Tag: political hypocrisy

  • استعادة العدالة: ديسمبر ١٩٣٤ | Restoring Justice: December 1934

    حديث الوادي
    قلق…
    ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
    فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
    وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا “الجهاد” قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
    لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
    فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
    كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
    وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
    فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
    إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
    ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
    إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
    نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
    طه حسين
    الوادي، 30 نوفمبر 1934.

    حديث الوادي
    المظلمة الكبرى. . .
    هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
    نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
    إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
    ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
    لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
    إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
    نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
    أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
    نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
    طه حسين
    الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة الصحافة . . .
    لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
    وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
    وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
    ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
    وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
    وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
    فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
    فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
    وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
    على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
    ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
    ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
    فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
    وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
    والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
    أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
    طه حسين
    الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    دعاة الفساد . .
    كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
    كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
    لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب

    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد “الذي” هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها “الجهاد”، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد “الذي” هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • أسرار الحكومة وأعصابها المهزوزة | State Secrets and Shaken Nerves

    حديث الوادي
    تضحية . . .
    والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
    أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
    ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
    ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
    لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
    فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
    طه حسين
    الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    وفاق. . .
    لست أدري لم يكلف الناس باختراع الإشاعات وإذاعتها، والترويج لها، وتعظيم أمرها، يلحون في ذلك إلحاحاً شديداً، حتى يملأوا بها الجو، ويشغلوا بها الناس، ويخيلوا إلى من سمع منهم أو تحدث إليهم أن الأمور قد فسدت كلها. فلم يبق فيها أمل لصلاح ينتظر، أو خير يرجى. على حين أن الأمور صالحة كأصلح ما تكون مستقرة، كأشد ما تكون استقراراً.

    ولست أدري – ولعل الفلاسفة يدرون – من أين تأتي هذه اللذة التي يجدها الناس في اختلاق الأنباء وانتحالها، من غير أن يكون هناك ما يدعو إلى الاختلاق والانتحال. وسواء أكان من اليسير أم من العسير تعليل هذا المرض الاجتماعي الخطير، فإنه أمر واقع، محقق، لا شك فيه، قد ابتلي به الناس جميعاً، ولكن حظ المصريين منه أعظم من غيرهم من الناس. فأنت لا ترى المصريين إلا وقد امتلأ جوهم بالإشاعات، ينتحلها لهم المنتحلون، ويختلقها لهم المختلقون، ويروج لها فيهم المروجون.

    والمصريون مشغوفون باختلاق الإشاعات وإذاعتها حول الوزارات، والوزراء، كأن المصريين قد فطروا على أن يضيقوا بالوزارة والوزراء، وعلى أن يتمنوا السقوط لكل وزارة، والاستقالة لكل وزير، فإذا أعجزهم أن يسقطوا الوزارات بالفعل، أو أن يحملوا الوزراء على الاستقالة، تمنوا ذلك ثم توقعوه. ثم خيل إليهم أنه كائن اليوم أو أنه كائن غداً في أكبر الظن، أو أنه كائن بعد غد من غير شك ولا ريب.

    ثم هم يتحدثون بذلك ويفتنون في الحديث، ويتعللون بذلك، ويفرقون في التعليل، فإذا انقضى اليوم ولم يكن ما تمنوا لم يؤنسهم ذلك من وقوعه، ولم يصرفهم ذلك عن انتظاره ولم يمنعهم ذلك من التحدث به والخوض فيه.

    وهم على هذا النحو قد ملأوا جوهم بالإشاعات في هذه الأيام عن الوزارة القائمة فزعموا أنها ضعيفة جداً، قد أصابها هزال أنحلها حتى كاد يجعلها ظلاً لنفسها، مع أنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، ومع أنها لم تكن في يوم من الأيام أضخم وأشد امتلاء مما هي الآن، ومع أن الهزال، والنحول، إن كان هناك هزال أو نحول، لم يصيباها هي، ولا يمكن أن يصيباها، وإنما أصابا غيرها من الناس.

    ومتى رأيت هزالاً أو نحولاً، يصيبان وزارة هادئة، مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تنعم بما لا تنعم به وزارة أخرى في أقطار الأرض، من الراحة في أوقات العمل ومن السعادة في أوقات الشقاء، ومن الترف في أيام الشظف، ومن الاطمئنان في أيام القلق والاضطراب؟ .

    وكيف تهزل الوزارة أو يدركها النحول، وهي مستقرة في الإسكندرية تغدو على الدواوين هادئة باسمة وتروح إلى الدور أو إلى القصور راضية ناعمة، وتحدث الأحداث الثقال من حولها، وتلم الخطوب الجسام فلا يبلغ ذلك منها، ولا يغير من سيرتها، ولا يخرجها عن راحتها، وإنما هي تمضي فيما هي فيه: من الغدو باسمة إلى الدواوين، والرواح ناعمة إلى الدور والقصور، ثم الاختلاف إلى مجالس السمر والحديث والفكاهة إذا أقبل المساء أو كان الليل؟

    فإذا اشتد وقع الحوادث وثقل إلحاح الخطوب ولم يبق بد من أن تظهر الوزارة شيئاً من العناية بهذه الحوادث والخطوب، حتى لا يقول الناس أنها نائمة أو لاهية، حين لا ينبغي نوم ولا لهو، أخذت من هذه العناية بأيسر حظ ممكن، وتكلفت في سبيلها أقل عناء ممكن، فخرج الأعضاء من راحتهم الكاملة الشاملة، إلى راحة تكاد تكون كاملة شاملة. يزورون المدن والقرى ولكن في سفن مترفة مريحة وعلى ظهر النيل الجميل، أو يقصدون إلى القاهرة، ولكن في حجرات خاصة، فإذا بلغوها، لم يقيموا فيها إلا ريثما يعودون إلى حيث يستريحون في ثغرنا الجميل.

    وزارة تحيا هذه الحياة وتستمتع بهذا النعيم، وتتكلف هذا الجهد اليسير لا يمكن أن يدركها ضعف ولا أن يصيبها هزال، ولا أن يمسها نحول، وإنما الممكن والمعقول أن تزداد قوة إلى قوة وضخامة إلى ضخامة، امتلاء إلى امتلاء، ولكن الناس مع ذلك مشغوفون بأن يزعموا أنها مريضة، وأنها مهزولة، وأنها ناحلة. يظنون أنها تتكلف من العمل والجهد ما يتكلفون هم إذا عملوا فيصيبها ما يصيبهم من الضعف والإعياء. وينسون أن الله قد خلقهم هم للشقاء، وخلقها هي للسعادة والنعيم.

    والناس يشيعون عن الوزارة أنها مختلفة متباينة الهوى، وأن أعضاءها مختصمون متنابذون لا يتفقون على شيء، ولا يلتقون عند شيء، ولا يجتمعون إلا كان بينهم الشر، ولا يفترقون إلا سعى بينهم الكيد. وهم يهولون في ذلك أشنع التهويل، وأبشعه، ثم يجزمون بأنه منتهٍ من غير شك إلى استقالة الوزارة أو إلى سقوطها إذا أبت أن تستقيل، وتستطيع أنت أن تبحث عن الأسباب التي تدعو إلى أن يختلف الوزراء أو يختصموا فلا تجد إليها سبيلاً، إنما يختلف الناس حين يعملون، وحين يجدون في العمل، وحين يحتملون الأعباء وحين ينهضون بالأثقال، وحين يواجهون الخطوب، وحين يحلون المشكلات، فإذا كانت حياتهم راحة وسعادة ونعمة لا لغو فيها ولا تأثيم، وإذا قضوا وجه النهار في مكاتبهم مطمئنين، وآخر النهار وأول الليل في دورهم وأنديتهم ناعمين، ففيم يكون الخلاف؟ وعلام يكون الخصام؟ وحول ماذا يشتد النزاع؟

    أما مشكلاتنا الكبرى الخارجية فقد تولاها الإنجليز، وقالوا للوزارة لا بأس عليك. وأما مشكلاتنا الكبرى الداخلية فقد تولت نفسها، وهي تحاول أن تنحل دون إجهاد للوزراء فتبلغ من ذلك ما تستطيع وتقصر عما لا تستطيع ولكنها لا تكلف وزراءنا على كل حال مشقة ولا عناء.

    وإذن ففيم يختلف الوزراء وعلام يختصمون؟ نعم إن طول الراحة قد يسئم وقد يثير شيئاً من الملل والضيق الذي يدعو إلى بعض الخصام، ولكنه خصام يسير، ولا يلبث أن يزول وأن يعود الأمر بعده إلى مثل ما كان، فإذا سمع الناس أن بين وزير المالية ورئيس الوزراء خلافاً، وأن بين وزير المالية وزملائه خلافاً، فلا يغلون في تقدير هذا الخلاف، فإنما هو أمر يسير لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان المزاح الظريف بين الأصدقاء الأصفياء، والأحباء الأوفياء.

    ولذلك لم أنكر من هذا التصريح الذي نشرته صحيفة وزارية صباح اليوم لرئيس الوزراء شيئاً. فقد أعلن الرئيس بلهجة حازمة حاسمة كلهجة وزير المالية حين يتحدث إلى الصحف، أن الوزراء على خير ما ينتظر لهم من الصفاء والوفاق يعملون لخدمة مصر، وأن كل ما يذاع عن اختلافهم كذب لا أصل له.

    صدق رئيس الوزراء ليس بين الوزراء خلاف، ولا شيء يشبه الخلاف إذ ليس هناك ما يدعو إلى أن يقع بينهم خلاف، وصدق رئيس الوزراء فالوزارة تعمل لخدمة مصر، وأي عمل أنفع لمصر، وأجدى عليها وأجدر أن نحسن به سمعتها من أن يستريح الوزراء ويراهم الناس آمنين هادئين، وناعمين وادعين، فيثبت لهم أن مصر بخير فلو لم تكن بخير، لما هدأ الوزراء ولا استراحوا.

    صدقني أيها القارئ العزيز لا يمكن أن تخدم مصر بمثل ما يخدمها به الوزراء الآن من هذه الحياة الجميلة، التي يحيونها في ثغرنا الجميل، وإن كنا نحن نحيا أقبح حياة في عاصمة كانت جميلة فأصبحت سمجة، وكانت الحياة فيها مطمئنة فأصبحت قلقة، تتراءى لها في كل لحظة أشباح المرض والموت.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٨ .

    حديث الوادي
    أسرار
    يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن، فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معاً. بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع، فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معاً. ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ، ولا مسرف، إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلاً تاماً، كأنها لا تعنيه، ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قوماً آخرين، ليس بينهم وبينه صلة أو سبب. فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شؤون الشعب المصري، بل حول شؤونه الدقيقة بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشؤون شيئاً، ولا يتبين منها قليلاً أو كثيراً.

    يقال له إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيأون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما ينتدب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعداداً للطوارئ، وانتظاراً للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئاً، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظاماً يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تبرم أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

    ومع هذا فالإنجليز يتهيأون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند، وهي إذن ستطرأ في مصر وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيأوا لها كما يتهيأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها، كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تكتم حتى على أصحابها، ويجب أن تخفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

    هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال إنه عصر حرية ونور وأن أمور الشعوب فيه لا تدبر من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال إن له نظاماً دستورياً، يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم إلا في بلد يسخر أهله للسلطان تسخيراً، ويحرم أهله الحرية حرماناً، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين، كما ينظر الرعاة إلى القطعان، يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها، لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

    هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب، فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون لا ينبغي لأحد أن يسألهم عما يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات، فقد ينبغي أن لا يجهل أمره ولا تكتم دونه الأسرار، ولا يقال له إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جساماً قد تحدث، ونوائب عظاماً قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها، ويتهيأ لها فنم أنت واغرق في النوم، وكل أنت وأسرف في الأكل، واستمتع أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يصب عليك من هم، وعش أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

    ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال وألح في تعرف الحقائق قيل له إن مندوب الإنجليز يزور الحدود فسأل عن زيارة الحدود هذه ما أصلها وما سرها، وما معناها، وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون، ولم تكون، وبأي حق تكون؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدين العام، وأمر المحاكم المختلطة، والامتيازات، دون الوزارة المصرية التي أنشئت لتعالج هذه المسائل لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك وألح في الالتماس، ولكن أحداً لم يجبه، ولكن أحداً لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

    فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن الوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعباً ضخماً كالشعب المصري يجهل أدق شؤونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

    كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائراً يسأل نفسه ويسأل الناس، عن مرافقه وعما يراد بها، وعن حقوقه وعما يدبر لها وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك أن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

    من الذي يستطيع أن يزعم أن شؤون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا راد لما يريدون.

    ألم يأن لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين فيرى الشعب المصري ما يراد به وما يكاد له، ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز، ولا الوزارة ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ وما قد يعرض من المفاجآت؟

    طه حسين
    الوادي، ٢٧/٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استعداد…
    لم تسجل المراصد بعد زلزالاً في الأرض، ولا اختلالاً في حركات الكواكب والنجوم، ولم تعلن مصلحة الطبيعيات بعد اضطراباً في الجو، ولا اختلافاً في حركات الرياح، وإذن فما زالت الطوارئ المنتظرة بعيدة، وإن بدت طلائعها، وكثر حديث الناس عنها، وما زالت أمام المصريين أيام يستطيعون أن يتنفسوا فيها ملء صدورهم، وأن يناموا فيها ملء جفونهم، وأن يأكلوا ويشربوا فيها ملء بطونهم، وأن يتحدثوا ملء أفواههم إن كان يعجبهم الحديث.
    على أن هناك مقدمة مزعجة، تكاد تنبئ بأن هذه الطوارئ إن لم تكن قد بلغت مصر، فلعلها قد دنت منها بعض الدنو. فقد تحدثت صحيفة من صحف الصباح، بأن موظفاً يسكن في شبرا فيما نظن ذهب إلى الشرطة فأنبأها بأن الأحجار والحصى تسقط في بيته، كأنها المطر الغزير إذا كان الليل، وإن هذه الظاهرة جديدة، طارئة، وأنه قد بحث عن مصدرها، فلم يعرفه، ولم يهتد إليه، وأنه يظن، بل يحقق أنها عفاريت تخرج من تحت الأرض إذا كان الليل، فتحدث في بيته كل هذا الاضطراب. وقد ابتسم رئيس الشرطة لهذا الحديث، وأرسل مع الموظف شرطياً يتبين الأمر، فلم يكد هذا الشرطي يصل إلى الدار ويستقر فيها حتى سقطت الأحجار، وتناثر الحصى واكفهر الجو، وخيل إلى الرجل أن الأرض قد زلزلت زلزالها، فطار إلى رئيسه خائفاً مذعوراً. والرئيس رجل مثقف، جريء حديد القلب، قوي العقل يعلم أن العفاريت كانت موجودة ولكن عصرها قد انقضى، وقد اضطرت إلى مفارقة البلاد المتحضرة، وانحازت إلى صحراء الأحقاف فهي تقيم هناك، في أطلال عاد، أولئك الذين بادوا منذ آلاف وآلاف من السنين.
    وإذن فهذا الرئيس المثقف لم يصدق صاحب الدار، ولا الشرطي، ولم يؤمن بأن أيدي العفاريت هي التي تنثر الحصى وتلقي الأحجار. وإنما استيقن أن هناك شياطين مكرة من الناس، قد دبروا هذا الكيد وأرصدوا لهذا الرجل المسكين يهدون إليه هذه الهدايا البغيضة المؤذية. ولابد له إذن من أن يستكشف هؤلاء الشياطين، ويقدمهم إلى النيابة، ثم إلى القضاء. وعلى هذا ذهب بنفسه إلى هذه الدار وهو محصن بما وعى من العلم، ولعله كان يتلو في نفسه بعض العزائم، ولعله كان قد تحصن أيضاً ببعض الطلسمات.
    ولم يكد يبلغ الدار ويستقر فيها، حتى انتشر الغبار وسقطت الأحجار، وانتثر الحصى انتثاراً، وأخذ صاحبنا يبحث ويبحث، وأخذ صاحبنا يستقصي ويستقصي لعله أن يجد شيطاناً من شياطين الإنس أو عفريتاً من عفاريت المصريين أو الأجانب المقيمين بمصر، ولكنه لم يجد أحداً. فعاد إلى دار الشرطة وسجل ما رأى في محاضره، والله يعلم ماذا ستتخذ الشرطة من الإجراء لترد عن هذا المصري شر هؤلاء العفاريت ولتحميه من عدوانهم، فالشرطة مكلفة حماية المصريين من الأذى سواء أصدر هذا الأذى عن الإنس أو عن الجن.
    ولكن المهم أن هذه الظاهرة الغريبة التي ظهرت في حي شبرا لم تظهر إلا في هذه الأيام بعد أن كثر حديث الناس عن الطوارئ التي يستعد لها الإنجليز ويتحدث عنها المصريون. فليس عندي شك ولا شيء يشبه الشك في أن هؤلاء العفاريت، قد قدموا من صحراء الأحقاف، نذيراً بمقدم هذه الطوارئ، وطليعة للحوادث الجسام التي قد تحدث بعد أيام. وأكبر الظن أن هؤلاء العفاريت كانوا أول جيش ضخم من الجن، سينتشر بعد حين في أقطار مصر، وأخشى أن يؤثر الاستقرار في دور الموظفين. فمن يدري لعل أنباء الأزمة قد سبقت إلى هؤلاء العفاريت فعلموا أن اليسر في هذه الأيام إن أتيح لأحد في مصر فقد أتيح للموظفين دون الزراع الذين فسدت زراعتهم والتجار الذين بارت تجارتهم، والصناع الذين كسدت صناعتهم. وإذن فلابد للموظفين من أن يستعدوا لهذه الطوارئ الغريبة التي ألمت بواحد منهم أمس أو أول أمس وتوشك أن تلم بهم جميعاً في الأيام المقبلة. وكيف يستعد الموظفون لهذه الطوارئ من العفاريت؟ لابد من تدبير الخطط، ووضع البرامج، ورسم المناهج، والاستعانة بآراء الفنيين من أصحاب العزائم والطلاسم، والبارعين في السحر، والقادرين على طرد العفاريت، أو حبسهم في القماقم، وإلقائهم في أعماق البحار…
    ولعل الموظفين، يحسنون إن دعوا إلى مؤتمر عام يدرس أمر هؤلاء العفاريت، ويلتمس أقرب الوسائل إلى دفع شرهم، واتقاء مكرهم والتخلص مما يضمرون من الكيد… مهما يكن من شيء فظهور العفاريت في مصر دليل على أن الأرض تدور،
    وعلى أن الأمور تريد أن تتغير بعد أن زهدت في الركود والاستقرار.
    وإذن فحديث الطوارئ صحيح، والاستعداد للطوارئ محتوم، وظهور العفاريت أصدق في الدلالة على قرب هذه الطوارئ من انتداب المستر بترسون للنيابة عن المندوب السامي. وإذن فكيف يكون الاستعداد لحماية البلاد من الخطوب الشداد التي يمكن أن تطرأ بها الطوارئ، وتأتي بها الحوادث والنائبات؟
    هنا يختلف الساسة، استغفر الله، بل يختلف الكتاب في الصحف، فيكثر بينهم الأخذ والرد، والجزر والمد، والدفع والشد، في غير نفع ولا غناء. فأي استعداد للطوارئ يراد من المصريين، ومن أي المصريين يراد هذا الاستعداد؟ من الوزارة؟ فالوزارة لا تملك شيئاً، ولا تقدر على شيء، قد سمعت قول بشار:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمراً ثم نم
    وقد نبهت عمراً ثم نامت، وعمر هو المندوب السامي إن شئت، أو بعض الإنجليز المقيمين في مصر إن أحببت. فخير استعداد تأتيه الوزارة لهذه الطوارئ هو أن نمضي في النوم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. من الشعب؟ فماذا يراد من الشعب؟ إن الشعب لا يبتغي ثورة، ولا يفكر فيها، ولا يراها وسيلة من وسائله إلى الحرية والاستقلال الآن، وإن الشعب يريد الاستقلال الصحيح في حياته الخارجية، ويريد الحرية الصحيحة الديمقراطية في حياته الداخلية، وينكر أشد الإنكار وأظهره كل ما يمس استقلاله أو يمس حريته، ويقاوم أشد المقاومة وأظهرها كل ما يراد به من تغيير الرأي في معنى الاستقلال، أو في نظام الحكم أو في أساليب السياسة. أظهر رأيه واضحاً جلياً منذ كانت الثورة، لم يتحول عنه ولم يتردد فيه، أيد رأيه بالعنف والتضحية بالأنفس والدماء حين أتيح له العنف والتضحية. ثم أيد رأيه بالصبر والثبات والحرص على المبدأ والاستقامة في المطالبة بالحق لم تصرفه عن ذلك محنة مهما تشتد، ولم تحوله عن ذلك فتنة مهما تعظم، أبلى في سبيل ذلك وزارات ووزراء، وأبلى في سبيل ذلك غير مندوب من ممثلي الإنجليز، وأبلى في سبيل ذلك محاولة الطغاة، وكيد الكائدين. فماذا يراد من الشعب، وماذا يطلب إليه، بل ماذا يراد من زعماء الشعب وقادته؟ إنهم يصورون أصدق تصوير وفاء الشعب لمبدئه وحرص الشعب على حقه، وإباء الشعب للضيم، وامتناع الشعب على ظلم الظالمين. يراد منهم ماذا؟ أن يساوموا؟ أن ينزلوا عن بعض الحق؟ أن يلينوا؟ أن يفرطوا في بعض الواجب؟ فإن حقوق الشعب لا تكسب بالمساومة، ولا تحفظ باللين ولا تنال بالتقصير والتفريط.
    وإذن فكيف يستعد الشعب وزعماؤه للطوارئ كما استعدوا لها دائماً وكما يستعدون لها الآن، وكما سيستعدون لها غداً؟ بالصبر على المكاره والثبات على المبادئ والإصرار على الحق، والمضي في المحافظة على الكرامة القومية، مهما تكن الطوارئ، ومهما تكن الخطوب.
    هذه هي خطة الشعب ليس له ولا ينبغي أن تكون له خطة أخرى، وهذه هي سبيل الزعماء ليس لهم ولا ينبغي أن تكون لهم سبيل أخرى، هم لا يرفضون حديثاً إن عرض عليهم الحديث، لا يرفضون بحثاً إن عرض عليهم البحث ولكنهم لا يساومون ولا يفرطون ولا يخافون.
    فمن شاء بعد ذلك أن يساوم فليساوم لحساب نفسه لا لحساب الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يلين فليلن في حق نفسه لا في حق الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يتعجل وأن يصل قبل أن يصل الناس، فإن الفرص قد تسنح، والظروف قد تتاح والمنافع قد تدنو من أصحاب المنافع، وإن في هذه الأبواب التي ستفتحها الطوارئ لمدخلاً واسعاً لمن يريدون الدخول، بعد أن طال عليهم الانتظار…
    طه حسين
    الوادي، ٢٨ / ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عقول . . .
    ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.
    عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤولها بعكس ما يجب أن تؤول به، وتعللها بأضدادها ونقائضها، لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة، ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج، لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف. وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ورأساً على عقب، أو عقباً على رأس.
    هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلاً عنهم أو تنكراً لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال، لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافاً، وأن يلون بأعظم الألوان تبايناً، ولاسيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.
    ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين، فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفاً وذعراً، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد، فالرجل لم يكن مواتياً ولا مسالماً أثناء إقامته في مصر. وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه. ويعرب -وما أقل ما كان يعرب- عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار بأن فلاناً سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشاراً للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.
    هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماساً لأسداس، وأسداساً لأخماس، فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم.
    ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات، وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين. وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشاراً منها في بيئات المعارضين. ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي ومن وزارة الخارجية في لندن أو حول وزارة الخارجية في لندن.
    وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئاً وقالت وزارة الخارجية البريطانية، وقالت الحوادث معها شيئاً آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جداً من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضاً. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.
    وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجأوا إلى الأماني والآمال. وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.
    وليس من شك بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون. ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أموراً كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.
    وكذلك أشيع ثم نشر في المقطم أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئاً. ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه المقطم أيضاً وانتقل الأمر من المقطم إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.
    وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين، وسيرة الوزارة. فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كباراً وصغاراً، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان، وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرأوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلاً عن تقصير الأجازة وإطالتها، وفضلاً عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رئاسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلاً مفاجئاً في غير سؤال، ولا حساب، ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلاً من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل. وهذه وزارة وتلك وزارة.
    وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا، ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل ولم يعلم من أمر ذلك شيئاً إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في الأهرام.
    ولا ينبغي أن تقول للوزاريين إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة وأن الإنجليز غير مصريين وأن تقاليد العزل، والفصل، والنقل، والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد. لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئاً من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطاني يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين، فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث. فمن يدري! لعل المندوب السامي إنما أطيلت أجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شؤون السياسة في مصر. ومن يدري لعل إطالة الأجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثراً. ومن يدري لعل الذين سعوا إلى إطالة الأجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر. وإذن فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضاً أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.
    فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز. وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف. وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا أجازته وأن ينيبوا عنه فلاناً دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه، وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون. وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير. ولكن ماذا تريد أن تصنع أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟ .
    مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعاً، هي أن المندوب السامي، قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي. فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم. ومن هنا يؤمن المصريون جميعاً بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه مضطرب كثير الاضطراب.
    فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.
    ألم أقل لك إنها عقول؟ . .
    طه حسين
    الوادي، ٣٠/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    خطر…
    هو هذا الذي تتعرض له القاهرة منذ أيام، ظهرت بوادره يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.

    وقد نوفق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن خطراً عظيماً، قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه، ولا يفلتون منه.

    فإذا بحثت عن مصدر هذا الخطر ذكرت الوزارة إهمال جماعة من الموظفين المسؤولين عن بعض الأدوات سؤالاً مباشراً، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقفت بعض هؤلاء المسؤولين عن العمل، ونقلت بعضهم إلى عمل آخر، وانتقصت نصف شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلت أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مضت تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.

    وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة، فيما اتخذت من إجراء، وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضاً، أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها وإسراعها في مواجهة الخطوب.

    ولكن من الحق على الوزارة أن تبين للناس أموراً تحتاج إلى البيان، فهؤلاء الموظفون الذين عوقبوا لم يهملوا إلا لأنهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاوناً عاماً، وتقصيراً شاملاً، وكسلاً مطبقاً، فتهاونوا فيمن تهاون، وقصروا فيمن قصر، وكسلوا فيمن كسل. وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وأن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحداً من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية. بعضهم يستريح في إجازة، وبعضهم يستريح في عمل قد ندب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين، على ساحل الإسكندرية الجميل. وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء، ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام، وهم يستريحون إذا أقبل الصيف، وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإنما يتاح لأصحابه، على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.

    ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضاً ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان، من دواوين الحكومة، في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس، ومرافقهم لأقبح الأخطار.

    وأخرى لابد أن تبينها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القطع، لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد، هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم.

    أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهداً على الأيام، بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد، ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة، وما تقدر عليه، من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب، فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء. إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يدفعوا إليها من لحظة إلى لحظة، دون أن يجدوا من يردهم عنها أو ينقذهم منها.

    كلا ليست هذه سيرة الحكومات التي تعرف معنى الحكم وتقدر واجباته وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب، أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار، التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.

    إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاح الفاسد، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم، ومن الجائز جداً أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة، إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن، وتبعة هذا الشر العظيم، لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عوقبوا أو سيعاقبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة، ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين، ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدوا العمل الذي يؤجرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يؤتمنون عليها.

    هؤلاء هم المسؤولون، وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يسألوا ولن يحاسبوا، ولن يغيروا من سيرتهم شيئاً، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية، حتى يعود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردد كبار الموظفين وصغارهم، بين القاهرة والإسكندرية، بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماساً للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء…

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إنقاذ…
    من حق الصحف الوزارية والصحيفة التي تعرب عن رئيس الوزراء خاصة، أن تحمد الله لأنها غير مقروءة ولا واسعة الانتشار كما يقولون؛ فلو أن الناس يقرأون ما تنشر لهم هذه الصحف من السخف، وما تحاول أن تذيع فيهم من لغو الحديث، لما حُمدت عاقبة ذلك ولا اطمأنت إليها.
    فالقراء المصريون يمقتون الصحف التي لا ترضيهم ويزدرون الكتاب الذين لا يصورون آراءهم ولا يخدمونهم في خلاص ونصح، وهم يكتفون بالإعراض عن هذه الصحف، والانصراف عن هؤلاء الكتاب، ولكنهم فيما نعتقد لا يقبلون ولا ينبغي لهم أن يقبلوا أن تسخر منهم الصحف، وأن يعبث الكتاب بعقولهم ومصالحهم إلى هذا الحد المنكر الذي انتهت إليه صحف الوزارة.
    هذه صحيفة من هذه الصحف، تهنئ الوزارة صباح اليوم لأنها أنقذت مصر من خطرين داهمين، أنقذتها من خطر الفيضان، وأنقذت عاصمتها من خطر المجاري.
    وهذه الصحيفة لا تكتفي بتهنئة الوزارة والإغراق في الثناء عليها، ولكنها تنال خصوم الوزارة باللوم العنيف؛ لأنهم لم يعينوا الوزارة ولم يهدئوا الناس حين ألمَّ الخطب، كما أنهم لم يحمدوا للوزارة بلاءها ولم يعرفوا لها جهودها، ولم يسجلوا لها الفضل تسجيلاً بعد أن انكشف الضر، وأمن المصريون على الأنفس والأموال، وعلى الصحة بوجه عام.
    نعم هذا كلام يكتب في بعض الصحف، ويستطيع الذين يكتبونه أن يطمئنوا إلى أنفسهم، ويستريحوا إلى ضمائرهم وينظروا إلى وجوههم في المرآة. وقد نفهم ألا يستخزي الذين يكتبون هذا الكلام عن لقاء الناس، فهم عند الناس أبرياء لأن الناس لا يقرأون ما يكتبون ولا يعلمون بما يهذون به، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه ولا أن نسيغه هو أن تطيب الراحة والطمأنينة إلى النفس والضمير لقوم يبيحون لأنفسهم هذا العبث بالعقول، هذا الضحك على الأذقان؛ لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يرضوا هؤلاء الذين يمكنونهم من أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع.
    كثير على مصر حقاً أن يكون بين أبنائها من يزعم لها أن الوزارة القائمة خليقة بالثناء لأنها أنقذت القاهرة من خطر المجاري، وردت عن أهلها هذه الجلود البشعة التي يثيرها هذا الخطر فيفسد بها الجو، ويملأ بها الهواء ويلوث بها الماء ويسلطها على نفوس الأبرياء.
    كثير على مصر حقاً أن يستطيع بعض أبنائها أن يزعم لأهل القاهرة أن الوزارة قد أنقذتهم من هذا الشر، وهم يرونه بأعينهم ويحسونه بأنوفهم، ويضطربون له إذا أصبحوا، ويأرقون له إذا أمسوا، ويحيون حياة كلها تنغيص إن خرجوا من دورهم أو استقروا فيها، على حين ينعم الوزراء بالحياة الهادئة المطمئنة، وبالترف الناعم اللذيذ، في ثغر الإسكندرية الجميل.
    كثير جداً على مصر أن يوجد بين أبنائها من يمجد المقصر وهو مغرق في التقصير، ويحمد المتهاون وهو غارق في التهاون، ويطلب من المصريين البائسين أن يرضوا عن وزرائهم المقصرين، وألا يكتفوا بالرضى وإنما يضيفون إليه الحمد والشكر والثناء، ومن يدري لعلهم يطلبون إلى المصريين غداً أن يقيموا الصلاة في المساجد والكنائس، يضرعون فيها إلى الله أن يزيد الوزراء نعمة على نعمة، وترفاً إلى ترف، لأنهم أنقذوا أهل القاهرة من الشر، ودفعوا عن حياتهم وصحتهم كل مكروه.
    يجب أن يكون المصريون قد هانوا على هؤلاء الكتاب حقاً، أو أن يكون هؤلاء الكتاب قد هانوا على أنفسهم حقاً، فليس من الممكن أن يصدر هذا العبث بالعقول عن هؤلاء الناس إلا إذا كانوا قد هانوا على أنفسهم فهم لا يقدرون حياء، أو هانت عليهم أمتهم فهم لا يرجون لها وقاراً.
    أنا لنحرص أشد الحرص على حمد الوزراء والثناء عليهم، فضلاً عن تشجيعهم وتسجيل الفضل لهم، ولكننا نحب أن نرى لهم فضلاً يستحق التسجيل، وبلاءً يستوجب الثناء، وغناءً يستحق الشكر والتقدير. نحب على أقل تقدير أن نشعر بأنهم يشاركون الناس فيما يلقون من خطب، ويألمون معهم بما يحتملون من عناء، ويشاطرونهم بعض ما يلم بهم من الشقاء، يجب أن يشعر الناس بأن الوزراء المصريين يشقون مع المصريين ويألمون معهم، نحب أن يعلم الناس أن أهل القاهرة لم يتركوا لما يلم بهم من الخطر يشقون به وحدهم، ويشفقون منه وحدهم، وإنما أقبل الوزراء وكبار الموظفين فأقاموا معهم، وشاركوهم في احتمال ما يحتملون، وقد خفت وطأة الصيف واعتدل جو القاهرة لولا هذا الهواء الموبوء الذي أفسدته المجاري. فليظهر الوزراء لنا مشاركتهم للمصريين وإخلاصهم في هذه المشاركة وحرصهم على أن يؤدوا الواجب؛ لا نقول الواجب الوطني العام، بل نقول واجب منصبهم الخاص، فيسرعوا إلى المنكوبين فيقيموا معهم. نحب أن نرى هذا لنعرف أن الوزراء منا، وإننا منهم، وأنهم يألمون لآلامنا، ويشقون لشقائنا، ولكن ماذا نرى؟ نرى الوزير المختص يزور القاهرة لماماً، ونرى رئيس الوزراء يقضي في القاهرة ساعات، ونرى الوزراء الآخرين يشفقون من القاهرة إشفاقاً، ويعرضون عنها إعراضاً، نستغفر الله، بل نرى مدير مصلحة الصحة نفسه مقيماً في الإسكندرية لا يبرحها، يشرف على القاهرة من بعيد، ويحمي حياة أهلها بالتليفون، ثم يطلب إلى خصوم الوزارة أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الناس فيزعموا أن القاهرة قد أنقذت من الخطر، وأن يضللوا أنفسهم ويضللوا الناس فيسجلوا للوزراء فضلاً لم يتح لهم وعملاً لم يقدموا عليه، ثم يثنوا بعد ذلك على الوزراء، ويقدموا إليهم من الزهر طاقات وأكاليل.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة يلاحظون في ألم لاذع أن وزراءهم ينعمون بالهواء الطلق والنسيم العذب والحياة الحلوة والبحر الجميل والترف الذي لا حد له، على حين يشقون هم بما لا ينبغي أن يشقى به أحد في هذا العصر وفي بلد متحضر تنيف ميزانيته على الثلاثين من الملايين وتجبى فيه الضرائب في غير رفق ولا هوادة، ويزعم حكامه للناس أنه قد بلغ من الرقي ما بلغه غيره من أهل البلاد الراقية المتحضرة من وراء البحر.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة لا يصدقون أنهم يشاركونهم حقاً في محنتهم ويرثون لهم حقاً مما ألم بهم من الخطب، وإنما هم يعتقدون أن الوزراء لا ينظرون إلى هذه المحنة الخطيرة على أنها كارثة وطنية أو هم لا يستطيعون أن يتصوروا كارثة وطنية، وإنما هي أوامر تصدر، وأموال تعتمد، وأوراق تمضي، واعتقاد بعد ذلك بأن الواجب قد أُدّي وبأن من أدى الواجب خليق أن يستمتع بالراحة والترف والنعيم.
    ما هكذا يؤدي الوزراء واجبهم في البلاد المتحضرة التي تقدر فيها كرامة الإنسان، وتحفظ فيها حقوق الشعب، وترعى فيها حرمات الحياة.
    لقد نشرت الصحف أن رئيس الوزراء كان يريد أن يذهب إلى دمياط في سفينة تترجح به على ظهر النيل، ثم بدا له فأرجأ هذه الرحلة، فظن الناس أنه سيأتي إلى القاهرة مع زملائه ليقيموا فيها ويشرفوا من كثب على ما يتخذ لإنقاذها من الإجراء، ولكنهم لم يلبثوا أن تبينوا أن رئيس الوزراء وزملاءه مقيمون في الإسكندرية لا يريمون، شهد بعضهم مأدبة نائب المندوب السامي يوم الأربعاء، وسيشهد بعضهم الآخر مأدبة أخرى يوم الثلاثاء، وسينتظر الباقون منهم مأدبة ثالثة يدعون إليها في يوم ثالث، وأهل القاهرة يشقون بهذه الأشباح التي تضطرب في جوهم حين يصبحون وحين يمسون، أشباح الوباء وما يستتبعه الوباء، كلا، لا ينبغي أن تطلب صحف الوزارة إلى خصوم الوزارة أن يسجلوا للوزراء فضلاً أو يحمدوا للوزراء بلاءً، وإنما ينبغي أن تقول هذه الصحف للوزراء ولكبار الموظفين ولمدير مصلحة الصحة: «ليس لكم في الإسكندرية مقام، وإنما مقامكم وأعمالكم وواجباتكم في القاهرة بين أهلها المنكوبين، فأسرعوا إلى العودة من مصيفكم، فقد يظهر أن الحياء يحرم عليكم أن تنعموا الآن بالاصطياف».
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلوم . . .
    هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب، فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثى له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية. ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء.

    فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همّاً وحزناً، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناءً ونصباً.

    ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تذلل، والمشكلات التي لا تريد أن تحل. فهو مظلوم حقاً، وأصدقاؤه والعاطفون عليه، والراثون له، معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    تستطيع أن تحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات -بل في بعضها- ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعوراً بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالاً للأثقال. صمت وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع؛ إن سكت تساءل الناس فيم يفكر، وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب روعاً واضطربت النفوس هلعاً، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان؛ إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرؤوس، وأذن مؤذن في الملاك والزراع، وفي الدائنين والمدينين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهول، وأقبلت ساعات الروع، فهلم إلى رئيس الوزراء، لعله يشفى الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجاً من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفى داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجد مخرجاً، ولا يزيل حرجاً. وإنما يسمع ويسمع، ويجد ألم الصداع ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزراع وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة فيما يرى، نامية موفورة الثمرات.

    يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله، لتعلم أن رئيس الوزراء مظلوم حقاً، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أن رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئاً من ذلك لا يثير في نفسه رحمة، ولا هوادة، ولا إشفاقاً، وإنما يمضي فيما يقول، لا فيما يعمل، فيزيد رئيس الوزراء تعباً إلى تعب، وحرجاً إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للملاك والزراع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماض في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يعفي أحداً، ولا يسمع كلاماً في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد، ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف، إن الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

    ألست ترى معي أن رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به، ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة ويثير له في كل يوم غباراً يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يقصي أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذاً من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حساباً لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية، فرئيس الوزراء مضطر إلى أن يحتمل، مكره على أن يذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟». وكان المنتظر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقاً بالرئيس، ورعاية له، وعطفاً عليه. فالقيسي باشا رجل هادئ، وإن كان حازماً، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

    وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من هم وغم، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة. ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وسعه الاحتمال، ويرجئ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خيل إلى الناس أن أمر الصحفيين قد كاد يستقر تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها، بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذم الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردد ولا وجل أن الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أن تمتاز بتشريع عنيف.

    وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة، فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلاً أنها تخاف الأجانب وتزدرى المصريين وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أن رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول فيه ما قاله موليير: (يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟).

    رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحداً لم يظلمه. وإنما هو الذي يظلم نفسه، فقد كان يستطيع ألا يذهب إلى السفينة حين دعي إليها، وقد كان يستطيع وما زال يستطيع ألا يقيم في السفينة حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مضنية، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذب الظلم، ويستلذ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيراً من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إن من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

    طه حسين
    الوادي، ١٩/٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فقط . . .
    كلمة لا نحبها، ولكننا مع ذلك مضطرون إلى اصطناعها لأن الأهرام قد اصطنعتها صباح اليوم حين أذاعت في الناس نبأ الوليمة التي أقامها نائب المندوب السامي مساء أمس، ودعا إليها رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، أو وزيري المالية والداخلية «فقط».
    فهذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عنايتنا من هذا النبأ، ونرجح بل نكاد نؤكد أن هذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عناية غيرنا من الذين قرأوا الأهرام صباح اليوم. فقد علم الناس جميعاً منذ أيام أن نائب المندوب السامي سيدعو رئيس الوزراء إلى الطعام، ثم اختلفت الروايات التي أذيعت في الناس، فزعم بعضها أن رئيس الوزراء سيشهد المأدبة وحده ليكون الحديث بينه وبين نائب المندوب السامي حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه، كما كان الحديث بين وزير المالية ونائب المندوب السامي، حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه حين سبق وزير المالية غيره من الزملاء حتى الرئيس إلى طعام نائب المندوب السامي.
    وزعم بعضها أن الوزراء جميعاً سيشهدون هذه المأدبة مع الرئيس، إلا وزير المالية لأنه سبقهم جميعاً إلى الطعام على هذه المائدة الممتازة، وأكبر الظن أن هضم ما سبق إليه من غداء أو عشاء، يحتاج إلى وقت طويل لا يسمح له باستئناف الغداء أو العشاء مع زملائه الوزراء. وأكبر الظن أن وزير المالية رجل يحب الأناة والهدوء وفراغ البال والبعد عن الرقباء والاحتجاب عن العذال، لا يسيغ الطعام إذا كثرت المشاركة فيه، وإنما يستلذه ويسيغه ويجيد هضمه والانتفاع به، حين يخلو إلى من يحب دون أن يكدر عليه صفو الخلوة زميل أو غير زميل.
    وهو من أجل ذلك في أكبر الظن قد خلا إلى المندوب السامي بالأصالة في الصبرية، كما خلا إلى المندوب السامي بالنيابة في الإسكندرية لم يشاركهما في إحدى المأدبتين وزير أو من يشبه الوزير.
    وكذلك تردد الناس في مأدبة أمس وفيمن يحضرها: أتقصر على رئيس الوزراء أم تشيع بينه وبين زملائه جميعاً أم يستثنى منهم وزير ماليتنا العظيم، وأخذ الناس يعللون كل فرض من هذه الفروض ويقلبونه ظهراً لبطن، ويستخرجون منه ما يحتمل وما لا يحتمل من المعاني، ويحملونه ما يطيق وما لا يطيق من الأحلام والأوهام.
    وإذا الأهرام تنبئهم صباح اليوم بهذا النبأ وتضع لهم فيه هذه الكلمة التي لم توضع عبثاً ولم ترسل سدى وإنما وضعت لمعنى تدل عليه وغاية يريدها الكاتب.
    فما عسى أن يكون هذا المعنى؟ وما عسى أن تكون هذه الغاية؟ أول ما يفهم من «فقط» هذه أن كثرة الوزراء لم تشهد المأدبة ولم تدع إليها، وليس من شك في أن نائب المندوب السامي لم يعرض عن دعوة الوزراء الذين لم يدعهم بخلاً بالطعام، أو إيثاراً للاقتصاد، فهو أكرم من ذلك وأسخى، وهو يعلم من غير شك كيف يضع الاقتصاد في موضعه، وليس من شك أيضاً في أنه لم يعرض عن دعوة الوزراء زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم العذبة وفكاهاتهم الحلوة، وخواطرهم الرائعة وآرائهم الناضجة، فهو رجل مثقف وهو إنجليزي وهو من كبار وزارة الخارجية البريطانية وكل هذه خصال من شأنها أن تحبب إليه وزراءنا الأفذاذ والانتفاع بجدهم حين يجدون، والاستمتاع بفكاهتهم حين يهزلون.
    ومن وزرائنا والحمد لله، من يجد فيحسن الجد، ومن يتندر فيحسن التندر: منهم الفقيه الفذ كوزير التقاليد، ومنهم الشاعر الفحل كوزير الأوقاف، ومنهم من يتقن أمور الزراعة، ومنهم من يحسن ضبط النيل وحماية القاهرة من أخطار المجاري، ومنهم من يحسن الكلام في المرافئ والثغور، وفي ماضي المشروعات الكبرى ومستقبلها، وما أدت إليه، وما يمكن أن ينتظر منها؟
    وكل هؤلاء يجيد الحديث في هذا كله، ومن المحقق أن في الاستماع له ما يمتع رجلاً مثقفاً سياسياً كنائب المندوب السامي، وإذن فهو لم يعرض عن دعوة الوزراء إلى مأدبة أمس زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم، وإذن فما كلمة «فقط» هذه؟ وما معناها؟ وما بال الدعوة لم تعم الوزراء، وإنما خصت ثلاثة منهم؟
    يقول قائلون إنما كانت الدعوة خاصة لما بين وزير المالية ورئيس الوزراء من مظاهر الخلاف في هذه الأيام، ومن مظاهر خلاف يراه الناس شديداً ويجدون فيه تمرداً أو شيئاً يشبه التمرد، وتحدياً أو شيئاً يشبه التحدي، فآثر نائب المندوب السامي أن يكون واسطة خير بين المختلفين، ورسول صلح بين المختصمين، وأن يستعين بوزير الداخلية اللبق البارع على محو الخصومة أو تخفيفها وإزالة الخلاف أو تقريب آماده، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد كله أو بعضه واطمأن إلى أن الأمر بين رئيس الوزراء ووزير المالية يمكن احتماله، ويستطيع أن ينتظر موعد التغيير، الذي لا يدعه دون أن يحدث أزمة عاجلة سابقة لأوانها الموقوت لها، أمكن أن يدعى الوزراء جميعاً إلى مأدبة عامة يتصل فيها جد الكلام وهزله، ولا يحتاج فيها إلى التحدث في السياسة وشؤون السياسة، ودقائق الأمور.
    كذلك قال الناس، وهم الآن يتساءلون أوفق نائب المندوب السامي ووزير الداخلية إلى إصلاح الأمر أم لم يوفقا؟ أما نحن فلا نصدق من هذا كله شيئاً لأننا لا نعرف أن هناك خلافاً بين وزير المالية ورئيس الوزراء، وإنما نعرف بل نؤكد أن الوزراء يتعاونون في وفاق كامل شامل كما صرح رئيس الوزراء منذ أيام. ورئيس الوزراء صادق إذا قال، فالوزراء متفقون، والوزراء متضامنون والوزارة ثابتة مستقرة، لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأحاديث الأزمة، والطوارئ والتعديل، هذا لغو في لغو، وإذن فما كلمة (فقط) هذه وما معناها ولم اقتصرت دعوة نائب المندوب السامي على ثلاثة من عشرة بين الوزراء؟
    سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا الراسخون في العلم، والراسخون في العلم الآن أربعة: نائب المندوب السامي ورئيس الوزارة وزميلاه. قل من شئت منهم ينبئك النبأ اليقين، ولكن أترى أحداً منهم يجيب إن وجهت إليه السؤال؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ / ٩ / ١٩٣٤.

  • استقبال الحاكم بالنيابة: زيارات وتفتيش | Entertaining the High Commissioner: Visits and Inspections

    حديث الوادي
    هتاف . . .
    وكنا نريد أن نتخذ الصبريات عنواناً لهذا الفصل فهو متصل بصبري بك وزير المالية، وبصبريته التي دعا إليها المندوب السامي يوم الأربعاء . ولكن الأمر لا يحتمل الفكاهة، ولا يبيح المزاح . وهل الصبريات إلا عنوان الفكاهة والمزاح ؟ الأمر أشد خطراً، وأبعد أثراً من كل ما أخذ به وزير المالية، منذ تولى الحكم إلى الآن، لأنه لا يمس منفعة من المنافع التي قد يختلف فيها الرأي، ويتعرض الناس في تقديرها وتدبيرها للخطأ وللصواب . وإنما يمس الضمير المصري كله، ويمس الكرامة المصرية كلها، ويمس الشعور الذي يجب أن ينبث في كل قلب مصري بأن هذا البلد كريم على نفسه، فيجب أن يكون كريماً على الناس، وبأن هذا البلد مخاصم للإنجليز حتى يتم الاتفاق بينهم وبينه، على ما يفسد أموره من خلاف .
    نعم، الأمر أجل خطراً وأبعد أثراً، من قصة الدين العام، ومن قصة الدين العقاري، ومن قصة الاستبدالات ومن قصص النقل والعزل، والإيثار والمحاباة، لأن هذه القصص كلها تمس المنافع العامة التي يختلف فيها الرأي كما ألممنا بها، والتي مهما تعظم الخسارة فيها، فهي خسارة موقوتة محددة يمكن أن تحتمل، ولو على مضض، ويمكن أن تعالج ولو في مشقة وجهد وعناء . ولأنه أمر الاستقلال المصري كله، وأمر العزة المصرية كلها، وأمر هذا الجهاد الوطني الذي احتمل المصريون أثقاله، وشقوا بآلامه، وضحوا فيه بالأنفس والأموال منذ أكثر من نصف قرن .
    شهوة من الشهوات ثارت في نفس وزير من الوزراء، أو ثارت في نفس ممثل أجنبي لدولة أجنبية، فأراد الوزير أن يدعو المندوب السامي إلى أن يزور قريته، أو أراد المندوب السامي أن يدعوه الوزير لزيارة هذه القرية . فما ينبغي أن تكون هذه الشهوة الفردية وسيلة إلى تحميل مصر ما لا ينبغي أن تحتمل، وتكليف الشعب ما لا ينبغي أن يتكلف، وإغراء الشعب بما لا ينبغي أن يغرى به، ودفع الشعب إلى ما لا ينبغي أن يدفع إليه .
    ما هذه الجموع التي حشدت للمندوب السامي تستقبله منذ هبطت طيارته إلى الأرض متى وصل إلى دار الوزير هاتفة مصفقة، مظهرة الإعجاب والإكبار وتردده منذ خرج من دار الوزير إلى أن وصل إلى طيارته، هاتفة مصفقة مظهرة الإعجاب والإكبار . فيم هذا كله ؟ ولم هذا كله ؟ ولمن هذا كله ؟
    أيكفي أن يشتهي الوزير أن يزوره المندوب السامي، أو أن يشتهي المندوب السامي زيارة الوزير، ليحشد المصريون ويهتفوا ويصفقوا، ويظهروا لممثل الدولة البريطانية التي تظلمهم أنهم راضون عن ظلمها، والتي تعتدي على استقلالهم أنهم مغتبطون بعدوانها، والتي تحملهم على شر ما تحمل عليه الأمم من الحياة أنهم راضون عن سيرتها فيهم ؟ أيكفي أن يشتهي الوزير أن يشرفه المندوب السامي بزيارته ليحشد المصريون فيظهروا ما لا يشرفهم، ولا يشرف الوزير، ولا يشرف مصرياً مهما تكن منزلته، ومهما يكن مقامه بين المصريين ؟ إحدى اثنتين، إما أن تكون أنباء هذا الهتاف والتصفيق، وأخبار هذه التحيات وهذا الإعجاب صادقة وإذن فهي خزي للذين اقترفوها، وإذن فهي إثم على الذين أغروا بها، ودفعوا إليها، ورغبوا فيها، وإذن فهي استهانة بكرامة الشعب وتفريط في حق الشعب، وتعويد للشعب أن يكون ذليلاً مهيناً . وإما أن تكون هذه الأنباء كاذبة لا أصل لها، مختلقة لا تصور الحق وإذن فالسكوت عليها إثم، والصمت عن إذاعتها جناية على كرامة مصر، ولمتهان لعزة المصريين . ومن حق الذين لم يأثموا بتكريم المندوب السامي ولا بالصمت عن هذا التكريم أن يعرفوا كيف وقع هذا الإثم، وأن يتبينوا وجه الحق فيه . من حق المصريين جميعاً على وزير المالية، وعلى مدير الغربية أن يعرفوا هل اجتمع المصريون كما نشرت المقطم أول أمس فحيوا المندوب السامي وودعوه بالهتاف والتصفيق، وبإظهار الإعجاب والإكبار . أم هل اخترعت هذه الأنباء اختراعاً، واختلقت اختلاقاً ؟ فإن تكن الأولى فمن الحق على وزير المالية أن يألم فيما بينه وبين نفسه، وأن يندم على هذه الفرصة التي هيأها لأنها ليست من الفرص التي تشرف مهيئيها وتملأ نفوسهم وقلوبهم عجباً وتيهاً . وإن تكن الثانية فمن الحق على الوزارة أن تكذب هذه الأنباء، وأن تسأل الذين أذاعوها من أين استقوها وكيف أباحوا لأنفسهم إذاعتها، دون أن يستوثقوا بأنباء الحق الذي لا شك فيه .
    لقد ضج المصريون من زيارات اللورد لويد للأقاليم وثارت لذلك ثائرة البرلمان، فماذا نرى الآن، نرى الوزراء يهيئون لزيارات المندوب السامي للأقاليم ويخلقون الفرص التي تصل بينه وبين المصريين، والتي تشعره بأن المصريين يكبرونه، ويعجبون به، وينتظرون منه الخير . هذا كثير على بلد يطالب بالاستقلال، ويعتقد وزراؤه أنهم مستقلون .
    ما أجدر المصريين أن يفكروا، وأن يسألوا ضمائرهم، فقد يظهر أن هذه الضمائر في حاجة إلى أن يلح عليها في السؤال . إذا أراد رئيس الوفد أو عضو من أعضاء الوفد أن يزور مدينة أو قرية، أو يطوف في إقليم من الأقاليم حيل بينه وبين ذلك بالشرطة والجند، والقوة المسلحة، وفتح الجسور، وحفر الخنادق وإقامة العوائق . وإذا أراد المندوب السامي أن يزور قرية من القرى في إقليم من الأقاليم مهدت لطيارته الأرض تمهيداً، بأموال الدولة وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب، ثم جمع له المصريون يستقبلونه ويودعونه بالهتاف والتصفيق .
    كأن رئيس الوفد وأعضاء الوفد هم خصوم مصر والغاصبون للاستقلال فلا ينبغي أن يراهم الشعب، ولا أن تتصل أسبابهم بأسبابه، وكأنما المندوب السامي هو منقذ مصر من كل شر، وحاميها من كل عدوان، والذي حفظ عليها استقلالها، ورد إليها كرامتها، وقال لأبنائها كونوا أعزاء فأصبحوا أعزاء !
    يا لسخرية القضاء ويا لعبث الأيام ! والوزراء المصريون هم الذين يهيئون لذلك، ويخلقون له الفرص ! إن المجاملة لأهون من هذا كله، إن السلطان لأهون من هذا كله، إن حياة الأفراد ومنافعهم لأهون من هذا كله . كيف لا يفكر الوزراء في هذا ولا يسألون عنه ضمائرهم ؟
    يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! إن الناس يتحدثون بأن وزراء آخرين قد يهيئون لمثل ما هيأ له وزير المالية فيزورهم المندوب السامي في أقاليمهم، ويومئذ تمهد الأرض لطيارته تمهيداً بأموال الدولة، وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب الذي سفك دمه في المطالبة بالاستقلال، حتى إذا هبط المندوب السامي ممثل الدولة الغاصبة للاستقلال، استقبله مصريون بالهتاف والتصفيق، وودعه مصريون بالهتاف والتصفيق .
    وتحدث الناس بعد بأن الوزير سعيد يبسم له المستقبل، ويضحك له الأمل، أليس قد زاره المندوب السامي البريطاني ؟ يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! أهانت كرامة مصر وحقوقها إلى هذا الحد على المصريين ؟ . . .
    طه حسين
    الوادي، ٢١ يوليه ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    زيارة…
    ولابد من العودة إلى هذه الزيارة التي انتقل لها المندوب السامي إلى الصبرية يوم الأربعاء، ليشارك وزير المالية في الطعام والشاي فيما قبل، وليرى المصريين في الريف، ويراه المصريون كذلك فيما قيل أيضًا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة لأن حديثها فيما يظهر لم ينقض بعد، ولعله لا يريد أن ينقضي، وإن كانت الصحف على اختلافها لا تريد أن نقدرها قدرها، ولا أن توفيها حقها من التفسير والإنكار، مع أنها من أهم الأحداث التي تمس الكرامة المصرية والشعور الوطني مسًا مؤلمًا حقًّا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة، فقد يظهر أن بعض الجهات كما تقول الأهرام صباح اليوم، قد فطن آخر الأمر إلى أنها تستحق التفكير، وتحتاج إلى التفسير، وتدع إلى السؤال الكثير. وكان المعقول لو أن الأمور تجري في هذا البلد على ما يريد المعقول، أن تكون الفطنة لهذه الزيارة، والسؤال عما ستأخذه من الأشكال، وما سترمي إليه من الأغراض، وما ستنتهي إليه من النتائج قبل وقوعها لا بعده. ولكن المثل الفرنسي يقول: «رب تأخر خير من الامتناع».
    والناس يتحدثون بأن هذه الزيارة قد كانت الأولى، ولم تكن الأخيرة، وكانت المقدمة، ولم تكن الخاتمة، وبأن جماعة من الوزراء كانوا يريدون، أو كان يراد منهم، أن يسلكوا مسلك وزير المالية، وأن يظهروا ما أظهره صبري بك، من أن المصريين كرام حقًّا، يعرفون كيف يضيفون كبار الناس، وكيف يهيئون لهم أحسن الاستقبال.
    فإذا صح ما روته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات من بعض الجهات، فقد يكون في هذه الملاحظات المتأخرة ما يصرف الوزراء أو الذين قد يسعون عند الوزراء عن أن يذهبوا مذهب زميلهم النابغة الفذ والعبقري العظيم، وإذن فقد لا تحتاج الدولة إلى أن تمهد الأرض على حسابها في بعض الأقاليم لطيارة المندوب السامي، وقد لا يحتاج أهل الريف إلى أن يحشدوا ليستقبلوا المندوب السامي ويودعوه بالهتاف والتصفيق. وقد لا يحتاج المندوب السامي نفسه إلى أن يستعين بالوزراء على
    أن يسعى إلى أهل الريف في أماكنهم ويتفقد شؤونهم ويتعرف آمالهم وآلامهم ويوزع بينهم هذه الابتسامات الإنجليزية التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، وقد لا يستخزي الضمير المصري أمام نفسه وأمام الضمائر الأجنبية من أن مصريين قد جمعوا وهتفوا لممثل الدولة البريطانية التي ما تزال تغصب استقلالهم غصبًا، وتمكن لجيشها في أرضهم، وتملأ جوهم بطياراتها، وتفرض عليهم حياة لا يرضاها الشعب الكريم.
    وقد يعلم الوزراء وأعوان الوزراء وأنصار الوزراء أن من الإثم أن تنطلق ألسنة المصريين بالهتاف الأجنبي بيننا وبين بلده مخصومة، ما دامت هذه الخصومة قائمة، وأن من الإثم أن تندفع أيدي المصريين بالتصفيق لأجنبي بيننا وبين بلده خلاف، ما دام هذا الخلاف لم يحل. وأن من التفريط في ذات الوطن أن تقول مصر للإنجليز ردوا علينا استقلالنا، وخلوا بيننا وبين شؤوننا، وكفوا أيديكم عن أمورنا، وأن يهتف بعض المصريين ويصفق بعض المصريين في قرية وزير مصري لممثل الإنجليز وهم لم يردوا علينا الاستقلال ولم يخلوا بيننا وبين شؤوننا ولم يكفوا أيديهم عن أمورنا.
    قد يكون هذا كله إن كان صحيحًا ما نشرته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات. فأحرى أننا نسأل أنفسنا ونطيل السؤال عن هذه الزيارة كيف كانت وكيف قبلها وزير المالية أو دعا إليها. ذلك أن وزير المالية لو استشار ضميره المصري لأشار عليه هذا الضمير، وهو حي من غير شك، بأن هذه الزيارة لا تلائم مصلحة مصر، ولا كرامة مصر، ولا سيما مع ما أحاط بها من الظروف والأشكال.
    فالشعب المصري في خصومة مع الإنجليز، والوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، مكلف أن يعرف هذه الخصومة وأن يرعى حقها، وهو في منصبه ليدافع عن مصر، وليقرب بينها وبين الإنجليز، بالدفاع عن حقها، وبحفظ كرامتها، وبإظهارها مظهر القوي العزيز لا مظهر الضعيف الذليل.
    فالوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، محام عن مصر، لا ينبغي له أن يقصر في ذات موكله، ولا أن يفرط في حقه بحال من الأحوال. وليس من الترفع عن التقصير في ذات مصر، والتفريط في حقها بحال من الأحوال أن يدعو وزير من وزراء مصر ممثل الإنجليز إلى حيث يلقاه المصريون طوعًا أو كرهًا بالهتاف والتصفيق، والخصومة بيننا وبين الإنجليز ما زالت قائمة. ولو أن وزير المالية استشار عقله، وهو كبير من غير شك، لما قبل هذه الزيارة ولا دعا إليها في هذه الظروف التي نحن فيها، ولما انفرد بها على هذا النحو الذي كان. فإن زملاءه ناس مثله يحسون ويشعرون، ويفكرون ويسألون عما كان وعما يمكن أن يكون، وما نظن أنهم قد ذاقوا هذه الزيارة كما ينبغي أن تذاق وأساغوها كما ينبغي أن تساغ وهضموها كما ينبغي أن تهضم. فإن ابتداء وزير المالية بها وأعراضه عن دعائهم كلهم أو بعضهم إليها ليس من شأنه أن يرضيهم وليس من شأنه أن يملأ قلوبهم ثقة وأمنًا واطمئنانًا.
    ثم لو استشار وزير المالية عقله أيضًا لأشار عليه هذا العقل الكبير بأن الظروف التي نحن فيها تفرض على الوزراء وأشباه الوزراء أن يرعوا أقصى ما يستطيعون من الدقة والاحتياط فيما يكون بينهم وبين الإنجليز من الصلات. فحديث الإنجليز عن العهد الكرومري كثير جدًّا في هذه الأيام ويرددونه في مصر ويرددونه في إنجلترا، ويأتون من الأعمال ما يدل على أنهم يريدون الجد ولا يريدون الهزل. والعهد الكرومري معروف، معروف في جملته وتفصيله، قوامه تسليط القوة على مصر وأخذهما بالحزم من غير تفريق بين مصر الشعبية، ومصر الرسمية، بحجة إنقاذ الشعب من ظلم الحكام، وحماية الشعب من طغيان السلطان، ونظن أن وزراء مصر سواء أكانوا من أنصار الشعب أم لم يكونوا، لا ينبغي لهم وهم وزراء أن يعينوا من قريب أو من بعيد على إعادة هذا العهد الكرومري أو تقريبه أو على أي عمل من شأنه أن يخيل إلى الناس أن هذا العهد قد عاد أو أنه يوشك أن يعود. في ذلك تفريط في حق مصر وفي ذلك إساءة صارخة إلى مصر الرسمية وإلى مصر الشعبية، فكلتاهما تكره أن يعود العهد الكرومري، وكلتاهما ترى من الذلة والهوان أن يعين أي مصري على أن يعود هذا العهد. ووزير المالية رجل ذكي، وهو يفهم عنا حق الفهم ما نريد أن نقول، وهو يوافقنا من غير شك على أنه لو استشار ضميره لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار عقله لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار منفعته المحققة الدائمة لصرفته عن هذه الزيارة أيضًا.
    فقد يكون في هذه الزيارة شيء من الجاه الظاهر وارتفاع الشأن العارض، ولكن الحكماء يفكرون في غد وفي أمس أكثر مما يفكرون في اليوم.
    وبعد فإنا نرجو أن يكون صحيحًا ما تحدثت به الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات، ونرجو بنوع خاص أن تقع هذه الملاحظات موقعها الذي ينبغي لها من نفوس الوزراء جميعًا، فيعلموا أن الصلة بينهم وبين دار المندوب السامي يجب أن تقوم على الدقة والفطنة وعلى الحذر والاحتياط.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.

    حديث الوادي
    قسمة ٠٠٠
    لتكن عادلة أو جائرة، فليس هذا هو المهم، لأن هذه الأيام تمتاز بأنها لا تحفل بالعدل والجور، وإنما تحفل بالحقائق الواقعة. وهذه القسمة حقيقة واقعة فيما يظهر، نريد أن ننكرها فتكرهنا على أن نؤمن بها، ونريد أن نشك فيها فلا نجد إلى الشك فيها سبيلا. وهذه القسمة قد تولتها الظروف وأنت تستطيع أن تحلل الظروف كما تشاء، فبعضها قوة لا تُرد، وبعضها ضعف لا يُقاوم، وبعضها اضطراب لا يستقر. وقد تحالفت هذه الظروف كلها على أن تقسم أمور هذا البلد الشقي في هذه الأيام السود، بين المندوب السامي البريطاني وبين الوزارة المصرية القائمة. فتجعل لهذا شطراً ولهذه شطراً آخر. وواضح جداً أن ظروف المندوب السامي قوة كلها، وأن ظروف الوزارة القائمة ضعف كلها، وأن ظروفاً أخرى بين المندوب السامي وبين الوزارة كلها تردد واضطراب. فليس غريباً إذن أن يكون للمندوب السامي أوفر الشطرين وأقومهما، وأن يكون للوزارة أيسر الشطرين وأقلهما شأناً، وأن يقف المصريون بين هذين المقتسمين ينظرون، وقلوبهم يملؤها الأسى ويفعمها الحزن اللاذع العميق.
    فأما المندوب السامي فقد أرادت ظروفه، وكلها قوة كما تعلم، أن تجعل إليه حماية مصر في هذه الأيام، وحماية مصر بأوسع معاني هذه الكلمة وأشملها وأدقها وأدناها إلى التحقيق. فالمندوب السامي يفتش على حدودنا في الشرق والغرب، ليكون على علم صادق محقق بما تحتاج إليه حماية هذه الحدود. والمندوب السامي يفتش على جيشنا ليكون على علم صادق محقق بحاجة هذا الجيش إذا دعت الظروف إلى استخدامه لحماية هذه الحدود، أو لحماية مصر في داخلها، والمندوب السامي يفتش على شرطتنا ليكون على علم صادق محقق بقدرة هذه الشرطة على حماية الأمن وإقرار النظام، إذا احتاج الأمن إلى حماية، أو احتاج النظام إلى إقرار. فالمندوب السامي إذن يعنى بحماية مصر حماية مادية، من غارة الأجنبي أو اضطراب الأمر في داخل الأرض. ولا تنس أن المندوب السامي يتغلغل في أعماق مصر زائراً لبعض الوزراء أو متخيّراً لبعض الأماكن التي تصلح مستقراً للطيارات في قلب مصر.
    ثم المندوب السامي يعنى بحماية مصر حماية معنوية سياسية. يفاوض الفرنسيين في مسألة الدين قبل أن يفاوضهم المصريون في هذا العام، ثم هو يلاحظ أن المفاوضات لم تنته إلى غايتها فيحتفظ بها ليستأنف فيها الحديث، ثم هو يشرف على هذه المشكلات التي أثيرت في المحاكم المختلطة ويلاحظ من قرب ما يكون بين وزارتنا وبين القضاة الأجانب في هذه المحاكم من أخذ ورد. ثم هو يرفع الأمر إلى حكومته، ويتلقى رأي حكومته فيه، ثم هو يستطيع أو تستطيع الظروف أن تؤجل المذكرة التي كانت وزارتنا تريد أن ترسلها إلى الدول حتى يستقر رأي وزارة الخارجية البريطانية على شيء. ثم تقول الصحف هنا وهناك إن أمر هذه المذكرة أصبح مشكوكاً فيه، فقد ترسلها الوزارة المصرية إلى الدول مباشرة، وقد تتحدث فيها وزارة الخارجية البريطانية إلى الدول نيابة عن مصر. ولا تنس أن المندوب السامي على عنايته بالحماية الحربية والسياسية لمصر لا يقصر في إظهار العناية بحماية المصريين أنفسهم أفراداً وجماعات مما يظن أن حمايتهم منه واجبة، فالرجل فيما يقال معني بقصة الاستبدالات وبقصة الكورنيش، وهو فيما يقال معني بأمور الري، وهو فيما يقال يتلقى ما يرفعه إليه ضعاف المصريين من الشكوى فيدرسه ويسأل عنه، ويدخل فيه، متحدثاً إلى الوزراء أو مرسلاً من يتحدث إليهم وإلى غيرهم من الموظفين. والرجل بعد هذا كله وفوق هذا كله يدرس شؤون الأحزاب ويفكر فيما كان، ويقدر ما سيكون، فإذا أضفت إلى هذا كله أنه مسيطر على أمور التحفظات الأربعة عرفت أن نصيبه من شؤون مصر هو نصيب الأسد، وأنه قد أخذ من الشطرين أوفرهما وأقومهما وأوفاهما وأشدهما ملاءمة لقوة الأقوياء. أما وزارتنا فنصيبها متواضع كما أنها متواضعة، ونصيبها ظريف كما أنها ظريفة. فلها تنظيم الاستحمام على السواحل، ولها ملاحظة ما يلبس الناس وما يخلعون، ولها مضايقة الصحف، ولها التشديد على الوفد حين يذهب رئيسه وحين يجيء، ولها التصرف في بعض ما يمس العزل والنقل، والتعيين والفصل على أن تستشير في ذلك من يستطيعون أن يقدموا لها المشورة حين تطلبها وحين لا تطلبها. وقد يكون لها أن ترسل الوفود إلى المؤتمرات، وأن تكلف بعض الموظفين سياحات في أوروبا للبحث عن الكتب، أو لدرس شؤون التعليم أثناء إغلاق المدارس في فصل الصيف، ولها قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تقيم في الإسكندرية مستمتعة بجمال البحر، وصفاء الجو، وعذوبة النسيم،
    وأن تنتقل بين الدور للغذاء حيناً والعشاء حيناً آخر ولشرب الشاي مرة ثالثة، ولا بأس بنزهة بحرية أو رحلة إلى مرسى مطروح من وقت إلى وقت.
    أرأيت إلى الظروف كيف تقسم أمور مصر بين المندوب السامي والوزارة القائمة فتحسن التقسيم، وتعطي لكل منهما ما يلائم حظه من القوة والضعف؟ فأما الشعب المصري فقد كانت الظروف رفيقة به شفيقة عليه، فمنحته نصيباً يلائمه كل الملاءمة وهو الصبر على الهموم الثقال، واحتمال الخطوب التي خُلق لاحتمالها.
    وكما أن المندوب السامي يحسن التصرف بما جعلت له الظروف، فيفتش في الشرق والغرب طائراً حيناً وسائراً حيناً آخر، وكما أن الوزارة تحسن التصرف فيما جعلت لها الظروف فتعين وتفصل، وتعزل وتنقل، وتأمر الناس بأن يلبسوا البرانس ولا يخلعوها حتى يبلغوا الماء، فالشعب المصري يحسن الصبر ويجيد الاحتمال ويبتسم للخطوب وينتظر ما ستنكشف عنه الأيام.
    فلنصبر معه ولنبتسم، ولننتظر فقد لا يطول هذا الانتظار.
    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٨/ ١٩٣٤.

  • الولاء تحت النار: الحكومة ومصطفى النحاس | Loyalty Under Fire: The Government vs. Mustafa al-Nahhas

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
    وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
    وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
    وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
    من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
    متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
    إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
    فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
    في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
    طه حسين
    الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أسبوع…
    ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
    ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
    والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
    لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
    لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
    يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
    نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
    إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
    طه حسين
    الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تحكم…
    ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
    فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
    من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
    ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
    والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
    إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
    بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
    إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
    أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
    أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حرج…
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحك، وهو من أجل هذا محزن حقًا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكر فيه ونقدر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر. فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعمائها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعمائها، أما الوزارة المصرية، ووزارة الداخلية خاصة فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها، ومستشاريها، من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر تلعن إذا تحدثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة، وأسلحة الدولة، وتعد له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا، لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فلتعلن ذلك وزارة الداخلية ولتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام. ولتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة، فيستريح منها الشعب ويستريح منها. مصطفى النحاس وإن كان هذا الرجل عاديًا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فلتهدأ الوزارة ولتطمئن، ولتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، ولترح نفسها من مصطفى النحاس، ولترح مصطفى النحاس من نفسها.
    ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل، وتعلن أنها لا تهتم له فمن حق الناس أن يضحكوا ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للعب، وإنما أقيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.
    دع كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد، والإسماعيلية والزقازيق ودع هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدي الصلاة في مسجد من المساجد، دع هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًا، حدث في بورسعيد فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا. أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تعني الحكومة به أقل عناية الذي نسيت اسمه وأظنه يسمى مصطفى النحاس أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يعالجون وما زالوا يعالجون في مستشفى بورسعيد وهؤلاء الجرحى لم يصرعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قط معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صرعوا قضاء وقدرًا، انهار عليهم جدار أو سقط عليهم بعض الأحجار، التي تسقط من السماء أحيانًا؟ فنقلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولست أدري لما كرهت الوزارة هذه الزيارة فأبتها على هذا الرجل وألحّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأبها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلّت بينه وبين المستشفى، حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة، ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظفو المستشفى لمصطفى النحاس أن المصابين قد نقلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقر وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نقلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نقلوا، وأن وكيل المحافظة يقر الحق فيما يظهر حين أقر لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال أن المصابين لم ينقلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.
    فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نقلوا من المستشفى مع أنهم لم ينقلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.
    وقد نحب أن تعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى أن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنة حتى أنها لا تحتاج إلى أن تغير من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه.
    ونحب آخر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلدوها فأخفوا المرضى، والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبناءهم حين يطلبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أنلزمهم على ذلك أم نثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف نجيب؟، وإن أثابتهم فغضبت الأخلاق، وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة فكيف تكون الحال؟
    أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهم له الوزارة؟
    ألم يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ ألم يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ ألم يأن للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قضوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام…؟
    طه حسين
    الوادي، ٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إجرام…
    يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحاً، للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات، وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضاً، لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكفهم الحكومة، حفظ نظام، ولا قمع مظاهرة، ولا تفريق اجتماع ولا إقراراً لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص، الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم، ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضاً أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم، لم تصبح مباحاً للذين يخرجون على القانون، ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزاً قبيحاً، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حرباً لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأياً وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.
    وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه وماذا نريد به ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعد، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثاً ثقيلاً. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكروا حتى أنساهم السكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخاً فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.
    وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلاماً صبياً فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبى يستغيث، حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعاً.
    أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم، قد أبيحت فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تنال به من الإثم والبغي والعدوان.
    ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئن إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلاً عن التأثر بها والاشمئزاز منها، وفضلاً عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعتدى على دماء المصريين، أو انتهكت حرمات المصريين.
    لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد، لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظاً دائماً، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجراً، وهم مكلفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حد ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو.
    نحب أن نعلم إلى أي حد غضب الوزراء للدم المصري وللكرامة المصرية ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي يبين فيها أن دماء الصبيان ليست ماء يراق من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تلقى على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيماً، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقة أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثاً ولعباً، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية، كغيرها من الحضارات تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.
    نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم، وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.
    نعم ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون، ولهم الحق في أن يثوروا، حين يعتدى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة والذين يطالبون، وليس لهم الحق في أن يطالبوا بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصاً، لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين لقد قلنا لهؤلاء الأجانب أنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم، فنحب أن نعلم الآن، رأيهم في هذا الدم المصري البريء الذي يراق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يريقوا الدماء، وهم جند الإنجليز.
    ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أملائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين.
    طه حسين
    الوادي، ٢ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عدوان . . .
    يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
    وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
    الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
    أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١.