Back to homepage

الحرية | Freedom

حرية…
لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذى أنزل فـيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتي بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حسا، تسمح فى الصباح وتجمح فى المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبنى إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملا النفوس فزعا والقلوي هلعا والضمائر فرقا وشفقا، وما أحب لنفسى ولا لأهلى ولا لأصدقائى أن يصيـبنا فى شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو اشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم فى وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملنى على الهدوء والاناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون فى شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فـرعون فى شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
 فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يحسى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعـدل إن الله نعما يعظكم به أن الله كان سميعا بصيرا.
 
ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التى يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التى يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التى تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
 وللشعب المصرى فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له فى الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هى أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هى التى تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهى عن الشر فينتهى عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتى ما يشاء وينتهى عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت الـقوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهى وعلى الثواب والعقاب.
 والأمر والنهى لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثوا والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هى حريتهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا، لا ينبغى أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب فى المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها فى مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثـيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا فى الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها الينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيسى الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأنى أتحدث اليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر فى التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا فى رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها فى الدين من جهة أخرى فقد حملت الينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التى أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فـما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتى ويدع يلحظ الإسلام فـيما نأمر وينهى ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فيمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى الينا منها وماذا احتجز عنا.
 ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد الينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونبحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد فى أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق فى هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق فى هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق فى هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبـيننا دائما إلى القضاء الذى ينبغى أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه فى كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة فى الحرية فى قليل ولا كثير.
 كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى فى نشرها خطرا لا يرجع فى ذلك إلى القضاء ولا يعتمد فى ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضى ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم فى أن يكتبوا أو يقرأهم الناس وتضيع على الشعب حقه فى أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة فى أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس فى قليل ولا كثير.
 ثم حاءتنا الأنباء فى باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلي التعطيل وتجاوز. المضايقة إلى الحرمان وعطل فى يوم واحد صحفا عدة لم يرجع فى أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم وضى ثم أنقذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال أن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال أن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى فى انفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادى فى الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب فى شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والاناة، وقـد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابة وأن يبلغ ذلك بالتى هى أحسن فبين لرئيسى الوزراء فى مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء فى منتصف الطريق من أسس الحياة فى هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف فى إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعى إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين خرجا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فشاب إلى نصف الحق ولـم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه يهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغى أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطى على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر فى هذا اليسر وتضيع فى غير مشقة ولا عناء على أن التبعة فى ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغى أن يغضبوا لها.
 أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى اليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبـيح للناس أن يطيعوا المخلوق فى معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام فى مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذاءهم فى حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
 إنى أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هى قول الله عز وجل: إن الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
 وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأوكد للكتاب والمثقفين جميعا إنى – وأنا لا أملك إلا نفسى – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فـلا أقبل فى حرية الرأى هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط فى الحرية.
 طه حسين
 صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.

Comments

One response to “الحرية | Freedom”

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading