Category: Uncategorized

  • الإيمان والضمير والقدوة | Faith, Conscience, and the Examples We Live By

    المولد
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا… والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام.
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف. لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهذه الهيئة…
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرًا ونكرًا وهولًا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادًا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع.
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضا حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أماني تداعب النفوس فتملأها رضا وابتهاجًا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابًا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة.
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوي حتى يعطي النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد إنشاؤها يتم حتى شبت الحرب في أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس في غير اكتراث، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبًا مباحًا للأقوياء. ويكفي أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا في الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة، غرباء في غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء. وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقي إليه بالها.
    ***
    ويكفي أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعوامًا متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس في حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغي الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئًا ولا تستطيع أن تصنع شيئًا، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء.
    ***
    وهي على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويًا. فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدًا. فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف، فالفرنسيون يشكون في الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين. والأمريكيون يشكون في أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير. وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس. فلم تصنع مما أنشئت له شيئًا.
    وما أكثر ما أنفقت الأمم في سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهي الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدًا وتدبر غدًا لتقبل بعد غد. ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة في أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك.
    فأما العدل الشامل الكامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف فما زال أملًا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب. وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبًا حقًا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير. واليوم يحتفل المسلمون في أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيمًا، قد مات أبوه قبل مولده، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره.
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئًا لأنه فعل أو قال. ولا لأنه غدًا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرًا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق. ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها. وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلًا جلدًا قادرًا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء.
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أي قوة ومضاء أي مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كرامًا تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم في الأمل. ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنًا ورضا وإيمانًا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارًا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار في أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير.
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة في بعضها ولا تمضي عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوًا فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا وكانوا يعيشون في جهالة جهلاء، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونورًا… وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن في التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضا الله عنهم إلا إذا أقاموها على العدل الذي لا يمتاز فيه قوي من ضعيف ولا غني من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف.
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور في جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام.
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانًا بعد أن ملئت نكرًا وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيمًا فأواه وضالًا فهداه وعائلًا فأغناه. ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقًا جديدًا.
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به في أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائمًا ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحًا ومُمسيًا ويقظان ونائمًا ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه القوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعًا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأي والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغي أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذي أو يشين.
    طه حسين
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥.

    إلى أخي الزيات: الخيال العاقل
    تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء
    للدكتور طه حسين بك
    أعرفتَ قط خيالاً عاقلاً أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته مشقة ولا جهداً، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتاً، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إليّ، أو قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء. ولكني لم أدعه لأعرفه؛ فإن عهدي به بعيد، بعيد جداً لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة. ما أكثر ما زيّن لي الأشياء حتى كلفتُ بها ورغبتُ فيها، وما أكثر ما بغّض إليّ الأشياء حتى نفرتُ منها وضقتُ بها، وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها، فإذا هي تملأ قلبي أملاً ورجاءً وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأساً وقنوطاً وتدفعني إلى الفتور والخمود والانزواء.
    لقد خلق لي عالماً كاملاً بعيد الآماد، متنائي الأرجاء، مختلف الألوان، قضيت فيه أيام الصبا وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه. ثم خلق لي عالماً آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة وتنوعاً واختلافاً، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت فيه أيام الشباب وما زلت أتمنى أن أعود إليه. ثم هو يرافقني الآن فيزين لي الحياة قليلاً، ويقبحها في نفسي كثيراً، ويحاول أن يخلق لي ما يسرّ، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه حيناً، وأعصيه أحياناً. ولكنه وفيّ لي دائماً كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء؛ وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصداً أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ لأني أعرفه جريئاً مسرفاً في الجراءة، نشيطاً غالياً في النشاط، يخترع من الصور وفنون المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي الخيال.
    عرفته وفياً نشيطاً متأهباً دائماً للمعونة كلما دعوته أو فزعتُ إليه، مقدماً من هذه المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جداً مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعاً غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزّق نشاطاً ومرحاً، ولقد كنت أتهيأ للكبح من جماحه والرد من نشاطه، وأخذه بكثير جداً من الأناة والقصد كما تعودت دائماً. ولكني لم أكد أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم ولا قصور موئس: (إليك عني فلست مما تريد في شيء).
    ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلاً من حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قروناً طوالاً من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي خرج فيه النبي وصديقه الصدّيق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال ستفنى الزمان قبل أن تفنى، وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها الأجيال التي لا تُحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تُحصى، وسيستمد المسلمون منها أبداً قوة على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ونعمة.
    نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إليّ من الصور، فأعرض في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع. فلما ألححت عليه تبينت منه الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن:
    “استعن بي فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن أوضحه مهما أكن نافذاً بعيد الهم، وأنصح من أن أزينه مهما أكن ماهراً في اختراع الزينة وابتكار الجمال”.

    ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل – أستغفر الله – فما يستطيع العقل أن يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أُتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد منه فلست محتاجاً مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافاً منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة وعظمة وجمالاً وحباً وإكباراً دون استعانة بعقل أو خيال، فلست إنساناً ولست من الإنسانية في شيء.
    انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً، إن كان للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه. ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه. ثم ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء.
    ثم امضِ معه خارجاً من الصبا داخلاً في الشباب متقدماً فيه، فإذا الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجدّ ويعمل، إنه يكدّ ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور.
    ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمّله أثقل أمانة حمّلها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلداً له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً ولا فتوراً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال والفتور.
    ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويُمتحن في نفسه وسمعته، ويُمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويُمتحن في بنيه، ثم يُمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها، ثم يُمتحن في دينه، ثم يُمتحن في كل شيء، ثم يُمتحن في كل إنسان. فإذا هو كما هو؛ باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.
    ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تُحتمل والمكروه الذي لا يُطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فُتحت له أبواب الأمل، وفرّج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاءً كلها، وإباءً كلها، وصبراً كلها، وثقة بالله كلها.
    ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبقَ له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشر ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بُشّر به. ويجد المسلمون أن عينه قد قرّت فتقرّ عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال. ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً، وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع. أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف، لم يتمّ إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.
    وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راضٍ بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتمّ مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا!
    قلت لهذا الخيال:
    “ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً، إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر”.
    قال:
    “وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح والجموح؟”.
    قلت:
    “لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع”.
    قال:
    “انقله راشداً إلى صديقك وإلى كل محزون جزع، فما أرى أن مسلماً يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلاً”.
    الرسالة ٣٠\٣\١٩٣٦

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    “لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه”.
    قال أصحابه:
    “وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟”.
    قال:
    “أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    “إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء”.
    قال قائل:
    “وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟”.
    قال نسطاس:
    “والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء”.
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    “لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار”.
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    “وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار”.
    قال رجل من أصحابه:
    “إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟”.
    قال قائل منهم:
    “ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً”.
    قال الآخرون:
    “ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟”.
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    “فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة”.
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

    الضمير الهارب
    لم يكن صاحبي ساذجاً ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي الذي أظنك رأيته في دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام في فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشي على رصيف من أرصفة باريس لقي رفيقاً من رفاقه في جيش الإمبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعاً حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الإمبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا في ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم ما زال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط أن صديقه لم يقم على عهد الإمبراطور، وإنما آثر لين الحياة فعمل في جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه في شيء، ولم يزد أن أطفأ المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن، وفهم الرجل عن صديقه فانصرف عنه خزيان أسفاً.
    لم يكن صاحبي ساذجاً غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسي، وإنما كان رجلاً مترفاً لا في حياته المادية، بل في حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفي بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئاً أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شيء. وهو إذا وصل إلى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما، وإنما تخير منهما أنقاهما وأرقاهما وأشدهما ملاءمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقي، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبي قويّ الحس جداً، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه في موضعه الطبيعي فلا يكبره ولا يغلو في العناية به، ولا ينتظر منه إلا ما يُنتظر من الأداة التي لا يُراد منها إلا أن تؤدي العمل الذي هُيئت له. فهو لا يريد من حسه إلا أن ينقل إليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها إليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه بخلاصة ما ينتهي إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذّى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه أقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
    وكان صاحبي هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقداً شديد التعقيد، متعباً لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعاً، وكان كثيراً ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جواباً. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جواباً. فقبلوه على علاته، وقبلوه على ما في صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضي في طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم في بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضياً عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على أن يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه.
    ولكن هدوء الحياة ودعتها واطراد الأمن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أموراً محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهداً على الظروف والأيام. وإنما هي أمور ممكنة تتاح حيناً وتمتنع أحياناً؛ تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتاح فيجهل بعض الناس بعضاً، ويحب بعض الناس بعضاً، ويطمئن الناس إلى بعض؛ لأن ظروف الحياة لا تكرههم على أن يدقق بعضهم في امتحان بعض، ويحقق بعضهم في ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون أن يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرقة منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم الماضي، وإذا هم يتمنون لو ردّ الله عليهم تلك الأيام الحلوة التي كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التي يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
    وكان صاحبي قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شيء من كل شيء ومن كل إنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجيد والرديء. فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه باباً، وإنما نظر فإذا النفوس تغلق من دونه نفساً فنفساً، وإذا أبوابها تغلق من دونه باباً فباباً. وإذا ما كان يجتمع له من الملاحظات يقلّ شيئاً فشيئاً، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئاً. وإذا ما بقي من هذه النفوس القليلة التي ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للأحداث، قد أخذ يغشاها من حين إلى حين لون رقيق جداً من الحياء، ثم من الغلو في الحياء، ثم من الإشفاق، ثم من الإسراف في الإشفاق. ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتُضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطاً وحذراً، وحتى يستحيل إلى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس إلى نفس، ولا ينتهي من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير.
    وإذا صاحبي يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوهاً، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا أيدياً، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم إلا حركات الألسنة في الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التي قد غُلقت تغليقاً، وهذه الأستار التي قد أُسدلت إسدالاً. على أنه أيضاً لم يكن أقل من أصحابه وأحبائه تغليقاً لأبواب نفسه، وإلقاء للحجب والأستار بينه وبينهم؛ فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه. فكان هذا الحياء الذي كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد في نفسه كما كان يتعقد في نفوسهم حتى أصبح إشفاقاً ثم شكّاً ثم احتياطاً وحذراً.
    ولكن حياء صاحبي لم يكن كحياء أصدقائه؛ كانوا يستحيون منه وكان يستحيي لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم، كانوا يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب وإلقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الأسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنه العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن يعتزل بعضهم بعضاً، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون أن ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء. ولكنه هذا الألم الممض الذي ينشأ عن الفراق والناس مجتمعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذي يجده الناس حين يتحدثون بألسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان في تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم؛ لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحباء فاستقر في أحباء آخرين.
    هنالك نظر صاحبي إلى نفسه، فإذا هو قد أصبح أداة من الأدوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر إليها من حديث. أداة تذهب وتجيء تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثاراً في أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها، ولا أثر للحياة القوية العاقلة المفكرة في مظاهرها، وإنما هي أداة ممثلة لا أكثر ولا أقل، تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل.
    وكانت لصاحبي بقية من قوة في النفس، وفضل من حياة في الضمير، وأثر من حزم في الإرادة، وقليل من ذلك الترف العقلي الذي كان يستمتع به أيام كان الناس ناساً وحين كانت الحياة حياة؛ فأكبر ما انتهت إليه أموره وأمور أصحابه من هذه الصفة التي يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها إلا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التي لا يستطيع أن يكون فيها إلا أداة مسخرة. ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها؛ قرّ في داره وعاش بين أهله، لم يسعَ إلى أحد ولم يفكر في لقاء أحد، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وتردّ إليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد. ولكنه لم يلبث أن استيقن أنه لم يصنع شيئاً؛ فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه، يعرض عنهم فيقبلون عليه، يقعد عنهم فيسعون إليه، يكفّ عنهم حياءه لهم وإشفاقه عليهم فيحملون إليه حياءهم منه وإشفاقهم منه، ويغلون في ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم، أو يحسبون أنهم يخدعون أنفسهم عن أنفسهم.
    فلما استيأس صاحبي من نفع هذه العزلة، واستيقن أنه لا أمل له في أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهراً وضميره حياً إلا أن يترك البيئة كلها وهاجر من أرض إلى أرض، وارتحل عن وطن إلى وطن، أسرّ ذلك في نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولأنفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره ونجلس إليه.
    ثم سعيت إليه ذات يوم لأقضي معه ساعة من ساعات الفراغ – وما أكثر ساعات الفراغ في حياتنا نحن المصريين – فلم أجده، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أُدلل عليه. وسألت متى يمكن أن يعود فلم أُنبأ بشيء. فعدت محزوناً لا لأنني لم ألقه، بل لأني لم أُلقِ عليه ثقل ما كنت أحتمل من الضجر والضيق والفراغ، ولأني لم أُلقِ في نفسه أني أوثره بالحب وأعتقد أنه يؤثرني به. لأني لم أُهدِ إليه شيئاً من هذا الرياء الذي يهديه بعضنا إلى بعض في كل يوم، ولم أتلقَ منه شيئاً من هذا الرياء الذي يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم؛ رجعت محزوناً لأن الأداة لم تؤدِّ بعض ما كان يجب أن تؤديه من التمثيل.
    وعدت إلى صاحبي ألتمسه فلم أجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه، وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الأمل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به إليك الآن أيها القارئ العزيز.
    ثم انقضت الأسابيع والأشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الأسطر التي دفعتني إلى كتابة هذا الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه، فقد عرفت عنوانه الآن. كتب إليّ يقول:
    “كتابي إليك أيها الصديق من بلد ناءٍ فررتُ إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فرداً مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس. ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة، وسئمت حياتكم سأماً لا حد له، وكرهتها كرهاً لا أعرف له قراراً، وعجزت عن احتمال أيسر أثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقاً، واستكشفت فيها نفسي فنعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري واستمتعت بهذا الأنس. ولكني لم ألبث في هذا البلد شهراً أو شهرين حتى أحسست أن نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حيناً، وإلى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حيناً آخر. وما زلت أيها الصديق مطمئناً إلى هذا المعقل الذي آويت إليه واعتصمت به. ولكن انظر! ها أنا ذا أكتب إليك، وما كتبت إليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لأن نفسي نازعتني إلى حديثك. وإذن فقد أبت حياتي تلك إلا أن تتبعني في هجرتي وتقتحم عليّ هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما أتمناه ألا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فاكتب إليّ وأطل، فقد يظهر أن الحياة التي ترتفع ارتفاعاً خالصاً عن كل ما نكره من النقائص شيء لا سبيل إليه. وأما أنا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وأنا زعيم لكم أيها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود إليكم متى انقضى الصيف. ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شيء من الأمن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وتُرفع الحجب والأستار، لا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة، ثم لا يستحيي بعضنا من بعض، ولا يستحيي بعضنا لبعض.”
    الرسالة ٠٧\٠٥\١٩٣٤

  • وزير التقاليد، تتمة | The Minister of Traditions, Continued

    خطبة
    ليست لرئيس الوزراء، فقد كف المرض رئيس الوزراء عن الخطابة، واضطره إلى الإغراق في الصمت، أو إلى اختيار الوكلاء الذين يتحدثون عنه، ويتكلمون بلسانه، وليس شك في أن البيان قد خسر بهذا الصمت الذي أكره عليه رئيس الوزراء آيات لا تحصى، وفقد ما كان يمتاز به في هذا العهد السعيد من رونق وبهجة، ومن روعة وبراعة، وأصبح عاطلًا تزور عنه الأسماع، وتنفر منه الطباع، وأحست المنابر في القاهرة والأقاليم أنها فقدت خطيبها البارع ومنطيقها الذي لا يُجارى، ولا يُشَقّ له غبار. وقد لاحظ الذين سمعوا وكيلي رئيس الوزراء في الخطابة في مجلس النواب مرة، وفي قاعة جروبي مرة أخرى أن هذين الوكيلين لم يُقِيما بيان رئيس الوزراء على وجهه، ولم يحتفظا له بجماله وسحره، وإنما عبثا به عبثًا غير قليل، وأصاباه من ضروب التشويه بما أثار الأسى في القلوب والحزن في النفوس.
    ولكن الله – عز وجل – خليق أن يعوض الوزارة مما فقدت، ويخلف عليها من خطيبها البارع خطيبًا بارعًا، ومن منطيقها الفذ منطيقًا فذًا، وقد فعل فأقام وزير التقاليد خطيبًا للوزارة مكان رئيس الوزراء!!
    وأشهد لقد برع وزير التقاليد في الخطابة، فلن يساميه بعد اليوم خطيب، ولقد نبغ وزير التقاليد في البيان! فلن يدانيه بعد اليوم بليغ، وأخشى ألا يكون لبراعة وزير التقاليد في الخطابة، ونبوغه في البيان أثر يمحو آثار رئيس الوزراء ويعفيها، ويجعله لاحقًا، بعد أن كان سابقًا، ويرده إلى الطبقة الأولى بعد أن كان في الطبقة الأولى. ولو قد فسرت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الصحف التي يقرؤها الناس، لا في صحف الوزارة، لأجمع المصريون على أنهم قد استأثروا في هذا العصر الحديث بزعامة الخطابة بعد أن استأثروا بزعامة الشعر، وأن أمر الأدب كله قد أصبح إليهم، يقولون فيه فلا يُرَدّ عليهم قول،
    ويقضون فيه فلا يُرَدّ لهم قضاء، ولو قد ذاعت هذه الآيات التي تكشف عنها نبوغ وزير التقاليد في الخطابة لأجمع المصريون أيضًا على أن هذه الآيات يجب أن تُفرَض في المدارس فرضًا، وتُحشَر في نفوس التلاميذ والطلاب حشرًا، وتتلى في كل مجمع، وتعلّق في كل مكان، وقد سطرت بماء الذهب على صحف الديباج، فلم يُقَدّر لمصر في يوم من الأيام أن تبلغ من البيان الرفيع والأدب البديع ما بلغته أول أمس بفضل وزير التقاليد حتى قام خطيبًا في حفلة من حفلات الانتخاب!!
    وليس الغريب أن يتفوق وزير التقاليد في الخطابة إلى هذا الحد، ويرتفع من روعة البيان إلى هذه المنزلة، فهو مؤلف كتاب «البيع» وهو صاحب الفصول البارعة المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رَفتي المبني على التشفي والانتقام»! وهو وزير التعليم وهو رئيس الجامعة الأعلى، فإذا لم تجتمع له بعد هذا كله أسباب البراعة الأدبية والمهارة البيانية، فلمن تجتمع؟ وإنما الغريب أن يظل هذا النبوغ سرًّا مكتومًا، وأمرًا مستورًا على كثرة ما تكلم وزير التقاليد في مجلس البرلمان، وفي غير مجلس البرلمان، وعلى كثرة ما تحدث وزير التقاليد في بهو الكونتننتال، وفي غير بهو الكونتننتال، ولكن الله جعل لكل شيء أجلًا، ورهن الحوادث بأوقاتها، فأراد فيما سبق من الغيب ألا تتكشف للعيان عن براعة وزير التقاليد في الخطابة والبيان إلا حين تضطر الأقدار رئيس الوزراء إلى الصمت والسكون ليكون في نبوغ هذا عزاء عن سكوت ذاك، وقد يكون من اللذيذ الممتع أن يُعْنَى مؤرخو الآداب بتحليل هذه الشخصية البيانية الفذة التي أظهرها وزير التقاليد أول أمس، لعلهم أن يتبينوا ويُبينوا للناس سر المهارة الرائعة في التحدث إلى الجمهور.
    وكم كنا نود لو نقف هذا الموقف من خطبة وزير التقاليد، لولا أن في هذه الخطبة من أمور السياسة ما يشغلنا عما يُعْنَى به الأدباء.
    ولعل أظهر خصلة تُلاحَظ في هذه الخطبة البارعة والآية الرائعة هي استقامة المنطق، وحسن الاحتجاج، ودقة الاستنتاج، وبراعة الانتقال من فكرة إلى
    فكرة! فقد أثبت وزير التقاليد أن الجهود التي بذلها الفلاسفة إلى الآن في تقويم العقول وتمرينها على التفكير الصحيح لم تؤت ثمارها، ولم تنتهِ إلى نتائجها إلا عند شخص واحد، هو شخصه الكريم! ولهذا فقد يصعب عليك أن تذوق هذه الخطبة وتطمئن إلى منطقها حين تقرؤها لأول مرة؛ فلا بد إذن أن تقرأها مرات، ولا تخف من أن تقرأها عشرًا. ومن المحقق أنك بعد هذه القراءات العشر لن تذوقها، ولن تطمئن إلى منطقها، فثق حينئذ بأنك رجل عادي، وبأن وزير التقاليد رجل نادر، وبأن من العسير على الرجال العاديين أن يذوقوا أو يفهموا كلام الأفذاذ الممتازين.
    انظر إلى وزير التقاليد كيف أراد أن يكون مجددًا، لا مقلدًا، فلم يقل أيها السادة، ولا أيها الأصدقاء، ولا أيها الإخوان كما يقول عامة الناس، ولم يقل
    يا حضرات السادة كما يقول رئيس الوزراء، وإنما قال: أبناء المنوفية. وقد استغنى عن حرف النداء، إما لأنه مُتعِب، والوزير في حاجة إلى الراحة، وإما لأنه يدل على التحدث إلى عدد ضخم من الناس والوزير لم يكن يتحدث إلا إلى عدد قليل. وإما (وهذا هو الصحيح) لأن حرف النداء يدل على بعد المخاطَبين، وهم كانوا أقرب إلى الوزير من ظله، وأدنى إليه من نفسه. وانظر إليه كيف علل تجديده فأحسن التعليل، وكم أوّله فأحسن التأويل، فهو يدعوهم (أبناء مديريته) لأنه فخور بهم، ومقدر لهم شعورهم ووطنيتهم. فماذا أحدث وزير التقاليد؟ فهذا كلام الرجال العاديين، فأما الأفذاذ الممتازون ففخرهم بأهل أقاليمهم فذ، وتقديرهم لشعورهم ووطنيتهم ممتاز، فلهم وحدهم
    أن يدعوهم أبناء المنوفية كما دعاهم وزير التقاليد، وأن يعللوا هذا النداء بأنهم فخورون بهم، مقدّرون لشعورهم ووطنيتهم.
    ثم انظر إلى هذا الإبداع الذي لا نظير له، والذي لا يبلغه إلا النابغون النابهون، حتى نَسِيَ وزير التقاليد أو تناسى، أو جهل أو تجاهل ما بين حزب الشعب والاتحاد من تنافس أدّى إلى الأزمات في البرلمان، وإلى الاستقالات خارج البرلمان. وأعلن أن ليس بين الحزبين من خلاف، ولا يمكن أن يكون بينهما خلاف، وإن كان هو وكيل حزب الاتحاد، لأن خلافًا حدث بين
    الحزبين أقصى وكيل الاتحاديين عن وكالته، وأقام وزير التقاليد مكانه بعد أن استكان الاتحاديون لغضبة رئيس حزب الشعب.
    ولكن الاعتراف بالحق، والنظر إلى الواقع، شأن الرجال العاديين، فأما الأفذاذ النابغون أمثال وزير التقاليد، فإنهم يخلقون الحق خلقًا، ويفرضون الواقع فرضًا، ويقررون الأشياء من عند أنفسهم وخلاص!!
    ثم انظر كيف أقام وزير التقاليد الدليل الساطع والحجة المفحمة على أن ليس على الوزارة بأس، فقال إن رئيس الوزراء قد أعلن أن أمر الوزارات إلى جلالة الملك. وإذن فقد أخذ وزير التقاليد عهدًا على الأنام، وعهدًا على الأقدار، وعهدًا على الحوادث والخطوب، وعهدًا على جلالة الملك ألا تستقيل الوزارة، ولا ينحل البرلمان حتى يتم أجله الدستوري!! فلن تكون الانتخابات قبل سنة 1936!!
    أما عند الرجال العاديين فهذا الكلام لا يصور رشدًا، ولا ذكاءً، ولا فهمًا، ولا تواضعًا، ولا اعترافًا بسلطان الأيام والحوادث، ولا تقديرًا لما يجب لجلالة الملك من الإكبار والارتفاع بحكمته السامية عن أهواء الوزراء، وميول السياسة. وأما عند الأفذاذ النابغين أمثال وزير التقاليد، فهذا الكلام هو الرشد كل الرشد، وهو الذكاء كل الذكاء، وهو الإكبار كل الإكبار لحق جلالة الملك في أن يغير الوزارات متى اقتضت حكمته السامية ومصلحة البلاد هذا التغيير وإن لم يبلغ البرلمان أجله، وإن لم تأتِ سنة 1936، وإن لم تنفض الدورة البرلمانية، وإن لم ينتهِ هذا الشهر الذي نحن فيه.
    ثم انظر بعد ذلك إلى آية الآيات في المنطق الصحيح، ومعجزة المعجزات في الاستنتاج المستقيم، وإلى البرهان الذي لا يقبل شكًا ولا نزاعًا ولا يحتمل بحثًا ولا جدالًا على أن أمورنا قد جُعِلت إلى خيارنا وأكثرنا بسطة في العلم والجسم، وأقومنا منطقًا، وأصدقنا فهمًا.
    أراد وزير التقاليد أن يشير إلى عناية الحكومة بمصالح الناس، وإلى نتائج هذه العناية فذكر تخفيف أعباء المزارعين الذين اقترضوا على الحاصلات، وذكر عناية الحكومة بالحماية الجمركية. فأما نتائج هذه العناية وهذا التخفيف فهي
    عند الرجال العاديين أن تحسن حال المزارعين والتجار. أما عند وزير التقاليد النابغة الفذ، فهي شيء آخر، تستطيع أن تبحث عنه شهرًا، وأن تبحث عنه دهرًا، ولن تظفر به، ولن تنتهي إليه، لأن منطق الرجال العاديين لا يستطيع أن يوصلك إليه أو يدلك عليه. أتعرف ماذا ينتج عن الرفق بالزراع الذين اقترضوا على الحاصلات، وعن تقرير الحماية الجمركية؟ هو أن الطلبة قد انصرفوا إلى دروسهم ولم يشتغلوا إلا بها.
    نعم هذه هي النتيجة التي انتهى إليها منطق وزير التقاليد ونبوغه في حسن الفهم واستقامة الاستنتاج.
    ألم أقل لك إن أمورنا قد جُعِلت إلى أشدنا ذكاءً وأصحنا عقلًا وأصدقنا فهمًا، وأقومنا منطقًا من أمثال وزير التقاليد! ثم يزعم المصريون بعد ذلك أن مصر لا تزال دون أوروبا فهمًا وعلمًا وبيانًا، وأن وزراء مصر لا يزالون دون وزراء أوروبا تفوقًا ونبوغًا.
    أما أنا فأتمنى لوزير المعارف الفرنسية الذي تغذى عنده وزير معارفنا في الصيف الماضي أن يزور مصر، ويعاشر وزير التقاليد أسبوعًا أو أسبوعين ليستقيم عقله، ويصح منطقه فيستقيم التعليم في فرنسا، وتصبح المدارس الفرنسية والجامعات الفرنسية راقية رُقي المدارس المصرية والجامعة المصرية في ظل هذا العقل الواسع الخصب المستقيم، عقل وزير التقاليد.
    كوكب الشرق ٦ — ٥ — ١٩٣٣

    حديث الوادي
    عيسويات…

    ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.

    وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.

    ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
    لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.

    ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.

    ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.

    وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.

    ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

    وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.

    ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.

    طه حسين
    الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.

    زيارتان

    من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.

    وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.

    ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.

    في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.

    ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.

    وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.

    فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.

    ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.

    أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.

    وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟

    ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.

    وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.

    ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.

    أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.

    لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.

    لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.

    فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.

    كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣

  • مصر: الذكرى والتضحية والأمل | Egypt’s Independence: Memory, Sacrifice, and Hope

    الشهداء
    كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
    وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
    وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
    وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
    ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
    ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
    كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
    ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
    مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
    وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
    رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
    رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
    في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
    شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
    هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
    هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .

    أمس
    كان يومًا مشهودًا من غير شك، ظهرت فيه عواطف الشعب قوية إلى أقصى غايات القوة، حزينة إلى أقصى غايات الحزن، جلية إلى أبعد حدود الجلاء.
    وكان يومًا مشهودًا من غير شك، لم تستطع الظروف السياسية المصطنعة، ولا الأوضاع السياسية المتكلفة أن تطبعه بهذا الطابع الفاتر الذي يخيل إلى الناس أن الشعب قد لهى عن نفسه وعن حقه وآثر الحياة التي تجري مطردة، يسيرة لا جهد فيها ولا عناء، ولا عناية فيها إلا بهذه الحاجات الزائلة التي تعرض للأفراد في كل يوم.
    نعم كان يومًا مشهودًا من غير شك، اندفعت فيه عواطف الشعب الحزينة المؤمنة عنيفة لا تلوي على شيء. فأظهرت نفس الشعب كما كانت دائمًا صافية أشد الصفاء، واضحة أشد الوضوح، مؤمنة أشد الإيمان بالحق، واثقة أشد الثقة بالفوز، مقدرة أحسن التقدير لصدق الصادقين، وإخلاص المخلصين، وتضحية المضحين في سبيل الحق والواجب والوطنية.
    وإني لأتحدث عن أمس فلا أتحدث ناقلًا، ولا راويًا، ولا مرددًا للأخبار والأنباء، إنما أتحدث حديث الشاهد الذي عاش مع الشعب هذه الساعات الخالدة، وأحس مع الشعب هذا الإحساس الرائع، وشارك الشعب في هذا الشعور العظيم. فلست إذا تحدثت واصفًا لما أحسسته أنا وتلقيته أنا من هذه النفس العظيمة، نفس الشعب، فليس إلى وصف هذا من سبيل الآن، إنما أريد أن أصور هذه الخواطر التي تبقى في النفس بعد هذه الاجتماعات الشعبية الرائعة التي تظهر فيها حياة الشعب قوية لا تغلب، عزيزة لا تذل، جريئة لا تخاف، مندفعة لا ترد، بريئة من كل تكلف أو تصنع أو رياء أو محاولة التكلف والتصنع والرياء.
    ولعل أول هذه الخواطر وأقواها وأبقاها وأشدها إلحاحًا على النفس واستئثارًا بالقلب إنما هو الإعجاب بالروح الشعبي الحر في قوته وصراحته وبراءته من التكلف والالتواء والإيمان بأن هذا الروح القوي العظيم واحد، تختلف الظروف من حوله ولا يختلف، وتتباين أسبابه ودواعيه ومظاهره ولا يتباين، فهو هو حين يظهر لأن الشعب محزون لفقد عزيز عليه أو ضياع حق من حقوقه. وهو هو حين يظهر لأن الشعب مبتهج بمقدم عزيز عليه أو بكسب حق من حقوقه، وهو هذه القوة التي تمثل إكبار الشعب لنفسه وإيمان الشعب بواجبه وإباء الشعب لكل ضيم، وإنكار الشعب لكل اعتداء.
    انظر في أي مظهر شئت من مظاهر الروح الشعبي حين يودع راحلًا عظيمًا، أو يستقبل قادمًا كبيرًا، أو يحتج لأن شرًا أريد به، أو يبتهج لأن خيرًا سيق إليه فستجد هذه المعاني كلها ممثلة في هذا الروح أصدق تمثيل وأقواه. ولعل الذين يدرسون الاجتماع ويحققون أسراره، ويحاولون أن يتبينوا خصائص الحياة الشعبية يجدون في هذا كله مذاهب للبحث والتحليل، ووجوهًا للدرس والتعليل، ولكني لا أريد إلى شيء من هذا الآن، ولا أنكر في شيء من هذا الآن، إنما أريد أن ألاحظ ولست أشك في أن كثيرًا من المفكرين الذين شهدوا أمس يلاحظون أن من العسير جدًا على الذين يتولون قيادة الشعب ويشرفون على تنظيم جهاده أن ييأسوا أو يقنطوا أو يجد الضعف إلى نفوسهم سبيلًا، وهم يرون هذا الروح ويحسونه ويحيون بهذه النار المحرقة التي يبعثها فيهم قوية مشرقة أشد قوة وإشراقًا من أن تؤثر فيها الأحداث والخطوب. وخاطر آخر حاولت أن أرده عن نفسي فلم أوفق إلى رده، ولم أستطع أن أخلص منه، وهو هذا الذي تثيره المقارنة اليسيرة بين ما أبرق به رئيس الوزراء إلى الديلي تلغراف منذ يومين، وما أعلنه الشعب إلى العالم كله أمس. فالتناقض بين هذين الأمرين واضح وضوحًا شنيعًا حقًا.
    رئيس الوزراء يعلن إلى الديلي تلغراف في هدوء واطمئنان، وفي جرأة وثقة أن الأمة مجمعة على الإنكار لحكم الوفد والنفور من العودة إليه، لأنه سبيل الفوضى. والشعب يعلن أمس إلى العالم كله في قوة وحزم، وفي شجاعة وثبات، وفي يقين وإيمان أنه لا يحب إلا الوفد، ولا يريد إلا الوفد، ولا يرضى إلا حكم الوفد.
    ومن المحقق أني لم أصدق الشعب أمس، وإنما صدقت رئيس الوزراء، وما زلت أصدقه وسأصدقه دائمًا حتى بعد أن يعود الوفد إلى الحكم: لأني واثق بأن رئيس الوزراء معصوم من الخطأ، مبرأ من أن يقول غير الحق أو ينطق بغير الصدق، أو يصور غير الواقع الذي لا شك فيه. فرئيس الوزراء إذًا كان مصيبًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه ولا تريد إلا الوفد وحكمه. وأكبر الظن أن الشرطة قد رفقت أمس بهذه الألوف المؤلفة ورقت لها وأشفقت عليها من إصرارها على الخطأ وإمعانها في الكذب فسلطت عليها مضخات الحريق لتطفئ هذه النار الكاذبة التي كانت تتأجج في القلوب، ولترد هذه الجماعات الجامحة المخطئة إلى الاعتدال والصواب. وأكبر الظن أن هذه الألوف المؤلفة قد انتفعت بهذا الدرس واستفادت من سبل هذا النصح البارد فآمنت كما أؤمن أنا بأن رئيس الوزراء كان مصيبًا موفقًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه وتصريفه للأمور.
    وخاطر ثالث لا شك في أنه ألح على نفوس الناس جميعًا أمس وهو أن تعاقب الليل والنهار ومضي الشهور إثر الشهور، والعام إثر العام، واختلاف الحوادث وتتابع الخطوب لم تغير من نفوس الناس شيئًا ولم تسلط على عزائم الناس وهنًا، ولم تحدث بين الناس وبين التردد في المطالبة بالحق، والشك في أن المستقبل للشعب سببًا من الأسباب. وكان ناس يظنون أن قرب العهد وحده هو الذي بعث الشعب إلى موقفه العظيم من موت ويصا رحمه الله.
    فقد مضى على موت ويصا عام وتبعه عام آخر، وامتلأ هذان العامان بألوان الفتن والمحن. فلما مات سينوت وقف الناس من موته موقفهم من موت صاحبه، وأظهر الناس في توديعه ما أظهروه في توديع صاحبه وأقام الناس أسطع الأدلة وأنصع البراهين على أن حب الشعب المصري للحرية وحرصه عليها وإكباره لحمايتها ليس تكلفًا ولا تصنعًا ولا فنًا من فنون البدع، وإنما هو طبيعة لم يبق إلى تغييرها من سبيل مهما تنفق فيه القوى، ومهما تسخر له الجهود، ومهما يطل عمر الوزارات.
    ولكن أعود فأؤكد أني مصدق لرئيس الوزراء، مقتنع بما قال من أن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه لأنه سبيل إلى الفوضى. وخاطر رابع قد خطر للناس جميعًا أمس من غير شك، ومن الحق على الناس جميعًا أن يقفوا عنده، وأن يطيلوا التفكير فيه، ومن الحق أن يقف عنده الأجانب عامة والإنجليز خاصة ويطيلوا التفكير فيه، فقد كان سينوت قبطيًا مسيحيًا، ومن الناس من يظن، ومن الناس من يقول إن فتنة المبشرين قد فرقت مصر أو همت بتفريقها، ومن الناس من يتخذ هذه الفرقة المتخيلة وسيلة إلى الكيد لمصر ولكن موت سينوت أظهر أنه قد وُفّق كل التوفيق فيما دعا إليه من إلغاء الفروق بين المصريين وإقامة الوحدة الوطنية هذا المقام العزيز.
    فقد كان المصريون أمس يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب. وقد كان المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون عليها من أعلى الدور، وهم لا يذكرون إلا أن مصر قد فقدت زعيمًا من زعمائها، وأنها محزونة لفقده، وأنها ترافقه إلى حيث أراد الله أن يستقر جثمانه، وأنها تمر معه بالكنيسة القبطية وتدخل معه هذه الكنيسة وتقف معه عند هذه الكنيسة، لأن شعائر دينه تريد أن يدخل الكنيسة وتستنزل عليه فيها رحمة الله.
    إذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزًا مبينًا، وكان راحل أمس مؤسس هذه الوحدة والداعي إليها والملح فيها. فهل يعتبر بهذا أولئك الذين يذكرون الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين؟ وهل يفكر في ذلك أولئك الذين يتمنون هذه الفرقة فيعلموا أنهم يتمنون ما لا سبيل إليه، ويرجون ما لا يبلغه الرجاء. إن بين الناس من يخلقهم الله للنفع أحياء وأمواتًا، وكان سينوت من هؤلاء الناس، نفع أمته حيًا، ونفع أمته وسينفعها ميتًا. والله وحده قادر على أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٧ – ١٩٣٣

    مصر
    مصر للدكتور طه حسين. مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق.
    هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون.
    إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال.
    إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان.
    وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع.
    مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز.
    لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق.
    «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان.
    «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة.
    «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون.
    كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.

    أجد أم مزاح
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
    كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
    وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
    فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
    إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

  • وفدان لا وفد واحد | Two Rival Wafds: The Politics of False Unity

    تنافس
    هما حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف، ولن يقع بينهما خلاف. لم تكن بينهما فرقة ولن تكون بينهما فرقة. أصدق تصوير لما بينهما من ألفة ومودة، ومن صلة لن تنقطع وحب لن يصيبه الصدأ هو قول الشاعر القديم:
    رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
    بأسحم داج عوض لا نتفرق ولا يتفرق الحزبان إن شاء الله فقد نهضا بالحكم معا، وأقاما في الحكم معا، وسينزلان عنه معا يوم تتحقق نبوءة «الديلى تلغراف» أو قبل ذلك بقليل، أو بعد ذلك بقليل. وسيذوقان معا لذة البعد عن الحكم كما ذاقا معا لذة القرب منه والبقاء فيه. ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن التنافس لا يكون بين الأشقاء فالتنافس ظاهرة من ظواهر الحياة، ودليل من أدلة القوة وأثر من آثار النشاط.
    وحزب الاتحاد قوي من غير شك، لأن بين أعضائه وزير التقاليد وحزب «الشعب» قوي جدا لأن زعيمه رئيس الوزراء. وحزب الاتحاد قوي جدا لأن زعيمه رئيس الشيوخ. وما دام الحزبان الشقيقان قويين إلى هذا الحد الذي يتجاوز كل حد فلا بد من أن يظهر بينهما التنافس ليتبين الناس أي الوزيرين أجدى على حزبه وأنفع له أوزير الزراعة على حزب الشعب أم وزير التقاليد على حزب الاتحاد؟ وليتبين الناس أي الرئيسين أكثر بركة وأوسع نعمة على حزبه: أرئيس الوزراء لحزب الشعب أم رئيس الشيوخ لحزب الاتحاد؟ وهذا التنافس ينفع ولا يضر، ويحسن ولا يسيء. فقد يكون التنافس في الخير، كما يكون التنافس في الشر. وقد يكون الاستباق إلى النفع، كما يكون الاستباق إلى الضر. تنافس في النفع كما يكون
    وحزب الشعب والاتحاد شقيقان لم يختلفا ولن يختلفا، صديقان لم يتباغضا ولن يتباغضا. وكلاهما جاد في خدمة مصر، حريص على نفعها، فإذا تنافسا فلن يكون
    تنافسهما إلا في الخير، وإذا استبقا فلن يكون استباقهما إلا إلى النفع والبر والمعروف. وإذن فلا بد من أن يتنافسا وقد تنافسا في هذين اليومين، فوزير التقاليد مسافر إلى أوربا ليستشفي ويستريح، وقد يبحث في أثناء ذلك عن أعضاء أجانب للمجمع اللغوي، فيجب أن يسافر وزير الزراعة إلى أوربا ليستشفي ويستريح، ولعله يبحث في أثناء ذلك عن نوع من أنواع القطن، ولون من الألوان الكتان أو فن من فنون تجفيف التمر، أو ضرب من ضروب تصفية العسل. فوزير التقاليد يغذي العقول، ويحمي الأخلاق. ووزير الزراعة يغذي الأجسام ويحمي الجلود من البرد والقيظ وكلاهما خليق أن يفكر في الناس إذا استشفى واستراح. وقد شعر حزب الاتحاد بخطر هذه الرحلة التي هم بها وزير التقاليد فاحتشد لتوديعه واحتفل لتشجيعه وألقى خطبا وشرب الشاي فشعر في الحال حزب الشعب بخطر الرحلة التي هم بها وزير الزراعة فاحتشد للتوديع واحتفل للتشييع، وقال كلاما وسمع كلاما ولكنه سبق حزب الاتحاد بعض السبق، فلم يشرب الشاي ولم يسقه للناس وإنما تعشى وعشى الناس.
    ومن هنا كان حزب الشعب أكرم من حزب الاتحاد أو أغنى من حزب الاتحاد، فطعام العشاء شيء، وتناول الشاي والحلوى شيء آخر. والعشاء أطول بقاء في البطون وأعسر هضما. والشاي قصير البقاء، يسير الهضم. فحزب الشعب متفوق من الناحية المادية على حزب الاتحاد. وهذا طبيعي لا غبار عليه. فقد قلنا إن حزب الشعب مستأثر بوزارة الزراعة، ووزارة الزراعة مسيطرة على ما تخرج الأرض من النبات وما تغذو الأرض من الضأن والمعز ودواجن الطير وما تثمر الأرض من الفاكهة والعنب.
    ولكن حزب الاتحاد تفوق على حزب الشعب من ناحية أخرى، هي الناحية العقلية، فقد كان خطباء الاتحاديين أكثر من خطباء الشعبيين. ولم يخطب في الحفل الشعبي إلا وزير واحد، هو زعيم حزب الشعب ووزير ما تخرج الأرض وما تغذو من النبات والحيوان والثمرات.
    وإذن فالحزبان متكافئان، يتفوق أحدهما في تغذية الأجسام، ويتفوق الآخر في تغذية العقول. ثم يتكافأ هذان النوعان من التغذية فإذا الحزبان ما يزالان كما كانا من قبل، وكما سيكونان دائما فرسي رهان، لا يسبق أحدهما إلا ريثا يلحقه صاحبه.
    وكان الموضوع الخفي الذي من أجله احتفل الحزبان هو تلك الرسالة المشئومة، رسالة الديلى تلغراف . فلم يكن بد من أن يتنافس الحزبان في الرد على هذه الرسالة وإقامة الأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة على أن هذه الرسالة سخف من السخف، وهذيان من الهذيان، لا تغير من موقف الوزارة شيئا، لأن موقف الوزارة ليس رهينا بما تقوله الصحف في مصر أو في بلاد الإنجليز، إنما هو رهين بشيء آخر يعرفه الناس جميعا. وقد أعلنه رئيس الوزراء ألف مرة ومرة، وهو رضا جلالة الملك وثقة البرلمان. ولم يكن بد من أن يستبق الحزبان إلى البراعة في الرد على هذه الرسالة، وقد استبقا والغريب أنهما تكافآ في هذا أيضا. فلم يتفوق أحدهما على صاحبه قليلا ولا كثيرا. ولم يسبق أحدهما صاحبه قيد إصبع أو جناح ذبابة كما يقولون. ولم يفتح الله على أحد الحزبين المتنافسين بأن يزيد على ما قاله رئيس الوزراء ألف مرة ومرة حرفا واحدا، وإنما أراد الحزبان المتنافسان أن يصطنعا فنونا من البيان في التعبير عن هذا الموضوع. والغريب أنهما تكافآ في هذه الفنون أيضا. فقد أراد وزير التقاليد أن يسخر من كتاب الإنجليز، ومن المعارضين المصريين، فاصطنع الأدب الذي لا يشبهه أدب، والظرف الذي لا يشبهه ظرف وارتفع عن لغة العامة إلى لغة الخاصة، وعن لهجة الشعب إلى لهجة الوزراء. فقال إن هؤلاء الكتاب الإنجليز يضحكون من ذقون الأغرار المعارضين. وأراد وزير الزراعة أن يذم هؤلاء المعارضين ذما سياسيا نزيها نظيفا بريئا عفيفا لا يصدر إلا عن أصحاب الثقافة العليا والألسنة الطاهرة والطباع السمحة والترفع عن الفحش، فقال إن غير الشعبيين والاتحاديين قد أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة، فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. فكلا الوزيرين كما رأيت فرسي رهان في كل شيء، لا يكاد أحدهما يبلغ الغاية حتى يكون الآخر قد بلغها. ولن يظفر الحزبان فيما يظهر بنتيجة حاسمة لهذا التنافس فيستبقان دائما دون أن يسبق أحدهما صاحبه. وسيتنافسان دائما في الخير والمعروف دون أن يتفوق أحدهما على صاحبه في الخير والمعروف. وستستفيد مصر من هذا التنافس المتصل والسباق الذي لا ينقطع وستجني من غير شك منه ثمارا عذبة في الذكاء والمهارة، وفي النبوغ والبراعة، وفي أدب اللفظ وعفة اللسان. وسنتعلم كيف نذكر الضحك من الذقون، وكيف نصف الخصوم السياسيين بأن الشهوات والمصالح قد أعمت بصائرهم فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. وإذا لم تقتد مصر بوزرائها فبمن تقتدي؟ وإذا لم تقلد مصر وزير التقاليد فمن تقلد؟
    والظريف من أمر هذا التنافس أنه لم يأت بشيء جديد، فقد عرف الناس رأي الوزارة في مكتب الديلى تلغراف وصدقوه وآمنوا به واستيقنوا أن الوزارة أثبت من المقطم، وأرسخ من الأهرام. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأنها قد قدمت لمصر ما لم تقدمه إليها وزارة أخرى من النعم والآلاء فأنقذتها من الجوع وبرأتها من المرض، ورفعت رأسها، وحفظت كرامتها، وردت عنها عدوان الأجانب وصدت عنها طغيان الإنجليز. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأن الأمة قد منحتها الثقة والتأبيد، واختصتها بالمودة والحب، وكانت الإسكندرية أسبق المدن المصرية إلى الثقة بالوزارة والإيمان لها وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت الإسكندرية أحرص المدن المصرية على حب الوزارة وتأييدها، وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت كل مدينة مصرية يخطب فيها وزير أسبق المدن المصرية إلى حب الوزارة وأحرصها على فدائها بالأنفس والأموال.
    ومصر كلها أسبق من مصر كلها إلى حب الوزارة وأحرص من مصر كلها على فدائها بالأنفس والأموال. ومن يدري؟ لعل الحزبين الشقيقين الذين لم يتفرقا ولن يتفرقا لا يتنافسان إلا في الكلام، وما أيسر التنافس في الكلام وما أنفعه وأجداه فإنه يضحك ويسلي الهم ويهون احتمال الآلام.
    كوكب الشرق ٢٩ — ٧ — ١٩٣٣

    ناد
    أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
    وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
    وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
    هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
    هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
    وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
    هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
    إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
    نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
    صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
    والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
    هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
    وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
    كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
    ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
    كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
    فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
    كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣

    ذات الرؤوس
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه في محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاي. يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد.
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد. فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون، أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية. أو قل إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأساً، أي رأس، كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث: في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسيسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج. مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة، له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتخب في مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاض متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى. فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة. والشعب المصري واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد أغلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضي بتغليق الأبواب. وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون، ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول، أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية، أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية، قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل. شرف مصر بين الأمم فانتخبت في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل.
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أي عجب! هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة. يصيح في غير أوان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً. كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً. يقدم ليحجم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين. لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح.
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة. وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة، فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين. ولست أدري أرضي الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً. فأما الرأس الغائب فلم يرضَ ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً. فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من ‘لا’ و’نعم’ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها؟ وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان؟ ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف.
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك. أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزراً في مجلس الشيوخ. فقد أنكر الرأس النقراشي الأول، وزير الخارجية، كل الإنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تستوحى هذه الأماني؟ من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق. من غير السودانيين؟ فهي لا تستوحى شيئاً، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق. وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة، وهي الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة، لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب. أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟ وقد قال شاعرنا القديم:
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو
    ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً، ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان، وإن لم يرض الدستور. وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها. ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز. مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت. وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجري الريح رخاء.
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد البريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب. وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات. والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً. أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقي باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً. وإذن فصدقي باشا غاضب. والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات، أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد: يريح الناس جميعاً. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها! ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفاً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
    كل شيء ممكن. قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً. وذلك يسير. يقال إن التعديل الوزاري قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!
    طه حسين
    البلاغ، ٧ فبراير ١٩٤٦.

    صراحة
    من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي في أمر من الأمور، مهما يكن عظيمًا.
    فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلاً، كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخالفة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكتّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها منذ الآن، فلن أخالفهم فيها… ولكنهم يوافقوني فيما أظن على أن الأخذ بالمخانق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء…
    رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أعنّة الحكم، لم يرسلها ولم يدعه أحد إلى إرسالها. ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه ويبالغ عليه، ويضحي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — استغفر اللّٰه — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه: أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمضي فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة، والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدة.
    أظن الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، يوافقوني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضر الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة.
    وإذن فقد كنت أود لو أقنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تقترف، والسيئات التي تجترح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع: موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يسرفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون… ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه، إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوى مريب…
    ومهما يكن من شيء فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض.
    وأنا أفهم من الوزارة القومية — كما قلت من قبل — هذه التي تصدر عن إرادة الأمة، لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذا تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة. وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية. وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة قومية حقًا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يهم المشرفون عليه هوى ولا ميل.
    وهذا فيما أظن واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تجري هي الانتخابات…
    وليس من الحق، ولا من المنطق أن يُحتج بما صنع الإنجليز، فقد يقال إن رئيس وزارة العمال ألّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيده الشعب وانحاز إليه. قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه ينسون أن رئيس وزارة العمال حين ألّف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال، وأبوا عليه، لجأ إلى استفتاء الشعب، فمنحه الشعب نصره وأيده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.
    فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة لا يمكن أن تؤلف داخل البرلمان القائم.
    وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يرون أن من الخير ألا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء للبرلمان القائم. وإذن فأين تؤلف؟ وكيف تؤلف؟
    ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثل القلة ليس غير… فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة — أو سمّها ما شئت — فتجري الانتخابات الحرة، ولتكن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات. فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلّفت كأقوى ما تؤلف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم. وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.
    هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها، لأنها واضحة مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقوني على أن سلوك طريق غير هذه الطريق غير مأمون العاقبة، ولا مبرأ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.
    وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم — والحمد لله — لا يمكن أن تعاب بالقصر. وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يؤلف وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطع أن يثبت على قوميته هذه، فاضطر إلى ما اضطر إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته — أو وزاراته — على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، وهو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة…
    أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا، فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير في مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثال رئيس وزرائنا النابغة الفذ… الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر، ليس له ضريب ولا نظير…
    كوكب الشرق ٧ — ٣ — ١٩٣٣

  • الصحافة والإشاعة وأعصاب الحكومة | Press, Rumor, and the Government’s Fragile Nerves

    حيرة
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
    لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
    وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
    والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
    فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
    نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
    فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
    وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
    وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
    نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
    كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣

    شكوى
    أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
    فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
    هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
    فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
    القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
    فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
    من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
    الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
    فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
    اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
    كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣

    طير
    للدكتور طه حسين
    في جوّ مصر الآن طير تحلّق حيناً، وتقع حيناً آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء وإدارات بعض الصحف، وتلمّ بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم. وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر، وليست هذه الطير خفيفة الحركة ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة مخيفة، ثقيلة الظل، عراض الأجنحة. وليست عذبة الصوت، ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم. وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم، وتوقع الشر والتذكر للقنوط؛ فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يسمى سوء الظن.
    وهذه الطير تضطرب في جوّ مصر كله فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقاً عنيفاً يكاد يصمّ الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذى لها الذوق، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين – إذا لم تُطرد عن جوّهم – إلى شر كثير..!
    صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندن، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ. فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون. ويسكت رئيس الوزراء عن هذا النبأ أياماً، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، وفاتر لا يبدي قليلاً من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس، زعم رئيس الوزراء لـ (المقطم) أن الحديث التليفوني لم يكن؛ فأين يكون الحق إذن؟ وأين يكون الباطل؟ وعند مَن نلتمس الصدق إذن؟ وعلى مَن نلقي تبعة الكذب؟
    زعم (المقطم) أن ناحية مسؤولة في مصر تحدثت إلى وزير مصر في لندن بالتليفون، وزعمت (البلاغ) أن وزير مصر المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن. فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فجّ الصوت يتردد بين إدارة المقطم، وإدارة البلاغ، والمفوضية المصرية في لندن، ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق، وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقراً يستقر فيه، ووكراً يأوي إليه؛ وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة وريحه المؤذية حتى يُصرف عن هذا الجو، ويُردّ إلى وكره بعيداً عن الأسماع والأبصار والأنوف..!
    وصحيفة أخرى زعمت أول أمس أن رئيس الوزراء تحدث إلى زملائه في مجلسهم يوم الخميس بأنباء سياسية انتهت إليه من هذا الحديث التليفوني الحائر؛ وبعض هذه الأنباء يمس المندوب السامي، وبعضها يمس اللجنة الإنجليزية المصرية، وكلها يدور حول بقاء الوزارة أو سقوطها. فما يتقدم النهار حتى يكذب رئيس الوزراء ما نشرته (الأهرام) تكذيباً قاطعاً، فإذا كان صباح الغد أكدت الأهرام ما قالت، وردّت على رئيس الوزراء تكذيبه، وأعلن مندوب الأهرام في صراحة وجرأة أنه سمع هذه الأنباء من غير واحد من الوزراء.
    ثم يتقدم النهار ويأتي المساء ويقبل الليل وينجلي، ويشرق النهار وتظهر في أثناء ذلك الصحف التي تتصل برئيس الوزراء، والتي تعرب عن رئيس الوزراء، فإذا رئيس الوزراء صامت لا يتكلم، ساكن لا يتحرك، هادئ لا حظ له من نشاط. وإذا الصحف التي تتولاه والتي تعرب عنه وتذعن له صامتة مثله لا تقول، ساكنة مثله لا تتحرك، هادئة مثله لا تنشط. ومع ذلك فما أقدر هذه الصحف على الكلام، وما أبرعها حين تخوض بالحق والباطل فيما تريد أن تخوض فيه من الأمور!
    هناك إذن طائر آخر قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُردّ إلى وكر يستخفي فيه. وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شراً ولا نكراً، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث ولا على حفظ للغيب ولا على كتمان للسر، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيّها يأوي ولا على أيّها يقع، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُصرف شره عن الناس.
    ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعاً كل البشاعة ولا قبيحاً كل القبح، ولكنه مزاج بين الأمرين؛ فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة وحفظ الغيب. وهذا الطائر كان يقظاً كالنائم، نشيطاً كالهادئ، متحركاً كالساكن؛ فلما صاحت تلك الطير المنكرة صيحاتها المتصلة، اندفع من اليقظة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث، ويتلقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا أو يستريحوا حتى يتبينوا وجه الحق فيما قيل وفيما يقال.
    يأبى على الناس أن يستريحوا حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني:
    أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يُسأل وزير مصر المفوض في لندن: كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق؟ وكيف تحدث بما لم يكن؟
    أهو وزير مصر المفوض في لندن؟ فيجب إذن أن يُسأل رئيس الوزراء: كيف استباح لنفسه أن يكذب وزيراً يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي هو إنجلترا، وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟
    أم هي الصحف التي قالت على الرجلين جميعاً ما لم يقولا، وأضافت إلى الرجلين جميعاً ما لم يفعلا؟ فيجب أن تُسأل هذه الصحف: كيف استباحت لنفسها أن تعرض رئيس الوزراء ووزيراً من وزراء الدولة المفوضين لما يتحدث به عنهما، أحدهما أو كليهما، من تجاوز الصدق والإعراض عن الحق؟
    لا يريد هذا الطائر الذي يسمى سوء الظن أن يستريح، ولا أن يريح الناس حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعاً وضاحاً جلياً فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء، أو قل فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه؛ فإن سكوت الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق هذه الوزارة وصحفها في صمت عميق بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع ولم يبتكر، وإنما حُدِّث فتحدّث، وأُنبئ بشيء فأذاعه بين قرائه. وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف.
    يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب. فيريد هذا الطائر أن يتبين وأن يتبين الناس معه أيهم قال غير الحق:
    أهم الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسألوا: كيف أضافوا إلى رئيسهم ما لم يقل، وحملوا عليه ما لم يصدر عنه؟ فإن زعموا أن رئيسهم قد تحدث إليهم بما نقلوا عنه، فيجب أن يُسألوا: كيف أباحوا سره، وكشفوا ستره، ولم يحفظوا له غيباً، ولم يفوا له بالكتمان؟
    أهو رئيس الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسأل: متى قال غير الحق؟ أحين تحدث إلى بعض زملائه بما نشرته الأهرام، وإذن فلم يخلص حين تحدث إليهم، ولم يظهرهم على جلية الأمر، وإنما غرّهم بالأماني وعللهم بالأوهام!! أم حين كذب ما نشرته الأهرام وهو يعلم أن الأهرام لم تنشر إلا حقاً ولم تقل إلا صدقاً؟ وإذن فيجب أن يُسأل: كيف استباح لنفسه أن يواجه الأمة كلها جهراً بغير الحق، وأن يتعمد هذا وهو يعلم حق العلم أن هذا التعمد شيء لا تبيحه السياسة ولا ترضاه الأخلاق؟
    أرأيتَ إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيتَ إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيتَ إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيتَ إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيتَ إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيتَ إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلاً من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ أرأيتَ إلى هذا كله؟ أفكرتَ في هذا كله؟ أقدّرتَ هذا كله في حب الناس للوزارة وثقتهم بها واطمئنانهم إليها؟ أقدّرتَ أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضاً على الأسرار؟ ألستَ توافقني على أن هذه الطير البشعة المنكرة التي تضطرب في جوّ مصر الآن فتملأه فساداً وشراً خليقة أن تُردّ عن هذا الجو ليعود إليه شيء من الخير والصلاح؟
    بل إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك لتستقيم السياسة وتصلح الأخلاق، ولكن مَن الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المفسدة عن جوّ مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزارة حين يستقيل، أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق.
    كوكب الشرق ٢ – ٥ – ١٩٣٣.

    نذير
    قليل من الناس يستطيع أن ينصرف عن حديث اليوم إلى حديث أمس. وقليل جدًا من الناس من يستطيع أن ينظر إلى أحداث اليوم فيتبين منها أحداث الغد، ذلك لأن الحوادث الحاضرة التي تحيط بنا تشغلنا عن الماضي والمستقبل جميعًا، وتحد أعمالنا وآمالنا وتفكيرنا، فإذا نحن مثلها مؤقتون في كل ما نأتي وما نقول. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يفكروا في أمس لاعتبروا بما كان فيه، ولجنبوا أنفسهم شرًا كثيرًا. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يتبينوا ما ستتكشف عنه غدًا أحداث اليوم لأعرضوا عن كثير من الأعمال، ولجنبوا أنفسهم آلامًا كثيرة وضروبًا من الخيبة لا تُحصى…
    هذا كلام نقوله دائمًا، ولكننا لا نتعظ به، ولا نعتبر بما فيه، وكأنه قد كثر حتى أصبح مملولًا، وكأننا قد أسرفنا في ترديده حتى زهدنا فيه، كما نزهد في الحديث المعاد. وليس كل حديث معاد خليقًا أن يُمل ويُزهد فيه، بل من الحديث المعاد ما تستطيع أن تعيده وتعيده دون أن تستقصي ما فيه من عظة، وتستوعب ما فيه من حكمة، وتنتفع حق الانتفاع بما فيه من عبرة.
    والظاهر أن الوزراء ورجال الحكم هم أشد الناس إعراضًا عن أمس، ونفورًا من غد، وهم لذلك أشد الناس تعرضًا للخطأ، وتورطًا في الشر والإثم. وكأن الوزارة — كما صورتها جريدة «الشعب» منذ أيام في تشبيه بديع — خمر معتقة، لا يكاد يذوقها شاربها حتى تنسيه كل شيء، فتمحو من نفسه أمس، وتلقي بينه وبين غد حجابًا صفيقًا! ولو قد ذكر رئيس وزرائنا ما كان من الأحداث ذات الخطر أمس القريب أو أمس البعيد، لتعظ واعتبر، وصد نفسه عن أشياء، وكف عزيمته عن أشياء. فكم من الذين ضاقوا من قبله بالديمقراطية، فنصبوا لها الحرب، وبحرية الشعوب، لها الكيد، ثم باءوا بالهزيمة المنكرة والانخذال المهين، لأن الديمقراطية أقوى من أن تُغالب، وأصلب عودًا من أن تُحطم، لأنها صورة لإرادة الشعب، ومظهر لقوته، ومن العسير إن لم يكن من المحال أن يستطيع الفرد مهما تعاظمت قوته، وبلغ شأنه من الارتفاع والعلو، أن يقهر شعبًا كاملًا، أو يذله فيطيل إذلاله.
    ولو قد فكر رئيس الوزراء في غد لرأى هولًا بشعًا، ونكرًا عظيمًا، فقدر قبل أن يخطو، وتدبر قبل أن يعمل، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، ودفعه إلى ما أتى من الأعمال، وورطه فيما تورط فيه من شر، فهو يجني اليوم ثمار هذا النسيان لأمس، والإعراض عن غد، ويذوقها فإذا هي فجة مرة…!
    نهض بالحكم وهو مؤمن بقوته، معتز بكفايته، واثق بذكائه، مطمئن إلى سعة حيلته، لا يشك في أنه سيبلغ من هذا الشعب ما يريد، ولم يذكر أن قومًا آخرين كانوا مثله أقوياء أعزاء، وكانوا مثله أذكياء، وكانوا مثله أكفاء بارعين، قد نصبوا الحرب للشعب فلم يبلغوا منه ما كانوا يريدون، بل بلغ الشعب منهم ما أراد. بل يذكر أنه قد وقف قوته وعزته وذكاءه وكفايته على حرب الشعب والكيد له، فصال وجال، وقال فأطال القول، وأذاق الناس ضروب المحن وألوان الفتن، ثم لم يبلغ منهم شيئًا؛ وإنما انتهى به الأمر إلى أن أذعن لما كان الشعب يريد، فعمل تحت لوائه، وتقرب إلى زعمائه، وأسرف في تملقهم والتقرب إليهم، حتى انصرفوا عنه وزهدوا فيه.
    لم يذكر رئيس الوزراء ذلك، ولم يفكر فيه، فجدد في عهده الحاضر ما اقترف في عهده القديم. وأنا زعيم لك بأنه إن يسبغ اللّٰه عليه الصحة، ويمتعه بالحياة الهادئة، فسيرى فوز الشعب وانتصاره، وسيرى ظفر الديمقراطية وتفوقها، وسيحاول الانضواء تحت لوائها، وسينفق كثيرًا من حيلته الواسعة، وكفايته الرائعة، ليتقرب من الزعماء الذين يسرف الآن في الإساءة إليهم، والإغراء بهم، والتحريض عليهم، وسيود لو شملوه بالعطف، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وشغله عن اليوم…!
    ولو أن الأمر وقف عند ما يتعرض له رئيس الوزراء من خيبة الأمل، ومرارة الخذلان، لكان احتماله يسيرًا؛ فرئيس الوزراء رجل من الناس، يجب أن يتعلم كما يتعلم غيره من الناس، ويجب أن يستفيد من الدروس القاسية التي يلقيها الزمان على أبناء الإنسان. ولكن الأمر يتجاوز رئيس الوزراء إلى وطنه كله، وأمته كلها. فرئيس الوزراء حر في أن يسيء إلى نفسه، ويعرضها للمكروه، ولكن رئيس الوزراء لا يملك — وما كان ينبغي له أن يملك — الإساءة إلى أمته، وتعريضها كلها للمكروه. ورئيس الوزراء يعرض أمته لخطر ليس بعده خطر، ويدفعها إلى شر ليس مثله شر. ولو قد تمت له الآن، في هذه الراحة التي يضطره إليها المرض، أداة الروية والتفكير، فنظر وراءه، ونظر من حوله، ومد بصره قليلًا إلى أمام، لاستيقن أنه قد أشرف بأمته على هوة بعيدة القرار.
    لم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من ترغيبها عن قوة الحكومة، وإساءة الصلة بينها وبين الحاكمين، وإفعام قلوبها بالشك والريب في إخلاص الذين يشرفون على أمورها. ورئيس الوزراء أذكى عندنا من أن يصدق أنصاره الذين يزعمون له أن الناس يحبونه ويميلون إليه! فلم يرغب الناس قط عن وزير كما يرغب المصريون عن صدقي باشا، ولم يضق الناس بوزير كما يضيق المصريون بصدقي باشا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من أن يسود البغض بين الحاكمين والمحكومين…
    ولم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من سوء الحال الاقتصادية، وهو يعلم من هذا أكثر مما نعلم، ولعله يقدر من هذا مثل ما نقدر. وهو واثق بأن في مصر آلافًا وآلافًا من الناس يؤذيهم الجوع، ويلذعهم الحرمان، ويعذبهم ذكر ما كانوا فيه من نعمة، ويروعهم انتظار ما يتعرضون له من شقاء. وهو يعلم كما نعلم أن هذا البؤس المتصل، وهذا الإعدام المحيط، أخطر الأشياء على استقرار النظام الاجتماعي، فضلًا عن النظام السياسي.
    ولم يعجز رئيس وزارة قط كما عجز صدقي باشا عن إقرار النظام، وتثبيت الأمن، وهو يقيم نفسه بنفسه في كل يوم الأدلة القاطعة والبراهين التي لا تدع سبيلًا إلى الشك على أنه محتاج دائمًا إلى الجيش كله، وإلى الشرطة كلها، وإلى المكر كله، وإلى الكيد كله، ليحمي النظام، ويضمن هذا الهدوء المصطنع المتكلف…! ذلك ولم نذكر هذه القوة الخفية الظاهرة، الغائبة الحاضرة، التي يسمونها الاحتلال…!
    ورئيس الوزراء يعلم كما نعلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من هذا النظام الذي يقوم على دعائم من القش، والذي لولا الجيش والشرطة والكيد والمكر لانهار في ساعة من نهار…!
    عجز عن توثيق صلة الحب بين الحاكم والمحكوم، عجز عن حماية الشعب من الفقر والجوع، عجز عن إقرار النظام إلا بهذه القوة الخارقة التي لا يُلجأ إليها إلا في أوقات الخطر الداهم.
    هذه هي الحال التي تورط فيها رئيس الوزراء، لأن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وهو مع ذلك قائم في الحكم، مصرٌّ على أن ينسى أمس، وينصرف عن غد. فهل لهذه الكوارث العظام التي قد تتردى فيها مصر، إذا استمرت هذه الحال زمنًا طويلًا أو قصيرًا…?
    ولكن رئيس الوزراء ليس وحده الذي يجب أن يذكر أمس، ويفكر في غد، ويقدر هذا الخطر الذي ينتظر وطنه، بل هناك قوم آخرون، لعلهم حراص أشد الحرص على ألا تتردى مصر في هذه الهوة السحيقة التي أشرفت عليها، ولعلهم حراص على أن تظل مصر كما كانت من قبل بلد الأمن والنظام، واللين والرخاء. فما أجدر هؤلاء الناس أن يأخذوا أنفسهم بما لا يريد رئيس الوزراء أن يلم به: فيذكروا أمس، ويفكروا في غد…
    كوكب الشرق ٩ – ٤ – ١٩٣٣

  • المزيد من خطة الحكومة ضد الوفد | Crackdown in the Provinces and Abroad

    إقدام
    ولكنه إقدام خطر ، قد يجرّ إلى الشر ، وينتهي إلى ما لا يحبه المُقدِمون أنفسهم ، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال ، سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة .
    نعم ، إقدام خطر مريب معيب ، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد؛ فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان ، وكانت مستقرة ، تسمع وترى ، وتتألم وتغضب ، ولكنها لا تضطرب ولا تسرف في الاضطراب ، بل تُخلي بين الناس وبين أنفسهم ، يحسون ويشعرون ، ثم يعبّرون عما يجدون من حسٍّ وشعور ، فيحتفلون ويصفقون ويهتفون ، وكل شيء هادئ ، والنظام مستقر ، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام ، وتكديرًا للصفو والهدوء .
    كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل ، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال ، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف ، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش . ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل ، وأن حلمها ضيق مهما يتسع ، وأنها قد ترى ما تكره هي ، وإن لم يكرهه الدستور ولا القانون ولا النظام ، فتحتمله ساعة أو ساعات ، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا ، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به ، وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس ، وكتمان الشعور ، والتنزّل عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ، ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون .
    يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد ، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عُرضة للشك وموضع للريب .
    فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وليس الحكم تحدّيًا ولا تصدّيًا ، وليس الحكم إظهار القوة والبأس ، وإنما الحكم صبر واحتمال ، والحكم احتياط للطوارئ ، واستعداد للحوادث ، لا تعجّل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها .
    نعم ، ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكّنك من أن تلاحظ وتراقب ، وأنت هادئ مطمئن ، وأنت قوي مستعد لدفع الشر إن وقع أو خفت وقوعه .
    وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه ، فهدأت واستقرت ، واكتفت بالاستعداد للطوارئ ، ولم تتورط في إثارتها ، لم يحدث شيء ، ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه . ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر ، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة ، وتشعران شعورًا واحدًا ، وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا .
    هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة ، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة ، مؤيدة لها ، مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية .
    ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها ، وللحكومة حياتها وآمالها ، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها .
    تريد الأمة أن تحيا حرة ، وتأبى الوزارة إلا أن تقصّ من جناح هذه الحرية . تحب الأمة من تحب من الزعماء ، فتلقاهم فرحة بهم ، مستبشرة بلقائهم ، مؤمِّلة فيهم ، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال . تكرههم الوزارة فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك ، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم ، ولكنها تتنكر وتتنمّر وتتحدى وتتصدى ، وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر ، حتى إذا وقع الشر أو كاد ، اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس ، وحجة على أن استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش !
    ما هكذا يكون الحكم ، وما هكذا يكون إقرار النظام . ما هذه الأنباء التي أخذت ترد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر ، وبتحطيم سيارات وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات ، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى ، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس ؟ ما هذا كله ؟ وفيم هذا كله ؟ ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف ، وتثير شعورهم على هذا النحو ؟
    ما وضع المحطات تحت الحصار ؟ وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار ؟ أتريد الحكومة أن يشعر الناس أنها قوية ، وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي ، وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المحتفلين وإسكات الهاتفين ؟ فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا ، وفي أن عندها بنادق وعصيًّا ، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد ، ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعيا؛ فمن الذي دعاهما ؟ ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون ؟
    لم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس ، وقد أرادت ذلك غير مرة فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه ، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا — بل لا نشك فيه وإنما نوقن به — هو أن هذا البطش لا خير فيه ، وإنما هو الشر كل الشر ، والخطر كل الخطر .
    لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة ، فكان القتلى وكان الجرحى ، وكانت الخطوب والأهوال ، ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله ورغم هذا كله بشيء مما كانت تريد؛ فلا هي جذبت إليها قلوب الناس ، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس ، ولا هي صرفت الناس عمن يحبون ، ولا هي زهّدت الناس فيما يحبون ، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرّش إلى عكس ما كانت تريد .
    فما أحبّ الناس حريتهم كما يحبونها اليوم ، ولا حرص الناس على استقلالهم كما هم حريصون عليه اليوم ، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم ، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم ، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والدوران والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم ، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم .
    تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت ، فلن ترى ولن تسمع إلا جبالًا من الحرية لا يشبهها حب ، ولا كلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف ، وازدراءً للخطوب ، واستخفافًا بالصروف ، واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه .
    لم يصل اليأس بعد ، ولن يصل إلى قلوب الناس . فما تعلق الحكومة بما لا سبيل إليه ؟ وما تهالك الحكومة على ما لا خير فيه ؟ هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة ، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها ، معتصمة بإيمانها ، واثقة بالمستقبل ، معرضة عن الحكومة ، تاركة لها تسلك طريقها المعوج . فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ، ولا تدع الأمة وما تريد ؟
    نعم ، في مصر حياتان مختلفتان: إحداهما حياة أمة كلها أمل ، فهي تصبر وتبتسم؛ والأخرى حياة وزارة كلها يأس ، فهي تغضب وتتنكّر ، وهي تهيج وتثير الناس . وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء ؟
    إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد ، خير منه الإحجام . ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها ، وتعنى بصحتها ، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها ، وتفرغ لهذا المرض الذي دبّ في أجزائها؛ فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد .
    لتتفرغ الحكومة لشؤونها الصغيرة والكبيرة ، ولتطمئن ، فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ، ولا لما يشبه الخطر ، إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء ، وكفّت هي يد الإدارة عن الناس .
    إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة ، فإذا لم يكن بدّ من أن تعمل الحكومة شيئًا ، فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة ، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح .

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣

    عناء
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.

    لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
    كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
    نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
    ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
    لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
    لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
    ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
    لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
    ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
    كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣

    شجاعة
    بارعة رائعة. شجاعة فائقة رائقة. شجاعة ساحقة ماحقة هذه التي يظهرها بعض النواب من حين إلى حين.
    شجاعة لا أدري كيف يحتملها أصحابها، وكيف يثبتون لأثقالها الثقيلة، وأهوالها الهائلة مع أنها مخيفة حقًا، مروعة حقًا، ومزعجة حقًا للآمنين والخائفين على السواء.
    شجاعة نادرة باهرة، هذه التي يتخذها بعض النواب إذا تحدثوا عن خصومهم أفرادًا وجماعات تحت قبة البرلمان، فهم يطلقون ألسنتهم في هؤلاء الخصوم بالحق والباطل، وبالخطأ والصواب، وبالجد والهزل لا يقدرون شيئًا، ولا يحسبون حسابًا، وإنما ينطلقون وكأنما خُلِّيَ بينهم وبين الحركة، فليس إلى تسكينهم ولا إلى تهدئتهم من سبيل.
    هذا أحدهم وقف أول أمس فأطلق لسانه في الصحف وكتاب الصحف، واستعدى على الصحف وكتاب الصحف وزير الداخلية، ووزير الحقانية، والنيابة العامة.. ولو أن طاقته البشرية ما لا تسع طاقة الناس لطلب أن تعطل الصحف كلها إلا صحف الوزارة، وأن يسجن الكتاب كلهم إلا كتاب الوزارة، وأن تشتد الوزارة في التعطيل والمصادرة، وأن تسرف الوزارة في إرهاق المسجونين من الكتاب والصحفيين، ومن النقد والناقدين، وتركت له الجو طلقًا يقول فلا يسأل عما قال، ويفعل فلا يسأل عما فعل، ويأتي ما شاء من الأمر فلا يرتفع صوت إنكار، ولا ينطلق لسان باحتجاج.
    ومصدر هذه الثورة الثائرة الذي أقحم فيها هذا النائب نفسه أن رجلًا فيما يقال حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيجب أن يسأل خصوم رئيس الوزراء جميعًا عن محاولة هذا الرجل!! ويجب أن تؤخذ صحف المعارضة كلها بمحاولة هذا الرجل!! ويجب أن تشتد الوزارة على هذه الصحف حتى تبلغ أقصى الشدة وتنتهي إلى غاية العقاب!!
    ولكن هذا النائب وأمثاله خليقون أن يعلموا أن الإسراف في النذير قد يتجاوز غايته، وينتهي إلى عكس ما يراد به، فيضحك بدل أن يحزن، ويسري عن النفوس بدل أن يبعث فيها الخوف والإشفاق. ذلك أن الإسراف مضحك بطبعه، فهو لا يصدر إلا عن تقصير في التفكير، وتفريط في ذات المنطق والعقل.
    وقد كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يكونوا نماذج للقصد والاعتدال، لا نماذج للغلو وتجاوز الحدود. وقد كنا نحب أيضًا أن يسيطر هؤلاء النواب على أنفسهم ويأخذوها بشيء ولو قليل من العدل، فلا يستأسدوا على الأمة وحدها، ولا يضعفوا أمام الوزارة وحدها.
    قد كنا نحب لهم أن يظهروا هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء هذه الحوادث المخزية المزرية التي لا تؤذي النفوس فحسب، ولكنها تشين كل وزارة تقع في ظلها، وتمس شرف الدولة التي تحدث تحت أجنحتها.
    نعم كنا نحب أن يصول هذا النائب وأمثاله ويجولوا وأن يخطب هذا النائب وأمثاله ويقولوا، وأن يقذف هذا النائب وأمثاله صواعق النذير على هؤلاء الموظفين الذين يقترفون الآثام، ويجترحون الجرائم، ويأتون المنكر من الأمر جهرة تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، لا يشفقون ولا يفرقون، بل لا يتعرضون لما يدعوهم إلى الفرق أو الإشفاق.
    نعم كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يسألوا وزير الداخلية ويلحوا في السؤال، بل أن يستجوبوا وزير الداخلية ويلحوا في الاستجواب عن هذه الحوادث التي أثبتها حكم القضاء على ضابط طغى ومن أعانه من رجال الشرطة الذين أقيموا ليمنعوا الإجرام، فإذا هم يغرقون في الإجرام إلى آذانهم! الذين أقيموا ليحموا النظام فإذا هم أعداء النظام، الذين أقيموا ليعصموا أجسام الناس من العذاب، فإذا هم يصبون عليها العذاب، الذين أقيموا ليحفظوا للناس كرامتهم، فإذا هم يطأون كرامة الناس بأقدامهم. الذين أقيموا ليثبتوا للأجنبي أن في مصر حكومة منظمة محضرة يمكن أن يطمئن الناس إليها، ويستمتعوا بالأمن في ظلها دون حاجة إلى نظام الامتيازات، فإذا هم يثبتون للأجنبي أنهم لا يؤمنون على شيء! لا يؤمنون على نظام، ولا عرض ولا كرامة!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب ليعلم مجلس النواب كيف استباحت وزارة الداخلية لنفسها أن تبقى ضابطًا في عمله بعد أن اقترف ما اقترف من الجرائم، وارتكب ما ارتكب من الآثام حتى ملأ قلوب الناس روعًا وهولًا، وحتى أيأسهم من الرحمة، وعقد ألسنتهم عن أن تجهر بالشكوى، وعقل أيديهم عن أن تكتب حتى الاستعطاف!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب: ماذا صنع بالمدير الذي حمى هذا الضابط وأقره في عمله، وتركه يجرد الناس من ثيابهم، ويأمر الجند فيعبثوا بهم، ثم يأمر الجند فيلقوهم في مجتمع البول، ثم يأمرهم ليغسلوا بهذا البول وجوههم وأعناقهم، ثم يأمرهم ليتمضمضوا بهذا البول ويستنشقوه!!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة فيسأل هذا النائب وأمثاله وزير الداخلية، بل رئيس الوزراء عن هذه الحوادث التي سجلها القضاء، أين حدثت؟ أحدثت في مصر التي هي جزء من أوربا؟ أحدثت في مصر التي يقال إن فيها قوانين؟ أحدثت في مصر التي نص الدستور على أن دينها الرسمي هو الإسلام؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي هي جزء من أوربا، ففي أي جزء من أجزاء أوربا يغمس الناس في البول ويؤمرون بأن يغسلوا منه الوجوه والأعناق، وأن يملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي يقال إن لها قوانين، ففي أي مادة من مواد القانون يباح للضباط والجند أن يغمسوا الناس في البول، وأن يأمروهم بأن يغسلوا به الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟!
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي دينها الرسمي هو الإسلام، ففي أي نص من نصوص القرآن الكريم، وفي أي نص من نصوص الحديث الشريف، وفي أي نص من نصوص الفقه يباح للضباط والجنود أن يغمسوا عباد الله في البول، وأن يأمروهم ليغسلوا منه الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    أي غسل هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي وضوء هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي منكر هذا الذي اقترف تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، وللإسلام شيوخه وعلماؤه، وللإسلام وزارته ووزراؤه، وللإسلام جنوده وأولياؤه، وللإسلام حاميه وراعيه، هذا الذي يزور الأضرحة، ويتبرك بقبور الأولياء؟!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة في مجلس النواب، وأن يغضب النواب للحق، لا للباطل، وأن يدافع النواب عن كرامة الناس وأعراضهم ودينهم. فهذا كله خير من أن يتجنى النواب على الصحف ويحملوها إثم هذا الرجل الذي حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء.
    إن مجالس النواب لم تنشأ لتتهم الأبرياء، ولم تنشأ لتأخذ الناس بالظن، ولم تنشأ لتقذف الناس بغير الحق، وإنما أنشئت لتدافع عن حقوق الأمم وترعى حرمات الناس، وتصون كرامات الأفراد والجماعات، وتأخذ الوزارة بحماية الحق والعدل والقانون.
    نعم لم تنشأ مجالس النواب لتستأسد على الخصوم، وتؤثر الأولياء والأنصار بالمودة والعطف واللين. كنا نحب أن يصطنع هذا النائب وأمثاله هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء أنفسهم فيسألوها: ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في النواب الذين يمنحون ثقتهم وزارة تقع في ظلها هذه الآثام، وتقترف في ظلها هذه الجرائم، فلا تغضب ولا تثور ولا تتحرك حتى تكره على ذلك إكراهًا فتتحرك متثاقلة وهي تود لو استطاعت السكون؟
    ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في نواب يقرون صدقي باشا في الحكم، وهم يعلمون أن حوادث البداري قد وقعت، وأنه أبى أن يمضي التحقيق فيها كما كان يريد شريكه في الحكم، فأخرج شريكه هذا من الحكم! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد وقعت في أسيوط فلم يعاقب صدقي باشا مدير أسيوط، بل حماه ورقاه!! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد اقترفت في الفيوم فلم يعاقب صدقي باشا مدير الفيوم.
    نعم ما حكم الله في هؤلاء النواب الذين يرون هذا كله فلا ينكرونه على الوزارة، ولا يجرؤون على إسقاط هذه الوزارة، فضلًا عن أخذ جماعة من أشخاصها بحكم القانون!
    إلى مثل هذه الأشياء يجب أن تتجه شجاعة النواب، لا إلى الصحف وكتاب الصحف فمهما يكن من أمر الصحف فلن تسئ إلى العدل في مصر بمقدار ما أساءت الوزارة، ولن تشين كرامة مصر بمقدار ما شانتها الوزارة، ولن تثير حفائظ الناس بقدر ما أثارتها تصرفات الوزارة.
    ولكن النواب سيستأسدون دائمًا على الصحف، وسيرفقون دائمًا بالوزارة، وسيستعدون وزير الداخلية ووزير الحقانية والنيابة العامة على الصحف، وسيكفون دائمًا عن أن يستعدوا أنفسهم على الوزارة، لأن قضاء الله قد جرى بأن تمتحن مصر، ويجرب صبرها واحتمالها، وسيثبت قضاء الله أن مصر صابرة على الأذى، محتملة للمكروه، محتفظة على ذلك بإبائها وحرصها على الحرية.
    نعم سيثبت قضاء الله أن الامتحان كان عسيرًا طويلًا، وأن مصر قد نجحت فيه.
    كوكب الشرق ١٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • العبء غير المتكافئ | The Uneven Burden: Privilege, Rest, and Injustice

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

    ذكرى

    رئيس الوزراء ووزير المالية يستشفيان في أوربا ويستريحان. ووكيل المالية يتروض في أوربا ويشهد المؤتمر الاقتصادي، ووزير المعارف يتأهب لرحلة إلى أوربا كرحلة العام الماضي، فيها راحة بعد أن تعب في تشييد بناء التعليم. وفيها اجتناء لثمرة هذا التعب من أوسمة وألقاب. وكيل المعارف قد سبقه إلى إنجلترا ليستريح وسكرتير المعارف سيذهب إلى لبنان بعد أيام ليستريح. وأحد وكيلي الداخلية سيسافر إلى أوربا ليستريح، والوكيل الآخر سيعمل في الإسكندرية وإن كان قرار الوزراء يقضي بأن يبقى وكلاء الوزراء في وزاراتهم من حين إلى حين، ولكن وكيل الداخلية قد تفضل على الدولة بأن يعمل أثناء غيبة صاحبه فلا بد من أن يجمع بين العمل والاصطياف على حساب الدولة، لأنه هو أيضًا في حاجة إلى أن يستريح. ومدير الأمن العام قد ذهب إلى رودس ليستريح، ووكيل الأمن العام قد طلب إجازة، وأذن له فيها وزير الداخلية ليستريح. ومدير المطبوعات سافر إلى قسطنطينية ليستريح. ووكيل المطبوعات قد أذن له هو أيضًا في إجازة ليستريح. وهؤلاء الوزراء جميعًا يصطافون في الإسكندرية على حساب الدولة ليستريحوا أثناء العمل. وأمر الوزارات الأخرى كأمر هذه الوزارات الثلاث التي أشرنا إليها آنفًا إن لم يكن رجالها أشد حاجة إلى الراحة وأعظم حظًا من الإجازات. وأمر المصالح كأمر الوزارات، رؤساؤها ووكلاؤها وموظفوها في حاجة إلى الراحة ولهم الحق كل الحق أن يطلبوا الإجازات وعلى الحكومة أن تستجيب لهم وتمتعهم من هذه الإجازات بما يريدون. وللحكومة إن شاءت وكانت ظريفة خفيفة الروح، حريصة على أن تصطنع المجاملة وحسن المعاملة أن تنتهز فرصة هذه الإجازات لتكلف بعض الموظفين الأكفاء القيام ببعض المهمات في أقطار أوربا، وتدفع بإزاء هذا التكليف نفقات السفر والإقامة أو نفقات السفر دون الإقامة أو ما شئت من مقدار ضخم أو نحيف يعين على السفر والإقامة.

    وخلاصة هذا كله وما يشبهه مما نعلمه ونسكت عنه، ونجهله ولا نشير إليه، أن في مصر ظاهرتين خليقتين بالتفكير والتقدير، خليقتين بأن يكثر فيهما الحديث، وتذاع فيهما دعوة لمصر لا تشبهها دعوة، وإعلان عن مصر لا يقاربه إعلان. فأما الظاهرة الأولى فهي أن أمور مصر مستقرة كأحسن ما تستقر الأمور في حكومة، وتدبر أمورها بغير مدير، وتسير أعمالها بغير مسير. فهي إذن بصورة المثل الأعلى للبلاد التي تتخذ الحكومة زينة وترفًا وفضلاً عن لهو الحياة حتى لا يقال إنها دون غيرها من البلاد.

    وآية ذلك أن هذا العدد الضخم من الوزراء والوكلاء ومن الرؤساء والمديرين، ومن أعمدة الدولة وأساطينها قد سافر أو قد يسافر، واستراح أو قد يستريح واصطاف أو قد يصطاف، وأن الإدارات والمصالح لا تزال في طريقها إلى أمام تسير سيرًا مستقيمًا، لا عوج فيه. فلو قد كانت مصر بلدًا مضطربًا أو كالمضطرب، ولو قد كانت مصر في حاجة ملحة وضرورة ماسة إلى هؤلاء العمد والأساطين لم يستطيعوا أن يستريحوا ولا أن يطلبوا الراحة أو يفكروا فيها. وأنا زعيم لك بأنك لن تجد في أي بلد من بلاد الأرض عددًا كهذا العدد الضخم من الموظفين يستريح أو يتهيأ للراحة ويسافر أو يتأهب للسفر. وأنا أعلم أن بعض المكرة الذين لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب سيقولون: وما يدريك؟ لعل أمور الدولة تضطرب أشد الاضطراب وتفسد أعظم الفساد لتخلي هؤلاء السادة عن مناصبهم أوقات طوالًا أو قصارًا، ولكن أحدًا لا يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، والناس يعلمون ذلك ولا يشعرون به. سيقول فريق من الناس هذا أو شيئًا يشبهه، ولكنهم مسرفون فلا ينبغي أن تسمع لهم، ولا أن تقف عندما يقولون، لأن وزراءنا ووكلاءنا ورؤساءنا أحرص على مصالح الدولة وأرفق بمنافع الناس من أن يتورطوا في هذا العبث أو أن يهملوا حياتنا العامة هذا الإهمال. ولهم ضمائر حية وقلوب ذكية، وحرص على الأمانة شديد. فلولا أنهم يعلمون حق العلم أن سفينة الدولة تستطيع أن تجري هادئة مطمئنة من دونهم لما تركوها ولم يأذنوا لأنفسهم بهذه الراحة التي هم في حاجة إليها من غير شك.

    هذه إحدى الظاهرتين. فأما الظاهرة الثانية فهي أن مصر غنية مثرية توشك أن تصيبها التخمة لكثرة ما عندها من الغنى والثراء. وآية ذلك أنها تحتمل كل هذه الإجازات وتؤجر كل هؤلاء الموظفين الذين تستطيع أن تستغني عنهم أشهر الصيف، وتنفق على جماعة منهم يصطافون في الإسكندرية وعلى جماعة آخرين يتنزهون في أوربا. فلو كانت فقيرة أو متوسطة الحال كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا لاقتصرت في ذلك بعض الاقتصاد فاستغنت عن بعض هؤلاء الموظفين الذين لا تحتاج إليهم في الصيف لأنها من غير شك لا تحتاج إليهم في الشتاء، ولأبت على بعضهم الآخر أن يصطافوا على حسابها. لأنها هي لا تصطاف. ولأبت على فريق آخر أن يستمتع بحياة أوربا على حسابها لأنها لا تستمتع إلا بالبؤس والشقاء. وفي هذا القيظ الذي يميط النفوس ويصهر الجلود، ولكن مصر غنية مثرية فلها أن تنفق عن سعة وتبدد في غير حساب، وتمتع أغنياءها على حساب فقرائها وسادتها على حساب سوقتها. ومصر حرة تستطيع أن تصنع في أموالها ما تشاء، تستطيع أن تلقيها من النوافذ وترسلها مع الرياح، وليس لأحد أن يسألها في ذلك ولا أن يحاسبها عليه. وقد شاءت فهي تنفق باليمين وبالشمال، وهي تمتع الوزراء وأشباه الوزراء بألوان النعيم. فمن أعجبه هذا فذاك، ومن لم يعجبه هذا فليشرب ماء النيل إذا لم تسمح له الظروف بأن يشرب ماء البحر.

    فأنت توافقني على أن من مصلحة مصر أن يكثر الحديث في أمر هاتين الظاهرتين ليعلم الناس جميعًا أننا سعداء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا نعرف البؤس ولا الفقر، ولا الشقاء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا يجد الخوف إلى نفوسنا سبيلًا، وليس بين قلوبنا زبائن الإشفاق من غد أو الاستعداد لغد سبب ما. ومالنا وللتفكير في غد وأمورنا ميسرة والحمد لله، وسادتنا أعلم منا بمنافعنا وأقدر منا على حمايتنا من النوائب والأحداث. وهم راضون فيجب أن نرضى، وهم مطمئنون فيجب أن نطمئن، وهم مبتسمون فيجب ألا يفارق ثغورنا الابتسام.

    وتسألني عن هاتين الظاهرتين: ما مصدرهما؟ ولم امتازت مصر من بلاد الله جميعًا فسعدت والعالم شقي، وأثرت والعالم فقير؟ واطمأنت والعالم مضطرب؟ وابتهجت والعالم محزون؟

    والجواب على هذا السؤال يسير، لا يحتاج إلى مراجعة التاريخ ولا إلى استشارة الاقتصاد، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن نذكر اليوم الذي نحن فيه، فهو اليوم الذي أغار الإنجليز فيه على مدينة الإسكندرية ودخل الإنجليز من بعده في مصر.

    هذا اليوم الذي مضى عليه نصف قرن أو أكثر من ذلك قليلًا هو مصدر سعادتنا التي نمتاز بها الآن من بلاد الأرض كلها. كنا بائسين فذقنا الغنى منذ ذلك اليوم. وكانت أمورنا كلها إلى غيرنا فأصبحت أمورنا كلها إلينا، منذ ذلك اليوم. ولم يكن لنا وزراء ولا وكلاء ولا موظفون يستطيعون أن يستريحوا ويسرفوا في الراحة، أو يصطافوا على حسابنا أو يتنزهوا في أوربا على حسابنا لأننا في تلك الأيام لم يكن لنا حساب. أما منذ الاحتلال فقد غنينا وأثرينا واكتظت المصارف بأموالنا، فمن حقنا أن ننفق منها في غير تقدير كما نشاء وعلى من نشاء.

    ألست ترى معي أن الحكومة موفقة كل التوفيق إلى الصواب حين تأبى على الناس أن يحتجوا على ضرب الإسكندرية أو يحزنوا لذكرى الاحتلال. إنما تنشأ الحكومات بين الناس لتعلمهم الوفاء والاعتراف بالجميل ولتزجرهم عن العقوق وكفر النعمة. والمصريون في هذه الأيام عاقون جاحدون، ينكرون فضل الإنجليز عليهم، ويحزنون لمقام الإنجليز فيهم، فيجب أن تؤدبهم الحكومة فتحسن تأديبهم، وتأخذهم بأن يصطنعوا شيئًا من الحياء فيكتموا عقوقهم إذا لم يكن بد من العقوق ويضمروا جحودهم إذ لم يكن بد من الجحود، ويحزنوا فيما بينهم وبين أنفسهم إذ لم يكن بد من الحزن. فليس يليق بمصر أن يقول الناس عنها إنها حزينة كئيبة في هذا اليوم الذي كان يجب أن تظهر فيه الفرح والمرح والابتهاج.

    أما أنا فقد أردت أن أكون كغيري من الكتاب الذين كتبوا في ذكرى هذا اليوم، فوعظوا وأحسنوا العظة، وصوروا وأجادوا التصوير، ولكني لم أجد عظة أبلغ ولا عبرة أوقع في النفوس ولا تصويرًا أدق لآثار الاحتلال في نفوس المصريين وقلوبهم في حياتهم العامة والخاصة، وفي منافعهم ومرافقهم وفي عزتهم وكرامتهم، وفي آمالهم ومثلهم العليا من هذه الصورة التي نحن فيها الآن في ظل هذا العهد السعيد. فهذا العهد السعيد أثر من آثار الاحتلال وصورة من أصدق صوره، ومرآة تمثله كما هو بما فيه مما نحب وما لا نحب، ومما نرضى وما لا نرضى. فمن كان يعجبه هذا العهد فليعجبه الاحتلال ويتمنى بقاءه. ومن كان يؤذيه هذا العهد في نفسه وكرامته وعزته ومنافعه فليؤذه الاحتلال، ويتمنى على الله أن يجلو غمرته، ويزيل كربته، وليعمل ما استطاع ليخلص من أذاه المتصل وشره المقيم.

    كوكب الشرق ١١-٧-١٩٣٣

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

    من لغو الصيف إلى جد الشتاء

    كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجدَّ أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف؟ وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين؛ غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة، ولا تذكر الموسيقى والغناء؛ فمَن للموسيقيين أو المغنين بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة والأيدي؟ جو ثقيل يستتبع فتوراً ثقيلاً، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض؛ فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير حتى يسرعوا إليه، ويلقوا بأنفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئاً جامداً خامداً لا حركة فيه ولا حياة، إلا هذه اليقظة الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلمّ بهم من حين إلى حين؛ حين يثقل عليهم الحر، ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالإفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى الغرق فيه.
    ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة، ويقبل الليل متثائباً، يبعث في الجو أنفاساً حارة كأنها أنفاس العاشق الولهان المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه ناراً مضطرمة قوية اللظى؛ فلا تكاد أطراف هذا الليل الكسلان تمسّ الأرض حتى تبعث في الناس نشاطاً كسِلاً يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكاناً نضراً لعلهم يجدون فيه فضلاً من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئاً من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة والهدوء. هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم، فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن يعتدل، ولعل الجو أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض هذا اللظى الذي يجدونه في نفوسهم وفي أجسامهم فتنطلق الألسنة من عقلها بعض الشيء، وتستطيع النفوس أن تحرك أجنحتها قليلاً وأن تصعِّد في الجو بعض التصعيد، ويستطيع المرح الهادئ أن يبعث في القلوب شيئاً من الراحة والابتهاج. ثم يتقدم الليل ويذكر الناس أن الصبح سيشرق بعد حين ومعه الأعمال والأثقال، والتكاليف والحر والضيق، وإذا هم مضطرون إلى أن يعودوا إلى بيوتهم ويسعوا إلى مضاجعهم كارهين.
    كذلك نقضي الصيف في بلادنا إن لم نكن من المترفين الذين لا يكادون يحسون الصيف حتى ليعبروا البحر إلى حيث يحيون حياة أخرى، أو لا يكادون يحسبون الصيف حتى يسرعوا إلى ساحل البحر، فيحيون حياة خير منها ما نحن فيه من كسل وفتور، ومن تقصير وقصور؛ فلغو الصيف شيء طبيعي ملائم أشد الملاءمة لحياة الصيف.
    أما الشتاء فشيء آخر كله فرح ومرح، وكله حركة ونشاط، وكله حياة خصبة عذبة منتجة؛ تجد فيه النفوس أقصى لذاتها، وتجد فيه الأجسام أقصى قدرتها على الاستمتاع. أكل كثير، وشرب كثير، واضطراب في الأرض كثير، وإقبال على العمل، ونسيان للكسل، وحياة مملوءة إلى حافتها تفيض أو تكاد تفيض بما يفعمها من الآمال والأعمال. ثم ضيق بالحياة؛ لأن الحياة تضيق بما نريد، وتعجز عن أن تسع كل ما تسعه آمالنا ورغباتنا وشهواتنا، وقد كدت أنسى واجباتنا. وهل للواجبات مكان في حياة الشتاء هذه التي يفعمها الجنون؟ مسكينة هذه الواجبات! يطاردها فتور الصيف ويطاردها نشاط الشتاء فحظها من عنايتنا قليل دائماً.
    ولعمري إنّا لمعذورون؛ أما عذرنا في الصيف فلا يقبل جدالاً ولا مراء، ومَن ذا الذي يستطيع أن يكلف الناس أن يعملوا وهم عاجزون عن العمل، أو يكدّوا وهم مصروفون عن الكد؟ والله ﷿ لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحمل الناس ما لا طاقة لهم به. وأما في الشتاء فعذرنا أبلغ منه في الصيف؛ وكيف تريدنا على أن نفرغ للعمل، ونخلص للإنتاج، ونؤدي واجباتنا مشغوفين بها، مقبلين عليها، وحولنا من المغريات ما لا تقاومه إلا نفس سقراط أو أشباه سقراط؟ ومن يدري لعل سقراط لو عاش في أيامنا، واضطرب في بيئتنا، لكان رجلاً مثلنا تصرفه المغريات عن أن يعرف نفسه بنفسه، وعن أن يولّد نفوس محاوريه ويخرج منها كل ما احتوت من حقائق العلم والحكمة، وفنون المعرفة وألوان الخير.
    وقد زعموا أن امرأة سقراط كانت مسلطة عليه، وأنه كان يخافها خوفاً شديداً، ويشفق منها إشفاقاً لا حد له؛ فلو عاشت امرأة سقراط في مدينة القاهرة وفي القرن العشرين لاتخذت لها يوماً في كل أسبوع تستقبل فيه الزائرين والزائرات، فلا تكاد تطلع الشمس حتى تهيئ وتضطر زوجها إلى أن يهيئ معها غرف البيت لاستقبال الزائرين والزائرات، وحتى تسعى وتضطر زوجها إلى أن يسعى معها إلى حيث تشتري ألوان الحلوى وفنون الزهر وصنوف الفاكهة. حتى إذا تقدم النهار ودنت الساعة ٤ قامت واضطرت زوجها إلى أن يقوم معها لاستقبال الأصدقاء وغير الأصدقاء من هؤلاء الذين يغشون غرف الاستقبال لأنهم يَكْلَفُونَ بغشيانها، أو لأنهم يكرهون غشيانها؛ تكرههم عليه امرأة سقراط وأمثالها. لأن امرأة سقراط لا تغفر لفلان وفلان من العلماء والأدباء وأصحاب الفن أن يهملوها، أو ينصرفوا عن غرفة استقبالها، وهي تصرّ أشد الإصرار على أن يظهروا في بيتها مرة في كل أسبوع حتى لا تقول صديقاتها أن غرفتها ليست حافلة بأعلام الفن وأفذاذ الأدب، ورجال المال والأعمال.
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ زوجها من الاستقبال وما فيه من حديث مختلف مؤتلف، معوج مستقيم، واضح غامض، خصب جدب، خطر بريء، فلم تنتهِ امرأة سقراط ولم ينتهِ سقراط من كل شيء، وإنما ابتدأ شيئاً لا سبيل إلى أن ينتهي؛ فهؤلاء الزائرون والزائرات لا بد أن تُرَدّ لهم الزيارات، لأنهم كسقراط وامرأة سقراط مضطرون إلى أن يستقبلوا كما كانوا مضطرين إلى أن يزوروا. وكذلك تقضي امرأة سقراط ويقضي معها سقراط مساء كل يوم متنقلين من دار إلى دار، ومن غرفة استقبال، يقولان كلاماً ويسمعان كلاماً، يصدِّقان ويكذِبان. وويل لسقراط إن أدركه الكسل أو أصابه الملل أو شغلته الفلسفة أو صرفه عن زيارة من هذه الزيارات حوار مهما تكن قيمته ومهما يكن المحاورون؛ فأفلاطون وكسنوفون، وفيدون، وفيدر، كل هؤلاء يستطيعون أن يلقوه في داره يوم استقباله، أو في دار من هذه الدور التي تستقبل من الساعة الرابعة والثامنة من كل يوم. وإذا لم يكن بد من الحوار في الطبيعة أو في أي شيء من هذه الأشياء التي تنجم من الأرض أو تهبط من السماء، فليدبّر لهم سقراط وقتاً من هذه الأوقات التي يمكن فيها اللقاء دون أن تصرفه عن واجباته الاجتماعية وتعرّضه للغضب؛ وأي غضب؟ غضب السيدات!
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها سقراط من الاستقبال والزيارة وأقبل الليل، فالويل كل الويل للفيلسوف العظيم إن دعته نفسه إلى أن يعرفها، أو يحقق ما كان مكتوباً على معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك). وأين يجد سقراط الوقت الذي يخلو فيه إلى نفسه إذا جنه الليل؟ فالليل لا يلقي على الأرض أستاره المظلمة ليأوي الناس إلى بيوتهم بل ليخرجوا منها. وكيف تريد أن يأوي سقراط إلى بيته أو يخلو سقراط إلى نفسه، وهذه الأوبرا قد فتحت أبوابها ومدت أسبابها، وأقبل عليها الممثلون والمغنون يعرضون بدائع التمثيل وآيات الغناء؟
    وهذه دور السينما تعرض في كل يوم جديداً، وهذه قاعة (يورت) يوقع فيها فلان، وقاعة (الليسيه) يوقع فيها فلان؛ وقد يجمع سقراط شجاعته كلها ويقول بقلب متردد ولسان متلعثم إنه لا يحب ما يُمثّل الليلة، أو ما يوقّع، أو ما يُغنّى، وأنه يؤثر الراحة أو الانقطاع لبعض العمل، ولكن ويل لسقراط من هذه المقالة! فمَن زعم له أنه سيشهد التمثيل أو يسمع الغناء لأنه يحب أو لا يحب، ولأنه متعب أو مستريح؟ إنما يشهد التمثيل ويسمع الغناء ويختلف إلى دور السينما لأن الناس يجب أن يروه في هذه المشاهد كلها، وإلا فليس هو من أهل القاهرة، ولا من ذوي المكانة فيها.
    وقد تظن أن سقراط حين يذهب إلى الملعب أو إلى دار من دور السينما أو إلى قاعة من قاعات الغناء يستطيع أن يفرغ للفن أو يستمتع به، فاطرد عن نفسك هذا الظن، واذكر أن هناك (الانتراكت) ومقابلات الانتراكت، وأحاديث النظارة والمستمعين عما رأوا وما سمعوا. ويا لها من أحاديث تبغض الفن إلى أحب الناس للفن! يجب أن يكون لكل واحد من هؤلاء النظارة والمستمعين رأي يراه، وكلمة يقولها فيما رأى وما سمع، وقد يكون هذا الرأي سخفاً، وقد تكون هذه الكلمة جهلاً، وهما كذلك في أكثر الأوقات، ولكن سقراط مضطر إلى أن يسمعهما ويقرهما، أو يجادل فيهما مجادلة المقر الذي لا ينكر. وهناك ما هو أثقل من ذلك، فيجب أن يكون لسقراط رأي يقوله وكلمة يقولها وإن لم يرَ شيئاً، وإن لم يرد أن يقول شيئاً؛ ذلك أنه إذا لم يقل كلمته اتُّهم بالجهل، أو وُصف بالكبرياء، وكلاهما لا يليق بالحيوان الاجتماعي الذي ذكره أرسططاليس في كتاب السياسة، والذي يتألف منه ومن أمثاله سكان مدينة القاهرة، كما يتألف منه ومن أمثاله سكان باريس.
    حتى إذا تقدم الليل عاد سقراط إلى بيته متعباً مكدوداً فأوى إلى مضجعه ولم يلبث أن يأسره النوم. ولعلك تظن أن تكاليف سقراط تقف عند هذا الحد، فما أشد إغراقك في الوهم! وأين أنت من المحاضرات؟ وما أدراك ما المحاضرات؟ محاضرات الجمعية الجغرافية، وأخرى في الجمعية الاقتصادية، وأخرى في قاعة يورت التذكارية، وأخرى عند جروبي، وأخرى في الكونتننتال. ولا بد لأسرة سقراط من أن تشهد هذه المحاضرات لتكون ظريفة متلطفة، مجاملة للمحاضرين والمحاضرات، ثم لتظهر أيضاً، أو لتظهر قبل كل شيء.
    المحاضرون قوم قساة لا يحفلون بالناس ولا يحفلون بأنفسهم، وإنما يحفلون بالمحاضرات؛ فهم يحاضرون في غير رفق، وهم يحاضرون في غير حساب، وهم يتنافسون في المحاضرات وقيمتها وحظها من الجودة، بل في عدد المحاضرات وعدد المستمعين، والإعلان في الصحف. وقد تسوء الحال فيلقي محاضران محاضرتيهما في وقت واحد وفي مكانين مختلفين طبعاً، ويومئذ يضطر سقراط إلى أن يشهد إحداهما، وتضطر امرأته إلى أن تشهد الأخرى؛ فلا بد من ظهور أسرة سقراط في المحاضرتين جميعاً، فإذا انتهى كل من المحاضرين تقدم إليه نصف الأسرة فهنأه وحياه واعتذر له عن النصف الآخر لأنه مشغول بمحاضرة فلان.
    يا لهذا الفصل: فصل الشتاء! إنه يشغل الوقت، ويصرف الناس حتى عن الحياة. وقد تعطف الظروف على سقراط وتؤثره الأيام بخير ما عندها من اللذات والمتاع، وإذا هو مضطر إلى أن يستمتع رغم أنفه بتناول الشاي عند فلان، ثم بالاستماع لمحاضرة يلقيها فلان في الساعة ٦، وأخرى يلقيها فلان في الساعة ٧، ثم يخطف عشاءه خطفاً، ويلقي ملابس النهار ويتخذ ملابس الليل ليسرع إلى الأوبرا. ويل لسقراط إن لم يكن من أصحاب السيارات! وويل للسيارة وسائقها إن كانت لسقراط سيارة من هذه الأيام العذاب الكذاب أيام الشتاء!
    ثم حدثني بعد ذلك كيف يستطيع سقراط أن يفرغ لفلسفته ومعرفة نفسه وحوار تلاميذه إذا كان الصباح؟ وأين له القوة التي تمكنه من أن يفلسف أو يفتش عن نفسه أو يحاور أصدقاءه بعد هذا الجهد العنيف الذي أنفقه أو الذي احتمله منذ أقبل المساء إلى أن انقضى الليل أو كاد ينقضي؟ ومع ذلك فلا بد لسقراط من أن يُعنى بفلسفته، ويبحث عن نفسه، ويحاور أصدقاءه؛ لأنه بذلك يعيش، ولذلك يعيش، ومِن أجل ذلك يعيش.
    أرأيت أن سقراط لم تظلمه الأيام حين جعلت حياته في القرن ٥ قبل المسيح؛ في ذلك الوقت الذي لم تنشأ فيه الصالونات، ولم تكثر فيه المحاضرات، ولم تتعدد فيه ملاعب التمثيل وقاعات الغناء، ولم تظهر فيه دور السينما؟ لقد كان سقراط سعيداً حقاً؛ كان يشهد التمثيل أياماً في العام، مرة في الربيع حين يكون فصل التراجيديا، ومرة في الخريف حين يكون فصل الكوميديا. وكان يختلف إلى بعض الدور: إلى دار بيركليس مثلاً ليسمع بعض السفسطائية، وليحاور أو ليستمتع بجوار هذه المرأة الجميلة زوج بيركليس. وكان ينفق ما تبقى من وقته – وهو أكثره من غير شك – متنقلاً بفلسفته في شوارع أثينا، أو باحثاً عن نفسه في حمام أثينا وملاعب الرياضة فيها. وأنا واثق بأن سقراط لو خُيّر بين حياتنا الحلوة العذبة، وبين سجنه الثقيل وما تناول فيه من السم لآثر السجن والسم على هذه اللذات الطوال الثقال التي نتحملها نحن في فصل الشتاء.
    أرأيت أن الصيف هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وأن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا الجد، ولا يمكن فيه إلا الجد؟ ولعلك تظن أن ما حدثتك به هو كل ما في الشتاء من جد، فَذُد عن نفسك هذا الوهم؛ ففي الشتاء جد آخر مر كله لا حلاوة فيه، فأنت توافقني على أن الزيارة والاستقبال، والاختلاف إلى المحاضرات، وشهود التمثيل والاستماع للمغنين والموقعين، كل ذلك يحتاج إلى نفقات، فثياب الشاي غير ثياب التمثيل.
    ولكن ماذا أريد أن أقول؟ ومالي أدخل بك في هذا الحديث الذي لا فكاهة فيه ولا متاع؟ أهذا كل ما يحمل إلينا الشتاء من الجد؟ كلا، ففي الشتاء جد آخر، جد خصب حقاً، جد نافع حقاً، جد نعيش منه ونلهو به، ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونة وشظف وحرمان، هو جد هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد.
    وفي الشتاء جد آخر؛ جد يمزق القلوب، ويعذب النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة واللين، ويذكرون حين يلهون أن في الأرض قوماً آخرين يعذبهم الجوع، ويلحّ عليهم البرد، فيقضون ليالي خير منها ظلمة القبور. في الشتاء هذا الجو المظلم القاتم، المرهق المحرق الذي تصوره أجمل تصوير وأبلغه تلك الأغنية المشهورة، أغنية الإحسان، التي ما استطعتُ أن أستقبل الشتاء منذ عرفتها دون أن أسمعها مرة ومرة:
    “هذا الشتاء يقبل، ومعه حاشيته الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيراً في الشتاء، إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد لشديد في دورهم المقفرة!”.
    الرسالة ١٨ – ١٢ – ١٩٣٣

  • إهمال وزارة المعارف المزمن | The Ministry of Education’s Chronic Mismanagement

    حديث اليوم
    سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.

    حديث الوادي
    عبث…

    تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.

    ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.

    ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.

    كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.

    هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.

    وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟

    ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».

    فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.

    وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.

    نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.

    وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟

    ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.

    ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟

    إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.

    ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥.

    حديث الوادي
    عيسويات…
    نوم

    نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

    النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.

    وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.

    ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

    ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

    فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

    ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.

    ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

    فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.

    طه حسين
    جريدة الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥.

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

  • مراقبة لندن | Watching London: The Long Anglo-Egyptian Standoff

    دائرة
    حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
    والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
    ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
    والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
    والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
    فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
    فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
    فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
    والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
    وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
    لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
    وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
    ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
    فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
    كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣

    الحديث المعاد…
    بقلم الدكتور طه حسين
    إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
    أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
    فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
    إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
    وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
    طه حسين
    الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣

    تبعة
    زعموا أن المقاومة في مصر للسلطان الأجنبي قد أصابها الضعف، ومشى فيها الفتور، ودبّ إليها نوع من الخمود حال بينها وبين أن تُنتج في تحقيق الآمال القومية ما كان يُنتظر منها، فلم تتقدم مصر في سبيل استقلالها كثيرًا منذ كانت الحركة الوطنية سنة ١٩١٩، بل ما زالت الامتيازات قائمة لا تستطيع مصر أن تلغيها إلا أن تتولى إنجلترا رعاية المصالح الأجنبية، وإلغاء الامتيازات بنفسها، لأن مصر أعجز من أن تثبت لأوربا وللإنجليز، وأقصر باعًا من أن تقدم على إلغاء الامتيازات بنفسها كما فعل الفرس والترك … !
    وقد أخذ بعض أصدقائنا يعلل ضعف المقاومة هذا، ويرده إلى مصادره، ويبحث عن الذين يحتملون تبعته، فاهتدى إلى العلة الصحيحة لهذا الضعف، ووضع يده على الداء الذي كان يجب أن يُستأصل منذ ظهرت أعراضه، والذي أصبح استئصاله الآن ضرورة وطنية لا مندوحة عنها، إذا كان قادة الرأي في هذا البلد — كما نعتقد — لا يزالون يؤمنون بأن الاستقلال حق لمصر، وبأن الواجب عليهم أن ينتهوا بها إليه.
    وهذا الداء الذي انتهى إليه صديقنا، ووضع يده عليه، هو تشعب الأحزاب في غير داعٍ إلى تشعب الأحزاب. فالمصريون جميعًا يطلبون الاستقلال، ويسعون إليه ويلحّون فيه، ويتمنون لو أُتيحت لهم الفرص التي تمكنهم من تحقيقه، بل من التضحية الكبرى في سبيل تحقيقه. وقد أقاموا على ذلك أدلة واضحة لا تقبل الشك يوم نهضوا سنة ١٩١٩ يطالبون بالاستقلال ويثورون، بالحماية حتى ألغوها.
    المصريون جميعًا إذن يطالبون بالاستقلال ويلحّون فيه، لا تختلف أحزابهم في ذلك، ولم ينشأ من أسباب الخلاف ما يدعو إلى أن تتشعب الأحزاب وتفترق، وإنما هي — كما يقول صديقنا — الأهواء والأمزجة والمنافع تُنشئ الأحزاب وتنقل الأشخاص فيما بينها. وليس في ذلك شك ولا ريب، فالحكم وحده هو الذي أنشأ الأحزاب في مصر بعد أن كانت كلمة المصريين مجتمعة على المطالبة بالاستقلال والإلحاح فيه والتضحية في سبيله.
    وتستطيع أن تتبع تاريخ الأحزاب التي أُنشئت في مصر بعد أن تألف الوفد للمطالبة بالاستقلال وأيدته الأمة المصرية كلها، لم يشذّ منها شاذ، ولم يخرج عليها خارج، فسترى أن الأمل في الوصول إلى الحكم، والسيطرة على الأمور، وتحقيق المنافع لبعض الجماعات وبعض الأفراد، هو الذي ألّف هذه الأحزاب واحدًا إثر واحد، وهو الذي جعل في مصر هيئات سياسية مختلفة تحترب فيما بينها، وتقتتل، ويسيء بعضها إلى بعض، ويُغري بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، وهي كلها تسعى إلى تحقيق غرض واحد، هو الاستقلال.
    وهذه الأحزاب وإن تشعبت ليست كثيرة، وليس تاريخها بعيدًا يحتاج إلى الجهد والتعب في درسه وتحقيقه. فأنت تستطيع أن تحصي ما نشأ منها بعد الحركة الوطنية، وتستقصي الأسباب التي دعت إلى نشوئه، وتستقصي كذلك الأسباب التي دعت إلى تطوره، وتستقصي كذلك الأسباب التي دفعته حينًا إلى الشمال حتى اتصل بالوفد وكاد يندمج فيه، ودفعته حينًا إلى اليمين حتى انفصل عن الوفد ونصب له الحرب. تستطيع أن تستقصي هذا كله، فلن تحتاج إلى مشقة ولا إلى جهد لتنتهي بهذا الاستقصاء إلى شيء واحد، هو أن الطموح إلى الحكم قد أنشأ الأحزاب، وأن الطموح إلى الحكم قد ترجّح بالأحزاب فمال بها إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى.
    ومادام الأمر كذلك فلابد للأشخاص أن يتنقلوا بين الأحزاب: منهم من تغريه المنفعة فيميل من شمال إلى يمين، ومنهم من يضيق صدره بالمداورات والمناورات، وتقديم المنافع الخاصة على المنافع العامة، واتخاذ الشعب وسيلة إلى الحكم حين يجب أن يُتخذ الحكم وسيلة إلى تحرير الشعب، فيميل من يمين إلى شمال.
    نعم، سبب واحد أنشأ الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد دعا إلى تطور الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد رغب في الائتلاف ورغب عن الائتلاف هو الحكم. فما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعاود تاريخها الحديث في وقت واحد متذكرة، فإن الذكرى تنفع أحيانًا. وما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعود إلى الفكرة الصالحة التي يجب أن تقوم عليها الأحزاب، وهي أن الحكم وسيلة لا غاية، وأن سعادة الشعب غاية لا وسيلة، وأن جهود الأفراد والجماعات يجب أن تخلص لتحرير الشعب إن كان مستذلًا، وتعليم الشعب إن كان جاهلًا، وإغناء الشعب إن كان فقيرًا. وإن من الإثم أن يُتخذ خداع الشعب وتضليله وسيلة إلى الاستمتاع بالحكم، والاستئثار بالثروة والجاه والسلطان.
    لقد لاحظ صديقنا الذي استكشف هذا الداء، ووضع يده عليه، أن الإنجليز اضطروا أن يقمعوا الحركة الوطنية بقوتهم الإنجليزية بعد أن نشأ الوفد، وقبل أن تنشأ الأحزاب. فلما نشأت الأحزاب استغنى الإنجليز عن قوتهم، واستعانوا بالمصريين على إذلال المصريين، ووجدوا أحزابًا تصل إلى الحكم عن طريق الإنجليز، حتى إذا اطمأنت في المناصب سخّرت جنود الدولة وأموال الدولة لإضعاف المقاومة المصرية، والتمكين لسلطان الإنجليز، وهذا — مع الأسف الشديد — حق لا شك فيه.
    ولكن استكشاف الحق شيء، والانتفاع بهذا الاستكشاف شيء آخر. وإذا كان من الخير أن تعرف الداء، فإن من الواجب أن تحسمه وتُشفى منه المريض. وأي حسم لهذا الداء الذي استكشفه صديقنا ووضع يده عليه أحسن من أن تعود وحدة الأمة إلى ما كانت عليه قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تجتمع كلمة الأمة كما كانت مجتمعة قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تنحل هذه الأحزاب ويعود أفرادها إلى العمل للشعب ومع الشعب، لا فضل لأحد منهم على صاحبه إلا بالكفاية، وصدق الجهاد، وحسن البلاء في سبيل الاستقلال؟
    هذا هو الدواء بعد أن استُكشف الداء. ولكن الانتفاع بهذا الدواء، مع أنه واجب وطني، لا سبيل إليه فيما يظهر، لأن الإنجليز ما زالوا يلوّحون بالحكم، ولأن نفوسًا ما زالت تهفو إلى الحكم. وما دام الإنجليز يلوّحون، وما دامت النفوس تهفو وتصبو، فقد يكون انحلال الأحزاب مستحيلًا، بل قد يكون ائتلاف الأحزاب على ما يحقق المنفعة الوطنية الخالصة عسيرًا. وإذن فلابد من أن تمتحن الأمة في أبنائها كما تمتحن في حياتها كلها، ولابد من أن تنهض الأمة بجهادين: فتجاهد الإنجليز من جهة، وتجاهد أصدقاء الإنجليز من أبنائها من جهة أخرى.
    ولابد من أن تصبر للإنجليز حتى يعجزهم صبرها، ولابد من أن تحتمل المحنة في أبنائها حتى ينقطع أمل هؤلاء الأبناء في الحكم، أو تردّهم ضمائرهم الحية إلى الصفوف. وإذا كان هناك واجب يحسن أن تنهض به الشعوب في شجاعة وكرامة لتصل إلى الحياة الكريمة المستقلة، فهو ألا تخدع هذه الشعوب نفسها عن نفسها، ولا تتعمد الجهل بمواطن الضعف فيها. وإذن فالواجب على الشعب المصري إن كان يريد أن يعيش حرًّا كريمًا أن يعترف أمام نفسه بأن فيه موطنًا للضعف، هي هذه الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية، والتي تيامن حينًا، وتياسر حينًا آخر، وتأبى أن تسير في طريق مستقيمة، لأن الطريق المستقيمة طويلة شاقة، لا توصل إلى الحكم إلا بعد جهد ثقيل وعناء شديد.
    لتكن تبعة ذلك بعد هذا على من تكون؛ لتكن على المصريين، لتكن على الإنجليز، لتكن على فريق من المصريين دون فريق، فإن الذي يعني من هذا كله هو أن تعرف الأمة موضع الضعف فيها فتجدّ في حقها، وتشتد في المحافظة على وحدتها، وتوسع صدرها للذين يريدون أن يعودوا إلى هذه الوحدة، وتتنكر في رحمة وإشفاق للذين يأبون إلا أن يتخلفوا عن الصفوف.
    كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣

    بغي
    لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

    توفيق
    لا أعرف وزارة وفقت إلى إسخاط الشعب وإثارة الحفيظة والموجدة في نفسه كما وفقت وزارتنا القائمة. فأنت لا تكاد تنظر في ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا رأيت الشعب يسلك طريقًا، والوزارة تسلك طريقًا أخرى؛ هذا إلى اليمين، وهذه إلى الشمال، هذا إلى الشمال، وهذه إلى الغرب. كانت القاعدة الأساسية التي اتخذتها الوزارة أصلًا لحياتها وسيرتها إنما هي أن تضاد أعمال الشعب وميوله وأهواءه ومنافعه، وكأن الغرض الأساسي الذي وقفت الوزارة جهودها على تحقيقه والوصول إليه إنما هو إحراج الشعب وتسليط السخط والحنق عليه.
    وهذه الأيام التي نشهدها تقدم أوضح الأدلة وأجلاها على هذا التناقض الشنيع بين حياة الشعب وحياة الوزارة، وبين آمال الشعب وآمال الوزارة. ولسنا نذكر جوع الشعب وإسراف الوزارة، ولسنا نذكر تهالك الشعب على الحرية وكلف الوزارة بالبأس والبطش، ولسنا نذكر طموح الشعب إلى الاستقلال وإذعان الوزارة لسلطان الأجنبي؛ فقد كثر الحديث في ذلك وطال حتى لم تبقَ حاجة إلى تكراره ولا إلى تذكير الناس به، لأنه أصبح قوام حياتهم في جميع أوقاتهم. وإنما نذكر نشاط الشعب في هذه الأيام، ونشاط الوزارة؛ فإن في المقارنة بين هذين النوعين من النشاط عبرة وعظة. الشعب ثائر مضطرب، لما يلقى أبناؤه وبناته من كيد المبشرين وعبثهم بالدين وطغيانهم على الأخلاق والأعراض، فالشعب يسخط ويشكو، والشعب يلح في السخط ويغرق في الشكوى، والشعب لا يستريح ولا يريح الصحف كأنه يعتقد أن قد أصبح الأمر إلى الصحف، فهي قادرة على أن تجلي المبشرين عن مصر، وتغلق معاهدهم وملاجئهم، وترد عدوانهم على أبناء المسلمين وبناتهم، وتصد طغيانهم على الدين والأخلاق والأعراض.
    أما الوزارة فشديدة النشاط، مسرفة فيه، لا تكاد تقف منه عند حد. وقد استغرق نشاطها مدينة القاهرة، ومدينة الإسكندرية، ومدينة بورسعيد، وأقطار الدلتا كلها. فإذا سألت عن موضوع هذا النشاط فثق بأنه شيء آخر غير حماية الدين والأخلاق والأعراض. وإذا سألت عن الذين يوجه إليهم هذا النشاط فثق أنهم قوم آخرون غير المبشرين. فالوزارة لا تنشط لحماية الدين والأخلاق والأعراض، وإنما تنشط لحماية نفسها، وهي لا تحمي من شر تخافه أو خطر تخشاه، وإنما تحمي نفسها من أوهام تفزعها في اليقظة وتروعها في النوم. والوزارة لا توجه قواها الهائلة إلى المبشرين، وإنما توجهها إلى الشعب. نعم، إلى هذا الشعب الذي يستغيثها ويستعين بها وينتظر منها أن تحميه من عدوان الأجنبي. الوزارة شديدة النشاط في الإسكندرية لأن رئيس الوفد وصاحبه أقاما فيها أيامًا، ثم سافرا منها صباح اليوم، والوزارة تخاف من رئيس الوفد وصاحبه أينما كانا وحيثما أقاما، وإلى أي وجهة قصدا، وفي أي مكان نزلا. والوزارة تجند الجنود وتنشر البنود وتزلزل الأرض لتحول بين الناس وبين الاتصال برئيس الوفد وصاحبه. فأما المبشرون الذين يعتدون على الدين والأخلاق والأعراض في الإسكندرية فالوزارة عنهم في مشغل، ولم لا؟ أليس الدفاع عن النفس، حتى من الوهم والخيال، واجبًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء؟ فلتوجد الوزارة أولًا، ولتحم وجودها من الخطر، ثم لتفكر بعد ذلك في وجود الشعب وحمايته!!!
    والوزارة شديدة النشاط في بورسعيد، قد ملأت جنودها الشوارع، وأخذت على الناس كل طريق، لا لأن مبشرة أجنبية تكيد للدين والأخلاق والأعراض وتتحدى سلطان الدولة وتعطل أحكام القضاء، بل لأن الأستاذ النقراشي ذهب إلى هذه المدينة يستقبل عضوًا من أعضاء الوفد قادمًا من أوروبا.
    فالوزارة مشفقة من الأستاذ النقراشي وصاحبه، تخاف أن يتصل بهما الناس أو يلتفوا حولهما، ولم لا؟ أليس من الحق عليها أن تدافع عن وجودها أولًا، ثم تفكر بعد ذلك إن سمحت لها الظروف في حماية الدين والأخلاق والأعراض، وسلطان الدولة وأحكام القضاء؟
    أما الدلتا فنشاط الوزارة فيها لا حد له، قد أجلبت الوزارة عليها بخيلها ورجلها، ونشرت فيها شيئًا يشبه الأحكام العرفية؛ فالجند يحتلون المدن احتلالًا، وهم يقطعون الطرق فيها ومن حولها بما يبنون من عقبات، وما يقيمون من حواجز وحصون. وهم يحاصرون المحطات ويحيطون بالدور، والقطار المسلح مرابط فيما يقال بين محطة سعد زغلول، ورجال الإدارة لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار. لماذا؟ لا لأن المبشرين يكيدون للدين والأخلاق والأعراض، ولكن لأن رئيس الوفد وصاحبه سينزلان في طنطا وسيذهبان منها بالسيارة إلى حيث يزوران أم المصريين، ولعلهما أن يزورا في طريقهما بعض الوفديين.
    وإذن فحياة الوزارة في خطر، والدفاع عن الحياة أول الواجبات وأشدها لزومًا، فلتنفق الجهود، ولتحشد الجنود، ولتنشر البنود، ولتضطرب الأرض، وليقتنع الشعب بأن الوزارة القائمة حية قوية عظيمة الحظ من القوة والحياة!
    أما القاهرة فأمرها عجب منذ أيام؛ قد شهدت منذ يوم السبت ما نسيته منذ أشهر، فانتشر فيها الجند، وكثر فيها ذهابهم ومجيئهم، وظهرت فيها قوة الحكومة كأروع ما تكون وكأشد ما تكون مما عرفها الناس، وفتحت فيها أبواب السجون، وصرف فيها رجال الإدارة عن الراحة والاستمتاع بلذة العيش، كأنما نحن في أيام الانتخاب منذ عامين! فإذا سألت فيم هذا كله فالجواب يسير، وهو أن عمال ثورنيكروفت مصريون، وأن شركة ثورنيكروفت تريد أن تتبختر سياراتها في الشوارع، وأن الوزارة مضطرة لحماية هذه السيارات، وإذن فيجب أن تنفق جهودها كلها في مدينة القاهرة لتمكن هذه الشركة من أن ترسل سياراتها مختالة في الشوارع، ويجب أن يحصر هؤلاء العمال في بيوتهم، وأن يصرف عنهم ما قد يصل إليهم من إعانة المحسنين، لأن شبع هؤلاء العمال لا يخلو من خطر على هذه السيارات.
    وكذلك يريد الله أن يظهر التناقض بين حياة الشعب وحياة الوزارة في أشنع صوره وأبشع مظاهره: شعب يستغيث بالوزارة لتحمي دينه وأخلاقه وأعراضه من عدوان المبشرين، فإذا الوزارة تنصب له الحرب، وتغري به الجند، وتحظر عليه الاتصال بمن يحب. جماعة من الشعب يضربون فلا تحميهم الحكومة، ولكن تحمي الشركة منهم، وتسرف في هذه الحماية حتى تسخر الجند وتفتح السجون وتمنع الإعانة وتدع هؤلاء المضربين نهبًا للجوع.
    أفتظن أن من الممكن أن توفق وزارة من الوزارات إلى مثل ما وفقت له هذه الوزارة من إسخاط الشعب وإحراجه وإنارة الحفائظ والضغائن فيه؟ إن من المضحك المؤلم حقًا أن يستعين الشعب بالوزارة فإذا هي تعين عليه. إن من المضحك المؤلم حقًا أن يلوذ الشعب بالوزارة فإذا هي تبسط عليه يدها بالقهر والعسف. ولكن أي غرابة في ذلك، فإن مصالح هذا الشعب المصري لم توكل حمايتها إلى المستر «كين بويد»، وإنما وكلت إلى وزارة تريد قبل كل شيء أن تعيش. فإذا استوثقت من العيش واطمأنت إلى البقاء في مناصب الحكم فكرت بعد ذلك فيما يمكن أن تلهي به هذا الشعب من الأماني والوعود. وقد أثبتت الحوادث أن إرضاء الأجانب يطيل بقاء الوزارات ويمكن لها في الأرض، وأن إرضاء الشعب لا يقدم ولا يؤخر، فإذا لم توفق الوزارة إلى إرضاء هذا الشعب وموافقة آماله ومثله العليا فقد وفقت إلى ما هو خير من ذلك، وفقت إلى إرضاء الأجانب، وحسبك بإرضاء الأجانب وسيلة إلى طول البقاء.
    كوكب الشرق ١٩ – ٦ – ١٩٣٣

    قلق
    لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
    أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
    جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
    وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
    ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
    زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
    وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
    ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
    ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
    أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
    ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
    ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
    فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣

  • طقوس البرلمان الفارغة | Parliament’s Empty Rituals: Law and Institutions Without Meaning

    ضرورة
    يجب أن تكون قاسية ملحة. هذه الضرورة التي ألجأت الوزارة أمس إلى أن ترد مجلس النواب إلى أجمل عهود الاضطراب بعد أن كان قد ألف الهدوء والاستقرار منذ أيام. فقد يبحث الإنسان ويمعن في البحث، وقد يفكر الإنسان ويطيل التفكير ليلتمس تفسيرًا لموقف الوزراء أمس من رئيس مجلس النواب فلا يجد إلا شيئًا واحدًا، وهو أن ضرورة قاسية ملحة كانت تلزم الوزراء أن يخلصوا من هذا المشروع الذي طال الكلام فيه، وكان يريد فيما يظهر أن يستمر في الطول، وقد أمضى مجلس النواب للوزارة مشروعات إن لم تكن أعظم خطرًا وأبعد في حياته المالية أثرًا من مشروع بحيرة تانا، فليست أقل منه ولا أيسر شأنًا. أمضى لها مشروع جبل الأولياء، وهو يكلفنا الملايين وأعرض لها عن رأي وكيل المالية، وكان قاطعًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع الآن وأعرض لها عن رأي المستشار المالي، ولم يكن أقل من رأي الوكيل إلحاحًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع، وأجاز لها تصرفات مالية مختلفة كان من الخير ألا يجيزها أو أن يخذلها إلا بعد درس وتمحيص. فتعودت الوزارة إذن من البرلمان عامة ولمجلس النواب خاصة ضروبًا من المجاملة وألوانًا من التسامح لم يكن من اليسير عليها أن تحرمها أمس، أو أن يخيل إليها أن المجلس سيضن بها عليها. والظاهر أن مشروع « تانا » هذا يعني الوزارة عناية خاصة، وأنها تحرص عليه حرصًا أقل ما يوصف به أنه شديد، وأنه غير مفهوم. فلم يكد يظهر هذا المشروع في الأفق حتى ضاق به الناس، ولجوا في إنكاره، وألحوا على الحكومة أن تصطنع فيه الآناة، وانتظروا من البرلمان أن يرفضه. وجاء رئيس الوزراء فاصطنع اللباقة والمهارة، وقال كلامًا طويلًا واضحًا خيل إلى الناس أن الحكومة لن تمضي في المشروع ولن تذهب فيه أبعد من أن تعرف رأي الحبشة، ثم كانت مفاوضات يظهر أنها لم تخلُ من الحدة، وتحدث الناس أن رئيس الوزراء ضاق بها في بعض
    الأيام، وتحدث الناس أيضًا أنه اصطحب وزير الأشغال إلى دار المندوب السامي ليتحدث فيه أو ليسمع ما تقول الدار فيه. ثم تكشفت الأيام عن اتفاق بين مصر وبين الشركة الأمريكية يلزمنا بأن ننفق منذ الآن خمسين ألفًا من الجنيهات. ثم مضى هذا الاتفاق في طريقه بسرعة غريبة مدهشة، وتحدث الناس أن وكيل المالية الذي أنكر خزان جبل الأولياء لم يوافق على هذا المشروع الأخير، وأن مجلس الوزراء أمضاه على كل حال. فلما انتهى إلى اللجنة المالية في مجلس النواب صرح وزير الأشغال لهذه اللجنة تصريحًا سجل في محضرها بأن تأجيل هذا المشروع لا يضر، ومع ذلك أمضى المشروع في هذه اللجنة وجاء إلى مجلس النواب فألح قوم في تأجيله وأبى عليهم المجلس هذا التأجيل.
    ولم يكد ينظر المشروع أمس حتى ظهر أن قومًا من الذين يضمرون المودة للحكومة ويظهرونها، يكرهون إقراره ويلحون في رفضه الآن، وطال الحوار وكثر الجدال وأظهر بعض النواب ما تعودوا إظهاره في مثل هذه المواقف من براعة خطابية ومهارة بيانية تجعلان لنا زعامة الكلام في هذه الأيام.
    ولأمر ما أراد الرئيس رفع الجلسة وأكبر الظن أنه تعب وأنه أشفق على نفسه وعلى زملائه، وكان الخطباء الذين يريدون أن يصولوا ويجولوا، وأن يظهروا حظوظهم المختلفة من البراعة البيانية كثيرين. فلم يرَ الرئيس بأسًا بأن يؤجلهم إلى غد، وأكبر الظن أن رئيس النواب قد استعذب هذا البيان فأراد أن يطول، وأي بأس على رجل أديب يستعذب لذة فنية فيضن بها أن تقصر أو تنقضي، ويريد لها أن تمتد وتطول. ولم يكن رئيس النواب وحده يستعذب هذا البيان ويحرص على أن يطول، بل كان زملاؤه يشاركونه في هذه اللذة العليا ويطلبون منها المزيد! ولم يكن رئيس النواب وحده يشفق على نفسه من التخمة البيانية إن اتصلت خطابة الخطباء، بل كان زملاؤه أيضًا يحسون امتلاء أجوافهم بهذا الحوار الدسم، ويخشون الكظة على أنفسهم، لذلك لم يعرض الرئيس رفع الجلسة حتى رضي النواب، وهموا أن يتفرقوا ولكن الوزراء قوم شرهون، لا يشبعون ولا تخشى عليهم كظة ولا تخمة في البيان فهم كانوا كإخوانهم يستعذبون الحديث ولكنهم لم يكونوا قد شبعوا منه بعد، فلما أحسوا رفع المائدة وتنظيف الخوان، ساءوا بذلك وضاقوا به ذرعًا وقالوا هذا يوم عصيب وأي يوم أعصب من هذا اليوم الذي تنزع فيه اللقمة من فم الجائع، ويرد فيه الماء العذب عن شفتي الظمآن!!
    هنالك اشتد النزاع بين الشباع والجياع، وطال العناء بالرواء والظمأ، وصدرت عن الوزارة شرارة من كهرباء، لم تكد تتجاوزهم حتى اتصلت بالصفوف القريبة منهم فشبت فيها نارًا وأذكت أوارًا، وإذا المجلس لم يكن كله قد شبع ولم يكن كله قد جاع. وإنما خيل إلى قوم أنهم شباع وخيل إلى قوم أنهم جياع. أو قل إن جوع الوزراء أزال شبع النواب فشاركوهم في الجوع. وهنا ظهر الخلاف بين رئيس المجلس وكثرته. يريد الرئيس أن ينصرف، ويريد النواب أن يبقوا مجاملة للوزراء. فلما طال الأمر بالرئيس انصرف ومضت كثرة الحاضرين من النواب فيما كانت فيه من عمل. والظريف الطريف أن الرئيس لم ينصرف وحده وإنما انصرف معه بعض أعوانه من النواب. فلم تضق الكثرة بذلك، بل أقامت الوكيل مقام الرئيس وانتخبت سكرتيرًا مؤقتًا بدلًا من سكرتير دائم، وخطب بعض الخطباء وتكلم رئيس الوزارة بالنيابة ثم أجل المجلس ليقضي في الأمر مساء اليوم.
    هذا تأويل، وهناك تأويل آخر لموقف الوزراء، ذهب إليه الناس في موقف الوزراء هذا. وقد كان غريبًا عسير الفهم.
    زعم فريق من الناس أن الوزراء لم يكونوا جياعًا إلى خطابة الخطباء وإنما كانوا مكتظين بفضل من قوة يريدون بذله وبقية من نشاط يريدون إنفاقها، ووابل من كلام يريدون إرساله. قال هؤلاء الناس، وكان رئيس الوزراء بالنيابة قد أعد بيانًا طويلًا عريضًا عميقًا صبر عليه أول أمس، وعجز عن حمله أمس، فلم يكن له بد أن يلقيه ليهدأ ويقضي ليلًا مريحًا. وكان تأجيل الرئيس للمجلس مؤذيًا له، لأنه كان يريد أن يضطره إلى أن يحتفظ بهذا البيان الطويل العريض العميق يومًا آخر، وأنت تعلم أن ليس أشق ولا أمضى من كلام يريد أن يقال فيضطر إلى أن يظل محتجزًا مكتومًا.
    ومهما يكن من شيء فقد حدثت في مجلس النواب أمس ظاهرة جديدة، ثار فيها الوزراء وفريق من النواب برئيس المجلس ومكتبه وخرج فيها الوزراء وكثرة النواب على التقاليد التي تقضي برفع الجلسة إذا رفعها الرئيس إلا أن ينصرف معتذرًا ويقيم الوكيل مقامه. ولهذه الثورة خطرها ففيها استهانة ما برئاسة المجلس وفيها تحكم من الوزارة، لا في أمر الرئيس وحده، بل في أمره وأمر جماعة من النواب كانوا يريدون أن يتكلموا فلما انصرف الرئيس انصرفوا معه وأبوا أن يعودوا وأن يأخذوا بحظهم من الاعتداء على مقام الرئيس ونشأ عن هذا كله أن أصبح موقف الرئيس حرجًا حقًا. فهو إن أذعن أدخل في الحياة النيابية تقليدًا خطرًا، وهو إن أبى أن يذعن أحدث خلافًا عنيفًا بينه وبين الوزراء، وكل شيء يدل على أن الكثرة ستؤيد الوزارة اليوم كما أيدتها أمس. وإذن فسيضطر الرئيس إما إلى الإذعان فيسيء إلى الحياة النيابية. وإما إلى الاستقالة من الرئاسة. وأكبر الظن أن قد كانت أحاديث ومقابلات وأن الجو البرلماني سيصفو مساء اليوم كل الصفاء، ولكن هذا كله لن يمنع من أن حقيقة واقعة قد كانت أمس، وهي أن مجلس النواب قد اجتمع بإرادة الوزراء رغم إرادة الرئيس وأن فريقًا من النواب قد أرادوا أن يؤيدوا الرئيس ويدافعوا عن آرائهم في مشروع من المشروعات ذوات الخطر.
    وقد يكون هذا غريبًا وقد يكون هذا شاذًا، ولكن مصر قد ألفت كل شيء حتى لم يبقَ فيها غرابة ولا شذوذ.
    على أن هناك أمرًا أجلّ من هذا كله خطرًا وأبعد من هذا كله أثرًا، وهو أن الإنجليز كانوا يزعمون أن الوزارة القائمة لا رأسَ لها بعد مرض صدقي باشا وانتقاله إلى باريس أو إلى فرساي فقد ظهر الآن أن هذه الوزارة الحاضرة ليس لها رأسٌ واحدةٌ بل لها رؤوس. وأي دليل على ذلك أقوى مما كان أمس فقد جمعت مجلس النواب رغم رئيس المجلس وعدد غير قليل من أعضائه، أفهذه الوزارة التي تبلي هذا البلاء وتفني هذا الفناء لا رأسَ لها؟؟
    قال صاحبي: إنك لساذجٍ طيب القلب ومتى احتاج الوزراء إلى جهد أو عناء ليبلغوا من كثرة النواب ما يشاءون؟
    كوكب الشرق ١٤ – ٦ – ١٩٣٣

    موقعة

    رئيس وزرائنا مريض، نرجو أن يسرع إليه الشفاء، ولكن مرضه ليس مقصورًا عليه، بل هو يتجاوزه إلى الوزارة كلها التي لم تستطع أن تنشط، ولا أن تظهر أن لها حظًا من حياة قوية رغم ما أصابها من الوصل والترقيع، ويتجاوزه في رأي الأهرام على الأقل إلى البرلمان الذي يظهر بمظهر المريض المقعد. وقد قيل إن لمرض البرلمان، وهذا الشلل الذي جعله – كما تقول الأهرام – مقعدًا، مظاهر لا تخلو من عبرة وعظة. فهو يمهل حتى تكلف المراقبة لعمل السلطة التنفيذية، وهو يعجز عن مقاومة هذا الفتور الذي يصيبه ويملك أعضاءه كلهم أن ينهض بعمله التشريعي الخاص.

    زعموا أن الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرها البرلمان، ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان.

    فإن لم يكن هذا حقًا فلا تفسير له إلا إحدى اثنتين. فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

    وأنا أنكر هذا، وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور، لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان، ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل.

    وإما لأن مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء، فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمقعدين، فتقصر ذاكرتهم، ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث، وما هو بين أيديهم من المشكلات.

    وأكبر الظن إن صح هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة، وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنٍ بما فرط منه.

    ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقر أمس قانونًا ينظم تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم، وأقر هذا القانون في جلسة واحدة، بل في جزء يسير جدًا من جلسة واحدة، وأقره فيما يظهر فاترًا عنه، مزدريًا له، كما يقر أيسر الأمور وأقلها خطرًا، مع أن هذا القانون هو قوام حياة الجامعة، وقد عنيت به الجامعة منذ اليوم الأول من أيامها، وعنيت به الحكومات المختلفة التي تعاقبت منذ أنشئت الجامعة، وثارت فيه مشكلات بين الجامعة والحكومات، لأنه المقياس الصحيح الدقيق الذي يحدد موقف الجامعة المستقلة من الدولة التي تحب أن تسيطر على كل شيء من الشؤون العامة.

    أقر مجلس النواب هذا القانون كما أرادت الحكومة القائمة أن يكون، في غير مناقشة ذات بال.

    ومعنى هذا أن مجلس النواب لم يحفل بهذا القانون، إما لأنه لا يحفل بأمر الجامعة، ولا يقدره، ولا يراه خليقًا بالدرس والتفكير، وإنه مستيقن أن الدرس والتفكير لا خير فيهما ولا نتيجة لهما، لأن الحكومة تريد شيئًا فيجب أن يكون ما تريد، والبرلمان مكلف أن يجيز ما تريد الحكومة في غير مناقشة ولا حساب.

    وأكبر الظن أن مجلس النواب بريء من هاتين الخصلتين؛ فهو يحب الجامعة ويرعاها، ويتتبع أمورها بدقة لا تعدلها دقة، ويدرس شؤونها بعناية لا تشبهها عناية، ولكنه يثق كذلك بالحكومة ثقة ليس مثلها ثقة. وإذن ففيم المناقشة؟ وفيم المحاسبة؟ وفيم إضاعة الوقت في المناقشة والحساب؟

    والمجلس مطمئن إلى أن الحكومة معصومة من الخطأ، معصومة من أن تريد بالبلاد إلا الخير، تحب الجامعة كما يحبها، وترعى الجامعة كما يرعاها، وتفهم الجامعة كما يفهمها. وإذن فأي معنى للحساب العسير أو اليسير بين قوم يتفقون في كل شيء ولا يختلفون في شيء؟

    ويقول بعض الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا ظنوا فأساؤوا الظن، وأولوا فأساؤوا التأويل، إن مجلس النواب قد شغل بانتخاب الوكيلين فأنفق فيه نشاطه كله، ولم يحتفظ لجدول الأعمال إلا بنشاط فاتر جدًا، فمر هذا الجدول أمام المجلس كما مر شريط السينما أمام جماعة ليسوا بالمستيقظين ولا النائمين، ولكنهم في منزلة حلوة لذيذة بين هذا وذاك.

    ويقول هؤلاء الناس الذين يسرفون في سوء الظن وفساد الرأي وقبح التأويل إن مرض رئيس الوزراء قد أصاب البرلمان فجعل نشاطه محدودًا، ويقظته محدودة. فمن الحق على رئيسي المجلسين أن يلاحظا هذه الحال في وضع جدول الأعمال، فلا يسرفا في إطالة هذا الجدول، ولا يلحا في استنفاده كله إذا طال.

    ويقول هؤلاء الناس أيضًا إن الأهرام تحدثت بأن رغبة أملتها بعض الجهات إملاءً على الهيئة الشعبية البرلمانية في انتخاب الوكيلين. وكان كثير من أعضاء الهيئة الشعبية فيما يظهر يريد أن يرد هذه الرغبة على صاحبها، ولكن صاحب هذه الرغبة فيما يظهر أيضًا لا يحب أن ترد عليه رغباته، ولا يريد أن يتردد أحد، ولو كان من حزب الشعب، في إنفاذ هذه الرغبات كما تنفذ الأوامر التي لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عليها.

    ويقال إن أعضاء الهيئة الشعبية قد أنفقوا نشاطهم كله في المناقشة والجدال حول هذه الرغبة التي أذعنوا لها آخر الأمر، وضحوا في سبيلها بزعيم من زعمائهم هو الأستاذ وهيب دوس بك، ثم وصل الشعبيون إلى مجلس النواب متعبين مكدودين، فلم يستطيعوا أن يفرغوا لأمور الجامعة كما ينبغي، ولا سيما وقد كانت هذه الرغبة لا تكتفي بانتخاب الوكيلين من الحزبين، بل تريد أن يكون هذا الانتخاب في يوم معين هو أمس، وفي جلسة معينة هي جلسة أمس، وإن لم يكن هذا الانتخاب في جدول الأعمال، فقدم اقتراح وقبل وأنفذ، وأخذ المستقلون والمعارضون على غرة، وأخذت الجامعة على غرة أيضًا، فمر قانونها بسلام.

    ويقال إن الشعبيين الذين شغلوا بإكراههم على ما لم يكونوا يحبون، لم يفكروا في قانون الجامعة، ولن يفكروا فيه الآن، لأنهم عنه في شغل. أما الاتحاديون فقد سرهم أن يفوزوا بمنصب من منصبين، وسرهم أيضًا – بل سرهم بنوع خاص – أن يمر هذا القانون الاتحادي دون أن يحتاج وزير التقاليد أن يطيل عنه الدفاع.

    فمن يدري، لعله لو احتاج إلى ذلك لأثار حول الجامعة خصومة تشبه تلك الخصومة التي ثارت حول إعانة الأوبرا. ولمَ لا؟ إن إعانة الأوبرا وإنفاقها ونظام الأوبرا حق من حقوق السلطة التنفيذية في رأي وزير التقاليد، فلا ينبغي لمجلس النواب أن يعرض لها أو يدخل فيها. وكذلك أمر الجامعة؛ فتعيين الأساتذة والمدرسين وأعضاء هيئة التدريس وتأديبهم حق كذلك من حقوق السلطة التنفيذية.

    فلو قد ناقش أمس الأستاذ وهيب بك دوس لقيل له كما قيل له في قصة الأوبرا: هذا حق السلطة التنفيذية، فلا تعرض له ولا تخض فيه.

    ومن يدري، لعل الأستاذ وهيب دوس بك لم يكن يرضى هذا الجواب من وزير التقاليد، ولا سيما أمس وهو مغيظ محنق، وقد استقال من حزب الشعب مغاضبًا فيما يظهر على حزب الاتحاد، إذن لأثار الأستاذ في المجلس ثورة لا يعلم إلا اللّٰه إلى أين كانت تنتهي.

    وإذن فقد انتصرت الحكومة أمس في مجلس النواب انتصارًا لا فخر فيه ولا مجد، لأنه لم يحتج إلى دفاع ولا نضال، بل كان يسيرًا كجميع ما تناله الحكومة من ألوان النصر في البرلمان. وانتصر حزب الاتحاد انتصارين، ففاز بوكيل اتحادي، وأمضى قانونًا اتحاديًا. وأظهر حزب الشعب – إلا الأستاذ وهيب دوس بك – شيئًا من الجلد وضبط النفس، وانتظر فرصة أخرى لعلها تكون قريبة يظفر فيها بمنصب، ويمضي فيها قانونًا.

    وانجلت هذه المعركة الطويلة العنيفة عن وفاق ووئام وصلح وسلام بين الحزبين المؤتلفين. وأحصيت الخسائر فكانت يسيرة: خسر حزب الاتحاد أحد المنصبين، وخسر حزب الشعب أحدهما أيضًا، وخسر حزب الشعب فوق ذلك خسارة أخرى مشكوكًا فيها، وهي الأستاذ وهيب دوس بك، فقد يتوسل إليه في أن يسترد استقالته فيفعل.

    أما مصر فلم تخسر شيئًا يذكر، وإنما فرض عليها نظام للجامعة أقل ما يوصف به أنه يجعل الجامعة مدرسة من المدارس العادية. ويجب على مصر أن تحمد اللّٰه على أن لم تتجاوز خسارتها هذا الحد.

    كوكب الشرق ٢٢ – ٣ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    درس…

    درس قيم ممتع، فيه جد وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بد من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقوه، بعد أن فسدت قلوب، وساءت نفوس، واختلطت الأمور على بعض الناس، فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.

    والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له. ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه، فالحوادث تحسن إليهم حين تذكرهم من حين إلى حين بما نسوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًا ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًا ولا خيرًا.

    نعم كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي ألقي أول أمس، ولم يكن بد من إلقائه، لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه، وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون، ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه ألقي في مجلس الشيوخ، ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به، والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.

    شق عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شق عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجوا من هذه الشدة، ولجأوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير، ولجأوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجأوا إلى النواب فأظهروا ميلًا إليهم، وعطفًا عليهم، ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدوا في التحمس، وهيأوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية، ولكن كثرة من النواب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع، لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.

    فلما أمضي القانون في مجلس النواب فرح الطلاب وابتهجوا، وظنوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا، ولم لا؟ قانون يمضيه مجلس النواب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له، وإن كرهت إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النواب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط، كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف، ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكن الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النواب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعرض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره، لأنها لم تجتمع، أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًا أثير، فنام له القانون نومًا عميقًا، وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك، فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدوا فيه. وتفرق الطلاب أمس، وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضى، والرجاء ينعم نفوسهم غبطة وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنًا لا يكاد يفكر في الطلاب، ولا في النواب، ولا في القانون. وألقي الستار، وهدأ كل شيء، إلا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يغاثون.

    كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا، ولكن كل هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشؤون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها، لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا، كما قضى مسرعًا في أمر القناطر، التي يراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غد، ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان، كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص، لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير، هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا. هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا. هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد، والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون، ويقال إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.

    ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير، ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصا على ارضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم لا يريدون على أن يقولوا لكم كلامًا، قد يحسن موقعه في النفوس ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.

    لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنة متصلة وبلاء مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر، واحتمالًا لا يعرف الضعف، وإيثارًا للوطن وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.

    قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النواب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا أنها تغلق في وجوهكم إغلاقًا.

    عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير، حتى يبدل الله عهدًا بعهد، ويأتي قوم مكان قوم، وينقل الحكم من أيد إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيز علينا أن يحزن الطلاب وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يفرض عليهم الجهد الثقيل سنة أخرى، ولكن رب حزن يحمل في طياته العزاء، ورب يأس مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء. فليصبر الطلبة وليتعظوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.

    طه حسين
    الوادى، ٣٠ يونية ١٩٣٤.

    جهد
    جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

    نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!

    كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.

    فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

    فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

    في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
    أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
    وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.

    ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

    جنون
    هو فنون من غير شك، فمنه الهادي المطمئن، ومنه الهائج الحاد. ومنه الوادع الأنيس ومنه النافع الجامح. ومنه ما يكون في الصمت ومنه ما يكون في الكلام. ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب. ومنه ما يكون ضحكا، ومنه ما يكون بكاء. ومنه ما يكون فنونا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام.
    لا يعجب القراء، ولا يغضب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة. فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه لولا أني قرأت صحف الصباح فإذا بطل من أبطال النواب يخطب في الاستجواب، فيشدد الحساب، ويدخل من كل باب حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها وتلقى من أهوالها. وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن، إنما هم من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش. فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه. ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية وأضيافه ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام أن أقف عنده، وأتبين معناه وأدل الناس على خفاياه، وإلا فليحظر على الصحف أن تشهد المجلس وتنشر أخباره، وتذيع أسراره، ولتجعل مضابط المجلس أمورا مكتومة وكتبا مختومة، لا يظهر عليها إلا الأصفياء، ولا ينظر فيها إلا الأولياء. ومهما يكن من شيء فإن نائبا من
    النواب قد وصف نفسه وزملاءه ووصف الوزراء وأعوان الوزراء بهذا الوصف الذي أكبره وأنكره، وهو الجنون!
    ومهما يكن من شيءٍ، فالنائب بين أمرين، كلاهما شر، وأحلاهما مر. فهو إن يصدق، وأعوذ بالله من أن يصدق، كانت أمور مصر إلى قوم لا ينبغي أن تكون إليهم. وهو إن يقل غير الحق، وأرجو أن يكون قد قال غير الحق، جعل أمور مصر إلى قوم يسرفون في سوء الظن بأنفسهم حتى يصفوها بالجنون، ويقولوا فيها ما لو قاله خصومهم لتفتحت لهم أبواب السجون. وما كنت أحسب أن لهب الخطابة ولظى البيان يشتدان حتى يدمرا كل شيء، ويلتهما كل شيء، ويطوعا لنائب من النواب أن يصف الدولة ورجالها بالجنون من أعلى المنبر في مجلس النواب!
    والغريب الطريف أن الصحف لم تصور لنا مجلس النواب هائجا مائجا، ولا ثائرا فائرا لهذا الوصف، وإنما صورته هادئا مطمئنا، يسمع وكأنه لا يسمع، ويفهم وكأنه لا يفهم، ويمر بكلام هذا النائب، أو يمر به كلام هذا النائب فلا يفكر فيه، ولا يقف عنده، ولا يلتفت إليه مع أنه قد هاج وماج، وثار وفار، وقر ثم دار حين ذكر نائب آخر منذ أيام كلمة «الهمج» فلنسجل لمجلس النواب أنه قد عرف الحلم بعد الغضب، وآثر الأناة على الثورة والاضطراب، واصطنع العفو والصفح في مواضع كان قد تعود أن يصطنع فيها حب البطش، والرغبة في الانتقام. أفتراه قد استمع لنا، وانتفع بما قدمنا إليه وإلى غيره من موعظة فتجنب ضيق النفس وحرج الصدر، وصبر حتى على وصفه بالجنون؟! على أن من إنصاف المجلس أن تلاحظ أنه لم يصطنع هذا الصبر طوال جلسة أمس، فقد ضج وعج، وهم أن يثور حقا، ولكن لا غضبا لنفسه، بل غضبا للحكومة، ولا دفاعا عن نفسه، بل دفاعا عن الحكومة. فقد ضج المجلس حين ذكر بعض الخطباء أن الذين أدوا ما طلب إليهم من الضرائب إنما فعلوا تخلصا من هذه السياط التي كانت تعمل في ظهورهم، فقد أشفق النواب على الحكومة أن توصف بتعذيب الناس، وأخذهم بالسوط والعصا ليؤدوا إليها ما تقتضيه من الأموال. وكثير أن يكون للمعارضة صدى في مجلس النواب، وكثير أن يقول النواب أمس للحكومة ما تقوله صحف المعارضة
    في كل يوم من أنها تعمل السياط في الظهور، وتتخذ العذاب وسيلة إلى جمع الضرائب، وكثير أن يسجل هذا في محضر الجلسة، وليس غريبا أن يضج له النواب، وإنما الغريب أن يقفوا عند الضجيج، وألا يهموا بإسكات الخطيب، أو إخراجه، أو حذف كلامه من المحضر، وأغرب منه ألا يثور الوزراء، ولا يقول قائلهم للخطيب: اسكت، ولا يعلن معلنهم إلى المجلس أن الحكومة غاضبة فمحتجة فمنسحبة من الجلسة، إلا أن يكون الاعتذار.
    لم يحدث شيءٍ من هذا، بل أغضى المجلس عن وصفه بالجنون، وغضب المجلس للحكومة في اعتدال، وأغضت الحكومة عن اتهامها بالتعذيب. وكل هذا دليل واضح على أن صدر المجلس قد أخذ يتسع، وحدة المجلس قد أخذت تلين، وأكثر من هذا كله أن النائب الذي وصف الدولة ورجالها بالجنون قد التفت إلى الأمة فدعاها إلى الثورة، ولامها على الهدوء، وأنبها أشد التأنيب على الإخلاد إلى الدعة، والحرص على استقرار النظام مع هذه الشدة التي تلقاها، والنار التي تصلاها، فسكت له المجلس، وسكت له الوزراء، ومضى النائب حتى أنذر بالداهية، والنار الحامية، والثورة التي إن هبت لم تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وخوف النواب والوزراء من هذا الخطر الداهم، والشر المنكر، ومن يقظة الفلاح الذي ينام الآن ويوشك أن ينفجر كأنه البركان، ويوشك أن يزحف حتى إذا بلغ نوافذ النواب والوزراء صاح بهم كما كان يصيح الباريسيون في أول الثورة الفرنسية «الخبز، الخبز».
    كل هذا قيل أمس، وقاله نائب، وقاله في مجلس النواب، وسمعوا له النواب والوزراء فسكتوا له وصبروا عليه، ونشر في الصحف صباح اليوم، ولن ينقضي النهار حتى تبثه الصحف في أرجاء مصر كلها فيقرأه هؤلاء الفلاحون الذين يلامون على الهدوء، ويدعون إلى الثورة. والله وحده قادر على ألا يثيرهم هذا الكلام فيبعثهم على ما يدعوهم إليه النائب، ويغريهم به من خروج على النظام، وزحف على القاهرة، وتجمهر تحت نوافذ مجلس النواب يطالبون بالخبز الذي يحتاجون إليه ويستعدون على الجوع الذي يحرقهم تحريقا.
    كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن أغضوا عن شدة النائب وحدته، وأن صبروا على وصفه إياهم بالجنون، وعلى دعائه الشعب إلى الثورة وتخويفه إياهم عواقب هذه الثورة. كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن يسمعوا هذا كله فيصبروا عليه ويغضوا عنه، ولكن هناك شيئا آخر كان خيرا من هذا الإغضاء، وأنفع للشعب، وأجدى عليه من هذا الصبر، وهو أن يشعر النواب والوزراء شعورا صحيحا بحاجة الشعب إلى الرحمة له والرفق به، والترفيه عليه، فيقبلوا الاستجواب، ويحققوا ما كان يطلب المستجوبون، ويخفضوا الضرائب، ويرفعوا عن الشعب بعض ما يحتمل من الأثقال. كان هذا خير ألف مرة ومرة من الصفح والإغضاء، ومن الصبر والإعراض لأنه هو الذي يفيد حقا، وهو الذي يشعر الناس حقا بأن النواب والوزراء يرعون مصالحهم ويرثون لآلامهم، ويريدون أن يخففوا عنهم بعض ما يجدون من الآلام.
    نعم كان هذا خير ألف مرة ومرة من هذا الحلم الذي أظهره النواب والوزراء أمس، فإن الناس خليقون ألا يقدروا لهم هذا الحلم، ولا يسجلوا لهم فضله، فهم إنما يحلم بعضهم على بعض، ويعفو بعضهم عن بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، وماذا يعني الشعب التعس البائس أن يرفق النواب بالنواب، ويبر النواب بالنواب، وهو جائع يضنيه الجوع، وبائس ينهكه البؤس، ومريض يوشك المرض أن يقضي عليه.
    كان خيرا ألف مرة ومرة للشعب ألا يؤثر النواب حلما ولا صفحا، وأن ينتهي هذا الاستجواب بتخفيف شيءٍ من أعباء الحياة عن هؤلاء الناس الذين عجزوا عن احتمال الحياة، ولكن النواب والوزراء لم يفكروا في هذا، ولكن النواب والوزراء لم يقدروا هذا، وإنما كان الأمر بينهم حربا كلامية، اشتد فيها العنف الصادق أو المتكلف حتى بلغ أقصاه، ثم انتهى بانتصار الحكومة، وشكر النواب لها، وبقاء الشعب حيث هو كما هو، ترهقه الضرائب وتثقل عليه أعباؤها، وتسعى إليه جيوش المرض والجوع والحرمان. وتظلم في وجهه الحياة، وتتقطع به أسباب الأمل.
    فليهنأ النواب والوزراء بانتصار المنتصر، وانهزام المنهزم، وبراعة الخطباء، وحلم الحلماء، وصبر الصابرين. وليتعز الشعب البائس التعس، فلم ترفع عنه
    هذه الحرب ثقلا، ولم تحط عنه هذه الحرب عبئا، ولم تبسط له هذه الحرب أملا.
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس فستجبى منه الضرائب هذا العام كما جبيت منه في العام الماضي، وسيلقى في أدائها هذا العام أضعاف ما لقيها في العام الماضي، لأن عسره في هذا العام أضعاف عسره في العام الماضي.
    ليتعز هذا الشعب التعس البائس فما زالت المحنة محدقة به، ملحة عليه، والله يعلم أتُستخدم السياط هذا العام كما استخدمتها في العام الماضي. والله يعلم أتُفتح السجون هذا العام كما فتحتها في العام الماضي؟ والله يعلم أبقي في طاقة الشعب ما يمكنه من الصبر ويعينه على الاحتمال؟..
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزى وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر وحين يبلغ منه اليأس ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفوقون في الخصام، وينتهي الأمر إلى أن تظفر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رؤوس الوزراء!!
    كوكب الشرق ٦ — ٦ — ١٩٣٣