Tag: Justice system

  • الأزهر: الإصلاح والتجديد | Al-Azhar: Reform and Renewal

    الأزهر ومدرسة القضاء.
    تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما ملحين. الأول ألا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحس الناس أن شيئًا يجرى وراء ستار، وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق. نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذه الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمس مدرسة دلت التجربة على أنها لم تخل من نفع كثير، ويمس نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور إليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق إنا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًا من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي بل قل إنه أمر يمس التعليم وأمور التعليم تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ وإن يكن هذا المشروع شرًا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟
    يقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم. ويقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضي بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويقال إن في اللجنة خلافًا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد. ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.
    كل هذا يقال. وكل هذا حق أو أكثره حق. ولكن أَكُلُّ هذا حسن؟ أَكُلُّ هذا سيئ؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأيّ شيء في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد إليها وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأي حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون… فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يراد بها إرضاء قوم على حساب قوم آخرين… وقد نتمنى ألا يكون هذا حقًا. ولكنا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه.
    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣.

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت “السياسة” وغير “السياسة”. وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.

    توسع
    بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
    ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
    ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
    هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
    يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
    هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
    يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
    الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
    الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
    سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
    فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
    أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
    لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
    ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
    ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
    ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
    كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
    ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
    يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
    كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣

    بلاء
    كان بلاء حسنا، وكان بلاء سيئا هذا الذي أبلاه شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ أمس، فرفع كلمة الإسلام، وأعز دين الله، ونشر لواء الحق ظافرا منصورا، وأظهر نور الله واضحا باهرا، لا يغشاه ظل، ولا تخفيه ظلمة، ولا يحول بينه وبين الناس غيم صفيق أو رقيق، ولكنه على هذا كله لم يصنع شيئا ولم يفد الإسلام قليلا ولا كثيرا.

    كان بلاء حسنا حقا هذا الذي أبلاه أمس، شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه أمس عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ، وكيف لا يكون بلاء حسنا هذا الجهد العنيف الذي بذله الشيخ أمس منذ ابتدأت الجلسة إلى أن ختمت فقام على المنبر يدعو إلى كتاب الله، ويذود عن كتاب الله، ويلح في تحفيظ كتاب الله، ويشفق أن يضيع كتاب الله. والشيوخ يستمعون له أول الأمر، ثم لا يلبثون أن يضيقوا به شيئا فشيئا، ثم يستحيل هذا الضيق إلى تبرم، ثم إلى سخط، ثم إلى هياج، ثم إلى تفرق عن الشيخ وانسحاب من الجلسة، ويكون أول المتفرقين، والسابق بين المنسحبين صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    تبارك الله، ما أثقل كلام الشيوخ على آذان الشيوخ! وما أضيق رجال الدين ببراعة رجال الدين! تبارك الله، ألم يكن يجب لهذا المجاهد الصادق في سبيل الله، ولهذا الخطيب الناطق بحجة الله، ولهذا البطل الذائد عن دين الله، ولهذا الفارس المدافع عن كتاب الله، ألم يكن يجب له شيء ولو قليل جدا من التشجيع والتأييد يبذله له، ويمده به صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي جعلت الظروف إليه حماية الإسلام، ورعاية حرماته، والدفاع عن القرآن، والذود عن ذماره، ولكن شيخ الأزهر سخط وثار، ثم نهض فطار، وأسلم الشيخ الخطيب للتقريع والتأنيب، فجعل الشيخ يصول ويجول، ويسكت ويقول، ويقصر ثم يطول. والأعضاء من حوله بين مقبل عليه، مصغ إليه، وبين معرض عنه، نافر منه، حتى إذا بلغ به الجهد أقصاه، رفق به منهم رفيق، فدعا له بقدح من ماء شربه الشيخ فعاد إليه النشاط وقويت في جسمه حركة الحياة، فانطلق لسانه وتدفق بيانه، وعظم سلطانه، وطغى سيله، واشتد ويله، حتى صاح وزير التقاليد: «واغوثاه، واغوثاه، أنحن في مدرسة من مدارس اللغة، أم في مجلس من مجالس التشريع؟».

    والشيخ يزأر ويهدد، ويضطرب ثم يستقر، ويذكر المواضيع وصوابها الموضوعات، ويذكر المظاريف وصوابها الظروف، ويذكر الكيلومتر ويريد أن توضع مكانها الذراع، ويذكر مجانا وصوابها بالمجان، ويذكر الجغرافيا وصوابها تقويم البلدان.

    ووزير التقاليد يسكت فيطيل، ويعتدل ثم يميل، ورئيس المجلس ينبه، والشيخ لا ينتبه، وعضو من المجلس يهبط على الشيخ فيزعق الشيخ في وجهه زعقة ترتج لها أنحاء المجلس: «لأمضين في الكلام حتى الصبح». ويمضي ثم يمضي. وقد أخذ المجلس وجوم، وتساقطت على المجلس هموم، ويرقى إلى الخطيب شيخ من رجال الدين، ثم شيخ آخر من رجال الدين. هذا يستعطفه، وهذا يستكفه عن القول، ولكن الشيخ لا يعطف ولا يكف، بل يمضي. يا لها من جذبة روحانية رائعة، بسطت سلطان الشيخ على الميدان حتى خلا من كل منازع. ثم يقترح الشيخ تعديلا لمادة من مواد القانون، ويريد الشيخ بهذا التعديل أن يفرض على أبناء المسلمين جميعا حفظ القرآن، ويأخذ الشيخ في الدعوة إلى الله، وفي إنهاض الهمم، وإثارة الحفائظ وتنبيه الشعور، وإذكاء العواطف. فيستجيب للشيخ رجال ليس منهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر. والشيخ ماض في إنهاض الهمم والدعوة لله، ولو قد خلى بين الشيخ وما أراد لظفر وانتصر، وأصبح حفظ القرآن كله فرضا على أبناء المسلمين، ولكن الجلسة ترفع، ويخرج الرئيس ويتبعه الأعضاء، ويخرج الشيخ مع الخارجين، ثم يعود مع العائدين، ثم يؤخذ الرأي فإذا حفظ القرآن فرض كفاية، لا فرض عين، يقوم به من أراد من المسلمين كما أحب القانون، لا كل المسلمين كما كان يريد الشيخ. والشيخ مصر على رأيه ملح فيه، ولكن الاتفاق قد تم خارج الجلسة، وأمن المجلس من أن يؤخذ على غرة. وانتهى الأمر كما بدأ، وذهب جهد الشيخ الجاهد في غير طائل، وضاعت على المجلس جلسة كاملة لو لم يشغلها الشيخ ببيانه الرائع ودفاعه البارع لأتيح للأعضاء أن يفرغوا لدرس القانون، وتمحيص طائفة من مواده كانت تحتاج إلى التمحيص.

    وكان نفر من رجال التعليم الإلزامي قد أقبلوا ليشهدوا المجلس ويسمعوا ما يقال فيه حول هذا الموضوع ذي الخطر العظيم، فرأوا الشيخ وسمعوه، ولم يروا المجلس ولم يسمعوه، وإذا أبى الله توفيقه على بعض الناس دفعهم إلى الإغراق في الصمت أو إلى الإغراق في الكلام، فأضاعوا الحق، وعطلوا المنفعة بالأمرين جميعا.

    في هذه الجلسة عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، ودرس لمن أراد أن يفهم الدروس. فيها أن الإغراق في الصمت كما كان يفعل شيوخ الأزهر مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن الإغراق في الكلام كما فعل الشيخ أمس مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن خير الأمور أوسطها، وأن الإسراف لا خير فيه مهما يكن مصدره ومهما تكن غايته، ومهما يكن موضوعه.

    وفيها أن صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد وقف أمس موقفا لم يكن ينبغي له، فقد كان من الحق عليه، وعليه قبل أي إنسان آخر أن يقول في هذا الموضوع كلمة رجال الدين فيقر بها الأمر في نصابه، ويبين للمجلس طريقة واضحة جلية، لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الشيخ راغ وزاغ، وآثر الصمت ثم آثر الانسحاب ثم عاد موثرا للصمت، فلا هو غاب عن الجلسة، ولا هو شهدها، فكان شهوده نافعا مفيدا، كان من الحق عليه أن يأخذ صاحبه بالصمت، وأن يبين أن الله عز وجل أرفق بعباده من أن يفرض عليهم جميعا حفظ القرآن كله، وأن الخير في أن تنهض بحفظ القرآن جماعة صالحة من أبناء المسلمين كما أراد القانون، ولكن الشيخ أشفق أن يجهر بهذا الحق فيتهم بالتخذيل عن الدين، والتقصير في الذود عنه، وأشفق أن ينضم إلى الشيخ فيغضب الوزير ويسخط أصحاب السلطان، وآثر الشيخ أن يقف موقفا غريبا، أقل ما يوصف به أنه كما يقول القرآن الكريم: ﴿لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء﴾ كانت تنقصه الصراحة والصراحة في الحق ألزم الأشياء لرجال الدين.

    ولكن من ذا الذي ينتظر من مولانا الأكبر موقفا غير موقفه؟ وهل أخطأ الشاعر القديم حين قال:
    وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
    لقد نفض الشيخ يده أمس فلم يبق فيها شيء. أما المجلس فلم يكن موقفه أقل غرابة من موقف الشيخ الأكبر. كان ضيقا بالخطيب، مسرفا في الصبر عليه. ولعله كان خائفا منه، وكيف لا يخاف وهو يذكر الدين، ويظهر الدعوة إليه، والشيخ الأكبر خائف يترقب، لا يستطيع أن يؤيد صاحبه، ولا أن يخذله.

    وكذلك مضى هذا القانون في غير درس ولا تمحيص، لأن شيخا من شيوخ الأزهر أراد أن يظهر الغيرة على الدين، فأسرف فيما أراد. وأراد المجلس أن يصبر عليه، فأسرف في الصبر. وضاعت مصالح الناس بين انتفاش الشيخ وانكماش المجلس. فاللهم اهدِ القوم إلى حسن القصد في تقدير الأمور.
    كوكب الشرق ١٣ – ٦ – ١٩٣٣

    نظام
    كره الحكماء في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل تجاوز الحد، وضاق الحكام في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل بالغلو والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل، وما ينهجون من نهج في الحياة. ويخيل إلينا أن علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد والحرص على الاعتدال، وهم أحق الناس بتجنب الإفراط وتجنب التفريط معًا.
    فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر. وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب، وأن يتجنبوا بنوع خاص عيب الإفراط وعيب التفريط لأنهم مصدر كثير من الرذائل وسبيل كثير من الآثام. وقد قصر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا آخذهم به الناس ولاموهم عليه. فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم فيها الصمت ولا الجمود. وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة ولا الذود عن الدين مهنة، ولم يتقاضوا على ذلك من الدولة أجرًا، ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون، ويدفعون ويذودون، ومهما يقل القائلون فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين.
    ولم ينس الناس بعد موقف الأزهريين من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في بيت المقدس، ولا موقفهم من هذه الأحداث التي ألمت بالمسلمين في بلاد العرب من مراكش إلى طرابلس ففتنت جماعة منهم عن دينهم، وآذت جماعة منهم في أموالهم وأنفسهم وحرماتهم. ولا موقفهم من مقتل الشهيد الطرابلسي، ولا من مرض الإمام السنوسي ووفاته وصلاة الغائب عليه.
    لم ينس الناس مواقف الشيوخ الأزهريين من هذه الأحداث كلها، ولا من هذا الحدث الأخير الذي أصاب المسلمين في كرامتهم ودينهم كما أصاب المصريين جميعًا في كرامتهم ودياناتهم بما كان من اعتداء المبشرين الظاهر والخفي على الفتيان والفتيات، والبائسين والضعفاء. فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت، وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد الاضطراب ونفوسهم هادئة، وخفقت قلوب المسلمين والمصريين أشد الخفقان وقلوبهم مطمئنة مستقرة في الصدور. وضج الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس بجمود الشيوخ، وألح الناس في الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه. وظل الشيوخ صامتين، هادئين حتى نهض غيرهم فقال ونهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردد نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك ونثني عليهم ونشجعهم على المضي فيه، وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به. فكان صمت الشيوخ العميق، وسكون الشيوخ الطويل تورطًا في التقصير الذي يعاب به علماء الدين بنوع خاص إن آثروه وقصدوا إليه في غير تورط ولا اضطرار، ولكنا مع ذلك نسينا للشيوخ هذا التقصير وألححنا على الناس في نسيانه وقلنا إن الحركة المتأخرة خير من السكون الدائم والجمود المقيم.
    ولكن الشيوخ فيما يظهر محتاجون إلى شيء من التجربة حين يقصدون إلى الأعمال العامة، أو يندفعون إليها لأنهم لم يجربوا هذه الأعمال كما ينبغي ولم يأخذوا بحظهم من ممارستها. فهم مضطرون بحكم هذا الإهمال وهذا البعد من مشاركة الناس في حياتهم العامة إلى أن يتورطوا في أحد العيبين: فإن سكتوا أغرقوا في السكون، وإن عملوا أسرفوا في العمل، واندفعوا فيه إلى غير حد، أو إلى حد كان يحسن ألا يبلغوه. فالذي كان يطلبه المسلمون من الشيخ الأكبر وأصحابه لم يكن عسيرًا، ولا شاقًا ولا معقدًا. إنما كانوا يطلبون إليهم أن يغضبوا لدينهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويوجهوا أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى الأمة والحكومة معًا فيطلبوا – وقد فعلوا – إلى الأمة أن تفطن لكيد المبشرين، وتصرف صبيانها وضعفاءها عن معاهدهم، وتنشئ ما يغني عن هذه المعاهد الخطرة. ويطلبوا إلى الحكومة – ويقال إنهم قد فعلوا – أن تنهض بواجبها على أحسن وجه فتكف المعتدي عن عدوانه، وتحمي المصري من هذا العدوان. وتتخذ إلى ذلك سبلها السياسية والإدارية والمالية والقضائية فتنشئ الملاجئ وتغلق معاهد العدوان وتنفي الآثمين من الأرض.
    ولم يكن المسلمون يطلبون إلى شيوخ الأزهر أكثر من أن يدعوا إلى ذلك ويلحوا في الدعاء حتى تستجيب لهم الأمة وتستجيب لهم الحكومة، ولكن شيوخ الأزهر اندفعوا فيما يظهر إلى أبعد مما كان يطلب منهم، بل إلى أكثر وأثقل مما يطيقون حتى وإن أيدتهم الوزارة وشدت أزرهم وحمت أظهرهم، واحتكرت لهم وحدهم في غير موافقة للدين أمر حماية الدين، والدعاء إليه.
    فها هم أولاء ينظمون الجماعات ويؤلفون اللجان الخاصة والعامة، ويحاولون أن يبثوا لجانًا فرعية في أقطار مصر، ويجعلوا أنفسهم لا حماة للدين، وذادة عنه فحسب، بل جباة للمال، ومدبرين له أيضًا. وهذا نظامهم الذي أذاعوه يدل دلالة واضحة على أنهم لا يكتفون بالدعاء إلى الله، والهداية إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وإنما يريدون أن يكونوا قوة عاملة منظمة أصلها في الأزهر وفرعها في أطراف الأرض لها مجالس ولجان وخزانة وخزان، ولها أسرار وأمناء أسرار، ولها محفوظات وأمناء على هذه المحفوظات، وفيها آمر ومأمور، وفيها مقترحون ومنفذون إلى آخر هذا النظام المعقد الذي نشرته الصحف منذ أمس والذي هو أشبه بنظم الجماعات والأحزاب منه بما تحتمله الهيئة الموقرة من رجال الدين.
    نعم إن الهيئة حظرت على نفسها العمل في السياسة أو التعرض لها، ولكن يقال – وكنا نحب أن يكذب هذا الذي يقال – إن الهيئة لم تستطع أن تخلص من السياسة أو مما يشبه السياسة، فقد اجتمعت واجتمعت ولم تدع بعض أعضائها إلى شهود هذه الاجتماعات والاشتراك فيها. والناس يتأولون هذا الإهمال ويذهبون فيه المذاهب. ويقال – ولا سبيل إلى تكذيب هذا الذي يقال – إن الهيئة قد قبلت من الحكومة هذا الاحتكار الذي وقف عليها وحدها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قصة المبشرين. وكان الحق عليها للدين ولنفسها ألا تقبل هذا الاحتكار المعيب، فالأمر بالمعروف حق المسلمين جميعًا، وواجب على المسلمين جميعًا. وقبول الهيئة هذا الاحتكار ممالأة للحكومة عما لم يكن ينبغي أن تمالئها عليه أو هو على كل حال إذعان للحكومة فيما لم يكن ينبغي أن تذعن لها فيه. وسواء أكان الأمر ممالأة أو إذعانًا فهو مجاراة للسياسة وتورط فيها.
    ويقال – ونظام الهيئة هو الذي يقول ذلك – إن الهيئة قد اتخذت لنفسها لجنة تنفيذية تتألف من أعضاء قليلين لا يتجاوزون الخمسة، فيهم الشيخ الأكبر ووكيله ومفتي الديار. وجعلت لهذه اللجنة سلطانًا طويلًا، عريضًا عميقًا، لا يفلت منه شيء ولا يشذ عنه شيء وليس لشيء عليه سبيل. فلجنة العلماء لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا أن تنشر إلا إذا أذنت لها لجنة الخمسة. وكذلك لجنة المال وكل أعمال الهيئة مهما يكن موضوعها وأغراضها رهينة بلجنة الخمسة. فلجنة الخمسة هذه مسيطرة على رجال الدين جميعًا فيما يعملون ويقولون للدعوة إلى سبيل الله. وهذا أيضًا نوع من الاحتكار غريب، وضرب من الاستئثار يذكر بنظم الأحزاب التي تريد أن تكون قوية واسعة السلطان، بعيدة الأثر في الحياة.
    كل هذا كثير، وكل هذا معقد، وكل هذا يدعو إلى التفكير في أن الهيئة تسير في طريق قد لا يرضاها المسلمون، لأنها لا تلائم طبيعة الحياة الإسلامية، ولأنها أقرب إلى تنظيم حزب للأكليروس لا يحتمله الإسلام، لأنه ينافي طبيعته السهلة اليسيرة.
    ولعل الهيئة تحسن الظن بنفسها وبالناس وتحسن النصح لنفسها وللناس إن عدلت عن كل هذا التعقيد الذي لا حاجة إليه والذي لا يحتمل البقاء الطويل، ولا يستطيع أن يثبت لتغيرات الأيام والظروف فاكتفت بالدعوة إلى الخير توجهها إلى الأمة والحكومة، وتلح فيها، وتركت العمل للقادرين عليه. فهي إذا جمعت من أموال العلماء مقدارًا ضخمًا أو نحيفًا خليقة أن تدفعه إلى الحكومة أو إلى جماعة من جماعات الخير لتدبره وتنفق منه في الوجوه التي جمع لها، وهي غنية عن تنظيم اللجان وبثها في القرى والمدن والأقاليم. فهذا نوع من النشاط غريب بالقياس إلى هيئة الشيوخ، لا يستطيع الناس أن يفهموه ولا أن يألفوه، ولا أن يطمئنوا إليه. ونحب مخلصين أن يطمئن الناس إلى ما يصدر عن رجال الدين، إن التقصير عيب، والإسراف عيب. وقد تورطت الهيئة في العيبين فيما يظهر. فهل لها أن تخرج من الإسراف كما خرجت من التقصير، وأن تؤثر ما يأمر الله به من القصد والاعتدال؟
    كوكب الشرق ٢٧ – ٧ – ١٩٣٣

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

    قسوة
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
    قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
    نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
    نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
    والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
    جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
    بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
    قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
    إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
    نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
    لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف».

    ربع مية
    للدكتور طه حسين
    يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
    وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

    ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
    نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
    وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
    وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
    قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
    “وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
    قلت:
    “وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
    ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
    كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
    ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
    ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
    وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
    صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
    ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
    وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
    ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
    قلت لأصحابي:
    “ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
    قال أصحابي:
    “فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
    قلت لأصحابي:
    “يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.

    الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤

    حديث الوادي
    مأساة…
    فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.

    وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.

    وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.

    نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.

    ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.

    نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.

    نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.

    في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.

    ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.

    لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.

    لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.

    ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.

    وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.

    لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.

    لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.

    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.

  • طه حسين ساخر – Taha Hussein’s sarcasm

    دعابة
    زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
    وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
    ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
    وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
    ١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
    ٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
    ٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
    ٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
    ٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
    ٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
    ٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
    ٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
    ٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
    ١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
    ١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
    ١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
    فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
    وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
    فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
    وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
    فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
    كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.


    عدوان
    وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
    وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
    نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
    فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
    وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
    نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
    والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
    زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
    ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
    يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
    يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
    كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
    لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
    أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
    ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
    كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
    كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.

    تكريم
    ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
    وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
    ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
    ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
    فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
    لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
    بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
    فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
    واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
    رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.

    أحجار
    هم المصريون جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وعلى تباين آرائهم وأهوائهم، وعلى افتراق شيعهم وأحزابهم، كلهم أحجار في رأي «صحيفة الوزارة» التي صدرت صباح اليوم، ومن بينهم الوزراء وأشباه الوزراء، والقادة وأشباه القادة، وزعماء النظام الحاضر وأصحاب النظام القديم.
    هؤلاء أحجار، ولكن هذه الأحجار تختلف فمنها الأحجار الصلدة العوجاء، ومنها الأحجار الكريمة النفيسة. وواضح كل الوضوح، وجلي كل الجلاء، وبين كل البيان أن الوزراء وأشباه الوزراء وأن أنصار الوزراء وزعماء هؤلاء الأنصار ليسوا من تلك الأحجار الصلدة العوجاء وإنما هم جواهر ممتازة، لا يعرض لها النقص ولا يطرأ عليها الفساد، ولا يصيبها ما يصيب الأحجار الخسيسة من التغير والتبدل ولا تتعرض لما تتعرض له هذه الأحجار الخسيسة من الامتهان والازدراء، إنما الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزارة وزعماء هؤلاء الأنصار أحجار كريمة نفيسة غالية عزيزة، فمنهم من صيغ من زمرد، ومنهم من خلق من ماس، ومنهم من صور من مرجان كما تقول «صحيفة الوزارة».
    وتستطيع أن تحصى الجواهر الغالية كلها سواء منها ما يخرج من البحر وما يقطع من الجبل، وما يلتمس في أي مكان شئت. تستطيع أنت أن تحصى هذه الجواهر الغالية فتلائم بينها وبين سادة اليوم فتوزعها عليهم أو توزعهم عليها، فستجد منهم اللؤلؤ والدر، وستجد منهم الزبرجد والعقيق، كما وجدت «صحيفة الوزارة» منهم الزمرد والماس والمرجان.
    وأنا مؤمن بأن سادة اليوم من الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزراء أحجار كريمة نفيسة ولكن المسألة التي تحتاج إلى التفكير والتقدير هي حاجة مصر الماسة وضرورتها الملحة في هذه الأيام. فهل مصر في حاجة إلى الأحجار الكريمة التي تتخذ للزينة والتجمل؟ أم هل مصر في حاجة إلى الأحجار الصلبة القوية التي تتخذ للبناء والإنشاء والتي لا تعمل فيها المعاول ولا الفؤوس، ولا تفنيها الأحداث ولا الخطوب، والتي تبقى على الدهر بقاء الأهرام وما يشبه الأهرام من الآثار الخالدة؟
    أنا أرضى لخصوم الوزارة أن يكونوا هذه الأحجار، وأكره لخصوم الوزارة أن يكونوا من أحجار الزينة والبهرج والتجمل. فمصر في حاجة إلى أن يقام لها بناء منيع عزيز من المجد والعزة حتى إذا فرغت من إقامة هذا البناء واستوثقت من عزته ومناعته، ومن قوته ومتانته، ومن أنه كما تقول «صحيفة الوزارة»، أو كما تستشهد بقول القدماء: أبقى على الزمن الباقي من الزمن، جاز لها أن تفكر في تزيين هذا البناء وتحسينه وفي ترصيعه وتجميله، وفي تحليته بالأحجار الكريمة والجواهر النفيسة.
    ومن غريب الأمر أن «صحيفة الوزارة» قليلة التوفيق فيما تقصد إليه من تفكير، وفيما تتورط فيه من تشبيه، ولكنها في هذه المرة أو قل في هذه الجملة فكرت وأجادت التفكير، وشبهت فأحسنت التشبيه، وما أظن أن الناس قد نسوا تشبيهها وزراء الدولة أول هذا العام بالخمر المعتقة والنبيذ القديم. أما في هذه المرة فلم يخطئها التوفيق وكأنها دفعت إليه دفعًا، فوزارتنا القائمة زينة لمصر من غير شك لا تمثل حاجة من حاجاتها، ولا تصور ضرورة من ضروراتها. ولولا أنها زينة عارضة يمكن الاستغناء عنها، والتخفف من ثقلها لما جرت أمور مصر كما تجري الآن.
    ورئيس وزرائها مريض منذ أشهر طوال، مريض لا يستطيع العمل، ولا يقدر على التفكير فيه، يقيم في مصر فيستريح، ويرحل إلى أوربا فيستريح، وتجري أمور مصر كما تستطيع. فرئيس وزرائنا حلية من الماس أو من أي جوهر أكرم من الماس، ولكنه حلية على كل حال، يمكن أن نتخذها حين نريد أن نباهي الدول، ونعلن إليها أن لنا رئيس وزارة كما لها رؤساء وزاراتها، وأن رئيس وزارتنا نفيس كريم، أنفس وأكرم من رؤساء وزاراتها، فهو من الماس الذي نتزين به ونتحلى.
    وليس من الأحجار الصلدة العوجاء التي يختل بافتقادها البناء، وليس مما يقبل الشك أن «مكدونالد» و«موسوليني» و«هتلر» و«دلادبيه» وأشباههم من رؤساء الوزارات الأجنبية لا تنظر إليهم بلادهم كما تنظر إلى الأحجار الكريمة التي نتخذها للحلية والزينة، وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى الأحجار الصلبة المتينة التي تتخذ للبناء وإقامة المجد. حتى إذا فرغنا من المفاخرة والمكاثرة، ومن التنافس والمسابقة استطعنا أن نريح «رئيس الوزراء» وندعه في داره أو في مصطافه يستشفي ويتزيد من صحته الغالية، ووزراؤنا كذلك زينة من غير شك نستطيع أن نباهي بهم الأمم. فلنا وزير تقاليد كما لهم وزراء تقاليد، ولكن وزراء التقاليد عندهم أحجار صلبة متينة، لا يسافرون ولا يستريحون إلا أن تضطرهم إلى ذلك الضرورات القاسية، وهم حينئذ يدعون إلى العمل ليقوم مقامهم من يستطيعون العمل في غير حاجة إلى السفر، ولا إلى التنزه في العواصم ومدن الاستجمام.
    وأوضح من هذا كله في الدلالة على أن وزراءنا زينة وحلية ومظهر الجمال أكثر من أي شيء آخر، أن مصر لم تشغف بالإعلان عن نفسها ولم تتهالك على المفاخرة والمكاثرة، ولا على إظهار العظمة التي لا تلائم حاجتها وطاقتها، ولم تكلف بدعوة الأجانب إليها وإرسال أبنائها إلى الأجانب بمقدار ما يظهر من أمرها في هذه الأيام. فهذه المؤتمرات التي تدعى بحساب وبغير حساب إنما تدعى في أكبر الظن لترى وزراءنا وتستمتع بالنظر إليهم والحديث معهم والتنعم بما يقيمون لها من حفل وما يغدقون عليها من معروف. وهؤلاء الحاضرون وهؤلاء الخبراء الذين يدعون حين نحتاج إليهم وحين لا نحتاج إليهم، إنما يدعون ليشهدوا ما عندنا من زينة وما نغيظ به الأمم الأخرى من هذا الحلي البديع, حتى إذا انقلبوا إلى بلادهم ورجعوا إلى أوطانهم تحدثوا بما يملأ أيدينا من الغنى والثروة وما يزين رؤوسنا وصدورنا من هذه الأحجار الكريمة والجواهر الغالية العزيزة فخلبوا أمم الغرب بهذا الحديث حتى أصبحت مصر في هذه الأيام مضرب المثل في الغنى والثراء، وفي اليسر والنعيم.
    ولكن بين وزرائنا وبين هذه الأحجار الكريمة النفيسة التي يشبهون بها في «صحيفة الوزارة» فرقًا يضعف التشبيه ويفسده ويجعله على أقل تقدير ناقصًا غير مستقيم. فليست الأحجار الكريمة زينة فحسب ولكنها ذخر في الوقت نفسه ومادة من مواد الثروة الباقية تنفع حين تشتد الأزمة، ويتحرج الأمر، ويعظم الضيق. وظاهر أن النقد يتغير ويتبدل فيصعد حينًا حتى يضطرهم إلى الفقر والإعدام. فأصحاب الأحجار الكريمة في هذه الحال سعداء آمنون من الجوع والمتربة، لأنهم يستطيعون أن يبيعوا بعض هذه الأحجار فيفيدوا من بيعها مالًا كثيراً. ووزراؤنا – والحمد لله – لا يمكن أن يقوموا مقام هذه الأحجار إذا اشتدت الأزمة وضاق الأمر، وأوشك الجوع أن يهلك الناس، ويفسد عليهم كل شيء. فهم زينة ليس غير، بينما الأحجار الكريمة زينة وذخر معًا.
    وما رأي «صحيفة الوزارة» في أن مصر قد أخذت في هذه الأيام تحتاج إلى الطعام أكثر مما تحتاج إلى الزينة؟! وماذا يغني عن مصر الآن أن لها وزارة من الزمرد والماس والمرجان ما دام كثير من أهلها لا يجدون الخبز والملح أو ما يشترون به الخبز والملح؟!
    على أن توفيق هذه الصحيفة في هذا التشبيه ليس مقصورًا على هذه الناحية التي تمس سادتها وأولياءها، وإنما هو كامل شامل بالقياس إلى خصومها من المعارضين. فهم من هذه الأحجار الصلبة، وأي دليل على صلابتها أوضح من أن «وزارة الزينة» قد قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وجدت ما استطاعت في أن تحطم من هذه الأحجار حجرًا فلم تظفر بشيء، ولم تقدر على شيء. وما زالت هذه الأحجار كما كانت يوم قامت وزارة الزمرد والماس والمرجان. لم تعمل وحدها في تحطيم هذه الأحجار الصلبة وتقويم هذه الأحجار العوجاء، وإنما عمل معها قوم آخرون ليسوا من الزمرد والماس والمرجان ولكنهم من الحديد والنحاس وما شئت من المعادن ومن غير المعادن. هم من هذه الجواهر العنيفة الخطرة التي تقدر على تحطيم كل شيء وتقويم كل عوج إلا تحطيم الأحجار الصلبة، لأن صلابتها صورة من حب الوطن والإيمان بقوته وبقائه وحقه الخالد في القوة والبقاء، وإلا تقويم هذه الأحجار المعوجة لأن اعوجاجها صورة من مضاء العزم وشدة البأس وإباء الضيم والإلحاح في المطالبة بالحق حتى ولو تألبت عليها كل الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة.
    لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان؟ أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أما نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها. ونؤكد أن هذه الصلابة التي أعيت كل من حاول أن ينال منها ستبقى كذلك إلى آخر الدهر، وقد تحطمت عليها قرون وستتحطم عليها قرون أخرى، ولكنا نعود فنقترح على الوزارة كما اقترحنا غير مرة أن تكلف «وزارة المعارف» تعليم كتابها وأنصارها فن البيان وحسن الكتابة وإجادة التشبيه فهم في حاجة شديدة إلى هذا التعليم.
    كوكب الشرق في ١١-٨-١٩٣٣.

    مدرسة
    أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعاً ونقره جميعاً، وهو ألا يكونوا من المعارضة، أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهوراً واضحاً استعداد حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.
    وطلاب عاملون وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظل سياسته الحكيمة.
    وطلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدربهم ويمرنهم مرة أخرى.
    وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع الله فيه أفراداً، وشخص واحد ألفه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها الله من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضاً. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.
    وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولاً وقصراً، ويختلف عرضاً وضيقاً باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق: أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهراً ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عاماً ثم يوكل إليه عمل آخر. ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني. فقد لاحظ الناس جميعاً، وتحدثت الصحف الأوروبية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يهيء فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يقرهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيء للفاشسم أجيالاً من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر.
    ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم!
    أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان، يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعاً، فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم.
    ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أحدث في الوزارة صباح أمس، ليعلله بعضهم بنسيم يهب من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلم الحكام ويخرجهم من ناحية أخرى!
    ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثاً، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثاً، ولم يبنِ على أساليبه في الحكم عبثاً. ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثاً. فلم يكد يعود من أوروبا ويستقر في مصر أشهراً حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضم إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى منها رغم ما ألم به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم.
    هي إذن خطة خطها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن الله لها فتستريح وتريح.
    وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتاب فأجد في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن اكره نفسي عليه، وكيف تريدني على أن أكتب جاداً في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عما يحب، والإقبال على ما يكره والانصراف عما يريد، والتهالك على ما يأبى؟ وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة ورئيس وزرائنا لا يتحرج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟
    أحق إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقر النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيراً كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنأت ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب!
    لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية، ولا يقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.
    فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجت، وتوجيهها إن انحرفت. إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.
    ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين.
    كوكب الشرق في ١٤ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٩، صـ ٢٣٠.


    احتياط
    كان رئيس «الوفد» وصاحبه في «القاهرة» أمس، لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير «الإسكندرية»، ويعنيان بما يعني به المقيمون في «القاهرة» من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
    ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس، ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويلهى قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض: في مصر «وفد» خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر «الوفد» تنبه حذر الوزارة، وإذا تحرك رئيس «الوفد»[2] أو أحد من أعضائه نشط «وزير الداخلية»، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
    وكذلك لم تكد تعلم «وزارة الداخلية» أن رئيس «الوفد» وصاحبه يريدان السفر إلى «الإسكندرية» ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها؛ فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل «الإسكندرية»، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس «الوفد» ومن صاحب رئيس «الوفد». فـ«وزارة الداخلية» تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم؛ فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعواناً وأنصاراً، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
    نعم، و«وزارة الداخلية» لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على «الإسكندرية»[3] كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل «الإسكندرية» جميعاً؛ فهم جميعاً يحبون رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يحرصون على أن يلقوا رئيس «الوفد» وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل «الإسكندرية» وأيديهم بأقل حظاً من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في «الإسكندرية» وأيديهم.
    وأخص ما تمتاز به الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل «الإسكندرية» وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقاً دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل «الإسكندرية» إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم، وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجناً منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضى بذلك حاجة «الإسكندريين» إلى العدل، ورغبة «الإسكندريين» في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضى كثيراً من المصريين الذين سيذهبون إلى «الإسكندرية» ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم، فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
    والغريب أن رئيس «الوفد» وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر «القاهرة» إلى هواء «الإسكندرية» الطلق ونسيم «الإسكندرية» العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته، فهم لا يريدون أن ينعم أهل «القاهرة» وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم، وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة، أهل «القاهرة»، في غيره من فصول العام؟!!
    أليس من الممكن أن يكون الله — عز وجل — قد جمع كلمة «الوفد» والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين «الوفد» والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رقي الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك «الوفد» فتنشط الحكومة، وأن ينتقل «الوفد» فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس «الوفد» في مكان إلا سجن فيه وسجن معه الناس.
    كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام؛ وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة، ولا نتكلم إلا إذا أذن لنا في الكلام، ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقاً فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضاً أن «الوفد» يحب السجن لنفسه وللناس؟ وما الذي يمنع أن يكون «الوفد» قد أمضى مع الحكومة اتفاقاً خفياً على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
    كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام؛ فكن ذكياً ما وسعك الذكاء، وكن فطناً ما أتيحت لك الفطنة، فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون، والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون، وبين معارضة «الوفد» للوزارة واتفاق «الوفد» مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
    لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت من حياة الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين. وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية، أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها — مصر من دون الشعوب جميعاً — هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
    لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس «الوفد» وصاحبه إلى «الإسكندرية» لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند؛ ووفق رئيس «الوفد» وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجناً منذ اليوم، فإن «الوفد» ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة «الإسكندرية» سجناً منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس «الوفد» وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا لـ«الوفد» والوفديين؟
    كوكب الشرق في ٢٤ – ٧ – ١٩٣٣


    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجزوهم على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لاحظ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر مازالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويريا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

    أعاجيب
    لا يريد هذا العهد السعيد أن ينقضي حتى يستنفد عجب الناس، كما أنه لم يرد أن يبدأ حتى استنفد عجب الناس؛ فقد كان هذا البلد آمناً مطمئناً، راضياً عن أساليب الحكم فيه، مستشعراً من العزة والكرامة ما يلائم بلداً ناهضاً واسع الآمال، عظيم الأماني، قد أراد الإنجليز أن يخدعوه فلم ينخدع، وأن يكيدوا له فلم يبلغ منه الكيد. فأقبل رئيس الوزراء فرد هذا البلد الناهض القوي الأمل الأمن السعيد إلى شر ما ترد إليه البلاد من تقهقر وضعف، ومن حزن وخوف، وشقاء.
    وضع نفسه وجماعة من أصحابه موضع المعصومين الذين يعلمون وحدهم كيف يحكمون فلا يخطئون، وكيف يسوسون فلا يجورون عن القصد، والذين يعرفون مصالح مصر أكثر مما تعرفها مصر، والذين يريدون أن يكرهوا مصر على الخير إكراهاً، وأن يدفعوها إلى ما يريدون لها وأنفها راغم. وأخذوا يفرضون أنفسهم وسياستهم على مصر فرضاً، بالقوة العنيفة حيناً، وبالمكر المغري حيناً آخر، حتى جرت دماء غزيرة وبيعت ضمائر قليلة، وأخذت مصر تنظر إلى هذا كله واجمة لا ينقضي عجبها أن يقع هذا كله في القرن العشرين، وتحت سمع الحضارة الراقية وبصرها. والضمير الإنساني نائم أو معرض، لا يستيقظ ولا يلتفت ولا يتردد في الإغضاء عما يشهد النيل من تسلط نفر على شعب كامل. وقد نجح رئيس الوزراء عند نفسه نجاحاً باهراً انتهى به إلى المرض الطويل الثقيل، ثم إلى الاستقالة أو العزم على الاستقالة. ونجح صديقه المندوب السامي نجاحاً باهراً عند نفسه أيضاً انتهى به إلى أن يترك مصر في الشتاء ويظل معلقاً أشهراً، ثم ينقل إلى بلاد الترك.
    نجح الصديقان عند أنفسهما ولكنهما أخفقا إخفاقاً شنيعاً عند المصريين الذين احتسبوا عند الله ما فقدوا من أبناء أبرار وما احتملوا من مشقة وجهد، وما قاسوا من عناء وعنف، واستقلوا هذا كله في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والعزة، وفي سبيل الوصول إلى الحرية والاستقلال.
    كذلك ابتدأ هذا العهد السعيد عجيباً من جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين، وهو الآن يريد أن ينتهي عجيباً في جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين أيضاً.
    رئيس وزارة كان مريضاً، لا يقدر على العمل، بعيداً لا يستطيع أن يشرف على الأمور، ولكنه مع ذلك يمسك أزمة الحكم بيد ضعيفة مضطربة، لا تقدر على إمساكها ولا على تصريفها. وكان على مرضه وضعفه وعجزه، يمنى نفسه بأن يتم سياسته بمعاهدة يفرضها على مصر فرضا، كما فرض عليها غيرها من الأشياء، فلما حيل بينه وبين ذلك لأن الإنجليز استيأسوا من قدرته على فرض هذه المعاهدة وأخذ المصريين باحترامها، ثار وفار، وأعلن السخط والغضب ولمح بالاستقالة، ثم استحال التلميح تصريحاً، ثم استحال التصريح إلى نذير أخرج رئيس الوزراء عن طوره، وجعل حديثه أعجوبة الأعاجيب في هذه الأيام.
    رئيس وزارة مقيم في بلد أجنبي قد أعلن ألف مرة ومرة أنه شديد الغيرة على استقلال مصر وكرامتها، ثم هو لا يتحرج من أن يعرض أمورها الخاصة في أسواق باريس وفرسايل، يتحدث بها إلى الصحافيين في غير تحرج ولا احتياط ولا احتفاظ بالتقاليد. يعلن لصحفي إنجليزي أنه لم يستقل ولكنه سيقابل جلالة الملك. ثم يعلن ذلك نفسه إلى مكاتب روتر في محطة من محطات باريس أمام جماعة من المصريين والأجانب، فيهم ممثل وزير الخارجية الفرنسية كأن بين رئيس الوزراء وبين مصر أزمة حادة من أخطر الأزمات، وأشدها هولاً، فأمرها لا يعني مصر وحدها، بل لا يعني جلالة الملك ووزارته وحدهما، وإنما يعني العالم بأسره، وهو لذلك أمر يلقى إلى مكاتب روتر ليذاع في أطراف الأرض أن صدق باشا لم يستقل ولكنه سيرى جلالة الملك. ومعنى هذا أنه حين يرى جلالة الملك إما أن يجاب إلى ما يريد، وإما أن يستقيل. العفو! هذا كلام كان يحسن أن يقال في الإسكندرية أو في القاهرة، لا في فرسايل ولا في باريس. هذا كلام كان يحسن أن يقال للصحف المصرية، لا للصحف الإنجليزية ولا لمكاتب روتر. هذا كلام أقل ما يوصف به أنه مجاوز للياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء. وكل ما عمل رئيس الوزراء منذ أيام خارج عن اللياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء؛ فما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعلن افتتاح الأزمة الوزارية في بلد أجنبي، وما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعطي أزمته هذا الشكل الذي يحسبه أصدقاؤه وأنصاره عظيماً خطيراً، وهو في الحقيقة مضحك يسير.
    فإن عند أوروبا وغير أوروبا من الأزمات والمشكلات ما هو أهم وأخطر من أزمة صدقي باشا ومشكلة صدقي باشا. وليس اعتزال صدقي باشا للحكم، أو احتفاظ صدقي باشا بالحكم، من الأمور التي يتوقف عليها مصير السلم في أطراف الأرض، وليس مما يحسن برئيس وزارة مهما كان قوياً أن يتحدث إلى الأجانب عن أزمته الوزارية بهذه اللهجة التي تؤذن بالقوة والعنف، والقدرة على التحدي والإحراج، فكيف به إذا كان ضعيفاً قد خذلته الظروف وتخلى عنه الأولياء؟
    قلت لك إن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً مخالفاً للمألوف كما بدأ عجيباً مخالفاً للمألوف، ولكن الذي دعا إلى أن يبدأ هذا العهد السعيد عجيباً شاذاً هو إغراق رئيس الوزراء في الثقة بنفسه، والاطمئنان إلى من كان يمده من قوة وتأييد. والذي يدعو إلى أن يكون ختام هذا العهد عجيباً مخالفاً للمألوف هو إغراق صدقي باشا في اليأس وخروجه عن طوره أمام هذا الإخفاق المنكر الذي لم يكن يقدره ولا يحسب له حساباً. ولو لم يكن رئيس الوزراء قد أخرجه اليأس والإخفاق عن طوره لما تورط في هذه الألوان من التناقض التي تورط فيها منذ أيام، فقد كان يوم الثلاثاء يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق التأكيدات بأن تغيير المندوب السامي لا يغير السياسة البريطانية في مصر، فإذا هو يوم الجمعة يتحدث إلى مكاتب روتر ومكاتب الأهرام فيعلن إليهما أن كل ما يتمناه هو ألا يعدل المندوب السامي الجديد عن سياسة المندوب السامي القديم. تبارك الله. وأوثق التأكيدات، ماذا صنع الله به؟ لقد كان مقنعاً يوم الثلاثاء، فذاب يوم الأربعاء والخميس. وأصبح الباشا يوم الجمعة وأمسى وهو يتمنى أن يحتفظ المندوب السامي الجديد بسياسة المندوب السامي القديم. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء سيصل إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء فيستيقن بأنه لا يستطيع أن يتمنى ولا بد له من أن يطمئن إلى اليأس، ويظفر بأوثق التأكيدات أن تغيير المندوب السامي سيغير السياسة البريطانية في مصر، وسيحور الصلة بين دار المندوب السامي وبين الشؤون المصرية تحويراً كبيراً، لا لأن الإنجليز يريدون ذلك أو يأبونه، بل لأن السياسة التي أقامها صدقي باشا والسير برسي لورين قد انتهت من الفشل والإخفاق إلى حيث لم يبق بد من العدول عنها، واستئناف الدوران في تلك الدائرة التي رسمها الإنجليز لأنفسهم لعلهم أن يجدوا منها مخرجاً.
    والظريف من أمر رئيس الوزراء أنه نسي — ولعل المرض هو الذي أنساه، أو لعل اليأس هو الذي أنساه — أن استجداء الإنجليز شيء لا يليق بصاحب الرد التاريخي البديع على المستر مكدونالد. فالإنجليز قوم لا يتمنى عليهم صدقي باشا، إنما يصدر إليهم الأمر، وما ينبغي لصدقي باشا أن يتمنى على الإنجليز أن يحفظوا لمندوبهم السامي الجديد سياسة مندوبهم السامي القديم، وإنما ينبغي له أن يأمرهم بذلك أمراً، فإما أطاعوا فكان السلم، وإما عصوا فكان رد تاريخي بديع، كذلك الرد التاريخي البديع الذي رمى به صدقي باشا منذ ثلاثة أعوام في وجه الإنجليز فتلقوه خاضعين خاشعين.
    كل شيء يحول، فقد يكون رئيس الوزراء قوياً منذ ثلاثة أعوام، يتحدى الإنجليز ويقفهم عند ما يرسم من الحدود، ثم يصبح رئيس الوزراء ضعيفاً بعد ثلاثة أعوام، يتمنى على الإنجليز في محطة من محطات باريس — ويشهد العالم كله على هذا التمني — ألا يغيروا سياستهم في مصر بتغيير المندوب ثم صدقني بعد ذلك وصدق رئيس الوزراء حين يقول لك إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وأن عندنا أوثق التأكيدات بأن السياسة البريطانية لن تتغير بتغيير المندوب.
    ستعجز من غير شك عن أن تلائم بين هذه المتناقضات ولكن لا تنس أن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً غريبا كما بدأ عجيباً غريباً.
    كوكب الشرق في ٣ – ٩ – ١٩٣٣.

    راحة
    أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب.
    وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً.
    كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط.
    لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه.
    فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً.
    ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً.
    ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض.
    كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها.
    كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها.
    هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين.
    سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.


    دعوة
    قلوب الوزاريين خفيفة لطيفة، يهيجها أيسر الأشياء فتطير في الهواء ويطمئنها أيسر الأشياء فتستقر في الصدور. سمعت حديث الأزمة الوزارية فطارت مع الريح، وذهبت من الهلع والفزع كل مذهب. ثم سمعت أن رئيس الوزراء آثر رئاسة الوزارة على زعامة الكثرة البرلمانية فعادت إلى الصدور، واستقرت بين الضلوع. وأخذت منذ أمس تخفق خفقاناً هادئاً منظماً بعد أن انجلت عنها نشوة الفرح والمرح، بهجة الرضا والسرور. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء أثبت وأثقل من قلوب الوزاريين، لا تطير للشيء اليسير، ولا تستقر للأوهام والأحلام. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء لهذا لم تهدأ بعد، ولم تستقر كما هدأت قلوب الوزاريين واستقرت. فالوهم يكفي لإرضاء الوزاريين ولكنه بعيد كل البعد عن أن يرضى الوزراء. والوزراء يعلمون حق العلم إذا خلوا إلى أنفسهم أن الأزمة لم تحل ولم تنفرج، وإنما افتتحها رئيس الوزراء وهي ماضية في طريقها تشتد من يوم إلى يوم وتتعقد من حين إلى حين، حتى تنتهي إلى هذا الحرج الذي لا يدع سبيلاً للأخذ والرد، ولا التعلل بآراء الأطباء حيناً في سبيل الاستقالة، وحيناً في سبيل البقاء.
    ومع ذلك فقلوب الوزاريين هادئة مستقرة منذ أمس، وقد أخذوا يعودون إلى دعوة لا بأس بالوقوف عندها قليلاً، لا لأنها تستحق الوقوف، بل لأنها خليقة أن تثير الضحك وأن تلهي الناس ولو قليلاً عما يشغلهم من أهوال الأزمة وأوجالها، فصحيفة الوزارة تدعو اليوم إلى العمل بعد أن انتهت الأزمة، وصحيفة الوزارة تعترف بأن الحياة المصرية مملوءة بالشر والخطر، تحتاج إلى أن يتعاون الناس جميعاً على إصلاحها ودفع الكوارث الملمة والكوارث التي تريد أن تلم. وصحيفة الوزارة بعد هذا كله تطلب إلى الناس جميعاً أن يقترحوا على الوزارة ما يرون من دواء لهذه الأدواء، وهي تؤكد — ولعلها تصدر في هذا التأكيد عن بعض الوحي — أن الوزارة ستعنى بهذه الاقتراحات وتوفيها حقها من الدرس ولا تتردد في أن تقبل النافع منها. فنحن نقبل هذه الدعوة، ونستجيب لها، ونتقدم إلى الوزارة بالاقتراح الذي نراه نافعاً كل النفع، مفيداً كل الفائدة لرفع ما تشقى به الحياة المصرية الآن من الشر، ودفع ما تتعرض له الحياة المصرية غداً من الكوارث والخطوب.
    ونؤكد للوزارة والوزاريين أنا مخلصون كل الإخلاص، ناصحون كل النصح، مؤمنون كل الإيمان بصدق ما نقول ونفع ما نقدم من اقتراح ونؤكد للوزارة والوزاريين أن قبول هذا الاقتراح أيسر جداً مما يظنون وأنهم إن قبلوه الآن أراحوا أنفسهم، وأراحوا الناس من أعباء ثقال لن تقوى أكتافهم الضعيفة على حملها، وأنهم إذا لم يقبلوه الآن راضين فستضطرهم الظروف إلى أن يقبلوه وهم كارهون.
    وهذا الاقتراح هو أن يرفع رئيس الوزراء استقالة الوزراء إلى جلالة الملك، فبقاء الوزارة وحده فيما نعلم وفيما يعلم المصريون جميعاً إلا الوزراء وأنصارهم — وهم قليلون ولعلهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم — هو مصدر ما تشقى به مصر الآن من خطوب واقعة وخطوب تريد أن تقع. وليس إلى محو الشر من سبيل إلا أن تمحا الأسباب التي دعت إليه وفرضته على البلاد فرضاً.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم وأنصاره يعلمون معه حق العلم أن الوزارة القائمة قد أخفقت في كل شيء: أخفقت في تدبير السياسة، وأخفقت في تدبير الاقتصاد، وأخفقت في حماية الأمن والنظام. قامت تتمحو الوفد فلم تزده إلا قوة وتأييداً. ومهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره للناس أن الوفد قد ضعف وأشرف على الفناء، فإن رئيس الوزراء وأنصاره يقولون في كل لحظة أن إضعاف الوفد — فضلاً عن إفنائه ومحوه — شيء لا سبيل إليه، تهلك في سبيله القوى مهما تكثر، وتفنى في سبيله الجهود مهما تشتد، وتسقط في سبيله الوزارات مهما يكن أنصارها، ومهما تطل أعمارها. ذلك شيء يعلمه رئيس الوزراء، ويعلمه غير رئيس الوزراء من خصومه وأصدقائه، ما يشكون في ذلك قليلاً ولا كثيراً.
    وقامت لتمضى المعاهدة بين مصر وإنجلترا فأبعدت الأمد بين مصر وإنجلترا ما استطاعت، وأرجأت المعاهدة راضية أو كارهة، وبسطت للإنجليز على مصر سلطاناً لم يكن لهم، وحققت للإنجليز في مصر مأرب ما كانوا يحلمون بتحقيقها. وقامت لتدبير الاقتصاد والمال تدبيراً لم يوفق إليه غيرها من الوزارات فوفقت من ذلك إلى ما لم يوفق إليه غيرها من الوزارات، وبسطت للجوع والحرمان والفقر على حياة الناس سلطاناً لا يشبهه إلا سلطان الإنجليز على الحياة السياسية. وقامت تَمحو الفوضى وتحمي النظام وتحقن الدماء وتعصم النفوس، فوفقت من ذلك إلى حيث أصبحت الجنايات، وجنايات القتل خاصة تحصى بالعشرات في كل أسبوع، وإلى حيث تكافيء مدير الأمن العام رغم ذلك بالعلاوة ثم تنقله مضطرة أو مختارة إلى حيث تنقطع الصلة بينه وبين الأمن.
    لهذا كله وفقت الوزارة وبهذا كله أفسدت الوزارة آراء الناس في السياسة والاقتصاد والأمن. وأساءت الوزارة ظن الناس بقدرة السلطان على تدبير السياسة الاقتصاد والأمن. وملأت الوزارة قلوب الناس شكاً في قيم الأشياء، وزهداً فيما كانوا يحرصون عليه، ودفعت الوزارة أهل مصر جميعاً إلى هذه الحياة السيئة التي لا يطمئنون فيها إلى شيء ولا يثقون فيها بشيء، ولا ينتظرون من ورائها إن طالت إلا شراً ونكراً.
    فإذا كان هذا حقاً — وليس بين المصريين من يشك في أنه حق — فإن الاقتراح الوحيد الذي يقدمه المصريون إلى الوزارة لإصلاح الحال إنما هو أن تستقيل الوزارة، وأن يرد إلى مصر أمرها لتدبره كما تريد، حرة مختارة محتملة تبعة ما تأتي من الأمر، لا مذعنة لذلك إذعاناً ولا خاضعة لذلك وهي كارهة راغمة بقوة الحديد والنار.
    فإن كانت صحيفة الوزارة صادقة فيما تزعم من أن الوزارة ستلقى بالعناية ما يرفع إليها من اقتراح لإصلاح الحال فها نحن أولاء نرفع إليها هذا الاقتراح ناصحين لها وللأمة، مخلصين لها وللبلاد. وسنرى أتقبله أم ترفضه، نستغفر الله، بل نحن واثقون بأنها سترفضه حتى تكرهها الظروف على قبوله وتلجئها إليه إلجاء إن لم يكن بعد أيام فبعد أسابيع.
    كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.


    حمى
    مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
    وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
    وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
    ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
    وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
    فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
    وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
    والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
    وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
    وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
     كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. 


    اطمئنان
    إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة.
    على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص.
    والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير.
    ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي.
    وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان.
    رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً.
    وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس.
    نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم.
    أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟
    كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه.
    وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل.
    وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.


    حديث
    ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض .
    ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول .
    ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟
    بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟
    للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟
    ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث .
    وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء .
    وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف .
    ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق .
    هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟
    زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة .
    كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣

    صورة …
    لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر وبيني وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وإنما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو.
    وما هي إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الأمل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وإنما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء.
    ثم أصبح ذات يوم فاقرأ في الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسى من العواطف وما دار في عقلي من الخواطر وما خفق به قلبي من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور فظل في مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما في هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
    والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
    فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت في الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التي خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
    ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دوني أثناء أجازة الصيف التي أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إلهيا من فصول .
    وقد وصلت إلى إيطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس في روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذوني في ذات وطني يقولون لي قليلا ويضمرون في أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن في الحياة حتى يضطرب قلبي ويضطرب لساني قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون في ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بي ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا .
    أما قراءة الصحف فكانت عذابا أي عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر . ولم أشعر بشيء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني فيها أحد والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. في هذه القرية كظمت غيظي وجعلت أجيله بيني وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا في الصحف وأقرأ كثيرا في الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة .
    ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير في مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير .
    تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلي وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجي فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلي ذلك أن فساد الأمر في داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أي خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها .
    بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر في الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما في نفوسهم من غل وجشع وحقد.
    لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة .
    بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب .
    طه حسين
    الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢