بغي
لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
[1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.
كثير
كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣
ولا هذا أيضًا
وكما أجاد «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
[1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.
خصومات أدبية!
للأستاذ توفيق الحكيم
من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
“قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…”.
والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
“أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين”.
وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: “ظهر كاتب روسيا الأعظم!”؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: “هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!”؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: “أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد”، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
توفيق الحكيم
Leave a Reply