Tag: religious scholarship

  • أسرار الحكومة وأعصابها المهزوزة | State Secrets and Shaken Nerves

    حديث الوادي
    تضحية . . .
    والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
    أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
    ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
    ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
    لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
    فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
    طه حسين
    الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    وفاق. . .
    لست أدري لم يكلف الناس باختراع الإشاعات وإذاعتها، والترويج لها، وتعظيم أمرها، يلحون في ذلك إلحاحاً شديداً، حتى يملأوا بها الجو، ويشغلوا بها الناس، ويخيلوا إلى من سمع منهم أو تحدث إليهم أن الأمور قد فسدت كلها. فلم يبق فيها أمل لصلاح ينتظر، أو خير يرجى. على حين أن الأمور صالحة كأصلح ما تكون مستقرة، كأشد ما تكون استقراراً.

    ولست أدري – ولعل الفلاسفة يدرون – من أين تأتي هذه اللذة التي يجدها الناس في اختلاق الأنباء وانتحالها، من غير أن يكون هناك ما يدعو إلى الاختلاق والانتحال. وسواء أكان من اليسير أم من العسير تعليل هذا المرض الاجتماعي الخطير، فإنه أمر واقع، محقق، لا شك فيه، قد ابتلي به الناس جميعاً، ولكن حظ المصريين منه أعظم من غيرهم من الناس. فأنت لا ترى المصريين إلا وقد امتلأ جوهم بالإشاعات، ينتحلها لهم المنتحلون، ويختلقها لهم المختلقون، ويروج لها فيهم المروجون.

    والمصريون مشغوفون باختلاق الإشاعات وإذاعتها حول الوزارات، والوزراء، كأن المصريين قد فطروا على أن يضيقوا بالوزارة والوزراء، وعلى أن يتمنوا السقوط لكل وزارة، والاستقالة لكل وزير، فإذا أعجزهم أن يسقطوا الوزارات بالفعل، أو أن يحملوا الوزراء على الاستقالة، تمنوا ذلك ثم توقعوه. ثم خيل إليهم أنه كائن اليوم أو أنه كائن غداً في أكبر الظن، أو أنه كائن بعد غد من غير شك ولا ريب.

    ثم هم يتحدثون بذلك ويفتنون في الحديث، ويتعللون بذلك، ويفرقون في التعليل، فإذا انقضى اليوم ولم يكن ما تمنوا لم يؤنسهم ذلك من وقوعه، ولم يصرفهم ذلك عن انتظاره ولم يمنعهم ذلك من التحدث به والخوض فيه.

    وهم على هذا النحو قد ملأوا جوهم بالإشاعات في هذه الأيام عن الوزارة القائمة فزعموا أنها ضعيفة جداً، قد أصابها هزال أنحلها حتى كاد يجعلها ظلاً لنفسها، مع أنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، ومع أنها لم تكن في يوم من الأيام أضخم وأشد امتلاء مما هي الآن، ومع أن الهزال، والنحول، إن كان هناك هزال أو نحول، لم يصيباها هي، ولا يمكن أن يصيباها، وإنما أصابا غيرها من الناس.

    ومتى رأيت هزالاً أو نحولاً، يصيبان وزارة هادئة، مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تنعم بما لا تنعم به وزارة أخرى في أقطار الأرض، من الراحة في أوقات العمل ومن السعادة في أوقات الشقاء، ومن الترف في أيام الشظف، ومن الاطمئنان في أيام القلق والاضطراب؟ .

    وكيف تهزل الوزارة أو يدركها النحول، وهي مستقرة في الإسكندرية تغدو على الدواوين هادئة باسمة وتروح إلى الدور أو إلى القصور راضية ناعمة، وتحدث الأحداث الثقال من حولها، وتلم الخطوب الجسام فلا يبلغ ذلك منها، ولا يغير من سيرتها، ولا يخرجها عن راحتها، وإنما هي تمضي فيما هي فيه: من الغدو باسمة إلى الدواوين، والرواح ناعمة إلى الدور والقصور، ثم الاختلاف إلى مجالس السمر والحديث والفكاهة إذا أقبل المساء أو كان الليل؟

    فإذا اشتد وقع الحوادث وثقل إلحاح الخطوب ولم يبق بد من أن تظهر الوزارة شيئاً من العناية بهذه الحوادث والخطوب، حتى لا يقول الناس أنها نائمة أو لاهية، حين لا ينبغي نوم ولا لهو، أخذت من هذه العناية بأيسر حظ ممكن، وتكلفت في سبيلها أقل عناء ممكن، فخرج الأعضاء من راحتهم الكاملة الشاملة، إلى راحة تكاد تكون كاملة شاملة. يزورون المدن والقرى ولكن في سفن مترفة مريحة وعلى ظهر النيل الجميل، أو يقصدون إلى القاهرة، ولكن في حجرات خاصة، فإذا بلغوها، لم يقيموا فيها إلا ريثما يعودون إلى حيث يستريحون في ثغرنا الجميل.

    وزارة تحيا هذه الحياة وتستمتع بهذا النعيم، وتتكلف هذا الجهد اليسير لا يمكن أن يدركها ضعف ولا أن يصيبها هزال، ولا أن يمسها نحول، وإنما الممكن والمعقول أن تزداد قوة إلى قوة وضخامة إلى ضخامة، امتلاء إلى امتلاء، ولكن الناس مع ذلك مشغوفون بأن يزعموا أنها مريضة، وأنها مهزولة، وأنها ناحلة. يظنون أنها تتكلف من العمل والجهد ما يتكلفون هم إذا عملوا فيصيبها ما يصيبهم من الضعف والإعياء. وينسون أن الله قد خلقهم هم للشقاء، وخلقها هي للسعادة والنعيم.

    والناس يشيعون عن الوزارة أنها مختلفة متباينة الهوى، وأن أعضاءها مختصمون متنابذون لا يتفقون على شيء، ولا يلتقون عند شيء، ولا يجتمعون إلا كان بينهم الشر، ولا يفترقون إلا سعى بينهم الكيد. وهم يهولون في ذلك أشنع التهويل، وأبشعه، ثم يجزمون بأنه منتهٍ من غير شك إلى استقالة الوزارة أو إلى سقوطها إذا أبت أن تستقيل، وتستطيع أنت أن تبحث عن الأسباب التي تدعو إلى أن يختلف الوزراء أو يختصموا فلا تجد إليها سبيلاً، إنما يختلف الناس حين يعملون، وحين يجدون في العمل، وحين يحتملون الأعباء وحين ينهضون بالأثقال، وحين يواجهون الخطوب، وحين يحلون المشكلات، فإذا كانت حياتهم راحة وسعادة ونعمة لا لغو فيها ولا تأثيم، وإذا قضوا وجه النهار في مكاتبهم مطمئنين، وآخر النهار وأول الليل في دورهم وأنديتهم ناعمين، ففيم يكون الخلاف؟ وعلام يكون الخصام؟ وحول ماذا يشتد النزاع؟

    أما مشكلاتنا الكبرى الخارجية فقد تولاها الإنجليز، وقالوا للوزارة لا بأس عليك. وأما مشكلاتنا الكبرى الداخلية فقد تولت نفسها، وهي تحاول أن تنحل دون إجهاد للوزراء فتبلغ من ذلك ما تستطيع وتقصر عما لا تستطيع ولكنها لا تكلف وزراءنا على كل حال مشقة ولا عناء.

    وإذن ففيم يختلف الوزراء وعلام يختصمون؟ نعم إن طول الراحة قد يسئم وقد يثير شيئاً من الملل والضيق الذي يدعو إلى بعض الخصام، ولكنه خصام يسير، ولا يلبث أن يزول وأن يعود الأمر بعده إلى مثل ما كان، فإذا سمع الناس أن بين وزير المالية ورئيس الوزراء خلافاً، وأن بين وزير المالية وزملائه خلافاً، فلا يغلون في تقدير هذا الخلاف، فإنما هو أمر يسير لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان المزاح الظريف بين الأصدقاء الأصفياء، والأحباء الأوفياء.

    ولذلك لم أنكر من هذا التصريح الذي نشرته صحيفة وزارية صباح اليوم لرئيس الوزراء شيئاً. فقد أعلن الرئيس بلهجة حازمة حاسمة كلهجة وزير المالية حين يتحدث إلى الصحف، أن الوزراء على خير ما ينتظر لهم من الصفاء والوفاق يعملون لخدمة مصر، وأن كل ما يذاع عن اختلافهم كذب لا أصل له.

    صدق رئيس الوزراء ليس بين الوزراء خلاف، ولا شيء يشبه الخلاف إذ ليس هناك ما يدعو إلى أن يقع بينهم خلاف، وصدق رئيس الوزراء فالوزارة تعمل لخدمة مصر، وأي عمل أنفع لمصر، وأجدى عليها وأجدر أن نحسن به سمعتها من أن يستريح الوزراء ويراهم الناس آمنين هادئين، وناعمين وادعين، فيثبت لهم أن مصر بخير فلو لم تكن بخير، لما هدأ الوزراء ولا استراحوا.

    صدقني أيها القارئ العزيز لا يمكن أن تخدم مصر بمثل ما يخدمها به الوزراء الآن من هذه الحياة الجميلة، التي يحيونها في ثغرنا الجميل، وإن كنا نحن نحيا أقبح حياة في عاصمة كانت جميلة فأصبحت سمجة، وكانت الحياة فيها مطمئنة فأصبحت قلقة، تتراءى لها في كل لحظة أشباح المرض والموت.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٨ .

    حديث الوادي
    أسرار
    يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن، فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معاً. بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع، فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معاً. ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ، ولا مسرف، إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلاً تاماً، كأنها لا تعنيه، ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قوماً آخرين، ليس بينهم وبينه صلة أو سبب. فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شؤون الشعب المصري، بل حول شؤونه الدقيقة بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشؤون شيئاً، ولا يتبين منها قليلاً أو كثيراً.

    يقال له إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيأون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما ينتدب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعداداً للطوارئ، وانتظاراً للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئاً، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظاماً يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تبرم أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

    ومع هذا فالإنجليز يتهيأون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند، وهي إذن ستطرأ في مصر وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيأوا لها كما يتهيأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها، كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تكتم حتى على أصحابها، ويجب أن تخفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

    هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال إنه عصر حرية ونور وأن أمور الشعوب فيه لا تدبر من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال إن له نظاماً دستورياً، يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم إلا في بلد يسخر أهله للسلطان تسخيراً، ويحرم أهله الحرية حرماناً، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين، كما ينظر الرعاة إلى القطعان، يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها، لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

    هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب، فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون لا ينبغي لأحد أن يسألهم عما يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات، فقد ينبغي أن لا يجهل أمره ولا تكتم دونه الأسرار، ولا يقال له إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جساماً قد تحدث، ونوائب عظاماً قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها، ويتهيأ لها فنم أنت واغرق في النوم، وكل أنت وأسرف في الأكل، واستمتع أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يصب عليك من هم، وعش أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

    ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال وألح في تعرف الحقائق قيل له إن مندوب الإنجليز يزور الحدود فسأل عن زيارة الحدود هذه ما أصلها وما سرها، وما معناها، وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون، ولم تكون، وبأي حق تكون؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدين العام، وأمر المحاكم المختلطة، والامتيازات، دون الوزارة المصرية التي أنشئت لتعالج هذه المسائل لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك وألح في الالتماس، ولكن أحداً لم يجبه، ولكن أحداً لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

    فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن الوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعباً ضخماً كالشعب المصري يجهل أدق شؤونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

    كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائراً يسأل نفسه ويسأل الناس، عن مرافقه وعما يراد بها، وعن حقوقه وعما يدبر لها وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك أن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

    من الذي يستطيع أن يزعم أن شؤون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا راد لما يريدون.

    ألم يأن لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين فيرى الشعب المصري ما يراد به وما يكاد له، ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز، ولا الوزارة ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ وما قد يعرض من المفاجآت؟

    طه حسين
    الوادي، ٢٧/٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استعداد…
    لم تسجل المراصد بعد زلزالاً في الأرض، ولا اختلالاً في حركات الكواكب والنجوم، ولم تعلن مصلحة الطبيعيات بعد اضطراباً في الجو، ولا اختلافاً في حركات الرياح، وإذن فما زالت الطوارئ المنتظرة بعيدة، وإن بدت طلائعها، وكثر حديث الناس عنها، وما زالت أمام المصريين أيام يستطيعون أن يتنفسوا فيها ملء صدورهم، وأن يناموا فيها ملء جفونهم، وأن يأكلوا ويشربوا فيها ملء بطونهم، وأن يتحدثوا ملء أفواههم إن كان يعجبهم الحديث.
    على أن هناك مقدمة مزعجة، تكاد تنبئ بأن هذه الطوارئ إن لم تكن قد بلغت مصر، فلعلها قد دنت منها بعض الدنو. فقد تحدثت صحيفة من صحف الصباح، بأن موظفاً يسكن في شبرا فيما نظن ذهب إلى الشرطة فأنبأها بأن الأحجار والحصى تسقط في بيته، كأنها المطر الغزير إذا كان الليل، وإن هذه الظاهرة جديدة، طارئة، وأنه قد بحث عن مصدرها، فلم يعرفه، ولم يهتد إليه، وأنه يظن، بل يحقق أنها عفاريت تخرج من تحت الأرض إذا كان الليل، فتحدث في بيته كل هذا الاضطراب. وقد ابتسم رئيس الشرطة لهذا الحديث، وأرسل مع الموظف شرطياً يتبين الأمر، فلم يكد هذا الشرطي يصل إلى الدار ويستقر فيها حتى سقطت الأحجار، وتناثر الحصى واكفهر الجو، وخيل إلى الرجل أن الأرض قد زلزلت زلزالها، فطار إلى رئيسه خائفاً مذعوراً. والرئيس رجل مثقف، جريء حديد القلب، قوي العقل يعلم أن العفاريت كانت موجودة ولكن عصرها قد انقضى، وقد اضطرت إلى مفارقة البلاد المتحضرة، وانحازت إلى صحراء الأحقاف فهي تقيم هناك، في أطلال عاد، أولئك الذين بادوا منذ آلاف وآلاف من السنين.
    وإذن فهذا الرئيس المثقف لم يصدق صاحب الدار، ولا الشرطي، ولم يؤمن بأن أيدي العفاريت هي التي تنثر الحصى وتلقي الأحجار. وإنما استيقن أن هناك شياطين مكرة من الناس، قد دبروا هذا الكيد وأرصدوا لهذا الرجل المسكين يهدون إليه هذه الهدايا البغيضة المؤذية. ولابد له إذن من أن يستكشف هؤلاء الشياطين، ويقدمهم إلى النيابة، ثم إلى القضاء. وعلى هذا ذهب بنفسه إلى هذه الدار وهو محصن بما وعى من العلم، ولعله كان يتلو في نفسه بعض العزائم، ولعله كان قد تحصن أيضاً ببعض الطلسمات.
    ولم يكد يبلغ الدار ويستقر فيها، حتى انتشر الغبار وسقطت الأحجار، وانتثر الحصى انتثاراً، وأخذ صاحبنا يبحث ويبحث، وأخذ صاحبنا يستقصي ويستقصي لعله أن يجد شيطاناً من شياطين الإنس أو عفريتاً من عفاريت المصريين أو الأجانب المقيمين بمصر، ولكنه لم يجد أحداً. فعاد إلى دار الشرطة وسجل ما رأى في محاضره، والله يعلم ماذا ستتخذ الشرطة من الإجراء لترد عن هذا المصري شر هؤلاء العفاريت ولتحميه من عدوانهم، فالشرطة مكلفة حماية المصريين من الأذى سواء أصدر هذا الأذى عن الإنس أو عن الجن.
    ولكن المهم أن هذه الظاهرة الغريبة التي ظهرت في حي شبرا لم تظهر إلا في هذه الأيام بعد أن كثر حديث الناس عن الطوارئ التي يستعد لها الإنجليز ويتحدث عنها المصريون. فليس عندي شك ولا شيء يشبه الشك في أن هؤلاء العفاريت، قد قدموا من صحراء الأحقاف، نذيراً بمقدم هذه الطوارئ، وطليعة للحوادث الجسام التي قد تحدث بعد أيام. وأكبر الظن أن هؤلاء العفاريت كانوا أول جيش ضخم من الجن، سينتشر بعد حين في أقطار مصر، وأخشى أن يؤثر الاستقرار في دور الموظفين. فمن يدري لعل أنباء الأزمة قد سبقت إلى هؤلاء العفاريت فعلموا أن اليسر في هذه الأيام إن أتيح لأحد في مصر فقد أتيح للموظفين دون الزراع الذين فسدت زراعتهم والتجار الذين بارت تجارتهم، والصناع الذين كسدت صناعتهم. وإذن فلابد للموظفين من أن يستعدوا لهذه الطوارئ الغريبة التي ألمت بواحد منهم أمس أو أول أمس وتوشك أن تلم بهم جميعاً في الأيام المقبلة. وكيف يستعد الموظفون لهذه الطوارئ من العفاريت؟ لابد من تدبير الخطط، ووضع البرامج، ورسم المناهج، والاستعانة بآراء الفنيين من أصحاب العزائم والطلاسم، والبارعين في السحر، والقادرين على طرد العفاريت، أو حبسهم في القماقم، وإلقائهم في أعماق البحار…
    ولعل الموظفين، يحسنون إن دعوا إلى مؤتمر عام يدرس أمر هؤلاء العفاريت، ويلتمس أقرب الوسائل إلى دفع شرهم، واتقاء مكرهم والتخلص مما يضمرون من الكيد… مهما يكن من شيء فظهور العفاريت في مصر دليل على أن الأرض تدور،
    وعلى أن الأمور تريد أن تتغير بعد أن زهدت في الركود والاستقرار.
    وإذن فحديث الطوارئ صحيح، والاستعداد للطوارئ محتوم، وظهور العفاريت أصدق في الدلالة على قرب هذه الطوارئ من انتداب المستر بترسون للنيابة عن المندوب السامي. وإذن فكيف يكون الاستعداد لحماية البلاد من الخطوب الشداد التي يمكن أن تطرأ بها الطوارئ، وتأتي بها الحوادث والنائبات؟
    هنا يختلف الساسة، استغفر الله، بل يختلف الكتاب في الصحف، فيكثر بينهم الأخذ والرد، والجزر والمد، والدفع والشد، في غير نفع ولا غناء. فأي استعداد للطوارئ يراد من المصريين، ومن أي المصريين يراد هذا الاستعداد؟ من الوزارة؟ فالوزارة لا تملك شيئاً، ولا تقدر على شيء، قد سمعت قول بشار:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمراً ثم نم
    وقد نبهت عمراً ثم نامت، وعمر هو المندوب السامي إن شئت، أو بعض الإنجليز المقيمين في مصر إن أحببت. فخير استعداد تأتيه الوزارة لهذه الطوارئ هو أن نمضي في النوم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. من الشعب؟ فماذا يراد من الشعب؟ إن الشعب لا يبتغي ثورة، ولا يفكر فيها، ولا يراها وسيلة من وسائله إلى الحرية والاستقلال الآن، وإن الشعب يريد الاستقلال الصحيح في حياته الخارجية، ويريد الحرية الصحيحة الديمقراطية في حياته الداخلية، وينكر أشد الإنكار وأظهره كل ما يمس استقلاله أو يمس حريته، ويقاوم أشد المقاومة وأظهرها كل ما يراد به من تغيير الرأي في معنى الاستقلال، أو في نظام الحكم أو في أساليب السياسة. أظهر رأيه واضحاً جلياً منذ كانت الثورة، لم يتحول عنه ولم يتردد فيه، أيد رأيه بالعنف والتضحية بالأنفس والدماء حين أتيح له العنف والتضحية. ثم أيد رأيه بالصبر والثبات والحرص على المبدأ والاستقامة في المطالبة بالحق لم تصرفه عن ذلك محنة مهما تشتد، ولم تحوله عن ذلك فتنة مهما تعظم، أبلى في سبيل ذلك وزارات ووزراء، وأبلى في سبيل ذلك غير مندوب من ممثلي الإنجليز، وأبلى في سبيل ذلك محاولة الطغاة، وكيد الكائدين. فماذا يراد من الشعب، وماذا يطلب إليه، بل ماذا يراد من زعماء الشعب وقادته؟ إنهم يصورون أصدق تصوير وفاء الشعب لمبدئه وحرص الشعب على حقه، وإباء الشعب للضيم، وامتناع الشعب على ظلم الظالمين. يراد منهم ماذا؟ أن يساوموا؟ أن ينزلوا عن بعض الحق؟ أن يلينوا؟ أن يفرطوا في بعض الواجب؟ فإن حقوق الشعب لا تكسب بالمساومة، ولا تحفظ باللين ولا تنال بالتقصير والتفريط.
    وإذن فكيف يستعد الشعب وزعماؤه للطوارئ كما استعدوا لها دائماً وكما يستعدون لها الآن، وكما سيستعدون لها غداً؟ بالصبر على المكاره والثبات على المبادئ والإصرار على الحق، والمضي في المحافظة على الكرامة القومية، مهما تكن الطوارئ، ومهما تكن الخطوب.
    هذه هي خطة الشعب ليس له ولا ينبغي أن تكون له خطة أخرى، وهذه هي سبيل الزعماء ليس لهم ولا ينبغي أن تكون لهم سبيل أخرى، هم لا يرفضون حديثاً إن عرض عليهم الحديث، لا يرفضون بحثاً إن عرض عليهم البحث ولكنهم لا يساومون ولا يفرطون ولا يخافون.
    فمن شاء بعد ذلك أن يساوم فليساوم لحساب نفسه لا لحساب الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يلين فليلن في حق نفسه لا في حق الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يتعجل وأن يصل قبل أن يصل الناس، فإن الفرص قد تسنح، والظروف قد تتاح والمنافع قد تدنو من أصحاب المنافع، وإن في هذه الأبواب التي ستفتحها الطوارئ لمدخلاً واسعاً لمن يريدون الدخول، بعد أن طال عليهم الانتظار…
    طه حسين
    الوادي، ٢٨ / ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عقول . . .
    ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.
    عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤولها بعكس ما يجب أن تؤول به، وتعللها بأضدادها ونقائضها، لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة، ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج، لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف. وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ورأساً على عقب، أو عقباً على رأس.
    هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلاً عنهم أو تنكراً لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال، لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافاً، وأن يلون بأعظم الألوان تبايناً، ولاسيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.
    ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين، فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفاً وذعراً، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد، فالرجل لم يكن مواتياً ولا مسالماً أثناء إقامته في مصر. وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه. ويعرب -وما أقل ما كان يعرب- عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار بأن فلاناً سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشاراً للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.
    هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماساً لأسداس، وأسداساً لأخماس، فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم.
    ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات، وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين. وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشاراً منها في بيئات المعارضين. ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي ومن وزارة الخارجية في لندن أو حول وزارة الخارجية في لندن.
    وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئاً وقالت وزارة الخارجية البريطانية، وقالت الحوادث معها شيئاً آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جداً من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضاً. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.
    وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجأوا إلى الأماني والآمال. وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.
    وليس من شك بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون. ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أموراً كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.
    وكذلك أشيع ثم نشر في المقطم أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئاً. ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه المقطم أيضاً وانتقل الأمر من المقطم إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.
    وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين، وسيرة الوزارة. فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كباراً وصغاراً، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان، وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرأوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلاً عن تقصير الأجازة وإطالتها، وفضلاً عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رئاسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلاً مفاجئاً في غير سؤال، ولا حساب، ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلاً من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل. وهذه وزارة وتلك وزارة.
    وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا، ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل ولم يعلم من أمر ذلك شيئاً إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في الأهرام.
    ولا ينبغي أن تقول للوزاريين إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة وأن الإنجليز غير مصريين وأن تقاليد العزل، والفصل، والنقل، والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد. لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئاً من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطاني يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين، فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث. فمن يدري! لعل المندوب السامي إنما أطيلت أجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شؤون السياسة في مصر. ومن يدري لعل إطالة الأجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثراً. ومن يدري لعل الذين سعوا إلى إطالة الأجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر. وإذن فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضاً أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.
    فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز. وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف. وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا أجازته وأن ينيبوا عنه فلاناً دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه، وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون. وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير. ولكن ماذا تريد أن تصنع أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟ .
    مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعاً، هي أن المندوب السامي، قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي. فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم. ومن هنا يؤمن المصريون جميعاً بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه مضطرب كثير الاضطراب.
    فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.
    ألم أقل لك إنها عقول؟ . .
    طه حسين
    الوادي، ٣٠/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    خطر…
    هو هذا الذي تتعرض له القاهرة منذ أيام، ظهرت بوادره يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.

    وقد نوفق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن خطراً عظيماً، قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه، ولا يفلتون منه.

    فإذا بحثت عن مصدر هذا الخطر ذكرت الوزارة إهمال جماعة من الموظفين المسؤولين عن بعض الأدوات سؤالاً مباشراً، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقفت بعض هؤلاء المسؤولين عن العمل، ونقلت بعضهم إلى عمل آخر، وانتقصت نصف شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلت أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مضت تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.

    وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة، فيما اتخذت من إجراء، وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضاً، أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها وإسراعها في مواجهة الخطوب.

    ولكن من الحق على الوزارة أن تبين للناس أموراً تحتاج إلى البيان، فهؤلاء الموظفون الذين عوقبوا لم يهملوا إلا لأنهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاوناً عاماً، وتقصيراً شاملاً، وكسلاً مطبقاً، فتهاونوا فيمن تهاون، وقصروا فيمن قصر، وكسلوا فيمن كسل. وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وأن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحداً من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية. بعضهم يستريح في إجازة، وبعضهم يستريح في عمل قد ندب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين، على ساحل الإسكندرية الجميل. وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء، ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام، وهم يستريحون إذا أقبل الصيف، وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإنما يتاح لأصحابه، على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.

    ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضاً ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان، من دواوين الحكومة، في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس، ومرافقهم لأقبح الأخطار.

    وأخرى لابد أن تبينها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القطع، لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد، هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم.

    أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهداً على الأيام، بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد، ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة، وما تقدر عليه، من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب، فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء. إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يدفعوا إليها من لحظة إلى لحظة، دون أن يجدوا من يردهم عنها أو ينقذهم منها.

    كلا ليست هذه سيرة الحكومات التي تعرف معنى الحكم وتقدر واجباته وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب، أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار، التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.

    إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاح الفاسد، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم، ومن الجائز جداً أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة، إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن، وتبعة هذا الشر العظيم، لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عوقبوا أو سيعاقبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة، ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين، ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدوا العمل الذي يؤجرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يؤتمنون عليها.

    هؤلاء هم المسؤولون، وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يسألوا ولن يحاسبوا، ولن يغيروا من سيرتهم شيئاً، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية، حتى يعود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردد كبار الموظفين وصغارهم، بين القاهرة والإسكندرية، بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماساً للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء…

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إنقاذ…
    من حق الصحف الوزارية والصحيفة التي تعرب عن رئيس الوزراء خاصة، أن تحمد الله لأنها غير مقروءة ولا واسعة الانتشار كما يقولون؛ فلو أن الناس يقرأون ما تنشر لهم هذه الصحف من السخف، وما تحاول أن تذيع فيهم من لغو الحديث، لما حُمدت عاقبة ذلك ولا اطمأنت إليها.
    فالقراء المصريون يمقتون الصحف التي لا ترضيهم ويزدرون الكتاب الذين لا يصورون آراءهم ولا يخدمونهم في خلاص ونصح، وهم يكتفون بالإعراض عن هذه الصحف، والانصراف عن هؤلاء الكتاب، ولكنهم فيما نعتقد لا يقبلون ولا ينبغي لهم أن يقبلوا أن تسخر منهم الصحف، وأن يعبث الكتاب بعقولهم ومصالحهم إلى هذا الحد المنكر الذي انتهت إليه صحف الوزارة.
    هذه صحيفة من هذه الصحف، تهنئ الوزارة صباح اليوم لأنها أنقذت مصر من خطرين داهمين، أنقذتها من خطر الفيضان، وأنقذت عاصمتها من خطر المجاري.
    وهذه الصحيفة لا تكتفي بتهنئة الوزارة والإغراق في الثناء عليها، ولكنها تنال خصوم الوزارة باللوم العنيف؛ لأنهم لم يعينوا الوزارة ولم يهدئوا الناس حين ألمَّ الخطب، كما أنهم لم يحمدوا للوزارة بلاءها ولم يعرفوا لها جهودها، ولم يسجلوا لها الفضل تسجيلاً بعد أن انكشف الضر، وأمن المصريون على الأنفس والأموال، وعلى الصحة بوجه عام.
    نعم هذا كلام يكتب في بعض الصحف، ويستطيع الذين يكتبونه أن يطمئنوا إلى أنفسهم، ويستريحوا إلى ضمائرهم وينظروا إلى وجوههم في المرآة. وقد نفهم ألا يستخزي الذين يكتبون هذا الكلام عن لقاء الناس، فهم عند الناس أبرياء لأن الناس لا يقرأون ما يكتبون ولا يعلمون بما يهذون به، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه ولا أن نسيغه هو أن تطيب الراحة والطمأنينة إلى النفس والضمير لقوم يبيحون لأنفسهم هذا العبث بالعقول، هذا الضحك على الأذقان؛ لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يرضوا هؤلاء الذين يمكنونهم من أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع.
    كثير على مصر حقاً أن يكون بين أبنائها من يزعم لها أن الوزارة القائمة خليقة بالثناء لأنها أنقذت القاهرة من خطر المجاري، وردت عن أهلها هذه الجلود البشعة التي يثيرها هذا الخطر فيفسد بها الجو، ويملأ بها الهواء ويلوث بها الماء ويسلطها على نفوس الأبرياء.
    كثير على مصر حقاً أن يستطيع بعض أبنائها أن يزعم لأهل القاهرة أن الوزارة قد أنقذتهم من هذا الشر، وهم يرونه بأعينهم ويحسونه بأنوفهم، ويضطربون له إذا أصبحوا، ويأرقون له إذا أمسوا، ويحيون حياة كلها تنغيص إن خرجوا من دورهم أو استقروا فيها، على حين ينعم الوزراء بالحياة الهادئة المطمئنة، وبالترف الناعم اللذيذ، في ثغر الإسكندرية الجميل.
    كثير جداً على مصر أن يوجد بين أبنائها من يمجد المقصر وهو مغرق في التقصير، ويحمد المتهاون وهو غارق في التهاون، ويطلب من المصريين البائسين أن يرضوا عن وزرائهم المقصرين، وألا يكتفوا بالرضى وإنما يضيفون إليه الحمد والشكر والثناء، ومن يدري لعلهم يطلبون إلى المصريين غداً أن يقيموا الصلاة في المساجد والكنائس، يضرعون فيها إلى الله أن يزيد الوزراء نعمة على نعمة، وترفاً إلى ترف، لأنهم أنقذوا أهل القاهرة من الشر، ودفعوا عن حياتهم وصحتهم كل مكروه.
    يجب أن يكون المصريون قد هانوا على هؤلاء الكتاب حقاً، أو أن يكون هؤلاء الكتاب قد هانوا على أنفسهم حقاً، فليس من الممكن أن يصدر هذا العبث بالعقول عن هؤلاء الناس إلا إذا كانوا قد هانوا على أنفسهم فهم لا يقدرون حياء، أو هانت عليهم أمتهم فهم لا يرجون لها وقاراً.
    أنا لنحرص أشد الحرص على حمد الوزراء والثناء عليهم، فضلاً عن تشجيعهم وتسجيل الفضل لهم، ولكننا نحب أن نرى لهم فضلاً يستحق التسجيل، وبلاءً يستوجب الثناء، وغناءً يستحق الشكر والتقدير. نحب على أقل تقدير أن نشعر بأنهم يشاركون الناس فيما يلقون من خطب، ويألمون معهم بما يحتملون من عناء، ويشاطرونهم بعض ما يلم بهم من الشقاء، يجب أن يشعر الناس بأن الوزراء المصريين يشقون مع المصريين ويألمون معهم، نحب أن يعلم الناس أن أهل القاهرة لم يتركوا لما يلم بهم من الخطر يشقون به وحدهم، ويشفقون منه وحدهم، وإنما أقبل الوزراء وكبار الموظفين فأقاموا معهم، وشاركوهم في احتمال ما يحتملون، وقد خفت وطأة الصيف واعتدل جو القاهرة لولا هذا الهواء الموبوء الذي أفسدته المجاري. فليظهر الوزراء لنا مشاركتهم للمصريين وإخلاصهم في هذه المشاركة وحرصهم على أن يؤدوا الواجب؛ لا نقول الواجب الوطني العام، بل نقول واجب منصبهم الخاص، فيسرعوا إلى المنكوبين فيقيموا معهم. نحب أن نرى هذا لنعرف أن الوزراء منا، وإننا منهم، وأنهم يألمون لآلامنا، ويشقون لشقائنا، ولكن ماذا نرى؟ نرى الوزير المختص يزور القاهرة لماماً، ونرى رئيس الوزراء يقضي في القاهرة ساعات، ونرى الوزراء الآخرين يشفقون من القاهرة إشفاقاً، ويعرضون عنها إعراضاً، نستغفر الله، بل نرى مدير مصلحة الصحة نفسه مقيماً في الإسكندرية لا يبرحها، يشرف على القاهرة من بعيد، ويحمي حياة أهلها بالتليفون، ثم يطلب إلى خصوم الوزارة أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الناس فيزعموا أن القاهرة قد أنقذت من الخطر، وأن يضللوا أنفسهم ويضللوا الناس فيسجلوا للوزراء فضلاً لم يتح لهم وعملاً لم يقدموا عليه، ثم يثنوا بعد ذلك على الوزراء، ويقدموا إليهم من الزهر طاقات وأكاليل.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة يلاحظون في ألم لاذع أن وزراءهم ينعمون بالهواء الطلق والنسيم العذب والحياة الحلوة والبحر الجميل والترف الذي لا حد له، على حين يشقون هم بما لا ينبغي أن يشقى به أحد في هذا العصر وفي بلد متحضر تنيف ميزانيته على الثلاثين من الملايين وتجبى فيه الضرائب في غير رفق ولا هوادة، ويزعم حكامه للناس أنه قد بلغ من الرقي ما بلغه غيره من أهل البلاد الراقية المتحضرة من وراء البحر.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة لا يصدقون أنهم يشاركونهم حقاً في محنتهم ويرثون لهم حقاً مما ألم بهم من الخطب، وإنما هم يعتقدون أن الوزراء لا ينظرون إلى هذه المحنة الخطيرة على أنها كارثة وطنية أو هم لا يستطيعون أن يتصوروا كارثة وطنية، وإنما هي أوامر تصدر، وأموال تعتمد، وأوراق تمضي، واعتقاد بعد ذلك بأن الواجب قد أُدّي وبأن من أدى الواجب خليق أن يستمتع بالراحة والترف والنعيم.
    ما هكذا يؤدي الوزراء واجبهم في البلاد المتحضرة التي تقدر فيها كرامة الإنسان، وتحفظ فيها حقوق الشعب، وترعى فيها حرمات الحياة.
    لقد نشرت الصحف أن رئيس الوزراء كان يريد أن يذهب إلى دمياط في سفينة تترجح به على ظهر النيل، ثم بدا له فأرجأ هذه الرحلة، فظن الناس أنه سيأتي إلى القاهرة مع زملائه ليقيموا فيها ويشرفوا من كثب على ما يتخذ لإنقاذها من الإجراء، ولكنهم لم يلبثوا أن تبينوا أن رئيس الوزراء وزملاءه مقيمون في الإسكندرية لا يريمون، شهد بعضهم مأدبة نائب المندوب السامي يوم الأربعاء، وسيشهد بعضهم الآخر مأدبة أخرى يوم الثلاثاء، وسينتظر الباقون منهم مأدبة ثالثة يدعون إليها في يوم ثالث، وأهل القاهرة يشقون بهذه الأشباح التي تضطرب في جوهم حين يصبحون وحين يمسون، أشباح الوباء وما يستتبعه الوباء، كلا، لا ينبغي أن تطلب صحف الوزارة إلى خصوم الوزارة أن يسجلوا للوزراء فضلاً أو يحمدوا للوزراء بلاءً، وإنما ينبغي أن تقول هذه الصحف للوزراء ولكبار الموظفين ولمدير مصلحة الصحة: «ليس لكم في الإسكندرية مقام، وإنما مقامكم وأعمالكم وواجباتكم في القاهرة بين أهلها المنكوبين، فأسرعوا إلى العودة من مصيفكم، فقد يظهر أن الحياء يحرم عليكم أن تنعموا الآن بالاصطياف».
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلوم . . .
    هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب، فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثى له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية. ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء.

    فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همّاً وحزناً، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناءً ونصباً.

    ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تذلل، والمشكلات التي لا تريد أن تحل. فهو مظلوم حقاً، وأصدقاؤه والعاطفون عليه، والراثون له، معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    تستطيع أن تحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات -بل في بعضها- ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعوراً بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالاً للأثقال. صمت وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع؛ إن سكت تساءل الناس فيم يفكر، وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب روعاً واضطربت النفوس هلعاً، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان؛ إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرؤوس، وأذن مؤذن في الملاك والزراع، وفي الدائنين والمدينين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهول، وأقبلت ساعات الروع، فهلم إلى رئيس الوزراء، لعله يشفى الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجاً من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفى داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجد مخرجاً، ولا يزيل حرجاً. وإنما يسمع ويسمع، ويجد ألم الصداع ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزراع وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة فيما يرى، نامية موفورة الثمرات.

    يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله، لتعلم أن رئيس الوزراء مظلوم حقاً، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أن رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئاً من ذلك لا يثير في نفسه رحمة، ولا هوادة، ولا إشفاقاً، وإنما يمضي فيما يقول، لا فيما يعمل، فيزيد رئيس الوزراء تعباً إلى تعب، وحرجاً إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للملاك والزراع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماض في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يعفي أحداً، ولا يسمع كلاماً في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد، ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف، إن الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

    ألست ترى معي أن رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به، ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة ويثير له في كل يوم غباراً يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يقصي أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذاً من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حساباً لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية، فرئيس الوزراء مضطر إلى أن يحتمل، مكره على أن يذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟». وكان المنتظر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقاً بالرئيس، ورعاية له، وعطفاً عليه. فالقيسي باشا رجل هادئ، وإن كان حازماً، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

    وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من هم وغم، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة. ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وسعه الاحتمال، ويرجئ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خيل إلى الناس أن أمر الصحفيين قد كاد يستقر تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها، بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذم الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردد ولا وجل أن الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أن تمتاز بتشريع عنيف.

    وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة، فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلاً أنها تخاف الأجانب وتزدرى المصريين وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أن رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول فيه ما قاله موليير: (يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟).

    رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحداً لم يظلمه. وإنما هو الذي يظلم نفسه، فقد كان يستطيع ألا يذهب إلى السفينة حين دعي إليها، وقد كان يستطيع وما زال يستطيع ألا يقيم في السفينة حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مضنية، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذب الظلم، ويستلذ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيراً من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إن من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

    طه حسين
    الوادي، ١٩/٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فقط . . .
    كلمة لا نحبها، ولكننا مع ذلك مضطرون إلى اصطناعها لأن الأهرام قد اصطنعتها صباح اليوم حين أذاعت في الناس نبأ الوليمة التي أقامها نائب المندوب السامي مساء أمس، ودعا إليها رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، أو وزيري المالية والداخلية «فقط».
    فهذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عنايتنا من هذا النبأ، ونرجح بل نكاد نؤكد أن هذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عناية غيرنا من الذين قرأوا الأهرام صباح اليوم. فقد علم الناس جميعاً منذ أيام أن نائب المندوب السامي سيدعو رئيس الوزراء إلى الطعام، ثم اختلفت الروايات التي أذيعت في الناس، فزعم بعضها أن رئيس الوزراء سيشهد المأدبة وحده ليكون الحديث بينه وبين نائب المندوب السامي حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه، كما كان الحديث بين وزير المالية ونائب المندوب السامي، حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه حين سبق وزير المالية غيره من الزملاء حتى الرئيس إلى طعام نائب المندوب السامي.
    وزعم بعضها أن الوزراء جميعاً سيشهدون هذه المأدبة مع الرئيس، إلا وزير المالية لأنه سبقهم جميعاً إلى الطعام على هذه المائدة الممتازة، وأكبر الظن أن هضم ما سبق إليه من غداء أو عشاء، يحتاج إلى وقت طويل لا يسمح له باستئناف الغداء أو العشاء مع زملائه الوزراء. وأكبر الظن أن وزير المالية رجل يحب الأناة والهدوء وفراغ البال والبعد عن الرقباء والاحتجاب عن العذال، لا يسيغ الطعام إذا كثرت المشاركة فيه، وإنما يستلذه ويسيغه ويجيد هضمه والانتفاع به، حين يخلو إلى من يحب دون أن يكدر عليه صفو الخلوة زميل أو غير زميل.
    وهو من أجل ذلك في أكبر الظن قد خلا إلى المندوب السامي بالأصالة في الصبرية، كما خلا إلى المندوب السامي بالنيابة في الإسكندرية لم يشاركهما في إحدى المأدبتين وزير أو من يشبه الوزير.
    وكذلك تردد الناس في مأدبة أمس وفيمن يحضرها: أتقصر على رئيس الوزراء أم تشيع بينه وبين زملائه جميعاً أم يستثنى منهم وزير ماليتنا العظيم، وأخذ الناس يعللون كل فرض من هذه الفروض ويقلبونه ظهراً لبطن، ويستخرجون منه ما يحتمل وما لا يحتمل من المعاني، ويحملونه ما يطيق وما لا يطيق من الأحلام والأوهام.
    وإذا الأهرام تنبئهم صباح اليوم بهذا النبأ وتضع لهم فيه هذه الكلمة التي لم توضع عبثاً ولم ترسل سدى وإنما وضعت لمعنى تدل عليه وغاية يريدها الكاتب.
    فما عسى أن يكون هذا المعنى؟ وما عسى أن تكون هذه الغاية؟ أول ما يفهم من «فقط» هذه أن كثرة الوزراء لم تشهد المأدبة ولم تدع إليها، وليس من شك في أن نائب المندوب السامي لم يعرض عن دعوة الوزراء الذين لم يدعهم بخلاً بالطعام، أو إيثاراً للاقتصاد، فهو أكرم من ذلك وأسخى، وهو يعلم من غير شك كيف يضع الاقتصاد في موضعه، وليس من شك أيضاً في أنه لم يعرض عن دعوة الوزراء زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم العذبة وفكاهاتهم الحلوة، وخواطرهم الرائعة وآرائهم الناضجة، فهو رجل مثقف وهو إنجليزي وهو من كبار وزارة الخارجية البريطانية وكل هذه خصال من شأنها أن تحبب إليه وزراءنا الأفذاذ والانتفاع بجدهم حين يجدون، والاستمتاع بفكاهتهم حين يهزلون.
    ومن وزرائنا والحمد لله، من يجد فيحسن الجد، ومن يتندر فيحسن التندر: منهم الفقيه الفذ كوزير التقاليد، ومنهم الشاعر الفحل كوزير الأوقاف، ومنهم من يتقن أمور الزراعة، ومنهم من يحسن ضبط النيل وحماية القاهرة من أخطار المجاري، ومنهم من يحسن الكلام في المرافئ والثغور، وفي ماضي المشروعات الكبرى ومستقبلها، وما أدت إليه، وما يمكن أن ينتظر منها؟
    وكل هؤلاء يجيد الحديث في هذا كله، ومن المحقق أن في الاستماع له ما يمتع رجلاً مثقفاً سياسياً كنائب المندوب السامي، وإذن فهو لم يعرض عن دعوة الوزراء إلى مأدبة أمس زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم، وإذن فما كلمة «فقط» هذه؟ وما معناها؟ وما بال الدعوة لم تعم الوزراء، وإنما خصت ثلاثة منهم؟
    يقول قائلون إنما كانت الدعوة خاصة لما بين وزير المالية ورئيس الوزراء من مظاهر الخلاف في هذه الأيام، ومن مظاهر خلاف يراه الناس شديداً ويجدون فيه تمرداً أو شيئاً يشبه التمرد، وتحدياً أو شيئاً يشبه التحدي، فآثر نائب المندوب السامي أن يكون واسطة خير بين المختلفين، ورسول صلح بين المختصمين، وأن يستعين بوزير الداخلية اللبق البارع على محو الخصومة أو تخفيفها وإزالة الخلاف أو تقريب آماده، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد كله أو بعضه واطمأن إلى أن الأمر بين رئيس الوزراء ووزير المالية يمكن احتماله، ويستطيع أن ينتظر موعد التغيير، الذي لا يدعه دون أن يحدث أزمة عاجلة سابقة لأوانها الموقوت لها، أمكن أن يدعى الوزراء جميعاً إلى مأدبة عامة يتصل فيها جد الكلام وهزله، ولا يحتاج فيها إلى التحدث في السياسة وشؤون السياسة، ودقائق الأمور.
    كذلك قال الناس، وهم الآن يتساءلون أوفق نائب المندوب السامي ووزير الداخلية إلى إصلاح الأمر أم لم يوفقا؟ أما نحن فلا نصدق من هذا كله شيئاً لأننا لا نعرف أن هناك خلافاً بين وزير المالية ورئيس الوزراء، وإنما نعرف بل نؤكد أن الوزراء يتعاونون في وفاق كامل شامل كما صرح رئيس الوزراء منذ أيام. ورئيس الوزراء صادق إذا قال، فالوزراء متفقون، والوزراء متضامنون والوزارة ثابتة مستقرة، لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأحاديث الأزمة، والطوارئ والتعديل، هذا لغو في لغو، وإذن فما كلمة (فقط) هذه وما معناها ولم اقتصرت دعوة نائب المندوب السامي على ثلاثة من عشرة بين الوزراء؟
    سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا الراسخون في العلم، والراسخون في العلم الآن أربعة: نائب المندوب السامي ورئيس الوزارة وزميلاه. قل من شئت منهم ينبئك النبأ اليقين، ولكن أترى أحداً منهم يجيب إن وجهت إليه السؤال؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ / ٩ / ١٩٣٤.

  • الأزهر: الإصلاح والتجديد | Al-Azhar: Reform and Renewal

    الأزهر ومدرسة القضاء.
    تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما ملحين. الأول ألا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحس الناس أن شيئًا يجرى وراء ستار، وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق. نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذه الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمس مدرسة دلت التجربة على أنها لم تخل من نفع كثير، ويمس نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور إليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق إنا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًا من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي بل قل إنه أمر يمس التعليم وأمور التعليم تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ وإن يكن هذا المشروع شرًا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟
    يقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم. ويقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضي بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويقال إن في اللجنة خلافًا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد. ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.
    كل هذا يقال. وكل هذا حق أو أكثره حق. ولكن أَكُلُّ هذا حسن؟ أَكُلُّ هذا سيئ؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأيّ شيء في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد إليها وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأي حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون… فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يراد بها إرضاء قوم على حساب قوم آخرين… وقد نتمنى ألا يكون هذا حقًا. ولكنا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه.
    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣.

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت “السياسة” وغير “السياسة”. وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.

    توسع
    بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
    ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
    ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
    هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
    يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
    هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
    يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
    الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
    الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
    سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
    فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
    أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
    لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
    ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
    ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
    ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
    كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
    ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
    يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
    كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣

    بلاء
    كان بلاء حسنا، وكان بلاء سيئا هذا الذي أبلاه شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ أمس، فرفع كلمة الإسلام، وأعز دين الله، ونشر لواء الحق ظافرا منصورا، وأظهر نور الله واضحا باهرا، لا يغشاه ظل، ولا تخفيه ظلمة، ولا يحول بينه وبين الناس غيم صفيق أو رقيق، ولكنه على هذا كله لم يصنع شيئا ولم يفد الإسلام قليلا ولا كثيرا.

    كان بلاء حسنا حقا هذا الذي أبلاه أمس، شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه أمس عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ، وكيف لا يكون بلاء حسنا هذا الجهد العنيف الذي بذله الشيخ أمس منذ ابتدأت الجلسة إلى أن ختمت فقام على المنبر يدعو إلى كتاب الله، ويذود عن كتاب الله، ويلح في تحفيظ كتاب الله، ويشفق أن يضيع كتاب الله. والشيوخ يستمعون له أول الأمر، ثم لا يلبثون أن يضيقوا به شيئا فشيئا، ثم يستحيل هذا الضيق إلى تبرم، ثم إلى سخط، ثم إلى هياج، ثم إلى تفرق عن الشيخ وانسحاب من الجلسة، ويكون أول المتفرقين، والسابق بين المنسحبين صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    تبارك الله، ما أثقل كلام الشيوخ على آذان الشيوخ! وما أضيق رجال الدين ببراعة رجال الدين! تبارك الله، ألم يكن يجب لهذا المجاهد الصادق في سبيل الله، ولهذا الخطيب الناطق بحجة الله، ولهذا البطل الذائد عن دين الله، ولهذا الفارس المدافع عن كتاب الله، ألم يكن يجب له شيء ولو قليل جدا من التشجيع والتأييد يبذله له، ويمده به صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي جعلت الظروف إليه حماية الإسلام، ورعاية حرماته، والدفاع عن القرآن، والذود عن ذماره، ولكن شيخ الأزهر سخط وثار، ثم نهض فطار، وأسلم الشيخ الخطيب للتقريع والتأنيب، فجعل الشيخ يصول ويجول، ويسكت ويقول، ويقصر ثم يطول. والأعضاء من حوله بين مقبل عليه، مصغ إليه، وبين معرض عنه، نافر منه، حتى إذا بلغ به الجهد أقصاه، رفق به منهم رفيق، فدعا له بقدح من ماء شربه الشيخ فعاد إليه النشاط وقويت في جسمه حركة الحياة، فانطلق لسانه وتدفق بيانه، وعظم سلطانه، وطغى سيله، واشتد ويله، حتى صاح وزير التقاليد: «واغوثاه، واغوثاه، أنحن في مدرسة من مدارس اللغة، أم في مجلس من مجالس التشريع؟».

    والشيخ يزأر ويهدد، ويضطرب ثم يستقر، ويذكر المواضيع وصوابها الموضوعات، ويذكر المظاريف وصوابها الظروف، ويذكر الكيلومتر ويريد أن توضع مكانها الذراع، ويذكر مجانا وصوابها بالمجان، ويذكر الجغرافيا وصوابها تقويم البلدان.

    ووزير التقاليد يسكت فيطيل، ويعتدل ثم يميل، ورئيس المجلس ينبه، والشيخ لا ينتبه، وعضو من المجلس يهبط على الشيخ فيزعق الشيخ في وجهه زعقة ترتج لها أنحاء المجلس: «لأمضين في الكلام حتى الصبح». ويمضي ثم يمضي. وقد أخذ المجلس وجوم، وتساقطت على المجلس هموم، ويرقى إلى الخطيب شيخ من رجال الدين، ثم شيخ آخر من رجال الدين. هذا يستعطفه، وهذا يستكفه عن القول، ولكن الشيخ لا يعطف ولا يكف، بل يمضي. يا لها من جذبة روحانية رائعة، بسطت سلطان الشيخ على الميدان حتى خلا من كل منازع. ثم يقترح الشيخ تعديلا لمادة من مواد القانون، ويريد الشيخ بهذا التعديل أن يفرض على أبناء المسلمين جميعا حفظ القرآن، ويأخذ الشيخ في الدعوة إلى الله، وفي إنهاض الهمم، وإثارة الحفائظ وتنبيه الشعور، وإذكاء العواطف. فيستجيب للشيخ رجال ليس منهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر. والشيخ ماض في إنهاض الهمم والدعوة لله، ولو قد خلى بين الشيخ وما أراد لظفر وانتصر، وأصبح حفظ القرآن كله فرضا على أبناء المسلمين، ولكن الجلسة ترفع، ويخرج الرئيس ويتبعه الأعضاء، ويخرج الشيخ مع الخارجين، ثم يعود مع العائدين، ثم يؤخذ الرأي فإذا حفظ القرآن فرض كفاية، لا فرض عين، يقوم به من أراد من المسلمين كما أحب القانون، لا كل المسلمين كما كان يريد الشيخ. والشيخ مصر على رأيه ملح فيه، ولكن الاتفاق قد تم خارج الجلسة، وأمن المجلس من أن يؤخذ على غرة. وانتهى الأمر كما بدأ، وذهب جهد الشيخ الجاهد في غير طائل، وضاعت على المجلس جلسة كاملة لو لم يشغلها الشيخ ببيانه الرائع ودفاعه البارع لأتيح للأعضاء أن يفرغوا لدرس القانون، وتمحيص طائفة من مواده كانت تحتاج إلى التمحيص.

    وكان نفر من رجال التعليم الإلزامي قد أقبلوا ليشهدوا المجلس ويسمعوا ما يقال فيه حول هذا الموضوع ذي الخطر العظيم، فرأوا الشيخ وسمعوه، ولم يروا المجلس ولم يسمعوه، وإذا أبى الله توفيقه على بعض الناس دفعهم إلى الإغراق في الصمت أو إلى الإغراق في الكلام، فأضاعوا الحق، وعطلوا المنفعة بالأمرين جميعا.

    في هذه الجلسة عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، ودرس لمن أراد أن يفهم الدروس. فيها أن الإغراق في الصمت كما كان يفعل شيوخ الأزهر مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن الإغراق في الكلام كما فعل الشيخ أمس مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن خير الأمور أوسطها، وأن الإسراف لا خير فيه مهما يكن مصدره ومهما تكن غايته، ومهما يكن موضوعه.

    وفيها أن صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد وقف أمس موقفا لم يكن ينبغي له، فقد كان من الحق عليه، وعليه قبل أي إنسان آخر أن يقول في هذا الموضوع كلمة رجال الدين فيقر بها الأمر في نصابه، ويبين للمجلس طريقة واضحة جلية، لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الشيخ راغ وزاغ، وآثر الصمت ثم آثر الانسحاب ثم عاد موثرا للصمت، فلا هو غاب عن الجلسة، ولا هو شهدها، فكان شهوده نافعا مفيدا، كان من الحق عليه أن يأخذ صاحبه بالصمت، وأن يبين أن الله عز وجل أرفق بعباده من أن يفرض عليهم جميعا حفظ القرآن كله، وأن الخير في أن تنهض بحفظ القرآن جماعة صالحة من أبناء المسلمين كما أراد القانون، ولكن الشيخ أشفق أن يجهر بهذا الحق فيتهم بالتخذيل عن الدين، والتقصير في الذود عنه، وأشفق أن ينضم إلى الشيخ فيغضب الوزير ويسخط أصحاب السلطان، وآثر الشيخ أن يقف موقفا غريبا، أقل ما يوصف به أنه كما يقول القرآن الكريم: ﴿لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء﴾ كانت تنقصه الصراحة والصراحة في الحق ألزم الأشياء لرجال الدين.

    ولكن من ذا الذي ينتظر من مولانا الأكبر موقفا غير موقفه؟ وهل أخطأ الشاعر القديم حين قال:
    وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
    لقد نفض الشيخ يده أمس فلم يبق فيها شيء. أما المجلس فلم يكن موقفه أقل غرابة من موقف الشيخ الأكبر. كان ضيقا بالخطيب، مسرفا في الصبر عليه. ولعله كان خائفا منه، وكيف لا يخاف وهو يذكر الدين، ويظهر الدعوة إليه، والشيخ الأكبر خائف يترقب، لا يستطيع أن يؤيد صاحبه، ولا أن يخذله.

    وكذلك مضى هذا القانون في غير درس ولا تمحيص، لأن شيخا من شيوخ الأزهر أراد أن يظهر الغيرة على الدين، فأسرف فيما أراد. وأراد المجلس أن يصبر عليه، فأسرف في الصبر. وضاعت مصالح الناس بين انتفاش الشيخ وانكماش المجلس. فاللهم اهدِ القوم إلى حسن القصد في تقدير الأمور.
    كوكب الشرق ١٣ – ٦ – ١٩٣٣

    نظام
    كره الحكماء في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل تجاوز الحد، وضاق الحكام في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل بالغلو والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل، وما ينهجون من نهج في الحياة. ويخيل إلينا أن علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد والحرص على الاعتدال، وهم أحق الناس بتجنب الإفراط وتجنب التفريط معًا.
    فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر. وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب، وأن يتجنبوا بنوع خاص عيب الإفراط وعيب التفريط لأنهم مصدر كثير من الرذائل وسبيل كثير من الآثام. وقد قصر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا آخذهم به الناس ولاموهم عليه. فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم فيها الصمت ولا الجمود. وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة ولا الذود عن الدين مهنة، ولم يتقاضوا على ذلك من الدولة أجرًا، ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون، ويدفعون ويذودون، ومهما يقل القائلون فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين.
    ولم ينس الناس بعد موقف الأزهريين من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في بيت المقدس، ولا موقفهم من هذه الأحداث التي ألمت بالمسلمين في بلاد العرب من مراكش إلى طرابلس ففتنت جماعة منهم عن دينهم، وآذت جماعة منهم في أموالهم وأنفسهم وحرماتهم. ولا موقفهم من مقتل الشهيد الطرابلسي، ولا من مرض الإمام السنوسي ووفاته وصلاة الغائب عليه.
    لم ينس الناس مواقف الشيوخ الأزهريين من هذه الأحداث كلها، ولا من هذا الحدث الأخير الذي أصاب المسلمين في كرامتهم ودينهم كما أصاب المصريين جميعًا في كرامتهم ودياناتهم بما كان من اعتداء المبشرين الظاهر والخفي على الفتيان والفتيات، والبائسين والضعفاء. فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت، وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد الاضطراب ونفوسهم هادئة، وخفقت قلوب المسلمين والمصريين أشد الخفقان وقلوبهم مطمئنة مستقرة في الصدور. وضج الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس بجمود الشيوخ، وألح الناس في الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه. وظل الشيوخ صامتين، هادئين حتى نهض غيرهم فقال ونهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردد نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك ونثني عليهم ونشجعهم على المضي فيه، وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به. فكان صمت الشيوخ العميق، وسكون الشيوخ الطويل تورطًا في التقصير الذي يعاب به علماء الدين بنوع خاص إن آثروه وقصدوا إليه في غير تورط ولا اضطرار، ولكنا مع ذلك نسينا للشيوخ هذا التقصير وألححنا على الناس في نسيانه وقلنا إن الحركة المتأخرة خير من السكون الدائم والجمود المقيم.
    ولكن الشيوخ فيما يظهر محتاجون إلى شيء من التجربة حين يقصدون إلى الأعمال العامة، أو يندفعون إليها لأنهم لم يجربوا هذه الأعمال كما ينبغي ولم يأخذوا بحظهم من ممارستها. فهم مضطرون بحكم هذا الإهمال وهذا البعد من مشاركة الناس في حياتهم العامة إلى أن يتورطوا في أحد العيبين: فإن سكتوا أغرقوا في السكون، وإن عملوا أسرفوا في العمل، واندفعوا فيه إلى غير حد، أو إلى حد كان يحسن ألا يبلغوه. فالذي كان يطلبه المسلمون من الشيخ الأكبر وأصحابه لم يكن عسيرًا، ولا شاقًا ولا معقدًا. إنما كانوا يطلبون إليهم أن يغضبوا لدينهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويوجهوا أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى الأمة والحكومة معًا فيطلبوا – وقد فعلوا – إلى الأمة أن تفطن لكيد المبشرين، وتصرف صبيانها وضعفاءها عن معاهدهم، وتنشئ ما يغني عن هذه المعاهد الخطرة. ويطلبوا إلى الحكومة – ويقال إنهم قد فعلوا – أن تنهض بواجبها على أحسن وجه فتكف المعتدي عن عدوانه، وتحمي المصري من هذا العدوان. وتتخذ إلى ذلك سبلها السياسية والإدارية والمالية والقضائية فتنشئ الملاجئ وتغلق معاهد العدوان وتنفي الآثمين من الأرض.
    ولم يكن المسلمون يطلبون إلى شيوخ الأزهر أكثر من أن يدعوا إلى ذلك ويلحوا في الدعاء حتى تستجيب لهم الأمة وتستجيب لهم الحكومة، ولكن شيوخ الأزهر اندفعوا فيما يظهر إلى أبعد مما كان يطلب منهم، بل إلى أكثر وأثقل مما يطيقون حتى وإن أيدتهم الوزارة وشدت أزرهم وحمت أظهرهم، واحتكرت لهم وحدهم في غير موافقة للدين أمر حماية الدين، والدعاء إليه.
    فها هم أولاء ينظمون الجماعات ويؤلفون اللجان الخاصة والعامة، ويحاولون أن يبثوا لجانًا فرعية في أقطار مصر، ويجعلوا أنفسهم لا حماة للدين، وذادة عنه فحسب، بل جباة للمال، ومدبرين له أيضًا. وهذا نظامهم الذي أذاعوه يدل دلالة واضحة على أنهم لا يكتفون بالدعاء إلى الله، والهداية إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وإنما يريدون أن يكونوا قوة عاملة منظمة أصلها في الأزهر وفرعها في أطراف الأرض لها مجالس ولجان وخزانة وخزان، ولها أسرار وأمناء أسرار، ولها محفوظات وأمناء على هذه المحفوظات، وفيها آمر ومأمور، وفيها مقترحون ومنفذون إلى آخر هذا النظام المعقد الذي نشرته الصحف منذ أمس والذي هو أشبه بنظم الجماعات والأحزاب منه بما تحتمله الهيئة الموقرة من رجال الدين.
    نعم إن الهيئة حظرت على نفسها العمل في السياسة أو التعرض لها، ولكن يقال – وكنا نحب أن يكذب هذا الذي يقال – إن الهيئة لم تستطع أن تخلص من السياسة أو مما يشبه السياسة، فقد اجتمعت واجتمعت ولم تدع بعض أعضائها إلى شهود هذه الاجتماعات والاشتراك فيها. والناس يتأولون هذا الإهمال ويذهبون فيه المذاهب. ويقال – ولا سبيل إلى تكذيب هذا الذي يقال – إن الهيئة قد قبلت من الحكومة هذا الاحتكار الذي وقف عليها وحدها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قصة المبشرين. وكان الحق عليها للدين ولنفسها ألا تقبل هذا الاحتكار المعيب، فالأمر بالمعروف حق المسلمين جميعًا، وواجب على المسلمين جميعًا. وقبول الهيئة هذا الاحتكار ممالأة للحكومة عما لم يكن ينبغي أن تمالئها عليه أو هو على كل حال إذعان للحكومة فيما لم يكن ينبغي أن تذعن لها فيه. وسواء أكان الأمر ممالأة أو إذعانًا فهو مجاراة للسياسة وتورط فيها.
    ويقال – ونظام الهيئة هو الذي يقول ذلك – إن الهيئة قد اتخذت لنفسها لجنة تنفيذية تتألف من أعضاء قليلين لا يتجاوزون الخمسة، فيهم الشيخ الأكبر ووكيله ومفتي الديار. وجعلت لهذه اللجنة سلطانًا طويلًا، عريضًا عميقًا، لا يفلت منه شيء ولا يشذ عنه شيء وليس لشيء عليه سبيل. فلجنة العلماء لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا أن تنشر إلا إذا أذنت لها لجنة الخمسة. وكذلك لجنة المال وكل أعمال الهيئة مهما يكن موضوعها وأغراضها رهينة بلجنة الخمسة. فلجنة الخمسة هذه مسيطرة على رجال الدين جميعًا فيما يعملون ويقولون للدعوة إلى سبيل الله. وهذا أيضًا نوع من الاحتكار غريب، وضرب من الاستئثار يذكر بنظم الأحزاب التي تريد أن تكون قوية واسعة السلطان، بعيدة الأثر في الحياة.
    كل هذا كثير، وكل هذا معقد، وكل هذا يدعو إلى التفكير في أن الهيئة تسير في طريق قد لا يرضاها المسلمون، لأنها لا تلائم طبيعة الحياة الإسلامية، ولأنها أقرب إلى تنظيم حزب للأكليروس لا يحتمله الإسلام، لأنه ينافي طبيعته السهلة اليسيرة.
    ولعل الهيئة تحسن الظن بنفسها وبالناس وتحسن النصح لنفسها وللناس إن عدلت عن كل هذا التعقيد الذي لا حاجة إليه والذي لا يحتمل البقاء الطويل، ولا يستطيع أن يثبت لتغيرات الأيام والظروف فاكتفت بالدعوة إلى الخير توجهها إلى الأمة والحكومة، وتلح فيها، وتركت العمل للقادرين عليه. فهي إذا جمعت من أموال العلماء مقدارًا ضخمًا أو نحيفًا خليقة أن تدفعه إلى الحكومة أو إلى جماعة من جماعات الخير لتدبره وتنفق منه في الوجوه التي جمع لها، وهي غنية عن تنظيم اللجان وبثها في القرى والمدن والأقاليم. فهذا نوع من النشاط غريب بالقياس إلى هيئة الشيوخ، لا يستطيع الناس أن يفهموه ولا أن يألفوه، ولا أن يطمئنوا إليه. ونحب مخلصين أن يطمئن الناس إلى ما يصدر عن رجال الدين، إن التقصير عيب، والإسراف عيب. وقد تورطت الهيئة في العيبين فيما يظهر. فهل لها أن تخرج من الإسراف كما خرجت من التقصير، وأن تؤثر ما يأمر الله به من القصد والاعتدال؟
    كوكب الشرق ٢٧ – ٧ – ١٩٣٣

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

    قسوة
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
    قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
    نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
    نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
    والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
    جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
    بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
    قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
    إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
    نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
    لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف».

    ربع مية
    للدكتور طه حسين
    يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
    وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

    ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
    نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
    وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
    وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
    قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
    “وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
    قلت:
    “وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
    ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
    كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
    ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
    ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
    وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
    صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
    ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
    وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
    ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
    قلت لأصحابي:
    “ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
    قال أصحابي:
    “فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
    قلت لأصحابي:
    “يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.

    الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤

    حديث الوادي
    مأساة…
    فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.

    وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.

    وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.

    نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.

    ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.

    نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.

    نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.

    في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.

    ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.

    لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.

    لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.

    ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.

    وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.

    لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.

    لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.

    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.