Back to homepage

الأدب العربي والقومية: الخمسينات | Arabic Literature and Nationhood: The 1950s

جهد خصيب
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
١٨ مايو ١٩٥٣

هو هذا الجهد العنيف إلى أقصى غايات العُنف المُمْتِع إلى أبعد حدود الإمتاع، الذي بذله الدكتور عبد الرحمن بدوي حول كتاب الشعر لأرسطاطاليس.

وأقول: إنَّ هذا الجهد عنيف إلى أبعد غايات العنف؛ فقد ترجم هذا الكتاب في القرن الرابع الهجري إلى اللغة العربية، وعسى أن يكون قد تُرجم قبل ذلك في القرن الثالث، ولكن ترجمة القرن الرابع هي التي وصلت إلينا، وهي سَقيمة مُمْعِنَةٌ في السُّقم، لا تُصور كتاب أرسطاطاليس كما هو، بل لا تُصَوِّره تَصويرًا مُقاربًا، وفيها من الخلط والاضطراب شيء كثير.

وعلى هذه الترجمة وترجمة أخرى ظهرت في القرن الرابع أيضًا ولم تَصل إلينا، اعتمدْ الفلاسفة المسلمون حين لخصوا هذا اللون من علم أرسطاطاليس، فكان علم العرب والمسلمين بهذا القسم من علم أرسطاطاليس مُشوهًا مَنقوصًا، ثم عُرف النَّص اليُوناني لهذا الكتاب في أوائل عَصر النَّهضة؛ ففرغ له جماعة من العلماء الإيطاليين في ذلك العصر مُترجمين ونَاقِدينَ، وشَارحين ومُحَلِّلين، ولم يلبث الكتاب أنْ تجاوز إيطاليا إلى غيرها من أوروبا الغربية، فعُرف في إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، واشتدت عِنَاية النُّقَّاد والعُلماء به كما كانت عِنَايتهم تَشْتَدُّ بكل ما كان يصل إليهم من آثار اليونانيين عامة، ومن آثار المعلم الأول بوجه خاص.

وما زالت هذه العناية مُتصلة إلى الآن، ثم لم يلبث الكتاب أن تجاوز بيئة العلماء والنُّقَّاد إلى بيئات الأدباء والشعراء منهم خاصة، فتأثرت به فنون الشعر في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ولم ينصرف الأدباء عن التأثر به إلا حين ظهرت حركة الرومنتيكيين في القرن التاسع عشر.

فقد مَرَّ الكِتَابُ إذن في العالم الإسلامي القديم كما تَمُرُّ سَحَابَةُ الصَّيف لم يعرف منه فلاسفتنا إلا أطرافًا، لم يحققوها ولم يقنعوا بها، وإنما ألمُّوا بها إلمامًا في كُتب المَنْطِق ليُحْصُوا ما وصل إليهم من فلسفة أرسطاطاليس. وكان تأثر العالم العربي بكتاب الخَطابة لأرسطاطاليس أقوى وأعمق، ظهر ذلك في النقد الأدبي منذ عهد الجاحظ، ثم تمثل تمثيلًا قويًّا واضحًا في فنون البلاغة منذ عبد القاهر إلى الآن.

ولكن أثر الكتاب في أوروبا كان عظيم الخطر جدًّا، فهو كما رأيتَ لم تقف العِنَايةُ به عِنْدَ المُخْتَصِّين مِنَ العُلَمَاءِ والنُّقَّاد، بل تَجَاوَزتهم إلى الشُّعراء وأصحاب التمثيل منهم خاصة.

وكان نقصًا خطيرًا في حياتنا الأدبية أَلَّا نَعْرِفَ من هذا الكتابِ إلا اسمه، وإلا هذه الأسطر التي توجد في أواخر كتب المنطق، وكان مما يزيد خطورة هذا النقص أنَّ المحدثين قد جهلوا حتى ما عرفه القدماء من هذا الكتاب، فهم لم يعرفوا الترجمة العربية القديمة، ولم يعرف تلخيص الفلاسفة لهذه الترجمة إلا المتخصصون الذين يمكن إحصاؤهم من أساتذة الجامعات في القاهرة والإسكندرية.

ولم يكنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يكمل هذا النقص في ثقافتنا الأدبية العربية، ويُمْحى عنها هذا العيب، وسبيل ذلك إحياء الترجمة القديمة، وتلخيص الفلاسفة لها من جهة، وترجمة الكتاب نفسه ترجمة صحيحة دقيقة من جهة أخرى.

وهذا الجهد العنيف الممتع هو الذي فرغ له الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي فوُفِّق فيه أحسن التوفيق.

وإني لأفرغ بين حين وحين إلى هذا الكتاب الذي أهداه إليَّ صاحبُهُ منذ أسابيع؛ فأجدُ من الرِّضا والغِبْطَة ومن العَناء والمشقَّة ما لا أجده إلا قليلًا جدًّا حين أخلو إلى ما يُهدَى إليَّ في هذه الأعوام الأخيرة من الكتب.

فأمَّا الرضا والغبطة فمصدرهما أنَّ أُستاذًا مِصْرِيًّا، من أساتذة إحدى جامعاتنا، قد استطاع أن يستخلص من وقته ومن حياته هذه المُعاصرة، التي تزدحم عليها الأحداث وتكتنفها الخطوب، جزءًا يفرغ فيه لكتاب من كتب أرسطاطاليس، وما أنفق القدماء والمُحدثون من جهود مُتصلة ليترجموه ويُلخِّصوه، وليفهموه وينقدوه، وليُقرِّبوه آخر الأمر إلى الشُّعراء يجدون فيه أصول فنهم كما عرضها زعيم الفلاسفة منذ ثلاثة وعشرين قرنًا.

هذا إذن أستاذ مصري مُعاصر لم يكد يتجاوز الشباب بعدُ، ولم ينسَ نصيبه من الحياة المُعاصرة بما فيها من خير وشر، ولكنه على ذلك، بل من أجل ذلك يَحتمل العناء كل العناء، وينفق الجهد كل الجهد ليدرس كتابًا في أصول الشعر أُلِّفَ مُنذ ثلاثة وعشرين قرنًا، ونُقل إلى العربية منذ عشرة قرون، وشُغِل الأوروبيون به منذ خمسة قرون، لم ينصرف عنه لأنه قديم مُسرف في القدم، ولم يُعرض عنه لأنه ليس من هذه الأعمال التي تتصل بالمنفعة القريبة المادية، ولم يضق به لأنَّه كتاب لا يُعنى به إلا قليل جدًّا من المثقفين، وإنما أحب الكتاب لهذه الخصال كلها، وأقبل عليه مشغوفًا به أشد الشغف، حريصًا أعظم الحرص؛ على أن يمتع به أمثاله من مواطنيه ومن طلاب الثقافة والعلم، الذين يقرءون اللغة العربية.

وهو قد استحيا لنفسه ولقومه من أن ينفق المستشرقون الإنجليز والنمساويون الجهود العنيفة في الأعوام المُتصلة لدَرْسِ هذا النوع منَ التراث الإسلامي العربي، ونحن عنه غافلون لا نَكادُ نَعلمُ به، فضلًا عن أن نشارك فيه.

هو إذن يحب هذا النوع من البحث؛ لأنه يجدُ فيه متعة لنفسه، وثروة للغته، وتعليمًا لمُواطنيه، لا يصدُّه عنه قِدَمُه، بل يُرَغِّبه فيه، ولا يَصْرِفهُ عنه عسره، بل يُغْرِيه به، ثم هو ينفق ما أنفق من الجهد، ويبلغ ما بلغ من التوفيق، دونَ أنْ يَتكثر أو يستطيل، وإنما يشجعه هذا التوفيق على أن يستقبل من البحث ألوانًا ليست أقل قدمًا ولا عُسرًا من هذا اللون الذي فرغ منه.

فالأستاذ عبد الرحمن بدوي غارقٌ في علم أرسطاطاليس إلى أذنيه. لقد كنتُ أشدَّ الناس حرصًا على أن يفرغ المُتخصصون من فلاسفتنا للترجمة العربية القديمة لمنطق أرسطاطاليس؛ فقد كان يجبُ أنْ تحيا هذه الترجمة التي عاش عليها قدماؤنا، ونبغ فيها وبها فلاسفتنا.

وقد وقف الدكتور عبد الرحمن بدوي مقدارًا عظيمًا من وقته وجهده وماله على إحياء هذه الترجمة؛ فنشر منها ما نشر حتى إذا بلغ الشعر، ووجد الترجمة القديمة قليلة الغناء أحياها فيما أحيا، ولكنه لم يكتفِ بها، وإنما أقبل على كتاب أرسطاطاليس نفسه فترجمه ترجمة جديدة دقيقة.

وجمع لنا في هذا السفر الذي أتحدث عنه ترجمته هذه، وترجمة أبي بشر متَّى بن يونس، وتلخيص الفارابي، وابن سينا، وابن رشد لهذه الترجمة، وقدَّم بين يدي هذا كله درسًا مُفصلًا لتاريخ هذا الكتاب في العالم العربي القديم، وفي العالم الأوروبي الحديث، وفي بيئات المُستشرقين.

أليس هذا كله خَليقًا أنْ يُثير الرضا والغِبْطة، وأكثر من الرضا والغبطة في نفس من يُحِبُّ لمِصْرَ أنْ يُشْغَل أبناؤها بحقائق الثقافة ولبابها، لا بظواهرها وقشورها، وبصريح العلم وحده لا بما هو أقرب إلى البهرج والتمويه منه إلى أي شيء آخر؟

أليس مما يُثير الرضا والغبطة أنْ نَجِدَ بين الشباب المصريين من يُحبُّون العِلم؛ لأنَّه العِلم، ويُقبلون عليه؛ لأنهم يجدون في الإقبال عليه والإنتاج فيه هذه اللذة العليا التي لا تذوقها ولا تستحبها إلا النفوس المصفاة؟

أليس مما يُثير الرِّضا والغِبطة أن نَجِدَ بين الشباب المصريين من يقبلون على العلم لا لأنهم ينتظرون منه منفعة قريبة؛ بلْ لأنهم يَجِدُون فيه لذة خَالِصَةً مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، ويَجِدُون في الإنتاج فيه أخذًا بأسباب الثقافة الصحيحة التي يقوم عليها مجد الشعوب؟

بلى، ومما يزيد الرِّضا والغِبطة أنَّ الأستاذ عبد الرحمن بدوي ليس وحيدًا في هذا النحو من حب العِلم والإقبال عليه بين مواطنيه، ولكنَّ له في جامعتنا المصرية المظلومة لداتٍ وأقرانًا، يُقبلون مثله على العِلم الخالص، ويُنتجون مثله في العلم الخالص، ويبذلون مثله هذه الجهود التي تمتع أصحابها، وتمتع الذين يقرءون آثارهم، ولكنها لا تكسب أصحابها شهرة ولا مالًا؛ لأنَّ العلم الصحيح لم يكسب أصحابه الشهرة إلا بآخرة، وهو لم يكسب أصحابه المال، وإنما كان مصدر ثروة للناشرين.

وقد قلت: إن جامعاتنا مظلومة، وما لِيَ لا أقول ذلك ونحنُ لا نسمع في هذه الأيام إلا أنَّ جامعاتنا قد أخفقت ولم تُؤدِّ ما أنشئت لتأديته من المهام، أو لم تؤدِّ رِسَالتها، كما يُقال في هذا العصر الذي اختلط فيه كل شيء؟ كلا، لم تُخفِق جامِعَاتنا ما دامت تخرج بين حين وحين الدكتور عبد الرحمن بدوي وإخوانه، الذين يعملون وينتجون وينشئون ثقافتنا الحديثة الصَّادقة في غير تكثر ولا ضجيج ولا عجيج.

وقد ذكرت آنفًا أني أفرغُ لهذا الكتاب، فلا أجدُ في الفراغ له الرِّضا والغِبطة فحسب، وإنَّما أجدُ المَشَقَّة والعَناء أيضًا؛ فليست قراءة أرسطاطاليس وترجمته القديمة وتلخيص الفلاسفة المُسلمين له هينة يسيرة كقراءة القصص المُمتعة، أو هذا الأدب اليسير الذي يغرقنا في هذه الأيام، وإنما هي قراءة تحتاج إلى الأناة كل الأناة، وإلى التفكير الذي يستغرق فيه صاحبه أشد الاستغراق. ولعمري ما حبب الحياة الأدبية إليَّ إلا أنها تُتيح لي بين حين وحين هذه الكتب التي أقرؤها مُستأنيًا بقراءتها، مُشاركًا لأصحابها فيما بذلوا من جهد، وما احتملوا من مشقة. وهل الأدب الصحيح إلا مُشاركة خصبة بين الكُتَّاب والقُرَّاء؟

ليتقبل الدكتور عبد الرحمن بدوي مني أصدَقَ الشكر وأخلصه وأصفاه؛ لأنَّه أرضاني حين عني بآثار أرسطاطاليس هذه العناية القيمة، ولأنه وإخوانه جعلوا للثقافة العربية المُعاصرة قيمةً أيَّ قيمةٍ، وغَناءً أيَّ غناء.

بين الفصحى والعامية
طه حسين
جريدة الجمهورية
٩ أكتوبر ١٩٥٤

كل شيء ممكن حتى أن يرجع الزمن أدراجه، ويمشي إلى وراء بعد أن كان يمضي إلى الأمام، ولا أريد بالزمن هذه المعاني التي يختلف الفلاسفة في تحقيقها وتحديدها؛ فليس هذا الحديث من فلسفة الفلاسفة ولا من علم العلماء في شيء، وإنما أريد بالزمن أمور الناس التي تستغرق أوقاتهم وجهودهم وتستنفد قواهم ونشاطهم، فتتقدم أحيانًا وتتأخر أحيانًا أخرى، وتُقْدِم مرة وتُحْجِم أخرى.

وما أشك في أن وقتًا من الأوقات قد مرَّ بنا وأمورنا اللغوية تمضي إلى أمام وحياتنا الأدبية تُقْدِم غير مترددة ولا مستأنية، كأنما كانت تريد أن تسبق الأحداث والخطوب وأن تتعجل دورة الفلك؛ لتبلغ القرن الحادي والعشرين قبل أن تبلغ نصف القرن العشرين فضلًا عن أن تصل إلى آخره.

ففي ذلك الوقت كان التعليم قليل الانتشار بالقياس إلى ما أُتيح له في هذه الأيام من السعة والتغلغل في أعماق الشعب، وكان شيوخ الأدب الذين استأثرت بهم رحمة الله وشباب الأدب الذين أصبحوا شيوخًا في هذه الأيام يكتبون باللغة العربية الفصحى، ويتنافسون فيما بينهم أيهم يكون أشدَّ لها تطويعًا وأعظم لها تيسيرًا وأقدر على أن يسوغها من المعاني والخواطر والآراء ما لم تكن تعودت أن تسيغ دون أن يشقَّ عليها أو يرهقها من أمرها عسرًا، أو ينحرف بها عن طريقها التي رسمتها لها طبيعتها ومزاجها.

وكان أصحاب الثقافة الممتازة، وأصحاب الثقافة المتوسطة، وأصحاب الثقافة المتواضعة، والذين لا يكادون يظفرون من الثقة بشيء؛ كل أولئك كانوا يتنافسون في القراءة ويختصمون فيما بينهم، يرضى فريق ويسخط فريق، ويضطرب ثالث بين السخط والرضى.

وكان الزعماء السياسيون يؤثرون بعض الأدباء على بعض، وينهون أتباعهم عن قراءة ما يكتبون الأدباء الذين كانوا يسخطون عليهم، وربما حرَّموا عليهم قراءة صحف بعينها، وربما أعلنوا إليهم أنهم ينوبون عنهم في قراءة تلك الصحف، وكان الأتباع يسمعون ويصفقون، فإذا تفرقوا عن زعمائهم أسرعوا إلى الصحف المحظورة فاشتروها ودسُّوها في جيوبهم، حتى إذا راحوا إلى دورهم خلَوْا إلى تلك الصحف فقرءوها ممعنين في قراءتها غير حافلين فيما بينهم وبين أنفسهم لنهي الزعماء عن هذه القراءة وحظرهم لها.

وكانت تلك الصحف تُنشَر باللغة العربية الفصحى، وكان كتَّابها يتنافسون في تجويد اللغة وتنميق الأسلوب. قد اتخذوا لأنفسهم في الأدب مُثُلًا رفيعة لا يعرضون عنها ليتكلفوا رضا القراء، وإنما يسمون إليها ليغروا قراءهم بمشاركتهم في هذا السمو، وكان بعض الشباب في تلك الأوقات يحاولون أن يكتبوا باللغة العامية، وأن يُروِّجوا لها ترويجًا، لا ليتملقوا قراءهم بل ليبلغوا منهم مواطن الفهم والذوق والاستجابة، ولكنهم كانوا يظفرون بعكس ما كانوا يريدون، فيَزْوَر عنهم القراء وتسخر منهم طوائف المثقفين، ويضطرون إلى الرجوع عن عاميتهم إلى اللغة الفصحى.

وكان حافظ — رحمه الله — يَهْدِر بشعره السياسي، وكان شوقي — رحمه الله — يُعنَى بشعره التمثيلي والسياسي، وكلاهما يذهب مذهب القدماء في لفظه وأسلوبه وفي وزنه وقوافيه، وكان الذين يسمعون للشاعرَيْن العظيمَيْن أو يقرءون لهما، يرضون ويعجبون ويحفظون شعرهما عن ظهر قلب، لا يجدون في رصانة هذا الشعر وجزالته ولا في تقليده للقدماء ما يصرفهم عنه أو يخوفهم منه أو يزهدهم فيه. وكنَّا نعيب الشاعرين العظيمين بإمعانهما في تقليد القدماء وتقصيرهما في التجديد وغلوهما في المحافظة على مذاهب القدماء، فكان الناس يقرءون لنا فترضى منهم قلة قليلة جدًّا هم أصحاب الثقافة الرفيعة، وتسخط منهم كثرة كثيرة جدًّا هم أصحاب الثقافة المتوسطة والضئيلة.

كان ذلك منذ ربع قرن أو أكثر من ربع قرن، وكنت أعيب على المحافظين في اللغة والأدب تقديسهم للغة وإحاطتهم لها بهذا الإجلال الديني الذي يعصمها من التطور ويحميها من التجديد، وكنت أقول إن اللغة العربية هي لغة القرآن ما في ذلك شك، ولكنها في الوقت نفسه لغة الذين يتكلمونها، فمن الحق عليها أن تستجيب لأصحابها، وأن تساير تطورهم، وتجاري حياتهم في ظروفها المختلفة. وهي قد فعلت في العصور الأولى، فلم تكد تخرج من البادية العربية حتى لازمت الحضارة الجديدة، ووسعت علومها وفلسفتها، وحتى تطور أدبها نفسه مع هذه الحضارة، فأدى في يسر وإسماح ما لم يكن يخطر للأعراب البادين على بال من الخواطر والمعاني والآراء.

وكان الناس ينكرون عليَّ هذه المقالة أشد الإنكار، ويرون أني قد جاوزت في الإسراف كل حد، وأني قد غلوت في التجديد حتى أخرجته عما ينبغي له من القصد والاعتدال ومن الرفق والأناة، وحتى ذهبت به مذهب الثورة لا مذهب التطور والانتقال.

وكنت أضحك من الدرس الأول الذي كان طلاب الأزهر الشريف يسمعونه حين يبدءون دراسة النحو، فيقرأ عليهم الشيوخ قول المؤلف رحمه الله: الحمد لله الذي جعل لغة العرب أفصح اللغات.

وكنت أقول إن لغة العرب فصيحة ما في ذلك شك، ولكن في الأرض لغات أخرى ليست أقل منها فصاحةً وجذالةً وامتيازًا. وكان المحافظون يرون هذا القول مني جموحًا وإهدارًا للقيم الموروثة، وثورة بالسنن التي تلقاها الأبناء عن الآباء. وكنت أتندر بما كان بعض القدماء يختصمون فيه من أن لغة أهل الجنة في الدار الآخرة هي اللغة العربية أو اللغة السريانية، فكان غلاة المحافظين يضيقون مني بذلك أشد الضيق.

وأذكر أني حين هممت بالسفر إلى أوروبا لإتمام الدرس، سألني الشيخ بخيت رحمه الله: ما الذي تريد أن تدرسه في أوروبا؟ فقلت له متضاحكًا: أريد أن أدرس اللغة السريانية! فقال: ولِمَ تدرس اللغة السريانية؟! قلت: لِأُحْسِنَ الردَّ على الملكين حين يسألانني في القبر؛ لأنهما يسألان باللغة السريانية! ورويت له ما كنت أحفظ من قول بعض الأزهريين القدماء:

ومن غريب ما ترى العينان … … … … …

… … … … … أن سؤال القبر بالسرياني

أفتى بهذا شيخنا البلقيني … … … … …

فغضب الشيخ وضحك الحاضرون، وكانت كثرتهم من المطربشين، ولقيت الشيخ بعد عودتي من أوروبا، فسلمت عليه ولم أُقبِّل يده، وأراد أن يشعرني باحتقاره لي وازدرائه لما تعلمت في أوروبا ولما اتخذت من زيٍّ جديد؛ فلم يكن يدعوني إلَّا طه أفندي!

وحسبك بهذا الدعاء احتقارًا وازدراءً! كذلك كانت حالنا منذ أكثر من ربع قرن، ثقة باللغة العربية الفصحى، وإيمانًا بقدرتها على البقاء، ومطاولة الزمان ومغالبة الأحداث التي تجدد حياة الناس من يوم إلى يوم، لا من عام إلى عام.

وليس من شك في أن جيلنا ذاك القديم قد ظفر بالنجح كل النجح فيما كان يحاول من تجديد الأدب وردِّ الشباب إلى اللغة، بعد أن أدركتها في القرون الأخيرة أعراض تشبه أعراض الشيخوخة والهرم.

لم ينكر علينا أحد في تلك الأوقات إغرابًا في اللفظ أو التواء في الأسلوب أو غموضًا في المعاني، وإنما كان الناس يتابعوننا راضين عنَّا، مشجعين لنا، يشعرون بأننا كنَّا نرد إليهم شيئًا عزيزًا عليهم أثيرًا في نفوسهم بعُدَ عهدهم به، واشتد شوقهم إليه؛ وهو هذا الجمال الفني الذي يأتي من سماحة اللفظ وسجاحته، ومن يسر المعاني ووضوحها، ومن صفاء الأساليب ونقائها.

لم يكن المازني — رحمه الله — يتحرَّج في إحياء تلك الأساليب القديمة التي كان يجدها عند عبد القاهر الجرجاني وعند الذين سبقوه من أصحاب النقد والبيان، وكان الناس يقرءون له، ويُعجَبون به، ويستزيدونه من فنِّه ذاك الجديد القديم.

ولم يكن مصطفى عبد الرازق — رحمه الله — يتحرج في اصطناع الأناة المستأنية في إنتاجه الأدبي، فكان يفرغ الوقت الطويل لكتابة المقال القصير، يُحرِّر معانيه، ويُجوِّد ألفاظه، ويُصفِّي أسلوبه تصفيةً حتى كنَّا نشبِّه آثاره الأدبية بذلك الحلي الذي يتأنق فيه صناعة ويخرجونه روعة للناظرين لا سبيل إلى التعليق عليها بعيب ظاهر أو خفي.

وكان الناس يتحدثون عن هذا الكاتب أو ذاك، فيقولون إنه يذهب مذهب الجاحظ أو مذهب ابن المقفع، يرون ذلك ثناءً عليه وإطراءً له، ولم نكن نرضى بهذا الإطراء وذلك الثناء لأننا لم نكن نحيي تلك الأساليب فحسب، وإنما كنَّا نحييها ونغنيها ونؤدي بها معاني وآراء وخواطر لم تكن تخطر للجاحظ وابن المقفع على بال.

كنَّا نترجم فيها شعر الشعراء ونثر الكتَّاب من أعلام الأدب في الغرب، لا نجد في ذلك مشقةً ولا حرجًا، وكنا نؤدي بها من ذات أنفسنا ما يلائم العصر الذي نعيش فيه من شئون هذه الحياة التي لا تشبه من قريب ولا من بعيد حياة الكتَّاب القدماء في البصرة والكوفة وبغداد.

وكنا نغيظ حافظًا وشوقي وغيرهما من الشعراء حين نتحدث بأن النثر العربي هو الذي ارتقى حقًّا في هذا العصر الحديث؛ لأنه ابتكر أشياء لا عهد للقدماء بها دون أن يخل بفصاحة اللغة ورصانتها، ودون أن ينحرف عن أصولها المقررة أو طبيعتها الخالدة، على حين لم يستطع الشعر إلَّا أن يحيي مذاهب العباسيين متأثرًا لهم ومتأثرًا بهم أيضًا.

وكنت أغلو في مضايقة الشاعرين العظيمين، فأرد بعض قصائدهما إلى نماذجها القديمة من شعر البحتري وأبي تمام والمتنبي، وكانا يضيقان بذلك أشد الضيق ويحاولان التجديد والابتكار، ويوفقان منهما إلى شيءٍ كثير.

فأين نحن الآن من تلك الحياة التي كنَّا نحياها منذ ربع قرن، والتي لم أروِ من أمرها إلَّا أطرافًا قصارًا، والتي تشهد بها نصوص ما يزال الناس يقرءونها ويكثرون من قراءتها، ويستعينون بكثير منها على احتمال الحياة التي يحيونها الآن؟!

وليس من شك في أن أسبابًا مختلفة كثيرة قد دَعَتْ إلى ما نحن فيه الآن من هذا الاضطراب الأدبي الخطير الذي يظهر في صور متناقضة أشد التناقض؛ فعقول شبابنا خصبة وقلوبهم ذكية وبصائرهم نافذة، لا ينكر ذلك إلَّا المكابرون، وفيهم من أجل هذه الخصال قدرة رائعة على الإنتاج الفني، ولهم من أجل هذه الخصال إنتاج يعصم من اليأس ويفتح أبوابًا لآمال عراض، لا ينكر ذلك إلى المكابرون أيضًا.

ولكن أدباء الشباب هؤلاء أشقياء بفنهم، وقراؤهم ليسوا أقل منهم شقاءً لسبب يسير جدًّا؛ وهو أن وسيلة الأداء تعوزهم إعوازًا مروعًا حقًّا، فآثار كثير منهم أشبه شيء بالجمال البارع الساحر الذي يُعرَض في الأزياء الرثة المهلهلة التي تشوه براعته وتفسد سحره، وتعلق القلوب تعليقًا مؤلمًا بين الإقبال عليه لأصالته وصدقه، والانصراف عنه لرثاثة صوره وغثاثة ألفاظه.

وأدباؤنا الشبان يحسون ذلك من أنفسهم ومن قرائهم إحساسًا دقيقًا، ويضيقون به ضيقًا شديدًا، ولكنهم لا يحاولون له طبًّا ولا علاجًا … وإنما يمعنون فيه إمعان المستيئس، ويلهجون به لهج المكابر المعاند الذي يعجزه الحسن فيهيم بالقبح، ويفوته الكمال فيستمسك بالنقص ويتخذه مذهبًا ومنهاجًا.

ثم هم لا يكتفون بما يتورطون فيه من العناد في غير موضع للعناد والمراء في غير موطن للمراء، ولكنهم يتكلفون الغض من الذين سبقوهم، ثم الخروج على ما ألف الناس من صور البيان، وإيثار الفصاحة على الركاكة والرقي على الإسفاف. فإذا لم يُغْنِ عنهم هذا كله شيئًا، ثاروا باللغة نفسها ونصبوا لها حربًا أقل ما تُوصَف به أنها عقيم، لا تغني عنهم شيئًا ولا تنيلهم خيرًا قليلًا أو كثيرًا.

فليس من الحق في شيء أن اللغة العربية الفصحى قد ماتت أو أشرفت على الموت، بل ليس من الحق أن اللغة العربية الفصحى قد أدركها ضعف أو فتور أو قصور، وآية ذلك أن الناس يعربون بها عن ذات أنفسهم حين يكتبون ما يريدون أن يكتبوا في الموضوعات المختلفة لا يجدون في ذلك حرجًا، ولا يحتملون فيه عناءً، يؤلفون الكتب ويترجمون ما يُؤلِّف غيرهم من الأجانب في أقطار الشرق والغرب، وينشرون الصحف والمجلات. والناس يقرءون ما يُؤلَّف من الكتب وما يُترجَم كما يقرءون ما تنشره الصحف والمجلات، لا يجدون بذلك بأسًا ولا يشكون منه جهدًا.

وآية ذلك أيضًا أن الناس ينشرون الكتب القديمة التي كُتِبَتْ بالعربية الفصحى في عصورها المختلفة، فيقرؤها أصحاب الثقافة العميقة الواسعة وأصحاب الثقافة المتوسطة الضيقة، وأكثرهم لا يقرؤها مُكْرهًا على قراءتها، وأكثرهم كذلك لا يقرؤها بالمجان، وإنما ينفق في قراءتها الوقت والمال والجهد عن حبٍّ لها ورغبةٍ فيها وحرصٍ عليها.

وليس هذا شأن اللغة التي ماتت أو أوشكت أن تموت، وليس هذا شأن اللغة التي أدركها الضعف أو الفتور أو القصور، وإنما هو شأن اللغة التي ما زالت حية قادرة على الحياة، قوية قادرة على مغالبة الأحداث والخطوب التي تغير حياة الناس من يوم إلى يوم.

وأدباؤنا الشبَّان يتورطون في خطأ أي خطأ حين يظنون أن اللغة العربية الفصحى لا يمكن أن تصح ولا أن تستقيم، إلَّا إذا اتخذت ذلك الشكل القديم الذي يألفونه في شعر القدماء ونثرهم أثناء القرون الثلاثة أو الأربعة للهجرة، وهم حين يتورطون في هذا الخطأ يجحدون التطور وينسون حقائقه الأولى؛ فلغة القرن الأول للهجرة لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الجاهلين، ولغة أبي نواس وأصحابه لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الفرزدق وجرير، ولغة المتنبي ومعاصريه لم تكن هي لغة أبي نواس ولداته وأترابه، واللغة التي أتحدث إليهم بها الآن — والتي يتحدث إليهم بها غيري من الكتَّاب — ليست هي اللغة التي كان يتحدث بها كتَّاب القرن الثالث إلى قرائهم. ومعنى هذا كله أن حياة اللغة شيء وجمودها واستعصاءها على التطور شيءٌ آخر.

وأصحابنا هؤلاء من أدباء الشباب يتورطون في خطأٍ آخر ليس أقل من هذا الخطأ نكرًا، منهم من قرأوا في بعض الكتب أن اللغة اللاتينية قد كانت حية قوية منتشرة في غرب أوروبا، ثم ماتت ونشأت عنها لغات مختلفة في بلاد كثيرة من أوروبا الغربية هذه. وما أسرع ما يثيبون من هذا الذي قرأوه إلى أن اللغة العربية الفصحى لغة قديمة قد نشأت عنها لهجات عامية، فهي إذن قد ماتت وقامت اللهجات العامية مقامها، أو يجب أن تموت لتقوم اللهجات العامية مقامها.

وقد قلت ألف مرة ومرة: إني لا أشفق على شبابنا من شيء كما أشفق عليهم من التفكير السريع والأحكام الخاطفة؛ فاللغة اللاتينية لم تَمُتْ فجاءة، واللغات الحديثة لم تَمْضِ مقامها فجأة، واللغة اللاتينية لم تمت لأن الشباب من أبنائها قضوا عليها الموت في يوم من الأيام وقرروا أن تقوم اللهجات العامية مقامها، وإنما ماتت اللغة اللاتينية في بطء بطيء جدًّا بعد خطوب طوال ثقال، ليس هنا موضع الحديث عنها.

وقد تعرضت اللغة العربية الفصحى لخطوب طوال ثقال أيضًا حفظتها كتب التاريخ، ولكنها انتصرت إلى الآن على هذه الخطوب، فلم تَمُتْ ولم يدركها فتور أو قصور، وإنما قاومت وغالبت، وأُتيحَ لها الغلب والانتصار، فظلت حية قوية متطورة وظلت اللهجات العامية ضعيفة ضئيلة لا تصلح للأداء الأدبي قليلًا أو كثيرًا.

وآية ذلك أننا لا نعرف أثرًا أدبيًّا رائعًا خالدًا كتب في لهجة من هذه اللهجات إلى الآن، وليس يكفي أن نقرر أن لغة من اللغات قد ماتت لتموت، وليس يكفي أن نقضي بالموت على لغة من اللغات ليصبح قضاؤنا ضربة لازب، ولتموت هذه اللغة لأننا أردنا لها الموت.

كل هذا عبثٌ من العبثِ، واضطرابٌ فيما لا ينفع ولا يفيد ولا يغني عن الناس شيئًا، واستجابةً للكسل الذي يثبط الهمم ويقل الحد ويميت القلوب، وخيرٌ من هذا كله أن نستقبل أمور اللغة العربية الفصحى ومشكلاتها كما نستقبل غيرها من الأمور والمشكلات، فنلتمس لها ما يلائمها من الحلول، ولا نستيئس من الظفر بهذه الحلول.

وللغة العربية الفصحى مشكلات خطيرة ليس في ذلك شك، وقد تنبهنا لهذه المشكلات منذ أواخر القرن الماضي، ولكنا لم نجد الشجاعة إلى الآن لحلها في غير تردد ولا تلكؤ، وإنما مانع منَّا المصانعون، وداور منَّا المداورون، وتركنا الأمور تمضي كما تستطيع؛ فعرَّضنا لغتنا وأدبنا لشرٍّ عظيم.

ولست أذكر الآن من هذه المشكلات إلا اثنتين، كلتاهما خطيرة أشد الخطورة، فأمَّا أولاهما فهي الكتابة العربية التي طالب الناس بإصلاحها منذ أواخر القرن الماضي فيما أذكر دون أن يظفروا بشيء، والثانية هي علم النحو الذي حاول الناس إصلاحه منذ أوائل هذا القرن فلم يظفروا بشيءٍ أيضًا.

والأصل الذي يجب أن يتنبَّه إليه الناس هو أن الكتابة كانت فيما مضى — كما كان النحو — مقصورة على قلة قليلة من الناس، فأصبحت بحكم النظم الحديثة مفروضة على الشعوب كلها، كانت أرستقراطية فأصبحت ديمقراطية إن صح هذا التعبير. وإذا كانت الأرستقراطية تستتبع الصعوبة والعسر والضيق لأنها تصور الاستئثار والاحتكار وإقامة الحواجز والمصاعب دون ما يستأثر به السادة الممتازون، فإن الديمقراطية تستتبع السهولة واليسر والإسماح وإزالة المصاعب وتذليل العقاب.

وإذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع. ونحن نريد أن يكون الشعب كله كاتبًا قارئًا، فلنيسر له الكتابة والقراءة حتى يبلغ حاجته منهما في سعة ودعة وفي يسر ولين.

ونحن نكتب الآن كما كنَّا نكتب منذ أكثر من ألف سنة حين كانت الكتابة امتيازًا تستأثر به قلة من الناس، فإذا ألغيت هذا الامتياز فألغِ ما كان يقتضيه من ضروب المصاعب والعقاب، ويسِّر الكتابة والقراءة ليستطيع الناس جميعًا أن يكتبوا ويقرءوا دون أن يضيِّعوا من الجهد والوقت ما لا يملكون.

ومن الحمق الأحمق والجهالة الجاهلة حقًّا أن تطلب إلى عامة الشعب أن يحسن الفهم ليحسن الكتابة والقراءة؛ فالأصل أن يكتب الناس ويقرءوا أولًا وأن يفهموا بعد ذلك، وقُلْ مثل هذا بالقياس إلى النحو؛ فنحن نعلِّم صِبيتنا وشبابنا أصول اللغة العربية وخصائصها كما كانت تعلم منذ اثني عشر قرنًا في البصرة والكوفة وبغداد، وقد تغيرت الحياة وتغيرت العقول، وأصبح النحو القديم تاريخًا يدرسه الأخصائيون، ولم يبقَ بدٌّ من نحو ميسر قريب لتفهمه هذه الملايين الكثيرة من التلاميذ.

والصبية والشباب يتعلمون اللغات الأوروبية، فلا يجدون مشقة ولا عسرًا في فهم النحو لهذه اللغات؛ لأن نحوها قد تطور حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد.

وأغرب من هذا أن اللغة اللاتينية الميتة تُدرَّس للصبية والشباب في أوروبا، ولا يجد الصبية والشباب مشقة ولا عسرًا في فهم النحو اللاتيني؛ لأنه قد يُسِّر حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى اللغة اليونانية القديمة، فأعجب للغات ميتة يُدرَس نحوها الآن في يسر أي يسر، وللغة حية هي لغتنا العربية يُدرَس نحوها في عسر عسير، ولا ينتهي بتلاميذه إلَّا إلى جهله وبغضه وبغض اللغة العربية كلها من أجله.

وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن إصلاح الكتابة العربية وتيسير النحو العربي كفيلان بإراحة الجيل الناشئ من شبابنا من هذا العناء الثقيل الذي ينوه بالكتاب المعاصرين من شبابنا الأدباء الذين تعلموا اللغة العربية على أساليب لا تلائم عقولهم وأمزجتهم؛ فلم يحسنوها ولم يطمئنوا إليها، واضطرهم ذلك آخر الأمر إلى ما يشقون به ويشقى به معهم قراؤهم من هذا الإنتاج الأدبي الذي يجمع بين الجمال والقبح وبين الجودة والرداءة في وقت واحد، ومن هذه الشكوى التي لا تنقضي من صعوبة اللغة الفصحى واستعصائها، ومن هذه المطالبة الممضة بالالتجاء إلى اللهجات العامية وإقامتها مقام اللغة العربية الفصحى التي تشقى بأساتذتها ومعلميها.

وأحب آخر الأمر أن ألفت أدباءنا الذين يطالبون بالالتجاء إلى اللهجات العامية إلى شيءٍ خطيرٍ ما أرى أنهم قد فكَّروا فيه فأحسنوا التفكير؛ وهو أن العالم العربي الآن وكثيرًا من أهل العالم الشرقي كله يفهم اللغة العربية الفصحى، ويتخذها وسيلة للتعبير عن ذات نفسه وللتواصل الصحيح القوي بين أقطاره المتباعدة.

فلنحذر أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته وتمعن هذه اللهجات في التباعد والتدابر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم إلى لهجته كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون من ترجمة الكتب المصرية إلى لهجاتهم كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين، وكما يترجم هؤلاء عن الفرنسيين.

ولنسأل أنفسنا آخر الأمر أيهما خير، أن تكون للعالم العربي كله لغة واحدة هي اللغة الفصحى، يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون لهذا العالم لغات بعدد الأقطار التي يأتلف منها، وأن يترجم بعضه عن بعض كما يترجم بعض الأوروبيين عن بعض؟

أمَّا أنا فأُوثر وحدة اللغة، وأثق الثقة كلها بأن لها النصر آخر الأمر، وأرى غير متردد أن وحدة اللغة هذه خليقة بأن يُجاهِد في سبيلها المؤمنون بها، وبأن يضحُّوا في سبيلها بكل ما يملكون.

الإثم العظيم …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١١ مايو ١٩٥٥

كان إثمًا عظيمًا أنْ أخذت في الإعداد لترجمة الآداب العالمية إلى العربية.
اختلطت الأمور، وجرت أقلام بكلام كنت أحب لها ألَّا تجري بمثله.
الثقافة العربية تقوى بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية.
أنا أدعو المواطنين ملحًّا أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباهه.
أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال أكثره نشأ في أيام الملوك.
كان إثمًا عظيمًا عند بعض الكُتَّاب هذا الذي أَقْدَمْت عليه حين أخذتُ في الإعداد لترجمة الآداب الأدبية العليا إلى اللغة العربية، ويظهر أني غارق في هذا الإثم العظيم إلى أُذُنِي منذ أول الشباب؛ فقد كنت مشغوفًا أيام الطلب بالتهام كل ما يترجم إلى اللغة العربية من الكتب مهما تكن قيمته، ومهما يكن خطره؛ لأني كنت أرى في هذه الكتب ألوانًا من المعرفة لا عهد لي بها، وأرى فيها تجديدًا لنفسي وتثقيفًا لعقلي وتزكية لقلبي، ولم أكد أُلِمُّ بأوليات اللغة الفرنسية حتى دعاني صديق كريم — رحمه الله — إلى أنْ أشاركه في ترجمة كتاب في الفلسفة الخلقية من اللغة الفرنسية (هو كتاب الواجب لجول سيمون) فاستجبت لدعوته مشغوفًا بهذا العمل أشد الشغف، حريصًا عليه أعظم الحرص، مشوقًا إلى ما سأكسبه من المعرفة، سعيدًا بأني سأتيح لمئات وألوف مثلي من الشباب أنْ يكسبوا معرفة جديدة، وأنْ يثقفوا عقولهم، ويزكوا قلوبهم، ويجددوا نفوسهم، ويضيفوا إلى نشاطهم نشاطًا خصبًا ينفعهم وينفع الناس.

ولم أكد أتم الدرس في فرنسا وأعود إلى مصر، حتى أخذت في إظهار المواطنين على ألوان جديدة من المعرفة ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. أترجم حينًا وألخص أحيانًا، وأغري دائمًا بالترجمة والتلخيص، أوثر الترجمة حين تتاح وسائلها، وأضطر إلى التلخيص حين لا يكون إلى الترجمة سبيل، مؤمنًا بأن الثقافة العربية إنما تقوى وتنمو وتزداد خصبًا وغنًى وإمتاعًا وإحياءً للنفوس، وإذكاءً للنهضة بمقدار ما يضاف إليها من ثقافات الأمم الأجنبية مهما تكن هذه الأمم.

ومن أجل ذلك تَرْجَمت ولَخَّصْت ودَفَعْت غيري دفعًا إلى أنْ يترجموا، ويلخصوا من آداب اليونان والرومان والفرنسيين والإنجليز والألمانيين والإيطاليين والفرس شيئًا كثيرًا، عاشت عليه أجيال من المصريين والشرقيين العرب وقتًا، وأحسب أنها ستعيش عليه أوقاتًا، ثم بدا لي أنَّ هذا الذي دفعت إليه نفسي ودفعت إليه غيري محتاج إلى شيء من النظام، وأنَّ الخير كل الخير في أنْ يُنَظَّم نقل الثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية، بحيث يتاح لنا في وقت قصير أو طويل أنْ نصنع صنيع الأمم الأخرى، وننقل إلى لغتنا أصول الآداب والثقافات الأجنبية إغناءً للغة نفسها من جهة، وإحياءً لقلوب الذين يتكلمونها، وإذكاءً للنهضة العربية من جهة أخرى، وقد اعتقدت دائمًا أنَّ لمصر مركزها التاريخي الجغرافي الخطير بين أقطار الأرض، وأنها قد نهضت دائمًا بواجبها الثقيل الرفيع، وهو نقل الثقافة الشرقية إلى الغرب، ونقل الثقافة الغربية إلى الشرق.

وإنها من أجل ذلك أساس من أسس الحياة العقلية الإنسانية، وإنَّ قوتها ونشاطها ونهوضها بهذا الواجب شرط أساسي ليشرق نور المعرفة على الشرق والغرب جميعًا، وليتحقق التوازن بين الشرق والغرب أيضًا.

ومنذ أكثر من خمس عشرة سنة حاولت أنْ آخذ في هذا التنظيم، وأنْ أهيئ له أداة في وزارة المعارف، وحاولت أنْ أنقل شكسبير إلى اللغة العربية، كل ذلك إلى الذين يحسنون اللغة الإنجليزية والعربية من شبابنا، وأنْ أصنع مثل ذلك بآثار فريق من أعلام الأدباء الفرنسيين الذين يشبهون في فرنسا شكسبير في إنجلترا، ولكن ظروف الحياة التي كنا نحياها حالت دون التوفيق إلى ما كنت أريد.

ولم أحاول أنْ أصنع مثل ذلك بأدباء الأمم الأخرى؛ لأن علمنا بلغاتها لم يكن مرضيًّا، فلم أجد بُدًّا من الصبر على ذلك الإخفاق حتى تتاح لنا حياة خير من حياتنا تلك، وحاولت بعد ذلك أنْ أنهض بهذا العمل غير معتمد على سلطان الدولة، فلم أجد المال واضطررت إلى إخفاق جديد.

وحين نهضت بأعباء وزارة المعارف حاولت أنْ أستأنف هذا الجهد، وأرصدت في ميزانية الوزارة مقدارًا ضئيلًا من المال للبدء فيه، ثم تركت الوزارة، ولم أدرِ ما صنعت الأقدار بهذا المال الذي أرصد في الميزانية، ولا بهذا الجهد الذي حاولت النهوض به، ثم دُعيت إلى رئاسة اللجنة الثقافية في الجامعة العربية، ورأيت في ميزانيتها شيئًا قليلًا من مال أُرصد للترجمة فوجهته إلى شكسبير، ولو قد كان هذا المال أكثر مما هو لوجهت بعضه إلى غير شكسبير من أدباء الأمم الأخرى، ولكن شيئًا خير من لا شيء.

وعلمت من حديث لي مع رئيس وزرائنا ومع وزير التربية والتعليم أنَّ الحكومة القائمة مؤمنة مثلي بوجوب الترجمة لأصول الثقافة الأجنبية على أوسع مدى ممكن؛ فاغتبطت لذلك أعظم الغبطة وأعمقها، وأنا أرجو مخلصًا أنْ يكون حظ حكومة الثورة من التوفيق إلى الخير في هذا الموضوع خيرًا من حظ غيرها من الحكومات. ولكني لم أكَد آخذ في تنفيذ ما صممت عليه من ترجمة شكسبير حتى كثر الأخذ والرد، واختلطت الأمور في كثير من العقول، وجرت أقلام في بعض الصحف بكلام كثير كنت أحب لها ألا تجري بمثله؛ لأنه مع الأسف الشديد إنْ صور شيئًا، فإنما يصور التفكير السريع والأحكام العاجلة والآراء المخطوفة، التي تمتحن بها حياتنا العقلية في هذه الأيام.

قال بعض الكُتَّاب: لا تترجم الآداب الأجنبية الغربية، ولا تترجم الآداب الأجنبية الشرقية، وأيسر ما يقال لأصحاب هذه الدعوة: إنَّ ترجمة الآداب الأجنبية الشرقية واجبة ويجب أنْ تتخذ لها الأسباب، وتبتغي إليها الوسائل، وأول هذه الأسباب والوسائل هو العلم بلغات هذه الآداب الشرقية، فالذين يريدون أنْ يترجموا ما ورث أهل الهند عن قدمائهم يجب قبل كل شيء أنْ يتعلموا اللغة التي كُتبت بها هذه الآداب، وإلى أنْ يتم تعلُّم هذه اللغة، ويوجد المترجمون منها إلى اللغة العربية — ونرجو أنْ يكون ذلك قريبًا — يحسن أنْ نمضي فيما نستطيع من الترجمة عن اللغات الغربية التي يحسنها شبابنا. والحمد لله فإن بين شبابنا الآن من يستطيعون أنْ يترجموا عن أكثر اللغات الأوروبية الكبرى لا تنقصنا منها إلا اللغة الروسية، وليس قليلًا أنْ نستطيع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية، وقد كنا لا نطمع في شيء من ذلك منذ خمسة عشر عامًا.

وقال قائلون: لا تترجموا الأدب، ولكن ترجموا العلم؛ فبالعلم نحيا وعلى العلم نعيش، والعلم هو الذي يعيننا على استثمار الزراعة والصناعة والتجارة إلى أقصى حدود الاستثمار، وهو الذي يجعلنا أمة قوية كما جعل الأمم الأوروبية والأمريكية أممًا ذات سلطان واسع وبأس شديد. وأقل ما يوصف به هذا الكلام أنه يصور قصورًا في التفكير، وتعجلًا في الحكم، وخطفًا للرأي في غير روية ولا أناة.

فليس من شك في أنَّ للعلم خطره العظيم في حياة الأمم، ولكن ليس من شك أيضًا في أنَّ الأدب ليس أقل خطرًا في حياة الأمم من العلم، وكم أتمنى على أصحاب هذه الدعوة أنْ يحدثوني عن أمة واحدة أوروبية أو أمريكية عاشت بالعلم وحده، ولم يكن حظها من الأدب موفورًا، كما أنَّ حظها من العلم موفور، ومن الحمق كل الحمق أنْ نزعم أنَّ العلم وحده هو الذي يحيي الأمم ويقويها، وعسى أنْ يكون حظُّ الأدب في حياة الأمم وقوتها مثل حظِّ العلم إنْ لم يكن أعظم منه وأبعد منه مدى. والموازنة بين العلم والأدب وأثرهما في حياة الأمم وبين حاجة الأمم إلى هذا أو ذاك سخف، لا يليق بالمثقفين حين يحيون في العصر الذي نعيش فيه.

ولم أنسَ بعد ما قاله لي عضو من أعضاء مجلس الجامعة المصرية القديمة منذ خمسة وثلاثين عامًا، وكان مهندسًا، لو استطعت أنْ ألغي كل هذه الدروس التي تُلقى في الجامعة، وأنْ أعلِّم الطلاب مكان هذه الآداب صناعة الساعات لفعلته، ولكنت بذلك أسعد الناس. ضحكت وضحك معي الذين سمعوا هذا الحديث، وأضفنا ذلك الرأي الغريب إلى سن ذلك المهندس الشيخ، فكيف ونحن نسمع ونقرأ الآن كلامًا يشبهه، يكتبه أصحابه في غير تردد ولا تحفظ كأنهم يكتبون لقرائهم العلم كل العلم، ويدلونهم على المثل الأعلى الذي ينبغي للشعوب أنْ تجدَّ في السعي إليه.

وهؤلاء السادة لا ينسون إلا شيئًا واحدًا، وهو أنا لا نعرف أمة عاشت بالعلم دون الأدب، وأنَّ حياة الأمم بالعلم وحده جحيم، نرجو أنْ يجنب الله الإنسانية شره؛ لأن فيه فناءها إلى غير رجعة، ولمن يريد هؤلاء السادة أنْ يترجم العلم! أيريدون أنْ يترجم للعلماء الذين يقرءونه في لغاته المختلفة، فهم الآن غير محتاجين إلى أنْ يترجم لهم!

أم يريدون أنْ يترجم للشعب، وماذا يصنع الشعب بالعلم حين يترجم له؟!

أيأكله أم يشربه، وهل يظن هؤلاء السادة أنَّ العلم شيء يسيغه أوساط المثقفين من أبناء الشعب، فضلًا عن الذين لم يبلغوا الثقافة المتوسطة؟ أم يريدون أنْ تترجم للشعب بسائط العلم؟ ومن الذي يمنعهم من أنْ يفعلوا؟ وما أكثر الذين يترجمون بسائط العلم لعامة المثقفين، ولكنا نفكر في شيء غير هذا وفي شيء بعيد عن هذا كل البُعد.

نفكر أنْ نترجم أصول الأدب والثقافة التي دفعت الأمم إلى أنْ تحيا وترقى وتعنى بالعلم نفسه، والتي أتاحت للعلماء أنفسهم أنْ يحيوا وينتفعوا وينفعوا بعلمهم. ومن يدري أكان من الممكن أنْ يوجد العلم لو لم يسبقه الأدب إلى الوجود!

ومن يدري أكان من الممكن أنْ ينمو العلم لو لم يعاصره نمو الأدب وازدهاره!

وأغرب ما قيل في هذا الموضوع أنَّ ترجمة شكسبير شر؛ لأن شكسبير كان من الشعراء الملوكيين الذين تملقوا الملوك والأرستقراطية وازدروا الشعب، وغضوا من شأن الفقراء والبائسين. يكتب هذا الكلام في هذه الأيام، ويجد من أوساط الناس من يقرأه ويسمع له، وينتشر هذا السخف بين طبقات من الناس فتضيع قيم الأشياء، ويفسد رأي الناس وحكمهم، وكأن ثقافتنا محتاجة إلى أنْ تمتحن بهذا الضلال البعيد.

وما رأي هذا الكاتب الذي يذيع في الناس مثل هذا الكلام في أنَّ أدب الإنسانية الذي عاشت عليه هذه القرون الطوال الطوال قد كان أكثره — إنْ لم يكن كله — أدبًا نشأ في أيام الملوك والأرستقراطيات، كما نشأ العلم والفلسفة والفن في أيام الملوك والأرستقراطيات، وقُدم إلى الملوك وأشراف الناس. أيجب من أجل ذلك أنْ تصد الإنسانية عن تراثها الثقافي كله، وأنْ تبدأ تاريخها من أواخر القرن الثامن عشر حين نشر الأمريكيون والفرنسيون إعلانهم لحقوق الإنسان، وحين شاعت الديمقراطية في الناس، وحين كان الاعتراف بحق الشعوب.

يجب إذن أنْ تُحرق دور الكتب ومتاحف الفن، وأنْ تدمَّر الآثار الفنية الخالدة تدميرًا، وأنْ تعيش الإنسانية الجديدة على ما أنتجت في القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين، ولن تستطيع أنْ تعيش على ما أنتجت في هذين القرنين؛ لأنه إنما اشتُقَّ من هذا التراث الضخم الذي يبغضه هذا الكاتب، ويريد أنْ تعرض عنه الإنسانية إعراضًا.

نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله والذين يسمعون له ويجرون معه في طريقه هذه المعوجة الملتوية، أنْ يرزقه سداد الرأي ويهديه إلى الحق، ويلهمه الصواب وينطقه به، ويجري به قلمه أيضًا؛ حتى لا يفسد على الناس عقولهم بمثل هذا السخف الذي لا ينبغي أنْ يُنشر في هذه الأيام.

أما بعد؛ فإن ترجمة الثقافات الأجنبية — مهما يكن مصدرها ومهما يكن وطنها ومهما يكن لونها — واجب خطير، تقصر مصر أشنع القصور وأبشعه إذا لم تنهض به، ولم تسرع إلى النهوض به ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

تبدأ من ذلك بما تقدر عليه، وتهيئ الوسائل لتناول ما لا تقدر عليه في أقرب وقت ممكن، فإن لم تفعل فقد خانت تاريخها وسفهت نفسها وحكمت على أبنائها بأن يظلوا عيالًا على غيرهم لا يصلحون لأن يستقلوا بشيء من الأشياء.

وأنا أعيذ مصر وأبناءها من هذا الشر العظيم، وأدعو المواطنين ملحًّا عليه أشد الإلحاح أنْ يسرعوا إلى شكسبير وأشباه شكسبير من أعلام الأدب والثقافة، في كل قطر من أقطار الأرض، وفي كل جيل من أجيال الناس، قارئين ومترجمين ومفسرين وناقدين ومنتفعين بهذا كله، فهذه هي الحياة العقلية الجديرة بمصر والمصريين، والتي تحياها الأمم الراقية المتفوقة.

وأما بعد؛ فإن ترجمة العلم واجبة، وعلى العلماء وحدهم أنْ ينهضوا بها، وعلى الدولة والشعب أنْ يعيناهم على الترجمة. ومهما يكن من شيء فأبواب مصر ونوافذها يجب أنْ تُفتح على مصاريعها؛ ليدخل منها العلم والثقافة والأدب دون أنْ يحول حائل بينها وبين النفوذ إلى العقول والقلوب وأعماق الضمائر. فليتورط المصريون إذن معي في هذا الإثم العظيم، إثم الترجمة لكل ما ينفع العقل والقلب والضمير.

والفلسفة
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٤ مايو ١٩٥٥

نعم والفلسفة، أنترجمها إلى العربية كما ترجمها الأولون من العرب فغيَّروا بترجمتها طبيعة الحياة العربية، وأقاموا بفضلها هذه الحضارة الإسلامية الرائعة التي كان لها أثرها الخطير في إحياء أوروبا في القرون الوسطى … قبل أن يُتاح لها العلم المباشر بفلسفة الأولين وآدابهم وفنونهم على اختلافها؟

هذا سؤال لا يُلْقِيه المعاصرون كما ينبغي أن يُلْقى، ولا يفكرون فيه كما يجب أن يكون التفكير فيه، وإنما يَقْطَعون فيه بالرأي الحازم الجازم، ثم يهجمون برأيهم هذا في غير تحفظ ولا تثبت ولا روية؛ ليهدموا آراء غيرهم هدمًا ويدكوها دكًّا.

فالمعاصرون من كُتَّابنا محاربون يُتْقِنون أساليب الهجوم ويتفقون في المصاولة والمجاولة والمطاولة حتى حين لا يصاولهم ولا يجاولهم ولا يطاولهم أحد، ولعلَّهم إنما يهاجمون حيث لا موضع للمهاجمة، ويَصُولون ويَجُولون حيث لا موضع لصيال أو جيال، وربما كان الخير في أن يأخذوا ما يعرض لهم من الأمور أخذًا رفيقًا هيِّنًا، فيه شيء من سعة الخُلُق وسماحة النفس وسجاحة الطبع، ورجاحة الحلم. ذلك أجدر أن يهديهم ويهدي غيرهم إلى الحق، وأحرى أن يدلهم ويدل غيرهم على الصواب، ولكنهم أخذوا أنفسهم بالعنف في غير موضع للعنف والجدال في غير حاجة إلى الجدال.

والقصة كلها تنحل كما يُقال إلى عناصر ثلاثة تعمل مُجْتَمِعةً أحيانًا وتعمل متفرقة أحيانًا أخرى؛ فأحد هذه العناصر الافتتان بالألفاظ والانخداع بالظواهر؛ قوم يَرَوْن المخترعات الحديثة وما أُتِيحَ للغرب عامة ولأمريكا خاصة من التفوق في تجديد الحياة المادية التي يحياها الناس وابتكار الأدوات الرائعة والمروعة فيُبهَرون ويُسْحَرون، وقد أُلْقِيَ في روعهم أن هذه المخترعات التي تملأ الحياة دعة وسعة، والتي تعرض الحياة للموت والفناء، إنما مَرَدُّها إلى تقدُّم العلم ورُقِيِّه فيدعون مُسْرِعين إلى ترجمة العلم، لا يتحفظون ولا يتثبتون ولا يسألون أنفسهم كيف تكون ترجمة العلم، ولمن تكون ولماذا تكون، ومن الذين سينتفعون بهذه الترجمة؟ … وما عسى أن يكون أثر هذه الترجمة في تمكين العرب خاصة والشرقيين عامة من المشاركة في الاختراع، والابتكار، وتجديد الحياة، وتعريضها للهول والفناء؟

وثاني هذه العناصر ما أَلِف الناسُ في هذه البلاد مِنْ تَعَصُّبِ كل امرئ لِمَا يُحْسِن ولِمَا يظن أنه يُحْسِن، فالمؤرخ لا يعدل بالتاريخ علمًا، والفيلسوف لا يعدل بالفلسفة شيئًا، والرياضي يرى الرياضة أول العلم وآخره، والأديب يرى الأدب قوام الحياة!

وقد بلونا ذلك حين رأينا رجال التعليم يحاولون أن يضعوا مناهج الدرس وبرامجه للمدارس الابتدائية والثانوية، فتتعصب كل جماعة لِمَا تمارس من ألوان العلم، يريد كل فريق منهم أن يقيم التعليم ومناهجه وبرامجه على اللون الذي يفرغ له ويتخصص فيه، وينسون جميعًا أن الثقافة مزاج يجب أن يأتلف من عناصر مختلفة، وأن تعتدل فيه هذه العناصر فلا يطغى بعضها على بعض.

أما العنصر الثالث فيَسِيرٌ جدًّا؛ وهو الحرص على المشاركة في كل ظاهرة من ظواهر النشاط للظفر بنصيب قليل أو كثير من نتائج هذا النشاط، مادية كانت أو معنوية.

وقد قِيلَ للناس إن رئيس الحكومة أرصد خمسين ألفًا من الجنيهات للترجمة؛ فكل قادر على الترجمة ينبغي أن يكون له نصيب من هذه الألوف الخمسين، نصيب قليل أو كثير؛ فشيء خير مِنْ لا شيء، ومَالُ الشعب يجب أن يُرَدَّ إلى أكثر عدد ممكن من الشعب، وأُحِبُّ أن أُرِيح هؤلاء الطامعين الطامحين بالحق وبغير الحق؛ فأؤكد لهم أن رئيس الوزراء لم يضع تحت تصرُّفي ألفًا واحدًا ولا آلافًا قليلة، ولا ألوفًا كثيرة، ولم يُطْلِق يدي في مال ما لأنفقه كما أحب وأهوى، وإنما أظهر استعداده للعناية بشئون الأدب والفن والإنتاج الثقافي كله، وعَهِد إلى زميله وزير التربية والتعليم بوضع ما تقتضيه هذه العناية من نظام.

ووزير التربية والتعليم جادٌّ فيما طلب الرئيس إليه؛ فَلْيَنْتَظِرِ الطامعون والطامحون إذن، فقد يُتاح لكل واحد منهم نصيبه من هذه الألوف التي قد تبلغ الخمسين وقد تزيد عليها كثيرًا.

ولْنَعُدْ بعد ذلك إلى الذين يجادلون ويناضلون ويجاولون ويصاولون منخدعين بالألفاظ والظواهر أو متعصبين لِمَا يُحْسِنون، أو ما يظنون أنهم يُحْسِنون من ألوان المعرفة فندعوهم إلى كلمة سواء تريحهم وتريحنا وتريح الناس جميعًا من هذا الجدال العقيم الذي لا يُغْنِي عن أحد شيئًا.

فأما الذين يُحِبُّون ترجمة العلوم، فمن حقهم أن يطلبوا ذلك إلى العلماء وإلى الحكومة، وقد أُنْشِئ في مصر منذ حين مجلس البحوث العلمية، فليطلبوا إليه من ترجمة العلم ما يريدون، وليطلبوا إلى الدولة أن تُيَسِّر له ذلك، فتُعِيد النظر في نظامه وتمنحه من المال ما يمكنه من البحث وإعانة الباحثين، وما يمكنه من الترجمة وإعانة المترجمين إلى أبعد حد ممكن. فليس عليهم في مطالبة المجلس والحكومة بهذا كله حرج أو جناح؛ فهم يعيشون في وطن ناهض طامح إلى المجد حريص على أن يشارك في تنمية الحضارة الإنسانية، ومن حقهم أن يطالبوا بتوجيه هذا الطموح إلى حيث يرون الخير.

وأما الذين يطلبون ترجمة الفلسفة فمن حقهم أن يطلبوا هذه الترجمة إلى المجلس الجديد الذي تريد الحكومة إنشاءه ليقوم على رعاية الآداب والفنون والثقافة، وأظنهم لا يكرهون أن ينتظروا نشأة هذا المجلس، فإذا تمَّتْ نشأته وأخذ في عمله طلبوا إليه ما يحبون.

وأنا مؤمن أشد الإيمان وأقواه بأن ترجمة أصول الفلسفة الإنسانية ضرورة من ضرورات الحياة الراقية في كل وطن يطمح إلى الرقي ويجد في سبيله، وأنا مؤمن كذلك بأن لا أمل لوطن حي يريد أن يرقى وأن يكون لحياته حظ من خصب، لا أمل لهذا الوطن في أن يبلغ ما يريد إلا إذا عرف أصول الفلسفة الإنسانية على اختلاف مذاهبها وأوطانها.

ولكن كنت أحب لهؤلاء ألا يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بهذا الكلام الذي يُرْسَل إرسالًا في غير تحفظ ولا تثبت ولا احتياط؛ فالأولون من العرب لم يُؤْثِروا الفلسفة على الأدب حين ترجموا ما ترجموا من آثار الأولين، وإنما ترجموا ما عرفوا وما أُتِيحَ لهم أن يترجموا. ولو أنهم عرفوا الآداب اليونانية واللاتينية كما كان ينبغي أن تُعْرَف لما قصَّروا في ترجمتها.

وما أكثر السخف الذي يُقال عن غير بحث أو تحقيق! فالعرب لم يترجموا شعر هوميروس ولا شعر بندار، والعرب لم يترجموا تمثيل الشعراء التمثيليين إعراضًا منهم عن هذه الألوان من الأدب؛ لأنها كانت — فيما يزعم الزاعمون — وثنية لا تلائم الإسلام. كأن كل ما ترجموا من الفلسفة كان يلائم الإسلام ويطابقه ولا يخالفه قليلًا أو كثيرًا!

ولا أعرف مقالة أشد إمعانًا في الحمق والسخف من هذه المقالة؛ فقد ترجم العرب من فلسفة الفلاسفة ما يُخالِف الإسلامَ أشد الخلاف، لم يمنعهم ذلك من ترجمته والرد عليه، وقد وُجِد بينهم في العصور الأولى من خلب لُبَّه بعضُ الآراء الفلسفية المخالفة للدين؛ فألَّفَ في ذلك الكتب وكتب فيه المقالات ونَظَم فيه الشعر، يجاهر بذلك حين تُتاح له المجاهرة ويَسْتَخْفي بذلك حين لا يكون له بد من الاستخفاء، إنما ترك العرب ترجمة الآداب القديمة؛ لأنهم لم يعرفوها حق معرفتها وهم لم يعرفوها لأن المسيحية هي التي سبقت إلى الإعراض عنها واضطرتها إلى أن تستخفي وتختبئ حتى تُستكشَف في العصور الحديثة.

وقد كان المسيحيون كما كان المسلمون يذكرون الشعراء القصصيين والغنائيين والتمثيليين؛ لأن أسماء هؤلاء الشعراء وقعت إليهم، ولكن أولئك وهؤلاء لم يقرءوا آثار هؤلاء الشعراء؛ لأنها لم تكن شائعة ولا مألوفة عند اليونانيين في الشرق، ولا عند الذين كانوا يتكلمون اللاتينية في الغرب.

وأنا مطمئن إلى أن العرب لو عرفوا الشعر التمثيلي اليوناني جده وهزله لترجموه، ولحاولوا أن يصنعوا مثله ولحاولوا كذلك أن ينشئوا التمثيل، وأن يجعلوه فنًّا عربيًّا أصيلًا كما ترجموا الفلسفة ثم جعلوها فلسفة عربية أصيلة.

فالعرب إذن لم يتعمدوا الإعراض عن ترجمة الآداب القديمة وإنما اضطروا إلى هذا الإعراض اضطرارًا، وهَبْهم تعمَّدوا هذا الإعراض، فمَنِ الذي يستطيع أن يلزمنا أن نخطئ كما أخطأوا ونقصر كما قصروا — إن كانوا قد تورطوا في خطأ أو تقصير؟!

لِيَطْمَئِنَّ الذين يريدون ترجمة الفلسفة؛ فستُتَرْجَم الفلسفة إلى اللغة العربية ما في ذلك شك، وسيُتَرْجَم قديمها وحديثها مهما تختلف مذاهبها وأوطانها؛ لأن طبيعة الحياة المصرية الحديثة تقتضي هذه الترجمة وتفرضها فرضًا، وفيمَ هذه الخصومة كلها أو فيمَ كل هذا اللغو الذي لا ينفع ولا يفيد؟!

لقد قُلْتُ في حديث مضى إن الناس جميعًا لا يستطيعون أن يقرءوا العلم، ولا أن يصبحوا بحكم هذه القراءة علماء، وإن العلماء يُحْسِنون اللغات الأجنبية ويقرءون فيها علمهم وهم ليسوا في حاجة إلى أن يُتَرْجَم لهم، وأقول مثل هذا بالقياس إلى الفلسفة فليس كل الناس يستطيع أن يسيغ فلسفة ديكارت، وكانت، وأوجست كونت، وأمثالهم من أعلام الفلسفة في العصور القديمة والحديثة، وإنما يسيغها وينتفع بها الذين يقرءون لها من الأساتذة والطلاب وأصحاب الثقافة العليا.

وكل هؤلاء يُحْسِن لغة أو غير لغة أجنبية، فترجمة العلم والفلسفة تستطيع أن تنتظر قليلًا حتى تُهَيَّأ لها الوسائل المادية والفنية وليس في انتظارها ضرر قليل أو كثير، ولا أعرف أحدًا يستطيع أن يجادل في أن قُرَّاء الأدب والمنتفعين به والحريصين عليه أكثر جدًّا من قُرَّاء العلم والفلسفة، وأنا حين أفكر في هذه الأشياء لا أفكر في مصر وحدها، وإنما أفكر في البلاد العربية كلها، وأفكر في كل الذين يتخذون اللغة العربية وسيلة إلى الثقافة وإلى الثقافة العليا خاصة، وأنا لا أحاول ترجمة شكسبير وغيره من أعلام الأدب والثقافة باسم الحكومة المصرية، وإنما أحاول ذلك باسم الجامعة العربية التي تعمل للعالم العربي كله.

فليس بأس إذن من أن نبدأ بما ينفع أضخم عدد ممكن من العرب، وأن ننتظر قليلًا بما ينفع الخاصة حتى يُتاح لنا من الأسباب ما يمكننا من أن نترجم للخاصة وللكثرة معًا، ولن يطول هذا الانتظار؛ فالحكومة معنية بهذا الأمر جادَّة فيه كما لم تُعْنَ به ولم تجدَّ فيه حكومة أخرى مِنْ قَبْلِها.

فالذين يخلصون للعلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين، والذين يحرصون على أن يكون لهم نصيب من النشاط في ترجمة العلم والفلسفة يستطيعون أن ينتظروا مطمئنين أيضًا، والذين يطمعون في أن يأخذوا بحظوظهم من الألوف الخمسين أو الستين أو من مئات الألوف يستطيعون كذلك أن ينتظروا مطمئنين، فإذا كانوا لا يحبون الانتظار ولا يريدون إلا العجلة فليوجهوا إلحاحهم وتعجلهم إلى رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم لا إليَّ أنا؛ فلستُ أَمْلِك من هذه الألوف الكثيرة أو القليلة شيئًا، ولو قد ملكتُ منها شيئًا لملأت عليهم الأرض علمًا وفلسفة وأدبًا وفنًّا، ولا أكرهتهم على أن يطالبوني بشيء من الريث والأناة لكثرة ما أفرض عليهم من الجد والجهد والنشاط.

أما بعد، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَها فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلِجَا

وأي تقدير للخطر أوجب من تقدير الوسائل المادية والفنية التي تتيح لنا الترجمة في غير تعرض لزلل أو لخلل أو توقف في أثناء الطريق؟!

أدبنا العربي أدب عالمي …
من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
طه حسين
مجلة الهلال
مارس ١٩٥٧

عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.

ما هو الأدب العالمي؟
أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟

أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.

فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.

ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.

الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.

فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟

وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.

الأدب العربي القديم عالمي
فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.

هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.

وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.

وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.

فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.

وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.

وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.

لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.

وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.

أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.

وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.

وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.

تفوق اللغة العربية
أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.

فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.

ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.

والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.

وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.

أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.

وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.

ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.

الغرب مدين للثقافة العربية
ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.

كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.

مزاعم وأخطاء
بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.

يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.

واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.

والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.

والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.

الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.

والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.

وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.

أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …

أدبنا الحديث أدب عالمي
أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟

من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.

هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.

أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.

وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

يجب أن نكون عربًا
وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.

هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.

يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.

برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …

أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …

مقاومة الغرب لنا
إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.

وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.

وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.

يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.

رسالة القصة في الوحدة العربية: للثورة أثرها في تطوير القصة
طه حسين
مجلة الهلال
مايو ١٩٥٨

لا شك أنني راضٍ عن القصة العربية بشرط أن تكون دائمًا باللغة الفصحى؛ حتى لا نحاول أن نترجمها إذا أردنا نقلها إلى البلاد العربية الأخرى التي بدأنا نتوحد معها، ونتداخل وإياها في كل شيء.

أما واجب الأديب المصري أو العربي بالمفهوم والمنطوق الجديد؛ فهو أنه إن استطاع طاف في الأرض بجسمه وعقله وذوقه، فإن لم تواته الفرصة فلا أقل من أن يقرأ إنتاج أكبر عدد ممكن من الشعوب.

وأما واجب الحكومات، فهو أن تفتح لأبنائها أبواب الثقافة ونوافذها على مصاريعها، وأن لا تسمح بأن تحتكرها لغة أو لغتان. ويكفي أن أقول: إني لقيت ذات يوم مستشرقًا إنجليزيًّا فسألته: كم يجيد من اللغات؟ فقال في تواضع: إنه يقرأ ستَّ عشرةَ لُغةً، ويُحسِن التكلُّم بالإنجليزية بعض الشيء.

وإذن فأول واجبات الحكومات أن تبذل كل جهد لتنظيم العلاقات الثقافية، ليس بينها وبين شقيقاتها العربية فحسب، ولكن بينها وبين كل البلاد، وعلى الأقل البلاد الشرقية في آسيا وأفريقيا.

ومما لا شك فيه أنه كان للثورة أثر كبير في تطوير القصة تطويرًا جديدًا يربطها بالأهداف العربية التي نتجه إليها جميعًا بأفئدتنا وقلوبنا، مُتعجِّلين الخطوات العزيزة التي تتأكد بها وحدة العالم العربي كله قاصيه ودانيه.

شعر الرعاة
طه حسين
؟؟
٧ مايو ١٩٥٨

إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.

هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.

ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.

والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.

هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.

وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.

ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.

على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.

لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.

وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.

ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.

والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.

ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.

ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.

وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.

ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.

وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.

وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.

فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.

ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.

قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٥٩

الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشدَّ الاختلاف، قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب. ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنما الذي استطاع أن يؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة وأنشدها في نادٍ من الأندية، فَهِمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم أو لغاتهم الخاصة، ثم لم يكتفوا بفهمها، وإنما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر. وكانت القصيدة لا تكاد تُنشَد حتى تَشِيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأول توحيد للعقل العربي إنما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر. فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية، إنما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنه هو الذي سبق إلى الوجود، ولم يوجد أخوه النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.

مَتَى تكونت القومية العربية؟ والقومية العربية، إذا أردنا أن نَعْرِف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا، إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلُّون من أصحابه، وجعل الأقلون يَكْثُرُون شيئًا فشيئًا؛ حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أول مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق: أول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ. ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأني لا أكاد أعرف من حضارتها ونظمها شيئًا، وإنما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، هي مدينة «يثرب» بعد أن هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش». ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها — من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطَّفها العرب من حولها، لولا أن الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر، ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنَظِّمون والمنَظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنما هم خَدَم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم. وبعد أن أتم النبيُّ توحيدَ الأمة العربية ونَهَضَ خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو التي تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يُقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به؛ وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثَّروا إلى حد ما بسياسة الفرس، الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام وحماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق. ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعربة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.

انتصار القومية العربية هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين؛ في الشام وفي العراق، ولكنها لم تقف عند هذا الحد؛ وإنما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي أفريقية. واستقرَّت العروبة في شمالي أفريقية بعد خطوب شداد، ثم تجاوزت أفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في أفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند … منذ ذلك اليوم تعقَّدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالصًا لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن؛ وإنما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنها عندما استقرَّت في هذه البلاد التي افتتحتها، وحاولت أن تستقر فيها عندما أُتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتف بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة، أو في العراق حكومة متسلطة، أو في بلاد الفرس كذلك. لم تكتف بامتلاك الأرض، ولم تكتف بإخضاع الناس للسلطان؛ لأنها لم تكن تريد أن تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع الناس بسيطرة سياسية فحسب، وإنما كانت غايتها — قبل كل شيء — أن تملك القلوب، وأن تسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف، وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان. فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يسلم عن رضًا، أو أداء الجزية. وفي نصف القرن الأول — أي قبل أن يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم أو في جزيرة العرب نفسها. ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم. ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنما هي — قبل كل شيء — في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين. ومعنى هذا خطير كل الخطورة، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية. وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.

قوة اللغة العربية وننظر في أواخر القرن الثاني، فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية؛ فالفرس يتكلَّمون العربية ويكتبونها، ويُزاحِمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق، عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح الناس يتكلَّمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا. وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد، فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب. ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أن الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد، لم يكن منهم شاعر عربي خالص؛ كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا. لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي. وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة. ولكنها لم تستطع أن تمحو هذه اللغات الوطنية، فظل المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وظل أهل الشام يتكلَّمون لغتهم السامية الآرامية، وظل أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا، ولكنها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي أفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا. كل هذا إن دل على شيء فإنما يدلُّ على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقَّق أن البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان؛ وإنما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانية، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كَوَّنَهَا الإسلام وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.

سماحة القومية العربية وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى؛ قبلت الفرس والهند واليونان، وقبلت كثيرًا جدًّا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به دون الإنسانية المتحضرة، ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثَّرت بثقافاتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثِّر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثَّرت بشعرها أيضًا، وهي التي علَّمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا. هذه هي القومية العربية، كوَّنها — أو حاول تكوينها — الشعر أول الأمر، ثم كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلَّت مكان الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أن عَدَتْ عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألح عليها التُّرْك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطُرَّت إلى الخمول وإلى الضعف؛ ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفِظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلت محتفظة بهذا كله، وقد عَرَضَتْ لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت — وستظل — واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.

فضل الأدباء وإن كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها؛ فالفضل في هذا كله إنما يرجع إلى الأدب وإلى الأدب وحده. ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنها التقتْ بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها … كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها. اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدة، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا؛ فجعلت تتعلَّم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت أن لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين، نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية، ومَن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة وينشرونها، ويتعلَّمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يُذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة. ومَن هؤلاء القوم؟ ومَن هؤلاء الناس؟ إنهم هم طليعة الأدباء المعاصرين.

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading