Category: Uncategorized

  • وفدان لا وفد واحد | Two Rival Wafds: The Politics of False Unity

    تنافس
    هما حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف، ولن يقع بينهما خلاف. لم تكن بينهما فرقة ولن تكون بينهما فرقة. أصدق تصوير لما بينهما من ألفة ومودة، ومن صلة لن تنقطع وحب لن يصيبه الصدأ هو قول الشاعر القديم:
    رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
    بأسحم داج عوض لا نتفرق ولا يتفرق الحزبان إن شاء الله فقد نهضا بالحكم معا، وأقاما في الحكم معا، وسينزلان عنه معا يوم تتحقق نبوءة «الديلى تلغراف» أو قبل ذلك بقليل، أو بعد ذلك بقليل. وسيذوقان معا لذة البعد عن الحكم كما ذاقا معا لذة القرب منه والبقاء فيه. ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن التنافس لا يكون بين الأشقاء فالتنافس ظاهرة من ظواهر الحياة، ودليل من أدلة القوة وأثر من آثار النشاط.
    وحزب الاتحاد قوي من غير شك، لأن بين أعضائه وزير التقاليد وحزب «الشعب» قوي جدا لأن زعيمه رئيس الوزراء. وحزب الاتحاد قوي جدا لأن زعيمه رئيس الشيوخ. وما دام الحزبان الشقيقان قويين إلى هذا الحد الذي يتجاوز كل حد فلا بد من أن يظهر بينهما التنافس ليتبين الناس أي الوزيرين أجدى على حزبه وأنفع له أوزير الزراعة على حزب الشعب أم وزير التقاليد على حزب الاتحاد؟ وليتبين الناس أي الرئيسين أكثر بركة وأوسع نعمة على حزبه: أرئيس الوزراء لحزب الشعب أم رئيس الشيوخ لحزب الاتحاد؟ وهذا التنافس ينفع ولا يضر، ويحسن ولا يسيء. فقد يكون التنافس في الخير، كما يكون التنافس في الشر. وقد يكون الاستباق إلى النفع، كما يكون الاستباق إلى الضر. تنافس في النفع كما يكون
    وحزب الشعب والاتحاد شقيقان لم يختلفا ولن يختلفا، صديقان لم يتباغضا ولن يتباغضا. وكلاهما جاد في خدمة مصر، حريص على نفعها، فإذا تنافسا فلن يكون
    تنافسهما إلا في الخير، وإذا استبقا فلن يكون استباقهما إلا إلى النفع والبر والمعروف. وإذن فلا بد من أن يتنافسا وقد تنافسا في هذين اليومين، فوزير التقاليد مسافر إلى أوربا ليستشفي ويستريح، وقد يبحث في أثناء ذلك عن أعضاء أجانب للمجمع اللغوي، فيجب أن يسافر وزير الزراعة إلى أوربا ليستشفي ويستريح، ولعله يبحث في أثناء ذلك عن نوع من أنواع القطن، ولون من الألوان الكتان أو فن من فنون تجفيف التمر، أو ضرب من ضروب تصفية العسل. فوزير التقاليد يغذي العقول، ويحمي الأخلاق. ووزير الزراعة يغذي الأجسام ويحمي الجلود من البرد والقيظ وكلاهما خليق أن يفكر في الناس إذا استشفى واستراح. وقد شعر حزب الاتحاد بخطر هذه الرحلة التي هم بها وزير التقاليد فاحتشد لتوديعه واحتفل لتشجيعه وألقى خطبا وشرب الشاي فشعر في الحال حزب الشعب بخطر الرحلة التي هم بها وزير الزراعة فاحتشد للتوديع واحتفل للتشييع، وقال كلاما وسمع كلاما ولكنه سبق حزب الاتحاد بعض السبق، فلم يشرب الشاي ولم يسقه للناس وإنما تعشى وعشى الناس.
    ومن هنا كان حزب الشعب أكرم من حزب الاتحاد أو أغنى من حزب الاتحاد، فطعام العشاء شيء، وتناول الشاي والحلوى شيء آخر. والعشاء أطول بقاء في البطون وأعسر هضما. والشاي قصير البقاء، يسير الهضم. فحزب الشعب متفوق من الناحية المادية على حزب الاتحاد. وهذا طبيعي لا غبار عليه. فقد قلنا إن حزب الشعب مستأثر بوزارة الزراعة، ووزارة الزراعة مسيطرة على ما تخرج الأرض من النبات وما تغذو الأرض من الضأن والمعز ودواجن الطير وما تثمر الأرض من الفاكهة والعنب.
    ولكن حزب الاتحاد تفوق على حزب الشعب من ناحية أخرى، هي الناحية العقلية، فقد كان خطباء الاتحاديين أكثر من خطباء الشعبيين. ولم يخطب في الحفل الشعبي إلا وزير واحد، هو زعيم حزب الشعب ووزير ما تخرج الأرض وما تغذو من النبات والحيوان والثمرات.
    وإذن فالحزبان متكافئان، يتفوق أحدهما في تغذية الأجسام، ويتفوق الآخر في تغذية العقول. ثم يتكافأ هذان النوعان من التغذية فإذا الحزبان ما يزالان كما كانا من قبل، وكما سيكونان دائما فرسي رهان، لا يسبق أحدهما إلا ريثا يلحقه صاحبه.
    وكان الموضوع الخفي الذي من أجله احتفل الحزبان هو تلك الرسالة المشئومة، رسالة الديلى تلغراف . فلم يكن بد من أن يتنافس الحزبان في الرد على هذه الرسالة وإقامة الأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة على أن هذه الرسالة سخف من السخف، وهذيان من الهذيان، لا تغير من موقف الوزارة شيئا، لأن موقف الوزارة ليس رهينا بما تقوله الصحف في مصر أو في بلاد الإنجليز، إنما هو رهين بشيء آخر يعرفه الناس جميعا. وقد أعلنه رئيس الوزراء ألف مرة ومرة، وهو رضا جلالة الملك وثقة البرلمان. ولم يكن بد من أن يستبق الحزبان إلى البراعة في الرد على هذه الرسالة، وقد استبقا والغريب أنهما تكافآ في هذا أيضا. فلم يتفوق أحدهما على صاحبه قليلا ولا كثيرا. ولم يسبق أحدهما صاحبه قيد إصبع أو جناح ذبابة كما يقولون. ولم يفتح الله على أحد الحزبين المتنافسين بأن يزيد على ما قاله رئيس الوزراء ألف مرة ومرة حرفا واحدا، وإنما أراد الحزبان المتنافسان أن يصطنعا فنونا من البيان في التعبير عن هذا الموضوع. والغريب أنهما تكافآ في هذه الفنون أيضا. فقد أراد وزير التقاليد أن يسخر من كتاب الإنجليز، ومن المعارضين المصريين، فاصطنع الأدب الذي لا يشبهه أدب، والظرف الذي لا يشبهه ظرف وارتفع عن لغة العامة إلى لغة الخاصة، وعن لهجة الشعب إلى لهجة الوزراء. فقال إن هؤلاء الكتاب الإنجليز يضحكون من ذقون الأغرار المعارضين. وأراد وزير الزراعة أن يذم هؤلاء المعارضين ذما سياسيا نزيها نظيفا بريئا عفيفا لا يصدر إلا عن أصحاب الثقافة العليا والألسنة الطاهرة والطباع السمحة والترفع عن الفحش، فقال إن غير الشعبيين والاتحاديين قد أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة، فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. فكلا الوزيرين كما رأيت فرسي رهان في كل شيء، لا يكاد أحدهما يبلغ الغاية حتى يكون الآخر قد بلغها. ولن يظفر الحزبان فيما يظهر بنتيجة حاسمة لهذا التنافس فيستبقان دائما دون أن يسبق أحدهما صاحبه. وسيتنافسان دائما في الخير والمعروف دون أن يتفوق أحدهما على صاحبه في الخير والمعروف. وستستفيد مصر من هذا التنافس المتصل والسباق الذي لا ينقطع وستجني من غير شك منه ثمارا عذبة في الذكاء والمهارة، وفي النبوغ والبراعة، وفي أدب اللفظ وعفة اللسان. وسنتعلم كيف نذكر الضحك من الذقون، وكيف نصف الخصوم السياسيين بأن الشهوات والمصالح قد أعمت بصائرهم فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. وإذا لم تقتد مصر بوزرائها فبمن تقتدي؟ وإذا لم تقلد مصر وزير التقاليد فمن تقلد؟
    والظريف من أمر هذا التنافس أنه لم يأت بشيء جديد، فقد عرف الناس رأي الوزارة في مكتب الديلى تلغراف وصدقوه وآمنوا به واستيقنوا أن الوزارة أثبت من المقطم، وأرسخ من الأهرام. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأنها قد قدمت لمصر ما لم تقدمه إليها وزارة أخرى من النعم والآلاء فأنقذتها من الجوع وبرأتها من المرض، ورفعت رأسها، وحفظت كرامتها، وردت عنها عدوان الأجانب وصدت عنها طغيان الإنجليز. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأن الأمة قد منحتها الثقة والتأبيد، واختصتها بالمودة والحب، وكانت الإسكندرية أسبق المدن المصرية إلى الثقة بالوزارة والإيمان لها وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت الإسكندرية أحرص المدن المصرية على حب الوزارة وتأييدها، وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت كل مدينة مصرية يخطب فيها وزير أسبق المدن المصرية إلى حب الوزارة وأحرصها على فدائها بالأنفس والأموال.
    ومصر كلها أسبق من مصر كلها إلى حب الوزارة وأحرص من مصر كلها على فدائها بالأنفس والأموال. ومن يدري؟ لعل الحزبين الشقيقين الذين لم يتفرقا ولن يتفرقا لا يتنافسان إلا في الكلام، وما أيسر التنافس في الكلام وما أنفعه وأجداه فإنه يضحك ويسلي الهم ويهون احتمال الآلام.
    كوكب الشرق ٢٩ — ٧ — ١٩٣٣

    ناد
    أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
    وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
    وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
    هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
    هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
    وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
    هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
    إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
    نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
    صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
    والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
    هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
    وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
    كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
    ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
    كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
    فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
    كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣

    ذات الرؤوس
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه في محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاي. يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد.
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد. فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون، أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية. أو قل إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأساً، أي رأس، كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث: في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسيسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج. مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة، له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتخب في مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاض متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى. فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة. والشعب المصري واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد أغلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شؤونها. وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضي بتغليق الأبواب. وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون، ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول، أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية، أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية، قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل. شرف مصر بين الأمم فانتخبت في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل.
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أي عجب! هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة. يصيح في غير أوان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً. كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً. يقدم ليحجم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين. لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح.
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة. وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة، فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين. ولست أدري أرضي الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً. فأما الرأس الغائب فلم يرضَ ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً. فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من ‘لا’ و’نعم’ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها؟ وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان؟ ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف.
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك. أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزراً في مجلس الشيوخ. فقد أنكر الرأس النقراشي الأول، وزير الخارجية، كل الإنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تستوحى هذه الأماني؟ من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق. من غير السودانيين؟ فهي لا تستوحى شيئاً، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق. وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة، وهي الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة، لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب. أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟ وقد قال شاعرنا القديم:
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو
    ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً، ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان، وإن لم يرض الدستور. وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها. ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز. مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت. وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجري الريح رخاء.
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد البريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب. وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات. والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً. أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقي باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً. وإذن فصدقي باشا غاضب. والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات، أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد: يريح الناس جميعاً. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها! ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفاً؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
    كل شيء ممكن. قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً. وذلك يسير. يقال إن التعديل الوزاري قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام!
    طه حسين
    البلاغ، ٧ فبراير ١٩٤٦.

    صراحة
    من المؤكد أني لا أحب أن آخذ بخناق أحد، ولا أن يأخذ أحد بخناقي في أمر من الأمور، مهما يكن عظيمًا.
    فإذا كان الأمر يسيرًا ضئيلاً، كأمر الوزارة الائتلافية أو القومية، كانت رغبتي عن المخالفة فيه أشد، وانصرافي عنها أعظم. فليطمئن الكتّاب الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، ويحرصون على أن يدافعوا عنها منذ الآن، فلن أخالفهم فيها… ولكنهم يوافقوني فيما أظن على أن الأخذ بالمخانق شيء، والرغبة في الوضوح والصراحة شيء آخر. وهم يوافقوني فيما أظن على أن إطالة الكلام وتكرار القول في هذا الموضوع الآن لا نتيجة له، إلا أنه حوار في الهواء، ومناقشة أقل ما توصف به أنها قد تدعو إلى شيء من الحرج في غير طائل ولا غناء…
    رئيس الوزراء ما يزال مطبقًا يديه الضعيفتين على أعنّة الحكم، لم يرسلها ولم يدعه أحد إلى إرسالها. ويظهر أنه سيظل كذلك حتى يزهد فيه مؤيدوه، وينصرف عنه ناصروه، ويطلب إليه أن ينصرف هو عن هذا الحكم الذي يحبه ويبالغ عليه، ويضحي في سبيله بالشيء الكثير من صحته وراحته، ومن ذكائه وكفايته. ونحن نتحدث منذ الآن — استغفر اللّٰه — بل منذ أكثر من عام في الوزارة التي تخلفه: أتكون حزبية أم قومية؟ فلا يجدي حديثنا إلا اختلافًا وافتراقًا، وإلا إغراءً للإنجليز بالمضي فيما هم فيه من تأييد رئيس الوزارة ونصره، لعله إن بقي في الحكم أن يزيد الاختلاف بيننا سعة، والاضطراب في صفوفنا عنفًا وشدة.
    أظن الذين يحبون الوزارة القومية، ويكلفون بها، يوافقوني على أن الحديث فيها كان سابقًا لأوانه منذ عام، وما زال سابقًا لأوانه الآن، وما زال الخير في أن ندعه حتى تخلص مصر مما هي فيه الآن، وينكشف عنها ضر الوزارة القائمة، وترد إليها حرية التنفس والحركة والحياة.
    وإذن فقد كنت أود لو أقنع أنصار الوزارة القومية بما قالوا وقال خصومهم، فسكتوا وسكت خصومهم، وفرغوا جميعًا لما ينبغي أن يفرغوا له من تسجيل الآثام التي تقترف، والسيئات التي تجترح، وتثبيت الأمة في موقفها البديع: موقف المقاومة لطغيان الطاغين، وعدوان المعتدين. ولكن أنصار الوزارة القومية يسرفون في حبها، فيعجزون عن الصمت عنها، ولو صمتًا مؤقتًا، فيقولون ويقولون… ولا يلتفتون إلى أن غيرهم يقول معهم فيثير الريب، ويدفع إلى الشك، ويدل دلالة قوية على أن فكرة الوزارة القومية هذه، إن تكن مصرية من بعض نواحيها، فإن للإنجليز فيها هوى مريب…
    ومهما يكن من شيء فأنا حريص كل الحرص على أن يكون رأيي في الوزارة القومية واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض.
    وأنا أفهم من الوزارة القومية — كما قلت من قبل — هذه التي تصدر عن إرادة الأمة، لا عن إرادة الأجنبي، وعن إرادة الكثرة إذا تعذر الإجماع، لا عن إرادة القلة. وإذن فكل وزارة يوحي بها الإنجليز فليست وزارة قومية، وإذن فكل وزارة تؤلفها القلة فليست وزارة قومية. وإذن فلا يمكن أن تكون الوزارة قومية حقًا إلا نتيجة للانتخاب الحر الصحيح الذي لا عسف فيه ولا ظلم، والذي لا يثور حوله شك ولا ريب، والذي لا يهم المشرفون عليه هوى ولا ميل.
    وهذا فيما أظن واضح جلي، ومعناه أن الوزارة القومية يجب في ظروفنا الحاضرة أن تنشئها الانتخابات، لا أن تجري هي الانتخابات…
    وليس من الحق، ولا من المنطق أن يُحتج بما صنع الإنجليز، فقد يقال إن رئيس وزارة العمال ألّف وزارته القومية، ثم لجأ إلى الشعب ليستفتيه في أمرها فأيده الشعب وانحاز إليه. قد يقال هذا، ولكن الذين يقولونه ينسون أن رئيس وزارة العمال حين ألّف وزارته القومية كان في بلاد حرة مستقلة تجري فيها أحكام الدستور على سجيتها. وقد حاول تأليف وزارته القومية من أعضاء البرلمان القائم، فلما خذله العمال، وأبوا عليه، لجأ إلى استفتاء الشعب، فمنحه الشعب نصره وأيده، فأعاد تأليف وزارته القومية مستفيدًا من نتائج الانتخابات.
    فما كان في بلاد الإنجليز لا يمكن أن يقاس به الأمر في مصر، فالوزارة القومية التي يفكر فيها بعض الساسة لا يمكن أن تؤلف داخل البرلمان القائم.
    وأظن هؤلاء الساسة كلهم أو أكثرهم يرون أن من الخير ألا يشترك في هذه الوزارة القومية أعضاء للبرلمان القائم. وإذن فأين تؤلف؟ وكيف تؤلف؟
    ستؤلف خارج البرلمان، فإذا أبتها كثرة الناس فقدت صفتها القومية، وأصبحت وزارة حزبية تمثل القلة ليس غير… فلا مخرج إذن من هذا المأزق إلا بالعدول عن هذه الفكرة الآن، وتأجيلها حتى تخلص مصر من الوزارة القائمة، ثم تنهض بالأمر وزارة محايدة — أو سمّها ما شئت — فتجري الانتخابات الحرة، ولتكن الوزارة القومية موضوع هذه الانتخابات. فإن أيدتها الأمة ومنحتها الأغلبية أُلّفت كأقوى ما تؤلف الوزارات، وحققت الأصل الدستوري الذي لا خلاف فيه، وهو نهوض الأغلبية بأعباء الحكم. وإن أبتها الأمة ونصرت خصومها ومنحتهم الأغلبية، نهض هؤلاء بأعباء الحكم تنفيذًا لأصول الدستور.
    هذه هي الطريق التي أعتقد أن الخير كل الخير في سلوكها، لأنها واضحة مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، ولا شك حولها ولا ريب. وأظن أنصار الوزارة القومية يوافقوني على أن سلوك طريق غير هذه الطريق غير مأمون العاقبة، ولا مبرأ من الخطر، وأقل ما ينتجه أن تستحيل وزارتهم القومية هذه إلى وزارة تحاربها الكثرة، وينفر منها الشعب نفورًا شديدًا.
    وأنا أكره لأنصار الوزارة القومية أن يسيروا سيرة صدقي باشا، فذاكرتهم — والحمد لله — لا يمكن أن تعاب بالقصر. وهم يعلمون أن صدقي باشا قد زعم حين نهض بأعباء الحكم أنه يؤلف وزارة قومية، وقال وأكثر القول إن وزارته لا تنتمي إلى حزب، ولا يعنيها أن تعتمد على تأييد حزب. ومع ذلك فلم تكن لوزارته صفة الوزارة القومية يومًا ما، ولم يستطع أن يثبت على قوميته هذه، فاضطر إلى ما اضطر إليه من تأليف حزبه البديع، وإقامة وزارته — أو وزاراته — على أساس من الحزبية، بل من الفردية الشخصية، وهو أبعد ما يكون عن رعاية المنافع القومية الخالصة…
    أرجو ألا يتورط أنصار الوزارة القومية فيما تورط فيه صدقي باشا، فإن الرجل الحازم ذا النظر البعيد هو الذي يعتبر بالتجارب البعيدة فضلًا عن التجارب التي ما تزال تقع تحت حسه. وأنا أؤكد لأنصار الوزارة القومية أن وجود سياسي واحد من أمثال رئيس وزرائنا كثير في مصر، فكيف بهم إذا دفعوا بأنفسهم إلى هذه الوزارة القومية التي لا تؤيدها الكثرة، ولا تصدر عن إرادة الشعب، فجعل كل واحد منهم نفسه مثلًا من أمثال صدقي باشا، وكثر في مصر أمثال رئيس وزرائنا النابغة الفذ… الذي ينبغي أن يظل وحيدًا في مصر، ليس له ضريب ولا نظير…
    كوكب الشرق ٧ — ٣ — ١٩٣٣

  • الصحافة والإشاعة وأعصاب الحكومة | Press, Rumor, and the Government’s Fragile Nerves

    حيرة
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
    لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
    لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
    وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
    والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
    فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
    نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
    فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
    وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
    وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
    نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
    كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣

    شكوى
    أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
    فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
    هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
    فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
    القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
    فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
    من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
    الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
    فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
    اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
    كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣

    طير
    للدكتور طه حسين
    في جوّ مصر الآن طير تحلّق حيناً، وتقع حيناً آخر، وتتردد بين دواوين الوزراء وإدارات بعض الصحف، وتلمّ بمجالس الناس في القاهرة والأقاليم. وليست هذه الطير جميلة الشكل، ولا رائقة المنظر، وليست هذه الطير خفيفة الحركة ولا رشيقة في التحليق والوقوع، ولكنها قبيحة سمجة مخيفة، ثقيلة الظل، عراض الأجنحة. وليست عذبة الصوت، ولا حلوة التغريد، ولا مسمعة للناس غناء البلابل، ولكنها بشعة الصوت، نابية اللحن، تصيح صياح البوم. وليست أسماؤها بالأسماء التي تدعو إلى التفاؤل وانتظار الخير، والابتسام للأمل، ولكنها أسماء تدعو إلى التشاؤم، وتوقع الشر والتذكر للقنوط؛ فبعضها يسمى الكذب، وبعضها يسمى إفشاء السر، وبعضها يسمى سوء الظن.
    وهذه الطير تضطرب في جوّ مصر كله فتفسده أشد الفساد، وهي تخفق بأجنحتها خفقاً عنيفاً يكاد يصمّ الأسماع، وهي تبعث من حين إلى حين صيحات منكرة تروع النفوس، وهي تنشر في الجو رائحة كريهة يتأذى لها الذوق، وهي توشك أن تنتهي بالمصريين – إذا لم تُطرد عن جوّهم – إلى شر كثير..!
    صحيفة تذيع بين قرائها يوم الثلاثاء أن رئيس الوزراء تحدث في التليفون إلى وزير مصر المفوض في لندن، ويسكت رئيس الوزراء على هذا النبأ. فإذا كان الغد تحدثت صحيفة أخرى بأن وزيرنا المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن قد كان بينه وبين رئيس الوزراء حديث في التليفون. ويسكت رئيس الوزراء عن هذا النبأ أياماً، وتتناول الصحف هذا النبأ بالتفسير والتعليق، ورئيس الوزراء صامت لا يتكلم، وساكن لا يتحرك، وفاتر لا يبدي قليلاً من نشاط، حتى إذا كان مساء أمس، زعم رئيس الوزراء لـ (المقطم) أن الحديث التليفوني لم يكن؛ فأين يكون الحق إذن؟ وأين يكون الباطل؟ وعند مَن نلتمس الصدق إذن؟ وعلى مَن نلقي تبعة الكذب؟
    زعم (المقطم) أن ناحية مسؤولة في مصر تحدثت إلى وزير مصر في لندن بالتليفون، وزعمت (البلاغ) أن وزير مصر المفوض في لندن أنبأ مكاتبها بأن هذا الحديث قد كان، وزعم رئيس الوزراء بعد أيام أن هذا الحديث لم يكن. فهناك طائر قبيح الشكل، بشع المنظر، فجّ الصوت يتردد بين إدارة المقطم، وإدارة البلاغ، والمفوضية المصرية في لندن، ومكتب رئيس الوزراء، واسم هذا الطائر قبيح لا يدل على صدق ولا نصح ولا حب للحق، وهو لا يدري أين يقع من هذه الأماكن التي يتردد بينها، وهو لا يهدأ ولا يستريح حتى يعرف له مستقراً يستقر فيه، ووكراً يأوي إليه؛ وهو سيفسد الجو بصيحاته المنكرة وريحه المؤذية حتى يُصرف عن هذا الجو، ويُردّ إلى وكره بعيداً عن الأسماع والأبصار والأنوف..!
    وصحيفة أخرى زعمت أول أمس أن رئيس الوزراء تحدث إلى زملائه في مجلسهم يوم الخميس بأنباء سياسية انتهت إليه من هذا الحديث التليفوني الحائر؛ وبعض هذه الأنباء يمس المندوب السامي، وبعضها يمس اللجنة الإنجليزية المصرية، وكلها يدور حول بقاء الوزارة أو سقوطها. فما يتقدم النهار حتى يكذب رئيس الوزراء ما نشرته (الأهرام) تكذيباً قاطعاً، فإذا كان صباح الغد أكدت الأهرام ما قالت، وردّت على رئيس الوزراء تكذيبه، وأعلن مندوب الأهرام في صراحة وجرأة أنه سمع هذه الأنباء من غير واحد من الوزراء.
    ثم يتقدم النهار ويأتي المساء ويقبل الليل وينجلي، ويشرق النهار وتظهر في أثناء ذلك الصحف التي تتصل برئيس الوزراء، والتي تعرب عن رئيس الوزراء، فإذا رئيس الوزراء صامت لا يتكلم، ساكن لا يتحرك، هادئ لا حظ له من نشاط. وإذا الصحف التي تتولاه والتي تعرب عنه وتذعن له صامتة مثله لا تقول، ساكنة مثله لا تتحرك، هادئة مثله لا تنشط. ومع ذلك فما أقدر هذه الصحف على الكلام، وما أبرعها حين تخوض بالحق والباطل فيما تريد أن تخوض فيه من الأمور!
    هناك إذن طائر آخر قبيح الشكل، بشع المنظر، لا يدل اسمه على الصدق والنصح وحب الحق، وهو يتردد بين الأهرام ومكتب رئيس الوزراء، وهو لا يدري أين يستقر، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُردّ إلى وكر يستخفي فيه. وهناك طائر آخر ليس أقل من هذا الطائر شراً ولا نكراً، ولا يدل اسمه على أمانة في الحديث ولا على حفظ للغيب ولا على كتمان للسر، وهو يتردد بين مكاتب الوزراء لا يدري إلى أيّها يأوي ولا على أيّها يقع، وسيظل مفسداً للجو، مؤذياً للنفوس حتى يُصرف شره عن الناس.
    ثم هناك طائر آخر مروع مخيف، ليس بشعاً كل البشاعة ولا قبيحاً كل القبح، ولكنه مزاج بين الأمرين؛ فيه استنكار الشر، واستبشاع الكذب وإفشاء الأسرار، وفيه التماس الخير واستقصاء الحق، والحرص على الأمانة وحفظ الغيب. وهذا الطائر كان يقظاً كالنائم، نشيطاً كالهادئ، متحركاً كالساكن؛ فلما صاحت تلك الطير المنكرة صيحاتها المتصلة، اندفع من اليقظة والنشاط في شيء عظيم، فهو يطير في كل جو، ويقف عند كل مجلس، ويسمع لكل حديث، ويتلقط كل نبأ، ويأبى على الناس أن يطمئنوا أو يستريحوا حتى يتبينوا وجه الحق فيما قيل وفيما يقال.
    يأبى على الناس أن يستريحوا حتى يعلموا أيهما قال الحق في أمر الحديث التليفوني:
    أهو رئيس الوزراء؟ فيجب إذن أن يُسأل وزير مصر المفوض في لندن: كيف قال عن رئيس الوزراء غير الحق؟ وكيف تحدث بما لم يكن؟
    أهو وزير مصر المفوض في لندن؟ فيجب إذن أن يُسأل رئيس الوزراء: كيف استباح لنفسه أن يكذب وزيراً يمثل كرامة مصر وجلالها في بلد أجنبي هو إنجلترا، وعند قوم من الأجانب هم الإنجليز؟
    أم هي الصحف التي قالت على الرجلين جميعاً ما لم يقولا، وأضافت إلى الرجلين جميعاً ما لم يفعلا؟ فيجب أن تُسأل هذه الصحف: كيف استباحت لنفسها أن تعرض رئيس الوزراء ووزيراً من وزراء الدولة المفوضين لما يتحدث به عنهما، أحدهما أو كليهما، من تجاوز الصدق والإعراض عن الحق؟
    لا يريد هذا الطائر الذي يسمى سوء الظن أن يستريح، ولا أن يريح الناس حتى يتبين ويتبينوا معه وجه الحق ساطعاً وضاحاً جلياً فيما كان بين الأهرام ورئيس الوزراء، أو قل فيما كان بين رئيس الوزراء وزملائه؛ فإن سكوت الوزارة على تحدي الأهرام، وسكوت صحف الوزارة على هذا التحدي، وإغراق هذه الوزارة وصحفها في صمت عميق بعد ما نشره مندوب الأهرام صباح أمس، دليل واضح على أن الرجل لم يخترع ولم يبتكر، وإنما حُدِّث فتحدّث، وأُنبئ بشيء فأذاعه بين قرائه. وأكبر الظن أن الذين تحدثوا إليه قد أرادوه على أن يذيع هذا الحديث ليؤكدوا للناس أن ليس على الوزارة من بأس ولا خوف.
    يظهر إذن أن الأهرام قد خرجت من هذه المعركة ظافرة صادقة، لا إثم عليها ولا تثريب. فيريد هذا الطائر أن يتبين وأن يتبين الناس معه أيهم قال غير الحق:
    أهم الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسألوا: كيف أضافوا إلى رئيسهم ما لم يقل، وحملوا عليه ما لم يصدر عنه؟ فإن زعموا أن رئيسهم قد تحدث إليهم بما نقلوا عنه، فيجب أن يُسألوا: كيف أباحوا سره، وكشفوا ستره، ولم يحفظوا له غيباً، ولم يفوا له بالكتمان؟
    أهو رئيس الوزراء؟ وإذن فيجب أن يُسأل: متى قال غير الحق؟ أحين تحدث إلى بعض زملائه بما نشرته الأهرام، وإذن فلم يخلص حين تحدث إليهم، ولم يظهرهم على جلية الأمر، وإنما غرّهم بالأماني وعللهم بالأوهام!! أم حين كذب ما نشرته الأهرام وهو يعلم أن الأهرام لم تنشر إلا حقاً ولم تقل إلا صدقاً؟ وإذن فيجب أن يُسأل: كيف استباح لنفسه أن يواجه الأمة كلها جهراً بغير الحق، وأن يتعمد هذا وهو يعلم حق العلم أن هذا التعمد شيء لا تبيحه السياسة ولا ترضاه الأخلاق؟
    أرأيتَ إلى هذا الجو المنكر الذي نعيش فيه؟! أرأيتَ إلى هذه البيئة الخانقة التي نضطرب فيها؟ أرأيتَ إلى الصدق والكذب كيف يختلطان؟ أرأيتَ إلى الحق والباطل كيف يشتبهان؟ أرأيتَ إلى الأمانة والخيانة كيف تلتبسان؟ أرأيتَ إلى الريبة تصبح قاعدة من قواعد السياسة، وأصلاً من أصول العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ أرأيتَ إلى هذا كله؟ أفكرتَ في هذا كله؟ أقدّرتَ هذا كله في حب الناس للوزارة وثقتهم بها واطمئنانهم إليها؟ أقدّرتَ أثر هذا كله في أخلاق الناس حين يتصل بعضهم ببعض، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، وحين يأتمن بعضهم بعضاً على الأسرار؟ ألستَ توافقني على أن هذه الطير البشعة المنكرة التي تضطرب في جوّ مصر الآن فتملأه فساداً وشراً خليقة أن تُردّ عن هذا الجو ليعود إليه شيء من الخير والصلاح؟
    بل إنك لترى هذا الرأي كما أراه، وإنك لتحرص على أن يصفو الجو كما أحرص على ذلك لتستقيم السياسة وتصلح الأخلاق، ولكن مَن الذي يستطيع أن يذود هذه الطير المفسدة عن جوّ مصر؟ أحد رجلين: رئيس الوزارة حين يستقيل، أو النائب العام حين يأمر بالتحقيق.
    كوكب الشرق ٢ – ٥ – ١٩٣٣.

    نذير
    قليل من الناس يستطيع أن ينصرف عن حديث اليوم إلى حديث أمس. وقليل جدًا من الناس من يستطيع أن ينظر إلى أحداث اليوم فيتبين منها أحداث الغد، ذلك لأن الحوادث الحاضرة التي تحيط بنا تشغلنا عن الماضي والمستقبل جميعًا، وتحد أعمالنا وآمالنا وتفكيرنا، فإذا نحن مثلها مؤقتون في كل ما نأتي وما نقول. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يفكروا في أمس لاعتبروا بما كان فيه، ولجنبوا أنفسهم شرًا كثيرًا. ولو قد أتيح لكثير من الناس أن يتبينوا ما ستتكشف عنه غدًا أحداث اليوم لأعرضوا عن كثير من الأعمال، ولجنبوا أنفسهم آلامًا كثيرة وضروبًا من الخيبة لا تُحصى…
    هذا كلام نقوله دائمًا، ولكننا لا نتعظ به، ولا نعتبر بما فيه، وكأنه قد كثر حتى أصبح مملولًا، وكأننا قد أسرفنا في ترديده حتى زهدنا فيه، كما نزهد في الحديث المعاد. وليس كل حديث معاد خليقًا أن يُمل ويُزهد فيه، بل من الحديث المعاد ما تستطيع أن تعيده وتعيده دون أن تستقصي ما فيه من عظة، وتستوعب ما فيه من حكمة، وتنتفع حق الانتفاع بما فيه من عبرة.
    والظاهر أن الوزراء ورجال الحكم هم أشد الناس إعراضًا عن أمس، ونفورًا من غد، وهم لذلك أشد الناس تعرضًا للخطأ، وتورطًا في الشر والإثم. وكأن الوزارة — كما صورتها جريدة «الشعب» منذ أيام في تشبيه بديع — خمر معتقة، لا يكاد يذوقها شاربها حتى تنسيه كل شيء، فتمحو من نفسه أمس، وتلقي بينه وبين غد حجابًا صفيقًا! ولو قد ذكر رئيس وزرائنا ما كان من الأحداث ذات الخطر أمس القريب أو أمس البعيد، لتعظ واعتبر، وصد نفسه عن أشياء، وكف عزيمته عن أشياء. فكم من الذين ضاقوا من قبله بالديمقراطية، فنصبوا لها الحرب، وبحرية الشعوب، لها الكيد، ثم باءوا بالهزيمة المنكرة والانخذال المهين، لأن الديمقراطية أقوى من أن تُغالب، وأصلب عودًا من أن تُحطم، لأنها صورة لإرادة الشعب، ومظهر لقوته، ومن العسير إن لم يكن من المحال أن يستطيع الفرد مهما تعاظمت قوته، وبلغ شأنه من الارتفاع والعلو، أن يقهر شعبًا كاملًا، أو يذله فيطيل إذلاله.
    ولو قد فكر رئيس الوزراء في غد لرأى هولًا بشعًا، ونكرًا عظيمًا، فقدر قبل أن يخطو، وتدبر قبل أن يعمل، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، ودفعه إلى ما أتى من الأعمال، وورطه فيما تورط فيه من شر، فهو يجني اليوم ثمار هذا النسيان لأمس، والإعراض عن غد، ويذوقها فإذا هي فجة مرة…!
    نهض بالحكم وهو مؤمن بقوته، معتز بكفايته، واثق بذكائه، مطمئن إلى سعة حيلته، لا يشك في أنه سيبلغ من هذا الشعب ما يريد، ولم يذكر أن قومًا آخرين كانوا مثله أقوياء أعزاء، وكانوا مثله أذكياء، وكانوا مثله أكفاء بارعين، قد نصبوا الحرب للشعب فلم يبلغوا منه ما كانوا يريدون، بل بلغ الشعب منهم ما أراد. بل يذكر أنه قد وقف قوته وعزته وذكاءه وكفايته على حرب الشعب والكيد له، فصال وجال، وقال فأطال القول، وأذاق الناس ضروب المحن وألوان الفتن، ثم لم يبلغ منهم شيئًا؛ وإنما انتهى به الأمر إلى أن أذعن لما كان الشعب يريد، فعمل تحت لوائه، وتقرب إلى زعمائه، وأسرف في تملقهم والتقرب إليهم، حتى انصرفوا عنه وزهدوا فيه.
    لم يذكر رئيس الوزراء ذلك، ولم يفكر فيه، فجدد في عهده الحاضر ما اقترف في عهده القديم. وأنا زعيم لك بأنه إن يسبغ اللّٰه عليه الصحة، ويمتعه بالحياة الهادئة، فسيرى فوز الشعب وانتصاره، وسيرى ظفر الديمقراطية وتفوقها، وسيحاول الانضواء تحت لوائها، وسينفق كثيرًا من حيلته الواسعة، وكفايته الرائعة، ليتقرب من الزعماء الذين يسرف الآن في الإساءة إليهم، والإغراء بهم، والتحريض عليهم، وسيود لو شملوه بالعطف، ولكن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى رئيس الوزراء، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وشغله عن اليوم…!
    ولو أن الأمر وقف عند ما يتعرض له رئيس الوزراء من خيبة الأمل، ومرارة الخذلان، لكان احتماله يسيرًا؛ فرئيس الوزراء رجل من الناس، يجب أن يتعلم كما يتعلم غيره من الناس، ويجب أن يستفيد من الدروس القاسية التي يلقيها الزمان على أبناء الإنسان. ولكن الأمر يتجاوز رئيس الوزراء إلى وطنه كله، وأمته كلها. فرئيس الوزراء حر في أن يسيء إلى نفسه، ويعرضها للمكروه، ولكن رئيس الوزراء لا يملك — وما كان ينبغي له أن يملك — الإساءة إلى أمته، وتعريضها كلها للمكروه. ورئيس الوزراء يعرض أمته لخطر ليس بعده خطر، ويدفعها إلى شر ليس مثله شر. ولو قد تمت له الآن، في هذه الراحة التي يضطره إليها المرض، أداة الروية والتفكير، فنظر وراءه، ونظر من حوله، ومد بصره قليلًا إلى أمام، لاستيقن أنه قد أشرف بأمته على هوة بعيدة القرار.
    لم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من ترغيبها عن قوة الحكومة، وإساءة الصلة بينها وبين الحاكمين، وإفعام قلوبها بالشك والريب في إخلاص الذين يشرفون على أمورها. ورئيس الوزراء أذكى عندنا من أن يصدق أنصاره الذين يزعمون له أن الناس يحبونه ويميلون إليه! فلم يرغب الناس قط عن وزير كما يرغب المصريون عن صدقي باشا، ولم يضق الناس بوزير كما يضيق المصريون بصدقي باشا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من أن يسود البغض بين الحاكمين والمحكومين…
    ولم يصل رئيس وزارة قط بمصر إلى ما وصل بها إليه صدقي باشا من سوء الحال الاقتصادية، وهو يعلم من هذا أكثر مما نعلم، ولعله يقدر من هذا مثل ما نقدر. وهو واثق بأن في مصر آلافًا وآلافًا من الناس يؤذيهم الجوع، ويلذعهم الحرمان، ويعذبهم ذكر ما كانوا فيه من نعمة، ويروعهم انتظار ما يتعرضون له من شقاء. وهو يعلم كما نعلم أن هذا البؤس المتصل، وهذا الإعدام المحيط، أخطر الأشياء على استقرار النظام الاجتماعي، فضلًا عن النظام السياسي.
    ولم يعجز رئيس وزارة قط كما عجز صدقي باشا عن إقرار النظام، وتثبيت الأمن، وهو يقيم نفسه بنفسه في كل يوم الأدلة القاطعة والبراهين التي لا تدع سبيلًا إلى الشك على أنه محتاج دائمًا إلى الجيش كله، وإلى الشرطة كلها، وإلى المكر كله، وإلى الكيد كله، ليحمي النظام، ويضمن هذا الهدوء المصطنع المتكلف…! ذلك ولم نذكر هذه القوة الخفية الظاهرة، الغائبة الحاضرة، التي يسمونها الاحتلال…!
    ورئيس الوزراء يعلم كما نعلم أن ليس أخطر على حياة الأمم من هذا النظام الذي يقوم على دعائم من القش، والذي لولا الجيش والشرطة والكيد والمكر لانهار في ساعة من نهار…!
    عجز عن توثيق صلة الحب بين الحاكم والمحكوم، عجز عن حماية الشعب من الفقر والجوع، عجز عن إقرار النظام إلا بهذه القوة الخارقة التي لا يُلجأ إليها إلا في أوقات الخطر الداهم.
    هذه هي الحال التي تورط فيها رئيس الوزراء، لأن الحكم، وهو هذه الخمر المعتقة، قد ألهى، فأنساه أمس، وصرفه عن غد، وهو مع ذلك قائم في الحكم، مصرٌّ على أن ينسى أمس، وينصرف عن غد. فهل لهذه الكوارث العظام التي قد تتردى فيها مصر، إذا استمرت هذه الحال زمنًا طويلًا أو قصيرًا…?
    ولكن رئيس الوزراء ليس وحده الذي يجب أن يذكر أمس، ويفكر في غد، ويقدر هذا الخطر الذي ينتظر وطنه، بل هناك قوم آخرون، لعلهم حراص أشد الحرص على ألا تتردى مصر في هذه الهوة السحيقة التي أشرفت عليها، ولعلهم حراص على أن تظل مصر كما كانت من قبل بلد الأمن والنظام، واللين والرخاء. فما أجدر هؤلاء الناس أن يأخذوا أنفسهم بما لا يريد رئيس الوزراء أن يلم به: فيذكروا أمس، ويفكروا في غد…
    كوكب الشرق ٩ – ٤ – ١٩٣٣

  • المزيد من خطة الحكومة ضد الوفد | Crackdown in the Provinces and Abroad

    إقدام
    ولكنه إقدام خطر ، قد يجرّ إلى الشر ، وينتهي إلى ما لا يحبه المُقدِمون أنفسهم ، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال ، سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة .
    نعم ، إقدام خطر مريب معيب ، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد؛ فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان ، وكانت مستقرة ، تسمع وترى ، وتتألم وتغضب ، ولكنها لا تضطرب ولا تسرف في الاضطراب ، بل تُخلي بين الناس وبين أنفسهم ، يحسون ويشعرون ، ثم يعبّرون عما يجدون من حسٍّ وشعور ، فيحتفلون ويصفقون ويهتفون ، وكل شيء هادئ ، والنظام مستقر ، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام ، وتكديرًا للصفو والهدوء .
    كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل ، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال ، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف ، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش . ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل ، وأن حلمها ضيق مهما يتسع ، وأنها قد ترى ما تكره هي ، وإن لم يكرهه الدستور ولا القانون ولا النظام ، فتحتمله ساعة أو ساعات ، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا ، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به ، وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس ، وكتمان الشعور ، والتنزّل عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ، ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون .
    يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد ، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عُرضة للشك وموضع للريب .
    فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وليس الحكم تحدّيًا ولا تصدّيًا ، وليس الحكم إظهار القوة والبأس ، وإنما الحكم صبر واحتمال ، والحكم احتياط للطوارئ ، واستعداد للحوادث ، لا تعجّل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها .
    نعم ، ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكّنك من أن تلاحظ وتراقب ، وأنت هادئ مطمئن ، وأنت قوي مستعد لدفع الشر إن وقع أو خفت وقوعه .
    وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه ، فهدأت واستقرت ، واكتفت بالاستعداد للطوارئ ، ولم تتورط في إثارتها ، لم يحدث شيء ، ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه . ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر ، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة ، وتشعران شعورًا واحدًا ، وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا .
    هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة ، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة ، مؤيدة لها ، مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية .
    ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها ، وللحكومة حياتها وآمالها ، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها .
    تريد الأمة أن تحيا حرة ، وتأبى الوزارة إلا أن تقصّ من جناح هذه الحرية . تحب الأمة من تحب من الزعماء ، فتلقاهم فرحة بهم ، مستبشرة بلقائهم ، مؤمِّلة فيهم ، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال . تكرههم الوزارة فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك ، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم ، ولكنها تتنكر وتتنمّر وتتحدى وتتصدى ، وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر ، حتى إذا وقع الشر أو كاد ، اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس ، وحجة على أن استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش !
    ما هكذا يكون الحكم ، وما هكذا يكون إقرار النظام . ما هذه الأنباء التي أخذت ترد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر ، وبتحطيم سيارات وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات ، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى ، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس ؟ ما هذا كله ؟ وفيم هذا كله ؟ ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف ، وتثير شعورهم على هذا النحو ؟
    ما وضع المحطات تحت الحصار ؟ وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار ؟ أتريد الحكومة أن يشعر الناس أنها قوية ، وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي ، وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المحتفلين وإسكات الهاتفين ؟ فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا ، وفي أن عندها بنادق وعصيًّا ، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد ، ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعيا؛ فمن الذي دعاهما ؟ ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون ؟
    لم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس ، وقد أرادت ذلك غير مرة فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه ، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا — بل لا نشك فيه وإنما نوقن به — هو أن هذا البطش لا خير فيه ، وإنما هو الشر كل الشر ، والخطر كل الخطر .
    لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة ، فكان القتلى وكان الجرحى ، وكانت الخطوب والأهوال ، ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله ورغم هذا كله بشيء مما كانت تريد؛ فلا هي جذبت إليها قلوب الناس ، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس ، ولا هي صرفت الناس عمن يحبون ، ولا هي زهّدت الناس فيما يحبون ، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرّش إلى عكس ما كانت تريد .
    فما أحبّ الناس حريتهم كما يحبونها اليوم ، ولا حرص الناس على استقلالهم كما هم حريصون عليه اليوم ، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم ، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم ، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والدوران والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم ، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم .
    تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت ، فلن ترى ولن تسمع إلا جبالًا من الحرية لا يشبهها حب ، ولا كلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف ، وازدراءً للخطوب ، واستخفافًا بالصروف ، واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه .
    لم يصل اليأس بعد ، ولن يصل إلى قلوب الناس . فما تعلق الحكومة بما لا سبيل إليه ؟ وما تهالك الحكومة على ما لا خير فيه ؟ هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة ، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها ، معتصمة بإيمانها ، واثقة بالمستقبل ، معرضة عن الحكومة ، تاركة لها تسلك طريقها المعوج . فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ، ولا تدع الأمة وما تريد ؟
    نعم ، في مصر حياتان مختلفتان: إحداهما حياة أمة كلها أمل ، فهي تصبر وتبتسم؛ والأخرى حياة وزارة كلها يأس ، فهي تغضب وتتنكّر ، وهي تهيج وتثير الناس . وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء ؟
    إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد ، خير منه الإحجام . ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها ، وتعنى بصحتها ، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها ، وتفرغ لهذا المرض الذي دبّ في أجزائها؛ فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد .
    لتتفرغ الحكومة لشؤونها الصغيرة والكبيرة ، ولتطمئن ، فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ، ولا لما يشبه الخطر ، إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء ، وكفّت هي يد الإدارة عن الناس .
    إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة ، فإذا لم يكن بدّ من أن تعمل الحكومة شيئًا ، فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة ، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح .

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣

    عناء
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.

    لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
    كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
    نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
    ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
    لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
    لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
    ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
    لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
    ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
    كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣

    شجاعة
    بارعة رائعة. شجاعة فائقة رائقة. شجاعة ساحقة ماحقة هذه التي يظهرها بعض النواب من حين إلى حين.
    شجاعة لا أدري كيف يحتملها أصحابها، وكيف يثبتون لأثقالها الثقيلة، وأهوالها الهائلة مع أنها مخيفة حقًا، مروعة حقًا، ومزعجة حقًا للآمنين والخائفين على السواء.
    شجاعة نادرة باهرة، هذه التي يتخذها بعض النواب إذا تحدثوا عن خصومهم أفرادًا وجماعات تحت قبة البرلمان، فهم يطلقون ألسنتهم في هؤلاء الخصوم بالحق والباطل، وبالخطأ والصواب، وبالجد والهزل لا يقدرون شيئًا، ولا يحسبون حسابًا، وإنما ينطلقون وكأنما خُلِّيَ بينهم وبين الحركة، فليس إلى تسكينهم ولا إلى تهدئتهم من سبيل.
    هذا أحدهم وقف أول أمس فأطلق لسانه في الصحف وكتاب الصحف، واستعدى على الصحف وكتاب الصحف وزير الداخلية، ووزير الحقانية، والنيابة العامة.. ولو أن طاقته البشرية ما لا تسع طاقة الناس لطلب أن تعطل الصحف كلها إلا صحف الوزارة، وأن يسجن الكتاب كلهم إلا كتاب الوزارة، وأن تشتد الوزارة في التعطيل والمصادرة، وأن تسرف الوزارة في إرهاق المسجونين من الكتاب والصحفيين، ومن النقد والناقدين، وتركت له الجو طلقًا يقول فلا يسأل عما قال، ويفعل فلا يسأل عما فعل، ويأتي ما شاء من الأمر فلا يرتفع صوت إنكار، ولا ينطلق لسان باحتجاج.
    ومصدر هذه الثورة الثائرة الذي أقحم فيها هذا النائب نفسه أن رجلًا فيما يقال حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيجب أن يسأل خصوم رئيس الوزراء جميعًا عن محاولة هذا الرجل!! ويجب أن تؤخذ صحف المعارضة كلها بمحاولة هذا الرجل!! ويجب أن تشتد الوزارة على هذه الصحف حتى تبلغ أقصى الشدة وتنتهي إلى غاية العقاب!!
    ولكن هذا النائب وأمثاله خليقون أن يعلموا أن الإسراف في النذير قد يتجاوز غايته، وينتهي إلى عكس ما يراد به، فيضحك بدل أن يحزن، ويسري عن النفوس بدل أن يبعث فيها الخوف والإشفاق. ذلك أن الإسراف مضحك بطبعه، فهو لا يصدر إلا عن تقصير في التفكير، وتفريط في ذات المنطق والعقل.
    وقد كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يكونوا نماذج للقصد والاعتدال، لا نماذج للغلو وتجاوز الحدود. وقد كنا نحب أيضًا أن يسيطر هؤلاء النواب على أنفسهم ويأخذوها بشيء ولو قليل من العدل، فلا يستأسدوا على الأمة وحدها، ولا يضعفوا أمام الوزارة وحدها.
    قد كنا نحب لهم أن يظهروا هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء هذه الحوادث المخزية المزرية التي لا تؤذي النفوس فحسب، ولكنها تشين كل وزارة تقع في ظلها، وتمس شرف الدولة التي تحدث تحت أجنحتها.
    نعم كنا نحب أن يصول هذا النائب وأمثاله ويجولوا وأن يخطب هذا النائب وأمثاله ويقولوا، وأن يقذف هذا النائب وأمثاله صواعق النذير على هؤلاء الموظفين الذين يقترفون الآثام، ويجترحون الجرائم، ويأتون المنكر من الأمر جهرة تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، لا يشفقون ولا يفرقون، بل لا يتعرضون لما يدعوهم إلى الفرق أو الإشفاق.
    نعم كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يسألوا وزير الداخلية ويلحوا في السؤال، بل أن يستجوبوا وزير الداخلية ويلحوا في الاستجواب عن هذه الحوادث التي أثبتها حكم القضاء على ضابط طغى ومن أعانه من رجال الشرطة الذين أقيموا ليمنعوا الإجرام، فإذا هم يغرقون في الإجرام إلى آذانهم! الذين أقيموا ليحموا النظام فإذا هم أعداء النظام، الذين أقيموا ليعصموا أجسام الناس من العذاب، فإذا هم يصبون عليها العذاب، الذين أقيموا ليحفظوا للناس كرامتهم، فإذا هم يطأون كرامة الناس بأقدامهم. الذين أقيموا ليثبتوا للأجنبي أن في مصر حكومة منظمة محضرة يمكن أن يطمئن الناس إليها، ويستمتعوا بالأمن في ظلها دون حاجة إلى نظام الامتيازات، فإذا هم يثبتون للأجنبي أنهم لا يؤمنون على شيء! لا يؤمنون على نظام، ولا عرض ولا كرامة!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب ليعلم مجلس النواب كيف استباحت وزارة الداخلية لنفسها أن تبقى ضابطًا في عمله بعد أن اقترف ما اقترف من الجرائم، وارتكب ما ارتكب من الآثام حتى ملأ قلوب الناس روعًا وهولًا، وحتى أيأسهم من الرحمة، وعقد ألسنتهم عن أن تجهر بالشكوى، وعقل أيديهم عن أن تكتب حتى الاستعطاف!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب: ماذا صنع بالمدير الذي حمى هذا الضابط وأقره في عمله، وتركه يجرد الناس من ثيابهم، ويأمر الجند فيعبثوا بهم، ثم يأمر الجند فيلقوهم في مجتمع البول، ثم يأمرهم ليغسلوا بهذا البول وجوههم وأعناقهم، ثم يأمرهم ليتمضمضوا بهذا البول ويستنشقوه!!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة فيسأل هذا النائب وأمثاله وزير الداخلية، بل رئيس الوزراء عن هذه الحوادث التي سجلها القضاء، أين حدثت؟ أحدثت في مصر التي هي جزء من أوربا؟ أحدثت في مصر التي يقال إن فيها قوانين؟ أحدثت في مصر التي نص الدستور على أن دينها الرسمي هو الإسلام؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي هي جزء من أوربا، ففي أي جزء من أجزاء أوربا يغمس الناس في البول ويؤمرون بأن يغسلوا منه الوجوه والأعناق، وأن يملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي يقال إن لها قوانين، ففي أي مادة من مواد القانون يباح للضباط والجند أن يغمسوا الناس في البول، وأن يأمروهم بأن يغسلوا به الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟!
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي دينها الرسمي هو الإسلام، ففي أي نص من نصوص القرآن الكريم، وفي أي نص من نصوص الحديث الشريف، وفي أي نص من نصوص الفقه يباح للضباط والجنود أن يغمسوا عباد الله في البول، وأن يأمروهم ليغسلوا منه الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    أي غسل هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي وضوء هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي منكر هذا الذي اقترف تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، وللإسلام شيوخه وعلماؤه، وللإسلام وزارته ووزراؤه، وللإسلام جنوده وأولياؤه، وللإسلام حاميه وراعيه، هذا الذي يزور الأضرحة، ويتبرك بقبور الأولياء؟!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة في مجلس النواب، وأن يغضب النواب للحق، لا للباطل، وأن يدافع النواب عن كرامة الناس وأعراضهم ودينهم. فهذا كله خير من أن يتجنى النواب على الصحف ويحملوها إثم هذا الرجل الذي حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء.
    إن مجالس النواب لم تنشأ لتتهم الأبرياء، ولم تنشأ لتأخذ الناس بالظن، ولم تنشأ لتقذف الناس بغير الحق، وإنما أنشئت لتدافع عن حقوق الأمم وترعى حرمات الناس، وتصون كرامات الأفراد والجماعات، وتأخذ الوزارة بحماية الحق والعدل والقانون.
    نعم لم تنشأ مجالس النواب لتستأسد على الخصوم، وتؤثر الأولياء والأنصار بالمودة والعطف واللين. كنا نحب أن يصطنع هذا النائب وأمثاله هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء أنفسهم فيسألوها: ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في النواب الذين يمنحون ثقتهم وزارة تقع في ظلها هذه الآثام، وتقترف في ظلها هذه الجرائم، فلا تغضب ولا تثور ولا تتحرك حتى تكره على ذلك إكراهًا فتتحرك متثاقلة وهي تود لو استطاعت السكون؟
    ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في نواب يقرون صدقي باشا في الحكم، وهم يعلمون أن حوادث البداري قد وقعت، وأنه أبى أن يمضي التحقيق فيها كما كان يريد شريكه في الحكم، فأخرج شريكه هذا من الحكم! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد وقعت في أسيوط فلم يعاقب صدقي باشا مدير أسيوط، بل حماه ورقاه!! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد اقترفت في الفيوم فلم يعاقب صدقي باشا مدير الفيوم.
    نعم ما حكم الله في هؤلاء النواب الذين يرون هذا كله فلا ينكرونه على الوزارة، ولا يجرؤون على إسقاط هذه الوزارة، فضلًا عن أخذ جماعة من أشخاصها بحكم القانون!
    إلى مثل هذه الأشياء يجب أن تتجه شجاعة النواب، لا إلى الصحف وكتاب الصحف فمهما يكن من أمر الصحف فلن تسئ إلى العدل في مصر بمقدار ما أساءت الوزارة، ولن تشين كرامة مصر بمقدار ما شانتها الوزارة، ولن تثير حفائظ الناس بقدر ما أثارتها تصرفات الوزارة.
    ولكن النواب سيستأسدون دائمًا على الصحف، وسيرفقون دائمًا بالوزارة، وسيستعدون وزير الداخلية ووزير الحقانية والنيابة العامة على الصحف، وسيكفون دائمًا عن أن يستعدوا أنفسهم على الوزارة، لأن قضاء الله قد جرى بأن تمتحن مصر، ويجرب صبرها واحتمالها، وسيثبت قضاء الله أن مصر صابرة على الأذى، محتملة للمكروه، محتفظة على ذلك بإبائها وحرصها على الحرية.
    نعم سيثبت قضاء الله أن الامتحان كان عسيرًا طويلًا، وأن مصر قد نجحت فيه.
    كوكب الشرق ١٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • العبء غير المتكافئ | The Uneven Burden: Privilege, Rest, and Injustice

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

    ذكرى

    رئيس الوزراء ووزير المالية يستشفيان في أوربا ويستريحان. ووكيل المالية يتروض في أوربا ويشهد المؤتمر الاقتصادي، ووزير المعارف يتأهب لرحلة إلى أوربا كرحلة العام الماضي، فيها راحة بعد أن تعب في تشييد بناء التعليم. وفيها اجتناء لثمرة هذا التعب من أوسمة وألقاب. وكيل المعارف قد سبقه إلى إنجلترا ليستريح وسكرتير المعارف سيذهب إلى لبنان بعد أيام ليستريح. وأحد وكيلي الداخلية سيسافر إلى أوربا ليستريح، والوكيل الآخر سيعمل في الإسكندرية وإن كان قرار الوزراء يقضي بأن يبقى وكلاء الوزراء في وزاراتهم من حين إلى حين، ولكن وكيل الداخلية قد تفضل على الدولة بأن يعمل أثناء غيبة صاحبه فلا بد من أن يجمع بين العمل والاصطياف على حساب الدولة، لأنه هو أيضًا في حاجة إلى أن يستريح. ومدير الأمن العام قد ذهب إلى رودس ليستريح، ووكيل الأمن العام قد طلب إجازة، وأذن له فيها وزير الداخلية ليستريح. ومدير المطبوعات سافر إلى قسطنطينية ليستريح. ووكيل المطبوعات قد أذن له هو أيضًا في إجازة ليستريح. وهؤلاء الوزراء جميعًا يصطافون في الإسكندرية على حساب الدولة ليستريحوا أثناء العمل. وأمر الوزارات الأخرى كأمر هذه الوزارات الثلاث التي أشرنا إليها آنفًا إن لم يكن رجالها أشد حاجة إلى الراحة وأعظم حظًا من الإجازات. وأمر المصالح كأمر الوزارات، رؤساؤها ووكلاؤها وموظفوها في حاجة إلى الراحة ولهم الحق كل الحق أن يطلبوا الإجازات وعلى الحكومة أن تستجيب لهم وتمتعهم من هذه الإجازات بما يريدون. وللحكومة إن شاءت وكانت ظريفة خفيفة الروح، حريصة على أن تصطنع المجاملة وحسن المعاملة أن تنتهز فرصة هذه الإجازات لتكلف بعض الموظفين الأكفاء القيام ببعض المهمات في أقطار أوربا، وتدفع بإزاء هذا التكليف نفقات السفر والإقامة أو نفقات السفر دون الإقامة أو ما شئت من مقدار ضخم أو نحيف يعين على السفر والإقامة.

    وخلاصة هذا كله وما يشبهه مما نعلمه ونسكت عنه، ونجهله ولا نشير إليه، أن في مصر ظاهرتين خليقتين بالتفكير والتقدير، خليقتين بأن يكثر فيهما الحديث، وتذاع فيهما دعوة لمصر لا تشبهها دعوة، وإعلان عن مصر لا يقاربه إعلان. فأما الظاهرة الأولى فهي أن أمور مصر مستقرة كأحسن ما تستقر الأمور في حكومة، وتدبر أمورها بغير مدير، وتسير أعمالها بغير مسير. فهي إذن بصورة المثل الأعلى للبلاد التي تتخذ الحكومة زينة وترفًا وفضلاً عن لهو الحياة حتى لا يقال إنها دون غيرها من البلاد.

    وآية ذلك أن هذا العدد الضخم من الوزراء والوكلاء ومن الرؤساء والمديرين، ومن أعمدة الدولة وأساطينها قد سافر أو قد يسافر، واستراح أو قد يستريح واصطاف أو قد يصطاف، وأن الإدارات والمصالح لا تزال في طريقها إلى أمام تسير سيرًا مستقيمًا، لا عوج فيه. فلو قد كانت مصر بلدًا مضطربًا أو كالمضطرب، ولو قد كانت مصر في حاجة ملحة وضرورة ماسة إلى هؤلاء العمد والأساطين لم يستطيعوا أن يستريحوا ولا أن يطلبوا الراحة أو يفكروا فيها. وأنا زعيم لك بأنك لن تجد في أي بلد من بلاد الأرض عددًا كهذا العدد الضخم من الموظفين يستريح أو يتهيأ للراحة ويسافر أو يتأهب للسفر. وأنا أعلم أن بعض المكرة الذين لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب سيقولون: وما يدريك؟ لعل أمور الدولة تضطرب أشد الاضطراب وتفسد أعظم الفساد لتخلي هؤلاء السادة عن مناصبهم أوقات طوالًا أو قصارًا، ولكن أحدًا لا يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، والناس يعلمون ذلك ولا يشعرون به. سيقول فريق من الناس هذا أو شيئًا يشبهه، ولكنهم مسرفون فلا ينبغي أن تسمع لهم، ولا أن تقف عندما يقولون، لأن وزراءنا ووكلاءنا ورؤساءنا أحرص على مصالح الدولة وأرفق بمنافع الناس من أن يتورطوا في هذا العبث أو أن يهملوا حياتنا العامة هذا الإهمال. ولهم ضمائر حية وقلوب ذكية، وحرص على الأمانة شديد. فلولا أنهم يعلمون حق العلم أن سفينة الدولة تستطيع أن تجري هادئة مطمئنة من دونهم لما تركوها ولم يأذنوا لأنفسهم بهذه الراحة التي هم في حاجة إليها من غير شك.

    هذه إحدى الظاهرتين. فأما الظاهرة الثانية فهي أن مصر غنية مثرية توشك أن تصيبها التخمة لكثرة ما عندها من الغنى والثراء. وآية ذلك أنها تحتمل كل هذه الإجازات وتؤجر كل هؤلاء الموظفين الذين تستطيع أن تستغني عنهم أشهر الصيف، وتنفق على جماعة منهم يصطافون في الإسكندرية وعلى جماعة آخرين يتنزهون في أوربا. فلو كانت فقيرة أو متوسطة الحال كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا لاقتصرت في ذلك بعض الاقتصاد فاستغنت عن بعض هؤلاء الموظفين الذين لا تحتاج إليهم في الصيف لأنها من غير شك لا تحتاج إليهم في الشتاء، ولأبت على بعضهم الآخر أن يصطافوا على حسابها. لأنها هي لا تصطاف. ولأبت على فريق آخر أن يستمتع بحياة أوربا على حسابها لأنها لا تستمتع إلا بالبؤس والشقاء. وفي هذا القيظ الذي يميط النفوس ويصهر الجلود، ولكن مصر غنية مثرية فلها أن تنفق عن سعة وتبدد في غير حساب، وتمتع أغنياءها على حساب فقرائها وسادتها على حساب سوقتها. ومصر حرة تستطيع أن تصنع في أموالها ما تشاء، تستطيع أن تلقيها من النوافذ وترسلها مع الرياح، وليس لأحد أن يسألها في ذلك ولا أن يحاسبها عليه. وقد شاءت فهي تنفق باليمين وبالشمال، وهي تمتع الوزراء وأشباه الوزراء بألوان النعيم. فمن أعجبه هذا فذاك، ومن لم يعجبه هذا فليشرب ماء النيل إذا لم تسمح له الظروف بأن يشرب ماء البحر.

    فأنت توافقني على أن من مصلحة مصر أن يكثر الحديث في أمر هاتين الظاهرتين ليعلم الناس جميعًا أننا سعداء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا نعرف البؤس ولا الفقر، ولا الشقاء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا يجد الخوف إلى نفوسنا سبيلًا، وليس بين قلوبنا زبائن الإشفاق من غد أو الاستعداد لغد سبب ما. ومالنا وللتفكير في غد وأمورنا ميسرة والحمد لله، وسادتنا أعلم منا بمنافعنا وأقدر منا على حمايتنا من النوائب والأحداث. وهم راضون فيجب أن نرضى، وهم مطمئنون فيجب أن نطمئن، وهم مبتسمون فيجب ألا يفارق ثغورنا الابتسام.

    وتسألني عن هاتين الظاهرتين: ما مصدرهما؟ ولم امتازت مصر من بلاد الله جميعًا فسعدت والعالم شقي، وأثرت والعالم فقير؟ واطمأنت والعالم مضطرب؟ وابتهجت والعالم محزون؟

    والجواب على هذا السؤال يسير، لا يحتاج إلى مراجعة التاريخ ولا إلى استشارة الاقتصاد، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن نذكر اليوم الذي نحن فيه، فهو اليوم الذي أغار الإنجليز فيه على مدينة الإسكندرية ودخل الإنجليز من بعده في مصر.

    هذا اليوم الذي مضى عليه نصف قرن أو أكثر من ذلك قليلًا هو مصدر سعادتنا التي نمتاز بها الآن من بلاد الأرض كلها. كنا بائسين فذقنا الغنى منذ ذلك اليوم. وكانت أمورنا كلها إلى غيرنا فأصبحت أمورنا كلها إلينا، منذ ذلك اليوم. ولم يكن لنا وزراء ولا وكلاء ولا موظفون يستطيعون أن يستريحوا ويسرفوا في الراحة، أو يصطافوا على حسابنا أو يتنزهوا في أوربا على حسابنا لأننا في تلك الأيام لم يكن لنا حساب. أما منذ الاحتلال فقد غنينا وأثرينا واكتظت المصارف بأموالنا، فمن حقنا أن ننفق منها في غير تقدير كما نشاء وعلى من نشاء.

    ألست ترى معي أن الحكومة موفقة كل التوفيق إلى الصواب حين تأبى على الناس أن يحتجوا على ضرب الإسكندرية أو يحزنوا لذكرى الاحتلال. إنما تنشأ الحكومات بين الناس لتعلمهم الوفاء والاعتراف بالجميل ولتزجرهم عن العقوق وكفر النعمة. والمصريون في هذه الأيام عاقون جاحدون، ينكرون فضل الإنجليز عليهم، ويحزنون لمقام الإنجليز فيهم، فيجب أن تؤدبهم الحكومة فتحسن تأديبهم، وتأخذهم بأن يصطنعوا شيئًا من الحياء فيكتموا عقوقهم إذا لم يكن بد من العقوق ويضمروا جحودهم إذ لم يكن بد من الجحود، ويحزنوا فيما بينهم وبين أنفسهم إذ لم يكن بد من الحزن. فليس يليق بمصر أن يقول الناس عنها إنها حزينة كئيبة في هذا اليوم الذي كان يجب أن تظهر فيه الفرح والمرح والابتهاج.

    أما أنا فقد أردت أن أكون كغيري من الكتاب الذين كتبوا في ذكرى هذا اليوم، فوعظوا وأحسنوا العظة، وصوروا وأجادوا التصوير، ولكني لم أجد عظة أبلغ ولا عبرة أوقع في النفوس ولا تصويرًا أدق لآثار الاحتلال في نفوس المصريين وقلوبهم في حياتهم العامة والخاصة، وفي منافعهم ومرافقهم وفي عزتهم وكرامتهم، وفي آمالهم ومثلهم العليا من هذه الصورة التي نحن فيها الآن في ظل هذا العهد السعيد. فهذا العهد السعيد أثر من آثار الاحتلال وصورة من أصدق صوره، ومرآة تمثله كما هو بما فيه مما نحب وما لا نحب، ومما نرضى وما لا نرضى. فمن كان يعجبه هذا العهد فليعجبه الاحتلال ويتمنى بقاءه. ومن كان يؤذيه هذا العهد في نفسه وكرامته وعزته ومنافعه فليؤذه الاحتلال، ويتمنى على الله أن يجلو غمرته، ويزيل كربته، وليعمل ما استطاع ليخلص من أذاه المتصل وشره المقيم.

    كوكب الشرق ١١-٧-١٩٣٣

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

    من لغو الصيف إلى جد الشتاء

    كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجدَّ أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف؟ وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين؛ غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة، ولا تذكر الموسيقى والغناء؛ فمَن للموسيقيين أو المغنين بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة والأيدي؟ جو ثقيل يستتبع فتوراً ثقيلاً، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض؛ فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير حتى يسرعوا إليه، ويلقوا بأنفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئاً جامداً خامداً لا حركة فيه ولا حياة، إلا هذه اليقظة الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلمّ بهم من حين إلى حين؛ حين يثقل عليهم الحر، ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالإفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى الغرق فيه.
    ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة، ويقبل الليل متثائباً، يبعث في الجو أنفاساً حارة كأنها أنفاس العاشق الولهان المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه ناراً مضطرمة قوية اللظى؛ فلا تكاد أطراف هذا الليل الكسلان تمسّ الأرض حتى تبعث في الناس نشاطاً كسِلاً يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكاناً نضراً لعلهم يجدون فيه فضلاً من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئاً من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة والهدوء. هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم، فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن يعتدل، ولعل الجو أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض هذا اللظى الذي يجدونه في نفوسهم وفي أجسامهم فتنطلق الألسنة من عقلها بعض الشيء، وتستطيع النفوس أن تحرك أجنحتها قليلاً وأن تصعِّد في الجو بعض التصعيد، ويستطيع المرح الهادئ أن يبعث في القلوب شيئاً من الراحة والابتهاج. ثم يتقدم الليل ويذكر الناس أن الصبح سيشرق بعد حين ومعه الأعمال والأثقال، والتكاليف والحر والضيق، وإذا هم مضطرون إلى أن يعودوا إلى بيوتهم ويسعوا إلى مضاجعهم كارهين.
    كذلك نقضي الصيف في بلادنا إن لم نكن من المترفين الذين لا يكادون يحسون الصيف حتى ليعبروا البحر إلى حيث يحيون حياة أخرى، أو لا يكادون يحسبون الصيف حتى يسرعوا إلى ساحل البحر، فيحيون حياة خير منها ما نحن فيه من كسل وفتور، ومن تقصير وقصور؛ فلغو الصيف شيء طبيعي ملائم أشد الملاءمة لحياة الصيف.
    أما الشتاء فشيء آخر كله فرح ومرح، وكله حركة ونشاط، وكله حياة خصبة عذبة منتجة؛ تجد فيه النفوس أقصى لذاتها، وتجد فيه الأجسام أقصى قدرتها على الاستمتاع. أكل كثير، وشرب كثير، واضطراب في الأرض كثير، وإقبال على العمل، ونسيان للكسل، وحياة مملوءة إلى حافتها تفيض أو تكاد تفيض بما يفعمها من الآمال والأعمال. ثم ضيق بالحياة؛ لأن الحياة تضيق بما نريد، وتعجز عن أن تسع كل ما تسعه آمالنا ورغباتنا وشهواتنا، وقد كدت أنسى واجباتنا. وهل للواجبات مكان في حياة الشتاء هذه التي يفعمها الجنون؟ مسكينة هذه الواجبات! يطاردها فتور الصيف ويطاردها نشاط الشتاء فحظها من عنايتنا قليل دائماً.
    ولعمري إنّا لمعذورون؛ أما عذرنا في الصيف فلا يقبل جدالاً ولا مراء، ومَن ذا الذي يستطيع أن يكلف الناس أن يعملوا وهم عاجزون عن العمل، أو يكدّوا وهم مصروفون عن الكد؟ والله ﷿ لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحمل الناس ما لا طاقة لهم به. وأما في الشتاء فعذرنا أبلغ منه في الصيف؛ وكيف تريدنا على أن نفرغ للعمل، ونخلص للإنتاج، ونؤدي واجباتنا مشغوفين بها، مقبلين عليها، وحولنا من المغريات ما لا تقاومه إلا نفس سقراط أو أشباه سقراط؟ ومن يدري لعل سقراط لو عاش في أيامنا، واضطرب في بيئتنا، لكان رجلاً مثلنا تصرفه المغريات عن أن يعرف نفسه بنفسه، وعن أن يولّد نفوس محاوريه ويخرج منها كل ما احتوت من حقائق العلم والحكمة، وفنون المعرفة وألوان الخير.
    وقد زعموا أن امرأة سقراط كانت مسلطة عليه، وأنه كان يخافها خوفاً شديداً، ويشفق منها إشفاقاً لا حد له؛ فلو عاشت امرأة سقراط في مدينة القاهرة وفي القرن العشرين لاتخذت لها يوماً في كل أسبوع تستقبل فيه الزائرين والزائرات، فلا تكاد تطلع الشمس حتى تهيئ وتضطر زوجها إلى أن يهيئ معها غرف البيت لاستقبال الزائرين والزائرات، وحتى تسعى وتضطر زوجها إلى أن يسعى معها إلى حيث تشتري ألوان الحلوى وفنون الزهر وصنوف الفاكهة. حتى إذا تقدم النهار ودنت الساعة ٤ قامت واضطرت زوجها إلى أن يقوم معها لاستقبال الأصدقاء وغير الأصدقاء من هؤلاء الذين يغشون غرف الاستقبال لأنهم يَكْلَفُونَ بغشيانها، أو لأنهم يكرهون غشيانها؛ تكرههم عليه امرأة سقراط وأمثالها. لأن امرأة سقراط لا تغفر لفلان وفلان من العلماء والأدباء وأصحاب الفن أن يهملوها، أو ينصرفوا عن غرفة استقبالها، وهي تصرّ أشد الإصرار على أن يظهروا في بيتها مرة في كل أسبوع حتى لا تقول صديقاتها أن غرفتها ليست حافلة بأعلام الفن وأفذاذ الأدب، ورجال المال والأعمال.
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ زوجها من الاستقبال وما فيه من حديث مختلف مؤتلف، معوج مستقيم، واضح غامض، خصب جدب، خطر بريء، فلم تنتهِ امرأة سقراط ولم ينتهِ سقراط من كل شيء، وإنما ابتدأ شيئاً لا سبيل إلى أن ينتهي؛ فهؤلاء الزائرون والزائرات لا بد أن تُرَدّ لهم الزيارات، لأنهم كسقراط وامرأة سقراط مضطرون إلى أن يستقبلوا كما كانوا مضطرين إلى أن يزوروا. وكذلك تقضي امرأة سقراط ويقضي معها سقراط مساء كل يوم متنقلين من دار إلى دار، ومن غرفة استقبال، يقولان كلاماً ويسمعان كلاماً، يصدِّقان ويكذِبان. وويل لسقراط إن أدركه الكسل أو أصابه الملل أو شغلته الفلسفة أو صرفه عن زيارة من هذه الزيارات حوار مهما تكن قيمته ومهما يكن المحاورون؛ فأفلاطون وكسنوفون، وفيدون، وفيدر، كل هؤلاء يستطيعون أن يلقوه في داره يوم استقباله، أو في دار من هذه الدور التي تستقبل من الساعة الرابعة والثامنة من كل يوم. وإذا لم يكن بد من الحوار في الطبيعة أو في أي شيء من هذه الأشياء التي تنجم من الأرض أو تهبط من السماء، فليدبّر لهم سقراط وقتاً من هذه الأوقات التي يمكن فيها اللقاء دون أن تصرفه عن واجباته الاجتماعية وتعرّضه للغضب؛ وأي غضب؟ غضب السيدات!
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها سقراط من الاستقبال والزيارة وأقبل الليل، فالويل كل الويل للفيلسوف العظيم إن دعته نفسه إلى أن يعرفها، أو يحقق ما كان مكتوباً على معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك). وأين يجد سقراط الوقت الذي يخلو فيه إلى نفسه إذا جنه الليل؟ فالليل لا يلقي على الأرض أستاره المظلمة ليأوي الناس إلى بيوتهم بل ليخرجوا منها. وكيف تريد أن يأوي سقراط إلى بيته أو يخلو سقراط إلى نفسه، وهذه الأوبرا قد فتحت أبوابها ومدت أسبابها، وأقبل عليها الممثلون والمغنون يعرضون بدائع التمثيل وآيات الغناء؟
    وهذه دور السينما تعرض في كل يوم جديداً، وهذه قاعة (يورت) يوقع فيها فلان، وقاعة (الليسيه) يوقع فيها فلان؛ وقد يجمع سقراط شجاعته كلها ويقول بقلب متردد ولسان متلعثم إنه لا يحب ما يُمثّل الليلة، أو ما يوقّع، أو ما يُغنّى، وأنه يؤثر الراحة أو الانقطاع لبعض العمل، ولكن ويل لسقراط من هذه المقالة! فمَن زعم له أنه سيشهد التمثيل أو يسمع الغناء لأنه يحب أو لا يحب، ولأنه متعب أو مستريح؟ إنما يشهد التمثيل ويسمع الغناء ويختلف إلى دور السينما لأن الناس يجب أن يروه في هذه المشاهد كلها، وإلا فليس هو من أهل القاهرة، ولا من ذوي المكانة فيها.
    وقد تظن أن سقراط حين يذهب إلى الملعب أو إلى دار من دور السينما أو إلى قاعة من قاعات الغناء يستطيع أن يفرغ للفن أو يستمتع به، فاطرد عن نفسك هذا الظن، واذكر أن هناك (الانتراكت) ومقابلات الانتراكت، وأحاديث النظارة والمستمعين عما رأوا وما سمعوا. ويا لها من أحاديث تبغض الفن إلى أحب الناس للفن! يجب أن يكون لكل واحد من هؤلاء النظارة والمستمعين رأي يراه، وكلمة يقولها فيما رأى وما سمع، وقد يكون هذا الرأي سخفاً، وقد تكون هذه الكلمة جهلاً، وهما كذلك في أكثر الأوقات، ولكن سقراط مضطر إلى أن يسمعهما ويقرهما، أو يجادل فيهما مجادلة المقر الذي لا ينكر. وهناك ما هو أثقل من ذلك، فيجب أن يكون لسقراط رأي يقوله وكلمة يقولها وإن لم يرَ شيئاً، وإن لم يرد أن يقول شيئاً؛ ذلك أنه إذا لم يقل كلمته اتُّهم بالجهل، أو وُصف بالكبرياء، وكلاهما لا يليق بالحيوان الاجتماعي الذي ذكره أرسططاليس في كتاب السياسة، والذي يتألف منه ومن أمثاله سكان مدينة القاهرة، كما يتألف منه ومن أمثاله سكان باريس.
    حتى إذا تقدم الليل عاد سقراط إلى بيته متعباً مكدوداً فأوى إلى مضجعه ولم يلبث أن يأسره النوم. ولعلك تظن أن تكاليف سقراط تقف عند هذا الحد، فما أشد إغراقك في الوهم! وأين أنت من المحاضرات؟ وما أدراك ما المحاضرات؟ محاضرات الجمعية الجغرافية، وأخرى في الجمعية الاقتصادية، وأخرى في قاعة يورت التذكارية، وأخرى عند جروبي، وأخرى في الكونتننتال. ولا بد لأسرة سقراط من أن تشهد هذه المحاضرات لتكون ظريفة متلطفة، مجاملة للمحاضرين والمحاضرات، ثم لتظهر أيضاً، أو لتظهر قبل كل شيء.
    المحاضرون قوم قساة لا يحفلون بالناس ولا يحفلون بأنفسهم، وإنما يحفلون بالمحاضرات؛ فهم يحاضرون في غير رفق، وهم يحاضرون في غير حساب، وهم يتنافسون في المحاضرات وقيمتها وحظها من الجودة، بل في عدد المحاضرات وعدد المستمعين، والإعلان في الصحف. وقد تسوء الحال فيلقي محاضران محاضرتيهما في وقت واحد وفي مكانين مختلفين طبعاً، ويومئذ يضطر سقراط إلى أن يشهد إحداهما، وتضطر امرأته إلى أن تشهد الأخرى؛ فلا بد من ظهور أسرة سقراط في المحاضرتين جميعاً، فإذا انتهى كل من المحاضرين تقدم إليه نصف الأسرة فهنأه وحياه واعتذر له عن النصف الآخر لأنه مشغول بمحاضرة فلان.
    يا لهذا الفصل: فصل الشتاء! إنه يشغل الوقت، ويصرف الناس حتى عن الحياة. وقد تعطف الظروف على سقراط وتؤثره الأيام بخير ما عندها من اللذات والمتاع، وإذا هو مضطر إلى أن يستمتع رغم أنفه بتناول الشاي عند فلان، ثم بالاستماع لمحاضرة يلقيها فلان في الساعة ٦، وأخرى يلقيها فلان في الساعة ٧، ثم يخطف عشاءه خطفاً، ويلقي ملابس النهار ويتخذ ملابس الليل ليسرع إلى الأوبرا. ويل لسقراط إن لم يكن من أصحاب السيارات! وويل للسيارة وسائقها إن كانت لسقراط سيارة من هذه الأيام العذاب الكذاب أيام الشتاء!
    ثم حدثني بعد ذلك كيف يستطيع سقراط أن يفرغ لفلسفته ومعرفة نفسه وحوار تلاميذه إذا كان الصباح؟ وأين له القوة التي تمكنه من أن يفلسف أو يفتش عن نفسه أو يحاور أصدقاءه بعد هذا الجهد العنيف الذي أنفقه أو الذي احتمله منذ أقبل المساء إلى أن انقضى الليل أو كاد ينقضي؟ ومع ذلك فلا بد لسقراط من أن يُعنى بفلسفته، ويبحث عن نفسه، ويحاور أصدقاءه؛ لأنه بذلك يعيش، ولذلك يعيش، ومِن أجل ذلك يعيش.
    أرأيت أن سقراط لم تظلمه الأيام حين جعلت حياته في القرن ٥ قبل المسيح؛ في ذلك الوقت الذي لم تنشأ فيه الصالونات، ولم تكثر فيه المحاضرات، ولم تتعدد فيه ملاعب التمثيل وقاعات الغناء، ولم تظهر فيه دور السينما؟ لقد كان سقراط سعيداً حقاً؛ كان يشهد التمثيل أياماً في العام، مرة في الربيع حين يكون فصل التراجيديا، ومرة في الخريف حين يكون فصل الكوميديا. وكان يختلف إلى بعض الدور: إلى دار بيركليس مثلاً ليسمع بعض السفسطائية، وليحاور أو ليستمتع بجوار هذه المرأة الجميلة زوج بيركليس. وكان ينفق ما تبقى من وقته – وهو أكثره من غير شك – متنقلاً بفلسفته في شوارع أثينا، أو باحثاً عن نفسه في حمام أثينا وملاعب الرياضة فيها. وأنا واثق بأن سقراط لو خُيّر بين حياتنا الحلوة العذبة، وبين سجنه الثقيل وما تناول فيه من السم لآثر السجن والسم على هذه اللذات الطوال الثقال التي نتحملها نحن في فصل الشتاء.
    أرأيت أن الصيف هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وأن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا الجد، ولا يمكن فيه إلا الجد؟ ولعلك تظن أن ما حدثتك به هو كل ما في الشتاء من جد، فَذُد عن نفسك هذا الوهم؛ ففي الشتاء جد آخر مر كله لا حلاوة فيه، فأنت توافقني على أن الزيارة والاستقبال، والاختلاف إلى المحاضرات، وشهود التمثيل والاستماع للمغنين والموقعين، كل ذلك يحتاج إلى نفقات، فثياب الشاي غير ثياب التمثيل.
    ولكن ماذا أريد أن أقول؟ ومالي أدخل بك في هذا الحديث الذي لا فكاهة فيه ولا متاع؟ أهذا كل ما يحمل إلينا الشتاء من الجد؟ كلا، ففي الشتاء جد آخر، جد خصب حقاً، جد نافع حقاً، جد نعيش منه ونلهو به، ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونة وشظف وحرمان، هو جد هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد.
    وفي الشتاء جد آخر؛ جد يمزق القلوب، ويعذب النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة واللين، ويذكرون حين يلهون أن في الأرض قوماً آخرين يعذبهم الجوع، ويلحّ عليهم البرد، فيقضون ليالي خير منها ظلمة القبور. في الشتاء هذا الجو المظلم القاتم، المرهق المحرق الذي تصوره أجمل تصوير وأبلغه تلك الأغنية المشهورة، أغنية الإحسان، التي ما استطعتُ أن أستقبل الشتاء منذ عرفتها دون أن أسمعها مرة ومرة:
    “هذا الشتاء يقبل، ومعه حاشيته الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيراً في الشتاء، إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد لشديد في دورهم المقفرة!”.
    الرسالة ١٨ – ١٢ – ١٩٣٣

  • إهمال وزارة المعارف المزمن | The Ministry of Education’s Chronic Mismanagement

    حديث اليوم
    سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.

    حديث الوادي
    عبث…

    تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.

    ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.

    ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.

    كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.

    هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.

    وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟

    ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».

    فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.

    وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.

    نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.

    وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟

    ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.

    ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟

    إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.

    ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥.

    حديث الوادي
    عيسويات…
    نوم

    نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

    النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.

    وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.

    ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

    ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

    فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

    ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.

    ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

    فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.

    طه حسين
    جريدة الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥.

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

  • مراقبة لندن | Watching London: The Long Anglo-Egyptian Standoff

    دائرة
    حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
    والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
    ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
    والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
    والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
    فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
    فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
    فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
    والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
    وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
    لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
    وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
    ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
    فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
    كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣

    الحديث المعاد…
    بقلم الدكتور طه حسين
    إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
    أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
    فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
    إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
    وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
    طه حسين
    الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣

    تبعة
    زعموا أن المقاومة في مصر للسلطان الأجنبي قد أصابها الضعف، ومشى فيها الفتور، ودبّ إليها نوع من الخمود حال بينها وبين أن تُنتج في تحقيق الآمال القومية ما كان يُنتظر منها، فلم تتقدم مصر في سبيل استقلالها كثيرًا منذ كانت الحركة الوطنية سنة ١٩١٩، بل ما زالت الامتيازات قائمة لا تستطيع مصر أن تلغيها إلا أن تتولى إنجلترا رعاية المصالح الأجنبية، وإلغاء الامتيازات بنفسها، لأن مصر أعجز من أن تثبت لأوربا وللإنجليز، وأقصر باعًا من أن تقدم على إلغاء الامتيازات بنفسها كما فعل الفرس والترك … !
    وقد أخذ بعض أصدقائنا يعلل ضعف المقاومة هذا، ويرده إلى مصادره، ويبحث عن الذين يحتملون تبعته، فاهتدى إلى العلة الصحيحة لهذا الضعف، ووضع يده على الداء الذي كان يجب أن يُستأصل منذ ظهرت أعراضه، والذي أصبح استئصاله الآن ضرورة وطنية لا مندوحة عنها، إذا كان قادة الرأي في هذا البلد — كما نعتقد — لا يزالون يؤمنون بأن الاستقلال حق لمصر، وبأن الواجب عليهم أن ينتهوا بها إليه.
    وهذا الداء الذي انتهى إليه صديقنا، ووضع يده عليه، هو تشعب الأحزاب في غير داعٍ إلى تشعب الأحزاب. فالمصريون جميعًا يطلبون الاستقلال، ويسعون إليه ويلحّون فيه، ويتمنون لو أُتيحت لهم الفرص التي تمكنهم من تحقيقه، بل من التضحية الكبرى في سبيل تحقيقه. وقد أقاموا على ذلك أدلة واضحة لا تقبل الشك يوم نهضوا سنة ١٩١٩ يطالبون بالاستقلال ويثورون، بالحماية حتى ألغوها.
    المصريون جميعًا إذن يطالبون بالاستقلال ويلحّون فيه، لا تختلف أحزابهم في ذلك، ولم ينشأ من أسباب الخلاف ما يدعو إلى أن تتشعب الأحزاب وتفترق، وإنما هي — كما يقول صديقنا — الأهواء والأمزجة والمنافع تُنشئ الأحزاب وتنقل الأشخاص فيما بينها. وليس في ذلك شك ولا ريب، فالحكم وحده هو الذي أنشأ الأحزاب في مصر بعد أن كانت كلمة المصريين مجتمعة على المطالبة بالاستقلال والإلحاح فيه والتضحية في سبيله.
    وتستطيع أن تتبع تاريخ الأحزاب التي أُنشئت في مصر بعد أن تألف الوفد للمطالبة بالاستقلال وأيدته الأمة المصرية كلها، لم يشذّ منها شاذ، ولم يخرج عليها خارج، فسترى أن الأمل في الوصول إلى الحكم، والسيطرة على الأمور، وتحقيق المنافع لبعض الجماعات وبعض الأفراد، هو الذي ألّف هذه الأحزاب واحدًا إثر واحد، وهو الذي جعل في مصر هيئات سياسية مختلفة تحترب فيما بينها، وتقتتل، ويسيء بعضها إلى بعض، ويُغري بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، وهي كلها تسعى إلى تحقيق غرض واحد، هو الاستقلال.
    وهذه الأحزاب وإن تشعبت ليست كثيرة، وليس تاريخها بعيدًا يحتاج إلى الجهد والتعب في درسه وتحقيقه. فأنت تستطيع أن تحصي ما نشأ منها بعد الحركة الوطنية، وتستقصي الأسباب التي دعت إلى نشوئه، وتستقصي كذلك الأسباب التي دعت إلى تطوره، وتستقصي كذلك الأسباب التي دفعته حينًا إلى الشمال حتى اتصل بالوفد وكاد يندمج فيه، ودفعته حينًا إلى اليمين حتى انفصل عن الوفد ونصب له الحرب. تستطيع أن تستقصي هذا كله، فلن تحتاج إلى مشقة ولا إلى جهد لتنتهي بهذا الاستقصاء إلى شيء واحد، هو أن الطموح إلى الحكم قد أنشأ الأحزاب، وأن الطموح إلى الحكم قد ترجّح بالأحزاب فمال بها إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى.
    ومادام الأمر كذلك فلابد للأشخاص أن يتنقلوا بين الأحزاب: منهم من تغريه المنفعة فيميل من شمال إلى يمين، ومنهم من يضيق صدره بالمداورات والمناورات، وتقديم المنافع الخاصة على المنافع العامة، واتخاذ الشعب وسيلة إلى الحكم حين يجب أن يُتخذ الحكم وسيلة إلى تحرير الشعب، فيميل من يمين إلى شمال.
    نعم، سبب واحد أنشأ الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد دعا إلى تطور الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد رغب في الائتلاف ورغب عن الائتلاف هو الحكم. فما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعاود تاريخها الحديث في وقت واحد متذكرة، فإن الذكرى تنفع أحيانًا. وما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعود إلى الفكرة الصالحة التي يجب أن تقوم عليها الأحزاب، وهي أن الحكم وسيلة لا غاية، وأن سعادة الشعب غاية لا وسيلة، وأن جهود الأفراد والجماعات يجب أن تخلص لتحرير الشعب إن كان مستذلًا، وتعليم الشعب إن كان جاهلًا، وإغناء الشعب إن كان فقيرًا. وإن من الإثم أن يُتخذ خداع الشعب وتضليله وسيلة إلى الاستمتاع بالحكم، والاستئثار بالثروة والجاه والسلطان.
    لقد لاحظ صديقنا الذي استكشف هذا الداء، ووضع يده عليه، أن الإنجليز اضطروا أن يقمعوا الحركة الوطنية بقوتهم الإنجليزية بعد أن نشأ الوفد، وقبل أن تنشأ الأحزاب. فلما نشأت الأحزاب استغنى الإنجليز عن قوتهم، واستعانوا بالمصريين على إذلال المصريين، ووجدوا أحزابًا تصل إلى الحكم عن طريق الإنجليز، حتى إذا اطمأنت في المناصب سخّرت جنود الدولة وأموال الدولة لإضعاف المقاومة المصرية، والتمكين لسلطان الإنجليز، وهذا — مع الأسف الشديد — حق لا شك فيه.
    ولكن استكشاف الحق شيء، والانتفاع بهذا الاستكشاف شيء آخر. وإذا كان من الخير أن تعرف الداء، فإن من الواجب أن تحسمه وتُشفى منه المريض. وأي حسم لهذا الداء الذي استكشفه صديقنا ووضع يده عليه أحسن من أن تعود وحدة الأمة إلى ما كانت عليه قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تجتمع كلمة الأمة كما كانت مجتمعة قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تنحل هذه الأحزاب ويعود أفرادها إلى العمل للشعب ومع الشعب، لا فضل لأحد منهم على صاحبه إلا بالكفاية، وصدق الجهاد، وحسن البلاء في سبيل الاستقلال؟
    هذا هو الدواء بعد أن استُكشف الداء. ولكن الانتفاع بهذا الدواء، مع أنه واجب وطني، لا سبيل إليه فيما يظهر، لأن الإنجليز ما زالوا يلوّحون بالحكم، ولأن نفوسًا ما زالت تهفو إلى الحكم. وما دام الإنجليز يلوّحون، وما دامت النفوس تهفو وتصبو، فقد يكون انحلال الأحزاب مستحيلًا، بل قد يكون ائتلاف الأحزاب على ما يحقق المنفعة الوطنية الخالصة عسيرًا. وإذن فلابد من أن تمتحن الأمة في أبنائها كما تمتحن في حياتها كلها، ولابد من أن تنهض الأمة بجهادين: فتجاهد الإنجليز من جهة، وتجاهد أصدقاء الإنجليز من أبنائها من جهة أخرى.
    ولابد من أن تصبر للإنجليز حتى يعجزهم صبرها، ولابد من أن تحتمل المحنة في أبنائها حتى ينقطع أمل هؤلاء الأبناء في الحكم، أو تردّهم ضمائرهم الحية إلى الصفوف. وإذا كان هناك واجب يحسن أن تنهض به الشعوب في شجاعة وكرامة لتصل إلى الحياة الكريمة المستقلة، فهو ألا تخدع هذه الشعوب نفسها عن نفسها، ولا تتعمد الجهل بمواطن الضعف فيها. وإذن فالواجب على الشعب المصري إن كان يريد أن يعيش حرًّا كريمًا أن يعترف أمام نفسه بأن فيه موطنًا للضعف، هي هذه الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية، والتي تيامن حينًا، وتياسر حينًا آخر، وتأبى أن تسير في طريق مستقيمة، لأن الطريق المستقيمة طويلة شاقة، لا توصل إلى الحكم إلا بعد جهد ثقيل وعناء شديد.
    لتكن تبعة ذلك بعد هذا على من تكون؛ لتكن على المصريين، لتكن على الإنجليز، لتكن على فريق من المصريين دون فريق، فإن الذي يعني من هذا كله هو أن تعرف الأمة موضع الضعف فيها فتجدّ في حقها، وتشتد في المحافظة على وحدتها، وتوسع صدرها للذين يريدون أن يعودوا إلى هذه الوحدة، وتتنكر في رحمة وإشفاق للذين يأبون إلا أن يتخلفوا عن الصفوف.
    كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣

    بغي
    لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

    توفيق
    لا أعرف وزارة وفقت إلى إسخاط الشعب وإثارة الحفيظة والموجدة في نفسه كما وفقت وزارتنا القائمة. فأنت لا تكاد تنظر في ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا رأيت الشعب يسلك طريقًا، والوزارة تسلك طريقًا أخرى؛ هذا إلى اليمين، وهذه إلى الشمال، هذا إلى الشمال، وهذه إلى الغرب. كانت القاعدة الأساسية التي اتخذتها الوزارة أصلًا لحياتها وسيرتها إنما هي أن تضاد أعمال الشعب وميوله وأهواءه ومنافعه، وكأن الغرض الأساسي الذي وقفت الوزارة جهودها على تحقيقه والوصول إليه إنما هو إحراج الشعب وتسليط السخط والحنق عليه.
    وهذه الأيام التي نشهدها تقدم أوضح الأدلة وأجلاها على هذا التناقض الشنيع بين حياة الشعب وحياة الوزارة، وبين آمال الشعب وآمال الوزارة. ولسنا نذكر جوع الشعب وإسراف الوزارة، ولسنا نذكر تهالك الشعب على الحرية وكلف الوزارة بالبأس والبطش، ولسنا نذكر طموح الشعب إلى الاستقلال وإذعان الوزارة لسلطان الأجنبي؛ فقد كثر الحديث في ذلك وطال حتى لم تبقَ حاجة إلى تكراره ولا إلى تذكير الناس به، لأنه أصبح قوام حياتهم في جميع أوقاتهم. وإنما نذكر نشاط الشعب في هذه الأيام، ونشاط الوزارة؛ فإن في المقارنة بين هذين النوعين من النشاط عبرة وعظة. الشعب ثائر مضطرب، لما يلقى أبناؤه وبناته من كيد المبشرين وعبثهم بالدين وطغيانهم على الأخلاق والأعراض، فالشعب يسخط ويشكو، والشعب يلح في السخط ويغرق في الشكوى، والشعب لا يستريح ولا يريح الصحف كأنه يعتقد أن قد أصبح الأمر إلى الصحف، فهي قادرة على أن تجلي المبشرين عن مصر، وتغلق معاهدهم وملاجئهم، وترد عدوانهم على أبناء المسلمين وبناتهم، وتصد طغيانهم على الدين والأخلاق والأعراض.
    أما الوزارة فشديدة النشاط، مسرفة فيه، لا تكاد تقف منه عند حد. وقد استغرق نشاطها مدينة القاهرة، ومدينة الإسكندرية، ومدينة بورسعيد، وأقطار الدلتا كلها. فإذا سألت عن موضوع هذا النشاط فثق بأنه شيء آخر غير حماية الدين والأخلاق والأعراض. وإذا سألت عن الذين يوجه إليهم هذا النشاط فثق أنهم قوم آخرون غير المبشرين. فالوزارة لا تنشط لحماية الدين والأخلاق والأعراض، وإنما تنشط لحماية نفسها، وهي لا تحمي من شر تخافه أو خطر تخشاه، وإنما تحمي نفسها من أوهام تفزعها في اليقظة وتروعها في النوم. والوزارة لا توجه قواها الهائلة إلى المبشرين، وإنما توجهها إلى الشعب. نعم، إلى هذا الشعب الذي يستغيثها ويستعين بها وينتظر منها أن تحميه من عدوان الأجنبي. الوزارة شديدة النشاط في الإسكندرية لأن رئيس الوفد وصاحبه أقاما فيها أيامًا، ثم سافرا منها صباح اليوم، والوزارة تخاف من رئيس الوفد وصاحبه أينما كانا وحيثما أقاما، وإلى أي وجهة قصدا، وفي أي مكان نزلا. والوزارة تجند الجنود وتنشر البنود وتزلزل الأرض لتحول بين الناس وبين الاتصال برئيس الوفد وصاحبه. فأما المبشرون الذين يعتدون على الدين والأخلاق والأعراض في الإسكندرية فالوزارة عنهم في مشغل، ولم لا؟ أليس الدفاع عن النفس، حتى من الوهم والخيال، واجبًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء؟ فلتوجد الوزارة أولًا، ولتحم وجودها من الخطر، ثم لتفكر بعد ذلك في وجود الشعب وحمايته!!!
    والوزارة شديدة النشاط في بورسعيد، قد ملأت جنودها الشوارع، وأخذت على الناس كل طريق، لا لأن مبشرة أجنبية تكيد للدين والأخلاق والأعراض وتتحدى سلطان الدولة وتعطل أحكام القضاء، بل لأن الأستاذ النقراشي ذهب إلى هذه المدينة يستقبل عضوًا من أعضاء الوفد قادمًا من أوروبا.
    فالوزارة مشفقة من الأستاذ النقراشي وصاحبه، تخاف أن يتصل بهما الناس أو يلتفوا حولهما، ولم لا؟ أليس من الحق عليها أن تدافع عن وجودها أولًا، ثم تفكر بعد ذلك إن سمحت لها الظروف في حماية الدين والأخلاق والأعراض، وسلطان الدولة وأحكام القضاء؟
    أما الدلتا فنشاط الوزارة فيها لا حد له، قد أجلبت الوزارة عليها بخيلها ورجلها، ونشرت فيها شيئًا يشبه الأحكام العرفية؛ فالجند يحتلون المدن احتلالًا، وهم يقطعون الطرق فيها ومن حولها بما يبنون من عقبات، وما يقيمون من حواجز وحصون. وهم يحاصرون المحطات ويحيطون بالدور، والقطار المسلح مرابط فيما يقال بين محطة سعد زغلول، ورجال الإدارة لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار. لماذا؟ لا لأن المبشرين يكيدون للدين والأخلاق والأعراض، ولكن لأن رئيس الوفد وصاحبه سينزلان في طنطا وسيذهبان منها بالسيارة إلى حيث يزوران أم المصريين، ولعلهما أن يزورا في طريقهما بعض الوفديين.
    وإذن فحياة الوزارة في خطر، والدفاع عن الحياة أول الواجبات وأشدها لزومًا، فلتنفق الجهود، ولتحشد الجنود، ولتنشر البنود، ولتضطرب الأرض، وليقتنع الشعب بأن الوزارة القائمة حية قوية عظيمة الحظ من القوة والحياة!
    أما القاهرة فأمرها عجب منذ أيام؛ قد شهدت منذ يوم السبت ما نسيته منذ أشهر، فانتشر فيها الجند، وكثر فيها ذهابهم ومجيئهم، وظهرت فيها قوة الحكومة كأروع ما تكون وكأشد ما تكون مما عرفها الناس، وفتحت فيها أبواب السجون، وصرف فيها رجال الإدارة عن الراحة والاستمتاع بلذة العيش، كأنما نحن في أيام الانتخاب منذ عامين! فإذا سألت فيم هذا كله فالجواب يسير، وهو أن عمال ثورنيكروفت مصريون، وأن شركة ثورنيكروفت تريد أن تتبختر سياراتها في الشوارع، وأن الوزارة مضطرة لحماية هذه السيارات، وإذن فيجب أن تنفق جهودها كلها في مدينة القاهرة لتمكن هذه الشركة من أن ترسل سياراتها مختالة في الشوارع، ويجب أن يحصر هؤلاء العمال في بيوتهم، وأن يصرف عنهم ما قد يصل إليهم من إعانة المحسنين، لأن شبع هؤلاء العمال لا يخلو من خطر على هذه السيارات.
    وكذلك يريد الله أن يظهر التناقض بين حياة الشعب وحياة الوزارة في أشنع صوره وأبشع مظاهره: شعب يستغيث بالوزارة لتحمي دينه وأخلاقه وأعراضه من عدوان المبشرين، فإذا الوزارة تنصب له الحرب، وتغري به الجند، وتحظر عليه الاتصال بمن يحب. جماعة من الشعب يضربون فلا تحميهم الحكومة، ولكن تحمي الشركة منهم، وتسرف في هذه الحماية حتى تسخر الجند وتفتح السجون وتمنع الإعانة وتدع هؤلاء المضربين نهبًا للجوع.
    أفتظن أن من الممكن أن توفق وزارة من الوزارات إلى مثل ما وفقت له هذه الوزارة من إسخاط الشعب وإحراجه وإنارة الحفائظ والضغائن فيه؟ إن من المضحك المؤلم حقًا أن يستعين الشعب بالوزارة فإذا هي تعين عليه. إن من المضحك المؤلم حقًا أن يلوذ الشعب بالوزارة فإذا هي تبسط عليه يدها بالقهر والعسف. ولكن أي غرابة في ذلك، فإن مصالح هذا الشعب المصري لم توكل حمايتها إلى المستر «كين بويد»، وإنما وكلت إلى وزارة تريد قبل كل شيء أن تعيش. فإذا استوثقت من العيش واطمأنت إلى البقاء في مناصب الحكم فكرت بعد ذلك فيما يمكن أن تلهي به هذا الشعب من الأماني والوعود. وقد أثبتت الحوادث أن إرضاء الأجانب يطيل بقاء الوزارات ويمكن لها في الأرض، وأن إرضاء الشعب لا يقدم ولا يؤخر، فإذا لم توفق الوزارة إلى إرضاء هذا الشعب وموافقة آماله ومثله العليا فقد وفقت إلى ما هو خير من ذلك، وفقت إلى إرضاء الأجانب، وحسبك بإرضاء الأجانب وسيلة إلى طول البقاء.
    كوكب الشرق ١٩ – ٦ – ١٩٣٣

    قلق
    لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
    أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
    جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
    وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
    ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
    زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
    وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
    ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
    ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
    أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
    ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
    ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
    فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣

  • طقوس البرلمان الفارغة | Parliament’s Empty Rituals: Law and Institutions Without Meaning

    ضرورة
    يجب أن تكون قاسية ملحة. هذه الضرورة التي ألجأت الوزارة أمس إلى أن ترد مجلس النواب إلى أجمل عهود الاضطراب بعد أن كان قد ألف الهدوء والاستقرار منذ أيام. فقد يبحث الإنسان ويمعن في البحث، وقد يفكر الإنسان ويطيل التفكير ليلتمس تفسيرًا لموقف الوزراء أمس من رئيس مجلس النواب فلا يجد إلا شيئًا واحدًا، وهو أن ضرورة قاسية ملحة كانت تلزم الوزراء أن يخلصوا من هذا المشروع الذي طال الكلام فيه، وكان يريد فيما يظهر أن يستمر في الطول، وقد أمضى مجلس النواب للوزارة مشروعات إن لم تكن أعظم خطرًا وأبعد في حياته المالية أثرًا من مشروع بحيرة تانا، فليست أقل منه ولا أيسر شأنًا. أمضى لها مشروع جبل الأولياء، وهو يكلفنا الملايين وأعرض لها عن رأي وكيل المالية، وكان قاطعًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع الآن وأعرض لها عن رأي المستشار المالي، ولم يكن أقل من رأي الوكيل إلحاحًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع، وأجاز لها تصرفات مالية مختلفة كان من الخير ألا يجيزها أو أن يخذلها إلا بعد درس وتمحيص. فتعودت الوزارة إذن من البرلمان عامة ولمجلس النواب خاصة ضروبًا من المجاملة وألوانًا من التسامح لم يكن من اليسير عليها أن تحرمها أمس، أو أن يخيل إليها أن المجلس سيضن بها عليها. والظاهر أن مشروع « تانا » هذا يعني الوزارة عناية خاصة، وأنها تحرص عليه حرصًا أقل ما يوصف به أنه شديد، وأنه غير مفهوم. فلم يكد يظهر هذا المشروع في الأفق حتى ضاق به الناس، ولجوا في إنكاره، وألحوا على الحكومة أن تصطنع فيه الآناة، وانتظروا من البرلمان أن يرفضه. وجاء رئيس الوزراء فاصطنع اللباقة والمهارة، وقال كلامًا طويلًا واضحًا خيل إلى الناس أن الحكومة لن تمضي في المشروع ولن تذهب فيه أبعد من أن تعرف رأي الحبشة، ثم كانت مفاوضات يظهر أنها لم تخلُ من الحدة، وتحدث الناس أن رئيس الوزراء ضاق بها في بعض
    الأيام، وتحدث الناس أيضًا أنه اصطحب وزير الأشغال إلى دار المندوب السامي ليتحدث فيه أو ليسمع ما تقول الدار فيه. ثم تكشفت الأيام عن اتفاق بين مصر وبين الشركة الأمريكية يلزمنا بأن ننفق منذ الآن خمسين ألفًا من الجنيهات. ثم مضى هذا الاتفاق في طريقه بسرعة غريبة مدهشة، وتحدث الناس أن وكيل المالية الذي أنكر خزان جبل الأولياء لم يوافق على هذا المشروع الأخير، وأن مجلس الوزراء أمضاه على كل حال. فلما انتهى إلى اللجنة المالية في مجلس النواب صرح وزير الأشغال لهذه اللجنة تصريحًا سجل في محضرها بأن تأجيل هذا المشروع لا يضر، ومع ذلك أمضى المشروع في هذه اللجنة وجاء إلى مجلس النواب فألح قوم في تأجيله وأبى عليهم المجلس هذا التأجيل.
    ولم يكد ينظر المشروع أمس حتى ظهر أن قومًا من الذين يضمرون المودة للحكومة ويظهرونها، يكرهون إقراره ويلحون في رفضه الآن، وطال الحوار وكثر الجدال وأظهر بعض النواب ما تعودوا إظهاره في مثل هذه المواقف من براعة خطابية ومهارة بيانية تجعلان لنا زعامة الكلام في هذه الأيام.
    ولأمر ما أراد الرئيس رفع الجلسة وأكبر الظن أنه تعب وأنه أشفق على نفسه وعلى زملائه، وكان الخطباء الذين يريدون أن يصولوا ويجولوا، وأن يظهروا حظوظهم المختلفة من البراعة البيانية كثيرين. فلم يرَ الرئيس بأسًا بأن يؤجلهم إلى غد، وأكبر الظن أن رئيس النواب قد استعذب هذا البيان فأراد أن يطول، وأي بأس على رجل أديب يستعذب لذة فنية فيضن بها أن تقصر أو تنقضي، ويريد لها أن تمتد وتطول. ولم يكن رئيس النواب وحده يستعذب هذا البيان ويحرص على أن يطول، بل كان زملاؤه يشاركونه في هذه اللذة العليا ويطلبون منها المزيد! ولم يكن رئيس النواب وحده يشفق على نفسه من التخمة البيانية إن اتصلت خطابة الخطباء، بل كان زملاؤه أيضًا يحسون امتلاء أجوافهم بهذا الحوار الدسم، ويخشون الكظة على أنفسهم، لذلك لم يعرض الرئيس رفع الجلسة حتى رضي النواب، وهموا أن يتفرقوا ولكن الوزراء قوم شرهون، لا يشبعون ولا تخشى عليهم كظة ولا تخمة في البيان فهم كانوا كإخوانهم يستعذبون الحديث ولكنهم لم يكونوا قد شبعوا منه بعد، فلما أحسوا رفع المائدة وتنظيف الخوان، ساءوا بذلك وضاقوا به ذرعًا وقالوا هذا يوم عصيب وأي يوم أعصب من هذا اليوم الذي تنزع فيه اللقمة من فم الجائع، ويرد فيه الماء العذب عن شفتي الظمآن!!
    هنالك اشتد النزاع بين الشباع والجياع، وطال العناء بالرواء والظمأ، وصدرت عن الوزارة شرارة من كهرباء، لم تكد تتجاوزهم حتى اتصلت بالصفوف القريبة منهم فشبت فيها نارًا وأذكت أوارًا، وإذا المجلس لم يكن كله قد شبع ولم يكن كله قد جاع. وإنما خيل إلى قوم أنهم شباع وخيل إلى قوم أنهم جياع. أو قل إن جوع الوزراء أزال شبع النواب فشاركوهم في الجوع. وهنا ظهر الخلاف بين رئيس المجلس وكثرته. يريد الرئيس أن ينصرف، ويريد النواب أن يبقوا مجاملة للوزراء. فلما طال الأمر بالرئيس انصرف ومضت كثرة الحاضرين من النواب فيما كانت فيه من عمل. والظريف الطريف أن الرئيس لم ينصرف وحده وإنما انصرف معه بعض أعوانه من النواب. فلم تضق الكثرة بذلك، بل أقامت الوكيل مقام الرئيس وانتخبت سكرتيرًا مؤقتًا بدلًا من سكرتير دائم، وخطب بعض الخطباء وتكلم رئيس الوزارة بالنيابة ثم أجل المجلس ليقضي في الأمر مساء اليوم.
    هذا تأويل، وهناك تأويل آخر لموقف الوزراء، ذهب إليه الناس في موقف الوزراء هذا. وقد كان غريبًا عسير الفهم.
    زعم فريق من الناس أن الوزراء لم يكونوا جياعًا إلى خطابة الخطباء وإنما كانوا مكتظين بفضل من قوة يريدون بذله وبقية من نشاط يريدون إنفاقها، ووابل من كلام يريدون إرساله. قال هؤلاء الناس، وكان رئيس الوزراء بالنيابة قد أعد بيانًا طويلًا عريضًا عميقًا صبر عليه أول أمس، وعجز عن حمله أمس، فلم يكن له بد أن يلقيه ليهدأ ويقضي ليلًا مريحًا. وكان تأجيل الرئيس للمجلس مؤذيًا له، لأنه كان يريد أن يضطره إلى أن يحتفظ بهذا البيان الطويل العريض العميق يومًا آخر، وأنت تعلم أن ليس أشق ولا أمضى من كلام يريد أن يقال فيضطر إلى أن يظل محتجزًا مكتومًا.
    ومهما يكن من شيء فقد حدثت في مجلس النواب أمس ظاهرة جديدة، ثار فيها الوزراء وفريق من النواب برئيس المجلس ومكتبه وخرج فيها الوزراء وكثرة النواب على التقاليد التي تقضي برفع الجلسة إذا رفعها الرئيس إلا أن ينصرف معتذرًا ويقيم الوكيل مقامه. ولهذه الثورة خطرها ففيها استهانة ما برئاسة المجلس وفيها تحكم من الوزارة، لا في أمر الرئيس وحده، بل في أمره وأمر جماعة من النواب كانوا يريدون أن يتكلموا فلما انصرف الرئيس انصرفوا معه وأبوا أن يعودوا وأن يأخذوا بحظهم من الاعتداء على مقام الرئيس ونشأ عن هذا كله أن أصبح موقف الرئيس حرجًا حقًا. فهو إن أذعن أدخل في الحياة النيابية تقليدًا خطرًا، وهو إن أبى أن يذعن أحدث خلافًا عنيفًا بينه وبين الوزراء، وكل شيء يدل على أن الكثرة ستؤيد الوزارة اليوم كما أيدتها أمس. وإذن فسيضطر الرئيس إما إلى الإذعان فيسيء إلى الحياة النيابية. وإما إلى الاستقالة من الرئاسة. وأكبر الظن أن قد كانت أحاديث ومقابلات وأن الجو البرلماني سيصفو مساء اليوم كل الصفاء، ولكن هذا كله لن يمنع من أن حقيقة واقعة قد كانت أمس، وهي أن مجلس النواب قد اجتمع بإرادة الوزراء رغم إرادة الرئيس وأن فريقًا من النواب قد أرادوا أن يؤيدوا الرئيس ويدافعوا عن آرائهم في مشروع من المشروعات ذوات الخطر.
    وقد يكون هذا غريبًا وقد يكون هذا شاذًا، ولكن مصر قد ألفت كل شيء حتى لم يبقَ فيها غرابة ولا شذوذ.
    على أن هناك أمرًا أجلّ من هذا كله خطرًا وأبعد من هذا كله أثرًا، وهو أن الإنجليز كانوا يزعمون أن الوزارة القائمة لا رأسَ لها بعد مرض صدقي باشا وانتقاله إلى باريس أو إلى فرساي فقد ظهر الآن أن هذه الوزارة الحاضرة ليس لها رأسٌ واحدةٌ بل لها رؤوس. وأي دليل على ذلك أقوى مما كان أمس فقد جمعت مجلس النواب رغم رئيس المجلس وعدد غير قليل من أعضائه، أفهذه الوزارة التي تبلي هذا البلاء وتفني هذا الفناء لا رأسَ لها؟؟
    قال صاحبي: إنك لساذجٍ طيب القلب ومتى احتاج الوزراء إلى جهد أو عناء ليبلغوا من كثرة النواب ما يشاءون؟
    كوكب الشرق ١٤ – ٦ – ١٩٣٣

    موقعة

    رئيس وزرائنا مريض، نرجو أن يسرع إليه الشفاء، ولكن مرضه ليس مقصورًا عليه، بل هو يتجاوزه إلى الوزارة كلها التي لم تستطع أن تنشط، ولا أن تظهر أن لها حظًا من حياة قوية رغم ما أصابها من الوصل والترقيع، ويتجاوزه في رأي الأهرام على الأقل إلى البرلمان الذي يظهر بمظهر المريض المقعد. وقد قيل إن لمرض البرلمان، وهذا الشلل الذي جعله – كما تقول الأهرام – مقعدًا، مظاهر لا تخلو من عبرة وعظة. فهو يمهل حتى تكلف المراقبة لعمل السلطة التنفيذية، وهو يعجز عن مقاومة هذا الفتور الذي يصيبه ويملك أعضاءه كلهم أن ينهض بعمله التشريعي الخاص.

    زعموا أن الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرها البرلمان، ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان.

    فإن لم يكن هذا حقًا فلا تفسير له إلا إحدى اثنتين. فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

    وأنا أنكر هذا، وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور، لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان، ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل.

    وإما لأن مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء، فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمقعدين، فتقصر ذاكرتهم، ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث، وما هو بين أيديهم من المشكلات.

    وأكبر الظن إن صح هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة، وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنٍ بما فرط منه.

    ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقر أمس قانونًا ينظم تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم، وأقر هذا القانون في جلسة واحدة، بل في جزء يسير جدًا من جلسة واحدة، وأقره فيما يظهر فاترًا عنه، مزدريًا له، كما يقر أيسر الأمور وأقلها خطرًا، مع أن هذا القانون هو قوام حياة الجامعة، وقد عنيت به الجامعة منذ اليوم الأول من أيامها، وعنيت به الحكومات المختلفة التي تعاقبت منذ أنشئت الجامعة، وثارت فيه مشكلات بين الجامعة والحكومات، لأنه المقياس الصحيح الدقيق الذي يحدد موقف الجامعة المستقلة من الدولة التي تحب أن تسيطر على كل شيء من الشؤون العامة.

    أقر مجلس النواب هذا القانون كما أرادت الحكومة القائمة أن يكون، في غير مناقشة ذات بال.

    ومعنى هذا أن مجلس النواب لم يحفل بهذا القانون، إما لأنه لا يحفل بأمر الجامعة، ولا يقدره، ولا يراه خليقًا بالدرس والتفكير، وإنه مستيقن أن الدرس والتفكير لا خير فيهما ولا نتيجة لهما، لأن الحكومة تريد شيئًا فيجب أن يكون ما تريد، والبرلمان مكلف أن يجيز ما تريد الحكومة في غير مناقشة ولا حساب.

    وأكبر الظن أن مجلس النواب بريء من هاتين الخصلتين؛ فهو يحب الجامعة ويرعاها، ويتتبع أمورها بدقة لا تعدلها دقة، ويدرس شؤونها بعناية لا تشبهها عناية، ولكنه يثق كذلك بالحكومة ثقة ليس مثلها ثقة. وإذن ففيم المناقشة؟ وفيم المحاسبة؟ وفيم إضاعة الوقت في المناقشة والحساب؟

    والمجلس مطمئن إلى أن الحكومة معصومة من الخطأ، معصومة من أن تريد بالبلاد إلا الخير، تحب الجامعة كما يحبها، وترعى الجامعة كما يرعاها، وتفهم الجامعة كما يفهمها. وإذن فأي معنى للحساب العسير أو اليسير بين قوم يتفقون في كل شيء ولا يختلفون في شيء؟

    ويقول بعض الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا ظنوا فأساؤوا الظن، وأولوا فأساؤوا التأويل، إن مجلس النواب قد شغل بانتخاب الوكيلين فأنفق فيه نشاطه كله، ولم يحتفظ لجدول الأعمال إلا بنشاط فاتر جدًا، فمر هذا الجدول أمام المجلس كما مر شريط السينما أمام جماعة ليسوا بالمستيقظين ولا النائمين، ولكنهم في منزلة حلوة لذيذة بين هذا وذاك.

    ويقول هؤلاء الناس الذين يسرفون في سوء الظن وفساد الرأي وقبح التأويل إن مرض رئيس الوزراء قد أصاب البرلمان فجعل نشاطه محدودًا، ويقظته محدودة. فمن الحق على رئيسي المجلسين أن يلاحظا هذه الحال في وضع جدول الأعمال، فلا يسرفا في إطالة هذا الجدول، ولا يلحا في استنفاده كله إذا طال.

    ويقول هؤلاء الناس أيضًا إن الأهرام تحدثت بأن رغبة أملتها بعض الجهات إملاءً على الهيئة الشعبية البرلمانية في انتخاب الوكيلين. وكان كثير من أعضاء الهيئة الشعبية فيما يظهر يريد أن يرد هذه الرغبة على صاحبها، ولكن صاحب هذه الرغبة فيما يظهر أيضًا لا يحب أن ترد عليه رغباته، ولا يريد أن يتردد أحد، ولو كان من حزب الشعب، في إنفاذ هذه الرغبات كما تنفذ الأوامر التي لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عليها.

    ويقال إن أعضاء الهيئة الشعبية قد أنفقوا نشاطهم كله في المناقشة والجدال حول هذه الرغبة التي أذعنوا لها آخر الأمر، وضحوا في سبيلها بزعيم من زعمائهم هو الأستاذ وهيب دوس بك، ثم وصل الشعبيون إلى مجلس النواب متعبين مكدودين، فلم يستطيعوا أن يفرغوا لأمور الجامعة كما ينبغي، ولا سيما وقد كانت هذه الرغبة لا تكتفي بانتخاب الوكيلين من الحزبين، بل تريد أن يكون هذا الانتخاب في يوم معين هو أمس، وفي جلسة معينة هي جلسة أمس، وإن لم يكن هذا الانتخاب في جدول الأعمال، فقدم اقتراح وقبل وأنفذ، وأخذ المستقلون والمعارضون على غرة، وأخذت الجامعة على غرة أيضًا، فمر قانونها بسلام.

    ويقال إن الشعبيين الذين شغلوا بإكراههم على ما لم يكونوا يحبون، لم يفكروا في قانون الجامعة، ولن يفكروا فيه الآن، لأنهم عنه في شغل. أما الاتحاديون فقد سرهم أن يفوزوا بمنصب من منصبين، وسرهم أيضًا – بل سرهم بنوع خاص – أن يمر هذا القانون الاتحادي دون أن يحتاج وزير التقاليد أن يطيل عنه الدفاع.

    فمن يدري، لعله لو احتاج إلى ذلك لأثار حول الجامعة خصومة تشبه تلك الخصومة التي ثارت حول إعانة الأوبرا. ولمَ لا؟ إن إعانة الأوبرا وإنفاقها ونظام الأوبرا حق من حقوق السلطة التنفيذية في رأي وزير التقاليد، فلا ينبغي لمجلس النواب أن يعرض لها أو يدخل فيها. وكذلك أمر الجامعة؛ فتعيين الأساتذة والمدرسين وأعضاء هيئة التدريس وتأديبهم حق كذلك من حقوق السلطة التنفيذية.

    فلو قد ناقش أمس الأستاذ وهيب بك دوس لقيل له كما قيل له في قصة الأوبرا: هذا حق السلطة التنفيذية، فلا تعرض له ولا تخض فيه.

    ومن يدري، لعل الأستاذ وهيب دوس بك لم يكن يرضى هذا الجواب من وزير التقاليد، ولا سيما أمس وهو مغيظ محنق، وقد استقال من حزب الشعب مغاضبًا فيما يظهر على حزب الاتحاد، إذن لأثار الأستاذ في المجلس ثورة لا يعلم إلا اللّٰه إلى أين كانت تنتهي.

    وإذن فقد انتصرت الحكومة أمس في مجلس النواب انتصارًا لا فخر فيه ولا مجد، لأنه لم يحتج إلى دفاع ولا نضال، بل كان يسيرًا كجميع ما تناله الحكومة من ألوان النصر في البرلمان. وانتصر حزب الاتحاد انتصارين، ففاز بوكيل اتحادي، وأمضى قانونًا اتحاديًا. وأظهر حزب الشعب – إلا الأستاذ وهيب دوس بك – شيئًا من الجلد وضبط النفس، وانتظر فرصة أخرى لعلها تكون قريبة يظفر فيها بمنصب، ويمضي فيها قانونًا.

    وانجلت هذه المعركة الطويلة العنيفة عن وفاق ووئام وصلح وسلام بين الحزبين المؤتلفين. وأحصيت الخسائر فكانت يسيرة: خسر حزب الاتحاد أحد المنصبين، وخسر حزب الشعب أحدهما أيضًا، وخسر حزب الشعب فوق ذلك خسارة أخرى مشكوكًا فيها، وهي الأستاذ وهيب دوس بك، فقد يتوسل إليه في أن يسترد استقالته فيفعل.

    أما مصر فلم تخسر شيئًا يذكر، وإنما فرض عليها نظام للجامعة أقل ما يوصف به أنه يجعل الجامعة مدرسة من المدارس العادية. ويجب على مصر أن تحمد اللّٰه على أن لم تتجاوز خسارتها هذا الحد.

    كوكب الشرق ٢٢ – ٣ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    درس…

    درس قيم ممتع، فيه جد وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بد من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقوه، بعد أن فسدت قلوب، وساءت نفوس، واختلطت الأمور على بعض الناس، فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.

    والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له. ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه، فالحوادث تحسن إليهم حين تذكرهم من حين إلى حين بما نسوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًا ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًا ولا خيرًا.

    نعم كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي ألقي أول أمس، ولم يكن بد من إلقائه، لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه، وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون، ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه ألقي في مجلس الشيوخ، ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به، والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.

    شق عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شق عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجوا من هذه الشدة، ولجأوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير، ولجأوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجأوا إلى النواب فأظهروا ميلًا إليهم، وعطفًا عليهم، ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدوا في التحمس، وهيأوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية، ولكن كثرة من النواب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع، لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.

    فلما أمضي القانون في مجلس النواب فرح الطلاب وابتهجوا، وظنوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا، ولم لا؟ قانون يمضيه مجلس النواب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له، وإن كرهت إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النواب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط، كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف، ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكن الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النواب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعرض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره، لأنها لم تجتمع، أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًا أثير، فنام له القانون نومًا عميقًا، وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك، فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدوا فيه. وتفرق الطلاب أمس، وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضى، والرجاء ينعم نفوسهم غبطة وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنًا لا يكاد يفكر في الطلاب، ولا في النواب، ولا في القانون. وألقي الستار، وهدأ كل شيء، إلا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يغاثون.

    كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا، ولكن كل هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشؤون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها، لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا، كما قضى مسرعًا في أمر القناطر، التي يراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غد، ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان، كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص، لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير، هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا. هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا. هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد، والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون، ويقال إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.

    ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير، ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصا على ارضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم لا يريدون على أن يقولوا لكم كلامًا، قد يحسن موقعه في النفوس ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.

    لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنة متصلة وبلاء مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر، واحتمالًا لا يعرف الضعف، وإيثارًا للوطن وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.

    قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النواب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا أنها تغلق في وجوهكم إغلاقًا.

    عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير، حتى يبدل الله عهدًا بعهد، ويأتي قوم مكان قوم، وينقل الحكم من أيد إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيز علينا أن يحزن الطلاب وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يفرض عليهم الجهد الثقيل سنة أخرى، ولكن رب حزن يحمل في طياته العزاء، ورب يأس مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء. فليصبر الطلبة وليتعظوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.

    طه حسين
    الوادى، ٣٠ يونية ١٩٣٤.

    جهد
    جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

    نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!

    كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.

    فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

    فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

    في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
    أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
    وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.

    ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

    جنون
    هو فنون من غير شك، فمنه الهادي المطمئن، ومنه الهائج الحاد. ومنه الوادع الأنيس ومنه النافع الجامح. ومنه ما يكون في الصمت ومنه ما يكون في الكلام. ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب. ومنه ما يكون ضحكا، ومنه ما يكون بكاء. ومنه ما يكون فنونا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام.
    لا يعجب القراء، ولا يغضب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة. فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه لولا أني قرأت صحف الصباح فإذا بطل من أبطال النواب يخطب في الاستجواب، فيشدد الحساب، ويدخل من كل باب حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها وتلقى من أهوالها. وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن، إنما هم من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش. فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه. ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية وأضيافه ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام أن أقف عنده، وأتبين معناه وأدل الناس على خفاياه، وإلا فليحظر على الصحف أن تشهد المجلس وتنشر أخباره، وتذيع أسراره، ولتجعل مضابط المجلس أمورا مكتومة وكتبا مختومة، لا يظهر عليها إلا الأصفياء، ولا ينظر فيها إلا الأولياء. ومهما يكن من شيء فإن نائبا من
    النواب قد وصف نفسه وزملاءه ووصف الوزراء وأعوان الوزراء بهذا الوصف الذي أكبره وأنكره، وهو الجنون!
    ومهما يكن من شيءٍ، فالنائب بين أمرين، كلاهما شر، وأحلاهما مر. فهو إن يصدق، وأعوذ بالله من أن يصدق، كانت أمور مصر إلى قوم لا ينبغي أن تكون إليهم. وهو إن يقل غير الحق، وأرجو أن يكون قد قال غير الحق، جعل أمور مصر إلى قوم يسرفون في سوء الظن بأنفسهم حتى يصفوها بالجنون، ويقولوا فيها ما لو قاله خصومهم لتفتحت لهم أبواب السجون. وما كنت أحسب أن لهب الخطابة ولظى البيان يشتدان حتى يدمرا كل شيء، ويلتهما كل شيء، ويطوعا لنائب من النواب أن يصف الدولة ورجالها بالجنون من أعلى المنبر في مجلس النواب!
    والغريب الطريف أن الصحف لم تصور لنا مجلس النواب هائجا مائجا، ولا ثائرا فائرا لهذا الوصف، وإنما صورته هادئا مطمئنا، يسمع وكأنه لا يسمع، ويفهم وكأنه لا يفهم، ويمر بكلام هذا النائب، أو يمر به كلام هذا النائب فلا يفكر فيه، ولا يقف عنده، ولا يلتفت إليه مع أنه قد هاج وماج، وثار وفار، وقر ثم دار حين ذكر نائب آخر منذ أيام كلمة «الهمج» فلنسجل لمجلس النواب أنه قد عرف الحلم بعد الغضب، وآثر الأناة على الثورة والاضطراب، واصطنع العفو والصفح في مواضع كان قد تعود أن يصطنع فيها حب البطش، والرغبة في الانتقام. أفتراه قد استمع لنا، وانتفع بما قدمنا إليه وإلى غيره من موعظة فتجنب ضيق النفس وحرج الصدر، وصبر حتى على وصفه بالجنون؟! على أن من إنصاف المجلس أن تلاحظ أنه لم يصطنع هذا الصبر طوال جلسة أمس، فقد ضج وعج، وهم أن يثور حقا، ولكن لا غضبا لنفسه، بل غضبا للحكومة، ولا دفاعا عن نفسه، بل دفاعا عن الحكومة. فقد ضج المجلس حين ذكر بعض الخطباء أن الذين أدوا ما طلب إليهم من الضرائب إنما فعلوا تخلصا من هذه السياط التي كانت تعمل في ظهورهم، فقد أشفق النواب على الحكومة أن توصف بتعذيب الناس، وأخذهم بالسوط والعصا ليؤدوا إليها ما تقتضيه من الأموال. وكثير أن يكون للمعارضة صدى في مجلس النواب، وكثير أن يقول النواب أمس للحكومة ما تقوله صحف المعارضة
    في كل يوم من أنها تعمل السياط في الظهور، وتتخذ العذاب وسيلة إلى جمع الضرائب، وكثير أن يسجل هذا في محضر الجلسة، وليس غريبا أن يضج له النواب، وإنما الغريب أن يقفوا عند الضجيج، وألا يهموا بإسكات الخطيب، أو إخراجه، أو حذف كلامه من المحضر، وأغرب منه ألا يثور الوزراء، ولا يقول قائلهم للخطيب: اسكت، ولا يعلن معلنهم إلى المجلس أن الحكومة غاضبة فمحتجة فمنسحبة من الجلسة، إلا أن يكون الاعتذار.
    لم يحدث شيءٍ من هذا، بل أغضى المجلس عن وصفه بالجنون، وغضب المجلس للحكومة في اعتدال، وأغضت الحكومة عن اتهامها بالتعذيب. وكل هذا دليل واضح على أن صدر المجلس قد أخذ يتسع، وحدة المجلس قد أخذت تلين، وأكثر من هذا كله أن النائب الذي وصف الدولة ورجالها بالجنون قد التفت إلى الأمة فدعاها إلى الثورة، ولامها على الهدوء، وأنبها أشد التأنيب على الإخلاد إلى الدعة، والحرص على استقرار النظام مع هذه الشدة التي تلقاها، والنار التي تصلاها، فسكت له المجلس، وسكت له الوزراء، ومضى النائب حتى أنذر بالداهية، والنار الحامية، والثورة التي إن هبت لم تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وخوف النواب والوزراء من هذا الخطر الداهم، والشر المنكر، ومن يقظة الفلاح الذي ينام الآن ويوشك أن ينفجر كأنه البركان، ويوشك أن يزحف حتى إذا بلغ نوافذ النواب والوزراء صاح بهم كما كان يصيح الباريسيون في أول الثورة الفرنسية «الخبز، الخبز».
    كل هذا قيل أمس، وقاله نائب، وقاله في مجلس النواب، وسمعوا له النواب والوزراء فسكتوا له وصبروا عليه، ونشر في الصحف صباح اليوم، ولن ينقضي النهار حتى تبثه الصحف في أرجاء مصر كلها فيقرأه هؤلاء الفلاحون الذين يلامون على الهدوء، ويدعون إلى الثورة. والله وحده قادر على ألا يثيرهم هذا الكلام فيبعثهم على ما يدعوهم إليه النائب، ويغريهم به من خروج على النظام، وزحف على القاهرة، وتجمهر تحت نوافذ مجلس النواب يطالبون بالخبز الذي يحتاجون إليه ويستعدون على الجوع الذي يحرقهم تحريقا.
    كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن أغضوا عن شدة النائب وحدته، وأن صبروا على وصفه إياهم بالجنون، وعلى دعائه الشعب إلى الثورة وتخويفه إياهم عواقب هذه الثورة. كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن يسمعوا هذا كله فيصبروا عليه ويغضوا عنه، ولكن هناك شيئا آخر كان خيرا من هذا الإغضاء، وأنفع للشعب، وأجدى عليه من هذا الصبر، وهو أن يشعر النواب والوزراء شعورا صحيحا بحاجة الشعب إلى الرحمة له والرفق به، والترفيه عليه، فيقبلوا الاستجواب، ويحققوا ما كان يطلب المستجوبون، ويخفضوا الضرائب، ويرفعوا عن الشعب بعض ما يحتمل من الأثقال. كان هذا خير ألف مرة ومرة من الصفح والإغضاء، ومن الصبر والإعراض لأنه هو الذي يفيد حقا، وهو الذي يشعر الناس حقا بأن النواب والوزراء يرعون مصالحهم ويرثون لآلامهم، ويريدون أن يخففوا عنهم بعض ما يجدون من الآلام.
    نعم كان هذا خير ألف مرة ومرة من هذا الحلم الذي أظهره النواب والوزراء أمس، فإن الناس خليقون ألا يقدروا لهم هذا الحلم، ولا يسجلوا لهم فضله، فهم إنما يحلم بعضهم على بعض، ويعفو بعضهم عن بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، وماذا يعني الشعب التعس البائس أن يرفق النواب بالنواب، ويبر النواب بالنواب، وهو جائع يضنيه الجوع، وبائس ينهكه البؤس، ومريض يوشك المرض أن يقضي عليه.
    كان خيرا ألف مرة ومرة للشعب ألا يؤثر النواب حلما ولا صفحا، وأن ينتهي هذا الاستجواب بتخفيف شيءٍ من أعباء الحياة عن هؤلاء الناس الذين عجزوا عن احتمال الحياة، ولكن النواب والوزراء لم يفكروا في هذا، ولكن النواب والوزراء لم يقدروا هذا، وإنما كان الأمر بينهم حربا كلامية، اشتد فيها العنف الصادق أو المتكلف حتى بلغ أقصاه، ثم انتهى بانتصار الحكومة، وشكر النواب لها، وبقاء الشعب حيث هو كما هو، ترهقه الضرائب وتثقل عليه أعباؤها، وتسعى إليه جيوش المرض والجوع والحرمان. وتظلم في وجهه الحياة، وتتقطع به أسباب الأمل.
    فليهنأ النواب والوزراء بانتصار المنتصر، وانهزام المنهزم، وبراعة الخطباء، وحلم الحلماء، وصبر الصابرين. وليتعز الشعب البائس التعس، فلم ترفع عنه
    هذه الحرب ثقلا، ولم تحط عنه هذه الحرب عبئا، ولم تبسط له هذه الحرب أملا.
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس فستجبى منه الضرائب هذا العام كما جبيت منه في العام الماضي، وسيلقى في أدائها هذا العام أضعاف ما لقيها في العام الماضي، لأن عسره في هذا العام أضعاف عسره في العام الماضي.
    ليتعز هذا الشعب التعس البائس فما زالت المحنة محدقة به، ملحة عليه، والله يعلم أتُستخدم السياط هذا العام كما استخدمتها في العام الماضي. والله يعلم أتُفتح السجون هذا العام كما فتحتها في العام الماضي؟ والله يعلم أبقي في طاقة الشعب ما يمكنه من الصبر ويعينه على الاحتمال؟..
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزى وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر وحين يبلغ منه اليأس ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفوقون في الخصام، وينتهي الأمر إلى أن تظفر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رؤوس الوزراء!!
    كوكب الشرق ٦ — ٦ — ١٩٣٣

  • ضعف فى ثوب القوة | Weakness Dressed as Strength: The Sidqi Cabinet’s Survival Tactics

    ذوق

    للظروف السياسية ذوق كثير جداً، دقيق جداً، شديد الحس، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة لما قد يقال، شديد الخوف مما قد يقال، شديد الحرص ألا يظن بأصحابه إلا الخير، ولا يقال فيهم إلا الخير، وهذا الذوق فيما يظهر يجب أن يعتبر بين المؤثرات القوية في حياتنا السياسية، ولعله أشد المؤثرات عملاً في بقاء الوزارة القائمة إلى الآن، ولعلنا لا نغلو ولا نسرف ولا نجانب الصواب إن قلنا إن هذا الذوق هو الذي أبقى الوزارة القائمة بعد حوادث البداري حين فسد من حول هذه الوزارة كل شيء، وتحلل من حولها كل شيء، وساء بها ظن الأصدقاء، وقبح فيها رأي الأولياء، وتنكر لها حتى أقطابها ودعائمها، وزلزلت بها الأرض، وأظلمت في وجهها السماء، وقال القائلون إنما هو يوم أو بعض يوم حتى يكشف الضر، وتنجلي الغمرة، ويقر الحق في نصابه، ويرد الأمر إلى أهله، ويزول عن مصر هذا السلطان الذي سجل عليه القضاء اتخاذ العذاب وسيلة من وسائل الحكم، وما كان أحد يقدر أن رئيس الوزراء سيستقل بأعباء الحكم بعد أن تخفف من ماهر باشا ودوس باشا وعبد الفتاح باشا يحيى، لولا الذوق، هذا الذوق الكثير الدقيق الحساس الذي أبى أن تختم التجربة بمأساة البداري، وأن تنتهي الحياة السياسية لرجل كصدقي باشا بهذه القصة المزرية المخزية، فأعيد تأليف الوزارة، وأقر رئيس الوزراء في منصبه وانتظرت به الأحداث فرصة أنقى وأنصع من هذه الفرصة يخرج فيها من الحكم بادي النقاء، بادي الصفاء. وما هي إلا أسابيع حتى يلم المرض برئيس الوزراء، وتقوم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أن الرجل لم يعد قادراً على احتمال أثقال الحكم والنهوض بأعباء السلطان.

    ويقول الناس في شيء من الرحمة والإشفاق أن الرجل سيستقيل إيثاراً لنفسه بالخير وإن أبى فسيقال إيثاراً له بالعافية، ولكن الذوق هذا الذوق الدقيق الحساس يرى أن ليس من الملائم أن يقصى الرجل عن الحكم وهو مريض، لم تخف عليه وطأة المرض بعد، وقد يكون من الخير أن يمهل حتى يستطيع التفكير والتقدير، وحتى يرى هو أن صلاحه وصلاح وطنه في أن يستقيل، فإذا خفت وطأة المرض عليه سعى إلى الشفاء سعياً بطيئاً؛ لم يستقل ولم يجرؤ الذوق الدقيق الحساس على أن يذكره بالاستقالة أو على أن يجعل إقالته موضوعاً للتفكير.

    وإذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد الذين يطمعون فيه، ويسرفون في استغلاله، ويتوسلون إلى هذا الاستغلال بالوسائل المتباينة، ويسلكون إليه السبل المتباينة، وقد أحسَّ رئيس الوزراء في نفسه عجزاً عن بعض شيء من أثقاله، ولم يتخفف من أثقاله كلها، أعاد ترقيع الوزارة ونزل عن وزارة الداخلية، ورأى أن هذا يكفي، ولم يستطع الذوق الرقيق الحساس أن يتجاوز معه هذه الخطوة القصيرة، أو أن يدفعه إلى أبعد من هذه المسافة التي قطعها ووقف عند غايتها، فاستقلت الوزارة المرقعة بأعباء الحكم في شيء من الظلع والعرج ظاهر محسوس، وكانت المصالح العامة في أثناء هذا كله تلقى الضروب من الشر، فمنها ما يهمل، ومنها ما يعضل، ومنها ما تجري الأمور فيه على غير ما ينبغي.

    حتى اضطرب الأمر، وضج الناس، وقال المصريون والإنجليز إن من غير المفهوم أن تترك أمور بلد كمصر إلى وزارة لا قدرة لها على النهوض بهذه الأمور، لأنها خالية من الكفايات، ليس فيها إلا رئيسها وهو مريض، وكان كل شيء يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة أو تلفت إلى الاستقالة، أو تقال.

    ولكن استقالة الوزارة عسيرة ما أقام البرلمان، فهو لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهو ذاهب إن ذهبت، ومقيم إن أقامت. والبرلمان هادئ مطمئن، يعقد جلساته في أمن وهدوء، وينصرف عنها في سلام وطمأنينة. لم يحدث حدثاً، ولم يغير شيئاً، ولم يأت ما ينكر منه أو يلام عليه، فمن العسير على الذوق، هذا الذوق الرقيق الحساس أن تستقيل الوزارة ويتبع استقالتها حل البرلمان. وإذن فمما يلائم الذوق الدقيق الحساس أن تبقى الوزارة حتى يتم البرلمان دورته، وأمد البرلمان قريب، فقد وقّت الدستور لها خمسة أشهر، وستنتهي هذه الأشهر الخمسة في شهر مايو، فليكن كل تغيير بعد تفرق البرلمان.

    ولكني قلت لك إنه إذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد من يطمع فيه، ويسرف في استغلاله، والظاهر أن هذا الحديث الذي يتردد في الصحف منذ أيام بامتداد الدورة البرلمانية إلى أجل أبعد من الأجل الذي رسمه الدستور، ليس إلا مظهراً من مظاهر الاستغلال لهذا الذوق الدقيق الحساس. فما دام البرلمان عاملاً فيجب أن تظل الوزارة قائمة، وإذن فليعمل البرلمان، وليعمل، ولتمتد به أسباب العمل إلى أقصى أجل ممكن، وأبعد أمد ميسور. وفي خطبة العرش التي افتتحت بها الدورة البرلمانية فسحة للعمل والأمل معاً، فقد كثرت فيها الوعود، وسميت فيها قوانين ومشروعات لا تكاد تحصى، فلتمتد الدورة البرلمانية حتى تتحقق الوعود، وتعرض القوانين والمشروعات، ويدرسها البرلمان، ويتخذ فيها قراراً، وتربح الوزارة بهذا الاستعداد شهراً أو شهرين أو أكثر من شهر أو من شهرين. ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تنساها وتعرض عنها فتبقى في حماية النسيان والإعراض، ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تثير من الأحداث والخطوب ما يغير طريق السياسة، ويضيف إلى أجل الوزارة أجلاً جديداً، ويمد لها في البقاء ولو وقتاً قصيراً. وعلى كل حال فستربح الوزارة حظاً من البقاء توشك أن تخسره وإن وقفت بالدورة البرلمانية عندما رسم الدستور، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة فيصد عنها، وتمد له الحياة فيزهد فيها؟ ومن ذا الذي لا يستعذب قول الشاعر القديم:

    ألمَّا بمي قبل أن تطرح النوى ٭ بها مطرحاً أو قبل بينٍ يزيلها
    فإلا يكن إلا تزود ساعةً ٭ قليلٌ فإني نافعٌ لي قليلها

    نعم لتمتد الدورة البرلمانية، ولتبق الوزارة حتى لا يدع القدر لهادي البقاء سبيلاً. فإن قال القائلون: كيف يعمل البرلمان ورئيس الوزراء مسافر للاستشفاء؟ أجيب في سهولة: لقد عمل البرلمان ورئيس الوزراء مريض، وقد ألغيت المسافات في هذه الأيام، فرئيس الوزراء قادر على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في أوربا، كما كان قادراً على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في الزمالك! وإذن فليس ما يمنع أن تمد الدورة البرلمانية، وأن تستمتع الوزارة بشيء من الحياة.

    كذلك قدّر المقدرون، وكذلك فكّر المفكرون في أكبر الظن، وكذلك أثّر الذوق الدقيق الحساس في حياتنا السياسية، وكذلك يراد أن يؤثر هذا الذوق في حياتنا السياسية مرة أخرى، ولكن الغريب من أمر هذا الذوق أنه دقيق حساس فيما يمس الوزارة ورئيسها، وفيما يمس البرلمان وأعضاءه، ولكن أحداً لا يشعر برقته ولا بحسه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن آلام هذا الشعب متى تنتهي؟ ولم يحفل أحد بسخط هذا الشعب في قصة البداري؟ ولم يلتفت أحد إلى مصالح هذا الشعب التي عطلها مرض رئيس الوزراء، والتي سيعطلها سفر رئيس الوزراء، وقد كان حقاً على هذا الذوق أن يكون عدلاً في دقته، وفي حسه، وأن يحرص على حسن النظر للشعب ومصالحه، كما يحرص على حسن النظر للوزارة والبرلمان، إذا لم يكن من الميسور أن تكون العناية بالشعب ومصالحه أشد من العناية بالوزارة وبقائها.

    غير أن الأيام أقوى من الذوق مهما دق، ومهما اشتد حسه، وهي أقوى من الوزارة مهما أحبت الحياة ورغبت في البقاء، فجائز، بل راجح أن تبتسم الأيام لهذا الذوق ودقته وحسه، وجائز أن تبتسم الأيام للوزارة واستغلالها لهذا الذوق، كل هذا جائز، بل كل هذا راجح، ولا سيما إذا كان للأيام حليف أمين، له قوتها وله قدرتها على السخرية والابتسام، وهذا الحليف الأمين القوي هو صبر الشعب على المحن، واستهزاؤه بالخطوب.

    كوكب الشرق ٧-٥-١٩٣٣

    صبر
    هو فضيلة من غير شك، بل قل فضيلة من أرقّ الفضائل وأزكاها ولعله أرقّ الفضائل وأزكاها. فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمّت له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه، ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجاً كأنما يصَّعّد في السماء. وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب. وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظراً هادئاً مطمئناً، لا يفسده خوف ولا رجاء؛ وإنما هو مستقيم معتدل قوامه حكم العقل وصواب الرأي. ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرأوا من الطيش ويأمنوا من العثار. ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال؛ فهناك صبر ثقيل جداً، ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضاً ثقل الأعباء وشدة الحرمان. وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء وتجعلها محتملة بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس. وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرّق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها؛ فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم وأصلاً من أصول السياسة. ورئيس الوزراء كان موفقاً كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجعله أساساً لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة. فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هو الصبر، والصبر وحده. وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه، إن أنكرتَ على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض ولكنه يرجو أن يفاوض، فلما دخل في العام الثاني همّ بالمفاوضة، وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان، فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم. ومضى صيف جاء بعده صيف، جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع. وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمّ رئيس الوزراء بالمفاوضة، ودعا إليها وألحّ في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردّوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه. أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة – كما يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله – أو تصبيرة كما يقول مثلك ومثلي من الناس! وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة؛ فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومسّ معه طرفاً من السياسة في طرف من حديث. وعاد رئيس الوزراء وقد تبلّغ بهذا الطعام اليسير فتعلّل به وصبر عليه. ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيره من زملائه، ولكن شيئاً من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض. فما زال واثقاً بالمفاوضات، راغباً فيها، ملحّاً في الثقة والرغبة، مستعيناً عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات. هو إذن صابر مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصوراً على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه. فهو كالأمة المصرية، يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص جداً على السيادة القومية، واذكر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز. هو إذن يريد إلغاء الامتيازات ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات: بالصبر وطول البال وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز. ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يُستهلك الدين ولا يُؤدّى فوائده إلا ورقاً، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى المهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار. ورئيس وزرائنا خير من يتمهل وخير من يستأني، وخير من يحتال وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومادام رئيس وزرائنا صابراً مصابراً، مرابطاً في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار. وكذلك يلقي رئيس الوزراء على المصريين درساً في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن بقاء الامتيازات يؤذي مصر كلها في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء. فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبراً على أذى يصيبه أو ضرر يلمّ به، وإنما هو صبر على أذى يصيب غيره وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولاسيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء؛ فمهما يكن مرّاً فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترف ونعيم في مصر حيناً، وفي أوروبا حيناً آخر. كان صبر رئيس الوزراء لوناً من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعاً ولكنه لا يُتاح للناس جميعاً. هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرّ خالص لا تشوبه حلاوة ولا يخففه لين ولا نعيم. فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله وأشد من هذا كله: فيه شعور الناس بأنهم قد خُلقوا كراماً أحراراً، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المرّ الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلاً من الناس يُقال لهم المصريون. والله – عز وجل – قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويردّ عليهم ما امتحنهم فيه؛ فإذا هم كرام وإذا هم أحرار. فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر؛ فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقّاً. كوكب الشرق في ٢٣ – ٦ – ١٩٣٣.

    عجز
    لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
    دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
    أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
    لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
    كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
    وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
    كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
    ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
    وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
    وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
    يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
    كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

    مذهبان
    أحدهما يذهب إليه الناس في البلاد المتحضرة كافة منذ ابتدأ عصر الديمقراطية، على أقل تقدير. والآخر يذهب إليه فريق من الناس في هذا البلد العزيز السعيد، ويتباينان أشد التباين.
    ومذهب المصريين أصحهما من غير شك، وأدناهما إلى الصواب من غير جدال، لأن مصر قد أصبحت منذ ثلاثة أعوام أقوى بلاد الأرض، وأرقاها، وأحقها أن تتولى زعامة الرقي، وقيادة الشعوب إلى تحقيق المثل العليا في الحرية والكرامة والاستقلال.
    وقد أصبح حقًّا على كل شعب يحب الرقي ويطمع فيه أن ينظر إلى مصر، فيتأثرها ويسير على نهجها، وهو إن فعل بلغ ما يريد من الكمال بإذن الله.
    فأما المذهب الأول الخاطئ الذي يأخذ به الناس في أقطار الأرض، وفي أقطار الأرض المتأثرة بفلسفة الفلاسفة وأصول الثورة الفرنسية، فهو أن الحكومة إنما توجد لإقرار الأمن في البلد الذي توجد فيه.
    والأمن عند هؤلاء الناس الخاطئين، الذين يملأون أقطار الأرض غير مصر، إنما هو أمن الشعب جملة: على حياته، ومرافقه، واطمئنانه إلى أن شعبًا أجنبيًّا، مهما يكن، لن يغير عليه، ولن يمسه بأذى، ولن ينتقص من أرضه، ولن يعتدي على حقه، ولن يغض من كرامته، ولن يناله بمكروه في أي نحو من أنحاء حياته.
    وأمن الأفراد على أنفسهم، وأموالهم، وعلى كرامتهم، وحرماتهم، وعلى عقائدهم، وآرائهم، وعلى أخلاقهم، وأعراضهم.
    وثقة هؤلاء الأفراد، مهما تكن منازلهم، ومهما تكن مذاهبهم في السياسة والدين، بأن نفوسهم معصومة بحكم القانون وقوته، إلا أن يجرموا فيجعلوا للقانون عليهم سبيلًا، وأن حريتهم مكفولة بحكم القانون وقوته، إلا أن يأثموا فيجعلوا للقانون على حريتهم سبيلًا، وبأن أموالهم محفوظة عليهم، لا يؤخذ منها إلا بالحق، ولا تمس إلا بما يأمر به القانون.
    هذا هو مذهب الناس عامة في فهم الحكومات، وفهم واجبها، وفهم الصلة بينها وبين الشعب.
    ولكن المذهب الآخر، الذي يراه فريق من المصريين، والذي هو أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الصواب، ينحو نحوًا غير هذا النحو في الحكم والفهم والتقدير.
    فالحكومة عند هؤلاء المصريين وجدت لإقرار الأمن، ولكن لإقرار أمنها هي قبل أمن الشعب. ووجدت لحماية النفس والأموال، ولكن لحماية نفسها هي وأموالها من قبل أنفس الشعب وأمواله.
    وهي لا تكره أن تؤمن الشعب، ولكن تأمين الشعب نافلة لا فريضة، أو هو فرض ثانوي يأتي بعد الفرض الأول، وتتفرغ له الحكومة بعد أن تتفرغ من هذا الفرض الأول.
    وهي لا تكره أن تحمي أنفس الشعب وأمواله، ولكن بعد أن تحمي نفسها ومالها، وتطمئن أشد الاطمئنان إلى أنها لا تخاف بأسًا، ولا تخشى مكروهًا.
    ولعلك لن تفطن بعد إلى الفرق العظيم بين هذا المذهب الخاطئ الذي يمعن فيه العالم المتحضر كله، وهذا المذهب المصيب الذي يحبه فريق من المصريين.
    فأما في غير مصر، فإن الناس يرون أن الوزارة إذا أحست بالحاجة الشديدة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها أن تستقيل؛ لأن الوزارات لم تنشأ لحماية نفسها، وإنما أنشئت لحماية الشعب، وهي لم تخلق لخدمة نفسها، وإنما خلقت لخدمة الشعب.
    وهي إذا أحست حاجة إلى الحماية، فمعنى ذلك أن الشعب لا يحميها بحبه لها، وثقته بها، واطمئنانه إليها. وإذن فهي لا تريد أن تخدم الشعب رغم أنفه، وإذن فهي مضطرة إلى أن تستقيل، ليوجد الشعب لنفسه الوزارة التي يرضاها، ويثق بها، ويحميها بحبه وعطفه وثقته.
    أما أصحاب المذهب المصري الحديث، فهم يرون أن الوزارة إذا أحست حاجة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها ألا تستقيل، بل أن تتعلق بالحكم أشد التعلق، وأن تشد نفسها إلى كراسيها بالحبال والأمراس، وأن تسخر جند الدولة وبأسها، وقوة الدولة وبطشها، ومال الدولة وثروتها، لحماية نفسها حتى من الوهم الطارئ، والخيال الذي يلم في الأحلام.
    وجائز عند أصحاب المذهب المصري الحديث، بل واجب، أن تقدم الوزارة حماية نفسها على حماية الشعب. فإذا أحست من خصومها السياسيين خطرًا على نفسها، وأحست من خصوم النظام الاجتماعي، وأعداء الأمن العام، والمجرمين الذين يفسدون في الأرض، خطرًا على حياة الأفراد والجماعات، وحماية أنفسهم وأموالهم، كان من حقها، بل من الحق عليها، أن تقدم حماية نفسها، والتفكير فيها، وقهر خصومها السياسيين، على حماية الشعب، وقهر المجرمين.
    وعلى ذلك يفسر أصحاب المذهب المصري الحديث كثرة الجرائم واتصالها في مصر، وهذه الألوان من العدوان التي تقع على النفوس والأموال، وتعجز الوزارة القائمة، لا نقول عن منعها قبل وقوعها، بل نقول عن أخذ المقترفين لها، والمتورطين فيها؛ لأن الوزارة مشغولة بمخاصمة الوفد، ومطاردته، ومراقبة رئيسه وأعضائه، وبث الأرصاد والعيون عليهم، عن مراقبة المجرمين، وأخذهم، والضرب على أيديهم.
    وعلى هذا النحو أيضًا يمضي أصحاب المذهب المصري الحديث حين يطالبون الوزارة بأن تشرع القوانين الاستثنائية الصارمة لإرهاق خصومها السياسيين، وإفحامهم، وأخذهم بالصمت والهدوء؛ لأن حماية الوزارة لنفسها من هؤلاء الخصوم أوجب من حماية الوزارة للشعب من أعداء الأمن والنظام.
    ولذلك يطلب أصحاب المذهب المصري الحديث إلى الوزارة أن تشرع هذه القوانين الصارمة الاستثنائية لتعقبهم، والقضاء عليهم، في غير إمهال ولا أناة.
    وقد نحب أن نعرف مذهب وزارتنا في هذه المسألة ذات الخطر: أهو مذهب العالم المتحضر، أم هو مذهب المبتكرين من المصريين؟
    فإن تكن الأولى، فإنا نرى وزارتنا تسرف في العناية بنفسها، وتغلو في وقف جهودها على ما تنصب لخصومها من الحرب.
    وإن تكن الثانية، فإنا نحب أن تلائم الوزارة بين ما لها من مذهب وسيرة، وما يلقى إلى الشباب في المدارس، وفي كلية الحقوق، حتى إذا أخرجت هذه الكلية من طلابها من سيكون إليهم الحكم في يوم من الأيام، أخرجتهم وهم يعلمون ما يجب عليهم أن يعملوا.
    والأمر ليس مقصورًا على الأمن الداخلي، فمن المحقق أن وزارتنا تعنى بما تكتبه الصحف الأجنبية عن بقائها الطويل أو القصير أكثر مما تعنى بمسائل لها أبعد الأثر في حياة مصر.
    فلم يخطب وزراؤنا في مسألة الدين كما خطبوا في مسألة «الديلي تلغراف»، ولم يجزع وزراؤنا لحبوط المفاوضات في مسألة الدين كما جزعوا لرسالة الديلي تلغراف، ولم ينشط وزراؤنا في مسألة التبشير والمبشرين كما نشطوا في رسالة الديلي تلغراف.
    فهم إذن أسرع إلى التفكير في حماية الوزارة من خصومها السياسيين المصريين، ومن الذين قد يخاصمونها بين الأجانب، منهم إلى التفكير فيما يصيب الأمن والنظام من الفساد والاضطراب، وفيما يصيب منافع الناس ومرافقها، وحرية مصر وكرامتها، من العدوان الخارجي، أو إسراف الدول الأجنبية في الاستهانة بالحقوق المصرية.
    أفنستطيع أن نفهم من هذا أن المذهب المصري الحديث قد وفق إلى الفوز الرسمي، فأصبحت وزارتنا تؤمن به، وتطمئن إليه، وتتخذه لها مذهبًا، وترى أنها وجدت لنفسها قبل أن توجد للشعب؟
    سؤال يحتمل جوابين:
    أحدهما يراه الناس، ويحسونه، ويشهدونه في كل يوم، وهو: نعم.
    والآخر يكتب في الصحف، ويقال في الأحاديث الرسمية، والشبيهة بالرسمية، وهو: لا.
    والناس أحرار في أن يقبلوا ما شاءوا من هذين الجوابين.
    أما أنا فأقبلهما معًا، وأصدق وزراءنا إذا ساروا سيرة المؤمن بالمذهب الحديث، وأصدقهم إذا قالوا مقال المؤمن بالمذهب القديم.
    وأرى أن الوزارة من المهارة والكفاية، ومن البراعة والنبوغ، بحيث تستطيع الجمع بين المتناقضات، والتوفيق بين المتباينات، وبحيث تستطيع أن تؤثر نفسها على الشعب حين تعمل، وأن تؤثر الشعب على نفسها حين تقول.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٧ – ١٩٣٣

    وهْمٌ
    الوزارة آمنة على كل شيء، آمنة على الحياة الداخلية لأن النظام مستقر، ولأن الناس يحبونها، ولأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولكن نبأ كاذبا يأتيها من المنوفية بأن قوما يعملون في صنع القنابل فتنزعج حتى يذهب عنها الرشد، ويغيب عنها الصواب. وإذا شرطة الأقاليم كلها وضباط الإقليم جميعا يجتمعون ويحشدون ويرسلون إلى حيث زعم منبئ الوزارة أن القنابل تصنع، وإذا حصار منظم للمدينة وتفتيش منظم لمنازلها، وتضييق شديد على أهلها ومضارة مسرفة للخارجين منها والداخلين فيها. ثم ينجلي الأمر عن أن رجلا أراد أن يعبث بالوزارة فكذب عليها وهزئ منها واضطرها إلى أن تتكلف ما تكلفت من نفقات، وتحدث ما أحدثت من اضطراب وتخلى الإقليم من حراسه وحفظة الأمن فيه، وتعرض عشرات من الناس للخطر المنكر في الأنفس والأموال. والوزارة آمنة على كل شيء، لأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولأنها قد وثقت بحب الناس لها وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها.
    ولكن نبأ كاذبا يأتيها بأن رئيس الوفد سيصلي الجمعة في حي من أحياء القاهرة، فإذا شرطة تحشد، وجنود ترصد، واستعداد عسكري في هذا الحي، وتضييق على الذاهبين للصلاة والمنصرفين إلى أعمالهم، وتأهب لمعركة حاسمة ككل هذه المعارك التي تتأهب لها الوزارة، ثم ينجلي الأمر فإذا هو خيال في خيال، وإذا الرئيس لم يزر هذا الحي، ولم يفكر في زيارته، وإنما أدى الصلاة في حي آخر من أحياء المدينة.
    ومع هذا كله فالوزارة آمنة على كل شيء، لأن النظام مستقر، والأمن موفور. هذا رئيس الوزراء يستريح في مزارعه، وهذا وزير التقاليد يزور المنصورة. وهذا وزير الزراعة يغزو الصعيد، فلو لم يكن كل شيء هادئا مطمئنا لما تفرق الوزراء على هذا النحو. وليس بأس بأن يتفرق الوزراء ما دام وزير الداخلية قابعا في القاهرة يستطيع أن يجمع الشرطة ويفرقها، ويستطيع أن يقذف بوحدات الجند متى شاء في القرى والمدن والأحياء.
    كل شيء هادئ وإن كانت أكذوبة رجل مجهول تكفي لإزعاج الحكومة! وكل شيء مطمئن وإن كان خيال مصطفى النحاس يكفي لإقلاق الدولة وحشد الجند وغزو الأحياء الآمنة الساكنة! وكذلك يريد الله أن تجتمع النقائض في هذا البلد فيهدأ فيه كل شيء، ويطمئن فيه كل شيء، وتذعر الحكومة فيه لكل شيء، وتفزع الحكومة فيه حتى من الخيال! وتعلن الوزارة وصحفها أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن! وتعتقد الوزارة أن الناس يصدقونها، ويؤمنون لها بالقوة والبأس والاطمئنان والهدوء. والوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الخارجية، أمورها وأمور الدولة تجري كلها على ما تحب وتهوى. فقد أذعنت فرنسا وإيطاليا وأقسمتا جهد أيمانهما على أنهما ستقبلان أن يؤدى إليهما الدين ورقا، لا ذهبا. وآية ذلك أن الوزراء يتفرقون، وأن رئيسهم يقضي آخر الأسبوع في الريف، وإن كان كل شيء يدل على أن فرنسا متمسكة برأيها، لم تعدل عنه قيد شعرة، ولم تغير منه حرفا، وعلى أن إيطاليا لن تحدث في الأمر شيئا إلا أن تعدل فرنسا عن موقفها.
    وعطاءات جبل الأولياء قد تم درسها في وزارة الأشغال، ورأى وزير الأشغال فيها رأيه حرا مستقلا، وسيعرض هذا الرأي على مجلس الوزراء ليقره حرا مستقلا، وإن قالت الصحف إن الأمر ليس كما يقال، وإن مصير هذه العطاءات سيقرر على غير ما تشتهي الوزارة، وإن الوزارة ستذعن لغير ما تحب، لأنها لا تريد أن تحدث أزمة بمخالفة الإنجليز. وإذن فستمضي إرادة الإنجليز في هذه العطاءات رغم مجلس الوزراء، ورغم ما يشتهي مجلس الوزراء،
    وسيذعن مجلس الوزراء لهذه الإرادة مسرعا متعجلا قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية وزارة الأشغال وإقرار ما فيها من اعتماد لجبل الأولياء، وسيتورط المجلسان جميعا! ذلك ينزل على رأي الأجنبي، وهذا يقبل أن يوضع أمام الأمر الواقع.
    ولكن الوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الداخلية والخارجية، لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن! ألم يتحدث رئيسها إلى زملائه في مجلسهم بأن صديقه المندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك، وبأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد فشلت كل الفشل، وأخفقت كل الإخفاق فيما حاولت من تغيير الموقف السياسي في مصر؟ بلى تحدث الرئيس إلى زملائه بهذا وإن زعم أنه لم يتحدث لأن الأهرام أكدت أخبارها وتحدت رئيس الوزراء فلم يحرج جوابا، ولم يصنع شيئا! إذن فالمندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك وإن أعلن رسميا أن عودته تأخرت إلى أجل غير معروف، وأن عقيلته لاحقة به، واللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت في سعيها لتغيير الموقف، وإن اتصلت أحاديث الناس في القاهرة وفي لندن بأن هذه اللجنة لم تتم سعيها بعد، وبأن استقالة الوزارة في أجل قريب جدا أمر لا منصرف عنه، وإن سئل وزير الخارجية عن أمور مصر في مجلس النواب الإنجليزي منذ أيام فلم يقل شيئا، لأن الوقت لم يحن بعد ليقول وزير الخارجية البريطانية ما ينبغي أن يقول.
    كل شيء هادئ حول الوزارة في داخل مصر وخارجها، وكل شيء مطمئن ولكنه هدوء موهوم، واطمئنان يتحدث به الخيال فأما الحق الذي يدل عليه كل شيء، فهو أن أسباب بقاء الوزارة قد رقت حتى أصبح أيسر الأشياء خليقا أن يقطعها. قوتها في داخل مصر وهمية، ولولا ذلك لما عبثت بها الأكاذيب، ولما لعب بها الخيال، وقوتها في خارج مصر وهمية ولولا ذلك لما تحدتها الأهرام غير حافلة بقوتها، ولا ملتفتة إلى سطوتها، ولا خائفة منها بأسا، لأن البأس الصحيح الذي يخاف إنما هو الذي يعتمد على الحق. والوزارة في موقفها لا تعتمد على الحق، والوزارة في موقفها لا تعتمد على الواقع وإنما تعتمد على الوهم وتتعلق بأهداب الخيال، ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو وصلت إليها البلاغات الكاذبة من أطراف مصر في كل يوم، أتتعب الشرطة في الأقاليم جميعا، وتدور بالضباط والجنود في كل مكان، وتخيل إلى الناس أن الأمن الموفور قد ذهب، وأن النظام المستقر قد اضطرب؟!
    ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو أن الأهرام صدمتها في كل يوم بالتحدي كما فعلت في الأيام الأخيرة الماضية، أتصدر البلاغات الرسمية؟ فإذا أصرت الأهرام على ما تقول هانت الوزارة على نفسها، واستكانت الوزارة للأهرام كما فعلت في الأسبوع الماضي حتى يؤمن الناس إن لم يكونوا قد آمنوا بالفعل بأن بلاغات الحكومة تحترم، ولكن تصديقها شيء واحترامها شيء آخر.
    وهذه الأهرام تتحدث اليوم بعد أن تحدثت أمس، وتلح اليوم بعد أن ألحت أمس، وتؤكد اليوم بعد أن أكدت أمس أن الوزارة تتعجل البت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية الأشغال.
    وهذه السياسة تقول اليوم إن أمر هذه العطاءات سيتم على غير ما تريد الحكومة المصرية، والناس يتحدثون ويلحون في الحديث بأن مسألة الدين تزداد تعقيدا من يوم إلى يوم، وأن الحرج يستحكم حول الوزارة من حين إلى حين وإن تفرق الوزراء في الأقاليم واستراح رئيسهم في الريف، أفترى الوزارة مصدرة بلاغات رسمية تكذب بها الأهرام والسياسة؟ فما عسى أن تصنع إذا احترمت الأهرام والسياسة بلاغات الحكومة وأصرتا بعد ذلك على ما تقولان؟
    ليس الغريب أن تزعم الوزارة لنفسها القوة، وأن تؤمن الوزارة لنفسها بطول البقاء، فكل إنسان عرضة للأمل، وكل إنسان عرضة لأن يخدعه الخيال، وإنما الغريب أن تترك أمور بلد كمصر على ما لها من خطر، وعلى أنها أمور شعب كامل خاضعة لوزارة كل قوتها تعتمد على الوهم وتستمد من الخيال!
    كوكب الشرق ٦ – ٥ – ١٩٣٣ .

    وداع
    لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا، وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء.
    وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب، مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين لقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه، لا ليعملوا معه. وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس. ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!
    فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء حتى انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين، فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا، يظهر فيه الجهد والإعياء. فانظر إلى رئيس الوزراء، وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء، لا في الصباح.
    وقد كان يذهب إلى مكتبه مع الصبح، ولا يدعه حتى يتقدم الليل، وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم، وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام…!
    وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين…!
    ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوربا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء، أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى. ثم تضيف «الشعب» أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين، متى سمحت له الظروف…!
    كل هذا يحزن، وكل هذا يسوء! فمهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة. وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا بغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع.
    كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله، كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.
    وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة، ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير. وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال ويأبوا إلا إنكارها، وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم كأن شيئًا لم يعرض لهم، وكأن حدثًا لم ينزل بهم، وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!
    أمختار رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم، والنهوض بأعبائه الثقال، رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة، يأخذ منها بحظ موفور.
    أم كره رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقساها، وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية، لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!
    وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح!
    وسواء أكان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس.
    حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقي بأعنتها إلا إلى الذين يقدرون على تصريفها حقًا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم. وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل، وأطال التفكير، وقدر، وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة. وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوربا، على أن تكون هذه الأعمال خفافًا، لا مشقة فيها ولا عناء.
    هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به. وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة. وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور، أو يستقر له نظام؟
    ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها، لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريضًا إلى هذا الحد. فكيف والناس جميعًا مؤمنون، وأولهم الإنجليز، بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يستقلوا بأثقاله؟ فهم قد وضعوا في مناصبهم ليعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.
    كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر؛ لا أقول مصلحتها الحقيقية، فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة، ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ، إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء، من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.
    ما أجدر رئيس الوزراء، والذين يؤيدونه في منصبه، أن يقرؤوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك، وباطنها كله عظة، وهي قصة «المحامي» التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي تذكرنا بما نحن فيه الآن…!!
    كوكب الشرق ١٢ — ٤ — ١٩٣٣

    خاتمة
    ورُفع الستار فإذا مشهد مهيب رهيب، يملأ النفوس روعة ويمزق الأفئدة حزنًا وأسى؛ هوة بعيدة الغور، لا يكاد يظهر لها قرار، تسعى إليها في وجل واضطراب وزارة مثقلة قصيرة الخطو، لا تكاد تنهض حتى تكبو، وقد تفتحت أبواب السماء وامتلأ الجو بينها وبين الأرض بأرواح يصعد بعضها ويهبط بعضها الآخر، ولها كلها دويٌّ مختلط قد ملأ الفضاء كله، بعضه عذب كل العذوبة، وبعضه مرٌّ كل المرارة. فأما تلك الأرواح التي كانت تهبط من السماء فإنما هي ملائكة تحمل إلى الناس نسيم الرحمة والراحة، وضوء الأمل والرجاء، وتنادي الناس في أصوات حلوة أخاذة: «لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
    وأما الأرواح التي كانت تصعد في السماء فملائكة تحمل شكاية الشاكين، وبكاء الباكين، وحزن المحزونين، وبؤس البائسين، وألم الذين نكبتهم الخطوب ودهمتهم الحوادث، وامتحنهم الله في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأخلاقهم وكرامتهم؛ وكانت هذه الأرواح ترتفع إلى السماء رفيقة شفيقة، تستزيد رحمة الله للناس، وتستمطر عدل الله على القساة الظالمين.
    وكانت هذه الهوة العميقة التي لا يكاد يظهر لها قرار ممتلئة بأشباح بشعة منكرة، تضطرب فيما بينها أشد اضطراب، وتختلط أصواتها المنكرة أشد اختلاط. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة كلها أوزارًا وأوضارًا وآثامًا وسيئات، قد كُتبت عليها أسماؤها بأحرف من نار تخلب الأبصار؛ فبعضها يسمى ازدراء الشعب، وبعضها يسمى قهر الشعب، وبعضها يسمى تبذير أموال الشعب، وبعضها تسليط الأجنبي على الشعب، إلى ذلك من الأسماء التي لا تُحصى. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة تدور في هوتها العميقة الواسعة دورانًا عنيفًا، وكان لها هدير قوي مخيف.
    وكان النظارة ينظرون في الجو فيرون هذه الأرواح الهابطة وتلك الأرواح الصاعدة، فتمتلئ قلوبهم خوفًا وأمنًا، ثم ينظرون فإذا وزارة مثقلة مكدودة تسعى سعي المقيد، تريد أن تقف فتُدفع، وتريد أن تتأخر فتُرد، وهي تدنو من حافة الهوة، وحافة الهوة تدنو منها. وقد تعلقت قلوب النظارة ونفوسهم بهذا المنظر العجيب، وبهذا الصراع الرائع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين الإنصاف والإجحاف، وبين الرحمة والقسوة، وبين النعماء والبأساء. ثم ترتفع أصوات النظارة فجأة فإذا صيحة قد ملأت ما بين الأرض والسماء، كلها رضا، وكلها ابتهاج، وكلها تفدية للوطن، ثم يلقي النظارة بأبصارهم نحو الهوة فإذا هي قد أطبقت كأنها لم تكن، وإذا الأرض أمام أعينهم سواء.
    الله أكبر من كل كبير، والله أعظم من كل عظيم، والله أعز قوة وأعلى سلطانًا من أن يقاومه أصحاب القوة والسلطان، والله أشد حولًا وأعظم طولًا من أن يتحداه طاغية مهما يكن، أو يتصدى لأمره عظيم مهما يبلغ من شأنه الارتفاع.
    عفا الله عن «رئيس الوزراء» المستقيل؛ لقد جمع جموعه، وألبَّ قواه، وتأهب ثم وثب، حتى إذا استقر على كرسي الحكم رفع طرفه في الجو مطاولًا، وخفض طرفه إلى الأرض مستكبرًا، ونظر إلى من حوله وما حوله مزدريًا، ثم أعلن في ثقة وحزم: «ألا إنه عشر سنين، لن تنقص وقد تزيد». ثم مضى يصرف الأمر تصريف الواثق المطمئن الذي لا يخاف الأيام ولا يحسب للأحداث حسابًا. وما له يخاف الأيام ويحسب للأحداث حسابًا، وقد فرض نفسه على الأيام والأحداث عشر سنين لن تنقص وقد تزيد؟ فليمضِ أمامه إذن لا يلوي على شيء، ليتقدم شهرًا وشهرًا، وليتقدم عامًا وعامًا، وليمضِ آمنًا مطمئنًا حتى ينفق من سنينه العشر تسعًا أو أكثر من تسع، ويومئذ يستطيع أن يفكر في الحساب، ويومئذ يستطيع أن يقدر خطر الأيام وعادية الأحداث؛ فأما قبل ذلك فالطريق ممهَّدة مبسوطة، والرياح مواتية مسالمة، والجو صفو صحو، والبحر هادئ مطمئن.
    أما هذه الأصوات التي ترتفع من حوله ومن حول صديقه «المندوب السامي» بالاحتجاج والإنكار، وبالشكاة والأنين والتحذير والتخويف، فإنما هي نقيق الضفادع. ومتى تعود الساسة العظماء والقادة والزعماء والمسيطرون على الناس والأشياء أن يحسبوا لنقيق الضفادع حسابًا، أو يلقوا إلى نقيق الضفادع بالًا؟
    ويمضي «رئيس الوزراء» المستقيل أمامه البأس والبطش، ويتبعه القهر والعنف، ويحيط به الاستخفاف بالناس والاستكبار على الناس، والسخرية من أمر الناس، ويرمقه صديقه «المندوب السامي» بعين ملؤها الحنان والعطف، والتشجيع والتأييد، ونقيق الضفادع على ذلك متصل لا ينقطع، مستمر لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. وإذ هو قد طال حتى ثقل على الأسماع، وحتى ضاقت به نفوس، وتبرمت به قلوب، وإذن فلا بد من أن تسكت هذه الضفادع. وأي شيء أيسر من أن يفرض على الضفادع السكوت؟ إشارة يسيرة إلى الجند والشرطة فإذا الألسنة معقودة، والأفواه مكمومة، والجو من حول «رئيس الوزراء» هادئ، لا يسمع فيه إلا أناشيد النصر والفوز. وتعدو الشرطة، ويبطش الجند، وتسفك دماء، وتزهق أرواح، ويلجأ الناس إلى غير ما يحبون، ويُغرى الناس بأن يبيعوا ضمائرهم بيعًا، حتى إذا تمت الصفقة، وبِيعت الضمائر، أُذلَّ البائعون وقبضوا ثمن ضمائرهم استكانة وهوانًا.
    ويفتح «رئيس الوزراء» وأعوانه آذانهم يلتمسون في الجو أناشيد الفوز والانتصار، فلا يسمعون إلا نقيق الضفادع متصلًا، لا ينقطع، مستمرًا لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. هنالك يصدر الأمر إلى الشرطة والجند أن أمعنوا في البأس والبطش، هنالك يضع السادة القادة، الزعماء العظماء أصابعهم في آذانهم، هنالك يلقي السادة القادة والزعماء العظماء حجبًا كثيفة بينهم وبين من حولهم وما حولهم من الناس والأشياء. وإذا نقيق الضفادع يصل إلى الأسماع مهما تُسد الآذان، وإذا اضطراب الضفادع يصل إلى العيون مهما تُلقى الحجب والأستار، وإذ نقيق الضفادع واضطرابها يطغيان على كل شيء، ويغمران كل شيء، ويكتسحان كل شيء. وإذا مقاومة السادة القادة والزعماء العظماء لهذا النقيق والاضطراب تضعف شيئًا فشيئًا، وتفتر قليلًا قليلًا، وترق حتى تعجز عن الاحتمال.
    وإذا «رئيس الوزراء» المستقيل مريض لا يقوى على العمل، وإذا «المندوب السامي» مضطر إلى أن يعبر البحر إلى بلاد الإنجليز، وإذا الذين كادوا لمصر ومكروا بها يدبرون أمرهم بينهم ويجيلون الرأي في أنديتهم سرًّا وجهرًا: كيف يخرجون من هذا المأزق؟ وكيف يخلصون من هذا الضيق؟
    إيه أيتها الضفادع، ارفعي أصواتك بهذا النقيق؛ فهؤلاء الإنجليز الذين كانوا يرونكِ ضفادع قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم، ويشعرون بأنكِ لستِ من الضفادع في شيء، وإنما أنتِ الأمة المصرية الخالدة التي لن يقهرها وزير وإن كان «صدقي باشا»، ولن تذلها دولة وإن كانت دولة الإنجليز. إيه أيتها الضفادع، ارفعي صوتكِ بهذا النقيق، فإن فيه عظة لمن أراد أن يتعظ، وعبرة لمن أراد أن يعتبر. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنه يصدع آذانًا قليلة، ولكنه يحيي الملايين من الأبناء المخلصين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنما هو نشيد الحرية والإيمان بها، نشيد الاستقلال والجد فيه، نشيد العزة والحرص عليها، نشيد الثبات والإباء مهما يعظم ظلم الظالمين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق؛ فإنه صوت الأمل الذي يمحو من قلوب الضعفاء والمستضعفين ظلمة اليأس والقنوط.
    ليس مصريًّا من أشفق من ظلم الظالم، ليس مصريًّا من خاف من عدوان المعتدي، ليس مصريًّا من يئس من قدرة مصر على الحياة والعزة والفوز.
    تبارك الله، لم تتم خمسة عشر يومًا منذ أعلن «رئيس الوزراء» المستقيل أنه قد استشار أطباءه فرأى أنه قادر على البقاء في الحكم، وقد استشار ضميره فرأى أنه سيضحي بصحته في سبيل بلاده. نعم، ولم يتم أسبوع واحد على هذا الشاي الذي تساقاه الأصدقاء عند «وزير الداخلية»، فصفا ما بينهم من الأمر، ثم يمسي الناس أمس فإذا الأنباء تنتشر بينهم بأن مشورة الأطباء لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» المستقيل من أن يحتمل أعباء الحكم أكثر من أسبوعين، وبأن مشورة الضمير لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» من أن يمضي في تضحيته الأخيرة أكثر من أسبوعين، وبأن شاي الصلح لم يكن يمكن «رئيس الوزراء» من أن يبتسم للحكم أكثر من أسبوع، وبأن «رئيس الوزراء» يرفع استقالته أمس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، وبأن حضرة صاحب الجلالة الملك يرفق بشعبه ويعطف عليه فيقبل استقالة هذه الوزارة التي أذاقت مصر من الهم والغم، ومن الحزن واليأس ألوانًا، ويرحم «رئيس الوزراء» فيريحه من عناء الحكم.
    تبارك الله، لقد كُتب لمصر الفوز ما آمنت بحقها، ووقفت له، وصبرت على ما يصيبها في سبيله من الخطوب والأحوال. تبارك الله، لقد أمدَّ مصر من عزها القديم ونهضتها الحديثة بهذه القوة التي تمكنها من الوفاء، وتعينها على الثبات، وتكفل لها الفوز في الجهاد.
    ابتسموا أيها المصريون لحياتكم المقبلة، واعتزوا أيها المصريون بمجدكم القديم، واحذروا أيها المصريون أن تؤيسكم الخطوب، واحذروا أيها المصريون أن يبطركم الفوز، واعلموا أيها المصريون أن أموركم راجعة إليكم مهما تكن الظروف؛ لأنكم تريدون ذلك وتصممون عليه. سيقولون لكم إن المحنة لم تنتهِ بعد، ولعلها أن تطول، ولكنكم قد احتملتم أثقل أعبائها، وبلَوتم أمر قسوتها، وخرجتم بعد ذلك ظافرين. ومهما تتنكر لكم الخطوب فلن تلقوا شرًّا مما لقيتم، ولن تلقوا مثل ما لقيتم، ولن تجدوا من خصومكم بعد اليوم إلا كيد الضعيف ومكر المخفق المشفق.
    فثقوا بالله وانتظروا منه التأييد، وأوفوا بعهد الوطن، وأحسنوا في سبيله الجهاد، وأخلصوا الحب لصاحب العرش، وانتظروا منه العناية الرشيدة، والرعاية الحكيمة، والعطف الكريم.
    [1] كوكب الشرق في ٢٢-٩-١٩٣٣.

  • حرب الحكومة على الفكر الحر | The Government’s War on Free Thought and Free Assembly

    عهد
    أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضا الناس عني، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي. فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين يتفضلون عليّ فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضا.
    كذلك كنت منذ بدأت أكتب، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا. فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم، ويحسنوا بها الظن، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال.
    لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في «الكوكب» فأحبوا ذلك، ورضوا عنه، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له. نعم، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في «الكوكب»، وألحوا عليّ في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر، والرغبة في الخير لي، وللقراء مما سأكتبه.
    نعم، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون. ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين، وقبلت مغتبطًا رضا الراضين، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني. فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي، ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين.
    وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب. فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب «الكوكب» وقراؤه، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء.
    وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور؟ كل شيء ضيق من حولنا، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي، فضيقته وبالغت في تضييقه. ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق، وتأخذنا بتصغير عقولنا، وتقصير ألسنتنا، والكبح من أقلامنا، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة، وبسلطانها الإداري مرة أخرى. وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة، رقيقة مسرفة الرقة، حساسة حادة الحس، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله، لا بما ينكر العرف، ولا بما ينكر الدستور، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق. وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر، فيباح أو يحظر. وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا، وعلى غير وجهه أحيانًا. وإذا تفكيرنا يتهم، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه، وكل شيء نأباه مرغوب فيه. وتمضي الأسابيع والأشهر، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة. فلابد إذن من أن تضيق العقول، وتضعف الإرادة، وتنحل العزائم. وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم، ولتجمعه كله إليها، ولتحصره كله في يدها، ولتضغطه ما وسعها الضغط، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا.
    هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان، فيجب أن تظلها بجناحها، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق. وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر. وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي؟
    هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي. فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله.
    نعم، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط، ويقودونه إلى الرقي والخير.
    لندع التفكير في هذا كله، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء، ويستأثر بكل شيء، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة.
    كل شيء ضيق من حولنا، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان، وإنما الغريب أننا لم نتأخر، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة. وليس الغريب أن عقولنا لم تزدد سعة، وأن إرادتنا لم تزدد قوة، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية، وأخذت علينا كل سبيل.
    نعم، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه. فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية، والعزيمة الماضية، والقوة على المقاومة.
    وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد.
    كوكب الشرق ٩ – ٣ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    تضليل…

    يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يثاب من أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويعاقب من أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله، على حين تريد الحضارة، ويريد الرقي، وتريد الأخلاق، ويريد الدين، أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه.

    ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات، فلا ينبغي فيما يقال إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين، أن تكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يصور للأجيال الحاضرة، والأجيال المقبلة، تصويرًا صادقًا، ويبين للناس ما قدم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.

    وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.

    فالقانون الذي يراد إصداره، إن أتيح له الصدور، سيدخل إذن بين الكتاب والمؤرخين، وبين ضمائرهم، وسيكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيلزم إذن كل كاتب، وكل مؤرخ يعرض للموتى، بأن يتحرى ما يمكن وما لا يمكن، ويتبين ما يساغ وما لا يساغ، ويبحث عما يرضى وما لا يرضى، ولا يقول من ذلك كله إلا ما لا يعرضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء، ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا.

    وإذن فسيفرض على الكتاب والمؤرخين، حين يعرضون لسير الموتى، ألا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدوات للتضليل، – وأي تضليل؟ – لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد.

    والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر، ليضيق بها، وينفر منها، ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاء للنفس، تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها، ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا.

    والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء، يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًا، أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ، من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ، أو الحرية البحث التاريخي، مهما تكن الظروف.

    الغريب أن في مصر نقرأ من هؤلاء، وأنهم يقرأون ويسمعون ما يذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يدبر للتاريخ، فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون، لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة، التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد، وقدرة على الدفاع.
    والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه، كما ينبغي أن ينفذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة، وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حر إلى الآن، فلابد من تقييد هذه الحرية، ولابد من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء، حماية لمن فارق هذه الدار، أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له، حين كان التاريخ حرًا، فلابد من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقية من جراثيم الحرية والحق، ولابد من أن يعاد تأليف هذه الكتب، ليرد التاريخ إلى ما يراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولابد مع ذلك من تعيين المراقبين، لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون، ويستطردون، ولعلهم أن يمسوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا، حماية للموتى، وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!

    والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية، وما ينالها من رقي، وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة، ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغى أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبتنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة، ثم على المؤتمر، هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.

    فمن يدري؟ لعل هذا المذهب أن يوافق رضى المؤرخين في الأرض كلها، فيصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويسجل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد!

    والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد، ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة، والتاريخي خاصة، من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ، وفي رعاية حرمات العلم، على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقر هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها…

    وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها، فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون بما لم تقم به الوزارة، ولم يقم به المؤرخون.

    وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم، ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.

    ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله، ليست نائمة، ولا راكدة، ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة، جادة، تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب…

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١

    إغراء
    كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
    وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
    كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
    وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
    في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
    وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
    كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
    ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
    كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
    أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
    ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
    إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
    أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
    كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣

  • بقايا أزمة التبشير | Missionary Crisis, Loose Threads

    عدوان

    زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه، واستغاثتها به، حتى قال: لبيك، لبيك، ونهض من فوره، فغزا بلاد الروم، وأمعن في غزوها، ودمر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا، موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

    السيف أصدق أنباءً من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

    وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم، أو يقال إنها تريد أن تقبل. وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كل الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

    الله يشهد ما نريد شرًا، ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا، ولا نغري به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دورنا، مطمئنين في بلادنا، لا نعتدي على أحد، ولا يعتدي علينا أحد. نريد ألا نكون أذلة في بلادنا، والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا، والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا، والأجنبي فيها غني موفور.

    نريد أن نأمن على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا. وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض.

    نحن لا نكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا، فاشتدت في البطش، ولنكلت به حكومتنا، فألحت في التنكيل. أستغفر الله، بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين، ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك، أو هموا أن يفعلوه، لعج الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجوا، ولتقدمت حكومتنا إلى رجال الدين بأن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير.

    نحن إذن لا نكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام. فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا، لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا، راضيًا، راغبًا فيه، لا مكرهًا عليه إكراهًا، ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

    هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم، ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له؟ فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا، ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم، ويدخلوا في دين لا يحبونه، ولا يريدون الدخول فيه.

    هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم، باللين حينًا، وبالشدة حينًا، بالحيلة مرة، وبالقهر مرة أخرى.

    هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك، لا في مدينة واحدة، بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد، بل في أوقات مختلفة. وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين، فلا يحفلون بها، ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان.

    وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا عنيفًا. وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا شديدًا.
    أفيريد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقر هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يقدر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون، وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المخوف، وكما نسمع للخصم المريب؟

    إن كانوا يريدون ذلك، ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء، وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم، وهو الدين.

    ووزارتنا القائمة، ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم، ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف، ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام، في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟

    بلى، لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى، فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها، والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين.

    وخيل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر، والبرلمان، والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها سترد الأمر إلى نصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين، وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين، ويصرفوا عنه إلى الكفر به، والخروج عليه.

    ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًا من تهدئة الخواطر، وإسكات الناس!
    فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا. وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها، وتلح في إذاعتها، وتستنهض الحكومة، وتلح في استنهاضها، وتنبه الشيخ الأكبر، وتلح في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!!!

    وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان، حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلطوا عليها العذاب. ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة، فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!!

    يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة: أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس، ويعرضون الأمن للخطر. وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم، وأتوا هذا المنكر في وضح النهار، تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعز فيه الإسلام ولا يذل، ويجب ألا تكون حرية أهله عرضة للعبث الأجنبي وعدوانه.

    والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني، فقد كثرت الوعود، واتصلت الأماني، ولم يكف المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم.

    يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن ينفى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة. فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يبيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين.

    ولكن الحكومة، فيما يظهر، لا تريد، أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان، رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

    وقد أحس المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك، والعناية به. فلعل أمر جلالته السامي، إن صدر إلى الحكومة، أن يمدها بروح من القوة، وأن يشد عزمها، ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق، والكرامة، والحرية، والدين.

    أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه: أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين، فسافر في الدرجة الثانية، وأخذ أجرة السفر في الدرجة الأولى؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة، ويصرفهم عن الطربوش؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين، يكذبون عليهم، ويذيعون عنهم الكفر، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها معصية!!

    ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا.

    ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين، وهم حرب عليه.

    كوكب الشرق ١٠-٦-١٩٣٣

    فتنة
    لم يكن من الخير أن تثار، ولم يثرها أحد من المصريين، وإنما أثارها قوم من هؤلاء الذين تغريهم المنفعة بالشر، ويفسد عليهم التعصب كل شيء، فلا يتحرجون من اقتراف الجرائم، ولا يترددون في اجتراح الآثام ما داموا يجدون في ذلك تحقيقًا لمنفعة أو إرضاء لحاجة، أو شفاء لغل. هؤلاء الذين أقبلوا إلى هذه البلاد ضيوفًا فلم يرعوا لها حرمة، ولم يحفظوا لها عهدًا، وإنما اعتدوا على أهلها جميعًا سواء منهم المسلمون وغير المسلمين، يفتنونهم في دينهم ويصرفونهم عنه بألوان الغواية وضروب الإكراه.
    هؤلاء هم الذين أثاروا الفتنة، وقد أثاروها مرة ومرة. وقد ثبت المصريون لهم وصبروا عليهم، وطلبوا إلى حكومتهم أن تقر الأمر في نصابه وأن ترد هؤلاء الناس إلى حيث يجب أن يكونوا من رعاية القانون والخضوع للنظام. وكانت الصحف المصرية وما زالت لا تعرض لهذا الموضوع إلا محتاطة، ولا تتكلم فيه إلا متحفظة لأنها كانت وما زالت تقدر أن إثارة العواطف الدينية خطر يجب الاحتياط فيه والتحفظ منه، ولكن هؤلاء الناس مضوا فيما قصدوا إليه، وألحوا فيما عمدوا إليه من فساد، وقصرت الحكومة أو عجزت عن النهوض بواجبها فلم تحم دين المصريين ولا كرامتهم ولا عزتهم القومية حتى انتهى الشر إلى غايته وبلغ عدوان هؤلاء الناس أقصاه، فإذا الصبيان ينصرون جهرة، ويصرفون عن دينهم في وضح النهار، وإذا أحكام القضاء تعطل وتعجز الحكومة عن إنفاذها، وإذا أوامر الحكومة تهمل وتعجز الحكومة عن أخذ هؤلاء الناس باحترامها، وإذا ضروب الكيد للمصريين تكثر وتنتشر حتى تتناول كل شيء، فالفتيات يسلط عليهن الحب حتى إذا تورطن فيه دفعهن إلى الردة، وجعل لغير المسلمين سلطانًا عليهن. فلما انتهى الأمر إلى هذا النكر وضج الناس من شره، همت الحكومة بشيء من الحزم ولكنها لم تبلغ به شيئًا، فهذه مبشرة أخرى في بورسعيد سافرت ولكنها توشك أن تعود، وهذه مبشرة أخرى في بورسعيد تتحدى الحكومة فتأبى أن تسلم لها الفتيات المسلمات. وهذا حكم من أحكام القضاء بالفرقة بين مسلمة ومسيحي لا تجد الحكومة إلى إنفاذه سبيلًا. وأخبار هذا كله تنشر في الصحف مفصلة مطولة، والناس يستكشفون في كل يوم شرًّا، ويفضحون في كل يوم سرًّا، والرسائل تبلغ الصحف كثيرة متصلة ملحة مستنهضة للهمم، مستثيرة للعواطف، مستقلة ما تبذله الصحف من جهد، منكرة صمت الصحف الصامتة وفتور الصحف الفاترة. ونحن نلقى هذا كله صابرين متحفظين، مبالغين في الصبر والتحفظ، لأننا ما نزال نعتقد أن هذا الأمر فتنة لم يكن ينبغي أن تثار، وأن هذه الفتنة بعد أن أثيرت يجب أن تخمد وأن يرد شرها عن الناس.
    لذلك لا نزال نلح على الحكومة في أن تبحث عن نصيب آخر من الشجاعة غير هذا النصيب الذي ظفرت به في الأسبوع الماضي، فقد ظهر أن شجاعة الأسبوع الماضي لا تكفي، وأن حزم الأسبوع الماضي أضعف من أن يفي بالحاجة ويبسط سلطان الحكومة، لا أقول على المبشرين، بل أقول على هؤلاء الفتيات المصريات اللاتي يغتصبهن المبشرون اغتصابًا.
    يجب أن تبحث الحكومة عن نصيب جديد من الشجاعة والحزم لعل الله أن يفتح به عليها، فتشعر هؤلاء المبشرين بأنهم يقيمون في بلد متحضر، فيه دولة قائمة، ولهذه الدولة نظم يجب أن تحترم، وحرمات يجب أن ترعى، وقوة يجب أن تطاع. فمن تعدى حدود هذه النظم وهذه الحرمات وهذه القوة فإن هذه الدولة قادرة على أن تأخذه بالحق في ذلك أخذًا عنيفًا.
    ومن الأشياء التي لا تقبل شكًّا ولا نزاعًا أن لمصر دستورًا، فمن أنكر ذلك عاقبه القانون، وأن هذا الدستور قد أنشأ في مصر برلمانًا، فمن أنكر ذلك ساقته النيابة إلى القضاء، وأن في هذا البرلمان شيوخًا ونوابًا قد رزقهم الله قوة وبأسًا، وآتاهم بسطة من العلم والجسم، ومنحهم ألسنة تقول فتكثر القول، ومنحهم أيديًا لا تمتنع عن الحركة ولا تتردد في الامتداد بالبطش أحيانًا. ومن المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا أن هذا البرلمان قد أظهر غير مرة حرصًا على الدين وغضبًا للإسلام، وطالب الحكومة غير مرة بحماية هذا الدين والذود عن الإسلام. ومن الحق الذي لا شك فيه أن من أعضاء هذا البرلمان من ثار وفار، وقر ثم دار، وسكن ثم طار، وأسرف في التبشير والإنذار، ولم يتحرج من التجني على المسلمين واتهامهم بغير الحق وإثارة الحفائظ عليهم وإغراء العامة بهم، وما زال بزملائه النواب حتى كان الاستجواب، وكثر فيه الكلام، واشتد فيه الخصام، وانتصر فيه الإسلام، وأصبح رئيس الوزراء له راعيًا، ولحوزته حاميًا، واضطربت له الأرض وزلزلت زلزالها. كل هذا محقق لا شك فيه، وكل هذا يفرض على البرلمان اليوم حقوقًا إن قصر فيها أو نكل عنها أثبت على نفسه أنه لم يكن مخلصًا لله ولا للدين يوم ثار تلك الثورة ويوم هاج وماج وأثار ذلك العجاج.
    ومن المحقق أن في هذا البرلمان شيخًا يسميه الناس شيخ الإسلام، وإن لم يكن للإسلام شيخ. ومن المحقق أن شيخ الإسلام هذا قد أظهر الغضب للأمة في غير حاجة إلى هذا الغضب، وقد اتهم المسلمين بالكفر، وأغرى بهم سلطان الدولة، وقد اعتدى على كتب المسلمين السابقين وطلب إلى الدولة مصادرتها، وأذعنت له الدولة فصادرتها وقتًا ما. فعلى هذا الشيخ الذي يغضب في غير موضع للغضب، ويثور في غير داعٍ إلى الثورة، ويظهر الآن غيرته على الدين وذوده عنه وقيامه دونه، أن يطالب البرلمان الذي هو عضو من أعضائه بأن يتخذ في هذا الأمر موقفًا حازمًا أشد حزمًا من موقف الحكومة، حتى لا يقال إنه لم يغضب للإسلام يوم غضب، وإنما غضب للسياسة ومنافعها العاجلة، ولم يثر للإسلام يوم ثار، وإنما ثار للمنصب والمرتب.
    ومهما يكن من شيء فقد أظهرت سيرة المبشرين أن تصريح وزير الداخلية لم يصنع شيئًا، ولم يكفهم عن إثمهم، بل أغراهم به وحببه إليهم، فلا بد إذن من أن يجد وزير الداخلية لنفسه وسيلة أخرى تجعل تصريحه قاطعًا مقنعًا محدثًا لأثره عند المبشرين. لا بد من أن يعلم البرلمان إن كان حريصًا على العلم من أين يعلم المسلمون أن هذه المبشرة التي تكايد الحكومة في بورسعيد قد أذعنت للحكومة وأسلمت إليها الفتيات، وأن حكم القضاء قد أنفذ. ولا بد من أن يصبح هذا المقدار الذي تريد الوزارة أن ترصده للملاجئ والمدارس شيئًا مقررًا، ومن أن يصدر القانون بإقراره قبل أن تنتهي الدورة البرلمانية. ونحن نؤكد للوزارة والبرلمان أن أمر هذه المدارس والملاجئ أنفع للأمة وأجدى عليها من هذه المشروعات التي تعجلتها الحكومة فأصدرت لها الملايين ومئات الألوف وعشرات الألوف. ونحن نؤكد أنه قد تنقضي الدورة ولم يصبح أمر هذا الاعتماد حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها أو الالتواء بها. ولو أنا نستطيع أن نطمئن إلى أن البرلمان سيسمع لدعوة الداعين وسيصور حقًّا رغبة الأمة في الدفاع عن كرامتها والذود عن دينها لطلبنا إليه ألا ينفض حتى يصدر من القوانين ما تقتضيه حياتنا في هذه الأيام مع هؤلاء المبشرين الذين لا تزيدهم هذه الفتنة إلا إلحاحًا في الشر وإسرافًا في الطغيان.
    لو أننا نعلم أن البرلمان سيحرص حقًّا على أن يصور ميول الأمة ويرضي حاجاتها لطمعنا منه في استجواب كذلك الاستجواب الذي أثير في العام الماضي حول أكذوبة من الأكاذيب، وضلالة من الأضاليل، ومكيدة من هذا الكيد السياسي الذي أفسد في مصر كل شيء.
    نعم، من الحق على البرلمان لنفسه ولدين الدولة ولكرامة حامي الإسلام وراعيه، ذلك الذي يقيم الآن في فرساي، من الحق على البرلمان أن لا يختم دورته هذه دون استجواب تظهر فيه الحكومة ما تريد أن تفعل، وتأخذ فيه الحكومة عهدًا على نفسها بالسعي الملح في إصدار القانون الذي يمكنها من مراقبة التعليم الحر كله.
    هذا الاستجواب — إن كان — يزيل عن البرلمان وصمة لا نحب أن يوصم بها، وهي أنه لا يستجوب إلا حين لا يكون على الحكومة من الاستجواب بأس.
    فليتوكل البرلمان على الله، وليسع خطيبه الفذ وبطله المغوار إلى شيخ الأزهر حيث يقال إنه سعى في العام الماضي، وليكتب أو ليستكتب فيها استجوابًا كذلك الاستجواب الذي كتبه أو استكتبه في العام الماضي كما يقال، وليخطب فيبدع فإن الموضوع خليق بالخطابة والإبداع. وهو لن يحتاج في هذه المرة إلى من يختلق له الأكاذيب ويلفق له الأباطيل كما احتاج في العام الماضي، وسيسعى الناس إلى مجلس النواب ليسمعوه طائعين لا كارهين، ومختارين لا مدفوعين؛ فقد كان يقال في العام الماضي إنهم كانوا يجذبون جذبًا إلى مجلس النواب، وكانوا يدفعون دفعًا إلى مجلس النواب ليسمعوا ثم يهتفوا. وقد سمعوا وهتفوا، ونحن نؤكد للخطيب البطل أنهم في هذه المرة لن يترددوا في الذهاب إلى المجلس، ولن يترددوا في الإعجاب بالمجلس والوزارة إن استطاعا أن يدفعا عنهم شر المبشرين.
    أما بعد، فلسنا نحب هزلًا، ولا نقصد إلى دعابة، وإنما ننبه الوزارة والبرلمان إلى أن أمر المبشرين إن ترك كما هو فسينتهي بالبلاد إلى فتنة منكرة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، ولكنها تصيب الآثم والبريء، وإن أول واجب على الوزارة والبرلمان اللذين يحرصان على إقرار النظام وتثبيت الأمن أن يدفعا شر هذه الفتنة عن الناس، ويدفعاها في أسرع وقت.
    كوكب الشرق ١٨ – ٦ – ١٩٣٣

    نظام
    كره الحكماء في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل تجاوز الحد، وضاق الحكام في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل بالغلو والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل، وما ينهجون من نهج في الحياة. ويخيل إلينا أن علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد والحرص على الاعتدال، وهم أحق الناس بتجنب الإفراط وتجنب التفريط معًا.
    فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر. وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب، وأن يتجنبوا بنوع خاص عيب الإفراط وعيب التفريط لأنهم مصدر كثير من الرذائل وسبيل كثير من الآثام. وقد قصر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا آخذهم به الناس ولاموهم عليه. فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم فيها الصمت ولا الجمود. وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة ولا الذود عن الدين مهنة، ولم يتقاضوا على ذلك من الدولة أجرًا، ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون، ويدفعون ويذودون، ومهما يقل القائلون فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين.
    ولم ينس الناس بعد موقف الأزهريين من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في بيت المقدس، ولا موقفهم من هذه الأحداث التي ألمت بالمسلمين في بلاد العرب من مراكش إلى طرابلس ففتنت جماعة منهم عن دينهم، وآذت جماعة منهم في أموالهم وأنفسهم وحرماتهم. ولا موقفهم من مقتل الشهيد الطرابلسي، ولا من مرض الإمام السنوسي ووفاته وصلاة الغائب عليه.
    لم ينس الناس مواقف الشيوخ الأزهريين من هذه الأحداث كلها، ولا من هذا الحدث الأخير الذي أصاب المسلمين في كرامتهم ودينهم كما أصاب المصريين جميعًا في كرامتهم ودياناتهم بما كان من اعتداء المبشرين الظاهر والخفي على الفتيان والفتيات، والبائسين والضعفاء. فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت، وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد الاضطراب ونفوسهم هادئة، وخفقت قلوب المسلمين والمصريين أشد الخفقان وقلوبهم مطمئنة مستقرة في الصدور. وضج الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس بجمود الشيوخ، وألح الناس في الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه. وظل الشيوخ صامتين، هادئين حتى نهض غيرهم فقال ونهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردد نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك ونثني عليهم ونشجعهم على المضي فيه، وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به. فكان صمت الشيوخ العميق، وسكون الشيوخ الطويل تورطًا في التقصير الذي يعاب به علماء الدين بنوع خاص إن آثروه وقصدوا إليه في غير تورط ولا اضطرار، ولكنا مع ذلك نسينا للشيوخ هذا التقصير وألححنا على الناس في نسيانه وقلنا إن الحركة المتأخرة خير من السكون الدائم والجمود المقيم.
    ولكن الشيوخ فيما يظهر محتاجون إلى شيء من التجربة حين يقصدون إلى الأعمال العامة، أو يندفعون إليها لأنهم لم يجربوا هذه الأعمال كما ينبغي ولم يأخذوا بحظهم من ممارستها. فهم مضطرون بحكم هذا الإهمال وهذا البعد من مشاركة الناس في حياتهم العامة إلى أن يتورطوا في أحد العيبين: فإن سكتوا أغرقوا في السكون، وإن عملوا أسرفوا في العمل، واندفعوا فيه إلى غير حد، أو إلى حد كان يحسن ألا يبلغوه. فالذي كان يطلبه المسلمون من الشيخ الأكبر وأصحابه لم يكن عسيرًا، ولا شاقًا ولا معقدًا. إنما كانوا يطلبون إليهم أن يغضبوا لدينهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويوجهوا أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى الأمة والحكومة معًا فيطلبوا – وقد فعلوا – إلى الأمة أن تفطن لكيد المبشرين، وتصرف صبيانها وضعفاءها عن معاهدهم، وتنشئ ما يغني عن هذه المعاهد الخطرة. ويطلبوا إلى الحكومة – ويقال إنهم قد فعلوا – أن تنهض بواجبها على أحسن وجه فتكف المعتدي عن عدوانه، وتحمي المصري من هذا العدوان. وتتخذ إلى ذلك سبلها السياسية والإدارية والمالية والقضائية فتنشئ الملاجئ وتغلق معاهد العدوان وتنفي الآثمين من الأرض.
    ولم يكن المسلمون يطلبون إلى شيوخ الأزهر أكثر من أن يدعوا إلى ذلك ويلحوا في الدعاء حتى تستجيب لهم الأمة وتستجيب لهم الحكومة، ولكن شيوخ الأزهر اندفعوا فيما يظهر إلى أبعد مما كان يطلب منهم، بل إلى أكثر وأثقل مما يطيقون حتى وإن أيدتهم الوزارة وشدت أزرهم وحمت أظهرهم، واحتكرت لهم وحدهم في غير موافقة للدين أمر حماية الدين، والدعاء إليه.
    فها هم أولاء ينظمون الجماعات ويؤلفون اللجان الخاصة والعامة، ويحاولون أن يبثوا لجانًا فرعية في أقطار مصر، ويجعلوا أنفسهم لا حماة للدين، وذادة عنه فحسب، بل جباة للمال، ومدبرين له أيضًا. وهذا نظامهم الذي أذاعوه يدل دلالة واضحة على أنهم لا يكتفون بالدعاء إلى الله، والهداية إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وإنما يريدون أن يكونوا قوة عاملة منظمة أصلها في الأزهر وفرعها في أطراف الأرض لها مجالس ولجان وخزانة وخزان، ولها أسرار وأمناء أسرار، ولها محفوظات وأمناء على هذه المحفوظات، وفيها آمر ومأمور، وفيها مقترحون ومنفذون إلى آخر هذا النظام المعقد الذي نشرته الصحف منذ أمس والذي هو أشبه بنظم الجماعات والأحزاب منه بما تحتمله الهيئة الموقرة من رجال الدين.
    نعم إن الهيئة حظرت على نفسها العمل في السياسة أو التعرض لها، ولكن يقال – وكنا نحب أن يكذب هذا الذي يقال – إن الهيئة لم تستطع أن تخلص من السياسة أو مما يشبه السياسة، فقد اجتمعت واجتمعت ولم تدع بعض أعضائها إلى شهود هذه الاجتماعات والاشتراك فيها. والناس يتأولون هذا الإهمال ويذهبون فيه المذاهب. ويقال – ولا سبيل إلى تكذيب هذا الذي يقال – إن الهيئة قد قبلت من الحكومة هذا الاحتكار الذي وقف عليها وحدها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قصة المبشرين. وكان الحق عليها للدين ولنفسها ألا تقبل هذا الاحتكار المعيب، فالأمر بالمعروف حق المسلمين جميعًا، وواجب على المسلمين جميعًا. وقبول الهيئة هذا الاحتكار ممالأة للحكومة عما لم يكن ينبغي أن تمالئها عليه أو هو على كل حال إذعان للحكومة فيما لم يكن ينبغي أن تذعن لها فيه. وسواء أكان الأمر ممالأة أو إذعانًا فهو مجاراة للسياسة وتورط فيها.
    ويقال – ونظام الهيئة هو الذي يقول ذلك – إن الهيئة قد اتخذت لنفسها لجنة تنفيذية تتألف من أعضاء قليلين لا يتجاوزون الخمسة، فيهم الشيخ الأكبر ووكيله ومفتي الديار. وجعلت لهذه اللجنة سلطانًا طويلًا، عريضًا عميقًا، لا يفلت منه شيء ولا يشذ عنه شيء وليس لشيء عليه سبيل. فلجنة العلماء لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا أن تنشر إلا إذا أذنت لها لجنة الخمسة. وكذلك لجنة المال وكل أعمال الهيئة مهما يكن موضوعها وأغراضها رهينة بلجنة الخمسة. فلجنة الخمسة هذه مسيطرة على رجال الدين جميعًا فيما يعملون ويقولون للدعوة إلى سبيل الله. وهذا أيضًا نوع من الاحتكار غريب، وضرب من الاستئثار يذكر بنظم الأحزاب التي تريد أن تكون قوية واسعة السلطان، بعيدة الأثر في الحياة.
    كل هذا كثير، وكل هذا معقد، وكل هذا يدعو إلى التفكير في أن الهيئة تسير في طريق قد لا يرضاها المسلمون، لأنها لا تلائم طبيعة الحياة الإسلامية، ولأنها أقرب إلى تنظيم حزب للأكليروس لا يحتمله الإسلام، لأنه ينافي طبيعته السهلة اليسيرة.
    ولعل الهيئة تحسن الظن بنفسها وبالناس وتحسن النصح لنفسها وللناس إن عدلت عن كل هذا التعقيد الذي لا حاجة إليه والذي لا يحتمل البقاء الطويل، ولا يستطيع أن يثبت لتغيرات الأيام والظروف فاكتفت بالدعوة إلى الخير توجهها إلى الأمة والحكومة، وتلح فيها، وتركت العمل للقادرين عليه. فهي إذا جمعت من أموال العلماء مقدارًا ضخمًا أو نحيفًا خليقة أن تدفعه إلى الحكومة أو إلى جماعة من جماعات الخير لتدبره وتنفق منه في الوجوه التي جمع لها، وهي غنية عن تنظيم اللجان وبثها في القرى والمدن والأقاليم. فهذا نوع من النشاط غريب بالقياس إلى هيئة الشيوخ، لا يستطيع الناس أن يفهموه ولا أن يألفوه، ولا أن يطمئنوا إليه. ونحب مخلصين أن يطمئن الناس إلى ما يصدر عن رجال الدين، إن التقصير عيب، والإسراف عيب. وقد تورطت الهيئة في العيبين فيما يظهر. فهل لها أن تخرج من الإسراف كما خرجت من التقصير، وأن تؤثر ما يأمر الله به من القصد والاعتدال؟
    كوكب الشرق ٢٧ – ٧ – ١٩٣٣