Back to homepage

طه حسين الناقد: الشرق يلتقي الغرب | Taha Hussein the Literary Critic: East Meets West

قصة فيلسوف عاشق
في الأدب الغربي
للدكتور طه حسين
واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.

في النقد
للدكتور طه حسين
سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
«مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

حول قصيدة
للدكتور طه حسين
في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
“أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها”.
وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading