Back to homepage

الحكومة تمدح نفسها | The Government Praises Itself

دفاع (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٤ يناير ١٩٣٤

أُريد أَنْ أنهض بأعباء هذا الدفاع تطوعًا للخير، وتصدقًا ببعض ما أملك مِنَ الجَهْدِ، وابتغاء للرَّحْمة من حيث هي رحمة، وحبًّا للإشفاق من حيث هو إشفاق.

ولستُ أدري، لِمَ يَكُون المُعَارِضُ قَاسيًا دَائِمًا؟! ولِمَ تكون المعارضة قسوة خالصة؟! ولِمَ يَقْطَعُ المُعَارِضُون للأيام على أنفسهم عهدًا أن يكونوا قُسَاة لا يعرفون الرحمة، وجُفاة لا يعرفون اللِّين، ولم يقُل أَحدٌ من أصحاب اللغة ولا من أصحاب السِّياسة إنَّ المُعَارَضَة لا ينبغي أن تكون إلا قسوة خالصة وشِدَّة لا هوادة فيها ولا رفق؟!

وليكن رأي أصحاب اللغة ما يكون، وليكن رأي أصحاب السياسة ما يكون، وليغضب المُعارضون أو ليرضوا، وليعرف القُرَّاء أو لينكروا؛ فإني مُصِرٌّ اليوم على أن أُدافع عن الوزارة لأني أصبحت اليوم شديد المَيْل إلى الرحمة، عظيم الرغبة في الرفق والإشفاق.

وأنا أُريدُ أَنْ أَنْتَهِزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأَنْ أُدَافِعَ عن الوزارة في هذا الفصل قبل أن تُعاودني قسوة المعارضة، أو قبل أن أَعُود أنا إلى قَسْوَة المُعَارضة، أو قبل أن تذهب عني هذه العاطفة التي تجعلني رفيقًا رحيمًا، وتعطفني على الضعفاء الذين لا يَجِدُون لهم ردءًا يَقِيهم، ولا ذائدًا يَحْمِيهم، ولا مُنَاضِلًا يرد عنهم عدوان المُعتدين.

والمعتدون هُنَا هم هؤلاء المُعارضون الذين يَصِفُون الوزارة بالضعف والقصور أو العجز والتقصير، ويُسمون سياستها سياسة الرُّكود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يسرفون؛ فيتفكهون، ويتندرون، ويقترحون على الرَّجُل الطيِّب حَقًّا وصِدْقًا كما تقول الشعب أن يستريح كل ما هبَّتْ عليه عاصفة أو هدأت عنه زوبعة، وأن يستريح لا في داره كما يستريح الناس، بل في سفينة من سفن الدولة تصعد به في النيل وتهبط به إلى البحر كما يستريح المُترفون.

هذا كثير! وأكثر منه أنَّ الذين يكتبونه لا يشعرون بأنهم يَظْلِمُون ويسرفون في الظلم، وبأن هذا النوع من الفكاهة اللاذعة والدعابة المُرَّة لا ينبغي أن يُساق إلى الرَّجل الطيب، إنَّما ينبغي أن يُساق، وقد كان يُساق بالفعل إلى صدقي باشا؛ فصدقي باشا كان قويًّا صلبًا يستطيع أن يتلقَّى الجد والهزل، وأن يصبر على الجد والهزل، لم يكن يحفل بشيء، ولم يكن يَتَأَذَّى بشيء، بل لم يكن يصل إليه شيء مما كان يُكتَب عنه، أو يُقال فيه.

أمَّا الرجل الطيب فدقيق الحس، رقيق المزاج، مترف مُحِبٌّ للترف، مُؤْثِرٌ للعاقبة، حريص على السلم، مبغض للخصومات، كاره للجدال والنِّضال. فلا ينبغي أنْ يُهَاجِمَهُ أو يُخَاصِمَه أو يتجنى عليه إلا الذين انتُزِعَتِ الرَّحمة من قلوبهم انتزاعًا، واقتُلِعَتِ الشفقة من نفوسهم اقتلاعًا، وصُوِّرَتْ قلوبهم من صوان، ونفوسهم من حديد.

وقد يَقول هؤلاء النَّاس القُساة أنَّ الرَّجل الطيب قد خاصم صدقي باشا، وصبر لخصومته. تولى رِيَاسَة الوزارة بعد أنْ أَنْزَل عنها صدقي باشا، فلم يخف من خلافته، ولم يشفق من احتمال تركته، بل ما يزال يداور صدقي باشا ويناوره حتى اضطره إلى أن يستقيل من الحزب مَرَّتين، هازلًا في الأولى وجادًّا في الثانية، ثُمَّ إلى أنْ يَسْتَقِيل من مجلس النواب مرة واحدة هازلًا، ولكنه من غير شك سيستقيل للمَرَّة الثانية، جادًّا متى انتهى شهر الصوم، وَمتى رَأَى في مجلس النواب كيف يجدُّ الجد، وكيف يدعو الزَّعيم أَنْصَاره، فلا يُجِيبه منهم أحد، ولا يعود إليه إلا صدى صوته الذي يملأ الهواء، ثُمَّ لا يصل إلى أذن ولا يطرق سمعًا، ولا ينتهي إلى نفس.

وإذا استطاع الرَّجُل الطيب أنْ يَبْلُغ بطاغية مصر في القرن العشرين ما بلغ، وأنْ يُذِيقَه من العذاب ألوانًا؛ فهو قوي جلد، وهو صبور صلب، وهو قادر على أن يحتمل من الجد والهزل، ومن الفكاهة اللاذعة والدُّعابة المُرَّة، مثل ما احتمل صدقي باشا أو أكثر مما احتمل صدقي باشا.

ولكنَّ الذين يَقُولون هذا الكلام غُلاة مُسرفون، يعتذرون لأنفسهم عن أنفسهم ولا يقنعون أحدًا ببعض ما يقولون؛ فالرجل الطيب لم يصنع بصدقي باشا شيئًا، وما كان له أنْ يَصْنَع به شيئًا، وإنما دُعِيَ إلى رِيَاسَة الوزارة فقبل رياسة الوزارة، ولو قد خُلِّي بينه وبين صدقي باشا لما ثبت في رياسة الوزارة، ولكنَّ الظروف أحاطته بسياج مَنِيعٍ، وحِصْنٍ حصين، وسلطت على صدقي باشا جنودًا رَمَتْه فأصمَّتْه، وجهدته فاضطرته إلى الانهزام.

وقد كانت لصدقي باشا درع متينة حصينة تزل عنها السهام، فلما خلعه الحكم تجرد من هذه الدرع، فجعلت السِّهَامُ لا تُوجَّه إليه حتى تُصيبه وتثبت فيه، وإذا جسمه كله سهام أو آثار سهام؛ فليسَ الرَّجُل الطيب هو الذي رمى، وإِنَّما الظروف هي التي رَمَتْ! وليس الرَّجل الطيب هو الذي أقصى صدقي باشا عن الحزب وإنما الظروف هي التي أقصته، وليس الرجل الطيب سيقصي صدقي باشا عن مجلس النواب، وإِنَّما الظروف هي التي ستقصيه!

وإذن؛ فليس الرَّجُل الطيب بصاحب جهاد وحرب، وليس الرجل الطيب بصاحب طعان وضرب، وإنما الرَّجل الطيب صاحب دعة وسلم وهدوء وأمن؛ فتوجيه اللوم إليه، وتَسْلِيطُ الأَلْسِنَةِ عليه تجنٍّ لا يَنْبَغِي، وتحرشٌ لا يُطاق. سيقولون: ولكن الرجل الطيب قد ثبت للمُحاماة والمحامين، بل هجم على المحاماة والمحامين؛ فأنذر وأعذر، ثم أبرق وأرعد، ثم هيَّأ التشريع، ثم تقدَّم به إلى المَجلسين، ثم أصدره وجعله قانُونًا، ثم أنكر المُحامين إنكارًا وجَهِلَهم جهلًا، وأقام حفلين لم يشترك فيهما المحامون. ومن فعل هذا كله، ونهض بهذا كله؛ فهو خليقٌ أنْ يَحْتَمِل النقد، ويثبت للهزل والجد.

ولكنَّ هذا الكلام كغيره من الكلام لا يثبت للنقد ولا يستقر أَمَام النظر الصحيح؛ فالرجل الطيب خير بطبعه لا يُحِبُّ الشَّر، عَادِلٌ بِطَبْعِهِ لَا يُحِبُّ الجور، حسن بطبعه لا يحب السوء، هادئ بطبعه لا يحب الاضطراب، رفيق بطبعه لا يحب العنف. ومن كانت هذه حاله وتلك خصاله، لم يُهاجم المحاماة ولم يعرض للمحامين؛ فليس هو الذي هاجم تلك أو عرض لهؤلاء، وإنما هي الظروف، وويل للناس من الظروف!

هي الظروف التي تجنَّتْ على المحامين كما يتجنى خصوم الرَّجُلِ الطيب على الرجل الطيب، وأساءت إلى المُحامين كما يُسيء خصوم الرجل الطيب إلى الرجل الطيب؛ فالمُحَامُون مَظْلُومون، والرجل الطيب مظلوم أيضًا.

والظروف — وويل للناس من الظروف! — هي التي ظلمت هذا وهي التي ظلمت أولئك.

وقد انتصر المحامون وانتصفوا لأنفسهم، ولكنهم لم ينتصروا على الرَّجُل الطيب؛ لأنَّ الرَّجُل الطيب لم يُحَارِبهم، وإنما انتصروا على الظروف وانتصفوا لأَنْفُسِهِم من الظروف فالذين يلومون الرَّجُل الطيب يسرفون عليه ويسرفون على أنفسهم، وإذا لم يكن بد من أن يلوموا، وإذا لم يكن بد من أن يقسوا، وإذا لم يكن بد من أن يجربوا مهارتهم في النقد، وبراعتهم في الهزل والجد؛ فليدعوا الرجل الطيب وما هو فيه وليوجهوا لومهم كله، ونقدهم كله، وجدهم كله، وهزلهم كله إلى الظروف؛ لأنَّ الظروف هي التي جنت ما يُنكرون من نشاط في حرب صدقي باشا، وعنف في حرب المحامين، وإعراض عن جلائل الأعمال، ونوم عن عظائم الأمور. بل الظروف هي التي أزعجت هذا الرجل الطيب، وحملته من أوروبا حملًا على جناحَيْ نعامة حتى أقرَّتْه في رياسة الوزارة، ثم أَجْرَتْ على يديه البريئتين ما أَجْرَتْ من الأعمال.

والقراء جميعًا يشهدون أني لا أكره النقد، ولا أخاف الإقدام عليه، ولكنهم يشهدون أني لا أُحِبُّ زيادًا ولا سيرة زياد، ولا آخذ البريء بِذَنْبِ المُسِيء. والرَّجُل الطيب بريء، بريء من كل ما يُوجَّه إليه من لوم؛ لأَنَّه طَيِّبٌ حَقًّا وصدقًا، كما تقول الشعب، وإنما المسيء الذي يستحق اللوم كل اللوم هي الظروف.

لذلك لا ألوم إلا الظروف، ولا أحب لخصوم الوزارة أن يخاصموا إلا الظروف، فإذا لم يكن بد من أن تُذكَر سياسة الركود، فلتُذكَر على أنها سياسة الظروف، وإذا لم يكن بد من أن تُقترَح الراحة في سفينة نيلية؛ فلتُقترَح هذه الراحة على الظروف! ستقول: وكيف تستريح الظروف في دار أو في سفينة؟! وكيف تصعد الظروف في النيل أو تهبط إلى البحر؟! فأقول: وكيف قهرت الظروف صدقي باشا؟! وكيف نصبت الظروف حربها للمحامين؟! ألم تفعل ذلك كله على يد رئيس الوزراء؟! فلتسترح إذن في شخص رئيس الوزراء.

ستقول: فاللوم موجه إلى رئيس الوزراء ما دامت الظروف لا تأتي شيئًا ولا تحتمل شيئًا، إلا إذا تقمصت رئيس الوزراء؛ فأقُول: هذا صحيح، ولكِنْ فرق عظيمًا بين أن تلوم رئيس الوزراء من حيث هو صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا أو تلومه من حيث هو مظهر لما تريد الظروف، ولما تأتي الظروف من الأعمال.

وأظُنُّ أنَّ رئيس الوزراء نفسه ترضيه هذه التفرقة، ويريحه هذا النحو من تصوير الأشياء؛ فهو لا يُلام لأنه رجل طيب حقًّا وصدقًا، ولكن تُلام الظروف في شخصه؛ لأنَّ هذه الظروف مَاكِرَةٌ مَاهِرَةٌ غَادِرَةٌ تأبى إلا أن يكون لها شخص وإلا أن يكون لها اسم، وقد بالغت في المكر والمهارة والغدر؛ فتقمَّصَتْ شخصَ رئيس الوزراء، وتسمَّتْ باسمه في هذه الأيام، فلنلُمْها في هذا الشخص ولنَدْعُها بهذا الاسم حتى تتقمَّص شخصًا آخر أو يتقمصها شخص آخر، وحتى تتسمى باسم آخر أو يُفرَض عليها اسم آخر!

ولعل هذا أن يكون قريبًا؛ فيستريح الرجل الطيب حتى مِنْ لَوْم الظروف.

حياة
طه حسين
كوكب الشرق
١٠ يناير ١٩٣٤

حياة جميلة مُشَرِّفة هذه التي يحياها الشعب المصري السعيد منذ أعوام، كلها خير ورخاء، وكلها سعادة وإقبال، وكلها عزة وكرامة، قد شبع الناس فيها وارتووا حتى أسرفوا على أنفسهم، وأصبحوا عرضة للتخمة وما يشبه التخمة من الأدواء، ليس فيهم جائع ولا ظمآن، ليس فيهم معدم ولا محروم، كلهم مترف أو كالمترف، وكلهم غني أو كالغني.

وقد أمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم ومنافعهم؛ فهم لا يخافون شيئًا، وهم لا يرجون شيئًا، لا يخافون لأنهم أصبحوا فوق الخوف، ولا يرجون لأن آمالهم كلها محققة، وأمانيهم كلها ميسرة؛ يكفي أن يريد أحدهم فإذا هو ظافر بما يريد، ويكفي أن يأمل أحدهم فيمد يده، فإذا هو يأخذه أمله أخذًا، ويضمه إليه ضمًّا، وكلهم عزيزٌ في نفسه لا يقبل الضيم، ولا يتعرض لقبول الضيم، حرٌّ في وطنه، كريمٌ على الناس.

قد أسرف في العزة حتى بلغ الكبرياء، وأسرف في الحرية والكرامة حتى خيفت بوادره، وحسبت البلاد الأجنبية له كل حساب، وأشفقت أن يدفعه فضل القوة والبأس إلى أن يخرج من داره مُغيرًا على ما حوله من البلاد، مُعرِّضًا السلم لخطر عظيم.

هذه هي الحياة التي يحياها الشعب المصري السعيد في هذه الأيام، والغريب أن النعمة قد غمرته، وألحت عليه حتى أنسته أنه مُنعَّم، وأن السعادة قد أغرقته حتى أنسته أنه سعيد، وحتى انتهى الأمر به إلى البطر والأشر، فإذا هو ساخط لا يرضى، ومبتئس لا يبتهج، ومشغول لا يعرف فراغ البال، وإذا صحفه تلح في الشكوى، وتمعن في الحزن، وتتبرم بالأيام، وإذا هو غير راضٍ عن شيء، ولا مطمئن إلى شيء؛ يضيق بالوزارة ولم يخلق الله بعدُ وزارة مثلها، ويضيق بالبرلمان ولم يخلق الله بعدُ برلمانًا مثله، ويخيل إليه أن الأجانب يعتدون عليه ويزدرونه، ويطغون عليه في بلاده، ولا يرعون له حرمة الضيافة وحقوق الجوار.

كل ذلك لأنه مريض بالبطر والأشر، قد أطغته النعم الطاغية، وأفسدته السعادة الغالية؛ فاختلط عليه الأمر، فهو لا يدري ماذا يصنع ولا كيف يقول.

وما رأيك في شعب أتيحت له وزارة لم تكد تتولى مناصب الحكم فيه حتى انصرفت إلى أموره انصرافًا تامًّا تدبرها أحسن تدبير، وتقوم عليها خير قيام لا يشغلها كبير الأمور عن صغيرها، ولا يصرفها صغير الأمور عن كبيرها، تعنى بالشعب في الليل، وتعنى بالشعب في النهار، تعنى به في اليقظة، وتعنى به في النوم، على حين تشغل الوزارات في البلاد الأخرى بنفسها عن الشعب، وتلهو الوزارات في البلاد الأخرى بالسخف عن مصالح الشعب؟

ولقد حدثونا أن وزارة من الوزارات في بلد من البلاد الأجنبية — لا أذكر اسمه الآن — أنفقت أكثر من شهرين لا تُعنى بشيء، ولا تهتمُّ لشيء، ولا تفكر في شيء، إلا في رجل يسمى صدقي باشا، كان رئيسًا للوزارة، ثم أبعد عن الوزارة، وهمَّ بمحاربة الذين خلفوه على الحكم، فانصرف إليه خلفاؤه ينصبون له الحرب، ويسدون عليه الطرق، ويأخذون عليه المسالك: يحاربونه في حزبه حتى يخرجوه من الحزب، ويحاربونه في البرلمان حتى يزهدوه في البرلمان، ويشغلهم هذا كله عن شعبهم البائس المحروم، فلا يدفعون عنه بؤسًا، ولا يردون عنه حرمانًا.

والشعب يشكو فلا يسمع له أحد، ومنافعه تضيع فلا يحفل بها أحد. حدثونا عن هذا البلد الأجنبي الذي انصرفت وزارته كلها لحرب رجل واحد، وأهملت وزارته كلها شئون شعب كامل، فلم نكد نقارن بين هذا البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، وكفر النعمة، وإنكار الجميل، وحدثونا عن بلد آخر تقوم الوزارة فيه مقام القوي العزيز، وهي أضعف الوزارات وأقلها حظًّا من البأس؛ لأنها — فيما قالت بعض الصحف — تسل على رءوس النواب في بلادها سيف الحل، تنذرهم به كلما هموا أن يبدوا لها صفحة، أو يظهروا عليها خلافًا.

وهي لا تنذرهم بذلك في البرلمان، أو في ديوان من دواوين الحكومة؛ لأنها إن فعلت ذلك خالفت الدستور الذي يضمن للنواب حريتهم كاملة، ويجعلهم فوق التهديد والوعيد، وإنما تنذرهم بذلك في اجتماعات تعقد في أندية الأحزاب ودور الوزراء، وفي أحاديث تُلقى إلى بعض الناس، وينطلق بها بعض السعاة، فتذاع وتشاع وتملأ الأسماع. وهي مع ذلك ليست حقًّا؛ لأنها صدرت ولم تصدر، وقيلت ولم تقل، وهددت ولم تهدد، والنواب في ذلك البلد يستمعون لهذه الأحاديث، ويرتاعون لهذه النذر، فتسمع كثرتهم، وتقر وتذعن كثرتهم وتؤمن.

وقد زعموا أن قلة منهم أنكرت ذلك وضاقت به، فهمت باستجواب الوزارة فلقيت — ويا شر ما لقيت! — لقيت ضجيجًا وعجيجًا، ولقيت تأنيبًا وتقريعًا، ولقيت قرارًا من مجلس النواب بأنها خالفت الدستور بهذا الاستجواب، وعادت إلى دورها مخذولة مدحورة. كانت تريد حماية الدستور، فظهر أنها اعتدت على هذا الدستور، كانت تريد إحراج الوزراء، فاضطرها الوزراء إلى الحرج المنكر القبيح.

حدثونا عن هذا البلد الأجنبي، فلم نكد نقارن بينه وبين مصر هذه التي لا يرقى الاعتداء فيها إلى الدستور ولا إلى القانون، ولا يجرؤ الوزراء فيها على أن يذكروا النواب إلا بالخير، ولا أن يفكروا في النواب إلا مع الإجلال والإكبار، ولا يكاد النواب فيها يهمون حتى يفعلوا، ولا يكاد النواب فيها يفعلون حتى يؤمن الوزراء لهم ويذعنوا. لم نكد نقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، ومن كفر النعمة، وإنكار الجميل، وحتى رحمنا النواب والوزراء من هذا الظلم الذي ينالهم في كل يوم، وأشفقنا عليهم من العمل لشعب لا يقدر العاملين.

وحدثونا عن بلد أجنبي آخر كثر فيه الأجانب وأسرفوا على أهله في كل شيء، أسرفوا عليهم في الاستغلال، وأسرفوا عليهم في الاستذلال، وأسرفوا عليهم في الغطرسة، وأسرفوا عليهم في الازدراء، وانتهوا بهم من إسراف إلى إسراف حتى أخذوا يتحكمون فيما يقول خطباؤهم، وما يكتب كتابهم.

خطب عظيم من عظمائهم خطبة ذات يوم لم تُرضِ الأجانب، فذهب وزراؤهم المفوضون ينكرون ويلاحظون، وطلبوا إلى رئيس وزرائهم أن يحتاط؛ لأن تلك الخطبة قوبلت بتصفيق شديد، ويوشك هذا التصفيق أن يغري الصحف بمجاراة الخطيب، والخير كل الخير في ألا يقول الخطباء مثل ما قال الخطيب مما لا يحب الأجانب أن يقال، فإذا طغى على الخطيب لسانه فقال ما لا يحب الأجانب؛ فالخير كل الخير أن لا يصفق له السامعون، فإذا طغت على السامعين أيديهم فاندفعت إلى التصفيق، فالخير كل الخير أن لا تكون الصحف صدًى لرضا الراضين وإعجاب المعجبين.

فلم نكد نسمع هذا الحديث ونقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين شكهم في الأجانب، وضيقهم بلطف الأجانب، وتجنيهم على الأجانب، وإثقالهم على رئيس الوزراء في ألا يقبل من الأجانب إلا الخضوع الذي لا يشبهه خضوع، والتسليم الذي لا يقاربه تسليم، وحتى رحمنا الأجانب الذين يعيشون في مصر؛ لأن المصريين يسومونهم ألوان الخسف، ويذيقونهم فنون العذاب، فلا يلقون منهم إلا رضًا وابتسامًا، ولا يسمعون منهم إلا حمدًا وثناء، ولا يجدون منهم إلا إجلالًا وإكبارًا.

لا يفكر أحدهم في أن يسعى إلى رئيس الوزراء، فضلًا عن أن يبلغه ملاحظة، أو يرفع إليه احتجاجًا، أو يزعم له أن حكومته قد أتت من الأمر ما لا يليق، ولو قد همَّ أحد من الوزراء الأجانب في مصر بهذا أو ببعض هذا لما طاب له المقام على ضفاف النيل، ولاضطر إلى أن يرحل مع أبناء جنسه عن أرض الفراعنة، أو يقدم الاعتذار من تدخله فيما لا ينبغي له أن يتدخل فيه.

والناس يحدثوننا في كل يوم عما تلقاه الشعوب من ألوان الذل، وما تأتيه الوزارات من أنواع الظلم، وما يجنيه الأجانب من ضروب التحكم، فنسمع الأحاديث ونقيس ما يقع في تلك البلاد إلى ما يقع في هذه البلاد؛ فلا يزيدنا ذلك إلا أسفًا وحزنًا؛ لأن المصريين في حاجة حقًّا إلى أن يتعلموا شكر النعمة، والاعتراف بالجميل، ونظن أن أحق الناس باللوم، وأعظمهم حظًّا من التقصير إنما هو وزير التقاليد؛ لأنه لا يعنى بالتعليم كما ينبغي، ولو قد فطن لما يجب عليه، وقدر تبعاته حق قدرها؛ لأنشأ في كل معهد وفي كل مدرسة دروسًا تعلم المصريين كيف يشكرون النعمة، ويعرفون الجميل، ويقدرون الإحسان للمحسنين، ولكلف أساتذة الجامعة أن يعنوا في محاضراتهم العامة بتقويم هذا العوج في أخلاق المصريين.

ولعل وزير الداخلية ملوم أيضًا، فقد يحسن أن يراقب الصحف، وأن يردها إلى الرشد كلما جارت هذا الشعب البطر الأشر فمست الوزراء أو النواب بشيء من النقد، فوزير الداخلية يعلم حق العلم أن وزراءنا ونوابنا لا ينبغي أن يرقى إليهم النقد؛ لأنهم لا يأتون — ولا يمكن أن يأتوا — ما يعرضهم للنقد اللين أو للنقد الشديد.

ما أجدر المصريين أن يفكروا في حياتهم! وما أجدر وزراء المصريين أن يعلموهم كيف يكون التفكير في حياتهم! فلو عرف المصريون كيف يقارنون بين أنفسهم وبين غيرهم من الشعوب لاستيقنوا أنهم يحيون الآن حياة فذة في التاريخ تحسدهم عليها الأمم، وتنفسها عليهم الشعوب.

سمر
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ يناير ١٩٣٤

كان عنيفًا يوم الإثنين، وكان هادئًا يوم الخميس، ولعل مصدر ذلك العنف وهذا الهدوء أن الوزراء
كانوا موضوعه يوم الإثنين، وأن مصالح الدولة كانت موضوعه يوم الخميس. وإذا اتصل السمر وأحاديثه
بالأشخاص وأعمالهم؛ اشتدَّ واحتدَّ وكثر فيه الجدال والنضال، وكاد يفسده العنف والإسراف في
الخصام. أما إذا اتصل السمر بالشئون العامة؛ فأمره هين، وخطبه يسير: كلام يقال، وكلام يسمع، ثم
ينصرف السُمَّار راشدين. وكذلك طغى العنف على سمر النواب مساء الإثنين، حين كان فريق منهم يسأل
الرجل الطيب وزميليه عما زعم عليهم صدقي باشا وأصحابه وتحدثت به بعض الصحف من تهديدهم للنواب
بحل مجلسهم إن لم يقبلوا استقالة الدكتاتور العظيم. طغى العنف فكان الضجيج والعجيج، وكان صفق
الأيدي وخفق الأقدام، وكان الصراع والدفاع، وكان خروج الحلماء عن أطوارهم، وكانت مشاكل ومسائل
حلها وزير المالية بتفسير للسلطة التنفيذية وإعلانه أنها الوزارة وأن الوزارة هي الملك، وأن
الملك هو الوزارة. ثم زادها وزير الحربية وضوحًا وجلاء، حين أعلن أن وزير المالية يتورط في
الكلام. أما سمر النواب مساء الخميس، فقد كان حلوًا عذبًا ولذيذًا صفوًا أظله الهدوء، وزينه
الوفاق. تكلم نفر من النواب منكرين على الحكومة؛ فاستمعت لهم الحكومة باسمة، واستمع لهم أنصار
الحكومة مستبشرين. ثم قام الرجل الطيب يرد على المعارضين؛ فاستمع له المعارضون باسمين، واستمع
له أنصاره مؤمنين مصفقين. وانصرف الوزراء والنواب وكلهم راضٍ عن نفسه، مستريح إلى عمله، مستيقن
أنه أدى واجبه في كفاية ودراية، وفي مهارة وبراعة، وفي صدق وإخلاص. وأصبحت مصر فقرأت أنباء هذا
السمر الهادئ كما قرأت أنباء ذلك السمر العنيف؛ فابتسمت لهذا كما ابتسمت لذاك، ومرَّت بهذا كما
مرت بذاك مشغولة عن هذا ومشغولة عن ذاك بما تحس من ألم لا يشاركها فيه أحد، وما يثقلها من هموم
لا يخففها عنها أحد.

وسيجتمع النواب والشيوخ فيتحدثون في النهار ويسمرون في الليل، ويكون في أحاديثهم وأسمارهم عنف
ويكون فيها لين، وستنظر مصر إلى هذه الأحاديث والأسمار باسمة لها، معرضة عنها، يائسة منها، حتى
يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ومع أن الناس كانوا متفقين على أن سمر الإثنين كان عنيفًا لاتصاله بأشخاص الوزراء، وسمر
الخميس كان هادئًا لاتصاله بمصالح الشعب؛ فقد لاحظ بعضهم أن النصيحة التي تفضل بها الرجل الطيب
على النواب يوم الإثنين قد آتت ثمرها يوم الخميس. فقد نَبَّهَ الرجل الطيب أنصاره وخصومه إلى أن
الأجانب يرقبونهم ويأخذونهم بكل شيء؛ فانتبه النواب إلى هذا، وحرصوا أمس على ألا يقيد الأجانب
عليهم شيئًا. وكأن الرجل الطيب كان يقرأ في صحيفة من صحف الغيب حين أَهْدَى هذه النصيحة إلى
النواب؛ فقد شهد الجلسة أمس اثنان من نواب الإنجليز، ومَنْ يدري؟ لعل بركتهما الخالصة وسِرَّهما
الباتع كان لهما بعض الأثر فيما أظل المجلس من هدوء. وليس من شك في أن هذين النائبين قد قارنا
أمس بين مجلس النواب الذي يسمر في القاهرة، ومجلس النواب الذي يسمر في لندرة.

وليس من شك في أنهما اسْتَيْقَنَا أمس أن مجلسنا أظرف المجالس ونوابنا أظرف النواب؛ فقد كانت
جلسة المجلس أمس ظريفة حقًّا، لم يظهر فيها الخصام إلا بمقدار، كما يوجد الملح في الطعام، وكما
يوجد النحو في كلام وزير المالية. وكان رئيس وزرائنا هادئًا رزينًا، ولبقًا رشيقًا، أبرع في هذا
كله وأمهر من رئيس وزراء الإنجليز. سعى إلى المنبر متئدًا، وصعد في درجاته متئدًا، وألقى تصريحه
متئدًا، فقال كل شيء ولم يقل شيئًا، ورضي النواب عن كل شيء، ولم يرضوا عن شيء؛ لأنهم لم يسمعوا
شيئًا. ولكن النائبين الإنجليزيين لم يفهما مع الأسف كثيرًا ولا قليلًا مما قال الأنصار
والخصوم، ولو قد فهما لما ترددا في طلب الجنسية المصرية؛ ليستمتعا بالحياة الحلوة في هذا البلد
الحلو الذي تتحدث فيه خطبة العرش عن عسل النحل، وتتحدث فيه المعارضة عن عسل النحل، وتمتزج حلاوة
العسل فيه بأحاديث النواب والوزراء؛ حتى تصبح هذه الأحاديث كلها عسلًا. وقد زعموا أن الإنجليز
يحبون العسل، فلو قد فهم هذان النائبان الإنجليزيان حديث العسل أمس في خطبة العرش ورد المعارضين
عليها؛ لما عدلا بالحياة في مصر حياة أخرى في أي بلد من البلاد. والإنجليز كما يحبون العسل
يحبون فصاحة الخطباء وبلاغتهم، ويحبون بنوع خاص هذه الدعابة الساخرة التي لا يحسنها أحد كما
يحسنونها، ولا يتقنها أحد كما يتقنونها، ولا سيما في مجلس النواب. فلو قد فهم النائبان خطباءنا
أمس لعرفا أن للإنجليز في الدعابة خصمًا عنيفًا مخوفًا هو مصر، وأن زعيم المعارضة المصرية أبرع
ألف مرة ومرة من زعماء المعارضة في بلاد الإنجليز؛ لأنه يستطيع أن يلقي الخطبة الطويلة كلها
دعابة وفكاهة، وهو يخيل إلى الناس أنها الجِدُّ المر، ثم يمضي في هذا التخيل حتى يقتنع هو بأنه
لم يقل إلا جِدًّا. وأن رئيس الوزارة المصرية أبرع ألف مرة ومرة من رؤساء الوزارات الإنجليزية
جميعًا؛ يلقي التصريح القاطع الخطير وهو لم يقطع بشيء، ولم يقل شيئًا ذا خطر، ولكن له لباقة
تقنع الناس وتقنعه هو قبل الناس، بأنه قد ألقى التصريح القاطع الخطير؛ فحل المشكلات، وفك
المعضلات، ورد إلى النواب الذين كانوا قلقين وَجِلِين على حياة الشعب ومصالحه ما ينبغي لهم من
الأمن والاطمئنان. كانوا قلقين على مسألة الدَّيْنِ كيف تُحَل، فأنبأهم بأنها أمام القضاء،
وبأنها موضوع المفاوضات، وبأنها ستحلُّ بالعدل إن شاء الله؛ فأمنوا واطمأنوا. كانوا قلقين على
مسألة الديون العقارية، وعلى مصير المُلَّاك والزراع، فأنبأهم بأن الحكومة تدرس هذه المسألة
بعناية فائقة، وتريد أن تنتهي فيها إلى حلول دائمة خير من تلك الحلول التي تكلف الدولة أموالًا،
ولا تخفف عن الناس شيئًا؛ فأمنوا واطمأنوا وصفقوا. ولم يكن صدقي باشا حاضرًا، ولو قد حضر لتلقى
هذا السهم الذي رماه به الرجل الطيب آمنًا مع الآمنين، مطمئنًّا مع المطمئنين مصفقًا مع
المصفقين، وهل صدقي باشا إلا نائب من النواب ورجل من رجال الزمن السعيد؟!

كانوا قلقين على استقلال مصر بشئون القضاء كلها، يريدون أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تقف
مصر من الدول المحتجة عليها موقف الحزم؛ فأعلن إليهم رئيس الوزراء أن الوزارة تتمنى معهم إلغاء
المحاكم المختلطة، وأنها لن تكون أقل منهم حزمًا بإزاء الدول المحتجة على خطبة قاضي القضاة؛
فأمنوا واطمأنوا وصفقوا، واقتنع رئيس الوزراء واقتنع النواب بأن الرجل الطيب قد ألقى عليهم
تصريحًا قاطعًا خطيرًا. ولو قد فهم النائبان الإنجليزيان كلَّ شيء أمس؛ لهزئا بوزير ماليتهما،
ولاقترحا على حكومتهما أن تلتمس وزراء ماليتها من مصر. فوزير المال في مصر رجل لا نظير له
حقًّا، يتكلم حين يحسن الصمت، ويقول ما لا يَحْسُن أن يقال؛ لأنه يحب التورط في الكلام، فإذا
حَسُنَ الكلام ووجب القول واحتاج النواب إلى ما يشفي غليلهم في شئون المال، لم يكتفِ وزير
المالية بالصمت، بل غاب عن المجلس كما تغيب الشمس وذاب في المجلس كما يذوب الملح، والتمسه
النواب فلم يجدوه. ولكنَّ هذين النائبين الإنجليزيين لم يفهما من هذا كله شيئًا، وإنما رأيَا
قومًا يذهبون في ظَرف، وآخرين يجيئون في لباقة؛ فأَمِنَا واطمأنا، وسيعودان إلى بلادهما مغتبطين
بأن الحياة النيابية المصرية في ظل الحياد البريطاني آية من الآيات لا سبيل إلى الشك فيها أو
الضيق بها. أرأيت أن سمر النواب أمس لم يكن هادئًا فحسب؛ وإنما كان خصبًا منتجًا كسبًا للعهد
السعيد نصيرين من نواب الإنجليز؟

خطيب …
طه حسين
كوكب الشرق
٢١ فبراير ١٩٣٤

أيهما أبرع في الإقناع وأقدر عليه، وأمهر في اختلاب النفوس، واستلاب العقول، واستهواء القلوب،
واستباء الألباب، وتصوير الأشياء بهذه الصور القوية الرائعة البارعة، التي لا يحسها الإنسان إلا
استسلم لها، وآمن بها، واطمأن إليها، وألقى بين يديها كل سلاح؛ أهو رئيس وزرائنا الرجل الطيب
الذي سحر مجلس النواب أمس واسترهبه؛ حتى آمن بأن ميزانية وزارة الخارجية حق يجب إقراره والإذعان
له والموافقة عليه، أم هو كاتب الشعب الذي سحر صباح اليوم قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين،
واسترهبهم، واضطرهم جميعًا — ونحن منهم مع السرور — إلى الإيمان بأن رئيس الوزراء خطيب لا
يُشقُّ له غبار، ولا تُطفأ له نار، ولا يطلع له نهار؟ فنحن في حقيقة الأمر حائرون دائرون بين
الرجلين البارعين: بين رئيس الوزراء الذي انهزم له المعارضون جميعًا أمس، وكاتب الشعب الذي آمن
له الكُتَّاب جميعًا اليوم.

ومن الحق أن نلاحظ أن بين هذين الرجلين البارعين فروقًا قد لا يصح أن تُهمَل حين يُراد الحكم
بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في سحر البيان.

فلرئيس الوزراء من الأدوات والوسائل ما يعينه على أن يسحر العقول، ويخلب الألباب، ويُفْحِم
الخصوم، ويقهر المعاندين؛ فهو رئيس الوزراء، وله من صفته هذه جلال ليس لغيره من الناس، فكلمته
تزن عشر كلمات، وصوته يزن عشرة أصوات.

وهو إن خطب قبل أن يتولى الرياسة، أو خطب بعد أن ينزل عن الرياسة، لم يبلغ من إقناع الخصوم
وإفحام المحاورين إلا عشر ما يبلغه حين يخطب وهو رئيس الوزراء.

ورئيس الوزراء رجل طيب، ولطيبة الرجال الطيبين أثر بالغ في إقناع المحاورين، وإفحام
المجادلين، واضطرار الخصوم إلى التسليم؛ لأن هذه الطيبة بطبعها بركة تذلل المصاعب تذليلًا،
وتمحو العقبات محوًا، وتجعل صاحبها قديسًا أو كالقديس، ثم هذه الطيبة تفعل في العقول فعلًا
غريبًا، فتحملها على حسن الاستعداد لتصديق ما يقوله الرجل الطيب والإيمان له؛ لأن الرجل الطيب
إذا تكلم لم يقل إلا حقًّا، أو ذلك شأن الرجل الطيب.

والرجل الطيب كذلك موفق لا يخطئ، ولا يتعرض للخطأ؛ لأن طيبته تعصمه من الخطأ أو التعرض للخطأ،
فإذا عُلِمَ ذلك من أمره كانت النفوس إلى تصديقه أسرع، وإلى الانقياد له أميل، وعن الشك فيما
يقوله أبعد.

فإذا أضفت إلى هاتين الصفتين صفات الظرف والرشاقة والخفة واللباقة، ثم أضفت إلى هذه الصفات
كلها صفة البراعة في البيان، والاستئثار بالقوة في فن الخطابة، استطعت أن تتعرف الخصال التي
تفوق بها رئيس الوزراء أمس؛ فأقنع النواب بأن ميزانية وزارة الخارجية حق لا ينبغي أن يمسه الشك،
أو يرتفع إليه الجدال.

ومن هنا لا ينبغي أن تدهش حين تلم بالصور الخطابية الرائعة التي استعان بها رئيس الوزراء أمس
لإقناع الخصوم، وإفحام المعارضين، فتراها في نفسها يسيرة ضئيلة ليس من شأنها أن تقنع، وليس من
شأنها أن تفحم، ولكنها على ذلك قد أقنعت وأفحمت، وحققت لرئيس الوزراء من إقرار ميزانيته ما كان
يريد، ومَنْ الذي يُقَدِّر أن مقارنة ما ننفقه نحن على وزارة الخارجية بما تنفقه بولونيا أو
تشكوسلوفاكيا أو ما شئت من دول أوروبا كافية في نفسها لإقناع الناس؛ لأن ما ننفقه لا يجاوز
الطاقة، ولا يزيد على ما ينبغي أن ننفق، ولكنها صفات رئيس الوزراء ومزاياه، وكلماته التي تعدل
كل واحدة منها عشر كلمات، ونبراته التي تعدل كل واحدة منها عشر نبرات، وحركاته التي تعدل كل
منها عشر حركات، وصوته الذي يعدل عشرة أصوات، واستعداد النواب للتأثر البليغ العميق بهذه
الكلمات والنبرات، وبهذه الحركات، وبهذا الصوت.

كل ذلك هَيَّأَ لرئيس الوزراء ما ظفر به من الفوز أمس، ومهد الطريق لميزانية وزارة الخارجية
فمرت من مجلس النواب بسلام.

أما كاتب الشعب فليس له شيء من كل هذه المزايا: ليس رئيس وزراء، وليس رجلًا طيبًا كرئيس
الوزراء، وليس له من الظرف والرشاقة، ولا من الخفة واللباقة مثل ما لرئيس الوزراء، وإنما هو رجل
مثلك ومثلي يقول كما تقول، وكما أقول، ويكتب كما تكتب، وكما أكتب.

فكلماته ككلماتنا، ونبراته كنبراتنا، لا تَعْدِل كل واحدة منها اثنتين، فضلًا عن أن تعدل
عشرًا، وصوته كأصواتنا لا يعدل عشرة أصوات كصوت رئيس الوزراء؛ وهو مع ذلك قد استطاع أن يقنع
قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، وأنا منهم، بأن رئيس وزرائنا خطيب، خطيب لا كالخطباء العاديين
الذين نسمعهم ونعجب بهم ونتأثر بما يقولون، خطيب لا كصدقي باشا، فقد كان صدقي باشا رجلًا هادئًا
إذا خطب لا يعتمد إلا على جراءته المعروفة، وكان لا يحسن اختيار الكلام، وكان يخدع سامعيه
بابتسامته التي لا تسحر إلا حين يكون رئيسًا للوزراء.

خطيب لا كزعيم المعارضة، وإن كان يذهب مذهب زعيم المعارضة في مجلس النواب؛ فيقارن بين مصر
وأوروبا، ولكن زعيم المعارضة رجل معتدل المزاج، مقتصد في الصوت والحركة.

خطيب لا كعبد الحميد أفندي سعيد؛ لأنه لا يغلي ولا يفور، ولا يضطرب ولا يثور كعبد الحميد
أفندي سعيد، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك خطيب أخطب من هؤلاء جميعًا، وممن هم فوق هؤلاء جميعًا،
وممن هم دون هؤلاء جميعًا.

ليس كالحجاج ولا كزياد؛ لأن هذين الخطيبين كانا إلى البداوة أقرب منهما إلى الحضارة، وكانا لا
يحسنان اللغة الفرنسية، إنما كانا يُلِمَّان بها إلمامًا خفيفًا جدًّا، وكانا لا يُحْسِنَان
إخراج الباء مخرجها الباريسي العذب.

خطيب لا كبريكليس وديموستين وسيسيرون؛ لأن هؤلاء جميعًا قدماء لم يحسنوا من فنون الخطابة ما
أحسنه المحدثون.

رئيس وزرائنا خطيب لا يُشبَّه به إلا اثنان؛ أحدهما: خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، والآخر
خطيب الجمهورية الفرنسية الثالثة فلدك روسو، ووجه الشبه بين خطيبنا المصري وبين الخطيبين
الفرنسيين، أن خطيبنا كميرابو في أن الإعجاب به موقوف على رؤيته والاستماع له، كما قالت مدام دي
ستال، فأنت تستطيع أن تعجب به من قرب، فأما من بعد فذلك شيء آخر. والغريب أنك تستطيع أن تعجب
به، ولكنك لا تستطيع أن تنقل إعجابك إلى غيرك؛ لأنه إعجاب يفوق الوصف، وهو إعجاب يفوق لأن رئيس
وزرائنا كميرابو خطيب يفوق الوصف.

ورئيس وزرائنا كفلدك روسو في أنه بركان يغطيه الثلج، وليس هو كأخي الخنساء علم في رأسه نار؛
فأنت إذا رأيت رئيس الوزراء أو تحدثت إليه أو سمعت له وهو يبدأ خطبته لم تُفْتَن به، بل طمعت
فيه، واستهنت بقوته، فإذا ثار واستجمع للهجوم تساقطت الألفاظ من فمه كما يتساقط الصخر الملتهب
من فم البركان؛ ولذلك طمع فيه المعارضون أمس، فلما همَّ بهم وهجم عليهم خافوا أن تصيبهم صخرة من
هذه الصخور الملتهبة؛ فولوا الأدبار، ولاذوا بالفرار، وسلمت لوزارة الخارجية ميزانيتها، فعبرت
مجلس النواب رشيقة حسناء تخطر وتتبختر حتى بلغت مجلس الشيوخ!

أرأيت إلى ما بين هذين الرجلين البارعين من الفروق: رجل له حظه من البيان، ولكن له أدوات أخرى
ووسائل تمده وتواتيه وتعينه على الفوز؛ وهو رئيس الوزراء، ورجل آخر لا حظ له من الأدوات
والوسائل إلا أن يكون النبوغ الذي لا حد له، واللسان العضب، والقلم السيال؛ وهو كاتب الشعب!
وكلا الرجلين قد ظفر بما كان يريد، فأما رئيس الوزراء فأنقذ ميزانية الخارجية من الخصوم
والماكرين! وأما كاتب الشعب فأثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك
روسو!

ألست توافقني على أن كاتب الشعب أدنى إلى البراعة، وأعظم حظًّا من المهارة، وأشد استيلاء على
أَعِنَّةِ البيان من رئيس الوزراء؟ أما أنا فمؤمن لهما جميعًا بهذه البراعة النادرة، والمهارة
الباهرة، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن ينقذ الميزانية من النواب، وكيف لا أؤمن بالبراعة
والمهارة لمن يثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو؟!

وكيف لا أهدي إلى الرجلين جميعًا أجمل الشكر وأعذب الثناء؟! فإن حديثهما لذيذ عذب، وألذ وأعذب
من أحاديث السياسة والتعليم والاقتصاد!

وبعد، فماذا تنتظر مصر وقد جمع الله لها في شخص رجل واحد بين ميرابو وفلدك روسو؟ وماذا تنتظر
مصر، وما لها لا تطلب إلى فرنسا، ثم إلى أوروبا، ثم إلى العالم كله الاعتراف لها بالزعامة في
الخطابة بعدما سبَق مِن الاعتراف لها بالزعامة في السياسة؟!

ميرابو …؟!
طه حسين
كوكب الشرق
٢ مارس ١٩٣٤

وإن شئت فقُل: فالدك روسو، وإن شئت فقُل: بونكاريه، وإن أحببتَ فقُل: جنبته، وإن لم يعجبك خطباء الفرنسيين فقُل: دزرائيلي، أو قُل: جلادستون، واختر من شئت من زُعماء الخطابة وأَعْلَام البيان، فأطلق اسمه على رئيس وزرائنا الرَّجل الطيب بشرط أن لا تختاره عربيًّا، ولا يونانيًّا، ولا رومانيًّا؛ فما ينبغي أن يُشبَّه رئيس وزرائنا بالخُطباء المُتقدمين، وما ينبغي أن يُقرَن الخطباء المتقدمون إلى رئيس الوزراء، إنما الخطباء الأوروبيون المُحدثون وحدهم هم الذين يُتاح لهم أن يطمعوا في مثل هذا الشرف العظيم فيُشبَّه بهم رئيس الوزراء أو يُشبَّهوا هم برئيس الوزراء!

فأمَّا غيرهم من الخطباء فحَسْبُهم أنْ يُشَبَّه بِهم زُعماؤنا الآخرون، أو أنْ يُشَبَّهُوا هم بِزُعمائنا الآخرين، فليكن رئيس وزرائنا الرَّجُل الطيب واحدًا من هؤلاء الخطباء الأوروبيين الذين ذكرناهم أو الذين لم نَذْكُرهم. وأكبرُ الظَّنِّ أننا نظلمه بهذا التشبيه ونغض من منزلته البيانية بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة التي لم يسمع الزمان مثلها من قبل، ولن يسمع الزمان مثلها من بعدُ إِلَّا حينَ يَخْطُب رئيس الوزراء في حزب الشعب، أو في مجلس من مجلسي البرلمان.

وإنا لنحاول واثقين بالعجز والإخفاق، وتحليل هذه الآية البيانية، وتيسير ما تعسر من أَمْرِها؛ ليفهم الناسُ بعض هذه المعاني العُليا التي هبطت على أهل الإسكندرية أمس، نُحاول ذلك فلا ندري بأي شيء نبدأ ولا إلى أي شيء ننتهي، وأبلغ الكلام وأبرعه ما لا يستطيعُ النقاد أنْ يأتوه من بين يديه ولا من خلفه، ولا أن يمسوه من فوقه ولا من تحته؛ فأنت إذا شِئْتَ أَنْ تتحدث عن خطبةِ رَئِيسِ الوزراء أنفقت الوقت والجهد واحتملت المشقة والعناء لتُحلل هذه العواطف الرَّقيقة الساحرة التي أراد رئيس الوزراء أن يعرب عنها لمواطنيه من أهل الإسكندرية، فأوجزها أبلغ الإيجاز في كلمات جامعة تحار فيها الألباب، وتتقطع دونها أعناق الخطباء.

فرئيس الوزراء قد نشأ بين الإسكندريين، ورئيس الوزراء قد درج على شواطئ البحر الزَّاخر الذي يغمر الإسكندرية بمائه الملح، ورئيس الوزراء حين نشأ بين الإسكندريين ودرج على ساحلهم الجميل قد ملأ قلوبهم حبًّا لهم، وإعجابًا به فامتلأت نفوسهم ثقة وأملًا، وفخرًا، وكبرياء.

ورئيس الوزراء لهذا كله لم يكد ينضم إلى حزب الشعب أثناء تكوينه، ولم يكد الإسكندريون يعلمون بذلك، بل يتسامعون به، حتى استيقنوا أنَّ الحزب خير كله، وبر كله، وأملٌ كله، ونَجَحَ كله؛ لأنَّ رئيس الوزراء ينضم إليه، ورئيس الوزراء قد نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل؛ لذلك أقبل الإسكندريون على حزب الشعب إقبالًا وانهالوا عليه انهيالًا، وانثالوا إليه انثيالًا؛ لتجمع بينهم وبين رئيس الوزراء صلة النشأة في الإسكندرية والاضطراب على ساحلها الجميل من جهة، وصلات المبادئ الحزبية والتعاون على خدمة الوطن من جهة أخرى، ولتكون العلاقات بينهم وبين رئيس الوزراء كأقوى ما ينبغي أن تكون؛ لأنه نَشَأَ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل؛ فهم يثقون بشخصه الضعيف.

والضعيف هنا معناها القوي، والضعيف هنا معناها الجذاب، والضعيف هنا معناها الذي يسحر العقول، ويملك القلوب، ويستهوي الألباب. فإن الأشخاص الضعفاء بالمعنى الصحيح للكلمة لا يملأون قلوب الناس ثقة، ولا يشعرونها حبًّا وإكبارًا، ولكنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الخُطَباء البَارِعين يَسْتَعْمِلُون المجاز والاستعارة، ويقصدون بالألفاظ إلى أضدادها؛ فيقولون الضعيف وهم يقصدون القوي، ويعلنون التواضع وهم يُسرون الكبرياء، فإن لم يفعلوا هذا وتكلموا كما يتكلم الناس فليسوا بالخطباء البارعين، وإنما هم خطباء من الطبقة الثانية أو الثالثة كزياد والحجاج لا من الطبقة الأولى كميرابو وجلادستون.

رئيس وزرائنا إذن قد نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، فلمَّا انضم إلى حزب الشعب انضم معه الإسكندريون، ولما أُلِّفت الوزارة أو أُلِّفت له الوزارة ألَّفَها معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل!

وما دام الأمر كذلك؛ فلا ينبغي أن يأتي عملًا حتى يأتيه معه الإسكندريون، أحبَّ صدقي باشا فأحبَّه معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، وخاصم صدقي باشا فخاصمه معه الإسكندريون لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، ولما أقاله صدقي باشا من الوزارة أقال معه الإسكندريين.

ولما استقال هو من حزب الشعب استقال معه الإسكندريون ولما رجع إلى حزب الشعب رجع معه الإسكندريون؛ فالإسكندريون ظِلٌّ له لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

وما دام الأمر كذلك فسيتبعه الإسكندريون حيثما ذهب وأينما وُجِّه، سيقومون إذا قام، وينامون إذا نام، ويحكمون إذا حكم، ويستقيلون إذا استقال. أتظن أن في الأرض بيانًا يُشبه هذا البيان، وسحرًا يُداني هذا السحر؟!

ورئيس الوزراء غير محتاج إلى أن يتحدث إلى الإسكندريين؛ لأنه غيرُ مُحتاج إلى أنْ يتحدث إلى نفسه، فهو الإسكندريون والإسكندريون هو؛ لأنَّه نَشَأَ في الإسكندرية ودَرَجَ على ساحلها الجميل، ولكنَّ في البلاد قَومًا مُعَارِضِينَ يتهمون صمته ويَظُنُّون به الظنون؛ فهو إن تحدَّث فإنما يتحدث إلى هؤلاء المعارضين ليلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل، ويضطرهم إلى الاعتراف بما كتب الله عليهم من الهزيمة والخذلان. ولولا ذلك لما تكلَّمَ، ولما أضاع وقته ووقت الإسكندريين الذين يحبونه ويثقون به؛ لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

ورئيس الوزراء قادر على أن يُهمل المُعارضين، ويكتفي بالإسكندرية التي لا يُعارضه من أهلها أحد، لولا أن قلوب الرجال الطيبين كبيرة، عظيمة، واسعة لا تملؤها مدينة ولا سكان مدينة، مهما يكثروا فهو إذن يُحب الإسكندريين، ولكنه يُفكر في المعارضين، ويعنيه أن يَتَحَدَّثَ عنهم وأنْ يتحدث إليهم، وقد فعل.

والغريب أنَّ المعارضين ما زالوا أحياء لم تصعقهم الصواعق ولم تمحقهم المواحق بعد هذه الخطبة التي أَصْلَتْهم نارًا حامية، لا تُبْقِي بعدها باقية.

وما رأيك في رَجُلٍ نَشَأَ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل، وملك من ثقة الإسكندريين ما ينتهي به من القوة إلى أقصاها، ثم وقف يخطب في الإسكندريين ليمحق المُعارضين، فلم يبلغ مما أراد شيئًا؟! أليس هذا دليلًا على أننا في آخر الزمان، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها كما أن مفاوضات صدقي باشا كانت آتية لا ريب فيها؟!

ماذا؟! يقول رئيس الوزراء للمُعارضين إنه نهض بأعباء الحكم والظروف حرجة والأراجيف مطلقة، فكان من الحق عليه أن يطهر الجو؛ ولهذا لم يستطع أن يحل مشكلة من المشكلات، فيقول له المعارضون: ولكنك لم تطهر الجو، وإنَّما تركته يَزْدَاد فسادًا إلى فساد، تظهر فيه الفضائح إثر الفضائح، والمُخزيات إثر المُخزيات، وتَجْتَرِئ فيه الصحف والألسنة على الوزارة؛ فتسأل عن أعمال وأقوال كان ينبغي أن ترتفع الوزارات عن أن تسأل عنها.

ماذا؟! يقول للمعارضين إنه ماضٍ في مسألة الدَّيْن كما مضى صدقي باشا مُقاضيًا من ناحية، ومُفاوضًا من ناحية أُخرى، فيَقُول له المعارضون: وماذا كنتَ تُنكر على صدقي باشا إذن؟! وما الفرق بينك وبينه؟! وفِيمَ توليتَ الحكم مكانه ما دُمْتَ لا تزيد على أن تسير سيرته وتنفذ خطته؟!

ماذا؟! يقولُ للمُعارضين إنه سيحل مسألة الديون العقارية، ولكن لا بُدَّ له من الوقت ليلتمس الحلَّ الحاسم الذي لا يكلف الخزانة ما لا تُطيق، فيقول له المُعارضون: فأين هذا الحل الحاسم؟! ومتى أنت واصل إليه؟! وما سبيلك إلى تحقيقه؟! وما رأيك في أن المدينين مرهقون قد طال عليهم الأمد، وكاد يهلكهم الانتظار؟!

ماذا؟! يقص على المعارضين حكاية المحامين، فيقول له المعارضون: ولكن المحامين لم يذعنوا للقانون الذي أصدرته، وإنما أنكروه ورءوا أنْ لا طاعة لك عليهم فيه، تحدوا إنذارك فانتخبوا مكرمًا نقيبًا، وتحدوا قانونك فأبقوا مكرمًا نقيبًا، وأنت تنظر إليهم حيران لا تستطيع أن تتقدم، ولا تملك أن تتأخر، وأنت بهذا الموقف الشَّاذ الذي خلقته خلقًا، قد أطمعت الناس في السلطان، وشككتهم فيما ينبغي أن يكون له من الذكاء، والفطنة، والهيبة، والبصر بعواقب الأمور.

ماذا؟! يُريد أن يسكت، فيسأله المعارضون عن أزمة الزيارة للمندوب السامي ما خطبها؟ وكيف نشأت؟ وكيف حلت؟ ويسأله المعارضون عن قصة الكورنيش: ما خطبها؟ وإلى أين انتهت؟ وما موقف صدقي باشا منها؟ وماذا صنعت بالحق والعدل؟! وماذا صنعت بالقانون والدستور؟!

ويسألونه عن أشياء كثيرة لا يستطيع أن يُجيب عليها ولا أنْ يَقُولَ فيها؛ فيصدم المعارضين صدمة عنيفة، يظن أنها ستجعلهم رمادًا تذروه الرِّياحُ، ويُعْلِنُ إليهم أَنَّهم مُكَابِرُون وأَنَّه يحب المعارضة المنصفة، ولكن المعارضين يتلقون صدمته قاتمين باسمين، لم يُراعوا ولم يخافوا، ولم يأخذهم من صدمته شيء يُشبه الخوفَ أو الرَّوع، ثم يَنصرف بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة رَاضيًا مسرورًا؛ لأنَّه قال للإسكندريين إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

أتشك بعد ذلك في أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب خطيب من الطراز الحديث، لا يُشَبَّهُ بزياد أو الحجاج، وإنما يُشَبَّه بميرابو أو فلدك روسو أو درزائيلي أو جلدستون؟!

نستغفر الله! بل هو أبرع من هؤلاء جميعًا؛ لأنَّ واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن يقول إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل!

تواضع!
طه حسين
كوكب الشرق
١٩ مارس ١٩٣٤

أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ
السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى
اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ
تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا،
فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا
أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في
حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا
السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير
الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.

وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون،
أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما
نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه
إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي
له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر
مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل
أُلْغِيَ.

وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف،
فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين
الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي
لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها
أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع
الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان
عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان
الخيال.

وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه
الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام
صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة
واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه
الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء
الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم
مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه
الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على
إلغاء الامتيازات.

أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا
يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب،
بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات،
فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام
الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ
العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع
الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.

ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي
الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ
إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح
وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت
تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة
أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟

أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من
الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من
الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة
والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا
شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!

وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي
فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير
طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون
القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي
القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا
يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع
المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى
رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من
الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر
في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع
المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم
على تصريف الأمور.

والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم
المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء
الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ
لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان
بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع
المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء
الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.

أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة
القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر
على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى
الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading