Category: Uncategorized

  • في الحب | On Love

    في الحب
    سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!

    ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.

    وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:

    سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ

    أم هل لقلبي عنكم زاجرُ



    قد سمع النَّاس بوجدي بكم

    فمنهم اللائم والعاذرُ





    ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.

    وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.

    فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.

    وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.

    أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.

    فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.

    وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.

    فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.

    وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.

    وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.

    كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.

    في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.

    وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.

    والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.

    ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

    أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.

    أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.

    وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.

    وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.

    ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.

    وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.

    فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.

    فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.

    ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.

    كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.

    وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.

    وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.

    وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.

    وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.

    فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.

    وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.

    ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.

    كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.

    على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.

    وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.

    وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.

    فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.

    على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟

    أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.

    وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.

    فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.

    وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.
    الكاتب المصري فبراير ١٩٤٦

  • طه حسينن يكتب عن مشكلة التبشير | Taha Hussein Writes About The Missionary Problem

    تحريض
    ولكنه لا يثير أحدًا، ولن يهيج أحدًا. ولن يغيظ أحدًا، لأن سره واضح والكيد فيه ظاهر، والمكر فيه أوضح من أن يخفى على الناس.
    فأنت قد قرأت – من غير شك – هذه الرسالة التي أبرق بها مكاتب التيمس إلى صحيفته ونشرتها الصحف مساء السبت. وأنت قد رأيت فيها، من غير شك هذه الجملة المريبة التي ختم بها مراسل التيمس حديثه عن موقف المصريين من التبشير والمبشرين. وأنت قد فهمت – من غير شك – أن مكاتب التيمس ليس راضيًا ولا مسرورًا لأن أمر المبشرين لم ينتج النتيجة التي يتمناها المستعمرون، ولم ينته إلى الغاية التي يريدون أن ينتهي إليها وهي الفتنة المظلمة القاتمة التي يختلط فيها كل شيء، ويفسد فيها كل شيء، وتفترق فيها الآثام، وتجترح فيها الجنايات، ويكون فيها الاعتداء على الأنفس والأموال، وتكون فيها الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، ويضطرب فيها النظام إلى أقصى غايات الاضطراب، ويلجأ فيها الأجانب إلى دار المندوب السامي مستغيثين ومستجيرين، فتسرع إليهم بالغوث، وتمد لهم في الجوار، وتعلن إلى مصر ولغير مصر أنها مضطرة إلى العمل لحماية الأنفس والأموال، وصيانة الأمن والنظام، بعد أن عجزت الحكومة عن أن تحمي الأنفس والأموال، وتصون الأمن والنظام.
    هذا هو الذي يتمناه المستعمرون، ويودون لو ظفروا به، ووفقوا إليه، ومن يدري؟ لعلهم يضيقون بهدوء مصر، ولا يكفيهم أن تضطرب فيها النفوس، وإنما يريدون هذا الاضطراب البغيض الذي يمكن من انتهاز الفرص والصيد في الماء العكر كما يقولون. ومن المرجح أن مكاتب التيمس لا يرضيه أن يرى مصر – كما هي الآن – ساخطة أشد السخط، ولكن في هدوء يحرج ويغيظ، فهو أشبه بهذه السيدة الجميلة الفاتنة التي لا يعجبها هدوء البحر واستقراره فتتمنى على ربان السفينة لو ثارت عاصفة أو هاج البحر بعض الهيجان لتضطرب السفينة شيئًا من الاضطراب.
    مكاتب التيمس يسجل أن الحكومة اضطرت إلى أن تتخذ احتياطات شديدة لتخفف السخط على المبشرين وتهدئ إنكار الناس لما يقترفون من إثم، وما يسرفون فيه من عدوان. وكنا نحب لو أن الحكومة اتخذت من الإجراء ما يهدئ سخط الناس حقًا، واضطرت مكاتب التيمس إلى أن يسجل شيئًا غير الذي سجله، إلى أن يسجل مثلًا أنها أغلقت بعض معاهد التبشير لتكف عدوانهم فيهدأ الناس، وتمحو آثامهم فيرضى الناس، ويسجل مثلًا أنها انتفعت بالإذن الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة في تنظيم المراقبة التي تفرض على المبشرين، فأسرعت في هذا الحديث وفرغت منه وهيأت مشروع قانون يمكنها من هذه المراقبة، فجدت في إصدار هذا القانون كما تجد في غيره من الأعمال التي لا تدعو إليها حاجة قاسية ولا تفرضها ضرورة ملحة. ويسجل مثلًا أن الحكومة قد فهمت واجبها على وجهه، ونهضت بهذا الواجب كما ينبغي أن تنهض به الحكومة الرشيدة التي تعرف حرمة الدولة وتريد أن ترعاها، والتي تقدر كرامة الدولة وتريد أن تحفظها، فرأت أن مراقبة التبشير والمبشرين لا تكفي لإرضاء المصريين ورعاية حرماتهم والمحافظة على كرامتهم. وإنما السبيل في ذلك أن يمنع التبشير في مصر منعًا، وأن يحظر على الأجانب مهما يكونوا أن يدخلوا بين الناس وبين عقائدهم ودياناتهم، فهيأت مشروع قانون تمنع به التبشير وتحرمه تحريمًا. ويسجل مثلًا أن الحكومة المصرية فهمت آخر الأمر أن التبشير إنما يقبل في بلاد الهمج والمتوحشين، لا في بلاد الحضارة الراسخة والمدنية الراقية، وأن مصر عرفت المسيحية قبل أن تعرفها أوروبا وأمريكا، وحمت المسيحية قبل أن تحميها أوروبا وأمريكا، وقام فيها للمسيحية مجد قديم ليس أقل خطرًا من المجد الذي قام لها في أوروبا وأمريكا. فلا ينبغي أن يغير قوم من الآفاقيين وطلاب الرزق على مصر باسم المسيحية التي نشأت فيها ووجدت فيها العز والأمن والمجد. وفهمت ولو بعد طول الوقت وكثرة الانتظار أن الإسلام دين خير وبر، ودين مودة ومعروف، ودين حضارة ورقي. وقد أنقذ العالم وقتًا ما من طغيان الطغاة وبغي البغاة، وظلم الظالمين، ورفع لواء العلم والحضارة ظافرًا مؤيدًا، وهو اليوم كما كان أمس قادرًا على أن ينقذ أهله وغير أهله من الظلم والبغي والطغيان، وهو اليوم – كما كان بالأمس – قادر على أن يظل العلم ويحميه، وعلى أن يظل الحضارة ويرعاها. وما ينبغي لبلد تعيش فيه المسيحية والإسلام في مودة وصفاء أن يفسد أمره الأجنبي متعصبًا لدين على دين، معتديًا باسم دين على دين، مفسدًا لما بين الدينين من المودة وحسن الجوار، باعثًا لهذه العواطف المنكرة، عواطف التعصب والحقد والبغض باسم العقيدة والدين.
    كنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا قد فهمت هذا كله فتحدثت إلى المندوب السامي وإلى غيره من الوزراء المفوضين في تحريم التبشير، واجتثاث أصله من هذا البلد، وكنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن الحكومة المصرية الإسلامية قد فهمت آخر الأمر أن الإسلام لا يبيح هذا النوع من التبشير في السر مرة وفي الجهر مرة أخرى، وأنه لا يقبل من غير المسلم دينًا إن مال إليه أو رغب فيه بنص القرآن الكريم، فتحدثت إلى الدول في أن دستورها يجعل الإسلام دين الدولة، وفي أنها لا تستطيع أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، فهي مضطرة إلى أن تقطع أسباب الردة، وتلغي البواعث والمغريات التي يدفع إليها الجهال والضعفاء، وتغري بها الفقراء والبائسين. كنا نود لو سجل مكاتب التيمس هذا كله ولكنه لم يستطع أن يسجله لأن حكومتنا لم تستطع أن تفكر فيه، ولا أن تهم به! ولأن علماء الإسلام في مصر لم يستطيعوا – مع الأسف – أن يجهروا به، أو يدعوا إليه، إنما استطاع مكاتب التيمس أن يسجل ما عملته الحكومة، والحكومة لم تعمل إلى الآن إلا أنها أعلنت عن نفسها، وألحت في الإعلان، ثم جدت في منع الناس من الاجتماع بحجة أن اجتماعهم يفسد النظام ويعرض الأمن للخطر، فهذه هي الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها الحكومة لحماية المبشرين. وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس مثلها الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها لحماية المصريين على اختلاف دياناتهم من الأجانب المبشرين! وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا وقفت موقف الحياد الدقيق الحازم! فكفت كلا عن كل، وصدت كل معتد عن العدوان، وكل باغ عن البغي! ولكن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لم تتح لمكاتب التيمس أن يسجل هذا، لأن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لا تعرف الشدة إلا على المصريين، ولا تعرف اللين إلا للأجانب.
    ومن المحقق أن مكاتب التيمس راضٍ عن شدة الحكومة على المصريين ولكنه ساخط على هدوء مصر وضبطها لنفسها وإيثارها للعافية واجتنابها للفتنة. انظر إليه إنه ليعلن في استحياء عن خيبة الأمل لأن غير الوفديين لا يستطيعون أن يثيروا العامة وأن يضطروا الحكومة حقًا، ويضطروها إلى استعمال العنف والشدة، متحفظ لا يدعو إلى الفتنة ولا يحض عليها. ومكاتب التيمس لا يرضيه من الوفد إلا أن يشب نار الفتنة ويضرمها ويحرق بها كل شيء، فهو يحرض الوفد على ذلك، وهو يغري الوفد بذلك، وهو يزعم ليصل إلى هذا التحريض والإغراء أن الوفد إنما يتحفظ ويجتنب الفتنة رعاية للذين يؤيدونه من الأقباط!
    تبارك الله الذي منح مكاتب التيمس من الذكاء والفطنة ما طوع له أن يكتب هذا الكلام، ولم لا؟ أليس هذا الكلام خليقا أن يثير الوفد، ويدعوه إلى أن يجد في أن يدفع عن نفسه تهمة الانحياز للأقباط والتقصير في الذود عن الإسلام، ويومئذ تثور الفتنة وتضطرم نارها ويظفر مكاتب التيمس بما يريد من الاضطراب، ولكن الله الذي منح مكاتب التيمس هذا الذكاء النادر، وهذه الفطنة البارعة منح الوفد قليلًا من الذكاء، وقليلًا من الفطنة، وهداه إلى أن الفتنة شيء ينفع الإنجليز ولا ينفع المصريين، وإلى أن الفتنة مفسدة للنهضة المصرية، وإلى أن الفتنة شيء لا يرضاه الإسلام، ولا ترضاه المسيحية، وإلى أن إثارة الفتنة جناية على مصر، وإثم في حق مصر، فهو لن يستجيب لدعوة مكاتب التيمس، ولن يحقق أمنيته وأمنية أصحابه المستعمرين، ولن يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى، وهو إنكار التبشير، لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، بل بالقياس إلى المصريين جميعًا، لا بالقياس إلى القصر والضعفاء وحدهم، بل بالقياس إلى الراشدين والأقوياء. وهو لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى فلا يكتفي منها بإنشاء الملاجئ والمدارس، وإنما يقدم على هذا كله، ويريد قبل هذا كله أن تجد الحكومة في إصدار القوانين التي تمكن الدولة من مراقبة التعليم الأجنبي كله، والتي تحرم التبشير في مصر تحريمًا. والوفد لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى والذي أعلن فيه بلسان صحفه، وفي صراحة لا تحتمل شكًا ولا ريبة أن التبشير في بلد كمصر جناية على الحضارة، جناية على الإنسانية الراقية. فلا ينبغي للحكومة المصرية أن تقره أو تسكت عنه.
    قال الوفد ذلك منذ الساعة الأولى، وهو يقول ذلك الآن، وسيقوله غدًا، وعلى الحكومة أن تسمع، وعلى الحكومة أن تنهض بالواجب بعد أن تبين لها. وما كان الوفد وإن كره مكاتب التيمس، وكره معه المستعمرون أن يضطر الحكومة إلى ذلك بالفتنة، فليس الوفد من الفتنة والثورة في شيء.
    ونحن نعلم أن هدوء الوفد يغيظ قومًا، ولكن ما رأي هؤلاء السادة في أننا سنحرص على هذا الهدوء الحازم، وفي أننا لسنا مكلفين أن نرفع عنهم آلام الغيظ.
    كوكب الشرق ٥\٥\١٩٣٣

    هزل
    إذا شكا المسلمون من عدوان المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ومن إكراه المبشرين لهؤلاء الفتيان والفتيات على أن يخرجوا من الإسلام ليدخلوا في المسيحية، أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأظهرت الوزارة شيئاً من العناية، وكتب الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، أو سعى الشيخ الأكبر إلى رئيس الوزراء، ثم يهدأ كل شيء إلا عدوان المبشرين، ويستقر كل شيء إلا اضطراب المبشرين. وينام البرلمان والوزارة والشيخ ملء جفونهم، ويحلم البرلمان والوزارة والشيخ بأن أمور المسلمين تجري على خير ما تجري عليه الأمور. فهم آمنون على أبنائهم وبناتهم أن يمسهم ضر أو يصيبهم إكراه. وهم مطمئنون على الإسلام ألا يعتدى عليه في دار الإسلام، حتى إذا ظهر عدوان المبشرين مرة أخرى واتصلت شكاة المسلمين، لجَّ البرلمان والوزارة والشيخ في هذا النوم الهادئ اللذيذ، وفي هذه الأحلام الحلوة الباسمة، ونهضت صحف الوزارة تدفع عن الوزارة والبرلمان والشيخ فتقول ما تقوله «الشعب» اليوم من أن الإثم في ذلك على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة هي التي ترسل أبناءها إلى حيث يعبث بهم المبشرون ويكرهونهم على ما لا يحبون. فإذا تعرض أبناء المسلمين وبناتهم لعدوان المبشرين وطغيانهم فلا ينبغي أن يلوم المسلمون برلماناً ولا وزارة ولا شيخاً. إنما يحق لهم أن يلوموا أنفسهم. ومع ذلك، أن البرلمان لا يستطيع شيئاً، وأن الوزارة لا تستطيع شيئاً، وأن الشيخ الأكبر لا يستطيع شيئاً. ومعنى ذلك أن الأمر ينبغي أن يترك بين المسلمين والمبشرين. فإن كان المسلمون يحرصون على دينهم حقاً، وعلى كرامتهم حقاً فليصرفوا أبناءهم وبناتهم عن مدارس المبشرين. وإذن فينبغي أن يعلم المسلمون أن البرلمان والحكومة والشيخ جميعاً يبرأون إليهم من أمر المبشرين، ويعلنون عجزهم عن معالجة هذا الأمر، ويحملونهم وحدهم تبعة هذا الأمر إن كانت «الشعب» تصور رأي الوزارة القائمة حقاً. والناس يعلمون أن المبشرين لا يعلنون إلى أهل مصر أنهم يفتحون مدارسهم للتبشير، وإنما يفتحونها للتعليم، فهم لذلك ينخدعون ويرسلون أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس، فإذا ظهر بعد ذلك أن المبشرين لا يعلِّمون فحسب، ولكنهم يحاولون إخراج الصبيان من دينهم، فمن الحق على المسلمين أن ينصرفوا عن هذه المدارس طبعاً، ولكن هل من حقهم أن ينتقموا لأنفسهم إذا أبت الحكومة أو عجزت عن أن تنتقم لهم؟ هل من حقهم أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان؟ إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن أن تكف شر المبشرين وعدوانهم، هل من حقهم أن يغلقوا مدارس المبشرين إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن إغلاقها؟ هل من حقهم أن ينفوا المبشرين من الأرض إذا امتنعت الحكومة أو عجزت عن نفيهم؟ ستقول «الشعب» لا، ونحن أيضاً نقول لا. ونحن أيضاً نكره للمسلمين أن يلقوا شراً بشر، وعدواناً بعدوان، وأن ينتصفوا لأنفسهم بأيديهم من الذين يعتدون على دينهم وكرامتهم، ولكن بشرط أن تعرف الوزارة واجبها، وتنهض بأدائه في صراحة وحزم وإخلاص. فإن لم تفعل عجزاً منها أو تقصيراً، فمن الحق عليها أن تستقيل لتأتي مكانها وزارة أخرى لا تعجز عن النهوض بالواجب، ولا تشفق من احتمال التبعات.

    فإذا كانت الوزارة وأنصارها يرون أن أمور الحكم لون من ألوان الهزل، تكفي فيها المظاهر دون الحقائق، وتجزي فيها إعلان النهوض بالواجب دون النهوض به حقاً، فإن الشعب لم يبلغ بعد من الرقي هذا الحد الذي يمكنه من أن يتخذ الحكومة أداة من أدوات الترف، وفناً من فنون الهزل. ما يزال الشعب مقتنعاً إلى الآن بأن الحكومة أداة من أدوات الجد، عليها واجبات يجب أن تؤديها. فإن لم تفعل وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل خيف أن ينتصف الشعب لنفسه فيصون كرامته إن لم تصنها الحكومة، ويحمي دينه إن لم تحمه الحكومة، ويعاقب المعتدين إن لم تعاقبهم الحكومة.

    وإذا شكا الشعب من الأزمة، وألحَّ في الشكوى لأن الأزمة ألحت عليه؛ أظهر البرلمان شيئاً من النشاط، وأكثرت الوزارة من الكلام، وخُيِّل إلى البرلمان وإلى الوزارة أنهما قد أديا واجبهما بما أظهرا من نشاط، وما أكثرا من كلام. فإذا مضت الأزمة في إلحاحها حتى أهلكت أو كادت تهلك كل شيء، وإذا مضى المصريون في شكاتهم نهضت الوزارة فقالت كما قالت «الاتحاد» منذ أيام إن إثم الأزمة على الأمة، لا على الحكومة، لأن الأمة مسرفة مبذرة لا تفهم الاقتصاد، ولا تقدّره ولا تظهر الميل إليه. ومعنى ذلك إن كانت «الاتحاد» تصور رأي الحكومة حقاً، أن الحكومة تتخفف من إثم الأزمة كما تتخفف من إثم التبشير، إما لأنها لا تريد أن تصنع شيئاً مغنياً، وإما لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئاً مغنياً، ولكن الشعب لم يتخذ الحكومة -كما قلنا- أداة من أدوات الترف، ولوناً من ألوان الزينة. فإذا لم تحقق الحكومة الأغراض الجدية وجب عليها أن تستقيل، فإن لم تفعل فمن حق الشعب نفسه أن ينهض بواجباته، وأن يصلح من أموره مهما كانت نتيجة هذا النهوض وعواقب هذا الإصلاح لو أن الوزارة تنظر إلى أمورها وإلى أمور الناس نظرة جد وإخلاص لراقبت صحفها بعض الشيء، ولمنعتها من أن تكتب هذا السخف، وتذيع هذا الهذيان. فلو أن الناس صدقوا صحف الوزارة، وأعفوا حكومتهم من التبعات، ونهضوا لأنفسهم مما يجب لهم لكانت الثورة المهلكة المدمرة التي لا تريدها الحكومة ولا تميل إليها، والتي تخاف الحكومة حتى من ذكرها أو التفكير فيها. وإذا كانت الحكومة لا تحب الثورة ولا تحب أن ينتصف الناس لأنفسهم فإن أوجب شيء عليها أن تنتصف هي للناس، وأن تقيم بينهم العدل حقاً، وأن ترد عنهم عدوان المعتدين حقاً، وأن تنظر إلى مقامها من الشعب نظرة العامل الجاد، لا نظرة المقصر الهازل. فقد يطول صبر الشعب، وقد يشتد حتى يخيل إلى الحكومة أنه إلى الضعف أقرب منه إلى أي شيء آخر، وأنه إلى الفناء والاستسلام أقرب منه إلى المقاومة والاحتمال. ولكن نفسية الشعوب ليست من اليسر والسهولة بحيث تظن الحكومات التي تهمل أمر الشعب وتستهين به. فرب هدوء أعقب اضطراباً، ورب سكون أثار حركة، ورب إخلاد إلى الدعة أنتج فساداً وشراً.

    وإذا ابتليت وزارة المعارف بطائفة سخيفة من رجال التعليم، وضعت لها أسئلة سخيفة للامتحانات العامة، وعجزت الوزارة عن أن تدرك ما في هذه الأسئلة من سخف، أو أن تقدر ما فيها من عسر فأقرتها، ثم أخذت الطلبة بالإجابة عليها، ثم ظهر سخفها للناس واضحاً، لا يقبل شكاً ولا جدالاً، فشكا الطلاب، وشكا آباؤهم من هذا الإرهاق، وضجَّ الطلاب وضجَّ آباؤهم من هذا الاستخفاف بجهود الشباب وآمالهم، أظهر البرلمان شيئاً من العناية، ولكن الامتحان يمضي في سبيله، ولكن المصححين يمضون في تصحيحهم، ولكن الظلم يظل واقعاً على الطلاب وعلى آبائهم، ولكن شيئاً لا يتغير، وإنما هي وعود وأحاديث يلهى بها الناس بعض الشيء حتى تظهر النتيجة منكرة، فينجح الناجحون في غير حق، ويرسب الراسبون في غير حق، وتؤلف لجنة أو لجان للتحقيق أو لشيء يشبه التحقيق، ثم ينقضي الصيف ويأتي أول العام الجديد، وينسى الناس أمر الامتحان، ويشغل الناس عن هذا الظلم بالتخلص من ظلم آخر، والاحتيال في إدخال أبنائهم مدارس الدولة أو إعفاء أبنائهم من المصروفات ليقبل أبناؤهم في المدارس.

    وكذلك يصبح النسيان أداة من أدوات الحكم ووسيلة من وسائل السياسة. يشكو الناس ويضجون فتعدهم الحكومة وتمنيهم، وتخدعهم بالأوهام والآمال، وتستعين عليهم بالزمان والنسيان لتنتقل بهم من شر إلى شر، ومن سوء إلى سوء.

    وقد نجحت الوزارة في الاستعانة بالزمان والنسيان على الناس إلى الآن، ولكن من الحق على الوزارة أن تفكر في أن لكل شيء غاية يقف عندها، وحداً ينتهي إليه. وفي أن النسيان نفسه إن أسعف أمس فقد لا يسعف اليوم، وإن أعان اليوم فقد لا يعين غداً، وإن تهدّأ الشكوى بالتلهية والاستعانة عليها بالنسيان؛ ليس من الجد في شيء، ولا من الإخلاص في شيء، وإنما هو لعب كل اللعب، وخداع كل الخداع. وإن الشعوب قد تنخدع للعب اللاعبين، وخداع المخادعين مرة ومرة، ولكن من العسير جداً ألا يتصل بها هذا الانخداع إلى غير حد ولا أمد.

    يجب على الحكومة إذن أن تتوكل على الله، وأن تواجه الأمور في صراحة وشجاعة كما ينبغي أن تواجه، وأن لا تعتمد على التلهية ولا على النسيان. وقد أصبح الاعتماد عليها فيما يظهر غير نافع ولا مفيد. يجب عليها أن تبين للشعب أنها حكومة إسلامية حقاً قد نهضت لحماية الإسلام، ورعاية أمور المسلمين وكف المبشرين عن أن يعتدوا على الدين. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها -كما يقول الفرنسيون- وأن تغلق مدرسة واحدة من هذه المدارس الأجنبية التي تسيء إلى المسلمين في أبنائهم وبناتهم، وتعتدى على عقولهم بالتنويم المغناطيسي، وعلى أجسامهم بالسياط. يجب عليها أن تأخذ شجاعتها بكلتا يديها فتنفي من الأرض مبشراً واحداً من هؤلاء المبشرين الذين يستغلون ضعفها وعجزها فيمعنون في الاعتداء على كرامة المصريين ودينهم الرسمي، ولكني أزعم أن الحكومة لن تفعل شيئاً من هذا لأنها تخاف الأجانب أكثر مما تخاف المصريين، ولأنها تشفق من الأجانب أكثر مما تشفق من المصريين، ولأنها تؤثر إرضاء الأجانب على أن تحمي دينها الرسمي الذي تزعم أنها إنما قامت لتحميه وتعلي كلمته.

    يجب على الحكومة أن تصطنع الشجاعة حقاً، وتواجه الأزمة الاقتصادية بما ينبغي أن تواجه من الحلول الحاسمة الصريحة، لا هذه الحلول العرجاء الملتوية التي تلهي بها الناس، ولكني أزعم أنها أضعف من ذلك، أضعف من أن تمس الضرائب، وأضعف من أن تتخذ موقفاً حاسماً في مسألة الدَّيْن، وأضعف من أن تشتد ولو قليلاً على المصارف الأجنبية، لأنها تعتمد على الأجانب أكثر مما تعتمد على المصريين، وتحرص على إرضائهم أكثر مما تحرص على إرضاء المصريين.

    يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله، وتلغي امتحانها هذا السخيف، وتبحث لها عن رجل من خيار الناس قد استقام عقله وخلصت نيته ليضع لها أسئلة مقبولة معقولة، ولكني أزعم أنها لن تفعل لأنها تخاف من الإنجليزي الذي اضطرها إلى هذا الموقف السخيف أكثر مما تخاف من هؤلاء الألوف من المصريين الذين أفسد هذا السخف عليهم حياتهم في هذه الأيام!! يجب على وزارة المعارف أن تعتمد على الله أيضاً، وأن تحقق مع هذا الأستاذ الذي وضع لصبيان الشهادة الابتدائية هذا السؤال الظريف الطريف الذي لا يسيغه إلا عقل وزارة المعارف: (بحر ونهر يفتخران، فماذا يقولان؟).

    أليس من سوء الحظ ونكد الطالع كما يقولون أن توكل حياة الألوف من أبناء المصريين إلى مثل هذا الأستاذ البارع الذي يسأل أبناء العاشرة والتاسعة عما يقوله البحر والنهر حين يفتخران؟ ولكن وزارة المعارف لن تبحث عن ممتحنها هذا السخيف، ولن تكلفه هو أن يكتب ما يقوله البحر والنهر حين يفتخران، وأنا زعيم لك بأنها إن فعلت وجمعت رجالها كلهم في حظيرة واحدة من حظائر الامتحان، وطلبت إليهم جميعاً أن يكتبوا ما يقول البحر والنهر حين يفتخران، ثم أذاعت بين الناس ما يكتبون لأضحكت المصريين طوال الصيف.

    وبعد، فما لوزير التقاليد لا يقبل هذا الاقتراح؟ أؤكد له أنه إن فعل ألهى الناس وألهاهم وصرفهم عن الحكومة ونقدها وتتبع أعمالها شهراً أو شهرين.

    خذ ما شئت من أعمال الحكومة فسترى أنها تظهر فيه مظهر الجد، حتى إذا حققت النظر رأيت الأمر كله هزلاً في هزل، وعبثاً في عبث، تكلفاً ليس وراءه شيء. وليس الغريب أن يكون هذا شأن حكومة من الحكومات، وإنما الغريب أن تستقيم أمور حكومة قوام سياستها الهزل والمزح.

    الكوكب في ١٢ – ٦ – ١٩٣٣

    علاج
    وأخيرا بحثت الوزارة فأطالت البحث ، ونقبت الوزارة فأكثرت التنقيب ، ثم هداها الله بعد الجهد الطويل والعناء الثقيل والإشفاق من سوء العاقبة وانتقاض الأمر عليها وفساد الصلة بين المصريين والأجانب عامة ، وبين المصريين والمبشرين بنوع خاص ، إلى شيء من الشجاعة يسير نهضت به لمعالجة التبشير ، فنفت مبشرة أجنبية من الأرض ، والله يعلم أنفتها نفيا مؤقتا يكون بعده رجوع قريب ؟ أم نفتها نفيا متصلا لا رجعة بعده ولا إياب ؟
    ولكنها نفتها على كل حال ، ووقفت مع المبشرين عند هذا الحد الذي لا تستطيع فيما يظهر أن تتجاوزه إلى أبعد منه . ثم بحثت وأطالت البحث ونقبت وأكثرت من التنقيب ، وهداها الله إلى شيء من الكرم والجود على المصريين بعد الإسراف في الكرم والجود على الأجانب ، فقررت أن تستنقذ الفتيات المسلمات من مدرسة التبشير في بورسعيد لتضمهن إلى مدارسها وملاجئها ، وإلى مدارس المسلمين وملاجئهم . وهذا حسن من غير شك ، بشرط ألا يكون من لهو الحديث ولا من هذه الوعود التي يقصد بها إلى التلهية والتسلية ، وإلى تهدئة الخواطر وتخدير الأعصاب كما يقولون . ومن المحقق أن الناس ينتظرون من الوزارة أن يكون برها بهذا الوعد صادقا ، لا التواء فيه ، سريعا لا إبطاء به . وهم يتمنون ألا يؤجل اعتماد هذا المقدار الذي وعدت الحكومة به أمس إلى الدورة البرلمانية المقبلة ، فإن شدة القيظ توشك أن تذيب هذا الوعد إن طال به الانتظار. وآية ذلك أن الإنجليز أشفقوا على اعتماد جيل الأولياء أن يذيبه الصيف ، فتعجلوا الحكومة في أن تمضيه لهم إمضاء ، وتختطفه لهم من المجلسين اختطافا . وآية ذلك أيضا أن الشركة الأمريكية التي تمهد لخزان تسنا أشفقَت على الخمسين ألفا أن يذيبها الصيف ، فتعجلت الحكومة في الإمضاء والوفاء . والحكومة تتعجل هذا المقدار ما وسعها التعجل ، ويقال — ولعل ما يقال أن يكون كذبا ، ولكنه يقال على كل حال — إن الحكومة قدمت الإمضاء على كل إجراء ، ودفعت خمسين ألفا قبل أن يأذن لها البرلمان في هذا الأداء . فالناس يتعجلون الاعتمادات المالية في هذه الأيام مخافة أن يذيبها حر الصيف أو يصيبها الحيف ، ومن حق المصريين أن يتعجلوا هذه الآلاف السبعين التي وعد بها وزير الداخلية أمس ، وأن يروا أمر هذا الاعتماد يسلك طريقه القانونية مسرعا ، أو ما شئت من الوزارات تنشئ هذه المدارس الموعودة ليكون الأمر عملا لا قولا ، وجدا لا هزلا ، وليخلص من المبشرين وإغرائهم عدد مهما يكن قليلا فهو مصري يحب أن يخلص لمصر وللإسلام .
    وما زلنا ننتظر قبل أن نصدق حتى يكون الوفاء ، فالوعد كثير والكلام يسير ، والحمد أكثر والثناء أيسر ، ولكن البر والتنفيذ هما اللذان يجب أن نرجوهما ، ولا نصدق حتى نظفر بهما .
    وبعد هذا كله نستأذن الوزارة في أن نلفتها إلى أن ما اتخذت من إجراء إلى الآن ، مهما يكن حسنا منتجا ، فهو بعيد كل البعد عن أن يكون علاجا صحيحا مغنيا لهذه المشكلة الثقيلة ، مشكلة التبشير والمبشرين . فمهما تنف الحكومة من المبشرين والمبشرات فلن تستطيع أن تغلو في ذلك ، فسيكون خطر عظيم. وهناك تعليم حر ينشره قوم من رجال الدين الأجانب على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم ، يقصدون به في ظاهر الأمر إلى التعليم والتثقيف ، وهو من هذه الناحية نافع حقا ، مفيد حقا ، ولكنه لا يقف عند التعليم والتثقيف ، وإنما يشارك التعليم الأجنبي في إضعاف القومية المصرية وبسط النفوذ الأجنبي ، ويتفرد بدعاية دينية ظاهرة أو خفية ، مقصودة أو غير مقصودة ، لها في الشعور الديني للأطفال أثر بعيد . فلابد إذن من أن تنهض الدولة بمراقبة هذه الأنواع المختلفة من التعليم لتعصم الأخلاق والقومية والدين من هذا الفساد الذي يسعى إليها سعيا قويا ملحا لا أناة فيه . وقد همت الوزارة القائمة بإصدار تشريع يمكنها من مراقبة التعليم الحر ، وجدت في ذلك حتى هيأت مشروع القانون وأذاعته في الناس لتعرف رأيهم ، لكنها سكتت عنه فجأة ، وانصرفت عن المضي فيه لأسباب غير ظاهرة . وأكبر الظن أنها لم تفكر حين وضعت هذا التشريع ، أو وجدت في إصداره إلا في شيء واحد سياسي ، هو بسط سلطانها على المدارس الحرة المصرية . فقيض الله لها من أشار عليها أن تبسط سلطان هذا القانون على المدارس المصرية والأجنبية ، وهناك كفت عنه وأهملته إهمالا ، وآثرت أن تترك هذا القانون على أن تقف من الأجانب موقفا لا يرضونه . وأنت تعلم مقدار ما أظهرته وزارتنا القائمة من الحرص على رضى الأجانب منذ نهضت بأعباء الحكم .
    مهما يكن من شيء فإن العلاج الصحيح لأمر المبشرين إنما هو في إخضاع مدارسهم ومدارس غيرهم من الأجانب للمراقبة المصرية الدقيقة ، بحيث يستطيع المفتشون المصريون أن يختلفوا إليها ويستمعوا لما يلقى فيها ، ويمتحنوا تلاميذها ويسألوهم عما يسمعون ، وعما يفعلون ، فإن أحسوا من بعض هذه المدارس خروجا بالتعليم عما يلائم منفعة مصر وحاجتها وكرامتها ودينها أذنوا وزارة المعارف بهذا الخروج ، وأنفذت وزارة المعارف في هذه المدارس حكم القانون .
    على هذا النحو ، وعلى هذا النحو وحده تأمن مصر ناحية من أخطر النواحي التي يسلكها الأجانب سواء منهم المبشرون وغير المبشرين إلى نفوس التلاميذ والطلاب . فلتتشجع الحكومة أو ليتشجع البرلمان أو لتتشجع الحكومة والبرلمان جميعا ، وليصدر هذا القانون ، فهو إن صدر أراح المصريين وأراح الأجانب أيضا . هو يريح المصريين لأنه يكف عنهم كثيرا من الشر ، وهو يريح الأجانب لأنه يحميهم من سوء ظن المصريين فيهم ، ويقيم الصلة بينهم وبين المصريين في التعليم على أساس من المودة والصفاء والتعاون القيم الذي لا ريبة فيه .
    ولكن أتظن الوزارة القائمة تجرؤ على إصدار هذا القانون ؟ أتظنها تستطيع أن تتقدم إلى الأجانب أصحاب الامتيازات تطلب منهم أن يخضعوا مدارسهم لمراقبتها وتفتيشها ؟ هذا عدل من غير شك ، هذا شيء من أوليات السيادة القومية والاستقلال الطبيعي ، ولكن العدل شيء وإقرار العدل شيء آخر . وإذا عجزت وزارة عن أن تقر العدل بين المصريين الذين لا يمتاز بعضهم من بعض أمام القانون ، فماذا تظنها تصنع بالقياس إلى الأجانب الذين يعتصمون بالامتيازات ويحتمون بما لبلادهم من بأس وسلطان ؟
    اللهم إن كل محاولة لإقصاء المبشرين لا قيمة لها ولا غناء فيها ما دامت معاهدهم حرة طليقة لا تستطيع الحكومة أن تدخلها أو تراقبها أو تصل إليها إلا بعد أن يقع فيها الشر ويصبح أمرا لا سبيل إلى تداركه أو منعه من الوقوع .
    كوكب الشرق ١٥\٠٦\١٩٣٣

    حزم
    أما قبل أن يتكلم وزير الداخلية في مجلس النواب عن موقف الحكومة من المبشرين، فقد كانت صحيفة الوزارة مستخذية، شديدة الارتباك، تعتذر عن الوزارة وتلح في الاعتذار، وتلقي تبعة التبشير وما يسلك إليه المبشرون من طرق الإكراه والعبث على هذا الشعب البائس، لأنه يرسل أبناءه وبناته إلى هذه المدارس والملاجئ، ولأنه لا ينشئ المدارس والملاجئ الإسلامية التي تعلم الفقراء وتؤوي البائسين وتصرف أولئك وهؤلاء عن هذه المعاهد التي يملؤها الخطر على الدين والأخلاق.
    ولم تكن صحيفة الوزارة تتحرج من أن تنال من خصوم الوزارة في دينهم وأخلاقهم وكرامتهم، معتمدة في ذلك على أكاذيب الكاذبين من شيوخ الأزهر، واختلاقات المختلفين من غير شيوخ الأزهر، زاعمة أننا آخر من ينبغي أن نتحدث عن المبشرين أو نذود عن الدين، لأن واحدا أو غير واحد من المأجورين والموتورين، والذين لا يشفقون من أن يبيعوا ضمائرهم بمنصب أو مقدار من المال قليل أو كثير، لفّق طائفة من الأكاذيب واصطنع طائفة من الأضاليل، وأعانته الحكومة الإسلامية الصالحة القائمة التي يقطر منها الإيمان ويتصبب منها الورع كلما قالت أو تحركت أو عملت، فأخذ يذيع أكاذيبه وأضاليله بأعين الحكومة التي تدفع عن الدين، وتذود عن الأخلاق، ولا تؤثر إلا الحق والصدق فيما تعمل وما تقول. ولكننا لم ننتظر رأي حامي الإسلام وراعيه، ووزير التقاليد، ومن يعمل لهما من هؤلاء الذين يتخذون دين الله تجارة ويسلكونه طريقا إلى هذا النعيم الزائل في هذه الحياة الزائلة. لم ننتظر رأي هؤلاء السادة الأخيار الأبرار الأطهار لندفع عن الحق ونذود عن الدين، ونبلي عن هذا وندافع عن ذاك بلاء نود لو قام ببعضه شيخ الأزهر ومن إليه من أصحابه الطاهرين الطيبين. والله يعلم ما نذكر ذلك تمدحا به ولا فخرا، فما قصدنا قط فيما عملنا إلى تمدح أو فخر، وما قصدنا قط فيما عملنا إلى دفاع عن أنفسنا أو انتقام لها، ولو قد شئنا بعض ذلك لكان لنا من علماء الدين الذين يكذبون على الدين، ولكان لنا مع المتجرين بالورع موقف أو مواقف يشفقون منها كل الإشفاق ويفرون منها كل الفرار، ويودون ولو بجدع الأنوف وصلم الآذان لو رد عنهم شرها وصرف عنهم نكرها، فالله يعلم ماذا صنعوا بهذه الضمائر، ولكن إلى حساب الله ورأي الناس.
    فلندع سخف هذه الصحيفة والذين يمدونها بالأكاذيب والأضاليل فيما يمسنا، ولنقف عند أحاديثها عن الوزارة وسيرتها مع المبشرين. فأما قبل أن يلبس وزير الداخلية ثوب الحزم هذا الذي لبسه في مجلس النواب أول أمس، فقد كانت صحيفة الوزارة راعشة زائغة، تدفع عن الوزارة بالراح، وتلتمس لها المعاذير، وتتهم خصومها بالإغراق والإسراف وبالتجني والتمني. وأما بعد أن استأسد وزير الداخلية وأعلن بملء فمه في مجلس النواب أنه نفى مبشرة من الأرض، وأنه سيستنقذ فتيات المسلمين من مدرسة بورسعيد، وأن الوزارة أعدت مقدارا من المال لإنشاء المدارس والملاجئ للفقراء والبائسين، فقد رد الروح إلى صحيفته، وانبعث فيها النشاط، واضطربت فيها الحياة، وانطلق لسانها بالحمد والثناء وبالفخر والكبرياء، فأخذت تصف حزم الوزارة وحسن بلائها في الدفاع عن الدين. وكيف لا؟ ألم تجرؤ الوزارة فتنفي أجنبية من أرض مصر؟ وكيف لا؟ ألم تكرم الوزارة فتؤوي الفقراء والبائسين؟ وكيف لا؟ ألم تغرق الوزارة في الكرم فترصد الأموال لإنشاء الملاجئ والمدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين؟ ولكن صحيفة الوزارة فيما يظهر محتاجة إلى أن يعلم الناس حقيقة هذا الأمر ليتبينوا أن الوزارة أقل ما تكون استحقاقا للثناء على ما أتت وما وعدت، لأنها لم تأت شيئا ولم تعد بشيء، ولو قد تركت إلى نفسها لظلت جامدة، صامتة ساكنة، لا تعمل ولا تقول. لقد وُفِّق المسلمون من أهل بورسعيد حين لم يحفلوا بالوزارة، ولم يلجؤوا إليها بعد أن استعدوها واستغاثوها فلم يجدوا عندها غناء ولا بلاء. وُفِّق المسلمون في بورسعيد حين أعرضوا عن الوزارة هذه المرة، وفزعوا إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، يستعدونه ويلوذون به، ويطلبون إليه أن يأمر حكومته لترد عنهم هذا البلاء وتصرف عنهم هذه المحنة.
    هنالك وجد المسلمون في بورسعيد من جلالة الملك سميعا لهم، عطوفا عليهم، رفيقا بهم، حريصا على أن يدفع عنهم هذا المكروه. نعم، ووفقنا نحن حين أعرضنا عن الوزارة فلم نطلب إليها شيئا ولم نستعن بها على شيء، وإنما رجونا أن يتفضل صاحب الجلالة فيأمرها فتطيع، وينفخ فيها من روحه القومي لتجد شيئا من الشجاعة تستعين به على النهوض بواجبها بعد أن قامت الأدلة القاطعة على أنها حين تُترك لنفسها لا تصنع شيئا.
    جلالة الملك إذن هو الذي تفضل فأمر الوزارة أن ترصد من أموال المسلمين ما تحمي به فقراء المسلمين من عبث المبشرين. ونحن واثقون كل الثقة بأن الوزارة لو أجرت أمر صاحب الجلالة كما أراد وكما صدر إليها لكان حزمها أشد، وسعيها أدنى جدا إلى التوفيق.
    ولكنها أنفذت أمر جلالة الملك كما استطاعت وكما وسعتها الشجاعة، فجاء سعيها منقوصا وعملها بعيدا عن التوفيق. نعم، لو أنفذت الوزارة أمر جلالة الملك على وجهه لما اكتفت بنفي مبشرة من أرض مصر، بل لعطلت هذه المدرسة تعطيلا، ولقطعت على المبشرين كل سبيل للعبث بدين الأطفال في بورسعيد. وآية ذلك أن «الشعب» نفسها تذكر أمر جلالة الملك للوزارة، وعطف جلالة الملك على الشعب، وذود جلالة الملك عن الدين، وهي تذكر ذلك لا مستنتجة ولا مستنبطة ولا متخيلة، وإنما تذكره مستيقنة رواية قد تحدث بها إليها مصدر يثق بما يقول. وآية ذلك أيضا أن «الشعب» تنبئنا بأن الوزارة كانت تريد أن ترصد مبلغا كبيرا من المال فلم يرض جلالة الملك عن هذا المبلغ، بل تفضل فأمر الوزارة أن ترفعه حتى بلغت به سبعين ألفا، والله يعلم أي مقدار كانت الوزارة تريد أن ترصده لهذا العمل، وأكبر الظن أنه كان كبيرا عند صحيفة «الشعب»، يسيرا في حقيقة الأمر. وقد كنا أمس نخشى أن يكون وعد الوزارة بإرصاد هذا المبلغ من المال كلاما من الكلام وأمنية من الأماني. فأما وقد ظهر أن صاحب الجلالة هو الذي أنطق الوزارة بهذا الوعد، وهو الذي رفع هذا المقدار إلى حيث هو، فنحن مطمئنون إلى أن البر بهذا الوعد لن يتأخر، وإلى أن انتظار الوفاء لن يطول، لأننا نعلم حق العلم أن جلالة الملك لن يترك سبيلا إلى المطل والإخلاف. فالشكر إذن خالص لجلالة الملك لا على الوزارة، والشعب يعرف كيف يلقى عطف جلالة الملك بحبه الخالص وولائه الصادق وإخلاصه المتين.
    أما الوزارة فإنها تشفق مما طلبنا إليها من العلاج الصحيح لمسألة التبشير، ومن الدفاع الصحيح عن الدين والقومية والأخلاق: تشفق من المراقبة الدقيقة التي نلح في أن تفرضها الدولة على المدارس الحرة، سواء منها المصرية والأجنبية. تشفق من هذا لأنها تشفق من الامتيازات، ولأنها تخاف إن سعت في فرض المراقبة على المدارس الأجنبية أن يتنكر لها الأجانب ويزوروا عليها، وهي على رضى الأجانب حريصة، وإلى عطف الأجانب محتاجة، وفي حب الأجانب راغبة. تشفق من هذا، ولولا إشفاقها لما نام القانون بعد أن هُيِّئَ وأذيع واستفتي فيه الناس. تشفق وتصور صحيفتها هذا الإشفاق تصويرا مخزيا لا يلائم كرامة ولا عزة، ولا يلائم وزارة الاستقلال هذه التي أفحم رئيسها رئيسَ الوزراء الإنجليزي برده التاريخي المشهور والمعروف الذي لا يشك أحد في أنه هُيِّئَ على غير علم من الإنجليز، وكتب على غير موافقة من المندوب السامي، وأرسل على غير رضى من وزارة الخارجية البريطانية، والذي لا يشك أحد فيه أن المستر ماكدونالد لم يكد يقرؤه حتى أخذه الدوار، واستيقن بأن الوزارة المصرية تعرف كيف ترد الدول الكبرى إلى مواقفها المتواضعة، وكيف تصد المعتدين حين يتعرضوا لأمورها الخاصة فتضطرهم إلى التسليم والاعتذار.
    نعم، إن هذا الإشفاق من فرض المراقبة على المدارس الحرة تصوره صحيفة الوزارة تصويرا لا يشرف الوزارة؛ فهي تزعم أننا إنما نطلب هذه المراقبة تعجيزا للوزارة وتحديا لها وتكليفا لها ما لا تطيق. نستغفر الله، ومتى جاز لأحد أن يعتقد أن هذه الوزارة الكريمة الحرة، أن هذه الوزارة العزيزة المستقلة، أن هذه الوزارة التي أفحمت ماكدونالد تعجز عن أن تراقب التعليم في أرض مصر. من الذي يقدر أن هذه الوزارة التي لا تحفل إلا بمصر، ولا تحرص إلا على مصر، ولا تشفق إلا على مصر، تعجز عن أن تقول للأجانب أن يعلموا أن مصر بلد مستقل، وهو لا يسمح بأن يُلقى إلى أبنائه من التعليم إلا ما يلائم حاجتهم ومنفعتهم وكرامتهم. من الذي يقدر أن هذه الوزارة تعجز عن أن تتمتع بأبسط حقوق السيادة، بل تعجز عن السعي لتتمتع بأبسط حقوق السيادة؟
    يذكرون الامتيازات، زاعمين أن في مصر نظاما يقضي بأن تطلب الحكومة إلى جمعية المحكمة المختلطة الموافقة على بعض القوانين التي تريد مصر أن تنفذها في الأجانب، وزعموا أن مصر قد طلبت وما زالت توافق على كثير من هذه القوانين. فلماذا لم تطلب الوزارة إلى هذه الجمعية أن توافق على هذا القانون، كما أُشير عليها حين كانت تجد في إصداره؟ هل تستطيع الوزارة أن تبين للناس موقفها الغريب هذا؟ لقد اندفعت في العناية بهذا القانون حتى خُيِّل إلى الناس أنه قد يصدر في غيبة البرلمان، ثم اندفعت في إهمال هذا القانون حتى اعتقد الناس أنه مات قبل أن يشهد الحياة. أين هذا الشيطان الذي خنق هذا القانون قبل أن يشهد النور؟ أجنبي هو أم مصري؟ وفيم كانت هذه العناية المسرفة؟ تفسير ذلك يسير: كانت الوزارة تريد أن تتخذ هذا القانون أداة سياسة للتأثير في المدارس الحرة المصرية بعد أن تبين لها أن سياسة الإعانة وبذلها عن جود، أو منعها أو التقتير فيها، لا تكفي لنشر الدعوة.
    لتسمح لنا الوزارة وصحيفتها في أن نقول غير مترددين إن الحكومة في حاجة إلى شيء من الشجاعة لتوقظ هذا القانون من نومه أو لتبعثه من موته، ولتسعى لدى الدول الأجنبية في تنفيذه على المدارس الحرة كلها. نعم، ولو تُركت الوزارة إلى نفسها لما التفتت إلى هذا القانون ولا فكرت فيه. ومع ذلك فإنه وحده الخليق بحماية الأخلاق المصرية من عبث المفسدين، وهو وحده الخليق بحماية الإسلام من عدوان المبشرين.
    أفيؤذن لنا في أن ندع الوزارة بعد أن يئسنا منها في الضرب على يد المبشرين، وفي أن نفزع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك مرة أخرى، ونطلب إلى جلالته أن يتفضل فيأمر وزارته بأن تُخرج هذا القانون وتجدّ في إنفاذه على المصريين والأجانب؟ أفيؤذن لنا في أن نرفع إلى جلالة الملك أن الأخلاق المصرية في حاجة إلى الحماية، وأن القومية المصرية في حاجة إلى الرعاية، وأن الدين الرسمي للدولة في حاجة إلى الصيانة، وأن سبيل هذا كله إنما هو مراقبة الدولة بدقة وأمانة ونزاهة للتعليم الحر، سواء منه المصري أم الأجنبي؟ أفيؤذن لنا في أن ننتظر أن يتفضل جلالة الملك فيشمل برعايته السامية هذه الناحية من حياة المصريين؟
    كوكب الشرق ١٦ – ٦ – ١٩٣٣

    تلهية
    تحدثت زميلتنا «السياسة» الغراء صباح اليوم إلى قرائها بحديث إن صح ما فيه كان فضيحة لا كالفضائح، ونكرًا لا كغيره من النكر الذي تعود الناس أن يشهدوه في هذه الأيام.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا عبث بمجلس النواب وبالأمة المصرية كلها حين زعم للنائب الذي سأله مساء الأربعاء في أمر المبشرين أن الحكومة تريد أن ترصد سبعين ألفًا من الجنيهات لإنشاء ملاجئ ومدارس تؤوي إليها الفقراء والبائسين من أبناء المسلمين وبناتهم لتجعلهم في مأمن من عدوان المبشرين على دينهم وأخلاقهم وأعراضهم.
    تحدثت السياسة بأن وزير الداخلية القيسي باشا قد عبث بمجلس النواب وبالمسلمين جميعًا من أهل مصر حين قص عليهم هذه القصة لأن الحكومة لم تفكر في إرصاد هذا المال لعلاج التبشير ولا لحماية أبناء المسلمين وبناتهم من المبشرين، وإنما أرصدته لتنفيذ قانون آخر أقره البرلمان، ولم يكن بينه وبين التبشير والمبشرين صلة، وهو القانون الذي يقضي بمنع التسول. وإذن فقد قال وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ للنواب وللمسلمين غير الحق. وإذن فقد ظفر وزير الداخلية القيسي باشا بثناء النواب وشكر الشاكرين له من المسلمين، لأنه قال لهم غير الحق، وخيل لهم ما لم يقع، وصور لهم ما لم يكن، وأنبأهم بأن الحكومة تفكر فيما لم تفكر فيه.
    وإذن فقد تعمد وزير الداخلية القيسي باشا ـ إن صح ما جاء بالسياسة ـ أن يلهي الناس عن المبشرين، فحاول ذلك وسلك إليه طريقًا لا ندري أين يقع من فضائل الإسلام ومكارم الأخلاق، لا سيما الأخلاق التي تلائم كرامة الوزراء ومناصب الدولة الكبرى، وإذن فقد كان الأمر كله تلهية، وتلهية بغير حق.
    ولم يقف الأمر عند هذا الحد ولكن الوزراء جميعًا أقروا زميلهم بالسكوت عما قال ووافقوه على ما زعم فشاركوه في تبعاته الخلقية والدينية، فهم جميعًا قالوا لمجلس النواب وللمسلمين ـ إن صح زعم السياسة ـ غير الحق. وهم جميعًا حاولوا صرف الناس عن المبشرين وأعمالهم بهذا النبأ الذي لا يصور الحق، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإن للوزارة صحفًا تؤيدها وتدعو لها، وتثني عليها، وقد استغلت هذه الصحف موقف وزير الداخلية فأذاعته وبشرت به، وغلت وما زالت تغلو في حمده والثناء عليه. وإذن فهذه الصحف تشارك الوزراء في إذاعة غير الحق، والتلهية بغير حق، وصرف الناس عن المبشرين بهذه الأنباء التي لا تلائم الحق.
    ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد زعمت صحيفة الشعب أن هذا المقدار كان كبيرًا، ولكن حضرة صاحب الجلالة الملك لم يرض به، بل أمر فرفع إلى السبعين ألفًا. وإذن فقد استباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تتحدث عن حضرة صاحب الجلالة الملك بغير حق. واستباحت صحيفة الشعب لنفسها ـ إن صح ما تحدثت به السياسة ـ أن تموه على الناس، وتدعو للوزارة باسم جلالة الملك، ومقام جلالة الملك أرفع وأعلى وأكرم على المصريين جميعًا من أن يتخذ وسيلة إلى الدعاية، ولا سيما حين لا تعتمد هذه الدعاية على الحق. فإن من الهين على الناس أن يعد الوزراء ويخلفوا، ومن الهين على الناس أن يقول الوزراء ثم لا يدققوا في القول، ولكن الشيء الذي لا ينبغي ولا ينبغي أن يؤذن به أو يصر عليه أن تذاع الوعود باسم حضرة صاحب الجلالة الملك، ثم يتبين الناس أنها لم تكن حقًا، وأنها لم تصدر عن جلالة الملك، وإنما اخترعت اختراعًا، واتخذت وسيلة للدعاية السياسية من جهة، ولصرف الناس عن المبشرين من جهة أخرى.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٦ – ١٩٣٣

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.
    كوكب الشرق ٢٥\٦\١٩٣٣

    واجبات
    هي هذه التي سجلها صاحب الفضيلة الأستاذ المراغي في كتابه إلى نائب رئيس الوزراء باسم جماعة الدفاع عن الإسلام ، يطالب الحكومة فيه بأن ترد عن المصريين جميعا عدوان هذه الهيئات الأجنبية التي تنهض بأعمال التبشير . ومن المحقق أن الأستاذ الجليل قد وفق في كتابه كل التوفيق ، ووضع الأشياء في مواضعها ، وأقر الأمور في نصابها ، واصطنع صراحة لا تدع سبيلا إلى الغموض ، ولا طريقا إلى التأويل ، وحزما لا يمكن أن يتهم معه بالضعف أو الفتور . والأستاذ لا يتحدث عن نفسه وحدها ، وإنما يتحدث عنها وعن الجماعة التي اختارته لها رئيسا . وهو يتحدث عن المصريين جميعا مهما تختلف أهواؤهم ومذاهبهم ، ومهما تكن دياناتهم ونحلهم .
    وأول ما يجب أن يهنأ به الأستاذ أنه قد ارتفع بهذه القضية عن أن تكون طائفية يختص بها فريق دون فريق ، ويلح فيها بعض المصريين دون بعضهم الآخر ، وجعلها قضية مصرية خالصة تنهض بها مصر في وجه الأجنبي الذي يغزوها في أرضها ، ويعتدي على مرافقها وعقائدها .
    فالأستاذ ومن ورائه جماعة الدفاع عن الإسلام لا يذود عن الإسلام وحده ، ولكنه يذود عن المسيحية أيضا ، بل هو يذود عن الحرية المصرية كلها . وما كان لعلماء الإسلام أن يسلكوا غير هذا الطريق أو يتحدثوا بغير هذه اللهجة ، فدينهم يلزمهم الذود عن حرية الرأي ، ودينهم يلزمهم أن يتوخوا الحق في كل ما يقولون وما يعملون . والحق إن الإسلام دين الدولة ، ودين كثرة المصريين ، فيجب أن يحميه المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من يحميه . والحق إن المسيحية دين جماعة من المصريين ، وأن الكنيسة القبطية مظهر من مظاهر المجد المصري المؤثل ، فيجب أن يحميها المصريون جميعا ، وأن تكون الحكومة أول من ينهض بحمايتها . والحق أن لا إكراه في الدين ، فيجب على المصريين جميعا أن يحموا كل دين قائم في مصر من الإكراه مهما يكن . يجب أن تحمى الديانات من أن يخرج الناس منها مكرهين . ويجب أن يستبين للناس جميعا أن الإكراه في نفسه إثم يمقته الدين ، ويمقته القانون . ولم تنشأ الحكومات إلا لتمحوه وتقضي عليه وتعاقب الذين يقترفونه أو يدعون إليه .
    بهذا كله تقول جماعة الدفاع عن الإسلام ، وبهذا كله تقول هيئة كبار العلماء ، وبهذا كله يقول إخواننا الأقباط . فليست المسألة إذن مسألة اعتداء على الإسلام وحده ، وإنما هي مسألة اعتداء على الحرية الإنسانية ، مسألة اعتداء على الحضارة كما أشار إلى ذلك الأستاذ المراغي في كتابه إلى رئيس الوزراء بالنيابة . فإذا كان التبشير مباحا أو مستحسنا في البيئات الهمجية التي لم تأخذ بحظ من رقي ولم تنل نصيبا من ثقافة ، كان من القبيح الممقوت أن يتخذ التبشير وسيلة إلى محاربة حضارة قائمة لها مجدها ، ولها حظها الرفيع من الرقي ، ولها أثرها البعيد في تهذيب الناس .
    أشار الأستاذ المراغي في كتابه إلى هذا كله ، فهو خليق أن يهنأ به ، والناس خليقون أن يسمعوا لما قال في هذا كله ، والحكومة خليقة أن تستجيب لدعائه ، وتنهض بهذه الواجبات التي أحصاها كتاب الأستاذ في دقة وصراحة واستقامة وصرامة معا .
    ما أكثر هذه الواجبات وما أيسرها لو أن الحكومة أرادت حقا أن تؤدي عملها في قوة وحزم على يقين لأنها لم تنشأ لنفسها وإنما أنشئت لخدمة الأمة التي تقوم فيها . فمما لا شك فيه أن القوانين لم تشرع عبثا ، وإنما شرعت القوانين لتأخذ الناس بما فيها من أحكام ، وأقيم القضاء لينصف المظلوم من الظالم . فمن حق الأستاذ المراغي ومن حق الناس جميعا أن لا يرضوا من الحكومة بالإجراءات المؤقتة ، وأن يطالبوها بأن تحيل بالفعل إلى القضاء ما يستكشف من آثام المبشرين الأجانب . ولو أن عدوان هؤلاء المبشرين وقع من المسلمين على الأقباط ، أو من الأقباط على المسلمين ، لما ترددت الحكومة في أن تنفذ القانون ، وترفع أمر الآثمين إلى القضاء ، لأن هؤلاء الآثمين سيكونون يومئذ من المصريين الذين لا تحميهم الامتيازات ، ولا تتحرج الحكومة من أخذهم بالشدة حتى يقضي العدل بذلك .
    وليس من شك في أن وزارات الخارجية والمفوضيات السياسية لم تنشأ لتكون زينة ، وإنما لتحقق الصلات الصادقة المتينة بين الأمم والشعوب ، فإذا جنى الأجانب في مصر جناية أو اقترفوا إثما وأخلوا بواجبات الضيافة ، فمن الحق على وزارة الخارجية المصرية أن تستخدم نفوذها السياسي لتقوم هذا العوج وتصلح هذا الفساد ، وبهذا تطالب جماعة الدفاع عن الإسلام .
    فإذا غلا الأجانب في العدوان وتجاوزوا واجبات الضيافة وانتهكوا حرمات البلاد التي يعيشون فيها ، فمن الواجب على الحكومة لكرامتها وكرامة الأمة أن تكفهم عن ذلك وتقطع عليهم الطريق إليه ، وتغلق معاهدهم ومدارسهم حيث يثبت أنها تتخذ وسائل إلى الإثم والإجرام . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    ومن الحق على الحكومة ألا تنفق أموال الشعب إلا فيما ينفع الشعب ، فإذا ثبت أن الأجانب الذين تعينهم الحكومة بأموال الشعب يسيئون إليه ويعتدون عليه ، فمن الإثم أن تمضي الحكومة في إعانتهم ، وأن لا تكف عنهم ما تمنحهم من المال ، وأن لا تقتضيهم ما تنزل لهم عنه من المال ، وألا تطالبهم بما تحط عنهم من الضرائب . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ، وتؤيده جماعة الدفاع عن الإسلام ، ويؤيدها المصريون جميعا .
    وقل مثل ذلك في هذه الأرض التي تمنحها الحكومة للأجانب بلا ثمن أو بثمن يسير على أن يقيموا عليها المدارس والمعاهد النافعة ، فإذا هم يقيمون عليها معاهد ومدارس تضر ولا تنفع ، وتسوء ولا تحسن ، فيجب أن تسترد منهم هذه الأرض .
    وقل مثل ذلك في هذه الامتيازات التي تمنح لرجال الدين من الأجانب ، فتبيح لهم السفر بلا أجر ، فإن الواجب على الحكومة أن تلغي هذه الامتيازات إذا ثبت أن هؤلاء الناس لا يسافرون ليذيعوا الخير ويأمروا بالمعروف ، وإنما يسافرون ليذيعوا الشر ويأمروا بالفساد .
    وليس من يستطيع أن ينكر على أي دولة تستحق أن تسمى بهذا الاسم أن تصدر من القوانين ما يمكنها من أن تراقب كل ما يقع في أرضها لتتقي شره ، وتدفع نكره ، وتحمي الشعب من آثاره . وبهذا يطالب الأستاذ المراغي ويطالب معه المصريون جميعا . وهم لا يطلبون شططا ولا يكلفون الحكومة عسيرا من الأمر ، وإنما يطلبون إليها أيسر ما يجب أن تنهض به الحكومات . وإنما الغريب أن تنتظر الحكومة حتى يطلب إليها ذلك ، وألا تنهض به وحدها ومن تلقاء نفسها دون أن تحتاج إلى من يذكرها به أو ينبهها إليه .
    لقد نهض الشعب المصري كله بما يجب عليه لنفسه ولكرامته وللحرية الإنسانية والحضارة الإنسانية ، وقال الشعب المصري كله في ذلك كلمة الحق التي لا لبس فيها ولا غموض . فاللهم وفق حكومة مصر إلى أن تنهض بواجبها كما نهضت به مصر .
    كوكب الشرق في ٢٩ – ٠٦ – ١٩٣٣

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

    إذن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.

    إلحاح
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.
    كوكب الشرق ٩\٨\١٩٣٣

    نداء
    أصدره صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» «شيخ الجامع الأزهر»، وأخذت الصحف تذيعه في الناس منذ أمس، وفيه نذير شديد، وتحذير للناس غليظ من أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس المبشرين ومعاهدهم بعد ما تبين لهم من أمر هذه المدارس والمعاهد، وبعد أن أُقيمت لهم الملاجئ الإسلامية، وفُتحت أمامهم أبواب المعاهد والمدارس القائمة لتعينهم على ما يحتاجون إليه من تعليم الأبناء والبنات، وتربيتهم في بيئات إسلامية خالص تحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم وقوميتهم وتحميهم من كل فتنة وترد عنهم كل عدوان.
    وليس من شك في أن صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» حين فكر في إصدار هذا النداء، وحين أصدره، قد أدى واجبًا يفرضه عليه مركزه في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد الإسلامية؛ فالله — عز وجل — يطالب المسلمين جميعًا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسارعوا إلى الخير. وهذا الواجب أشد لزومًا للذين نصبوا أنفسهم رجالًا للدين وأئمة للمسلمين، فكيف إذا كانت الدولة هي التي نصبتهم لذلك وكلفتهم إياه، وأرادتهم على أن يفرغوا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإسراع إلى الخير.
    فـ«شيخ الأزهر» إذن قد اجتهد في أن يؤدي لله وللدولة هذا الواجب الذي لم يكن له بد من تأديته، وله على هذا الاجتهاد في تأدية الواجب أجره من الله، وشكر الناس إياه، سواء أوفّق أو لم يوفّق، سواء أخطأ أم أصاب؛ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولسنا نشك ولا نرتاب في أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الخير، فقد برئت ذمته من عصيان العصاة، وبغي البغاة، وتقصير المقصرين، وأصبح الثقل كل الثقل، والإثم كل الإثم، على أولئك الذين يؤمرون بالمعروف ثم لا يأتمرون، وينهون عن المنكر ثم لا ينتهون، ويدعون إلى الخير ثم لا يستجيبون. وأكبر ظننا أن المسلمين سيؤدون لله ولأنفسهم واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، والإسراع إلى الخير، كما أدى صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر»، أو كما اجتهد صاحب الفضيلة الأستاذ في أن يؤدي واجبه مريدًا الإصلاح ما استطاع.
    ولكن هذا النداء يدعو إلى شيء من التفكير لعله لا يخلو من العبرة والموعظة الحسنة، وهو يدعو إلى التفكير من نواحٍ مختلفة نقف عند بعضها؛ لأنه خليق حقًا أن نقف عنده، وندعو الناس جميعًا إلى أن يطيلوا فيه الروية والتفكير. فهذه المدارس والمعاهد التي أقامها المبشرون، ودعوا إليها الناس، أو دفعوا إليها الفقراء والضعفاء دفعًا، يحدثنا صاحب الفضيلة بأنها مدارس ومعاهد أُعدت لإخراج الناس من دينهم. وصاحب الفضيلة لا يقول هذا عفوًا، ولا يلقي هذا إلقاءً، وإنما يقوله بعد أن تبين له أنه الحق الذي لا يقبل شكًا ولا مراء. وصاحب الفضيلة ينهى المسلمين عن أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المعاهد والمدارس، وسيستمع له المسلمون إن شاء الله عز وجل.
    ولكننا كنا نحب وما زلنا نحب أن تستمع له الوزارة قبل أن يستمع له عموم الشعب، أو أن تستجيب له الوزارة الراعية قبل أن تستجيب له الأمة التي هي الرعية، كما يقول الحديث الشريف الذي رواه الأستاذ في ندائه؛ فما دامت الوزارة راعية للناس، وما دامت الوزارة مسؤولة عن رعيتها، وما دامت كل وزارة مصرية مهما تكن قد قبلت هذه التبعات، تبعات الراعي الذي يُسأل عن رعيته، فقد يخيل إلينا أن الإثم الذي يصيب المسلمين إذا أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والمعاهد يقع مضاعفًا على الوزارات التي تسمح بإقامة هذه المدارس والمعاهد، وهي تعلم كما علم الشيخ أنها أُعدت لإخراج الناس عن دينهم، وبأن تفتح أبوابها للناس وتدعوهم سرًّا وجهارًا إلى أن يرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم ليخرجوا فيها من دينهم. فليس يكفي أن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتدعوهم إلى الإسراع إلى الخير، وإنما يجب أن تهون عليهم الائتمار بالمعروف، وتيسر عليهم الانتهاء عن المنكر، وتمهد لهم سبيل الإسراع إلى الخير.
    وليس يكفي أن تقيم لهم الملاجئ وتفتح لهم المعاهد والمدارس، وأنت تعلم حق العلم أن لهؤلاء المبشرين من ضروب الإغراء والإغواء، ومن فنون الكيد والمكر، ما قد يمكنهم من أن يصرفوا الناس جميعًا أو قليلًا منهم عن هذه الملاجئ التي أُقيمت، وعن هذه المدارس والمعاهد التي فُتحت لهم أبوابها. وواضح جدًّا أن «شيخ الأزهر» لا يستطيع أن يكف الناس بالقوة عن معاهد المبشرين أو يدفع الناس بالقوة إلى معاهد المسلمين، ولا يستطيع أن يُغلق معاهد المبشرين إغلاقًا، وإنما «الوزارة المصرية» وحدها هي التي تستطيع أن تتخذ من السبل والأسباب ما يحول قطعًا بين المسلمين وبين هذه الدور التي أُعدت لإخراج أبنائهم وبناتهم — كما يقول الشيخ، وكما تعلم الوزارة — من الإسلام.
    وقد اقترحنا واقترح الناس معنا، واقترحت «هيئة كبار العلماء» على الوزارة ضروبًا من الوسائل لتحقيق هذه الغاية التي لا بد من تحقيقها؛ فقد نحب أن نعلم ماذا فعلت الوزارة بكل ما اقترح عليها من الوسائل والأسباب؟ أخذت من غير شك في إنشاء الملاجئ، ودعت إلى هذا الإنشاء وأعانت عليه، ولكن مدارس المبشرين ومعاهدهم وملاجئهم ما زالت قائمة، وما زالت أبوابها مفتحة، وما زال الناس يُدعون سرًّا وجهرًا في أكبر الظن إلى أن يرسلوا إليها الأبناء والبنات، وما زالت هذه المدارس والملاجئ تملك من ضروب الإغراء ما قد يجعلها أحب إلى بعض الناس، وآثر عندهم من هذه الملاجئ التي أُنشئت. فماذا اتخذت الوزارة من الأسباب لتحول بين الناس وبين هذه المعاهد الأجنبية؟ أو لتحول بينهم وبين ما ينتظرهم من شر إن أرسلوا أبناءهم وبناتهم إليها؟
    لقد أجمع المصريون على مطالبة الوزارة بفرض المراقبة على هذه المعاهد، فماذا صنعت الوزارة بهذا الإجماع؟ وإلى أي حد وصلت الوزارة في وضع التشريع الذي وعدت به منذ زمن بعيد، والذي ألح الناس وما زالوا يُلحون في أن تنشره بعد أن طوته طيًّا؟
    والناس جميعًا يذكرون أن الحكومة الإنجليزية قد أذنت لمندوبها السامي في أن يتحدث إلى «الوزارة المصرية» في تنظيم هذه المراقبة، وهم جميعًا يذكرون أن كلامًا كثيرًا قيل في هذا الإذن، وأن أنباء كثيرة أُذيعت حوله، وأن «الصحف الإنجليزية» تحدثت بأن وزارتنا قد اتصلت بالهيئات التبشيرية العليا لتشاورها في أمر هذه المراقبة. والناس جميعًا يعلمون أننا أنكرنا تدخل الإنجليز في أمر هذه المراقبة، واستشارة المبشرين في أمر هذه المراقبة التي يُراد أن تُفرض على معاهدهم. ولكن الناس يريدون أن يعلموا ماذا أصاب التشريع الذي يفرض هذه المراقبة؟ أعدلت عنه الوزارة واكتفت بإنشاء الملاجئ وبما يصدره «شيخ الأزهر» من النداء والتحذير؟ أم أنها أرجأته كغيره من المشروعات؟ أم لا تزال جادة فيه؟ فإن تكن الأولى فقد ينبغي أن تعلم الوزارة أن إنشاء الملاجئ ونداء الشيخ وغيره من المسلمين قد يخفف الشر ولكنه لا يمحوه، وإن تكن الثانية فقد نحب أن نعلم ما بال هذا التشريع لم يُعلن أمره للناس، أو لم تُعلن أنباؤه إلى الناس؟ وهذا فصل الدراسة قد ابتدأ، وكان ينبغي أن يُحال بين الناس وما في معاهد المبشرين من الشر قبل أن يبتدئ العام، وتتكرر الحوادث المحزنة الخطرة التي وقعت من قبل.
    نعلم أن الوزارة قد شُغلت بنفسها في هذه الأسابيع، ولكن الوزارة لم تُقم لتشغل بنفسها، وإنما أُقيمت لتشغل بالناس. ونعلم أن الوزارة قد شُغلت بجباية الضرائب لأن الدولة في حاجة إلى المال، ولكننا نعلم أن جباية الضرائب ليست شيئًا يُقصد لنفسه، وإنما تُجبى أموال الناس لتنفق في مصالح الناس، ومن أهم مصالح الناس أن تحمي الحكومة فقراءهم وضعفاءهم من عدوان الأجنبي. ونعلم أن لدى الوزارة من المشكلات الداخلية السياسية ما قد يضطرها إلى أن تشفق من إغضاب الأجانب، وترغب في مصانعتهم بعض الشيء، ولكننا نعلم أن الوزارة لم تُقم لتستعين بمصانعة الأجانب على البقاء في الحكم، وإنما أُقيمت لتخدم الشعب وتحقق مصالحه في غير هوادة ولا ضعف؛ فإن وُفقت إلى ذلك فهو الخير، وإلا وجب عليها أن تستقيل.
    نحب أن تنظر الوزارة إلى نفسها نظرة الجد، وأن تعلم أنها لم تُقم لتشغل بأمر دون أمر، أو لتشتد في بعض الأمور وتلين في بعضها الآخر، وإنما أُقيمت لتعنى بأمور الدولة كلها، ولتشتد في حقوق الدولة كلها. نعم، ونحب أن تعلم الوزارة، وأن يعلمها «شيخ الأزهر» — إن لم يكن قد فعل — بأنه إذا كان من الحق أن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم مذنبون مقصرون، فإن الذين يسمحون ببقاء هذه المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم دون أن يحولوا بينها وبين غايتها المنكرة بقوة وصراحة يتعرضون عند الله، وعند الناس، وعند «شيخ الأزهر» لأمر عظيم.
    فلترفق الوزارة بنفسها أن يصيبها من «شيخ الأزهر» هذا الأمر الذي أرسله صارمًا رهيبًا.
    كوكب الشرق في ٢١-٩-١٩٣٣.

  • طه حسين و محمود مختار | Taha Hussein and Mahmoud Mokhtar

    المصري الغريب في مصر
    هو مختار. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن.
    كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالًا بها وقربًا منها وتمثيلًا لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم أقل من هذا العدد اليسير، ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أُعلن إليهم أن الحجاب قد أُلقي بينهم وبين هذا الصديق وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقي بينه
    وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالبًا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضا بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. وإنما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى.
    وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يُقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقًا في آخر حياته، وكان غريباً حقًا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لمامًا، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعًا، واستقبل المرض شجاعًا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا وما زلنا نتحدث
    بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد أنطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوروبيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان أسبق المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد رد إلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدًا أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمشِ في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يُلقِ أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيًا أو إنجليزيًا أو إيطاليًا وأدَّى لبلده مثل ما أدَّى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال
    والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير.
    ولا ننسَ أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارًا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضُحِّيَ بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا أكذب المصريين إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء.
    لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه – ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يُلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلًا، ولعله لا يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن.
    طه حسين
    الرسالة ٢\٤\١٩٣٤

    أحاديث الأسبوع
    كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
    وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
    لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
    وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
    على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
    فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
    وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
    والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
    أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
    لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
    فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
    ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
    طه حسين
    الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤

    حديث الوادي
    عقوق . . .
    ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
    كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
    وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
    أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
    وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
    نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
    وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
    أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
    طه حسين
    الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤.

  • مصر طه حسين \ Taha Hussein’s Egypt

    مصر
    للدكتور طه حسين
    مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق. هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون. إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال. إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان. وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع. مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز. لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق. «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان. «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون. كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.

  • خطاب من طه حسين لإبنه مؤنس | A letter from Taha Hussein to his son

    ٢٨ يوليو ١٩٣٣
    يا صغيري بالاغوست،
    لم يكن صحوي عصر اليوم صحوًا رفيقًا بي. فقد دوّى في البيت صراخٌ حادٌّ مفزع، أعقبته سقطةٌ عنيفة، فهببتُ من فراشي أقول في نفسي: لقد ألقى فريد بنفسه من أعلى السطح! وما كان هذا الظنُّ بعيدًا، فإن فريدًا منذ حادثة الملوخية ذات التراب يُنذرني كل يومٍ بكارثة.
    وثبتُ إلى الباب في لمح البصر، فإذا بي أجد فريدي ممدَّدًا على البسطة، لا حراك به. قلتُ: لا بأس، دوارٌ أو إغماءة، فهذا جزاء من يأكل الديدان والتراب. ولكن الذي كاد يُغمى عليَّ أنا، لا فريد، ما رأيتُه حول جسده الساكن: دبُّك جاثمًا عليه، ومعه ثلاثة دببة لا أدري من أين انحدروا.
    وكان دبُّك يصيح بصوته الأجش:
    — لا تفزع يا سيدي، فالأمر من صنيعنا!
    وقال الآخرون في صوتٍ أرادوا له اللين فلم يُفلحوا:
    — يا سيدي… يا سيدي…
    فصحتُ بهم:
    — دعوني الآن! لننظر في أمر المريض أولًا، ثم نحاسب المذنبين بعد ذلك.
    فقال مارتان — وهو فيما يظهر خطيبهم:
    — أما المريض، يا سيدي، فليس من اليسير إفاقته. والأحسن أن تنصرف قليلًا حتى يعود إليه وعيه. وبعد عشر دقائق نكون في غرفتك. أعدك بذلك — شرف الدببة! — ولك عندئذٍ أن تستجوبنا كما تشاء.
    ثم اختفوا جميعًا.
    أخذتُ أهزُّ فريدًا، وأرشُّ عليه ماء الكولونيا وماء هليوبوليس، بل والكحول. فتحرّك أخيرًا، فلما سألته عما حدث تمتم:
    — يا دكتور… خُيِّل إليَّ أن دببةً من قطن — مثل دبِّ مؤنس — تريد أن تلتهمني… لعلها هلوسة!
    فقلتُ له في وقار الطبيب:
    — لا بأس يا صديقي. اذهب فاطلب لنفسك فنجان قهوة.
    والحقُّ أنني كنتُ أشدَّ شوقًا إلى لقاء الدببة من الاطمئنان على فريد. وقد زال خوفي عليه، فهو لم يمت، ولن تُطالبني أسرته بفديته.
    دخلتُ غرفتي، فإذا الدببة الأربعة جالسون في أدبٍ حول مقعدي، ينتظرونني. جلستُ، ولم أكد أستقر حتى سمعتُ صوت مارتان الأجش يقول:
    — ها نحن يا سيدي. قصتنا يسيرة. منذ أن قسا السيد مؤنس وارتحل وتركني وحيدًا، جاءني رفاقي الثلاثة — بيدي بيش، وشيري بيد، وديريشيبه — وهم من دببة الحوت، يؤنسون وحدتي ليلًا ونهارًا. يرسلهم إلينا دبُّ الحوت كلما طال بي الشوق.
    إذا خلونا بأنفسنا لعبنا كما نشاء: نتحدث، ونغني، ونصرخ، بل نرقص أحيانًا. أما إذا حضرتَ، فنحن نُؤثر السكون لئلا نزعجك. ويتحوّل رفاقي — اتقاءً لريبة فريد — إلى ثلاث نملات صغيرات.
    غير أن السيد فريد نزل منذ قليل، فرأى النمل وأراد أن يبطش بهن. ومن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه، أليس كذلك يا سيدي؟ فعاد رفاقي إلى صورتهم الأولى، وصحنا جميعًا: قِف! ثم سمعنا صرخةً وسقوطًا، فإذا فريد مطروحٌ على الأرض. فأسرعنا إلى إسعافه، ثم حضرتَ أنت.
    هذه هي القصة. فهل نحن المخطئون؟ إن المسؤول الأول عن ذلك كله هو السيد مؤنس؛ لماذا يتركني وحيدًا؟ لقد طفتُ معه فرنسا، وما كنتُ لأُثقله في الإسكندرية.
    فقلتُ:
    — معك حق. ولكن في المرة المقبلة اختاروا صورًا أقلَّ إزعاجًا؛ فإن السيد فريد يخاف كل شيء — حتى النملة! وأما أنت يا مارتان فأعدك بأن مؤنس لن يتركك بعد اليوم فريسةً للوحدة.
    ولا حاجة إلى أن أقول لك إن حديثنا كله كان بالباليِّنية المشفَّعة بالهاء. ولو سمعنا فريد نتخاطب، لعاد إليه الإغماء مرةً أخرى.
    إلى اللقاء يا بالاغوست. إن من أحبَّ أصدقاءه لا يتركهم للوحدة: إما أن يصحبهم معه، وإما أن يكتب إليهم بين حينٍ وحين. فاكتب إلى دبِّك رسالةً، تُدخل بها السرور على قلبه.
    قبِّل أمينة، وغيغيت، عني. وأقبِّلك أنا قبلةً شديدة.
    بابا

    صاحب السعادة،
    لم يشدَّ لي بابا «الباشِتَّه»، ولكنه شدَّ أذنيَّ!
    صباح الخير، ولهوًا سعيدًا.


  • خطب طه حسين في فلورنسا ١٩٥٣- ٥٦ | Taha Hussein’s Speeches in Florence, 1953 – 56

    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    وزير التربية والتعليم
    ٢٦ يونيو ١٩٥٣
    سعادة رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    إني أحملُ إليكم تأييد بلادي، وتأييد سائر البلاد الإسلامية، تأييداً لكل ما قيل في هذا المؤتمر منذ استهلاله وحتى ساعتنا هذه؛ وهو تأييدٌ أزفُّه إليكم بغير قيدٍ ولا شرط، ذلك أن نهج تفكيرنا هو عينُ نهجكم. فليس ثمَّة خلافٌ بيننا في سبلِ إدراكِ وقبولِ القيم الروحية التي يتعينُ إرساؤها في عالمنا المتمدن الحديث. وإني إذ أقولُ هذا، لا أقوله بصفتي رجلاً من رجال القرن العشرين فحسب، ممن شُغفوا بثقافتكم وحضارتكم وتأثروا بكل ما نهلوه من مَعين المدنية الأوروبية، بل أقوله بصفتي مسلماً؛ فأنا على يقينٍ تام من أن أي مسلمٍ، في أي بقعةٍ من بقاع الأرض، لَو وقف مكاني هذا لَقالَ بالضبط ما أقوله الآن.
    إن كلمة “إسلام” مشتقةٌ من مادة “السلام”، وهي كلمةٌ ذات دلالةٍ جليلة، ليس في اللغة الإسلامية فحسب، بل في العالم أجمع. فالإسلامُ هو الدخول في السلم؛ وكلُّ مسلمٍ يبتغي أن يكون في سلمٍ مع الله. بيدَ أن الله “عزيزٌ ذو انتقام” في طلبه، فهو لا يكتفي بمجرد الصلح الظاهري، بل يوجبُ أن يكون السلمُ معه استسلاماً مطلقاً له. فكونُك مسلماً يعني أن تستسلم لله، وأن تَهبَه قلبك ونفسك وعقلك؛ أن تَهبَ نفسك لله بغير تحفظ. هكذا يؤمن المسلمون. وهم أبناءُ إبراهيم الذي استسلم لله استسلاماً كلياً، لدرجة أنه حينما أمره بالتضحية المشهورة لم يجد ما ينطق به من قول، إذ لم يكن أمامه إلا الطاعة بغير ترددٍ للأمر الذي أصدره الله إليه. ولم يستسلم إبراهيم وحده، بل طلب من ابنه الاستسلام ذاته، فأطاع الأب والابن معاً: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}.
    إن الإسلام يعني أن تكون في سلمٍ مع الله، وبالتبعية في سلمٍ مع البشر. ويبدو لي أن الإسلام والمسيحية يلتقيان في هذه النقطة لقاءً سعيداً. فقد كان المسيحُ هو المبشر بالسلام على الأرض بين ذوي النوايا الطيبة، بين الذين استسلموا للأب السماوي ووهبوا أنفسهم لله كلياً. إن الاختلافات بين المسلمين والمسيحيين — فيما عدا القضايا العقدية التي لا ينبغي لغير علماء اللاهوت الانشغال بحلها — لا وجود لها. فنحن جميعاً نفكر بالأسلوب ذاته، ولنا الأهدافُ عينُها من إرساء السلام بين البشر وتحقيق التقدم للعالم.
    إن كتاب الإسلام المقدس، القرآن الكريم، يتحدث عن المسيحيين والمسيحية، ولن تجدوا في سائر نصنا المقدس كلمةً واحدةً ضدهم؛ أعني ضد المسيحيين الحقيقيين، الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً ويستسلمون لها بقلوبٍ طاهرة. أما ذلك المسيحي الذي لا يعرف من إيمانه إلا الجانب الشكلي فذاك أمرٌ آخر؛ وهذا النمط هو من ينتقده القرآن، لأنه بداهةً لا يعرف الله حق المعرفة، ويقول إن الله ثالثُ ثلاثة. وأنا لا أعتقد أن المسيحيين الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً يقولون إن الله واحدٌ من ثلاثة. والقرآن يتحدث عن صلب المسيح، لكنه يوجه لومه لليهود الذين تفاخروا بصلبه، فيقول لهم القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}.
    ويكفي أن نستشهد بآيات القرآن الموجهة للمسلمين، تلك التي تحارب الكبر وتؤكد أن أقرب الناس مودةً هم أولئك الذين استعدوا لمحبتكم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖيَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.
    وحينما يقرأ المسلمون هذه الكلمات في القرآن (وهم يفعلون ذلك غدواً وعشياً وخمس مراتٍ في اليوم خلال كدحهم) لا يمكنهم أن يتخيلوا وجود خلافٍ حقيقيٍ بينهم وبين المسيحي، فضلاً عن وجود سببٍ للبغضاء. لقد كان الأب “دانييلو” يقول إنه ينبغي قبول فكرة “الوطن” وقبول الاختلاف بين الأوطان، مع الاكتفاء بقبول هذا الاختلاف بمحبة. وإني لأوقعُ على هذه الكلمات الجميلة للأب دانييلو، وأؤكد أن سائر المسلمين يتعين عليهم التوقيع على هذا الإعلان. ففي بلاد الإسلام، يعيش المسلمون والمسيحيون وغيرهم جنباً إلى جنب. لا يقتصر الأمر على عيش المسيحيين في سلمٍ مع المسلمين، بل إن المسلمين يعيشون في سلمٍ حتى مع غير المسيحيين ومع الأجانب أيضاً. وفي بلدي، لا يعيش الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان واليسوعيون لمجرد العيش، بل يعيشون ليعلّموا؛ فلهم مدارسهم ومعاهدهم التي يعلمون فيها المسيحيين والمسلمين على السواء، حيث يرسل المسلمون أبناءهم لتلك المدارس.
    إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في وئامٍ تام مع أساتذتهم المسيحيين. كما أن المسيحيين يلتحقون بمدارسنا الوطنية وجامعاتنا، ومن بينهم فلورنسيون أيضاً. لا توجد أي صعوبةٍ في الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وليس هذا في مصر فحسب، بل في سائر البلاد الإسلامية؛ ففي كل مكانٍ نجد التعايش كاملاً. وحينما تتحدثون عن “السلام المسيحي”، فنحن نفهمه على أنه “السلامُ” بغير نعوت؛ لأنه لا يوجد سلامٌ مسيحيٌ فحسب، أو سلامٌ مسلمٌ فحسب، بل يوجد “سلامٌ عالميٌّ وشامل”. فالسلامُ بحد ذاته لا دين له؛ بل بالأحرى له دينُ اللهِ الواحد، وهو “دينُ السلام”.
    لقد اجتمعنا هنا لنتناقش ونرى إلى أي حدٍ يمكن للصلاة والشعر أن يساهما في إرساء السلام في العالم. وبناءً عليه، فإني لا أعرف ديناً يُعلي من شأن الصلاة، ويُلحُّ على الإنسان أن يصلي ويكون في صلةٍ مستمرةٍ بالله، كالإسلام. وليس هذا لمجرد أن الإسلام يفرض على المسلمين خمس صلواتٍ في اليوم، ولا لأن الصلاة من بين الشعائر الأساسية التي يجب على الإنسان المشاركة فيها، بل لأن الإسلام لا يكتفي بالصلوات الخمس الرسمية، بل يؤكد أن ثمة شكلاً آخر من الصلاة، أهم بكثير من الصلاة الشعائرية: وهي استحضار الله الذي يجب أن يكون حاضراً في رُوح الإنسان، في جميع لحظات الليل والنهار.
    فالقرآن يأمرُ بإقامة الصلاة الرسمية، لكنَّ الحضور المستمر لله في النفس أهم بكثيرٍ منها. فالقرآن لا يكتفي بالرسم، بل يريد أن يكون ذكرُ الله حاضراً في الرُّوح، ويقدم للمسلمين نماذج من الأدعية، منها على سبيل المثال:
    {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖوَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚأَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
    وأيضاً: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖبِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖوَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
    وهناك نماذج عديدة أخرى من هذه الأدعية التي قدمها القرآن للمسلمين ليكونوا على صلةٍ بالله خارج أوقات الصلاة الرسمية. وفي الليل، ندعو الله هكذا (كما ورد في المأثور النبوي):
    «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ».
    هكذا يملك المسلمون أدعيةً شتى يناجون بها الله في الصباح والمساء، عند اليقظة وعند المنام، بخلاف الصلاة الرسمية.
    أما حيال الشعر، فقد اتخذ القرآن موقفاً حاسماً بإدانة الشعراء الغاوين: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. وبناءً عليه، فالقرآن ضد الشعر العابث، لكنه مع الشعر الذي يعلّم الناس الخير ويصدرُ عمن يعملون الصالحات: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}. فالشاعرُ قد يكون مقبولاً في الإسلام شريطة أن يكون رجلَ خير، ينطق بما ينفع من يسمعه ويتعلمه. هكذا يدين الإسلام الشعر المبتذل، لكنه يقرُّ الشعرَ الجدير بهذا الاسم.
    وللمسلمين، بطبيعة الحال، شعراؤهم؛ فلهم شعراءُ المجون كما هو حال العالم أجمع، لكنَّ لهم أيضاً شعراءهم من أهل الخير، وهم شعراءُ من الطراز الأول.
    ويمكنكم أن تسألوا علماءكم من المستشرقين، وتستفسروا منهم إلى أي حدٍ يرتبط التصوفُ المسيحي بالتصوف الإسلامي، وكيف تغلغل هذا التصوف في إسبانيا خلال القرنين العاشر والحادي عشر. فالتصوفُ الإسلامي والتصوف المسيحي قريبان جداً من بعضهما، ولهما المناهل ذاتها، وهي “حبُّ الله” و”حبُّ الحق”. فإله المسلمين هو إله المسيحيين، وصلاةُ هؤلاء وصلاة هؤلاء واحدةٌ تقريباً، فيما عدا بعض الشكليات؛ ونحن نتقبل هذا الاختلاف بمحبة.
    لقد وجد شاعرٌ مسلمٌ تحرر من كل قيدٍ شكلي، ففحص الإسلام ودرس المسيحية واليهودية ودرس دياناتٍ أخرى، ولم تمنحه أيٌّ من هذه الأديان راحة النفس التي كان ينشدها. كان شاعراً عربياً عاش في القرن العاشر، وهو ضرير، وأعني به “أبا العلاء المعري”، الذي قرأ كل شيء، وعاشر المسلمين والمسيحيين واليهود والفرس وغيرهم، وخرج بروحٍ متحررةٍ تماماً من كل شكليةٍ دينية. لكنه لم يستطع أبداً التحرر من التفكير في الله؛ فقد كان يؤمن بالله، إلهاً حكيماً، إلهاً خلق العالم، لكنه لم يستطع فهم “الوحي”. هذا الشاعر، بعد أن طاف بالبلاد الإسلامية، عاد إلى داره واعتزل العالم ومكث في بيته خمسين عاماً (رهين المحبسين) لا يرى إلا تلاميذه، ولا يخرج أبداً. وحرم على نفسه كل لذة؛ فلم يكن يأكل إلا العدس والتين، وقضى خمسين عاماً في هذه الحياة الطاهرة المتصونة والمتسمة بالقداسة حقاً، قداسةٌ رغم إنكاره لكل وحي.
    لقد قرأتُ صلواتِ هذا الشاعر الضرير، وأعتقد أنها لم تُنشر بعد باللغات الأوروبية، لأنها رأت النور مؤخراً بالعربية، ولا أدري إن كان المستشرقون يعرفونها. لقد كان هذا الرجل يؤمن بالصلاة، بالصلاة الحقة؛ تلك التي لا تُؤدى لمجرد الأداء، أو للتظاهر بأن المصلي يتوجه لله. فالله لا يحب المرائين، ولا يحب الذين يوجهون صلاتهم لغيره. فالله يوجب أن يتوجه المصلي إليه بقلبٍ طاهرٍ تماماً، ويريد منه أن يفحص ضميره قبل الصلاة، ويطهره من كل ما هو سوى الله.
    وحينما نريد أن نرى إن كانت الصلاةُ والشعرُ وسيلتين فعاليتين لإرساء السلام بين الأمم، فيتعين علينا ابتداءً أن نفحص ضمائرنا لنتبين ما إذا كنا نرتكبُ مظالمَ في حق الآخرين.
    إن اليوم الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون مستعدين للقاء — ليس بوجوهٍ باسمةٍ فحسب، بل وقبل كل شيء بقلوبٍ وضمائر طاهرةٍ ونقية — ستكون الصلاةُ والشعرُ هما الوسيلةَ الأكثر فعاليةً لإرساء سلامٍ دائمٍ بين المسيحية والإسلام.


    سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر)
    ٢٥ يونيو ١٩٥٤
    سعادة رئيس البلدية، سيداتي، سادتي،
    لقد قال لي العمدة “لا بيرا” منذ أيامٍ قلائل، في جملة ما غمرني به من رقيق القول: «ما أجمل العودة إلى الدار بعد طول سفر!». وإني لأحبُّ أن أعتبر نفسي هنا في داري، وأن أتحدث إليكم كحديث المرء في أهله وعشيرته. فنحن جميعاً إنما جئنا هنا بحثاً عن الحق، وطلباً للعدل، وسعياً لأن يحلَّ سلام الله في كل القلوب وبين سائر البشر، ويملأ الأرض خيراً ورخاءً.
    فما عسانا أن نفعل لنكون أصدقاء، ونتحدث حديث القلوب؟ سأتحدث إليكم بأبسط ما يكون الحديث، وبالنهج الذي أوصى به الله المسلمين؛ إذ يقول سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ{. إني أحمل إليكم أولاً تحية بلادي ودعواتها بنجاح مؤتمركم هذا، بل مؤتمرنا؛ لأن هذا اللقاء الذي يُسمى “مؤتمر السلام والحضارة المسيحية” هو أيضاً مؤتمرٌ للحضارة والسلام الإسلامي. فليس ثمة خلافٌ جوهري بين الإسلام والمسيحية؛ فإلهنا واحد، وإيماننا واحد، وغاياتنا ومُثُلنا واحدة. ومرةً أخرى يوصينا الله بالوحدة فيقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{.
    إذن فإلهنا واحد، ونحن يدٌ واحدة ضد كل ما يتهددنا. سأتحدث إليكم بالنهج الذي أمرت به الكتب المقدسة، وأقول لكم ببساطة إن سائر المسلمين قد أجمعوا على تأييد مُثُلكم وغاياتكم وطريقتكم في التفكير فيما يخص العدل والسلام. إن أزمة “الوحي” التي تشغلكم اليوم قد شغلت المسلمين منذ زمنٍ بعيد، منذ القرن الثامن للميلاد، حينما واجه المسلمون هذه الأزمة فور ترجمتهم للفلسفة اليونانية واحتكاكهم بالحضارة الإيرانية. وحينئذٍ انفتحت الهوة بين الإنسان وخالقه؛ فالإنسان دائماً ما يداخله الغرور حين يفكر، وحين يتوهم أنه اكتشف جديداً، فيتخيل أنه قد سخر العالم لنفسه، ويظن أن الدنيا في غنىً عن الله، فيضع نفسه في موضع التضاد مع الخالق.
    إن حلَّ هذه الأزمة يكمن في التوفيق بين الحضارة والوحي. ومع أن الإنسان حاول دوماً إيجاد الحل كلما تطور وترقى، إلا أن غروره كان يزداد بازدياد توهمه للتقدم العقلي. وفي نهاية القرن العاشر وبداية الحادي عشر، برز مفكران مسلمان كبيران؛ أحدهما في سورية، وهو أعظم شعراء الإسلام: أبو العلاء المعري، الذي ثار على الوحي، وزعم أن الأنبياء سبب العداوة في العالم، وأن النبوات خديعة من “شيوخٍ” أرادوا السلطان والمال، وكان يقول: »أفيقوا؛ فما وحيكم إلا مكرٌ وخديعة« . أما الغزالي، فقد سلك مسلكاً عجيباً؛ إذ حاول هدم الفلسفة ليُفهم المسلمين أنهم في غنىً عنها، وأن كل شيء موجود في القرآن. ثم جاء ابن رشد محاولاً التوفيق بين الفلسفة والدين في كتابه «فصل المقال«.
    بيد أن الفلسفة ازدهرت في الأندلس ازدهاراً عظيماً بفضل الأساتذة وترجمة الكتب إلى اللاتينية. وفي المغرب، خاض المسلمون معركةً ضارية ضد الفلسفة وأحرقوا كتبها. ويروى عن فيلسوفٍ أندلسيٍ كبير (ابن رشد) أنه قال لمن أحرقوا كتبه: «إنكم قد تحرقون الورق، ولكنكم لا تحرقون العلم؛ لأن العلم في صدري، ولا يحرقه النار».
    ثم داهمتنا الأزمة في القرن التاسع عشر ووجدت المسلمين في حالة ضعفٍ وسبات. لكنهم استيقظوا رويداً رويداً، واستعادوا وعيهم بمجد الإسلام الغابر، وأرادوا استعادة كرامتهم القديمة. لقد عانى المسلمون في القرون الأخيرة من “عقدة المغلوب” أمام الأقوياء، فكانوا يرون الحضارة الغربية شيئاً خارقاً وأرادوا بأي ثمن جعل الإسلام جديراً بها. وحينئذٍ ظهر محمد عبده، الذي حاول إثبات أن الدين لا يتعارض مع الحضارة، ولكنه أسرف في التأويل حتى أراد أن يجد الميكروبات التي اكتشفها الأطباء في آيات القرآن! وهذا النهج أرضى المسلمين لثلاثين عاماً فحسب.
    أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت في مصر والشرق الأدنى دعوةٌ للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام، والتمسك بالنصوص القرآنية في نزاهتها بعيداً عن التأويلات المتكلفة. وأرادوا التأكيد على أن العلم والدين يمكنهما التعايش والوئام، شريطة أن يتسم العقل بالتواضع، ويقر بعجزه عن إدراك كل شيء من خلال كشوف العلم والتقنية؛ فالدين يظل هو السيد، وهو المعلم للقلب والوجدان، وهو الموجه لسمو البشر.
    بين الحربين العالميتين، شهد العالم العربي نهضةً حضاريةً استثنائية، وتبنى الثقافة المعاصرة والحضارة الغربية بصدق. ففي مصر مثلاً، تُدرس العلوم واللغات الأجنبية في كل المراحل التعليمية. وذهب المسلمون لأبعد من ذلك حين قالوا: «إن هذه الحضارة الغربية ليست مِلكاً للغرب وحده، بل هي حضارةٌ إنسانية، بدأت في اليونان وروما، ثم نَصَّرها المسيحيون وأسلمها المسلمون».
    لقد اضطلع المسلمون بدورٍ هائل في تطور هذه الحضارة، ولا يمكن للغربيين ادعاء ملكيتها الخالصة. والمسلمون اليوم يشعرون بأنهم شركاء في حضارتكم، وعليكم واجبٌ نحوهم بأن تنقلوا إليهم ما استحدثتموه من كشوف، لا كأسيادٍ بل كإخوةٍ وشركاء؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد. لقد نَصَّرتم الزمان في وقتٍ ما، وأَسلموه هم في وقتٍ آخر؛ أنتم تقدمتم في العصر الحديث وهم تقدموا في الماضي. أنتم إخوةٌ يجب أن تَرُدوا للشرق الإسلامي ما كان قد مَنَحكم إياه في القرون الوسطى.
    إن ما ينشده المسلمون اليوم هو العيش في سلامٍ مع العالم، ولكن في ظل سلامٍ حقيقي، لا سلامٍ ركيزته الرهبة والقهر. إنهم يطالبون بالعدل الذي يجب أن يكون واحداً للجميع؛ فلا يقبل المسلمون أبداً أن يكون هناك عدلٌ في أوروبا للأوروبيين، وعدلٌ في الشرق تفرضه قوة السلاح والاستعمار.
    إني لا أسعى للتفلسف أو الغرق في اليوتوبيا، بل أريد شيئاً واحداً: أن أُبين لكم أن علينا واجباً أسمى، وهو استعادة تلك الأخوة بين العالم الإسلامي والغرب، بل وبسطها بين بني الإنسان كافة. فليس عند الله شرقٌ وغرب، ولا شمالٌ وجنوب؛ بل هناك “العالم” وهناك “البشر”. والله حين يمنح العدل، لا يمنحه للمسيحيين وحدهم أو المسلمين وحدهم، بل يمنحه للعالم أجمع.
    أطلب منكم “مراجعة للضمير”. فالقرآن يقول: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{. وهذا يصدق على المسيحي كما يصدق على المسلم. إن الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك هي دماء الجميع. فالله لم يخلق العالم لأمةٍ واحدة، بل خلقه لتنعم فيه البشرية جمعاء، وتعبده وتخضع له في ظل العدل والسلام.
    وإني لعلى يقينٍ من أنكم، بمراجعة ضمائركم، ستدركون أن علينا جميعاً واجباً إلهياً؛ واجباً يهدف لأن يكون عدل الله شاملاً، وسلامه يرفرف في كل القلوب، ويملأ الأرض خيراً وبركة.
    وإني لا أختم حديثي دون أن أُعرب للبروفيسور “لا بيرا” عن إعجابي وامتناني، بل وعن محبتي؛ فبفضله أرى مرةً أخرى هذه المدينة التي أحبُّها: فلورنسا. وبفضله نلت سعادة لقائه، وإني لأجد في كل عامٍ الشرف في لقائكم جميعاً مرةً أخرى.


    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖوَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٥
    السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي،
    لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
    لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}.
    لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ.
    ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه.
    ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}.
    إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه.
    إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ.
    إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ.
    لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ.
    كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ.
    وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”.
    ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة.
    بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل).
    كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ.
    ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ.
    المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً.
    المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله.
    بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً.
    من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين.
    أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ.
    ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ.
    أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه.
    لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ.
    بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً.
    خلفية تاريخية: أُلقي هذا الخطاب في “مؤتمرات السلام والحضارة المسيحية” التي كان ينظمها عمدة فلورنسا الشهير جيورجيو لا پيرا في الخمسينيات، وكان طه حسين ضيفاً دائماً وممثلاً رسمياً لمصر فيها.

    خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر)
    ٢٤ يونيو ١٩٥٦
    من أعماق قلبي، أتقدم بوافر الشكر للبروفيسور جورجيو لا بيرا على لفتته الكريمة بدعوتي للتحدث في عيد القديس “يوحنا المعمدان”. وهو رجلٌ نُجله جميعاً، مسلمين ومسيحيين. لذا، يسعدني أن أعرب عن كامل امتناني للعمدة “لا بيرا” ولمدينة فلورنسا لإتاحة الفرصة لي للتحدث في هذا العيد؛ لأنه يومٌ يُكرم فيه المسلمون والمسيحيون على السواء نبياً بَشّر بنور عيسى المسيح العظيم.
    لقد كانت “النبوة” هي المبدأ الذي انطلقت منه التاريخ الإسلامي. تعلمون جميعاً أن العرب، قبل مجيء النبي، كانوا شتاتاً من قبائل بدائية غارقة في البداوة، تشغلهم الحروب والغزوات، ويعيشون حياةً هي أشد ما يمكن للمرء أن يتخيله من بؤسٍ وضنك. حياةً ملأى بالخوف والقلق، حياةً كان الآباء فيها يئدون أبناءهم وبناتهم أحياء؛ لقد كانوا حقاً آباء فاقةٍ ومسغبة.
    ثم جاء يومٌ، ظهر فيه رجلٌ أكد أنه مبعوثٌ من الله ليخرج تلك القبائل من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الضلال ويرشدهم إلى الصراط المستقيم. وعد هذا الرجل العرب بحياة سعيدة، وأكد أنه لم يأتِ للعرب وحدهم، بل للناس أجمعين؛ لم يأتِ ليغير أو يبدل شرائع المسيحية أو اليهودية، بل جاء مصدقاً لها. وقد واجه هذا الرجل صراعات واضطهادات مريرة. كان يدعو الأغنياء للرفق بالفقراء، والعظماء للرفق بالصغار، ويأمر السادة بحسن معاملة العبيد. كان يقول إن العبيد والسادة سواءٌ أمام الله، وأنه لا تفاضل بين سيد وعبد، ولا فقير وغني، ولا قوي وضعيف، بل إن الناس يتفاوتون أمام الله بحسب أعمالهم.
    لقد كان يقول إن الله خلق الناس من أب وأم واحدين؛ وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتآزروا، ويتعاونوا فيما بينهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي نهاية المطاف، وجد هذا الرجل آذاناً صاغية وطاعةً مخلصة؛ وبفضله استحال الشعب العربي شعباً متمدناً.
    إذن، بالنبوة بدأ تاريخنا. كان نبي الإسلام يؤكد أن الله أوحى إليه بأن الإنسان لا يمكنه الفرار بعيداً عن ربه في أي لحظة من لحظات وجوده، ذلك أن الله هو ضمير الإنسان. والله يستجيب دائماً لمن يرجوه، ولهذا يوجب على الإنسان الإيمان به: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ولأن الله يصحب الإنسان من مستهل حياته إلى منتهاها، فهو يحصي عليه كل ما يفعل، وكل ما يضمر، وكل ما يشعر به؛ فلا يخفى على الله شيءٌ من شؤون حياة الإنسان.
    وعلينا أن ندرك ذلك جيداً؛ فعلى المرء أن يحيا حياته وفقاً لأوامر الله. وأمرُ الله يتلخص في ثلاثة مبادئ: العدل، والإحسان إلى القريب، والتضامن بين البشر. فالمسلم الحق يجب أن يسير في حياته وفق هذه المبادئ والفرائض: فعليه أن يكون عادلاً تجاه الآخرين، أياً كانوا، مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. عليه أن يكون عادلاً في حياته الخاصة كما في حياته العامة، وفي حياته الدولية كذلك. وعليه أن يكون رحيماً؛ فالله لا يمقت شيئاً كمقته للأثرة والقسوة. يجب على الإنسان أن يكون محسناً، وأن يتخذ من محبة القريب ركيزةً لحياته العامة والخاصة، ولحياته الباطنة وفكره على السواء.
    لقد بدأت حياة الإسلام بدعوة النبي، وبالتأكيد على أن الله يحصي كل ما نفعل ونظن. والله يقص علينا في الكتب المقدسة المختلفة — في العهدين القديم والجديد كما في القرآن — أخبار الأمم التي سبقتنا، ولا سيما تاريخ اليهود والنصارى الأوائل. يقص علينا كيف كانوا سعداء ما أطاعوا أوامر الله، وكيف كان الله يسبغ عليهم عونه ما حافظوا على العهد مع أبيهم السماوي.
    وحينما يتخلى الله عن الناس، يجعلهم محلاً لغضبه، كما حدث حين لم يتبع إسرائيل أوامره ونسي الميثاق، فاستحال ميثاقاً غليظاً ضدهم. يقص الله علينا كم من مرة نقض بنو إسرائيل ميثاق إبراهيم، وكم مرة عاقبهم الله وجازاهم على هذا الذنب. ولم يقص الله علينا هذا لمجرد عرض التاريخ، بل فعل ذلك ليكون لنا عبرةً ودرساً.
    إن المسلم ملزمٌ بتذكر كل ذلك؛ فهو مطالبٌ بالصلاة، ومن ثمَّ بقراءة القرآن خمس مرات في اليوم، وعليه أن يذكر كل ما وقع قبل أن تكون الأمة المسلمة، وقبل بزوغ فجر الإسلام. ولا ينبغي له أبداً أن ينسى ما قد يحل به إن عصى الله. إن النبوة التي تنظم حياتنا، والتي تصحبنا أفراداً وجماعات، تريد أن تُعلمنا أن الله قد وهبنا عقلاً لنتفكر، وحريةً لنعمل وفقاً لأوامره. فالإنسان لا يُمنع من عصيان الأوامر الإلهية؛ فبمقدوره أن يعصي، ولكن عليه أن يعلم ما ينتظره إن فعل: العقاب في الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الأخرى.
    وبما أننا نملك العقل، فعلينا أن نميز بين الخير والشر: بين ما هو عدل وما هو جور، بين ما هو إحسان وما هو قسوة. وعلينا أن نؤدي لله حساباً عن كل ما نعلم وكل ما نصنع في هذه الحياة وفي الظروف التي تكتنفها.
    وخلاصة القول، إن الإسلام لا يختلف عن أي دين من الأديان السماوية في هذا الشأن؛ لأن المسلمين والمسيحيين واليهود يدركون بالمنطق ذاته طبيعة العلاقات الجوهرية بين الله والبشر. فهناك ميثاقٌ بين الله والناس، ميثاقٌ مشروطٌ بالعدل، والإحسان للقريب، والتضامن الإنساني. واليوم الذي ينقض فيه الإنسان هذا الميثاق، لا يعد مستحقاً لرحمة الله ومحبته، بل يصبح غرضاً لغضبه وعقابه.
    وإذا كنا نتفق على أنه لا يوجد خلافٌ جوهري بين الإسلام والأديان السماوية الأخرى من هذا المنظور، فإني أتساءل: لماذا لا يمكننا التفاهم أيضاً في سائر الأمور الأخرى؟ تلك الأمور التي تشكل حياتنا وتصيغها، والتي يجب أن تمثل الركيزة لتحسين وجودنا، ولإعادة العدل إلى العالم وتنظيم حياةٍ تقوم على الإحسان والتضامن بين سائر البشر.
    إن القرآن يخبرنا بأن الإنسان قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فالإنسان هو ممثل الله في الأرض لتحقيق العدل، ولنيل هذا العدل لا غنى عن التعاون بين الإنسان والله، كما هي إرادة الله. فلماذا لا نسعى حقاً للتفاهم والتعاون؟ لماذا لا نبذل جهداً حقيقياً، كلنا، للوصول إلى انتصار العدل، ولنمنح الإنسان حياةً مستلهمةً من الإحسان والتضامن والتفاهم المتبادل؟
    إن لم نصل إلى ذلك، فبسبب وجود مغريات كثيرة تدفع الإنسان لمحبة نفسه أكثر من قريبه، وللإثراء على حساب جاره، وللعمل بأنانية ليكون دائماً الأكثر غنىً وجاهاً وقوة. ومن أجل نيل القوة والعظمة، لا يتردد الإنسان في دفع الآخرين نحو العنف، فرداً وجماعة.
    صدقوني: إن الشيء الوحيد الذي يفرقنا في عالمنا المعاصر، والسبب الجوهري الذي من أجله لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون، والغرب والشرق، بل ويكادون يتصادمون، والسبب الذي يبذر في الأرض الكراهية بدلاً من الحب، هو “أثرة” (أنانية) قلةٍ قليلة. هذه الأثرة تجعل الأقوياء يرغبون في اضطهاد من هم أقل قوة، وتجعل الأغنياء يرغبون في قهر الفقراء. وأحياناً يحدث أن يدرك الفقراء والضعفاء ضعفهم وبؤسهم، ويقدرون مدى الهوة التي تفصلهم عمن يضطهدونهم، فيثورون لنيل حقوقهم؛ أي لتحقيق ذلك العدل الذي أراد الله وجوده بين الناس، والذي ينكره المستبدون.
    إن ما نخشاه، وما يفرق اليوم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب، يكمن هنا: إن المسيحي الصالح والمسلم الحق، اللذين يؤمنان حقاً بالميثاق بين الله والناس، ويريدان طاعة أوامر الله، عليهما أن يفحصا ضميرهما ويسألا نفسيهما: أمن العدل أن تُقهر شعوبٌ لكي تزداد شعوبٌ أخرى قوةً وعظمة؟ أمن العدل أن تجوع شعوبٌ لكي تسرف شعوبٌ أخرى في الطعام؟ أمن العدل أن تُحرم شعوبٌ من ثمار أرضها وكدحها، لكي تنعم شعوبٌ أخرى بالرخاء والترف؟
    إن ضمير هذا المسيحي أو هذا المسلم سيقول حتماً إن هذا ليس عدلاً، وليس إحساناً، ولا يتفق مع أوامر الله؛ وعندها سيجد قوة الإرادة للتحرك، ووضع نفسه في خدمة الآخرين، ليكون جديراً بمحبة الله، وسيكون عادلاً مع الآخرين لكي يكون الآخرون عادلين معه.
    ليس ثمة في الجوهر ما يفرقنا حقاً. لماذا يتعين على الغرب أن يكون سيداً للشرق؟ لماذا؟ ألأن الشرق لا يزال يفتقر إلى مستوى ثقافي أرفع؟ إن كان الأمر كذلك، فواجب الغرب أن يخرج الشرق من جهله. إن الشرق ضعيف؛ لكن العدل والإحسان يأمران الغرب بإخراج الشرق من ضعفه. بيد أن الغرب يفعل في الشرق النقيض من ذلك تماماً. ينتابني انطباعٌ بأنه يبذل قصارى جهده ليزيد من إضعاف الشرق، وجعله أكثر بؤساً، ليبقى الشرق دائماً في حاجةٍ إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الحقيقة أقوى من كل شيء، كما أن العلم والمعرفة أقوى من الجهل، والنور أقوى من الظلام. إن الشرق الجاهل يتعلم ويتثقف تدريجياً؛ وبدأ يعي جهله، ويطالب بحقه في الحياة؛ حقه في تبوأ المكانة التي يستحقها في محفل الأمم. ويرى في الدين الذي وهبه الله إياه أنه لا تفاضل بين مسيحي ومسلم، ولا بين شرق وغرب، ولا قوي وضعيف. وحينها يتساءل الشرق: لماذا أبقى دائماً بائساً، ضعيفاً، مقهوراً من رجالٍ هم في نهاية المطاف بشرٌ مثلي تماماً؟ هل بيننا أي فرق جوهري أمام الله، والحقيقة، والعدل؟
    ما كل هذا العداء من الغرب نحو الشرق؟ ما كل هذا الريب؟ إن المسيحيين والمسلمين خُلقوا ليتفاهموا، ويتآزروا، ويتعاونوا، وينشروا عدل الله، ويدافعوا عن الدين والوحي والنبوة، ضد المادية وضد إنكار الله.
    لقد خُلق المسلمون والمسيحيون ليتفاهموا! يقول القرآن للمسيحيين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}. إن القرآن يدعو المسيحيين لهذا التفاهم، وكذلك المسيحية تدعو سائر البشر لتفاهمٍ كهذا. إن هذه المبادئ ذاتها توجد في الإنجيل كما توجد في القرآن. لقد نطق بها عيسى، وأكدها نبي الإسلام. فعلى المسلمين والمسيحيين التفاهم على المبدأ ذاته، وأن يعملوا جنباً إلى جنب لخدمة الله في الأرض وتحقيق ملكوته فيها.
    لماذا إذن لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون؟ ببساطة لأن القدر أراد في لحظةٍ من لحظات التاريخ أن يضعف الشرق ويقوى الغرب، ولأن سوء الحظ أراد أن ينسى الغرب أوامر الله، وينسى العدل والإحسان، ولا يفكر إلا في نفسه، ساعياً لاستعباد الشرق بدلاً من معونته ومساندته.
    أيها السادة، إني أتحدث إليكم بصفتي مصرياً، وبصفتي مسلماً. فبصفتي مصرياً، أؤكد أن بلادي لا تطلب إلا شيئاً واحداً: صداقة سائر شعوب الأرض. ولكن صداقةً تقوم على العدل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى الحق الذي وهبه الله لكل البشر؛ تطلب صداقة كل الشعوب شريطة ألا تستحيل وسيلةً للاستغلال والقهر، أو أداةً لسلطةٍ تنكر حقوق الإنسان في حياة كريمة. لا تطلب مصر غير ذلك؛ فهي تمد يدها للعالم أجمع، وللغرب المسيحي قبل أي أحد آخر؛ ولكن ما عساها أن تفعل إن هي مدت يدها للغرب ورفض الغرب مصافحتها؟ ما عساها أن تفعل إن نشدت صداقة الغرب المسيحي ووجدت من يرفضها، من لا يريد الصداقة بل يريد شيئاً آخر: العظمة، القوة، الاضطهاد، العبودية؟
    وبصفتي مسلماً، فقد قلتُ لكم مراراً — وهذه هي المرة الرابعة التي آخذ فيها الكلمة في هذه اللقاءات — تفكروا فيما تحتويه دياناتنا، لكي نقتنع بوجوب خدمة الله، وهو في الجوهر أمرٌ يسير. أؤكد لكم أن ما يفرق بين المسلمين والمسيحيين أشياءٌ قليلةٌ جداً. أنتم تتحدثون عن رُوح الله، وتقولون إن عيسى هو كلمة الله، ونحن نقول ذلك أيضاً؛ أنتم تُجلون العذراء ونحن نُجلها أيضاً. واليوم تحتفلون بعيد القديس يوحنا المعمدان، ونحن نحتفل معكم بهذا العيد. إن ما يجمع بين دينَينا أكثر مما يفرقنا. فلنتحد للدفاع عن حقوق الله؛ ولندافع عن عدله؛ ولنحب بعضنا بعضاً ونتآزر لتحقيق ملكوت الله في الأرض، متضامنين لمحاربة المادية التي تكتسح الأرض يوماً بعد يوم.
    فلنتعاون إذن لتحقيق هذا الرجاء الجميل الذي يأتي من الله، والذي نقرأه نحن المسلمين كل يومٍ تقريباً في كتابنا المقدس؛ لتحقيق ذلك الملكوت الإلهي الذي يحيا فيه المؤمنون، والمحسنون، والمتحابون في الله، حياةً ملأى بالسعادة، حيث تكون كلمة السر فيها ببساطة: «تبارك الرب الإله!»، ويكون تحيتهم فيها حين يلتقون: «سلام!»، وشعارهم الأخير: «الحمد لله رب العالمين!».
    {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚوَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.