَّما الغريب أنَّنا نهضنا ومضينا في نهضتنا برغم هذا النقص حتى انتهينا من الرقي حيث نحن الآن، ولكننا فيما أظن قد بلغنا طورًا من حياتنا الأدبية لا يمكن أن نعدوه إلا إذا تبينا مواضع الضعف في حياتنا، وبذلنا ما نملك من قوة وجهد لإصلاحها والتخلص من آثارها السيئة.

وأظهر مواضع الضعف في نهضتنا الأدبية الخالصة أربعة فيما أظن:

الأول: أنَّ اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة، فكثير جدًّا من أدبائنا يعرفون من الأدب الأجنبي أكثر مما يعرفون من الأدب العربي. فالذين يأخذون بحظ من الثقافة اللاتينية يحدثونك في تفصيل دقيق، وإطالة ممتعة عن الأدباء اللاتينيين، وآثارهم، وخصائصهم، فإذا سألتهم عن أدبائنا القدماء فقليل منهم — أستغفر الله — قليل جدًّا بينهم من يستطيع أن يُطيل معك الحديث. وقل مثل ذلك في أدبائنا الذين تثقفوا بالأدب السكسوني، وقد فرغ الناس من إثبات أنَّ كل حديث لا قيمة له ولا غناء فيه إذا لم يعتمد أصدق الاعتماد على الأدب القديم، فنحن في هذه الحال التي نحن فيها الآن نبني في الهواء، ونقيم أدبنا الحديث على غير أساس، ولا بد من مضاعفة النشاط في إحياء الأدب القديم ونشره وتوثيق الصلة بينه وبين الأدباء المحدثين حتى يشعروا شعورًا قويًّا بأنَّه أدبهم لا أدب آبائهم وأجدادهم، وبأنَّهم محتاجون إلى أن يستمدوا منه القوة والحياة. الثاني: أنَّ أدباءنا لم يوفقوا إلا إلى ثقافة محدودة من الأدب الأجنبي نفسه، فهم بين متأثر بالأدب اللاتيني لا يكاد يعدوه إلى غيره، ومتأثر بالأدب السكسوني لا يكاد يعدوه إلى غيره، وذلك نقص قبيح لا بد من إكماله والتخلص من شرِّه؛ هو نقص؛ لأنَّه يضيِّق أفق الثقافة والمعرفة، وهو نقص؛ لأنَّه يوشك أن يفني شخصية الأديب وقرائه في هذا الأدب اللاتيني أو السكسوني الذي يتأثره ويكاد يفنى فيه. والأديب الخليق بهذا الاسم جدير أن يأخذَ بأعظم حظ ممكن من الثقافات الأدبية المختلفة؛ ليتم بذلك شخصيته، ويوسع بذلك أفقه، ويعصم بذلك نفسه من الفناء والغلو في التقليد. الثالث: أنَّ أدباءنا الذين يُحسنون الأدب الأجنبي يُحسنونه طولًا وعرضًا، ولا يحسنونه عمقًا — إن صح هذا التعبير الغريب — فهم يجهلون الآداب القديمة التي أنشأت هذا الأدب الأجنبي الحديث. يجهلون الأدب اليوناني واللاتيني كما يجهلون الأدب العربي، أو أكثر مما يجهلون الأدب العربي. فهم يستطيعون على كل حال أن يقرءوا آثار العرب في لغتها، ولكنَّهم لا يستطيعون أن يقرءوا آثار اليونان والرومان إلا في التراجم، وقليل منهم من يقرؤها في التراجم. ولست أدري لماذا أعجز كل العجز عن أنْ أصدق أنَّ إنسانًا يستطيع أنْ يُتقن شيئًا من الأشياء إذا لم يتقن أصله الذي نشأ منه، وينبوعه الذي فاض منه. وأنا أعلم حق العلم أنَّ في أوروبا قومًا ممتازين لا يحرصون على درس الأدب القديم، ولكنِّي أحبُّ ألا يخدع أدباؤنا بهذا الميل الظاهر عند هؤلاء الأوروبيين، فهم لا يريدون أن تكون الآداب القديمة، واللغات القديمة فرضًا على كل المثقفين، كما كانت من قبل. ولكنَّهم لا يستطيعون أن يتصوروا أديبًا خليقًا بهذا الاسم إلا إذا أحسن هذه الآداب القديمة، وأتقن درسها والعلم بها. وأنا أبعد الناس عن أن أفكر في فرض الآداب القديمة على طلابنا جميعًا، أو على المثقفين عندنا جميعًا، ولكنِّي أحرص النَّاس على أن يأخذ أدباؤنا المنتجون من هذه الآداب القديمة بحظ معقول. الرابع: أنَّ أدباءنا لا يحفلون بالعلم، ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة حسنة منه — ومن جهل العلم — ولا سيما بعض العلم — فقد جهل الحياة. ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يكون أديبًا حقًّا دون أن يكون أدبه صورة من صور الحياة، ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يُصوِّر الحياة وهو يجهلها ولا يعرف من أسرارها ودقائقها ولا من ظواهرها وقوانينها شيئًا.

ولعل هذه الأنواع التي أشرت إليها من الضعف هي التي تعلل ما نشكو منه جميعًا، وما يأخذنا به المستشرقون من أنَّ أدبنا الحديث مصنوع غير مطبوع، ومتكلف غير مصور لحياتنا. فلو قد عظم حظنا من العلم بالأدب العربي القديم، ولو قد عظم حظنا من العلم بأنواع الأدب الحديث على اختلافها، ولو قد عظم حظنا من العلم بالأصول الأولى لهذا الأدب الحديث، ولو قد أخذنا من العلم الخالص بحظٍّ معقول، لو قد كمل لنا هذا كله؛ لما استطاعت الحياة أن تمر بنا — أو لما استطعنا نحن أن نمر بالحياة — ونحن عنها غافلون، لو كمل لنا هذا كله؛ لحيينا حقًّا، ولتأثرنا بالحياة حقًّا، فأحسسنا ما فيها من لذة وألم، ومن عظة وعبرة، وما يدعو إلى البحث والتفكير. ولو قد أحسسنا هذا كله؛ لما استطعنا أنْ ننصرف عن تصويره، وأن نبلغ من ذلك ما نُريد.

فأنت ترى أنَّنا رغم هذه العيوب القبيحة قد استطعنا أن ننهض، وأن نحدث لأنفسنا أدبًا معاصرًا خليقًا بالإكبار والإعجاب! فكيف بنا لو محونا هذه العيوب، وأكملنا هذا النقص، ووضعنا أنفسنا من أدباء الغرب بحيث وضعوا أنفسهم وأبينا أن نلقاهم فنعجز عن فهمهم إذا قالوا، وعن التحدث إليهم إذا انتظروا منا الحديث؟

بديع أن نبلغ ما بلغنا على نقص الأسباب، وضعف الوسائل، وقصور الأدوات، ولكن أبدع من هذا وأروع أن نشعر بما في نهضتنا من الضعف فنزيله، ونضع مكانه القوة والخصب والنشاط. وكم أتمنى أن نأخذ في أسباب ذلك منذ الآن، وكم أتمنى بعد أن تمضي أعوام غير طوال أن تعود الهلال فتعرض عليَّ مثل هذا الموضوع، إذن لا أتهمها بالمكر، ولا أخاف منها الكيد، ولا أتحرج من أن أجيبها إلى ما تريد سعيدًا بإجابتها إليه مغتبطًا بتسجيل ما نكون قد وفقنا إليه من فوز لا يذكر بجانبه ما نسجله الآن.

الأدب العربي والتمثيل
طه حسين
مجلة المصور
١ يونيو ١٩٣٤

وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.

الكتاب والقراء
طه حسين
مجلة الهلال
يوليو ١٩٣٤

… القُرَّاءُ كلُّ شيءٍ بالقياس إلى الكُتَّاب، ويُوشكُ ألَّا يكون الكُتَّابُ شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء …

… متى يُتاح للكُتَّابِ أن يثأروا من القُرَّاء وأن يُقدِّموا أنْفُسَهم عليهم، وأن يؤثروها من دونهم بالعناية؟! …

وَتَسْتَطِيعُ أنْ تعكس العنوان؛ فإني لم أُرِد تقديمًا ولا تأخيرًا، ومن أوليات النَّحو أنَّ الواو لا تُفيد ترتيبًا ولا تَعقيبًا، فينبغي ألا يغضب القُرَّاء إذن؛ لأنَّ المُصادفة أرادت لعنوانهم أنْ يتأخر في اللفظ، فأنا أؤكد لهم أنَّ أشخاصهم مُقَدَّمون في المعنى أو مُقدَّمون في حقيقة الأمر، بل أستطيع أن أؤكد لهم أنهم فوق التقديم؛ لأنَّهم كل شيء، وليس الكُتَّاب بالقياس إليهم شيئًا، أو لا يكادون يكونون بالقياس إليهم شيئًا.

وآية ذلك أنَّ الكُتَّاب لا يعيشون إلا للقُرَّاء، وأنَّ القُرَّاء يستطيعون أن يعيشوا، بل هم يَعِيشُون لغيرِ الكُتَّاب، يَعِيشون لأنفسهم كما يعيشون لغيرهم، ولكنَّ غيرهم هذا ليس كاتبًا أو يجب ألا يكون كاتبًا. وآيةُ ذَلكَ أَيْضًا أنَّ الكُتَّاب يفكرون في القُرَّاء حين يُقْدِمُون على الكتابة، وحين يمضون فيها، وحين يفرغون منها، فأمَّا القُرَّاء فلا يُفكرون في الكُتَّاب إلا حين يقرءونهم.

ومن يدري؟! لعلهم يُفكرون فيما يقرءون دون أن يفكروا فيمن كتبوه. أو من يدري؟! لعلهم يَقْرَءون فلا يُفكرون فيما يقرءون، ولا فيمن كتب لهم ما يقرءون، إنما يمرون أبصارهم على هذه الحروف والسطور يتبينون ما فيها من الألفاظ، ويُلمون بما تدل عليه من المعاني إلمامًا خفيفًا جدًّا، ويقفون أو لا يقفون عند هذه المعاني؛ لأنهم يُريدون أنْ يُنفقوا الوَقْتَ أو أنْ يَتَسَلَّوا عن شيءٍ بشيءٍ أو أنْ يدعوا النَّوم إلى جفون يستعصي عليها النوم.

القُرَّاء إذن كل شيء بالقياس إلى الكُتَّاب ويُوشك الكُتَّاب ألا يكونوا شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء! ولو أنَّ القارئ استطاع أن يدخل بين الكاتب وبين نفسه، وأن يشهده حين يهم بالكتابة، ثم حين يهجم عليها ويمضي فيها، لرأى شيئًا عجبًا، لرأى أنَّ الكاتبَ يُصارع خصمين عنيدين:

أحدهما: الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.
والثاني: القارئ الذي يريد أن يكتب له.

ولرأى أنَّ الموضوع في أكثر الأحيان ليسَ أشد الخصمين عنادًا ولا أثقلهما خصومة، وإنما الخصم العنيف المُخيف حقًّا هو هذا القارئ الذي لا يعرفه الكاتب، ولا يستطيع أن يُحصي مُيوله وأهواءه وعواطفه، ولا أن يَتبين ذَوقَه، ولا أنْ يَسْتَيْقِن بما يُلائمه وما يُخالفه، وإنَّما هو خطر مُحَقَّق واقعٌ، ولكنه مُبهم غامضٌ شَائِعٌ مُختلف مُتناقض مُتفاوت لا سبيل إلى حصره ولا إلى تحديده، ولا إلى العلم بالطريق التي يجب أن تُسلَك إليه.

ومن هنا، ينبغي للكاتب المصري أن يسأل نفسه: متى يُتاح للكُتَّاب أن يثأروا من القُرَّاء، وأن يُقدِّموا أنفسهم عليهم، وأنْ يُؤثروها من دونهم بالعناية؟ ولا أقول: متى يُتاح للكُتَّاب أن يأثروا من القُرَّاء ومن أنفسهم وألا يُفكروا إلا في الفنِّ وحده، ولا يُعنَوا إلا بالفن وحده؛ فقد يظهر أن هذا الأمد ما زال بعيدًا أبعد من أن نطمح إليه أو نطمع فيه.

ولكنَّ السُّؤال الأولَ قريبُ المَنَالِ يُمكن أنْ نقف عنده بعض الشيء، وأنْ نَلْتَمِسَ له جوابًا، فهل في مصرَ هؤلاء الكُتَّاب الذين لا يُفكرون في القُرَّاء أو الذين لا يُسرفون في العناية بالقُرَّاء واستحضار أشخاصهم الخطرة دائمًا حين يكتبون؟

والغريبُ أنَّ كثرة القُرَّاء تُظَن، بل تُؤمَن بغيرِ هذا، تُؤمَن بأنَّ الكُتَّاب لا يفكرون فيها ولا يحفلون بها ولا يرجون لها وقارًا، وإنما يقدمون إليها ما يخطر لهم في غير عناية ولا إطالة تفكير. وقد يكون هذا شأن جماعة من الناس لا أعرفهم، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أنِّي لم أستطع في يوم من الأيام أنْ أُقْدِمَ على الكِتابة إلا وأنا أحسب للقُرَّاء أشد الحساب وأعسره.

والشيء الذي لا أشك فيه أيضًا أني لا أعرف كاتبًا مصريًّا خليقًا بهذا الاسم تحدثت إليه إلا رأيته يخاف من القُرَّاء مثل ما أخاف، ويخصهم من العناية والتفكير بمثل ما أخصهم به أو بأكثر مما أخصهم به. ولكنَّ القُرَّاء في حقيقة الأَمْرِ صِعَابٌ ليس إلى إرضائهم من سبيل، فهم يُنكرون بعضَ ما يقرءون. لا يكتفون بالإنكار، ولكنهم يُضِيفُون إليه شيئًا من الغضب والنِّقْمَة يَظُنُّون أنَّ الكاتب لم يحفل بهم، ولم يأبه لهم، ولم يَجمع كل ما يَمْلِكُ من الجهد، ولم يبذل كل ما يملك من القوة ليرضيهم، ويقدم إليهم ما ينتظرون، كأنه يعرف ما يرضيهم، أو كأنه يعرف ما ينتظرون.

ولا يخطر للقُرَّاء أنَّ الكاتب قد يُعطيهم كل ما يستطيع أنْ يُعطيهم، وقد يَبْذُل لهم جهد المُقِلِّ على أنه كل ما يملك. والغريب أن القُرَّاء يعرفون لأنفسهم الحق في أنْ تنشط للقراءة حين تواتيها الظروف، أو تفتر عن القراءة حين لا تواتيها الظروف، وهم لا يعرفون للكُتَّاب مثل هذا الحق، ولا يُقَدِّرون أنَّ نفوس الكُتَّاب كنفوسهم تنشط حين تتهيأ لها أسباب النشاط، وتَفْتُر حين تجتمع عليها أسباب الفتور.

والقُرَّاء مَعْذُورون؛ فهم لا يضربون على أيديهم ولا يُكرِهونهم على الكتابة إكراهًا، وإنَّما يَعرِض الكُتَّابُ عليهم آثارَهم، فمن حقهم أن تكون هذه الآثار التي تُعرَض عليهم، والتي يُغرَون بها، ويُرغَّبون فيها، وقد يُكرَهون بالإعلان إكراهًا على شرائها وقراءتها؛ مُلائمة لما كانوا ينتظرون، مُكافئة أو كالمُكافئة لما يبذلون من نقد ولما يُنفِقون من جهد، ولما يريدون أن يضيعوا من وقت …

وإذا كان الكُتَّاب مُعذورين لأنهم لا يستطيعون أنْ يأخذوا على أنفسهم عهدًا بالإجادة دائمًا، وإذا كان القُرَّاء معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينفقوا مالهم وجهودهم ووقتهم في غير غناء، فمن يكون الملوم وعلى من تكون التبعة؟ فقد يجب أن يكون هناك ملوم يحتمل التبعة، ويتم على حسابه الصلح بين الكُتَّاب المظلومين والقُرَّاء المعذورين.

هذا الملوم موجود من غير شك، ولعله ليس واحدًا، ولعله ليس اثنين، ولعل إحصاءه ليس بالشيء اليسير. فالقُرَّاء في مصر قليلون، هذا شيء لا شكَّ فيه، ولكنَّ الكُتَّاب أقلُّ منهم ألف مرة ومرة، فإحصاء القُرَّاء يَرْقى إلى الألوف، بل إلى عشرات الألوف، وإحصاء الكُتَّاب لا يكاد يرقى إلى العشرات.

وهؤلاء القُرَّاء القليلون بالقياس إلى مصر، القليلون بالقياس إلى حاجات الكُتَّاب والناشرين، الكثيرون مع ذلك بالقياس إلى طاقة الكُتَّاب، هؤلاء القُرَّاء يختلفون فيما بينهم اختلافًا شديدًا موجبًا لليأس من إرضائهم حقًّا؛ منهم المثقفون الذين لا يُعجَبون إلا بمقدار، ومنهم أنصاف المثقفين الذين يُعجَبون حين لا يوجد ما يُعجِب، ويسخطون حين يجب أن يرضوا، ومنهم الذين لا حظ لهم أو ليس لهم إلا حظ يسير من الثقافة، ولكنهم كغيرهم مُحتاجون إلى أن يقرءوا، قادرون على أن يشتروا الصحف، والكتب، والمجلات.

وكل فريق من هؤلاء ينقسم في نفسه إلى طوائف، هؤلاء تثقفوا في المدارس المدنية العالية المصرية، وهؤلاء تثقفوا في الجامعات الأوروبية، وهؤلاء خرجوا من الأزهر بعد أن أتموا الدرس فيه، وهؤلاء ظفروا بالشهادة الثانوية المدنية أو هم يطلبونها، وآخرون ظفروا بالشهادة الثانوية الأزهرية أو هم يطلبونها، وقوم وقفوا عند الشهادة الابتدائية، وقوم لم يجاوزوا ما تعلموا في الكُتَّاب، وكل أولئك على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت يريدون أن يقرءوا ويريدون أن يرضوا.

وليس في مصر إلا عدد يسير من الكُتَّاب لا يبلغ العشرات متقارب الثقافة، وهو مكلف أن يقدم لهؤلاء جميعًا ما يلائم طباعهم وأذواقهم وطاقتهم ومثلهم العليا.

وشيء آخر يمكن أن يكون ملومًا، وهو انقطاع هذا العدد اليسير من الكُتَّاب إلى الصحف على اختلافها، وعَجْزُ أكثرِ هؤلاء الكُتَّابِ عن أن يفرغوا لما يُحبُّون من ضروب الأدب وفنون الإنشاء. ومَنْ ذَكَرَ الصحفَ فقد ذَكَرَ النظامَ والاطراد، ومَنْ ذَكَرَ النظامَ والاطراد فقد ضيَّق على الفن أشد التضييق، وقال للإجادة والإتقان: اذهبا؛ فليست مصر لكما بدار! وذلك أنَّ الفن في حاجة إلى الحرية الوَاسعة، وأنَّ الإجادة والإتقان في حاجة إلى راحة النفس وفراغ البال.

أستغفر الله! فلست أريد من راحة النفس وفراغ البال هذا المعنى الواضح الذي يفهمه الناس جميعًا، والذي لا يُتاح للأدباء ولو أُتيح لهم ما صنعوا شيئًا، وإنما أريد راحة النفس وفراغ البال من هذا النظام والاطراد، وهذا الإلحاح الذي يخضع له الكاتب حين ينقطع لصحيفة يومية أو أسبوعية أو شهرية، فكيف إذا انقطع الكاتب لهذه الصحف جميعًا؟! وكيف إذا ألحت عليه المطبعة في كل يوم وفي كل أسبوع، وفي كل شهر؟! وكيف إذا اجتمعت عليه هذه الضروب الثلاثة من الإلحاح في يوم واحد؛ فقيل له: اكتب ليقرأ الناس إذا أصبحوا أو أمسوا، واكتب ليقرأ الناس إذا كان يوم كذا فإن المطبعة لا تستطيع أن تنتظر، واكتب ليقرأ الناس إذا كان أول الشهر؛ فإنَّ صدور المجلة لا بد من أن يكون منتظمًا مطردًا؟!

هذا النظام الذي يهدر حرية الفن والذي يقطع الأسباب بين الكاتب وبين الإجادة والإتقان، وهو الملوم الأول حين يقصر الكُتَّاب ولا يبلغون من إرضاء القُرَّاء ما يريدون؛ لأنه يدفع الكُتَّاب إلى الإسراع والعجلة.

ومَنْ ذكر الإسراع والعجلة فينبغي له ألا يذكر معهما الفن، ولا أنْ ينتظر منهما إجادة أو إتقانًا. وأَمْرُ النظامِ والاطراد لا يقف عند هذا الحد، فلو أنَّه يحول بين الكُتَّاب وبين الإجادة فيما يقدمون إلى الصحف من المقالات والفُصول التي لم يُقدَّر لها النضج، لهان احتماله، ولقيل للقُرَّاء: لوموا الكُتَّاب إن شئتم في هذه الفصول وأعرضوا عن قراءتها إن أحببتم، وتعزَّوْا عنها بهذه الكتب القيِّمة التي تُقدَّم إليكم من حين إلى حين. ولكنَّ الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجًا؛ فمن للكُتَّاب بالوقت الذي يفكرون فيه؟! ومن لهم بالقوة التي ينفقونها في الدرس؟! ومن لهم بالجهد الذي ينفقونه في الإنشاء؟! ومن لهم بفراغ البال الذي يستعينون به على الإجادة؟! من لهم بهذا كله والمطبعة من ورائهم تلهبهم إلهابًا؛ ليقدموا لها من الفصول اليومية والأسبوعية والشهرية ما ينبغي أن يصدر في نظام ودقة واطراد؟! فالصحف المنتظمة المطردة لا تمنع الكُتَّاب من الإجادة فيما يكتبون لها فحسب، ولكنها تمنعهم من الإجادة فيما يكتبون لأنفسهم وللناس.

أستغفر الله! بل هي تمنعهم الكتابة لأنفسهم وللناس. صدِّقْني أيها القارئ العزيز، إن الكُتَّاب الذين تضيق بهم وتقسو عليهم أبطالٌ في مصر حقًّا يحتملون من العناء ما لا تستطيع أنت أن تحتمل بعضه. وأي عناء يمكن أن يُقاس إلى هذا الحزن العميق الذي يجده الكاتب حين يخطر له الموضوع الطريف فيود لو يفرغ لدرسه والكتابة فيه، ثم يُصرَف عن ذلك أشد الصرف وأعنفه؛ لأنَّ المطبعة تريد منه الفصل الذي يجب أن يظهر في نظام واطراد.

خطرت لي هذه الخواطر منذ ساعة حين فرغت من قراءة فصل في النوفيل ليترير حول تحقيق يشتغل به بعضُ الناس في فرنسا، وموضوعه هذه المسألة: «أيستطيع الكُتَّاب أن يكونوا صحفيين؟» وصاحب هذا الفصل يجيب: «نعم» في شيء من الاحتياط. أما أنا فأحب أن أعكس المسألة: «أيستطيع الصحفيون في مصر أن يكونوا كُتَّابًا؟» ففي مصر صحافيون، فأما الكُتَّاب بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فأخشى أن أقول: إنهم سيُوجَدون أن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، ولكنهم سيُوجَدون.

بعض وجهات التفكير الحديث
طه حسين
مجلة الهلال
فبراير ١٩٣٧

… أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.

وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.

وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.

ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.

فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.

ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.

كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.

وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.

فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.

ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:

فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.

والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.

وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.

ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.

وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!

هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.

ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.

وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.

والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.

ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.

وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!

تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.

وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.

أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.

وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.

على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.

فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.

إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.

اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.

أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.

إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.

ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.

ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.

وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.

وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.

أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.

أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.

ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.

وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.

ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.

مجامع اللغة العربية وطبيعتها:
رد الدكتور طه حسين بك على حديث الدكتور منصور فهمي بك
طه حسين
جريدة الأهرام
٦ مارس ١٩٣٧

صديقي العزيز رئيس تحرير «الأهرام»:

تحية طيبة. أما بعد … فقد قرأت اليوم الحديث القيم الذي نشرته «الأهرام» لصديقي الأستاذ الدكتور منصور فهمي بك؛ ردًّا على بعض رأيي في أمور المجمع اللغوي.

فأرجو أن تأذن لي بمناقشة الصديق الكريم في بعض آرائه التي أذعتموها اليوم، وأحب أن أُقدِّم بين يدي هذه المناقشة بأني لم يخطر لي قط على بال أن اختلاف الرأي في مسألة من المسائل العلمية أو الأدبية أو السياسية يمكن أن يسوء أحدًا من المختلفين، ولو عرفت ذلك لما أذعت في الصحف حرفًا واحدًا منذ أخذت أتحدث فيها إلى الناس.

فليطمئن صديقي؛ فإن حديثه سرَّني ولم يسؤني، وأرجو أن يكون حديثي أمس قد سرَّه ولم يَسؤه، وأرجو أن يَسرَّه ما أكتبه الآن، ولا يسوء في قليل أو كثير.

وأول ما أخالف الصديق فيه: مسألة اختصاص المجمع اللغوي بوضع اصطلاحات العلوم والفنون؛ فقد كنت أقدر أن نختلف في أشياء كثيرة قبل أن نختلف في مسألة كهذه، أمرها واضح، وحظها من البداهة لا يحتمل الاختلاف.

والدكتور منصور فهمي بك أعلم بشئون المجامع اللغوية من أن يحتاج إلى أن أنبهه إلى أن هذه المجامع ليس من شأنها، ولا ينبغي أن يكون من شأنها، ولم تزعم قط أن من شأنها وضع اصطلاحات العلوم والفنون، وإنما هي تسجل من ذلك ما يضعه العلماء وأصحاب الفن إذا لاءم اللغة وفرضه الاستعمال.

والصديق الكريم أستاذ فيلسوف، فهل يستطيع أن ينبئني عن المرجع الذي يرجع إليه حين يبحث عن اصطلاح فلسفي في المنطق، أو علم النفس، أو ما وراء الطبيعة: أهو المعجم الذي وضعه المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم هو معجم من المعاجم الفلسفية الكثيرة، والتي أقربها إلينا وأيسرها علينا معجم أستاذنا وصديقنا «أندريه لالاند»؟

وإذا احتاج الدكتور منصور بك إلى البحث عن اصطلاح في علم من العلوم الطبيعية أو في فن من فنون الطب: أيلتمسه في معجم المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم يلتمسه في معجم من معاجم العلوم والفنون لا يضعه المجمع اللغوي، وإنما تضعه جماعة من جماعات العلماء وأصحاب الفن؟ وإذا احتاج الصديق إلى البحث عن اصطلاح عربي في المنطق أو في علم من علوم العرب على اختلافها: أيلتمس هذا الاصطلاح عند الفيروزآبادي وابن مكرم وابن سيده وأشباههم من علماء اللغة أو أصحاب المعاجم اللغوية؟ أم يلتمسه في كتاب من هذه الكتب التي وضعها العلماء الإخصائيون في الاصطلاحات؟

إن الأمر — كما قلت — أوضح من أن يحتمل الخلاف، وما زلت أقول وسأقول دائمًا، وسيقول المثقفون الفرنسيون معي دائمًا: إن المجمع اللغوي الفرنسي يُضحك الناس من نفسه لو أنه انصرف إلى وضع الاصطلاحات عن العناية بصفاء اللغة ونقائها؛ فالعلماء وحدهم هم الذين يضعون اصطلاحاتهم وألفاظهم الخاصة، وما ينبغي لغيرهم أن يتطفل عليهم أو يشاركهم في تسمية ما لا يتقنه من صافى العلم واصطلاحاته.

إن الأمور تقلب أوضاعها في مصر، فنحن نريد أن يذهب الأطباء إلى أعضاء المجمع اللغوي يلتمسون منهم الأسماء لمعاني الطب التي لا يحسنونها، ولعلهم لا يعرفون عنها قليلًا ولا كثيرًا، على حين يذهب أعضاء المجمع اللغوي الفرنسي إلى الأطباء يسألونهم عن معاني الكلمات الطبية التي يفرضها الاستعمال، والتي تحتاج إلى أن تأخذ مكانها في المجمع اللغوي.

وما ينبغي أن تذكر استشارات المجمع للخبراء، فإنها إضاعة للوقت والجهد والمال معًا؛ ذلك أن الخبراء يحضرون لجان المجمع ليُعلِّموا أعضاءها ما لا يعلمون، وليسمعوا منهم ما لا يحسنون، وينتهي الأمر بأن تضيع الدولة وقت علمائها وخبرائها، وتضيع مع ذلك ما تنفق على أولئك وهؤلاء من مال.

إن المجمع الفرنسي لا ينظم لجانه على هذا النحو المصري الطريف الذي يُفرَض فيه الخبراء فرضًا؛ لأن المجمع الفرنسي لا يكلف نفسه ولا يكلفه أحد ما لا يطيق من وضع الاصطلاحات العلمية، ولو قد كلفه أحد ذلك لرفضه؛ لأنه يرفع نفسه عن التعرض لما لا يحسن. لقد كان الأدباء والنقاد في عصورنا القديمة يضحكون من اللغويين وأصحاب النحو إن عرضوا للنقد الأدبي الخالص، وقدموا بعض الشعراء على بعض. فكيف بالأطباء وأصحاب الرياضة حين يدخل في أمرهم مَن لا يحسن الطب وعلم الرياضة؟! واللغة بعد ذلك لا تُشرَّع بقانون، ولا تَشيعُ بالقرارات، ولا تخلق خلقًا متكلفًا، وإنما هي ظاهرة طبيعية تخلقها الحاجة، ويصقلها الاستعمال، وتسجلها المجامع.

كلا، ليس من اختصاص المجمع اللغوي أن يضع اصطلاحات العلوم، وقد أخطأ الذين طلبوا إلى مجمعنا ذلك. وإني لأرجو أن يجدوا طريقة إلى إصلاح هذا الخطأ، فهم إن لم يفعلوا يُشرِّعوا المحال، ويُضيعوا المال، ويعرضوا جماعة من علمائنا لما لا يحسن أن يتعرضوا له.

واللهجات … إن حديثها لعجب، ماذا يريد من مجمعنا اللغوي أن يصنع؟ بل وكيف يكون درسه لها وقوله فيها؟ قلت: إن هذا من شأن الجامعات والمعاهد الخاصة. ويوافقني صديقي الدكتور منصور بك على ذلك، ولكنه يريد أن يكون من شأن المجمع اللغوي أيضًا، فإني أسأله سؤالين اثنين: أيعرف مجمعًا لغويًّا يعنى عناية رسمية بدراسة اللهجات في قطر من أقطار الأرض غير مصر؟ وكيف تكون هذه العناية الرسمية؟

إني أحقق أن الذين يفرضون على مجمعنا درس اللهجات لم يصوروا لأنفسهم هذا الموضوع تصويرًا واضحًا، فهل يراد أن ينشئ المجمع معهدًا تسجل فيه أصوات الناس على اختلاف لهجاتهم؟ وأن تكون في هذا المعهد أنواع من الفونوغراف تسمع الناس هذه الأصوات وهذه اللهجات؟ وأن يجتمع الأعضاء المحترمون حول الفونوغراف ليسمعوا منه اللهجات المختلفة باختلاف الأقطار العربية، ثم يأخذ كل منهم في تسجيل ملاحظاته على هذه اللهجات؟ أم يريدون أن ينفرد من أراد منهم درس لهجة من اللهجات بالبحث والدرس والملاحظة والتسجيل، ثم يعرض خلاصة هذا كله على أصحابه ليقروه بعد المناقشة والجدال؟

فإن تكن الأولى فسينقلب مجمعنا إلى مدرسة لعلها قد تستحيل دارًا للتسلية والضحك، يختلف الناس إليها ليسمعوا لهجات الصعيد والشرقية وشمال الشام وأقصى الغرب، وما أحسب أن أحدًا فكر في ذلك، وإن كان كل شيء جائزًا.

وإن تكن الثانية فهل يستطيع أحد أن ينبئني: لماذا يخص هذا العمل بنص في القانون؟ وهل غاب عن الذين وضعوا القانون وشرَّعوا أن معنى هذا النص أن مجمعنا يجب أن يكون بين أعضائه دائمًا إخصائيون في اللهجات. ولست أجحد قيمة العلم الذي يتخذ اللهجات موضوعًا لدرسه؛ فهو علم أساسي من علوم النحو والعروض. وبأي اللهجات يريد مجمعنا أن يشتغل؟ باللهجات القديمة، فأمرها متصل باللغة والنحو والصرف، أم باللهجات الحديثة؟ وإذن فلماذا؟ ليقتلها أم ليبعث فيها الحياة؟ ومن الذي قال إن من عمل المجمع اللغوي أن يحيي اللهجات العامية، أو أن يجرد عليها حملة في كل عام؟ ومتى عقد المجمع اللغوي الفرنسي جلسة لإحياء لهجات الجنوب مثلًا، أو لنصب الحرب لها وإرسال البعوث والجيوش لغزوها؟

كلا، أيها الصديق الكريم، إن لعلم اللهجات خطره وقيمته، ولكن مكانه في الجامعة لا في المجمع، وإذا عرض المجمع له فإنما يعرض له مصادفة حين يحتاج إلى ذلك بين حين وحين. فأما أن يفرض درسه والعناية الخاصة به على المجمع، فشيء لا يفهم ولا يستقيم، وأخشى كل الخشية أن يكون النواب المحترمون قد خدعوا عنه، وأرجو كل الرجاء ألا يندموا على ما اتخذوا بشأنه من قرار، وأيسر ما يقال فيه: إن تسجيله في القانون عبث لا يغني ولا يفيد، والله المسئول أن يجنبنا ضرره الذي لا أريد أن أعرض له في هذا المقال.

ولا يظن صديقي الدكتور منصور بك أني أنكر عناية العلماء الأوروبيين باللهجات، فأنا أعرف أنهم يعنون بها أشد العناية، وقد دعوت منذ أسابيع أستاذًا من كبار الأساتذة السويسريين ليلقي على الطلاب في كلية الآداب بعض المحاضرات في معجم يوضع لبعض اللهجات العامية في سويسرا، ولكن الذي أنكره أشد الإنكار هو عناية المجامع اللغوية بهذه اللهجات؛ فليدلني الأستاذ الصديق على مَظْهرٍ من مظاهر هذه العناية في مجمع من المجامع اللغوية التي تعنى بالمحافظة على صفاء اللغة ونقائها.

وإحياء الأدب العربي … إن قصته لطريفة، فالأمر فيه كالأمر في كل شئون مجمعنا اللغوي، يقوم على الخطأ في التصوير معنا، فالذين يريدون أن يشغلوا المجمع بإحياء الأدب العربي يظنون أن معنى هذا أن يفرض على مجمعنا ألا يدع كتابًا ينشر، ولا سفرًا يبغى إلا إذا أقر نشره، وأشرف عليه. والذين ينكرون على مجمعنا العناية بإحياء هذا الأدب يظنون أن معنى هذا الإحياء أن مجمعنا سيفرض عليه الكتب، وستقصر جهوده على هذا وأولئك. وهؤلاء يخطئون، فكل بيئة علمية تعنى باللغة العربية لا قيمة لها ولا نفع منها إذا لم يكن من أول أعمالها نشر الأدب العربي القديم؛ لأنه أساس اللغة، ومن خالف في ذلك فقد أنكر الأوليات، أو تعمد أن يكون لهذه اللغة عدوًّا.

ستنشر الجامعة المصرية كتبًا عربية قديمة ما بقيت كلية الآداب، وسينشر الأزهر الشريف كذلك كتبًا عربية قديمة، وستنشر دار الكتب أيضًا ولجنة التأليف والأفراد في الشرق والغرب كتبًا عربية قديمة، وكل هذا لا يمنع المجمع اللغوي من أن يقوم بواجبه الأول، وهو دراسة اللغة العربية، ومن هذه الدراسة نشر أدبها القديم.

وأعوذ بالله أن يخطر لي أن أتهم أساتذتي وأصدقائي من العلماء المستشرقين في مجمعنا اللغوي بالتقصير في العلم بأدبنا القديم، أو القصور عن قراءته وفهمه، وعنهم أخذت العلم، وبذلك أفاخر، وإليهم أرجع، ومنهم أستفيد كلما لقيتهم. ولكن الذي أعلمه أن هؤلاء الأساتذة المستشرقين أحرص الناس على نشر الأدب العربي القديم، وعلى أن يكون لمصر من هذا النشر أعظم الحظ، وعلى أن تساهم البيئات المصرية كلها في ذلك، ومنها المجمع اللغوي.

ولقد سمعت في مجلس النواب من كان يقول: إن وزارة المعارف لم تخصص في ميزانية المجمع إلا ألفي جنيه لإحياء الأدب العربي. فكان هذا دليلًا على أن حرصها على هذا الإحياء ليس شديدًا، وهذا غريب؛ فقد كان ينبغي أن يقال لوزارة المعارف: ارفعي هذا المقدار من المال واجعليه خمسة آلاف؛ ليستطيع المجمع أن يبلي في هذه الناحية من نواحي النشاط فيحسن البلاء، لا أن يقال لها: أريحي نفسك وأريحي المجمع من هذا العناء، وأنفقي هذا المال فيما شئت من وجوه الإنفاق.

أما بعد، فقد أدللت مع أني أكرهت نفسي على الإيجاز، وما زلت مستيقنًا بأن القوانين ليست ضربة لازب، وبأنها قابلة للإصلاح، وبأن المجمع نفسه سيطلب إصلاح قانونه، فيريح نفسه من وضع اصطلاحات العلوم، ومن أمر اللهجات، ويعنى بإحياء الأدب العربي، ووضع المعاجم اللغوية النافعة. ومن يدري لعل الله أن يوفق مجلس الشيوخ إلى ما لم يوفق إليه مجلس النواب، وإذا لم يكن بد من أن يكون لمصر مجمع لغوي، فليكن مجمعًا لغويًّا نافعًا معقولًا.

في المجمع اللغوي
طه حسين
جريدة المصري
١٥ مايو ١٩٣٧

لست أرى بأسًا بالرجوع إلى حديث المجمع اللغوي بعد أن أعرضت عنه منذ أسابيع، وبعد المقال الممتع الذي نشرته السياسة الأسبوعية لصديقي هيكل يوم السبت الماضي؛ فقد يقال: إن مجلس الشيوخ سينظر قانون المجمع بعد أيام، وقد يكون من الحق، بل من الواجب أن يعرض الذين لهم رأي في المجمع مذهبهم على الشيوخ قبل النظر في هذا القانون، لعل الله عز وجل أن يُوفِّق شيوخنا إلى ما لم يُوفَّق إليه نُوَّابُنا، وإلى ما لم يُوفِّق إليه الحكومة التي أنشأت هذا المجمع، فيضعوا الأمر في نصابه، وينشئوا للغة العربية مجمعًا ينفعها ولا يضرها، ولمصر مجمعًا يزينها ولا يشينها، أو يريحوا أنفسهم ولغتهم وبلادهم من هذا الحديث الذي يمكن الإعراض عنه دون أن تقف حركة الفلك، أو تطلع الشمس من مغربها.
وقد يخيل إلي أن من أخص منافع الديمقراطية أنها حين تجعل أمر الشعب إلى الشعب تبيح للناس أن يُبصِّروا شيوخ الشعب ونوابه بما ينبغي أن يبصروا به من الأمور العامة، التي لم ينفقوا أوقاتهم فيها، ولم يقفوا جهودهم عليها، والتي لا بد من أن يقضوا فيها عن بصيرة وروية، لا عن محاكاة وتقاليد.
وقصة المجمع اللغوي في مصر كقصة كثير من المنشآت المصرية لا تخلو من بعض العجب؛ فقد كان الشعور بالحاجة إلى تنظيم العناية باللغة العربية قويًّا جدًّا منذ عهد بعيد، وقد كانت محاولات لإيجاد هذا المجمع الذي يُعنى باللغة، ويحافظ على سلامتها، ويجِدُّ في تنقيتها. وكان الطبيعي أن ينتهي ذلك الشعور وتنتهي هذه المحاولات إلى أن ينشأ المجمع ملائمًا أشد الملاءمة للحاجة التي دعت إلى إنشائه والتفكير فيه.
ولكن مصر كما تعلم، أيها القارئ الكريم، مرضت في بعض أوقاتها بمرض الأبهة، وتكلف الفخامة والضخامة، والتماس مظاهر العظمة الكاذبة لتخيل إلى نفسها وإلى الناس أنها قد بلغت من أطوار الرقي ما بلغته الأمم الأوروبية التي تسود العالم وتسيطر عليه. والغريب أن هذا المرض بارع جدًّا في استغلال الشعور، وانتهاز الفرص، وتسخير الميول الطبيعية للوصول إلى هذه العظمة المتكلفة، والأبهة المتصنعة، والزخرف الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء.
شعرت مصر بالحاجة إلى العناية باللغة، فانتهز هذا المرض فرصة هذا الشعور واستغلَّه، وخيل إلى مصر أنه سينشئ لها مجمعًا يُعنى باللغة، ثم أنشأ لها مجمعًا أقل ما يوصف به أنه لا يستطيع على حاله التي أنشئ عليها أن ينفع اللغة قليلًا ولا كثيرًا، وقد يستطيع أن يضرها ضررًا بعيد الأثر.
ذلك أن هذا المرض الذي أنشأ المجمع اللغوي سنة ١٩٣٢ لم ينظر إلى حال اللغة العربية ولا إلى حاجتها، ولا إلى طاقة أصحابها نظرًا مفصلًا دقيقًا، وإنما نظر إلى أوروبا بإحدى عينيه، وإلى الشرق العربي بعينه الأخرى، وأراد أن يقول لأهل الغرب: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامعكم، وأن يقول لأهل الشرق: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامع الأوروبيين ليس للشام مثله ولا للعراق.
أراد أن يكون هذا المجمع دعاية، ودعاية تلائم مكانة مصر من أهل الشرق وأهل الغرب جميعًا، فمصر جزء من أوروبا، وإذن فيجب أن يكون مجمعنا كمجامع أوروبا، ومصر زعيمة البلاد الشرقية العربية، فيجب أن يكون مجمعها زعيم المجامع اللغوية العربية. يجب أن يكون هذا المجمع عمارة من هذه العمارات الضخمة الفخمة التي تنطح السحاب، وتبهر الألباب، ولا تستطيع العين أن تقع على مصر دون أن تقع عليها. وليس المهم أن تكون هذه العمارة نافعة مجدية، ولكن المهم أن تكون خلابة رائعة تُخيِّل إلى الأوروبيين أننا مثلهم، وتُخيِّل إلى الشرقيين أننا سبقناهم إلى ما لم يصلوا إليه، ولم يطمعوا فيه.
ونحن نستطيع أن نبهر الغربيين والشرقيين جميعًا، وأن نلقي في روعهم أننا قادرون لا على أن نأتي بما يعجز عنه الشرق وحده، بل على أن نأتي بما يعجز الغرب نفسه أيضًا.
ولذلك نستطيع أن ننشئ مجمعًا لا يكون مقصورًا على مصر والمصريين، بل يكون شائعًا بين الشرق والغرب جميعًا، مجمعًا مختلطًا كالمحاكم المختلطة لا يساهم فيها قضاة من الشرق، وإنما يساهم فيها قضاة غربيون مصريون، فأما المجمع اللغوي فيجب أن يكون أشد اختلاطًا من المحاكم المختلطة، يجب أن يساهم فيه المصريون بالنصف، والنصف كثير، وأن يقسم النصف الثاني بين الشرق والغرب قسمة سواء عدلًا. ونحن قوم منصفون، ومنصفون من أنفسنا قبل أن ننصف من غيرنا، فلا ينبغي أن يزيد عددنا في المجمع على النصف حتى لا تكون لنا الكثرة التي تمكننا أن نقضي في أمور المجمع كما نحب.
وكذلك استصدرت الحكومة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الحلو اللذيذ مرسومًا ملكيًّا ينشئ المجمع اللغوي، وتمدحت بهذا المجمع في خطبة العرش التي أُلقيت أمام البرلمان.
وأظرف من إنشاء المجمع على هذا النحو أن البرلمان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت الحلو اللذيذ رضي عنه كما رضيت الحكومة، وصفق له كما صفقت الحكومة، ولكن الشعب الذي كان في ذلك الوقت سيئ الخُلق، مُرَّ الطبع، منحرف المزاج لقي المجمع مُتَجهمًا له، متبرمًا به، ساخطًا عليه، وقال الفلاسفة والحكماء وأصحاب الرأي الأصيل في ذلك الوقت: إن هذا الشعب المصري مُترف مُدلل، وجاهل مُغفل، لا يُرضيه شيء، ويجب ألا يُستشار في شيء، ويجب أن يُفرض الخير عليه فرضًا، وأن يُؤخذ بالإصلاح، رغم أنفه؛ لأن أنفه لم يُخلق إلا للرغم، ولأنه قاصر إن خُلِّي ونفسه لم يجد إلى الخير سبيلًا.
وكذلك أنشئ المجمع اللغوي في تلك الظروف الغريبة، فكان يعمل على هامش الحياة المصرية، أو قل إن شئت: كان يعمل على هامش الحياة الأدبية واللغوية.
وقد أرادت هذه الظروف الغريبة أن يكون كثير من الذين كان يمكن أن يشيروا في أمر المجمع اللغوي من خصوم الحكومة التي كانت قائمة، ومن أضدادها ومُقاوِميها، فلم يكن بدٌّ من أن يخفى أمر المجمع عليهم ويُسترَ دُونَهم، ومن أن يفاجئوا به مفاجأة — إن صح هذا التعبير.
ولقد أذكر أن وزير المعارف في ذلك الوقت السعيد أراد أن يستشير في أمر المجمع بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون في كلية الآداب، وكنت لها عميدًا، فدعاهم إليه، وسمع منهم وقال لهم، فلما خرجوا من عنده ألقى إليهم مَن ألقى أن من الخير ألا يتحدثوا في ذلك إلى عميد كلية الآداب، ولكنهم مع ذلك تحدثوا مع العميد، وأظهروه على ما قالوا وما سمعوا.
ولم يكن بُدٌّ في تلك الظروف من أن يكون تأليف المجمع سياسيًّا، كما كان إنشاؤه سياسيًّا، وعلى ذلك طبع المجمع بذلك الطابع الرجعي، وكانت له في ذلك أُسوة حسنة بالمجمع اللغوي الفرنسي؛ فقد أنشئ إنشاء سياسيًّا، وأُلِّف تأليفًا سياسيًّا، وطبعه ريشيليو، زعيم السلطة الفردية، بطابعه القوي، وظل صورة قوية للرجعية حتى ألغته الثورة الفرنسية وأنشأت مكانه المجمع العلمي.
وقد أعيد المجمع اللغوي الفرنسي بعد أن هدأت حِدَّة الثورة، ولكنه ظل إلى الآن أقرب إلى المحافظة منه إلى التجديد.
كل هذه ظروف خارجية أحاطت بإنشاء المجمع اللغوي فلم تهوِّن أمره ولم تُيسِّر مهمته، ولم تجعله إلى الشعب حبيبًا، ولا على قلب الشعب خفيف الروح، فإذا نظرنا إلى الظروف الداخلية التي كوَّنت المجمع، ورسمت له طريقه العملية لم نجدها خيرًا من الظروف الخارجية؛ فقد طُلب إلى المجمع ما لا يستطيع، وفُرض عليه ما لا يُطيق. وليس في هذا شيء من الغرابة؛ لأن إنشاء المجمع لم يكن جدًّا في حقيقة الأمر، وإنما كان دعاية وسياسة وزينة وتخييلًا.
فلم يكن من المهم أن يعمل، وإنما كان المهم أن يوجد وكفى، غير أن المجمع لم يكتف بالوجود، وإنما أراد أن يعمل ليثبت أنه خليق بهذا الوجود الذي وُهب له وفُرض عليه، ولم يكد يبدأ في العمل حتى وجد نفسه أمام عقبات ليس إلى تذليلها من سبيل، فأخذ يضطرب ويختلط ويدور حول هذه العقبات دون أن يستطيع لها اجتيازًا. وإنك لتنظر في مجلته فترى دلائل الاضطراب والاختلاط أوضح وأجلى من أن تحتاج إلى تفصيل.
إن المعلم يُعرِّض نفسه للسخرية إذا طلب إلى وزير الأشغال أن يَعهد إليه ببناء القناطر وإقامة الجسور، ويُعرِّض نفسه للبيمارستان إذا طلب إلى وزير الصحة أن يعهد إليه بمعالجة التيفوئيد أو الملاريا أو البلهارسيا — ما دام الناس يتحدثون عن الأستاذ بلهرس في هذه الأيام — ويُعرِّض نفسه لا أدري لماذا إذا طلب إلى وزير الحربية أن يعهد إليه بتمرين الجند وقيادتهم إلى الميادين.
ما أظنك تناقش في ذلك أو تنكره، ومع ذلك فقد فُرض على المعلمين الذين أُلِّف منهم المجمع أن يكونوا علماء بالهندسة والطب والإدارة والحرب وما شئت وما لم تشأ من العلوم التي سمعوا بها، والتي لم يسمعوا بها ولا في المنام.
وقيل لهم: أيها السادة، أنتم تعرفون اللغة العربية وتحسنون علومها كما كان يعرفها ويحسن علومها علماء البصرة والكوفة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أو على نحو ما كان يعرفها ويحسن علومها هؤلاء الأئمة في البصرة والكوفة؛ فقد جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء بالطب وفروعه على اختلافها، وبالرياضة وأشكالها وألوانها، وبالطبيعة والكيمياء، وبعلوم الحياة وبالفنون الجميلة، وبكل ما وعى العقل الإنساني، وما أنتج العقل الإنساني، وبكل ما أحس القلب، وبكل ما أثر في الشعور، وبكل ما ينتج عن إحساس القلب وتأثُّر الشعور. ويجب أن تعلموا ذلك علمًا صحيحًا دقيقًا مفصلًا متقنًا، يُمكِّنكم من التعبير عن هذه العلوم بألفاظ صحيحة دقيقة مطابقة، لا تخطئها ولا تنحرف عنها، وهي مع ذلك تلائم اللغة العربية الفصحى أصح الملائمة وأدقها وأجلاها.
وكان الذين قالوا لهم هذا القول مازحين في أكبر الظن؛ لأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يظنوا أن هذا ممكن، ولأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يحسبوا أن الرجل يستطيع أن يسمي اصطلاحات العلوم تسمية مصيبة موفقة دون أن يتقن هذه العلوم إتقانًا … كانوا مازحين في أكبر الظن لأنهم لم يكونوا يريدون إلا سياسة ودعاية.
ولكن اللعب قد يجر الجد كما قال أبو نواس؛ فقد مزح الذين أنشئوا المجمع، ولم يفهم المجمع عنهم هذا المزاح، أو لم يُردْ أن يفهمه عنهم، وأراد أن يكون عالمًا بكل شيء، قادرًا على تسمية كل شيء، ونسي أن آدم حين سمى الأشياء كلها لم يسمها من عند نفسه، وإنما علَّمه الله الأسماء كلها.
ومهما يكن من شيء فقد اجتهد المجمع في أن يسمي الأشياء، سواء منها ما يتصل بالعلم، وما يتصل بالعمل، وما يتصل بالبدع أيضًا؛ فألَّف اللجان، وقسَّم بينها العلم والمعلوم، والوجود والموجود، وكلف كل لجنة بأن تصعد في السماوات العُلى إن شاءت، وأن تهوي إلى الأرضين السفلى إن أحبت، ولكن يجب أن تجد الأسماء للأشياء، تنزل بها من أعلى أو تصعد بها من أسفل، ولكن لا بد من أن تُوجِد هذه الأسماء لهذه الأشياء، وإلا كان وجود المجمع عبثًا، وإنشاؤه لعبًا، وإنفاق المال عليه تبذيرًا.
وكذلك أخذت اللجان تعمل، ثم استيقنت أنها في حاجة إلى من يعلمها العلم الذي لم تُحصِّله، فدعَت المستشارين، واختلف إليها الأطباء والطبيعيون وأصحاب الكيمياء وأصحاب الفن، ومن شئت ومن لم تشأ من الأخصائيين، وجعل كل واحد من هؤلاء المستشارين يبيع هذه اللجان علمه بثمن بخسٍ قروش معدودة، فقد كان الاصطلاح، فيما حدثني المحدثون، يُباع بخمسة وعشرين قرشًا، وكان المستشار يأتي بالكلمة الإنجليزية أو الفرنسية من اصطلاحات العلم أو الفن فيترجمها للجنة ترجمة مقاربة، حتى إذا فهمت اللجنة عنه، أو خيل إليها أنها فهمت، جعلت تبحث وتستقصي وتنقب وتُروِّي حتى تجد كلمة عربية تظن أنها تصلح للتعبير عن هذا المعنى الذي يُخيِّل إليها أنها فهمته.
وأبرع من هذا وأروع، أن الذين أنشئوا المجمع جاءوا بقوم يحسنون طائفة من العلوم، ولكنهم لا يحسنون اللغة العربية، وقالوا لهم: أيها السادة، أنتم تحسنون هذا العلم أو ذاك، ولذلك جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي منذ هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء باللغة تحسنونها وتتقنون علومها كما كان يحسنها الخليل وسيبويه، وكما كان يتقنها الفراء وثعلب، ثم سموا ما تعلمتم وأحسنتم من العلم بما لم تتعلموا وتحسنوا من اللغة.
وكذلك أصبح أمر المجمع عجبًا: قوم يحسنون اللغة ولا يحسنون غيرها يقال لهم: كونوا علماء وسموا ما لا تعلمون بما تعلمون، وقوم يحسنون بعض العلم ولا يحسنون اللغة يقال لهم: كونوا لُغويين وسموا ما تعلمون بما لا تعلمون. ومصدر هذا الخلط الظريف أمران؛ أحدهما: أن الذين أنشئوا المجمع كانوا يلعبون ويدعون إلى لون من ألوان الحكم، وفن من فنون النظام السياسي، والآخر: أن الذين أنشئوا هذا المجمع لم يكن لهم علم صحيح، لا بالعلوم التي يُراد أن تُسمَّى، ولا باللغة التي يُراد أن تُسمَّى بها، فنشأ عن ذلك ما ترى في مجلة المجمع من هذه الأسماء الكثيرة التي لا تلائم علمًا ولا لغة، ولا تحقق حاجة من حاجات العصر، ولا تصادف هوى من أهواء الكُتَّاب والشعراء، والتي كلفت الدولة أموالًا تستطيع وزارة المالية أن تحصيها، وكلفت رجال المجمع جهودًا يستطيعون أن يحتسبوها عند الله عز وجل.
ذلك أن حكومتنا تلك كانت تعيش في القرن العشرين، وتعمل كما كان يعمل ريشيليو في القرن السابع عشر، وتجهل أن بينها وبين ريشيليو ثلاثة قرون تغيَّر فيها كل شيء، وتجهل أن المجمع الفرنسي لم يكد ينشأ في باريس حتى نشأت من حوله مجامع علمية أخرى مضت جادة في ترقية العلوم وتسميتها، واضطرته هو إلى أن يكون مُسَجِّلًا ليس غير.
نعم وكانت حكومتنا تلك تعيش في القرن العشرين وتجهل أن اللغة لا تُشرَّع بالقوانين، ولا تُفرَض بالمراسيم، وإنما تَنبُت في البيئات التي تحتاج إليها، تَنبُت في مكتب العالِم ومَعمَل المُجرِّب ومَصنَع الصانع، وتنبت في الشارع والحقول أيضًا، ويصقلها الاستعمال ويذيعها ويشيعها ويفرضها على المجمع اللغوي؛ فإذا هو يُسجلها في المجمع، ويضع لها القيود والحدود.
ولم تكن حكومتنا تلك تجهل هذا وحده، وإنما كانت تجهل معه أشياء كثيرة أخرى، وقد أقامت المجمع على ما تجهل لا على ما تعلم؛ فنشأ مُشوَّهًا عقيمًا مقضيًّا عليه بالإخفاق.
وكان أخص ما تمتاز به وزارة المعارف في ذلك الوقت أنها كانت تعرف أوائل الأشياء، وتجهل أوساطها وأواخرها، وكانت تعرف أسماء الأشياء وتجهل معانيها وحقائقها … قيل لها: إن اللهجات شيء حلو جميل تحسن العناية به، تُعنى به الجامعات والمدارس في أوروبا، ويَكلَف به المستشرقون، فقالت: ما دامت اللهجات حلوة؛ فلنأخذ منها بطرف، ولنذق منها نصيبًا، ثم جعلت من أغراض المجمع أن يُعنى باللهجات الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم تسأل نفسها، وما كانت تستطيع أن تسأل نفسها، عن معنى هذه العناية، ولا عن مداها، ولا عن نتائجها.
ولم يخطر لها أن المجمع الذي يحافظ على سلامة اللغة الفصحى ليس من شأنه أن يدرس اللهجات العامية. سمِعتْ ذِكْر اللهجات فأحبت هذا الاسم ووضعته في المرسوم الذي أنشأت به المجمع، وقالت للمجمع: أنت وما تريد، أو أنت وما تستطيع! ولم يُرِد المجمع شيئًا، ولم يستطع المجمع شيئًا إلى الآن في أمر اللهجات، وإن كان يُظهِر الحِرْص عليها، ويخاف أن يَخطفَها منه البرلمان خطفًا.
وأبرع من هذا كله وأروع، أن الحكومة طلبت إلى المجمع أن ينشئ مُعْجمًا، وصدَع المجمع بهذا الأمر، ولكنه لم يشرع في إنشاء المعجم إلى الآن؛ لأنه يريد أن يستهبط الاصطلاحات من السماء، أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل، وقد يئست الحكومة من هذا المعجم بعد أن انتظرت البدء فيه أربعة أعوام، فهَمَّتْ بإنشائه وزارةُ المعارف في العام الماضي، وتلطَّف وزير المعارف يومئذٍ، الأستاذ علوبة باشا، فأشرك المجمع في أمر هذا المعجم.
وقبِلَ المجمعُ كارهًا هذا الاشتراك؛ لأنه لم يجدْ منه بدًّا، وما كاد الوزير يتخلى عن الوزارة حتى لجأ المجمع بمرسومه إلى الوزير القائم، وقال له: أنصفني؛ فقد ظلمني سلَفُك، واردُدْ عليَّ مُعْجمي؛ فقد غصبته وزارة المعارف، واجْعَلْه لي خالصًا من دون الناس، فقد أشرك فيه الوزير السابق من ليس من المجمع في قليل ولا كثير.
واستجاب الوزير القائم لرئيس المجمع فألغى لجنة كانت بدأت في العمل بالفعل، ورد المعجم إلى المجمع في شهر يوليو الماضي، ولكن المجمع لم يصنع شيئًا إلى الآن، وتأخر المعجم سنة أخرى؛ لأن المجمع لا يستطيع أن يشرع فيه قبل أن يضع الاصطلاحات، يستهبطها من السماء أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل؛ فلا بد من الانتظار.
والدولة في أثناء هذا كله تنفق المال وتنفق المال، ولا نجني إلا هذه المجلة التي يُصدرها المجمع، والتي يعرفها بعض أعضائه وينكرها بعضهم الآخر إنكارًا شديدًا.
ثم أراد وزير المعارف القائم أن يَردَّ الأمر إلى نصابه، وأن يعيد النظر في نظام المجمع، وأن يعرض أمره على البرلمان، فوضع للمجمع قانونًا رجع فيه إلى المجمع نفسه؛ لأنه رجل دستوري، وكان قاضيًا قبل أن يكون وزيرًا، فلم يُرد أن يشعر المجمع بأنه مظلوم.
وحافظ المجمع على نظامه القديم؛ لأنه يحبه أشد الحب، ويَكلَف به أعظم الكلف، ولكن الوزير القائم لم يذُق اللهجات الحديثة كما ذاقها وزير التقاليد، فحذفها من القانون الجديد، وعني بإحياء الأدب القديم لأنه المادة التي يؤخذ منها المعجم اللغوي والمعجم التاريخي جميعًا.
فغضب المجمع، وامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا، وشكا إلى مجلس النواب، واستعان ببعض النواب، وخيل إليهم ما خيل، وزين لبعضهم ما زين، وإذا القانون يَرِدُ في مجلس النواب كما أرادته الحكومة التي أنشأت المجمع، وكما أراده المجمع القائم نفسه، ولكن على غير ما تريده مصلحة العلم، وعلى غير ما تريده كرامة مصر العقلية؛ فما زال المجمع كما أنشأه مجلس النواب مُكلَّفًا أن يعلم غير ما يجهل، وأن يضع الاصطلاحات لعلوم ليس له منها حظ قليل أو كثير، وما زال المجمع مكلفًا أن يدرس اللهجات العامية، ويحافظ على سلامة اللغة الفصحى، ويجمع بين هذين المتناقضين؛ لأن الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد كما قال أبو نواس.
وقد عُرض قانون المجمع الآن على مجلس الشيوخ، فليأذن لنا النواب المحترمون في أن نصارحهم بأنهم قد أخطئوا وتعجلوا، أو كان يجب أن يلتمسوا الصواب وتعجلوا، وليأذنوا لنا في أن نقول لهم: إن مصلحة اللغة وكرامة مصر تفرضان عليهم أن يعيدوا النظر في هذا القانون تفصيلًا، وأن يرفعوا عن المجمع عبء الاصطلاحات العلمية؛ فليست من شأنه، وليس هو قادرًا عليها، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يفرض على الأفراد والجماعات إلا ما يطيقون، وأن يريحوا المجمع من اللهجات العامة؛ فليست من شأنه ولم يُخلق لها، والسيفانِ لا يُجمعان في غمد، والماء والنار لا يجتمعان؛ فإن كنا نريد اللغة العامية فلننشئ لها مجمعها، ولنترك اللغة الفصحى للذين يحسنون درسها، ويعرفون كيف ينتفعون بهذا الدرس.
نعم، وليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نطلب إليهم أن يعيدوا النظر في النظام الإداري للمجمع، ولسنا نريد أن يُرَدَّ المجمعُ مصريًّا خالصًا كما كان ينبغي أن يكون، فالمصريون ينتفعون دائمًا بمعاونة العلماء الشرقيين والمستشرقين، ولكننا نريد أن تكون أمور الإدارة في المجمع إلى المصريين، وإلى المصريين وحدهم: هم الذين ينتخبون، وهم الذين ينتخبون — بالكسر والفتح.
فأما الزملاء الشرقيون والمستشرقون فيشاركون في العلم وحده، ثم ليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نُخيِّرهم بين اثنتين، فإن كانوا يريدون مجمعًا لُغويًّا، فأغراض هذا إنما هي إنشاء المعجم اللغوي والمعجم التاريخي، وإحياء الأدب القديم، وتشجيع الإنتاج الأدبي الحديث، وإن كانوا يريدون وضع اصطلاحات العلوم، فسبيلهم إلى ذلك العدول عن المجمع اللغوي، وإنشاء المجمع العلمي ذي الشُّعب المختلفة، كما هو موجود في فرنسا، على أن يكون المجمع اللغوي شعبة من شُعَبِه.
فليَختَر الشيوخ بين هذين الأمرين، وليجتنبوا ما تورطتْ فيه تلك الحكومة من التخليط؛ فليس ينبغي لمصر أن تَضحك من نفسها، وأن تُضحك الناس منها، وأن تُنفق الألوف من الجنيهات كل عام على هذه السخرية التي لا تنفع ولا تفيد.

حياتنا الأدبية
طه حسين
بيروت
٣٠ سبتمبر ١٩٤٤

لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»
وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.
واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.
ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.
ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.
وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.
وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.
وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.
وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.
ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading