Back to homepage

سوس الفساد وصحافة الخصام | The Termites of Corruption and the Press of Quarrels

تعديل
طه حسين
كوكب الشرق
٦ يناير ١٩٣٤

هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.

سوس …
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ مارس ١٩٣٤

ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤

خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون.

والآن (٥)
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ أبريل ١٩٣٤

نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.

وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.

فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.

سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.

سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.

ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.

ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.

وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.

ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟

سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.

ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.

لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.

وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.

هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.

ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.

ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.

ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.

تنفيذ
طه حسين
كوكب الشرق
٢٤ أبريل ١٩٣٤

أما أن أحكام القضاء تصدر لتنفذ، ولتنفذ في غير هوادة من السُّلطان الذي يجبُ عليه التنفيذ، وفي غير مَطْلٍ من الذين صدرت عليهم الأحكام، فذلك شيءٌ لَا شَكَّ فيه ولا مراء، ولا ينبغي أن يتناوله بالبحث رجل مُثقف أو غير مثقف ما دام يعيش في بلد مُتحضر، تحكمه النظم والقوانين.

وأما أن هذه الأحكام تصدر أثناء الساعة الثالثة، ثم تنفذ قبل أن تنتهي الساعة السابعة مع أنَّها لا تقضي بالسجن ولا بشيء يُشبه السجن، وإنما تفرض غرامة من الغرامات وتفرضها على جماعة معروفين، لم يتحدث الناس عنهم في يوم من الأَيَّام ولم يَأْخُذهم السُّلطان نفسه في وقت من الأوقات بِأَنَّهُم ماطلوا الحكومة بدَين أو التووا عليها بحق من الحقوق، فهذا هو الذي يحتاج إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الشرح والتفسير، لا ندري كيف يكون الوصول إليه.

فمن المحقق أنَّ الكُتَّاب الذين قَضَتْ عليهم محكمة الجنايات أمس بالغرامة قوم مَعْرُوفون، ونظن أَنَّهُم قوم لا يخشى منهم أن يهربوا من مصر، ولا أن يُهاجروا من الأرض؛ فرارًا بهذه الغرامات التي فرضها عليهم القضاء، وإِشفاقًا من تأديتها إلى السلطان أو التواء بها عليه.

ومن المُحَقَّق أيضًا أنَّ هؤلاء الكُتَّاب يكتبون في صحيفتين لكل واحدة منهما تأمين في يد الحكومة، يعدل أضعاف ما فرضه القضاء من الغرامة. فهم إن ساءت أخلاقهم فجأة، وفسدت ذِمَمُهم فورًا وهيئوا لأنفسهم الهرب من وجه النِّيابة التواء بهذه الغرامات مُضمونون بهذا التأمين الذي أودعته الصحف خزانة الحكومة. ونظن — ولعَلَّنا نقطع — بأنَّ هذا التأمين إِنَّما اقتضته الحكومة من الصحف لمثل هذه الظروف، فقد يُقَالُ — وعلم هذا عند الحكومة وعند النيابة وعند أساتذة القانون — قد يُقال: إنَّ هُنَاك نَصًّا في قانون المطبوعات يَقضي بأنْ تستوفى مثل هذه الغرامات من التأمين على أنْ تُكمله الصحف التي قضي عليها في خمسة أيام، فإن لم تفعل حيل بينها وبين الصدور.

وإذن، فقد يظن أيضًا أنَّ الأَحْكَام التي أَصْدَرَها القَضَاءُ أمس على كتَّاب «السياسة» و«الكوكب» لم يكن شك في إمكان تنفيذها دون تقصير من السلطة ودون تلكؤ من الكتاب؛ لأنَّ شخصية هؤلاء الكتاب أولًا تعصمهم من أن يلتووا بأحكام القضاء، ولأن لدى الحكومة من أموال الصحيفتين ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام. ومع ذلك فَقَد كَانَ أمس ما لم يكن يقدره أحدٌ من هؤلاء الكتاب، وما لم يكن يقدره أحد من الناس.

كان أن ذهبت الشرطة في شكل رائعٍ رَهِيبٍ إلى دار الأستاذ حفني بك محمود تطالب بالتنفيذ وبالتنفيذ السَّريع، تُطَالِبُ بِأَدَاءِ الغَرَامَةِ فَورًا في غير تَرَيُّث ولا انْتِظَارٍ، قبل أن تتم الساعة السابعة. وكان أنْ خُوطِبَ كَاتِبُ هذا الفصل بالتليفون يطالب بتأدية هذه الغرامة فورًا قبل أن تتم الساعة السابعة، فإن لم يفعل اتخذت الإجراءات.

وقد أُدِّيتِ الغراماتُ قبل الساعة السابعة كما أرادت النيابة، ولم يقضِ واحد من هؤلاء الكُتَّاب ليلة في السجن، ولم تقتحم على واحد من هؤلاء الكتاب داره، ولم يرَ الناس واحدًا من هؤلاء الكتاب تقوده الشرطة إلى السجن؛ لأنَّه أَبْطَأَ في تنفيذ أحكام القضاء أو تلكأ في هذا التنفيذ، أو التوى من هذه الغرامات بقليل أو كثير.

أعترف بأني حملت نفسي كثيرًا من الجهد في فَهْم هذا النوع من أنواع الاستِعْجَال، وهذا اللون من ألوان التنفيذ، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، ويظهر أَنِّي لم أكن وحدي أحتمل هذا الجهد، وأتكلف هذا البحث، وإنما كان يُشاركني فيهما كثيرون. وهب واحدًا من هؤلاء الكتاب لم تكن قد تهيأت له الظروف في هذه الساعات القليلة ليستحضر مقدار الغرامة والأزمة قائمة والحمد لله، لم يفرجها وزير المالية، ولم يحلها الرجل الطيب ببركته وكفايته النادرة، والمصارف مُغْلَقَةٌ بَعْدَ الظهر إلا ساعة واحدة هي التي تلت صدور الحكم.

هَبْ هؤلاء الكتاب جميعًا أو واحدًا منهم لم يتهيأ له مقدار الغرامة مساء أمس، ماذا كانت تصنع به النيابة؟ أكانَتْ تَقْذِف به في غيابات السجن ليلة؛ ليذوق هذه اللذة التي لم يفرض عليه القضاء في هذه المرة أن يَذُوقها؟ أم كانت تأمر باقتحام داره، وعرض متاعه للبيع في جنح الظلام، وفي غير إنذار ولا شيء يُشبه الإنذار؟ أم كانت تأمر باقتحام داره وأن تظل الشرطة فيها طول الليل تأخذ أبوابها ونوافذها حتى لا يفلت الكاتب أثناء الليل، فإذا تنفس الصبح لَزِمَه رجال السلطان حتى يؤدي الغرامة؟ أم كانت النيابة تصنع ماذا؟ أسئلة ألقيها على نفسي ويلقيها بعض الناس على بعض، فلا أظفر ولا يظفرون لها بجواب.

وإذا كانت النيابة تَسْلُك هذه الطريق مع محمد حسين هيكل بك وحفني محمود بك والأستاذ عبده حسن الزيات وطه حسين، فأي طريق تسلك مع قوم آخرين لا يعرفهم أحد، ولا يضمنهم أحد، ولا يكفلهم شيء، وليست لهم مكانة ما بين مواطنيهم من المصريين؟! أَظُنُّ أَنَّ النِّيَابَة لا تغضب ولا يضيق صَدْرُها حرجًا حين نلفتها إلى أنَّ سيرتها أمس كانت غريبة حقًّا، وأَظُنُّ أنَّ النيابة لا تغضب ولا يضيق صدرها حرجًا إن سَمِعَتْ ما كان يتحدث به الناس أمس، وما يتحدثون به اليوم وما سيتحدثون به غدًا، من أمر هذا الاستعجال الغريب! وصاحب العزة النائب العام، والأُستاذ رئيس نيابة القاهرة، يعرفان حق المعرفة هؤلاء الكتاب، ويعرفان حق المعرفة مع من يحسن أنْ تكون الشدة البالغة المُسرفة ومع من يحسن أن تكون المعاملة الحازمة، التي إن لم تخلُ من الحزم فلا ينبغي أن تخلو من المُجاملة ومراعاة الأوضاع.

والناسُ يتحدثون بأنَّ الأَحْكَامَ قد تصدر بالغرامات على قومٍ لَا تَتَهَيَّأُ لهم الأَمْوال فورًا فتمهلهم النيابة الأهلية، وتمهلهم النيابة المُخْتَلطة، وقد تُنَجِّمُ غراماتهم تنجيمًا، وقد تأخذها منهم أقساطًا، وليسوا هم بمكانة هؤلاء الكتاب، فقد أراد الله أن تكون لهؤلاء الكتاب مكانة سواء أرضي خُصُومُهم بذلك أم أنكروه. والناس يتساءلون: ما بال النِّيَابَةِ لم تنتظر بهؤلاء الكتاب صباح الغد، فإن أبطئوا أو التووا اشتدت عليهم، إذا كانت مُصِرَّةً على أَلَّا تنفذ قانون المطبوعات وتقتضي الغرامة أولًا من تأمِينِ «السِّيَاسَةِ» و«الكوكب»؟ والناس يتساءلون: ما بال النِّيابة تعجلت إلى هذا الحد مع أنَّ الخزانة كانت مُغْلَقة بعد الظهر، ومع أن الموظف الذي دفعت إليه الغرامات لم يستطع أن يعطي دافعيها أوراقًا رسمية تثبت أنهم دفعوا، وإنما أعطاهم أوراقًا عرفية، وطلب إليهم أن يعودوا من الغد في ساعات العمل؛ ليَأْخُذوا هذه الأوراق الرَّسمية؟ والناس يتساءلون عن أشياء أخرى غير هذا، أَمَّا أنا فقد سألتُ وتساءلتُ، فَلَمَّا لم أظفر بالجواب، أعرضت عن السؤال، وتركتُ الأمرَ لصَاحِبِ العِزَّة النائب العام وللأستاذ رئيس النيابة يقدرانه، كما يقضي بتقديره العرف المألوف، والقانون الذي يجب أن ترعى حرماته في غير هوادة ولا لين، ولكن في غير إسراف.

على أني أعترف بأنَّ لسيرة النيابة هذه معنا مغزًى قيمًا ظريفًا لا يتجه إلينا وحدنا، وإنما يتجه إلى قوم آخرين؛ هم الوزراء. فقد يظهر أنَّ في إسراع النيابة بتنفيذ الأحكام وأخذها بهذا الحزم العَنِيفِ الذي لا إهمال فيه ولا إمهال، درسًا يَحْسُن أنْ تستفيد منه الوزارة، فتقضي في مصالح مصر الكبرى بهذه السُّرعة الحَازِمَة التي لا إبطاء فيها ولا ريث. فما زال الناس ينتظرونَ أَنْ تحل طائفة من الأزمات كان ينبغي أن تحل منذ أمد بعيد؛ أزمة الدَّين العام التي أجلها صدقي باشا وأجلها، وانصرف عن الحكم وهي قَائِمَة لم تحل، أزمة الدين العام التي أجلها الرجل الطيب وأجلها، والتي قد ينصرف عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي لا تزال قائمة لم تحل، أزمة الدَّين العقاري التي ما زال وزير المالية يلتمس لها حلًّا حاسمًا، دون أن يظفر به حتى على سواحل البحر الأحمر في رحلته تلك الميمونة المُباركة، والتي قد ينصرف وزير المالية عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي قَائِمَةٌ لَم تُحَل، أزمة الكورنيش، أزمة الاستبدالات، وما شئت من هذه الأزمات التي تقدم الحكومة عليها، ثم تحجم عنها، وقد نسيت أزمة المَحَاكم المُختلطة التي كان وزير الحقانية يرى أنها محلولة بحكم القانون، ثم أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، كما تقول الأسَاطِيرُ، فإذا رَئيسُ الوزراء يرى أَنَّها عسيرةٌ تَحْتَاجُ إلى التأجيل والوقت الطويل لتحل من طريق المفاوضات.

أرجو أن تستفيد الوزارة من هذا الدرس القيم الخصب الذي ألقته النيابة أمس حين أنفذت أحكام القضاء في سرعة صارمة، ولما تمضِ على صدورها ساعات، فقد يكونُ من الشرِّ العظيم أنْ يَمْضِي هذا الدرس القيم، ولا تنتفع به الوزارة في تصريف الأمور العامة التي يحتاج الناس إلى الإسراع في تصريفها، أكثر مما كانت تحتاج النيابة إلى الإسراع في تنفيذ هذه الأحكام والتي يخافُ الناس من الإبطاء في تصريفها أكثر مما كانت تخاف النيابة من الإبطاء في تنفيذ هذه الأحكام.

غرور …

زعمت صحيفة فرنسية من صحف الوزارة صدرت صباح اليوم أن الشعب المصري راضٍ مطمئن، لا يشكو من شيء، ولا يضيق بشيء، ولا يتمنى على الله ولا على الناس إلا أن تدوم هذه الحال، التي ينعم فيها بالأمن، والهدوء، وبالرخاء واللين.
وزعمت هذه الصحيفة أيضاً أن الشعب المصري قد زهد في السياسة كل الزهد، ونفر منها أشد النفور، وترك الخوض فيها واللهو بها، والاختصام حولها لأهل القاهرة والإسكندرية ومدينة أو مدينتين من المدن الكبرى. فأهل هذه المدن قوم قد أفسدتهم الصحف، وصرفتهم بالقول عن العمل، وألهتهم بهزل الأمر عن جده، وهؤلاء الناس لا يبلغون عشرة في المئة من سكان مصر، فهم إذن قلة قليلة، وجماعة ضئيلة، قد تقسمتهم الأحزاب، وعبثت بهم الأهواء، ودفعهم الفراغ أو ما يشبه الفراغ إلى ما لا خير فيه.
فأما الشعب الذي يجد ويكد، والذي يعمل ويأمل، والذي من أجله تقوم الحكومات، وله تعمل، وبه تعنى، وعلى مرافقه تسهر، فهو راضٍ كل الرضى، مطمئن أشد الاطمئنان، حريص أعظم الحرص على هذه الحياة السعيدة التي يحياها في ظل هذه الوزارة السعيدة.
وهذه الصحيفة الفرنسية الوزارية لم تقل هذا الكلام عن جهل، وإنما قالته عن علم، فهي قد أوفدت من زار الأقاليم، وأقام فيها فأطال الإقامة وخالط أهلها فأطال مخالطتهم وتحدث إليهم، وسمع منهم، وعرف حقيقة ما يفكرون وما يشعرون وما يأملون، ثم عاد فأنبأ صحيفته بهذه النتيجة المرضية لهذا البحث المتقن الطويل، وهي أن الشعب لا يريد إلا أن تبقى الحال كما هي، لتنحل الأزمة الاقتصادية، فأما السياسة فلا تعنيه قليلاً ولا كثيراً.
وإذن فيجب أن يطمئن الوزراء فالشعب عنهم راضٍ، ولهم محب، وعليهم حريص. ويجب أن يطمئن الذين يسندون الوزراء، فالشعب فيهم راغب، وبهم كلف مشغوف، ويجب بنوع خاص ألا يسمع الإنجليز لما يقوله خصوم الحكومة ومعارضوها من أن أمور الشعب مضطربة ونفوسه قلقة، وحياته أبعد ما تكون عن الرضى والهدوء والاستقرار.
وإذن فالحديث عن تغيير ممكن أو مطلوب، لغو من الحديث ومخاطرة بمصالح الشعب، وجهل لإرادته، واستماع للقلة من سكان القاهرة والإسكندرية وإعراض عن الكثرة من أهل الأقاليم، والله عز وجل يمنح العقل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والله عز وجل يبيح الرشد لقوم ويحظره على قوم آخرين، والله عز وجل يأذن لقوم أن يقولوا فيسمع لهم الناس، ويفهموا عنهم ويطمئنوا إليهم، ويقضي على قوم آخرين أن يقولوا فلا يسمع لهم أحد، ولا يفهم عنهم أحد، ولا يطمئن إليهم إنسان.
وقد كنا نحب أن نعرف من عسى أن يكون هذا الرجل الذكي الحصيف الذي أوفدته تلك الصحيفة الفرنسية إلى الأقاليم فعلم علم أهلها، وجاء بأنبائهم وعرض آمالهم وأمانيهم في هذا المقال الظريف.
بل كنا نحب أن نعلم، أوفدت هذه الصحيفة رجلاً إلى الأقاليم حقاً، أم طلبت إليه أن يزعم أنه قد وفد على الأقاليم، وأن يجلس في مكتبه ويطلق خياله إطلاقاً ساعة أو بعض ساعة، ثم يكتب ما يمليه عليه هذا الخيال.
وقد كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي زار الأقاليم بعض الشيء، أمصري هو أم أجنبي، أشرقي هو أم أوروبي، أيحسن لغة الناس الذين زارهم وتحدث إليهم، أم يجهلها جهلاً تاماً، أم يلم بها إلماماً يسيراً؟ أيحس هو كما يحس المصريون، ويشعر هو كما يشعر المصريون، أم هو لا يحس إلا ما يحسه بعض الأجانب المقيمين في مصر من الحاجة إلى الحياة الناعمة المترفة، مهما تكن مصادرها، ومهما تفسد حولها الظروف؟
كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي أوفدته تلك الصحيفة هذا كله، لنعلم بعد ذلك أنه يكتب عن علم أو عن جهل، وأنه يكتب عن إخلاص أو عن نية فاسدة، وعن قلب مدخول، ولكن الغريب أن تعلم هذه الصحيفة وكاتبها من رضى الشعب المصري واطمئنانه إلى هذا العهد كل ما تعلم، وأن يجهله الوزراء. فالمفروض أن الوزراء أعلم الناس بحقيقة الأمر في مصر، وإلا فهم أبعد الناس عن الصلاح للنهوض بما ينهضون به من الأمر. لأن الذين يجهلون أمور الشعب لا يصلحون للقيام عليها. والحق الذي ليس فيه شك، هو أن الوزراء يعلمون من أمر مصر وأهلها غير ما تعلمه هذه الصحيفة وكاتبها. فهم واثقون بأن الشعب ليس راضياً ولا مطمئناً، وحياتهم السياسية كلها تبرم من هذا الشعب الساخط، وتأهب لأخذه بالقوة والعنف إخفاءً لسخطه.
وهم من أجل ذلك يحظرون على هذا الشعب كل اجتماع، ويأبون على زعمائه أن يتصلوا به أو يسعوا إليه، كما يأبون عليه هو أن يتصل بالزعماء أو يسعى إليهم. فإذا لم تعنهم الظروف على ما يريدون حشدوا ما وسعهم حشده من الشرطة والجند، واستعدوا للحرب والقتال، وأبلوا في ذلك بلاءً أقل ما يوصف به أنه مضحك، يسري الهم عن النفوس.
هذا كله دليل بالطبع على أن الوزراء مطمئنون إلى رضى الشعب عنهم، وحبه لهم، وحرصه على بقائهم في الحكم إلى آخر الزمان! .
والإنجليز يعلمون فيما نظن من أمر هذا الشعب أكثر مما تعلم هذه الصحيفة، وأكثر مما يعلم الوزراء، فإذا كانوا يعلمون أنه راضٍ، فما بالهم يضطربون هذا الاضطراب، وتختلط عليهم أمورهم هذا الاختلاط؟ فمن المحقق أن أحداً لم يضربهم على أيديهم لينقلوا مندوباً ويرسلوا مكانه مندوباً آخر، كما أن أحداً لم يضربهم على أيديهم ليرسلوا كبيراً من وزارة الخارجية ينوب عن مندوبهم الجديد، إذا سافر ليفاوض أو ليستريح.
وبعد فلمن يكتب هذا السخف، وإلى من يساق هذا الهراء؟ وأي عقول يراد بها هذا التغرير؟ أما الشعب المصري، فإنه يعلم من أمره ما يعلم، وهو لا يقرأ هذه الصحيفة وأمثالها ولا يسمع بها.
وأما الوزراء والإنجليز فهم أعلم بحقيقة الحال من أن يغرهم مثل هذا الهذيان. إنما يكتب مثل هذا الكلام لنفر قليلين من الأجانب يقيمون في القاهرة، أو الإسكندرية، ويقع في نفوسهم ما يسمعون من أحاديث التغيير والتبديل، مواقع مختلفة، فهذه الصحيفة وأمثالها، تريد أن تستبقي ودهم للوزارة واطمئنانهم إليها، وثقتهم بأنها باقية في الحكم. ومن يدري لعل هذه الصحيفة إنما تكتب لنفسها، لا لتغر نفسها ولا لتخدعها عن الحق الذي تعرفه حق المعرفة ولكن لتعيش، وما أكثر ما يكلف طلب العيش بعض الناس من المشقات والأعاجيب حتى إلغاء عقولهم، فكسب العيش في هذه الأيام شيء عسير قد يبيح الناس لأنفسهم فيه ما لا يباح في أيام اليسر والرخاء . . .
طه حسين
الوادي، ٩/٢/ ١٩٣٤ .

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading