Author: Hassan El-Zayyat

  • أيام التردد | Days of Indecision

    مفاوضة
    ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
    والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
    نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
    وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
    كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
    وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
    وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
    ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
    وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
    كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.

    استقبال
    لم تشهد مصر مثله قبل اليوم، ولن تشهد مصر مثله بعد اليوم. سيكون هذا في حياة مصر شاذًا في تاريخها مهما يطل ومهما تبعد به العهود، لأن رئيس الوزراء الذي ستستقبله مصر اليوم رجل فذ بين المصريين، بل بين الشرقيين، لم تعرف مصر ولا الشرق مثله قديمًا، ولن تعرف مصر ولا الشرق مثله حديثًا.
    ومتى رأى الناس مريضًا يحكم حكم الأصحاء، وضعيفًا يحكم حكم الأقوياء، وبعيدًا يحكم حكم القريبين؟ ومتى رأى الناس وزيرًا يقنع الفقير المعسر بأنه غني موسر، والجائع المحروم بأنه مكتظ متخوم، والخائف الجازع بأنه آمن وادع، والمستعبد المستذل بأنه حر مستقل؟ بل متى رأى الناس في العصور القديمة والحديثة ساحرًا كرئيس الوزراء قد خلب القلوب والعقول، وسحر الأفئدة والنفوس فلم يصلح شيئًا، وأقنع الناس جميعًا بأنه أصلح كل شيء؟
    وحياة الناس لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على الوهم، فهم سعداء، وهم راضون متى خيلت إليهم ذلك، وأقنعتهم به، وسواء عليهم بعد هذا أكانوا سعداء في حقيقة الأمر أم لم يكونوا. وقد نجح رئيس الوزراء نجاحًا باهرًا، ووفق رئيس الوزراء توفيقًا عظيمًا؛ فليس في مصر الآن من يحس جوعًا ولا ظمأ، وليس في مصر الآن من يشكو فقرًا ولا عسرًا، وليس في مصر الآن من يخاف ظلمًا ولا عدوانًا، وإنما الناس جميعًا سكارى وما هم بسكارى، قد سحرهم رئيس الوزراء عن حقائق الأشياء فقنعوا ورضوا، ثم ملكهم الإعجاب وازدهاهم الإكبار، فإذا هم لا يرون لمصر إلا منقذًا واحدًا، هو رئيس الوزراء. وإذا قلوبهم كلها تلتف من حوله، ونفوسهم كلها تطيف به، وأشخاصهم كلها تهرع إليه. وإذا هو سيصل إلى الإسكندرية مساء اليوم فيرى معجزة من هذه المعجزات التي تعود أن يراها حتى هانت عليه وصغرت في نفسه، وأصبح لا يقيم لها وزنًا ولا يحسب لها حسابًا.
    سيرى خمسة عشر مليونًا من المصريين قد خفوا جميعًا لاستقباله والاحتفال به، لم يتخلف منهم شيخ فان، ولا صبي ضعيف، ولا طفل رضيع، لم يقعد منهم رجل ولا امرأة، وإنما احتشدوا له من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ووسعتهم كلهم مدينة الإسكندرية، بل وسعهم كلهم هذا المكان الضيق الضئيل الذي سترسو فيه السفينة، وستشرق فيه الشمس من مغربها حين يطلع على الناس رئيس الوزراء.
    لو حدث بعض هذه المعجزة، خمسها أو عشرها أو دون ذلك، لأعظم الناس قدرًا، وأجل الناس خطرًا، وأرفع الناس شأنًا، وأبعد الناس ذكرًا، لفتنه واستهوى قلبه، وتجاوز به حد الرزانة والحلم والاعتدال، ولكن رئيس الوزراء لا يفتنه ذلك ولا يزدهيه أكثر من ذلك، فهو قد بلي ذلك كله، حلوه ومره، حتى عرفه فأحسن معرفته، وحتى ضاق به وزهد فيه. فسيشرف رئيس الوزراء إذن مساء اليوم على هذه الأمة المكرمة له، الفانية فيه، ثم يلقي عليها نظرة زاهدة، فيها شيء من الملل والسأم، وفيها شيء من التفضل والتعطف، ثم يشير رئيس الوزراء بإحدى أصابعه إلى هذه الأمة أن انصرفي مشكورة مأجورة، فقد نهضت بالحق لأهله، وأديت ما عليك، فعودي إلى ما أنت فيه من عيشة راضية، ونعمة سابغة، وصفاء مقيم، رخاء لا يريم، وابتسام للحياة.
    ثم يلقى ستار، ويرفع ستار؛ فأما الستار الأول فسيلقى على هذه الفصول الفكاهية التي لم تمثل لمصر وحدها، وإنما مثلت لمصر ولفرنسا وللعالم كله، حينًا في «فرساي» وحينًا في الإسكندرية، وحينًا في محطة من محطات «باريس»، والتي ألهت الناس وأضحكتهم في مصر وفي غير مصر منذ أسبوع. فقد رأى الناس أن الوزارة القائمة كانت قوية ثابتة، ولكنها عرضة للتعديل صباح الثلاثاء، ثم رأى الناس أن الوزارة قد تستقيل مساء الثلاثاء، ثم رأى الناس أخذًا وردًا، وتهاونًا وشدًّا، ومفاوضات يخفق بها البرق ويتموج بها الهواء، ثم رأى الناس قوة على مصر فيها إنذار بالاستقالة، وضعفًا أمام الإنجليز فيه استعطاف واستجداء، ثم رأى الناس تعجلًا لتحديد الموعد الذي يتشرف فيه رئيس الوزراء بالمقابلة الملكية، ثم انتظر الناس ونشر لهم برنامج مفصل للاستقبال والاحتفال والمقابلة، ثم فجأة أعلن انفراج الأزمة باعتزال الحكم أو البقاء فيه. على هذا كله سيلقى الستار الأول.
    أما الستار الثاني فسيرفع عن جد قد يكون خالصًا، وقد يكون مشوبًا بالفكاهة؛ فقد غير البرنامج تغييرًا فجائيًا، ترى في غير هذا المكان، وظهر أن المقابلة الملكية قد تكون بعد ظهر اليوم، وظهر أن السفينة استطاعت أن تزيد سرعتها وأن تقدم وصولها إلى الثغر، وظهر أن الأمر أجلُّ شأنًا وأعظم خطرًا مما كان يظن، وأن الذين إليهم الأمر لا يريدون أن يطاولوا في وضع حد لهذه الأزمة التي مهما يكن حظها من الفكاهة فإنها لا تخلو من خطر لما تثير في نفوس الناس من العواطف المختلفة والميول المتناقضة، ولما قد تحدثه هذه العواطف والميول من أثر في حياة الناس. وإذن فسيبدأ القسم الجدي من هذه القصة منذ اليوم إن سمحت بذلك صحة رئيس الوزراء، وسيتبين المصريون بعد وقت قصير أمر هذا الحديث الطويل الذي أثاره رئيس الوزراء منذ أسبوع: أكان جدًّا أم هزلًا؟ أكان إقدامًا أم إحجامًا؟ أم كان فنًّا من فنون المداورة؟ ولونًا من ألوان الاختبار؟ وسواء أصمم «صدقي باشا» على الاستقالة أم عدل عنها، وسواء أقبلت الاستقالة أم لم تقبل، فإن هناك حقيقة واقعة قد ظهرت كأوضح ما تظهر الحقائق الواقعة، ولم تدع لأحد قدرة على أن يلقاها بقليل من الشك أو كثير. وهذه الحقيقة الواقعة الساطعة هي أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن هذه الوزارة القائمة قد تستقيل.
    كما أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن المندوب السامي قد نُقل. ومعنى هذا الابتهاج لهذين الحدثين أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — ضيقة أشد الضيق بسياسة هذا العهد، منكرة أشد الإنكار لهذه السياسة، حريصة أشد الحرص على أن تخلص منها، وعلى أن ترى الذين أقاموها وقد حيل بينهم وبين الحياة العامة وتصريف شؤونها. وقد تفهم إرادة الأمة هذه على وجهها، وقد لا تفهم، وقد يحال بين «صدقي باشا» وبين الحكم، كما حيل بين «السير برسي لورين» وبين تمثيل الإنجليز في مصر، وقد لا يحال، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن إرادة الأمة هذه واضحة جلية، وأن لها قيمتها وخطرها، وأنها إن أهملت اليوم كما أهملت منذ ثلاثة أعوام فإن هذا الإهمال لن يغني ولن يفيد، كما أن إهمال إرادة الأمة منذ ثلاثة أعوام لم يغن ولم يفد.
    ومهما تكن النتيجة التي ستتكشف عنها الحوادث اليوم أو غدًا فإن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا مراء هو أن المصريين قد أظهروا اليوم كما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، بل أكثر مما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، وسيظهرون غدًا أكثر مما يظهرون اليوم، أنهم لا يرضون — مهما تكن الظروف والخطوب — أن يحكموا على غير ما يريدون، وأن يساسوا بغير ما يحبون، أو يُقضى في أمرهم وهم غائبون، أو يتخذوا وسيلة إلى مناصب الحكم وما يتصل بها من الجاه والسلطان، وأنواع المغانم والمآرب القريبة أو البعيدة.
    إنما يريدون اليوم، كما أرادوا من قبل وسيريدون دائمًا، أن تُرَدَّ أمورهم إليهم، وأن يحكموا هم لمصالحهم، لا لمصالح الأجانب مهما يكونوا، ولا لمصالح قلة مصرية مهما تكن. فإذا فُهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن أمور مصر ستجري على أحسن حال، وإذ لم يُفهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن المصاعب ستزداد، وفي أن المشكلات ستضاف إلى مشكلات، وفي أن الكوارث التي أخذت تطيف بهذا البلد، والتي تدنو منه في غير أناة ولا تمهل، ستُلِمُّ في يوم قريب فلا تجد لها مصر دفعًا ولا ردًّا، وستكون آثار الكوارث شاملة لا تؤثر فريقًا دون فريق، ولا تصيب الظالمين خاصة، وإنما تُُلِمُّ بالمسيء والبريء. والله قادر على أن يلهم الناس من أمرهم رشدًا، وعلى أن يبين للناس أن سياسة الاستئثار وتسخير الشعوب لنفر قليل قد مضى عليها الزمن، وأصبحت شيئًا لا ينتج خيرًا ما، ولكنه ينتج شرًّا كثيرًا.
    [1] كوكب الشرق في ٥-٩-١٩٣٣.

    حلول
    لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
    تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
    على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
    ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
    فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
    وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
    هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
    على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
    الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
    والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
    ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
    ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
    ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
    كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣

    تأجيل
    وخرج النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
    كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
    ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
    وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
    كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
    هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
    فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
    والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
    فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
    فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
    يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
    نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
    [1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.

  • ثلاثة عقود من المعركة نفسها: معلمو مصر | Three Decades of the Same Fight: Egypt’s Teachers

    التعليم الأولي
    في وزارة المعارف
    يجب أن نحمد الله. فقد أصبحت وزارة المعارف تشعر بأن من الحق عليها أن تحفل ولو قليلاً بنقد الناقدين، وتؤبه ولو قليلاً لنصح الناصحين. فلعلك تذكر إنا كتبنا منذ أيام ننقد الطريقة التي اتخذتها الوزارة في تأليف اللجان التي أُلّفتها لإصلاح التعليم، وقد نقدنا هذه الطريقة من وجوه مختلفة، نقدنا خلوها من المعلمين الذين هم أقدر الناس على فهم التعليم ثم على صلاحه، ونقدنا احتكار هذه اللجان للموظفين في وزارة المعارف حين تقتضي المنفعة أن يشترك في هذه اللجان الأكفاء من وزارة المعارف وغيرها من وزارات الحكومة بل من موظفي الحكومة وغيرهم من الذين يُعْنَوْنَ بالتعليم من المصريين بل من أكفاء المصريين والأجانب بنوع عام.
    نقدنا هذه الطريقة من هذين الوجهين ومن غيرهما، ويسرنا الآن أن وزارة المعارف قد نشرت أو وعدت بأن تنشر على الناس قراراً فيه تأليف لجنة للنظر في تعميم التعليم الأولي أو للنظر في المشروع الذي كان قد وُضع لهذا التعميم. وقد قرأنا أسماء الأعضاء الذين تتألف منهم هذه اللجنة. فيجب أن نلاحظ مسرورين أن هذه اللجنة ليست محتكرة للموظفين في وزارة المعارف، بل هي شائعة بين الموظفين في هذه الوزارة وبين الموظفين في غيرها من الوزارات، بل فيها شخصان ليسوا موظفين في الحكومة أحدهما أستاذ في الجامعة والآخر من رجال المحاماة. هذه خطوة قصيرة ولكنها خطوة إلى العدول عن الاحتكار، وقد يحسن أن نلاحظ أن هذه الخطوة القصيرة ليست جديدة فإن اللجنة التي أُلّفت لدرس تعميم التعليم الأولي ووضع مشروعه في سنة ١٩١٧ لم تكن مقصورة على رجال المعارف وإنما كانت تتعداهم إلى غيرهم فكان فيهم المديرون وكان فيهم قوم آخر من يعملون في غير وزارة المعارف. الخطوة إذن قصيرة وهي غير جديدة ولكن ذلك لا يمنع أن نقدرها ونعترف بأن فيها شيئاً من الخير. فيها شيءٌ من الخير. وليس فيها الخير كله، لأن هذه اللجنة التي تتألف من قوم أكثرهم كفء شديد الذكاء قادر كل القدرة على فهم التعليم والتصرف فيه تنقصها مع ذلك أمور كثيرة ويتعرض تأليفها للنقد من وجوه عدة.

    فهي قبل كل شيء تخلو من المعلمين. تخلو منهم خلوّاً تاماً. فليس فيها إلا أستاذ واحد هو الأستاذ الدكتور علي العنان الأستاذ بالجامعة المصرية، وهو على كفايته وحسن اختيار الوزارة له يمثل التعليم العالي من جهة والتعليم الحر من جهة أخرى، هو أستاذ في الجامعة لا في مدرسة من مدارس المعلمين الأولين ولا في مدرسة أولية، وهو أستاذ في معهد حر فأساتذة وزارة المعارف جميعها سواء منهم أساتذة التعليم الأولي على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأساتذة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي قد عُدِلَ عنهم عندما أُلّفت هذه اللجنة كأنهم لا يستطيعون أن يشيروا إلى الخير أو أن ينفعوا في وضع نظام لتعميم التعليم الأولي على طريقة نافعة منتجة في أقرب وقت عُدِلَ عن هؤلاء المعلمين واستغنى عنهم بطائفة من الموظفين في وزارة المعارف لا نشك في كفاية أكثرهم وأظننا لا نشك في أن المعلمين الذين يباشرون التعليم بالفعل ويبلون حلوه ومره ويعرفون بواسطة الحياة نعمه ما فيه من وجوه النقص وما يحتاج إليه من ضروب الإصلاح هم أقدر على العمل النافع في هذه اللجنة من غيرهم، فلم يكن بُدّ من اشتراكهم في هذا العمل الجليل.

    عُدِلَ إذن عن المعلمين وليس يعنينا أن نبحث عن الأسباب المعقولة أو غير المعقولة التي اضطرت وزارة المعارف إلى أن تعدل عن المعلمين، ولكن لنا أن نقول أن تأليف هذه اللجنة ليس أمراً مقضياً وأن من الممكن بل من الواجب أن تعيد وزارة المعارف النظر في هذا التأليف وأن تضم إلى هذه اللجنة نفراً من المعلمين. ففي هذا الخير للمشروع في نفسه، في هذا رد الحق إلى أهله وإنصاف معنوي للمعلمين إذا لم يكن إلى إنصافهم المادي من سبيل، بل هناك شيء آخر، هناك كفايات في وزارة المعارف عُنيت بالتعليم الأولي عناية عملية منتجة وأظهرت في هذه العناية مقدرة وحسن بلاء، ولسنا نريد أن نسمي هذه الكفايات فوزارة المعارف تعرفها حق المعرفة، وهي تعلم أن العدول عنها لا يلائم منفعة التعليم الأولي. فمن الواجب على وزارة المعارف ألا تهمل هذه الكفايات وأن تضمها إلى الجماعة التي تتألف منها اللجنة.

    ثم هناك شيء آخر وهو أن وزارة المعارف أرادت أن تشترك في هذه اللجنة قوماً ليسوا من رجال المعارف فأحسنت الاختيار حيناً وساءته حيناً آخر وضمت إلى هذه اللجنة من لا يعرف من أين يؤكل التعليم أو من أين يشرب ومن لا ينبغي أن يلجأ إليه في مثل هذه المسائل ذات الخطر الفني الخاص.

    أذكرتنا بذلك شيئاً وقع في الأزهر الشريف عند أول عهده بالإصلاح الجديد بعد أن تركه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فقد وُكِلَ نظام الإصلاح الجديد في يوم من الأيام درس الإملاء إلى أستاذ من أساتذة الأزهر مكفوف لم يكتب قط ولم يقرأ قط. كذلك فعلت وزارة المعارف فضمت إلى لجنة فنية لإصلاح التعليم من ليست له بالتعليم صلة إلا أنه متعلم يقرأ ويكتب، وهذا شيءٌ وإصلاح التعليم شيءٌ آخر.

    ثم هناك أمور أخرى يجب أن نلفت الوزارة إليها، منها أن الاستقلال لا يستلزم الاحتكار، وإنما يستلزم العمل في سبيل الخير والمنفعة بعزيمة وحسن بصر في الأمور. وليس من شك في أن الأجانب أكفاء قادرون على فهم التعليم وعلى المشورة النافعة في إصلاح التعليم، ولم تلجأ وزارة المعارف إلى الأجانب في تأليف لجنتها هذه، وإنما ضمت إليها المستر روب وهو من موظفي المعارف وضمت إليها إنجليزياً مفتشاً في مصلحة من مصالح المباني. وكنا نحب أن تستعين وزارة المعارف برجال التعليم الحر من الأجانب المقيمين في مصر. فللفرنسيين بعثات دينية ومدنية تشتغل بالتعليم على اختلاف منازله، وللإيطاليين كذلك بعثات تشتغل بالتعليم، وقل مثل ذلك في الإنجليز وقل مثل ذلك في الأمريكيين. وليس من جدال في أن المشرفين على هذه البعثات الأجنبية المختلفة أكفاء إن لم تنفع آراؤهم فلن تضر. ويقيننا أنها ستنفع كثيراً. فهم بهذا التعليم في بلادهم وفي بلادنا خبرة قد نأسف بأنها لا تتاح لرجال التعليم المصريين. وإذن فما الذي يمنع وزارة المعارف أن تضم نفراً من هؤلاء العلماء الأخصائيين لجنتها؟

    وجملة ما نقول إنا نقترح على وزارة المعارف أن تعيد النظر في تأليف هذه اللجنة فتضم إليها نفراً من المعلمين أولاً، وتضم إليها هذه الكفايات التي أُهملت في وزارة المعارف ثانياً، وتحسن اختيار من تضمهم إلى اللجنة من غير رجال التعليم ثالثاً، ثم تضم إلى اللجنة نفراً من الأجانب المشتغلين بالتعليم في مصر رابعاً. فهي إن تفعل ذلك تَدْنُ من الخير والمنفعة. وسواء أسمعت لنا وزارة المعارف أم لم تسمع فنحن مغتبطون بتأليف هذه اللجنة. وسندرس مشروع التعليم الأولي الذي كلفت اللجنة درسه وننشر آراءنا في هذا المشروع. ويقيننا أن هذه اللجنة ستقدر نقد الناقدين خيراً مما تقدره وزارة المعارف.
    طه حسين
    السياسة، ٥ أغسطس ١٩٢٣.

    في وِزَارَةِ المَعَارِفِ
    العَبَثُ بِالعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالمُعَلِّمِينَ
    نَكْتُبُ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لِأَنَّنَا نَنْتَظِرُ الخَيْرَ العَاجِلَ مِمَّا نَكْتُبُ، فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ العَاجِلِ، مُقْتَنِعُونَ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا قَدْ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلَ وَأَنَّ الأَرْضَ قَدْ تَنْدَكَّ مِنْ حَوْلِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ دُونَ أَنْ تَشْعُرَ وِزَارَةُ المَعَارِفِ بِشَيْءٍ أَوْ تَحْفِلَ بِشَيْءٍ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. ذَلِكَ لِأَنَّ وَزِيرَ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ بِهَذِهِ الحَوَادِثِ الجِسَامِ وَالنَّكَبَاتِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَنَالُ مِصْرَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ، هُوَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِي شُغْلٍ بِمَا يُدَبَّرُ فِي مَجْلِسِ الوُزَرَاءِ مِنْ تَصْمِيمَاتٍ وَتَعْوِيضَاتٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ إِلَى آخِرِ هَذِهِ القَوَانِينِ المُخْتَلِفَةِ، هُوَ فِي شُغْلٍ بِالسِّيَاسَةِ عَنِ التَّعْلِيمِ. وَلَسْتُ أَقُولُ هَذَا مُتَحَلِّلًا لَهُ أَوْ مُتَكَلِّفًا إِيَّاهُ، وَلَكِنِّي أَذْكُرُ إِنِّي تَحَدَّثْتُ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ فِي مُرَاقَبَةِ المَدَارِسِ الحُرَّةِ أَجَابَنِي بِأَنَّ هَذَا خَيْرٌ وَأَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ، وَلَكِنَّ الوِزَارَةَ الآنَ فِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا كُلِّهِ… وَأَذْكُرُ إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ فَطِنًا وَلَا حُسْنَ الرِّعَايَةِ لِمُقْتَضَى الحَالِ… فَسَأَلْتُ وَزِيرَ المَعَارِفِ: وَمَا شَأْنُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ فِيمَا يَقَعُ فِي مِصْرَ مِمَّا لَا يَمَسُّ التَّعْلِيمَ؟ فَأَجَابَنِي الوَزِيرُ فِي لُطْفٍ وَسُخْرِيَةٍ وَشَيْءٍ مِنَ الغَضَبِ قَلِيلٍ: أَظُنُّ أَنَّ لِوَزِيرِ المَعَارِفِ صِلَةً بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ!
    نَعَمْ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا فِي هَذَا الجَوَابِ. فَلَهُ صِلَةٌ بِمَجْلِسِ الوُزَرَاءِ لِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَمَجْلِسُ الوُزَرَاءِ فِي شُغْلٍ عَنِ التَّعْلِيمِ وَمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيمَ بِأَشْيَاءَ أُخْرَى لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِينَ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا تُوَجِّهُ أَمْوَالَ الدَّوْلَةِ إِلَى وَجْهٍ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَفِيدَ بِهِ التَّعْلِيمُ. كَانَ وَزِيرُ المَعَارِفِ مُحِقًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا أَيْضًا. فَلَيْسَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ مَحْصُورَةً فِي شَخْصِ الوَزِيرِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الفَنِّيُّونَ وَالمُشْرِفُونَ وَالمُدِيرُونَ لِأُمُورِ التَّعْلِيمِ. وَهَؤُلَاءِ مَقْصُورَةٌ جُهُودُهُمْ عَلَى التَّعْلِيمِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنْهُ بِالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ وَأَخْطَارِهَا. فَإِذَا شُغِلَ وَزِيرُ المَعَارِفِ عَنِ التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ لِرِجَالِ المَعَارِفِ أَنْ يَنْشَغِلُوا عَنِ التَّعْلِيمِ. وَفِي الحَقِّ أَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ لَيْسُوا مَشْغُولِينَ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ، وَيُفَكِّرُونَ فِيهِ، وَيَعْمَلُونَ لَهُ، وَلَكِنَّ الرَّحَى فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ تَدُورُ إِلَى الشِّمَالِ لَا إِلَى اليَمِينِ، فَتَسْمَعُ لَهَا جَعْجَعَةً وَلَا تَرَى طَحْنًا. نَعَمْ، رِجَالُ المَعَارِفِ يَشْتَغِلُونَ بِالتَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ. لِأَنَّ رِجَالَ المَعَارِفِ قَدْ أُخِذُوا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العَمَلِ وَالتَّفْكِيرِ، هُمْ عَاجِزُونَ عَنْ أَنْ يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى غَيْرِهِ. قَدْ أَلِفُوا سِيَاسَةً تَعْلِيمِيَّةً خَاصَّةً وَضَعَهَا «دَنلُوب»، فَلَيْسَ مِنَ اليَسِيرِ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَيْسَ مِنَ المُتَاحِ لَهُمْ، أَنْ يَتَبَدَّلُوا مِنْ هَذِهِ السِّيَاسَةِ سِيَاسَةً أُخْرَى، مَهْمَا تَتَبَدَّلِ الظُّرُوفُ وَتَتَغَيَّرِ الأَحْوَالُ، وَمَهْمَا يَقْتَضِ اسْتِقْلَالُ مِصْرَ وَدُسْتُورُ مِصْرَ أَنْ يَقُومَ التَّعْلِيمُ عَلَى أَسَاسِ الاسْتِقْلَالِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ الاسْتِعْمَارِ وَالاسْتِبْدَادِ.
    وَزِيرُ المَعَارِفِ مَشْغُولٌ عَنِ التَّعْلِيمِ، وَرِجَالُ المَعَارِفِ قَاصِرُونَ عَنْ أَنْ يَفْهَمُوا التَّعْلِيمَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ الآنَ. وَإِذًا فَنَحْنُ يَائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ نُطَالِبُ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ وَتَنْظِيمَ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. نَحْنُ يَائِسُونَ مِنْ هَذَا الخَيْرِ، وَلَكِنَّنَا نَرْجُو خَيْرًا كَثِيرًا مِنَ البَرْلَمَانِ. فَسَتُعْرَضُ عَلَى البَرْلَمَانِ أُمُورُ وِزَارَةِ المَعَارِفِ جَلِيلُهَا وَدَقِيقُهَا، وَسَيَشْعُرُ البَرْلَمَانُ بِمَا بَيْنَ هَذِهِ الوِزَارَةِ وَبَيْنَ آمالِ الأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلِهَا مِنَ البَوْنِ الشَّاسِعِ وَالبُعْدِ العَظِيمِ، فَيُفَكِّرُ فِي إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ، وَيَعْمَلُ لِيُلَائِمَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيَاةِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ.
    وَأَمَلُنَا فِي البَرْلَمَانِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُنَا عَلَى أَنْ نَكْتُبَ وَعَلَى أَنْ نُلِحَّ فِي الكِتَابَةِ. فَإِنَّ الوَاجِبَ الوَطَنِيَّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ بِأَنْ يُظْهِرَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ عُيُوبِ التَّعْلِيمِ وَالنِّظَامِ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ، لِيُعِدَّ الرَّأْيَ العَامَّ لِمَا لَيْسَ مِنْهُ بَدٌّ، قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، مِنْ إِصْلَاحِ هَذِهِ الوِزَارَةِ.
    وَقَدْ رَأَيْنَا فِي مَقَالٍ سَابِقٍ أَنَّ نَظَرِيَّةَ المَرْكَزِيَّةِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ قَدْ أَفْسَدَتْ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَضَاعَتْ فِيهَا كِفَايَاتٍ مُخْتَلِفَةً كَانَ مِنَ الحَقِّ وَالمَنْفَعَةِ أَلَّا تُضَيَّعَ. فَكَلَّفَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الثَّانَوِيِّ العِنَايَةَ بِالتَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ، وَأَهْمَلَتْ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الأَوَّلِيِّ الإِهْمَالَ كُلَّهُ. بَلْ كَلَّفَتْ أَمْرَ التَّعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ صِلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ، وَوَكَلَتْ نُظَّارَ المَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ إِلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفُوا المَدَارِسَ الثَّانَوِيَّةَ، وَخَالَفَتْ فِي هَذَا كُلِّهِ مَصْلَحَةَ الأَفْرَادِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ وَمَصْلَحَةَ العِلْمِ نَفْسِهِ.
    فَرَغْنَا مِنْ هَذَا فِي مَقَالٍ مَضَى، وَيَظْهَرُ أَنَّ رِجَالَ التَّعْلِيمِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الوِزَارَةِ حَوْلٌ وَلَا طَوْلٌ يَشْعُرُونَ بِنَفْسِ مَا نَشْعُرُ بِهِ، وَيَشْكُونَ مِنْ نَفْسِ مَا نَشْكُو مِنْهُ. وَلَكِنَّ الرَّقَابَةَ عَلَيْهِمْ شَدِيدَةٌ، فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجْهَرُوا بِمَا يَشْعُرُونَ، لِأَنَّ السُّلْطَةَ المَرْكَزِيَّةَ لَهُمْ بِالمِرْصَادِ، وَهِيَ تَبُثُّ عَلَيْهِمُ الجَوَاسِيسَ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَ أَصْدِقَائِي مِنَ المُعَلِّمِينَ طَلَبَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ أَكُفَّ عَنْ نَقْدِ وِزَارَةِ المَعَارِفِ إِذَا كُنْتُ أُرِيدُ حَقًّا أَنْ تَظَلَّ الصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنِي قَائِمَةً مَتِينَةً، لِأَنَّهُ يَخْشَى عَوَاقِبَ هَذِهِ الصِّلَةِ إِنْ مَضَيْتُ أَنَا فِي هَذَا النَّقْدِ. وَرُبَّمَا كَانَ مَيْلِي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ شَدِيدًا، وَحِرْصِي عَلَى مَنْفَعَتِهِ عَظِيمًا، وَلَكِنِّي أَشَدُّ مَيْلًا إِلَى التَّعْلِيمِ، وَحِرْصًا عَلَى مَنْفَعَةِ التَّعْلِيمِ مِنِّي إِلَى هَذَا الصَّدِيقِ وَمَنْفَعَتِهِ. فَسَأَمْضِي فِي هَذَا النَّقْدِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى أَصْدِقَائِي المُعَلِّمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِيَاطَةِ وَالرِّعَايَةِ.
    هَذِهِ المَرْكَزِيَّةُ الَّتِي بَيَّنْتُ آثَارَهَا فِي مَقَالٍ مَضَى قَدْ أَنْتَجَتْ آثَارًا أُخْرَى شَدِيدَةَ الشَّرِّ عَلَى التَّعْلِيمِ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ الإِشَارَةِ إِلَيْهَا. وَأُرِيدُ اليَوْمَ أَنْ أَذْكُرَهَا فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ وَلَا إِلَى تَفْصِيلٍ، وَلِأَنَّهَا تَنْطِقُ بِأَنَّهَا شَرٌّ لَيْسَ فَوْقَهُ شَرٌّ. فَكَّرَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ – فِيمَا يَظْهَرُ – فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِ وَمَنَازِلِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّفْكِيرِ إِلَّا الخَيْرُ. فَالتَّعْلِيمُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الإِصْلَاحِ، وَوِزَارَةُ المَعَارِفِ أَحَقُّ الوِزَارَاتِ بِالإِعْدَادِ لِهَذَا الإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّهَا سَلَكَتْ إِلَى هَذَا الإِصْلَاحِ غَيْرَ سَبِيلِهِ.
    فَأَنْتَ لَا تَطْلُبُ إِلَى الحَدَّادِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الخَبَّازِ، وَلَا إِلَى الخَبَّازِ القِيَامَ بِصِنَاعَةِ الحَدَّادِ، وَلَكِنْ لِكُلِّ صَانِعٍ صِنَاعَتُهُ، وَلِكُلِّ اخْتِصَاصِيٍّ فَنُّهُ وَاخْتِصَاصُهُ. ذَلِكَ شَيْءٌ لَا مَعْنَى لِلإِطَالَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، أَوْ هُوَ مَفْهُومٌ وَلَكِنْ أَحَدًا لَا يَحْفَلُ بِهِ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ المَرْكَزِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الوِزَارَةِ. إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَلِّفَ لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ لِجَانًا مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. أَوَّلُ هَؤُلَاءِ الأَخَصَّائِيِّينَ هُمُ المُعَلِّمُونَ الَّذِينَ مَارَسُوا التَّعْلِيمَ، فَبَلَوْا حُلْوَهُ وَمُرَّهُ، وَعَرَفُوا خَيْرَهُ وَشَرَّهُ. وَقَدْ أُلِّفَتْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لِجَانًا لِإِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، وَلَكِنْ مَا رَأْيُكَ فِي أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا أَوْ تَكَادُ تَخْلُو خُلُوًّا تَامًّا مِنَ المُعَلِّمِينَ؟ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى المُفَتِّشِينَ وَرِجَالِ المَعَارِفِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسْ أَكْثَرُهُمُ التَّعْلِيمَ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُمَارِسْهُ قَطُّ.
    مَا رَأْيُكَ فِي هَذِهِ اللِّجَانِ الَّتِي سَتُصْلِحُ التَّعْلِيمَ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ التَّعْلِيمَ إِلَّا مَعْرِفَةً نَظَرِيَّةً تُؤْخَذُ مِنَ الكُتُبِ وَالأَسْفَارِ وَالتَّقَارِيرِ، لَا مِنْ مُعَالَجَةِ الطُّلَّابِ وَالتَّلَامِيذِ، وَالوُقُوفِ عَلَى نَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْلَكَ مَعَهُمْ مِنَ المَنَاهِجِ المُخْتَلِفَةِ المُتَبَايِنَةِ. أَتَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ اللِّجَانَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصْلِحَ التَّعْلِيمَ حَقًّا؟ كَلَّا. فَإِنَّ إِصْلَاحَ التَّعْلِيمِ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ التَّعْلِيمِ، وَعَلَى فَهْمِهِ فَهْمًا عَمَلِيًّا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ وَطُولِ المُرَاسِ.
    وَلَكِنْ وِزَارَةُ المَعَارِفِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَشِيرَ المُعَلِّمِينَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، فَإِنَّ اسْتِشَارَتَهَا لِلْمُعَلِّمِينَ رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ، وَاعْتِرَافٌ بِمَكَانَتِهِمْ، وَهِيَ لَا تَرْفَعُ لِلْمُعَلِّمِينَ قَدْرًا، وَلَا تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِمَكَانَةٍ. وَإِنَّمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَمَا تَنْظُرُ إِلَى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ؛ لِأَنَّ مِنَ الحَقِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُفَكِّرُوا، وَلَا أَنْ يَبْتَكِرُوا، وَلَا أَنْ يُشِيرُوا، وَهُمْ إِنْ فَكَّرُوا أَوِ ابْتَكَرُوا أَوْ شَارُوا فَقَدْ تَجَاوَزُوا الحُدُودَ. وَأَيُّ تَجَاوُزٍ لِلْحُدُودِ شَيْءٌ مِنَ التَّطَاوُلِ عَلَى السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَضَ لَهَا إِنْسَانٌ إِلَّا بِالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَضُرُوبِ الإِعْجَابِ وَالتَّمْلِيقِ؟…
    فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ مُضْحِكَاتٌ كَثِيرَةٌ. مِنْهَا أَنَّهَا خَالَفَتْ هَذِهِ القَاعِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَكَ، فَأَدْخَلَتْ بَعْضَ المُعَلِّمِينَ فِي لَجْنَةٍ مِنْ لِجَانِ إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ. وَلَكِنِ انْظُرْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ:
    أَلَّفَتْ لَجْنَةً لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ العُلُومِ، وَأَدْخَلَتْ فِيهَا مُعَلِّمًا. فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّهَا اخْتَارَتْ هَذَا المُعَلِّمَ مِنْ دَارِ العُلُومِ؟ مِنَ الَّذِينَ بَلَوْا تَلَامِيذَ دَارِ العُلُومِ، وَعَرَفُوا قُوَّتَهُمْ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ وَمَلَكَاتِهِمْ وَمُيُولَهُمْ؟ كَلَّا.
    اخْتَارَتْ مُعَلِّمَهَا مِنْ مَدْرَسَةِ المُعَلِّمِينَ العُلْيَا! مِنَ الأُسَاتِذَةِ الَّذِينَ قَدْ يُسْأَلُونَ عَنْ حَمَلَةِ الشَّهَادَةِ الثَّانَوِيَّةِ فَيُحْسِنُونَ الجَوَابَ؛ لِأَنَّهُمْ عَاشَرُوهُمْ، وَدَرَسُوا لَهُمْ. وَلَكِنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشُّيُوخِ مِنْ طُلَّابِ الأَزْهَرِ لَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الشُّيُوخِ أَمْرًا.
    أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَسِّرَ هَذَا العَمَلَ الغَرِيبَ؟ أَمَّا أَنَا فَأُفَسِّرُهُ بِإِحْدَى اثْنَتَيْنِ:
    الأُولَى : وَهِيَ الَّتِي أُرَجِّحُهَا؛ لِأَنِّي حَسَنُ الظَّنِّ بِوِزَارَةِ المَعَارِفِ – أَنَّهَا تَعْمَلُ دُونَ تَفْكِيرٍ وَلَا نِظَامٍ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُ الأَمْرَ لِلْمُصَادَفَةِ وَحْدَهَا.
    الثَّانِيَةُ : الأَغْرَاضُ وَالأَهْوَاءُ، وَالمَيْلُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُعَلِّمِينَ، وَتَأْلِيبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ شَيْئًا لَمْ تَقْصِدْ إِلَيْهِ وِزَارَةُ المَعَارِفِ، وَلَكِنَّهَا – مِنْ غَيْرِ شَكٍّ – شَيْءٌ تَوَرَّطَتْ فِيهِ.
    فَلِمَاذَا يَسْكُتُ أُسَاتِذَةُ دَارِ العُلُومِ وَغَيْرُهُمْ، فَيُقْضَى فِي أُمُورِهِمْ، وَيُسْتَشَارُ فِي مَدْرَسَتِهِمْ، وَفِيهِمُ الكُفْءُ، وَفِيهِمُ الخَبِيرُ بِأَمْرِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ، وَفِيهِمُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُشِيرَ فِي أَمْرِهَا بِالخَيْرِ؟
    تَحَدَّثْتُ مُنْذُ حِينٍ إِلَى وَزِيرِ المَعَارِفِ، فَأَنْبَأَنِي بِأَنَّهُ حَرِيصٌ كُلَّ الحِرْصِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكَ فِي إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ رِجَالٌ مِنَ الأَخَصَّائِيِّينَ. وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ حَتَّى طَلَبَ إِلَيَّ أَنْ أُسَمِّيَ لَهُ نَاسًا يَقْدِرُونَ عَلَى الخَيْرِ فِي هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ. وَبَالَغَ فِي هَذَا فَأَعْلَنَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَعِينَ بِالأَخَصَّائِيِّينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى إِصْلَاحِ التَّعْلِيمِ، يُنْدِبُهُمْ لِذَلِكَ خَاصَّةً.
    فَحَمِدْتُ لِلْوَزِيرِ هَذَا القَوْلَ الحَسَنَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فِطْنَتِهِ وَذَكَائِهِ وَحُسْنِ رَأْيِهِ فِي التَّعْلِيمِ. وَلَكِنَّنِي بَحَثْتُ عَنِ الأَخَصَّائِيِّينَ فِي رِجَالِ الإِصْلَاحِ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الأَجَانِبَ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المِصْرِيِّينَ الخَارِجِينَ عَنْ وِزَارَةِ المَعَارِفِ لَمْ يُدْعَوْا، وَأَنَّ المُعَلِّمِينَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُهْتَمَّ بِهِمْ. بَلْ رَأَيْتُ شَرًّا مِنْ هَذَا: رَأَيْتُ أَنَّ لَجْنَةً قَدْ أُلِّفَتْ لِوَضْعِ مَنَاهِجِ التَّعْلِيمِ فِي دَارِ العُلُومِ، وَجُمِعَتْ بَيْنَ رِجَالِ المَعَارِفِ وَمُعَلِّمِي المَدْرَسَةِ، وَآخَرِينَ لَيْسُوا مِنَ المَعَارِفِ وَلَا مِنَ المَدْرَسَةِ. فَعُدِلَ عَنْ هَذِهِ اللَّجْنَةِ – لِأَنَّهَا كَانَتْ سَيِّئَةَ التَّأْلِيفِ – إِلَى لَجْنَةٍ أُخْرَى حَسَنَةِ التَّأْلِيفِ، لَيْسَ فِيهَا أَجْنَبِيٌّ عَنِ الوِزَارَةِ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الوَزِيرِ يَجِبُ أَنْ تُغْسَلَ فِي الوِزَارَةِ! وَلَيْسَ فِيهَا مُعَلِّمٌ مِنَ المَدْرَسَةِ؛ لِأَنَّ أُسَاتِذَةَ المَدْرَسَةِ يَجِبُ أَنْ يَشْعُرُوا بِأَنَّهُمْ جُنُودٌ فِي هَذِهِ المَدْرَسَةِ، يُؤْمَرُونَ فَيَأْمُرُونَ، دُونَ أَنْ يُسْتَشَارُوا، أَوْ يُشِيرُوا، أَوْ يُحْفَلَ لَهُمْ بِرَأْيٍ.
    اقْرَأْ هَذَا وَفَكِّرْ فِيهِ، وَحَدِّثْنِي عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ مِنْ خَيْرٍ، وَحَدِّثْنِي عَنِ الوِزَارَةِ الَّتِي تَسْلُكُ هَذَا السَّبِيلَ مُلِحَّةً فِي سُلُوكِهَا مَهْمَا يُشِرْ عَلَيْهَا المُشِيرُونَ، وَيَنْصَحْ لَهَا النَّاصِحُونَ. أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ بِالتَّعْلِيمِ إِلَى الخَيْرِ؟
    ثُمَّ حَدِّثْنِي: أَلَسْتُ مُحِقًّا حِينَ أَنْبَأْتُكَ فِي أَوَّلِ هَذَا المَقَالِ بِأَنِّي يَائِسٌ مِنَ الخَيْرِ العَاجِلِ حِينَ أَكْتُبُ فِي نَقْدِ هَذِهِ الوِزَارَةِ؟
    وَلَكِنَّ الأَمْرَ لَا يَقِفُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ يَتَجَاوَزُهُ إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَقَدْ أُحَدِّثُكَ بِقِيمَةِ المُعَلِّمِ فِي وِزَارَةِ المَعَارِفِ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا المَقَالِ.
    طه حُسَيْن السياسة، ٣١ يُولْيَه ١٩٢٣م.

    بين الرضى والسخط . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.

    والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.

    والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.

    أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.

    وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.

    ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.

    والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.

    ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.

    ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.

    ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟

    أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.

    وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.

    بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.

    وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.

    فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.

    ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.

    وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.

    وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.

    وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.

    وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.

    فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
    طه حسين
    الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢

    شكاة …
    بقلم الدكتور طه حسين
    أرفعها إلى وزير التربية والتعليم وإلى مجالس الجامعات مطمئنا إلى أنهم سيلقونها بما ينبغي لها من العناية والرفق والإنصاف لأنها جديرة منهم بهذا كله، فهي تتصل بهؤلاء الذين يمنحون أبناء الشعب خلاصة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم منذ يصبحون إلى حين يمسون وعسى أن يمنحوهم هذه الخلاصة حين يجنهم الليل وحين يحب الناس أن يأووا إلى دورهم وأن يأخذوا بحظوظهم من راحة الجسم وفراغ البال وهم المعلمون الذين يفدون على مدارسهم ومعاهدهم مع الصبح كأقوى ما يكون الناس قوة وأوفر ما يكون الناس نشاطا وأمضى ما يكون الناس عزما وأصفى ما يكون الناس نفسا. ثم يروحون إلى أهلهم آخر النهار وقد استنفدوا كل ما غدوا به من قوة ونشاط ومن مضاء عزم وصفاء نفس ولم يردوا على أهلهم إلا أجساما قد بلغ منها الضعف ونفوسا قد فارقها الصفاء وعزائم قد أدركها الفتور لأنهم أنفقوا يومهم معلمين ومؤديين فأجهدوا في التعليم والتأديب كل ما ادخروا من قوة وأدركهم الإعياء المادي والمعنوي منحوا خير ما فيهم للمدرسة وردوا من أنفسهم بقايا كليلة مغلولة لا تكاد تصلح لشيء فهم أحق الناس بالرعاية وأجدرهم بالعناية وأحراهم أن ترفق بهم الدولة فتضع عنهم من أثقال الحياة وتزيل عنهم من همومها أعظم ما تستطيع.
    وما أعرف أحدا يحتاج إلى أن يوضع عنه الثقل ويجلى عنه الهم كالمعلم الذي يجب عليه أن يمنح قلبه كله وعقله كله وإخلاصه كله لهؤلاء الطفل والشباب الذين تكل إليهم تربية أجسامهم وتثقيف عقولهم وإعدادهم ليحتملوا في قوة وكرامة أعباء الحياة.
    والمعلم الذي يشغله الهم عن إعداد الدرس ويصده عن الفراغ للتلاميذ ويبغض إليه الحياة والعمل ويزهده في النشاط والجد ويعرضه للضيق لكل شيء وللضيق بكل إنسان رجل لا خير فيه لنفسه ولا خير فيه للناس. فكيف ونحن نكلفه أن يخلص نفسه كلها ونشاطه كله لصغار التلاميذ وكبارهم ونسأله آخر الأمر عما ينتهي إليه جده وجهده من تعليم هؤلاء التلاميذ ونلومه بحساب وبغير حساب عما يكون في حياة الصبية والشباب من عوج وعما يعرض لهم من التواء سواء أكان عن ذلك مسؤولا أم غير مسؤول.
    وبقدر ما يثقل التكليف الذي يفرض على الناس ينبغي أن توفر لهم القوى والوسائل التي تمكنهم من النهوض به على خير ما يكون النهوض بالتكاليف.
    ووزير التربية والتعليم ورجال الجامعات يعرفون حق المعرفة أن أعباء الحياة المادية في هذه الأيام ليست هينة ولا يسيرة وأن احتمالها يحتاج إلى الجهد والصبر وسعة الحيلة وأن أجور المعلمين لا تكاد تنهض بحاجاتهم وحاجات من يعولون وهم بها قانعون ينتظرون أن يأذن الله باليسر الذي يوسع عليهم وعلى غيرهم من المواطنين في الحياة ويقرب إليهم وإلى غيرهم من المواطنين ما لا تستطيع أيديهم أن تناله من حاجاتهم فما بال هذا الثقل الذي رفع عن المعلمين منذ أعوام يرد إليهم في هذا العام وأريد به المصروفات الجامعية كما يسميها الناس وإذا تحدثت إلى وزير التربية والتعليم وإلى رجال الجامعات في هذا الموضوع فإنما أتحدث فيه لأني أنا الذي وضع هذا الثقل عن المعلمين حين كنت ناهضا بشؤون التعليم وأؤكد للسيد الوزير أني لم أرفعه تقربا إليهم أو لأطفالهم أو إيثار لمرضاتي عني وثنائهم علي فما حفلت قط في أن يرضى الناس عني أو يسخطوا وما حفلت قط بأن يثني الناس علي أو يلهجوا بي. وإنما وضعت عنهم هذا الثقل لأصرفهم إلى التعليم وأخلصهم له وأريحهم من هم يثقل عليهم ويخف على الدولة أن تريحهم منه.
    وأنا بعد لم أخترع هذا التخفيف من نفسي وإنما وجدت أمما متحضرة ممعنة في الحضارة ترى من الحق عليها أن تعفي المعلمين من نفقات التعليم التي يحتاج إليها أبناؤهم لأنهم يعلمون الناس ويمنحونهم في سبيل ذلك قوة أجسامهم ونفوسهم؛ فلا أقل من أن يعفوا من دفع الأجور لأبنائهم حين يتعلمون وما ينبغي أن ينظر إلى هذا الإعفاء على أنه تمييز للمعلمين من سائر المواطنين وإنما ينبغي أن ينظر إليه على أنه تيسير على المعلمين وتمكين لهم من أن يؤدوا واجبهم كأحسن ما يؤدي الواجب. والمعلم حين يؤدي واجبه لا يؤديه إلى فريق بعينه من المواطنين وإنما يؤديه إلى الوطن كله وإلى المواطنين جميعا فتيسير الحياة على المعلم ليس إيثارا له بالخير وإنما هو خدمة عامة تقدم إلى تلاميذه على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم. شأنه في ذلك شأن الجندي الذي تكلفه الدولة أن يكون مستعدا في كل لحظة من لحظات حياته ليؤدي واجبه الوطني الخطير. فهي تيسر له الحياة وتذلل له سبلها لا تؤثره بالخير من دون الناس وإنما تتيح له أن يبذل جهده ونفسه في سبيل الناس مطمئنا إلى ما يبذل من الجهد والنفس. وليس المعلم آخر الأمر إلا جنديا يحارب الجهل ويذوده عن نفوس الصبية والشباب يحارب في أوقات السلم وفي أوقات الحرب ويجاهد في أوقات الشدة وفي أوقات اللين وإذا ملأ الهم قلب المعلم وصرف عن الفراغ لدرسه وشغل عن العناية الخالصة بتلاميذه لم يخسر هو وحده وإنما خسرنا نحن جميعا معه فالصبية والشباب الأبرياء هم الذين يجنون نتائج ما يتعرض له المعلم من شدة الحياة أو لينها ومن نعيم العيش أو بؤسه ومن فراغ البال أو اشتغاله بالهين والعسير من الأمر.
    ومن أيسر الأشياء أن تنظر إلى الأجور التي يتقاضاها المعلمون آخر الشهر والتي تتقاضاها الكثرة الكثيرة منهم بنوع خاص وإلى الأعباء التي يطلب إليهم أن ينهضوا بها لأنفسهم ولمن يعولون وأن نقدر حال المعلم الذي يكون له الولد الكثير من البنين والبنات الذين يختلفون إلى المدارس والمعاهد والجامعات وأن نسأل أنفسنا كيف يتاح له أن يدير الحياة المادية لأهله وولده وكيف يقتطع من أجره هذا ما يرده إلى الدولة أجرا لتعليم ابنه في الجامعة أليس مما يمض النفس ويثقل عليها أن يطلب إلى معلم قد لا يتجاوز مرتبه عشرة جنيهات أو عشرين جنيها أو أكثر من ذلك قليلا أن يقتطع من هذا المرتب في أول العام الجامعي نصفه أو ثلثه أو أن ينزل عنه كله ليدفعه أجرا لتعليم ابنه أو أن يقترض مثله أو مثليه إن كان له ابنان أو أكثر ليؤدي أجور التعليم. وما ينبغي أن يقال إن هذا شأن الموظفين جميعا فللمعلم شأن غير شأن الموظفين هو يهدي العلم إلى الصبية والشباب يبذل في ذلك أكثر كثيرا مما تعطيه الدولة من الأجر. فلا ينبغي أن يهدي العلم عامة كله وأن يشتري العلم لأبنائه ويتكلف في شراء العلم ما لا يطيق وما قد يعرضه لما لا يجمل برجل التعليم.
    وما ينبغي أن تكره الظروف المادية رجال التعليم على أن يصدوا أبناءهم عن طلب العلم ويمسكوهم على الجهل إمساكا. وأنا أفهم ألا يقدم ابن المعلم على غيره حين يراد القبول في كليات الجامعات. فهذا هو التمييز الذي لا ينبغي للمعلم أن يطمع فيه ما دامت الجامعات قليلة وما دامت الأماكن فيها معدودة محدودة وإنما يجب أن تقبل الجامعات خير من يتقدم إليها وأن يوضع ابن المعلم من ذلك في مكانه الذي ينبغي له لا يمتاز من أحد ولا يمتاز منه أحد.
    هذا شيء لا ينبغي الجدال وإنما الشيء الذي ألح فيه أشد الإلحاح على وزير التربية والتعليم وعلى رجال الجامعات هو ألا يرد ثقل المصروفات على المعلمين وأن يترك لهم ما منحوا من التخفيف عنهم والتيسير عليهم وما أشك في أن المواطنين على اختلاف طبقاتهم لا يضيقون بذلك ولا يجدون فيه ظلما أو إيثارا. فالمواطنون جميعا يقدرون مكان المعلم فيهم وبلاءه في تربية أبنائهم وتعليمهم وليس منهم إلا من يبر المعلم ويرفق به ويحب أن يناله البر والرفق وأن يمكن من أداء واجبه على خير وجه ويفرغ له كأحسن ما يكون الفراغ للواجب.
    فليفكر في ذلك وزير التربية والتعليم مشكورا مبرورا وليفكر فيه رجال الجامعات موفقين وليرفعوا هذا الثقل عن قوم تنوء بهم الأثقال التي يحبونها وما ينبغي أن نضيف إليها أثقالا يكرهونها فقد تصرفهم هذه الأثقال البغيضة عن أثقال أخرى حبيبة إلى نفوسهم أثيرة في قلوبهم فيها لهم متعة وفيها للوطن نفع أي نفع وغناء أي غناء.
    الجمهورية، ٢٥ نوفمبر ١٩٥٤.

  • نهاية عصر: الأسبوع الأخير لصدقي | The End of an Era: Sidqi’s Final Week

    والآن
    كان البحر خاشعًا خاضعًا، وكان الجو مشرقًا ساطعًا، وكانت السفينة بين ذلك تخطر في كثير من التيه والإعجاب، وكان الجمع ينتظر في كثير من الإكبار والإجلال. وكانت الزوارق تسعى على هذا السهل السائل بين السفينة والمدينة، يكاد يثقلها ما تقل من الوفاء والولاء لـ«رئيس الوزراء». وكان القدر ومصر يلحظان هذا كله باسمين، وينظران إلى هذا كله ساخرين؛ لأنهما كانا يعلمان كيف دبر ذلك وكيف هيئ له، ولأنهما كانا يعلمان كيف تكون عاقبة ذلك، وإلى أين تصير به الأمور.
    وكان «رئيس الوزراء» ينظر إلى هذا كله، وعلى ثغره ابتسامة لها معنيان: معنى لنفسه ومعنى للناس؛ فأما في نفسه فقد كان ضيقًا بهذا كله، ساخرًا من هذا كله، يعلم كيف دبر، ويعلم إلى أين يصدر. وأما للناس فقد كان متكلف الابتهاج الرزين، مصطنع الاغتباط المعتدل، لا يريد أن يرى الناس يأسه ولا ضجره، ولا يريد أن يحس الناس ضيقه ولا حَرَجَه، وإنما يريد أن يروا منه ما ينبغي أن يظهر على الجلد الصبور.
    وكانت هذه الحركات التي وصفتها الصحف من تحية للصاعدين إلى السفينة، وخلوة إلى النائب عن «رئيس الوزراء»، ثم نزول إلى الزورق وابتسام للمستقبلين، وذهاب إلى «رأس التين»، واحتمال لهذه المشقة التي تفرضها السياسة على أهلها من لقاء الأعوان والأنصار، والاستماع للكلام الذي لا يفيد، والرد عليه بكلام لا يقول شيئًا، ثم الاستراحة، ثم المقابلة الملكية، ثم العودة إلى الدار، ثم نفثة المصدور، وتنهد الرجل الذي خلص من التكلف، وخلا إلى نفسه ليفكر ويستريح.
    وكان شيء من الحزن القائم يظلل هذا كله، ويلقي عليه رداء يثير في نفوس المستقبلين كثيرًا من الكآبة وكسوف البال. وكان شيء من السخرية الضاحكة الكئيبة يظلل مصر كلها، فيرسم على وجوه الناس ابتهاجًا وابتئاسًا في وقت واحد؛ فأما الابتهاج فمصدره إخفاق هذه السياسة المنكرة التي سلطت على مصر ثلاثة أعوام، فلم تبلغ منها شيئًا إلا أن زادتها يقينًا وإيمانًا، وتثبيتًا وإصرارًا على الحق، وجدًّا في الوصول إليه، ثم انتهت بعد ذلك إلى ما انتهت إليه من اعتراف الإنجليز بالفشل، ونقل ممثلهم إلى حيث يستطيع أن يكون نافعًا لبلده، لا يكسب له عداوة الأمم وبغض الشعوب، ومن اعتراف «رئيس الوزراء» بخيبة الأمل والعجز عن العمل، واضطراره إلى أن يرفع إلى جلالة الملك رغبته في أن يريح ويستريح. ومن حق الشعوب أن تبتهج إذ وجه إليها الكيد فلم يفلح، ودبر لها المكر ثم لم يصب منها مقتلًا.
    وأما الابتئاس الذي كان يصاحب هذا الابتهاج على وجوه الناس فمصدره أن هذا الشعب العامل الجاهد في العمل، النشيط الغالي في النشاط الذي يجعله عمله وأمله، ونشاطه وجده أهلًا للحياة الراقية الصالحة العزيزة الكريمة، خليقًا بأن يظفر بحريته كاملة، واستقلاله موفورًا، ينظر فإذا حقه يضيع، وإذا كرامته تهدر، وإذا أموره تدبر على غير ما يريد، لا يسأل في ذلك ولا يستشار، حتى إذا أعرب عن إرادته لم يسمع له ولم يلتفت إليه كأنه لم يوجد بعد، أو كأنه وجد ليستغل ويستذل، ويتخذ وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات، وتحقيق المآرب والمنافع، وتمكين الواثبين إلى مناصب الحكم من الاستمتاع بالجاه والسلطان، وتمكين المستعمرين من الأجانب من بسط النفوذ وملء الأيدي بالأموال. ومن حق الشعوب أن تبتئس حين تزرع الخير فلا تجني إلا شرًّا، وحين تسعى إلى الحرية والاستقلال فيضطرها النفعيون إلى ما تكره من الخضوع والذل، وحين تنفق ما تملك من القوة والجهد لتثبت أنها مخلصة نقية الضمير، لا تريد بأحد سوءًا، ثم ترى أن غيرها يلقاها بنية ملتوية، وضمير معوج، ولا يريد بها إلا الشر والمكروه.
    نعم، من حق الشعوب أن تبتهج إذا لم يبلغ منها كيد الكائدين، ومن حق الشعوب أن تبتئس إذا سلط عليها الشر ولم تكن له أهلًا. ومن حق الشعب المصري أن يبتهج حين يرى سياسة «السير برسي لورين» ودولة «صدقي باشا» تنتهي إلى نقل أحدهما واستقالة الآخر. ومن حق الشعب المصري أن يبتئس إذا رأى أن الجو السياسي قد تلبّد بالغيوم، وكثر فيه الضجيج والعجيج، واشتد فيه اللجب والاصطحاب، وكثر فيه السعي الظاهر، والسعي الخفي منذ أكثر من أسبوع، لا لشيء إلا لأن رجلًا واحدًا من الناس يريد أو لا يريد أن يحتفظ بالسلطان، يراد له أو لا يراد له أن يظل في منصب الحكم. فأما الشعب نفسه، الشعب الذي يكد ويجد، الشعب الذي يعمل ويأمل، الشعب الذي لولا وجوده وجهوده ما كانت دولة ولا حكومة، فليس موضوع تفكير ولا تقدير، وإنما هو شيء مهمل في زاوية من زوايا الحياة السياسية، عليه أن يحتمل الخطوب ويتجشم الهول، ويصبر على أثقل الأعباء وأشد الحوادث نكرًا، ولغيره من هؤلاء السادة القليلين الذين يتولون الحكم أو يتهيأون له أن يدبروا بينهم أمر الحكم: أيبقى في يد أولئك، أم ينتقل إلى يد هؤلاء؟
    هذا كثير وهو خليق أن يحزن الشعب ويسوءه، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يضعف إيمان الشعب بحقه، أو يغل عزم الشعب على المطالبة بهذا الحق، والجد في الظفر به والوصول إليه.
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» عزمه على الاستقالة، ثم رفع «رئيس الوزراء» إلى جلالة الملك رغبته في الاستقالة. وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن مصير الحكم إذا استقال «صدقي باشا»: أيصير إلى الحزبين المؤتلفين، أم يصير إلى حزب الاتحاد دون حزب الشعب؟ وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن أساليب الحكم إذا استقال «رئيس الوزراء»، أتبقى كما شرعت ورسمت، أم يصيبها التغيير قليلًا أو كثيرًا؟
    وكان الشعب المصري يحب أن تستفيض أحاديث الناس بأن أمور الحكم سترد إليه، وبأنه هو قد أصبح موضوع ما يجيله الساسة سرًّا أو جهرًا من رأي، وما يهيئ الساسة سرًّا وجهرًا من تدبير. فقد مضى وقت طويل كان الوزراء ورؤساء الوزارات فيه موضوع الحديث والتدبير، مضى وقت طويل صرفت فيه أمور الشعب على غير ما يرضى، وآن الوقت الذي ينبغي أن تصرف فيه أمور الشعب على ما يرضى.
    نعم، لقد طال إهمال الأمة في حساب الساسة، ودل كل شيء على أن هذا إهمال لا يؤدي إلى خير، ولا ينتهي إلى نجاح. فمتى يريد الله إلهام الساسة أن يسلكوا إلى الحكم طريقه الطبيعية المستقيمة، فيلائموا بينه وبين آمال الأمة وأمانيها وحقها في الحرية والاستقلال؟
    [1] كوكب الشرق في ٦-٩-١٩٣٣.

    ثم
    «نعم»، ثم كلمة تتردد في جميع الأفواه، وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير منذ خُتم لصدقي باشا، أو خُتمت أعمالُ «صدقي باشا»، أو خَتمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته السياسية مساء الخميس.
    فـ«صدقي باشا» رجل من رجال السياسة، قد فرغ من السياسة، وفرغ الناس منه، وفرغت السياسة منه أيضًا، ما في ذلك شك، وما إلى الريب في ذلك سبيل؛ إنما يُعنى الرجل بالسياسة ويقف عليها قواه وجهوده حين يكون قادرًا على إنفاق القوى وبذل الجهود، أو حين يكون مالكًا من هذه القوى والجهود لقليل أو كثير، وليس لـ«صدقي باشا» من هذا شيء يستطيع أن ينفقه في السياسة. ونحن نتمنى أن يمده الله من القوى والجهد بما يمكنه من العناية بنفسه والإبقاء على صحته واستقبال الحياة في شيء من الهدوء الظاهر؛ فقد يخيل إلينا أن هذه الأعوام الثلاثة التي أنفقها «صدقي باشا» في قهر أمته والبطش بها، وفي إذلال وطنه والقسوة عليه، قد حالت بينه وبين هدوء الضمير.
    ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي يصرف أعمال الدولة، وفي فمه مقياس الحرارة. وليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقضي في ديوانه إلا ساعتين أو أكثر منهما قليلًا، والذي لا يجد مع ذلك بدًّا من أن يتخلف عن هذا الديوان يومًا أو غير يوم في الأسبوع. ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يصل الحديث في شؤون السياسة مع رجل من رجال السياسة ساعة أو أقل من ساعة حتى يشعر بالضعف والإعياء، فيلغي المواعيد ويكف عن الحديث ويسرع إلى داره ليستريح.
    نعم، ليس «صدقي باشا» قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها لا في رئاسة الوزارة، ولا في زعامة الكثرة البرلمانية، ولا في الأندية الخاصة. وقد يخيل الأمل لـ«صدقي باشا» أنه يقدر من ذلك على بعض ما يقدر عليه الناس، وقد يخيل الوهم لفريق من أصفياء «صدقي باشا» أنه ما زال قادرًا على أن يكون رجلًا من رجال السياسة، وقد يندفع «صدقي باشا» مع هذا الأمل فيكلف نفسه بعض أعمال السياسة، وقد يدفعه أصفياؤه إلى هذا، وهو من غير شك حر فيما يريد لنفسه، وأصفياؤه من غير شك أحرار فيما يريدون لصاحبهم؛ ولكن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن «صدقي باشا» لن يُغني منذ اليوم في السياسة المصرية شيئًا.
    وليس المرض وحده هو الذي يُخرج «صدقي باشا» من ميدان الحياة السياسية، ولكن هذه السيرة التي سارها في أمته أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه النتائج المنكرة التي أنتجتها سيرته أثناء هذا العهد الطويل الثقيل، قد أقامت أمام «صدقي باشا» من العقبات والمصاعب ما لا يستطيع أقوى الناس، فضلًا عن أضعف الناس، أن يذلله أو يتغلب عليه.
    فـ«رئيس الوزراء» المستقيل رجل قد كُتب عليه البعد المحتوم، لا عن الوزارة، ولا عن الزعامة البرلمانية المجدية، بل عن الحياة العامة كلها. وما رأيك في زعيم برلماني لا يستطيع أن يخطب أنصاره وأولياءه — إن كان له أنصار وأولياء — أو يتحدث إليهم إلا دقائق لا تتجاوز الخمس، ثم هو بعد ذلك متعب مكدود؟ فكيف به إذا احتاج إلى الجدال والنضال؟ وكيف به إذا احتاج إلى التروية والتفكير؟ وكيف به إذا احتاج أن يقرع الحجة بالحجة، ويدفع الدليل بالدليل؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يظهر على الخصوم في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يقهر الوزارة في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يتحدث إلى الشعب ليحمله على مذهب من المذاهب، أو يصرفه عن رأي من الآراء؟
    كل ذلك شيء لا سبيل إليه؛ لأن صحة «صدقي باشا» تحول دونه، ولأن سياسة «صدقي باشا» تحول دونه؛ فليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يذكر الحرية في «البرلمان» أو خارج «البرلمان»، وهو الذي سجن الحرية فضيّق السجن وأطاله، ولو أن إلى قتل الحرية من سبيل لما تحرج من قتلها، ولكن الحرية فوق القتل وفوق الموت، وهي تعمل سجينة أكثر مما تعمل مطلقة. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن عزة الشعب، وقد عبث بها «صدقي باشا» أمام الأجنبي حتى ظهر ازدراء الأجنبي للمصريين، وطمع الأجنبي في المصريين، واستغلال الأجنبي للمصريين، وإذلال الأجنبي للمصريين. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الكرامة الوطنية، وقد جهد «صدقي باشا» ما استطاع، وأنفق «صدقي باشا» ما يملك وما لا يملك لينسي الناس كرامتهم الوطنية. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الاستقلال، وقد أصبح أمامه كلامًا لا معنى له، ولفظًا لا يدل على شيء، ولونًا من ألوان العبث، وفنًّا من فنون الجدل.
    فأما الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد؟ فأما المال، وما أدراك ما المال؟ فأما الأزمة، وما أدراك ما الأزمة؟ فلن يستطيع «صدقي باشا»، إن واتته الصحة والقوة، وأذعنت له البلاغة والبيان، أن يعرض لها، ولو قد فعل بعد أن حيل بينه وبين الحكم، وصُرفت عن تأييده الشرطة والجنود، وكف عن معونته أصدقاؤه المحايدون، نعم، لو قد فعل لصاحب به الملايين: لا تذكر الاقتصاد وقد أفسدته، ولا تذكر المال وقد أقللته، ولا تذكر الأزمة وقد تركتها تتحكم في الرقاب. نعم، ولو قد فعل لم يستطع إلا أن يضحك من نفسه، ولم يستطع إلا أن يضحك منه الأولياء والأصفياء. ومع ذلك فقد كان يقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان إن «صدقي باشا» رجل الاقتصاد، ورجل المال، وحلّال الأزمات.
    كل شيء يُبعد «صدقي باشا» عن السياسة، وكل شيء يفرض على رجال السياسة ألا يحسبوا لهذا القائد العظيم والزعيم البارع حسابًا منذ اليوم؟ فقد أراد الله — ولا مردَّ لما يريد الله — أن يُطوى سجلُ حياته منذ يوم الخميس. ولعل أصدق تصوير لموقف الرئيس المستقيل، أو للموقف الذي ينبغي أن يقفه الرئيس المستقيل، ما روته «المقطم» أمس من أنه سيعبر البحر في الشهر المقبل إلى حيث يريح ويستريح، إلى حيث لا يخطب ولا يكتب، إلى حيث لا يجول ولا يصول، إلى حيث لا يُعنى بالسياسة من قريب أو بعيد. وإذن فماذا يكون بعد أن انقضى هذا الليل الطويل بما فيه من أحلام وأوهام؟ وعمَّ تشرق الشمس بعد أن أفاق «صدقي باشا»، فإذا عظمته كلها هباء، وإذا سلطانه كله وهم باطل، وظلٌّ زائل، لم يُفِد صاحبه إلا فوائد عاجلة فانية، ولقيت مصر في زمنه شرَّ ما لقيت في هذا العصر الحديث.
    أما ما تريده الأمة بعد أن كُشف عنها هذا الضر، وجُليت عنها هذه الظلمة، وأُزيح عن صدرها هذا الكابوس الثقيل، فذاك شيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. فقد وثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة آمنة، فارتاعتْ؛ فيجب إذن أن يزول الروع، وأن يعود الأمن. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة غنية، فافتقرت؛ فيجب إذن أن يزول الفقر، وأن يعود الغنى. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة حرة، فقيدها وقهرها؛ فيجب إذن أن يزول التقييد والقهر، وأن تعود الحرية مطلقة مشرقة مبتسمة، مبسوطة الجناحين على المصريين جميعًا. و«صدقي باشا» لم يُسلِّط هذا الشر كله على مصر إلا لأنه غلب مصر على حقها، وحكم مصر على غير ما كانت تريد، وسخَّر مصر للأهواء على حين كان يجب أن يُسخَّر كل شيء لمصر؛ فيجب إذن أن تعود الحال إلى مثل ما كانت عليه قبل أن يعدو «صدقي باشا» على أمته، ويثب «صدقي باشا» إلى مناصب الحكم.
    لا ترضى الأمة بغير هذا، ولا تستقيم الأمور بغير هذا، ولا تعرف مصر راحة بغير هذا. فأما ما يُراد بمصر بعد أن انجلى ذلك الليل الطويل الثقيل، ليل «صدقي باشا»، فشيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. المنهزمون المخفقون يطيفون برئيسهم المنهزم المخفق، فيمثلون قصة «الحزب السياسي» الذي يطمع في أن تكون له كلمة مسموعة، أو رأي يُلتفت إليه، وهذا أسخف ما يقع في مصر الآن، وأقل ما يستحق العناية من المصريين.
    والمستوزرون الطامعون يلتقون سرًّا وجهرًا، ويدبرون أمرهم بينهم، ويصطنعون ضروبًا من التشكيلات والتلفيقات، يضيفون رئاسة الوزارة إلى اتحادي مرة، وإلى مستقل مرة أخرى، ويلفقون حول هذا الرئيس طائفة من الأسماء والأشخاص، تجمعهم الأهواء والميول، ثم ينتظرون ما سيجري به القضاء، وقد يدفعهم الأمل الكاذب إلى أن يجدوا في توجيه القضاء كما يريدون. ولا يتحدث أحد عن هذه الضحية البريئة التي ذاقت ألوان العذاب أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يفكر في رفع العذاب عنها، أو رد الحرية إليها، أو استمداد القوة منها.
    منهزمون مخفقون يريدون في غير غناء أن يُخفوا الهزيمة والإخفاق، ومستوزرون طامعون يريدون في غير حياء أن يثبوا إلى الحكم وثوبًا، والأمة تنظر إلى أولئك متهكمة، وإلى هؤلاء متحدية، وتثق بأن الذين لم يعتبروا بهزيمة المنهزمين وإخفاق المخفقين، ولم يتحرجوا من أن يفكروا في انتهاج ما كان لهم من نهج، وسلوك ما اتخذوا من سبيل، سيلقون مثل ما لقي أصحابهم من قسوة الظروف، وتنكر الأيام، وسخرية القضاء، وسيصبحون كما أصبح أصحابهم منهزمين مخفقين، يريدون في غير غناء أن يستروا الهزيمة ويخفوا الإخفاق.
    كلا، ليس الأمر ستر هزيمة وإخفاق، وليس الأمر وثوبًا إلى الحكم واستئثارًا بالسلطان، وإنما الأمر الذي تفرضه الظروف الآن فرضًا قاسيًا، وستفرضه غدًا فرضًا أشد قسوة وعنفًا، هو أن يندم المنهزمون المخفقون على ما جنوا على أمتهم وأنفسهم من السيئات، وأن يخلص المستوزرون الطامعون من كواذب الأماني ودوافع الطمع، وأن يعلم أولئك وهؤلاء أن حياة الأفراد أقصر وأضيق وأهون من أن تحتمل الجناية على الشعوب، والإساءة إلى الأمة، والاستئثار بالحق دون أصحاب الحق.
    فاللهم اهدِ الطامعين والمترددين إلى أن يفهموا الواجب، ويشعروا شعورًا قويًّا أن المصير الذي آل إليه «صدقي باشا» ليس شيئًا يُطمع فيه رجل له قلب أو عقل يُحسنان الإحساس والتفكير.
    [1] كوكب الشرق في ٢٣-٩-١٩٣٣.

    شركاء
    أسرعوا إلى «الرئيس المستقيل» حين دعاهم، لم يترددوا في ذلك، ولم يخطر لهم أن يترددوا فيه، ثم وثبوا مع «الرئيس المستقيل» إلى الحكم واستقروا مع «الرئيس المستقيل» في مناصبه. أقدموا على كل ما أقدم عليه، وأحجموا عن كل ما أحجم عنه. أحبوا كل ما أحب ومن أحب، وكرهوا كل ما كره ومن كره. ومضوا معه حازمين عازمين، لا يتخلفون عنه إصبعًا، ولعل بعضهم كان يسبقه أشبارًا، ولعله هو كان يردهم إلى الهدوء، ويضطرهم إلى السعي مكان العدو، ويلقي في قلوبهم أن الأناة خير من التعجل، وأن الإبطاء قد يفيد أكثر مما يفيد الإسراع.
    همَّ بتغيير النظام فأسرعوا إلى تغيير النظام، اقترح قهر الشعب فلم يترددوا في قهر الشعب، آثر العنف فلم يخافوا من إيثار العنف. مضوا معه حازمين عازمين، مسرفين في الحزم والعزم، لا ينظرون إلى وراء، ولا يبعدون النظر إلى أمام، وإنما ينظرون إلى هذا الرجل الذي قام بينهم يعمل ويدعوهم إلى العمل، ويأمل وينفخ فيهم الأمل. وكان منهم من يضعف عزمه عن هذه الأعمال الجسام، والأحداث العظام التي كان يدفع إليها «رئيس الوزراء» المستقيل؛ فكانت نظرة من الرئيس أو ابتسامة تزيل هذا الضعف، وتضع مكانه قوة على الجري والعدو، وعلى تجشم الخطوب، واقتحام الأهوال. وكان الجند والشرطة يصطدمون بالناس فيسقط القتلى ويسقط الجرحى، وتصطبغ الأرض بالدماء، ويرتفع الأنين إلى السماء، فلم تكن هذه الدماء تروع قلبًا، ولا تؤذي نفسًا، ولم يكن ذلك الأنين يبعث إشفاقًا، أو يثير شعورًا، وإنما كان أمرهم ثباتًا مظلمًا، قاتمًا، هادئًا، مخيفًا، قاسيًا، عنيفًا، لا يعرف الرحمة ولا الإشفاق، ولا يحب اللين ولا الدعة، ولا يذكر أمس، ولا يفكر في غد، ولا يستحضر بكاء الباكين، ولا شكاة الشاكين، ولا يرفق لهؤلاء الأمهات اللاتي كن يُفجعن في أبنائهن، ولا لهؤلاء الأبناء والبنات الذين كانوا يُفجعن في آبائهم، ولا لهؤلاء الزوجات اللاتي كن يُضطررن إلى حياة الأرامل والأيامى.
    وكذلك مضت أشهر وأشهر، وكذلك مضى عام وعام، وكذلك أُكرهت «مصر» على غير ما كانت تحب، وكذلك أوذي المصريون في أكرم ما كانوا يحبون. ثم عملت الأيام عملها، وأحدث الزمان آثاره، فَرَثَّت صلات الود بين «الرئيس المستقيل» وزملائه، وأخذ بعضهم يتنكر لبعض، وأخذ بعضهم يمكر ببعض، وأخذ بعضهم يضع العقبات أمام بعض، حتى ساءت الحال، وفسد كل شيء بين الأصدقاء المتعاونين، أو قُل بين الشركاء المتشاكسين، واضطر الرئيس إلى أن يستقيل ليتخفف من بعض الأثقال، ويخلص من بعض الزملاء، ثم يؤلف وزارته من جديد، يضع فيها قومًا مكان قوم، ويختار لها أفرادًا أقدر على استئناف المضي في الطريق المرسومة أول الأمر، وهم إن دُعوا أو اشتركوا، ووثبوا إلى الحكم، سيسيرون مع الرئيس الجديد سيرتهم مع الرئيس القديم، سيشاركون في كل شيء، وسيتضامنون في كل شيء، حتى يخلصوا غدًا كما خلصوا اليوم، ليس عليهم بأس، وليس عليهم جناح، وليس ما يمنعهم من الاستعداد للوثوب مع رئيس آخر إن دُعوا إلى الوثوب.
    لو قيل هذا الكلام في غير «مصر» لأنكره الناس إنكارًا شديدًا، ولو وقعت هذه الأحداث في غير «مصر» لضاق بها الناس ضيقًا شديدًا؛ ولكن هذا الكلام يقال في «مصر» فلا ينكره أحد، وهذه الحوادث تقع في «مصر» فلا يضيق بها أحد أو لا يظهر الضيق بها أحد؛ لأن المصريين قد عرفوا منذ عهد بعيد أن فيهم جيلًا من «المستوزرين»، دأبهم أن ينتظروا الحكم إن بعدوا عنه، وأن يقبلوا الحكم إن دُعوا إليه، وأن يطيعوا رئيسهم ما وجبت طاعته، وأن يلبوا دعوة غيره متى نهض بالأعباء. هذا جيل موجود في «مصر» منذ زمن بعيد، يعرفه المصريون حق المعرفة، وينكره المصريون أشد الإنكار، ولكن ما حيلة المصريين فيه؟ لقد وُجد واتخذ لنفسه هذه الصناعة، ولو كان أمر «مصر» إليه لردت هذا الجيل إلى حيث ينبغي أن يكون بعيدًا عن السياسة أشد البعد، نائيًا عن الحياة العامة أشد النأي؛ لأن هذا الجيل لا يصلح للسياسة، ولا يصلح للحياة العامة، أحب الحكم للحكم، فاقتنع الأجنبي بأن أمر مصر يسير، ما دام بين أبنائها من ينهضون بأعباء السياسة في غير شرط ولا ما يشبه الشرط.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا ينسوه، وأن يفتحوا أعينهم ليروا من وراء هذه الغيوم الرقيقة ما يأتيه جيل «المستوزرين» من هذه الحركات الملتوية المخزية التي لن تنتهي إلا إلى ما يسوء. يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء التي تُتلى عليهم في «الصحف» كل يوم على أنها أسماء الذين قد يُدعون إلى تأليف «الوزارة» أو إلى الاشتراك فيها؛ فسيرون أصحابها كلهم أو أكثرهم من أصدقاء «الرئيس المستقيل»، ومن أعوانه المقربين أو الذين كانوا مقربين، ومن الذين شاركوه في إقامة هذا النظام الجديد، ومن الذين شاركوه في تقييد الحريات، ومن الذين شاركوه في كل هذه السياسة التي انتهت إلى شر ما هي عليه الآن، وهم جميعًا أطهار أبرار، خليقون في رأي أنفسهم، وفي رأي أصحابهم وأنصارهم أن ينهضوا بأعباء الحكم مرة ومرات.
    نعم، يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء وأن يفكروا ويطيلوا التفكير في لعب الحوادث وسخرية الظروف، وإلا فأي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يشاركون «صدقي باشا» في كل ما يأتي، ثم يتأهبون الآن ليرثوا «صدقي باشا» في الحكم، كأنهم لم يعاونوه ولم يظاهروه، ولم يتضامنوا معه في شيء؟ أي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يذكرون أن تركة «صدقي باشا» ثقيلة ويفصلون ثقلها تفصيلًا، وهم الذين أحدثوا معه هذه التركة الثقيلة، ثم هم في الوقت نفسه يستعدون للاستيلاء على هذه التركة ليزيدوها ثقلًا على ثقل.
    يجب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير، وأن يذكروا ولا ينسوا أن التبعات التي يحتملها «صدقي باشا» أمام أمته ووطنه وربه ثقيلة أثقل مما يظن «صدقي باشا»، ولكنه لا يحتملها وحده، وإنما يحتملها معه هؤلاء الذين ظاهروه وأيدوه أمس، والذين يولونه ظهورهم اليوم، ويتأهبون لخلافته على الحكم. ليس الإخفاق الذي أصاب «صدقي باشا» مقصورًا عليه، وإنما هو حظ شائع بينه وبين زملائه الوزراء، بل بينهم وبين أصدقائهم وأوليائهم من هذين الفريقين اللذين كانا يسميان أنفسهما إلى وقت قريب «الحزبين الشقيقين». وما أشد سخرية الظروف التي تصور «صدقي باشا» كأنه وحده المسؤول وكأنه وحده الملوم، وتصور شركاء «صدقي باشا» كأنهم القادرون على إصلاح ما أفسد رئيسهم المستقيل.
    يجب أن يفكر المصريون في هذا كله، وأن يسجل المصريون هذا كله، وأن يثبت المصريون أن هذا العبث الذي يجري من وراء ستار لا يخدع أحدًا، وإنما يخدع العابثين أنفسهم، وأنه لا يزيد على أن يكون عبثًا، وأن مصيره لن يكون خيرًا من مصير تلك السياسة التي فرضها «الرئيس المستقيل» على أمته أكثر من ثلاثة أعوام. ثم يجب ألا ييأس المصريون من أن أمورهم مردودة إليهم من غير شك، ومن أنهم سيحولون بين خصومهم وبين هذا العبث الذي أسرفوا فيه إسرافًا شديد الخطر على الكرامة والمنافع والأخلاق.
    [1] كوكب الشرق في ٢٤-٩-١٩٣٣.

    رئيس
    قيل لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
    وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
    و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
    والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
    «عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
    وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
    كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
    فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
    نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
    وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
    وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
    وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
    نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
    والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
    [1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.

  • بريطانيا والسيادة ومسألة التبشير | Britain, Sovereignty, and the Missionary Question

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.

    تحريض
    ولكنه لا يثير أحدًا، ولن يهيج أحدًا. ولن يغيظ أحدًا، لأن سره واضح والكيد فيه ظاهر، والمكر فيه أوضح من أن يخفى على الناس.
    فأنت قد قرأت – من غير شك – هذه الرسالة التي أبرق بها مكاتب التيمس إلى صحيفته ونشرتها الصحف مساء السبت. وأنت قد رأيت فيها، من غير شك هذه الجملة المريبة التي ختم بها مراسل التيمس حديثه عن موقف المصريين من التبشير والمبشرين. وأنت قد فهمت – من غير شك – أن مكاتب التيمس ليس راضيًا ولا مسرورًا لأن أمر المبشرين لم ينتج النتيجة التي يتمناها المستعمرون، ولم ينته إلى الغاية التي يريدون أن ينتهي إليها وهي الفتنة المظلمة القاتمة التي يختلط فيها كل شيء، ويفسد فيها كل شيء، وتفترق فيها الآثام، وتجترح فيها الجنايات، ويكون فيها الاعتداء على الأنفس والأموال، وتكون فيها الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، ويضطرب فيها النظام إلى أقصى غايات الاضطراب، ويلجأ فيها الأجانب إلى دار المندوب السامي مستغيثين ومستجيرين، فتسرع إليهم بالغوث، وتمد لهم في الجوار، وتعلن إلى مصر ولغير مصر أنها مضطرة إلى العمل لحماية الأنفس والأموال، وصيانة الأمن والنظام، بعد أن عجزت الحكومة عن أن تحمي الأنفس والأموال، وتصون الأمن والنظام.
    هذا هو الذي يتمناه المستعمرون، ويودون لو ظفروا به، ووفقوا إليه، ومن يدري؟ لعلهم يضيقون بهدوء مصر، ولا يكفيهم أن تضطرب فيها النفوس، وإنما يريدون هذا الاضطراب البغيض الذي يمكن من انتهاز الفرص والصيد في الماء العكر كما يقولون. ومن المرجح أن مكاتب التيمس لا يرضيه أن يرى مصر – كما هي الآن – ساخطة أشد السخط، ولكن في هدوء يحرج ويغيظ، فهو أشبه بهذه السيدة الجميلة الفاتنة التي لا يعجبها هدوء البحر واستقراره فتتمنى على ربان السفينة لو ثارت عاصفة أو هاج البحر بعض الهيجان لتضطرب السفينة شيئًا من الاضطراب.
    مكاتب التيمس يسجل أن الحكومة اضطرت إلى أن تتخذ احتياطات شديدة لتخفف السخط على المبشرين وتهدئ إنكار الناس لما يقترفون من إثم، وما يسرفون فيه من عدوان. وكنا نحب لو أن الحكومة اتخذت من الإجراء ما يهدئ سخط الناس حقًا، واضطرت مكاتب التيمس إلى أن يسجل شيئًا غير الذي سجله، إلى أن يسجل مثلًا أنها أغلقت بعض معاهد التبشير لتكف عدوانهم فيهدأ الناس، وتمحو آثامهم فيرضى الناس، ويسجل مثلًا أنها انتفعت بالإذن الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة في تنظيم المراقبة التي تفرض على المبشرين، فأسرعت في هذا الحديث وفرغت منه وهيأت مشروع قانون يمكنها من هذه المراقبة، فجدت في إصدار هذا القانون كما تجد في غيره من الأعمال التي لا تدعو إليها حاجة قاسية ولا تفرضها ضرورة ملحة. ويسجل مثلًا أن الحكومة قد فهمت واجبها على وجهه، ونهضت بهذا الواجب كما ينبغي أن تنهض به الحكومة الرشيدة التي تعرف حرمة الدولة وتريد أن ترعاها، والتي تقدر كرامة الدولة وتريد أن تحفظها، فرأت أن مراقبة التبشير والمبشرين لا تكفي لإرضاء المصريين ورعاية حرماتهم والمحافظة على كرامتهم. وإنما السبيل في ذلك أن يمنع التبشير في مصر منعًا، وأن يحظر على الأجانب مهما يكونوا أن يدخلوا بين الناس وبين عقائدهم ودياناتهم، فهيأت مشروع قانون تمنع به التبشير وتحرمه تحريمًا. ويسجل مثلًا أن الحكومة المصرية فهمت آخر الأمر أن التبشير إنما يقبل في بلاد الهمج والمتوحشين، لا في بلاد الحضارة الراسخة والمدنية الراقية، وأن مصر عرفت المسيحية قبل أن تعرفها أوروبا وأمريكا، وحمت المسيحية قبل أن تحميها أوروبا وأمريكا، وقام فيها للمسيحية مجد قديم ليس أقل خطرًا من المجد الذي قام لها في أوروبا وأمريكا. فلا ينبغي أن يغير قوم من الآفاقيين وطلاب الرزق على مصر باسم المسيحية التي نشأت فيها ووجدت فيها العز والأمن والمجد. وفهمت ولو بعد طول الوقت وكثرة الانتظار أن الإسلام دين خير وبر، ودين مودة ومعروف، ودين حضارة ورقي. وقد أنقذ العالم وقتًا ما من طغيان الطغاة وبغي البغاة، وظلم الظالمين، ورفع لواء العلم والحضارة ظافرًا مؤيدًا، وهو اليوم كما كان أمس قادرًا على أن ينقذ أهله وغير أهله من الظلم والبغي والطغيان، وهو اليوم – كما كان بالأمس – قادر على أن يظل العلم ويحميه، وعلى أن يظل الحضارة ويرعاها. وما ينبغي لبلد تعيش فيه المسيحية والإسلام في مودة وصفاء أن يفسد أمره الأجنبي متعصبًا لدين على دين، معتديًا باسم دين على دين، مفسدًا لما بين الدينين من المودة وحسن الجوار، باعثًا لهذه العواطف المنكرة، عواطف التعصب والحقد والبغض باسم العقيدة والدين.
    كنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا قد فهمت هذا كله فتحدثت إلى المندوب السامي وإلى غيره من الوزراء المفوضين في تحريم التبشير، واجتثاث أصله من هذا البلد، وكنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن الحكومة المصرية الإسلامية قد فهمت آخر الأمر أن الإسلام لا يبيح هذا النوع من التبشير في السر مرة وفي الجهر مرة أخرى، وأنه لا يقبل من غير المسلم دينًا إن مال إليه أو رغب فيه بنص القرآن الكريم، فتحدثت إلى الدول في أن دستورها يجعل الإسلام دين الدولة، وفي أنها لا تستطيع أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، فهي مضطرة إلى أن تقطع أسباب الردة، وتلغي البواعث والمغريات التي يدفع إليها الجهال والضعفاء، وتغري بها الفقراء والبائسين. كنا نود لو سجل مكاتب التيمس هذا كله ولكنه لم يستطع أن يسجله لأن حكومتنا لم تستطع أن تفكر فيه، ولا أن تهم به! ولأن علماء الإسلام في مصر لم يستطيعوا – مع الأسف – أن يجهروا به، أو يدعوا إليه، إنما استطاع مكاتب التيمس أن يسجل ما عملته الحكومة، والحكومة لم تعمل إلى الآن إلا أنها أعلنت عن نفسها، وألحت في الإعلان، ثم جدت في منع الناس من الاجتماع بحجة أن اجتماعهم يفسد النظام ويعرض الأمن للخطر، فهذه هي الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها الحكومة لحماية المبشرين. وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس مثلها الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها لحماية المصريين على اختلاف دياناتهم من الأجانب المبشرين! وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا وقفت موقف الحياد الدقيق الحازم! فكفت كلا عن كل، وصدت كل معتد عن العدوان، وكل باغ عن البغي! ولكن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لم تتح لمكاتب التيمس أن يسجل هذا، لأن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لا تعرف الشدة إلا على المصريين، ولا تعرف اللين إلا للأجانب.
    ومن المحقق أن مكاتب التيمس راضٍ عن شدة الحكومة على المصريين ولكنه ساخط على هدوء مصر وضبطها لنفسها وإيثارها للعافية واجتنابها للفتنة. انظر إليه إنه ليعلن في استحياء عن خيبة الأمل لأن غير الوفديين لا يستطيعون أن يثيروا العامة وأن يضطروا الحكومة حقًا، ويضطروها إلى استعمال العنف والشدة، متحفظ لا يدعو إلى الفتنة ولا يحض عليها. ومكاتب التيمس لا يرضيه من الوفد إلا أن يشب نار الفتنة ويضرمها ويحرق بها كل شيء، فهو يحرض الوفد على ذلك، وهو يغري الوفد بذلك، وهو يزعم ليصل إلى هذا التحريض والإغراء أن الوفد إنما يتحفظ ويجتنب الفتنة رعاية للذين يؤيدونه من الأقباط!
    تبارك الله الذي منح مكاتب التيمس من الذكاء والفطنة ما طوع له أن يكتب هذا الكلام، ولم لا؟ أليس هذا الكلام خليقا أن يثير الوفد، ويدعوه إلى أن يجد في أن يدفع عن نفسه تهمة الانحياز للأقباط والتقصير في الذود عن الإسلام، ويومئذ تثور الفتنة وتضطرم نارها ويظفر مكاتب التيمس بما يريد من الاضطراب، ولكن الله الذي منح مكاتب التيمس هذا الذكاء النادر، وهذه الفطنة البارعة منح الوفد قليلًا من الذكاء، وقليلًا من الفطنة، وهداه إلى أن الفتنة شيء ينفع الإنجليز ولا ينفع المصريين، وإلى أن الفتنة مفسدة للنهضة المصرية، وإلى أن الفتنة شيء لا يرضاه الإسلام، ولا ترضاه المسيحية، وإلى أن إثارة الفتنة جناية على مصر، وإثم في حق مصر، فهو لن يستجيب لدعوة مكاتب التيمس، ولن يحقق أمنيته وأمنية أصحابه المستعمرين، ولن يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى، وهو إنكار التبشير، لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، بل بالقياس إلى المصريين جميعًا، لا بالقياس إلى القصر والضعفاء وحدهم، بل بالقياس إلى الراشدين والأقوياء. وهو لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى فلا يكتفي منها بإنشاء الملاجئ والمدارس، وإنما يقدم على هذا كله، ويريد قبل هذا كله أن تجد الحكومة في إصدار القوانين التي تمكن الدولة من مراقبة التعليم الأجنبي كله، والتي تحرم التبشير في مصر تحريمًا. والوفد لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى والذي أعلن فيه بلسان صحفه، وفي صراحة لا تحتمل شكًا ولا ريبة أن التبشير في بلد كمصر جناية على الحضارة، جناية على الإنسانية الراقية. فلا ينبغي للحكومة المصرية أن تقره أو تسكت عنه.
    قال الوفد ذلك منذ الساعة الأولى، وهو يقول ذلك الآن، وسيقوله غدًا، وعلى الحكومة أن تسمع، وعلى الحكومة أن تنهض بالواجب بعد أن تبين لها. وما كان الوفد وإن كره مكاتب التيمس، وكره معه المستعمرون أن يضطر الحكومة إلى ذلك بالفتنة، فليس الوفد من الفتنة والثورة في شيء.
    ونحن نعلم أن هدوء الوفد يغيظ قومًا، ولكن ما رأي هؤلاء السادة في أننا سنحرص على هذا الهدوء الحازم، وفي أننا لسنا مكلفين أن نرفع عنهم آلام الغيظ.
    كوكب الشرق ٥ – ٥ – ١٩٣٣

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.

  • كلية الآداب تحت الحصار: نظرة عن قرب | The Faculty of Arts Under Siege: A Closer Look

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    استقلال
    ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
    إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
    وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
    وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
    فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
    فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
    وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
    وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
    زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
    فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
    ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
    ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
    كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
    أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
    ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
    ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
    ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
    فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
    وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
    فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
    على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
    أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
    إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
    وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
    نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
    كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣

  • طه حسين الناقد: الشرق يلتقي الغرب | Taha Hussein the Literary Critic: East Meets West

    قصة فيلسوف عاشق
    في الأدب الغربي
    للدكتور طه حسين
    واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
    وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
    ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
    وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
    وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
    ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
    ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
    وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
    ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
    وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
    وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
    أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
    فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
    ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    “أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها”.
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

    في الحب
    سيبسم لهذا العنوان قوم وسيعبس له آخرون، وسيكون بين الباسمين من يبسم عن رضا لأنه يريد أن يقرأ عن الحب شيئًا، ومن يبسم عن سخرية لأنه لا يرضى أن يكون الحب موضوعًا للحديث في مجلة ينتظر منها الجد الصارم ولا يحب منها الإقبال على لغو الحديث، فأما العابسون فسيكون عبوسهم سخطًا خالصًا؛ لأن حديث الحب لهو كله، وما أكثر الصحف والمجلات التي تلهج باللهو وتغرق فيه!

    ومع ذلك فقد كانت حياتنا في العصر الأول أسمح من هذا كله وأكثر يسرًا، وكانت أحاديث الحب لا تثير سخطًا ولا عبوسًا وإنما تثير رضا وابتهاجًا وتدعو إلى الروية والتفكير في كثير من الأحيان، وقد مضى في تاريخنا الأدبي والعقلي عصر لم يكن الحب فيه هزلًا ولا دعابة، وإنما كان جدًّا خالصًا لا يخلو من صرامة وحزم في كثير من الأحيان، فلم يكن حب الغَزِلين في شمال الحجاز وفي نجد لهوًا ولا مجونًا، ولا مصدرًا للدعابة والفكاهة، وإنما كان جزءًا من جد الحياة اقتضته ظروف من السياسة والدين فدُفِع إليه الغَزِلون في شيء من التصوف لعله خير ما يستحق البقاء من شعرنا العربي القديم، ونحن نقرؤه فنجد راحة إليه واستمتاعًا به لا يشوبهما مجون ولا يتصل بهما ميل إلى العبث واللهو، وإنما تجد فيهما النفوس غذاءً روحيًّا يرتفع بها عن صغائر الحياة، ويعزيها عن هذه السفاسف اليومية التي تنزل بها عما تحب لنفسها من مكان رفيع. على أن هذا الهيام الذي شمل النفس العربية في نجد وشمال الحجاز لم يتردد في أن يغزو البيئات الدينية والعلمية الصارمة الحازمة في مكة والمدينة، فقد كان شعر جميل وكُثَيِّر والقيسين يُنشَد في المسجد الحرام ويُنشَد في المسجد النبوي، ويستمتع به في هذين المسجدين المطهرين قوم وقفوا أنفسهم على رواية العلم والدين لا يجدون في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ وربما تجاوز بعضهم هذا الاستمتاع بأحاديث الحب وما كان يُنشَد فيه من شعر إلى الحب نفسه؛ فشقي بالحب إن كان الحب شقاءً، ونعم بالحب إن كان الحب نعيمًا، وذاق لذته المؤلمة وحلاوته المرة، إن صح أن تكون اللذة مؤلمة وأن تكون الحلاوة مرة.

    وقد كان عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي صاحب قراءة للقرآن ورواية للحديث، وإقبال على النسك والزهد وتفرغ للعبادة والطاعة، حتى لقبه أهل مكة بالقس، فلم يمنعه ذلك حين رأى سلَّامة وسمع غناءها أن يحبها حبًّا انتهى به إلى الهيام وجعله شاعرًا غزلًا كغيره من الشعراء الغزلين. لم يجد في ذلك حرجًا ولا جناحًا؛ لأن ذلك لم يورطه في إثم ولا فسوق، وعبد الرحمن بن أبي عمار القس هو الذي يقول في سلامة هذين البيتين الرائعين:

    سلَّامُ هل لي منكمُ ناصرُ

    أم هل لقلبي عنكم زاجرُ



    قد سمع النَّاس بوجدي بكم

    فمنهم اللائم والعاذرُ





    ويزعم الرواة أن سلامة أحبت القس وحُبِّبت إليه، وهمَّت ذات يوم أن تقبِّله أو أن تضع فمها على فمه كما يقول الرواة، ولكنه امتنع عليها مؤثرًا نقاءَ القلب وصفاء الضمير، مشفقًا أن ينعم بحبها في الدنيا فيشقى بحبها في الآخرة ويصبح من هؤلاء الأخلاء الأعداء الذين ذكرهم القرآن الكريم.

    وقد آثر ابن عباس رحمه الله — كما يعرف النَّاس جميعًا — أن يسمع لغزل ابن أبي ربيعة على أن يسمع لأسئلة نافع بن الأزرق في الفقه والحديث وتفسير القرآن، فقد كان القدماء أسمح منا نفوسًا وأحسن منا استقبالًا لأمور الحياة، يعنفون بأنفسهم في مواضع العنف، ويرفقون بها في مواطن الرفق، ولا يتكلفون هذا الجد السخيف والتزمُّت الذي لا يدل على شيء، وأنا بعد هذا كله لا أريد أن أتحدث عن الحب مرغِّبًا فيه أو مرغِّبًا عنه، محسِّنًا له أو زاريًا عليه، بل لا أريد أن أتحدث عن الحب في نفسه، وإنما أريد أن أتحدث عنه من حيث إنه كان موضوعًا للبحث والدرس والتأليف عند أديبين عظيمين؛ أحدهما عربي مسلم قديم، والآخر أوروبي مسيحي حديث، فأما أولهما فهو ابن حزم الأندلسي، وأما ثانيهما فهو ستندال الفرنسي، فقد عاش أولهما في القرن الحادي عشر، وعاش ثانيهما في القرن التاسع عشر، فبينهما نحو ثمانية قرون، وهما بعد ذلك يختلفان أشد الاختلاف ولا يكادان يتفقان إلا في الشيء اليسير جدًّا.

    فابن حزم مسلم متعمق للإسلام، يؤمن به إيمانًا صادقًا متينًا، يرتفع به إلى شيء يوشك أن يكون نسكًا، وهو قد وقف حياته أو أكثر حياته على تعمق العلوم الإسلامية والعربية؛ فهو متقن لرواية الحديث، محسن للفقه، متخصص في الكلام متفوق في الجدل، عالم بشئون الفرق الإسلامية، مهاجم لأكثرها مدافع عن أقلها، منافح عن الإسلام، ناقد لما ورث المسيحيون واليهود من المسيحية واليهودية، عارض لكل مسألة من مسائل الدين بالدرس والنقد والتحليل، مظهر رأيه فيها، مؤيد له بما يرى أنه الحجة القاطعة والبرهان الساطع الذي لا يمكن الشك فيه، فهو بذلك رجل من رجال الدين، ومن رجال الدين الذين وقفوا أنفسهم وحياتهم على درسه واستقصائه، والذود عنه والقيام من دونه.

    وهو صاحب مذهب بعينه في الدين ليست عليه كثرة المسلمين؛ فهو ظاهري يؤثر النص ويكره التأويل، ولا يحب التأوُّل ولا يميل إلى التأويل، وهو من أجل ذلك لا يُخاصَم في الكلام وحده وإنما يُخاصَم في الفقه أيضًا، وهو من أجل ذلك متقن للغة أشد الإتقان، متعمق لكل ما يتصل بها من علم أشد التعمق؛ فهو لغوي، وهو نسابة، وهو راوية للشعر والأدب والأخبار، ثم هو قبل هذا كله من أسرة قد تولت الوزارة واتصلت بالقصور وعملت في الدواوين ودبرت أمور السياسة، وقد شارك في بعض ما نهضت به الأسرة من الأعباء، ولكنه صرف نفسه عن السياسة، أو صرفته الظروف عن السياسة إلى العلم، فأحاط بكل ما كانت تتكون منه الثقافة الإسلامية العربية في ذلك الوقت، ثم لم يكتفِ بأن يكون عالمًا ممتازًا، بل أراد أن يكون معلمًا ممتازًا أيضًا، ومؤلفًا ممتازًا كذلك، هذا هو ابن حزم.

    أما ستندال فقد نشأ في عصر الثورة الفرنسية، وشارك في الخطوب السياسية والعسكرية التي امتلأ بها عصر نابليون وقاتل في غير موقعة من مواقع هذا القائد العظيم، وشهد الأحداث الكبرى التي اضطربت لها فرنسا ثم اضطربت لها أوروبا ثم اضطرب لها العالم كله في آخر القرن الثامن عشر وفي النصف الأول للقرن التاسع عشر، وهو بحكم نشأته وبيئته والعصر الذي عاش فيه، مسيحي اللون حر الضمير واسع الثقافة إلى أبعد حد ممكن، ولكنه لم يكن وزيرًا ولم يحاول أن يكون وزيرًا، ولم يكن معلمًا ولم يحاول أن يكون معلمًا، وإنما عاش لنفسه أولًا، ومُنِح قلبًا ذكيًّا وعقلًا خصبًا وضميرًا حيًّا ونبوغًا فنيًّا ممتازًا، فلم يجد بدًّا من أن يصور حياته وحياة النَّاس من حوله وحياة العصر الذي عاش فيه.

    فالاختلاف بين هذين الرجلين بعيد إلى أقصى غايات البعد، ولكنهما على ذلك يلتقيان في بعض الأمر، فكلاهما أوروبي المولد والنشأة؛ وُلِد ابن حزم ونشأ وعاش في إسبانيا، ووُلِد ستندال وعاش في فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.

    وقد ذكرت آنفًا أن ابن حزم عربي مسلم، وما أردت بعروبته هذا المعنى الضيق الذي يتصل بالجنس والنسب؛ فقد يقال إن ابن حزم لم يكن عربيًّا صليبة، وإنما أردت هذه العروبة التي تتصل بالثقافة والسياسة والدين واللغة والنشأة، وهذه الخصائل التي هي أهم ألف مرة ومرة من الجنسية والعنصرية.

    فقد كان الرجلان إذن أوروبيين، ولكن أحدهما عربي الحياة والآخر فرنسي الحياة، وأحدهما من أبناء القرن الحادي عشر والآخر من أبناء القرن التاسع عشر، وقد كان الرجلان يلتقيان في شيء آخر؛ فكلاهما عاش في عصر فتنة واضطراب. عاش ابن حزم في عصر انهيار الدولة الأموية في الأندلس وانتثار النظام السياسي في هذا الجزء من أوروبا، وقل إن شئت في هذا الجزء من العالم الإسلامي القديم، وقد شهد ابن حزم انتقال السلطان من بني أمية إلى حجابهم، ثم انهيار الأمر حول هؤلاء الحجاب، وقيام ملوك الطوائف، وتدخل البربر في شئون العرب الإسبانيين، ثم هو لم يشهد ذلك من برجه العاجي، وإنما شهده شهود المشارك فيه، المصطلي بناره، المتحمل لآثاره، فذاق السجن ونُفِيَ من الأرض وتقاذفته مدن الأندلس، بل تقاذفته مدن العالم الإسلامي الغربي؛ فهو قد عبر إلى إفريقية، وهو قد عبر إلى الباليار، وهو قد لقي في هذا كله ألوانًا من المحن وضروبًا من الخطوب.

    وعاش ستندال في عصر الثورة وفي عصر الحروب التي أثارها نابليون أو أُثِيرت عليه، وشارك في هذه الحروب فانتصر حين انتصر نابليون وانهزم حين انهزم نابليون، واضطرته هذه الحروب إلى التقلب في أقطار أوروبا، فذهب إلى ألمانيا والنمسا والروسيا وأقام في إيطاليا فأطال الإقامة وعاد آخر الأمر إلى فرنسا.

    وليس المهم بالقياس إلى هذين الرجلين أنهما عاشا في عصر فتنة واضطراب وتأثرا بهما في حياتهما المادية، وإنما المهم أن كليهما قد مُنِح حسًّا دقيقًا وشعورًا رقيقًا، وعاطفة ثائرة، ومزاجًا حادًّا وذوقًا رفيعًا، فتأثر بهذه الفتنة وتأثر بهذا الاضطراب، وعاش عيشة سخط وشذوذ وقلق لا عيشة رضا واطمئنان وحرص على ملاءمة الجيل الذي كان يعيش فيه.

    كان ابن حزم شاذًّا في إسبانيا المسلمة المضطربة، وكان ستندال شاذًّا في فرنسا المسيحية الثائرة، وكان كلاهما ساخطًا على ما يرى، منكرًا لما يشهد، عاكفًا على نفسه يتسلى بعلمه وأدبه عما يجري حوله من الخطوب.

    في هذا كله كان الرجلان يختلفان ويتفقان، ومن هنا فرغ ابن حزم لعلوم اللغة والدين، وفرغ ستندال للقصص والإنشاء الأدبي الخالص، ومن النافع أن نقف عند هذين الكاتبين وقفة قصيرة؛ فقد يكون من المفيد أن نرى كيف عُنِيَ الأديب المسلم القديم والأديب المسيحي الحديث بهذا الأمر الخطير الذي هو الحب.

    وإذا قلت إن الحب أمر خطير؛ فإنما أصدر في ذلك عن ابن حزم من جهة وعن ستندال من جهة أخرى، ولست في حاجة إلى أن أصدر في ذلك عن شعر الشعراء ولا عن أدب الأدباء ولا عن الحياة نفسها؛ لأني لا أكتب فصلًا في الحب من حيث هو، وإنما أكتب فصلًا في الحب كما صوره هذان الأديبان.

    والظاهر أن الحب قد كان خطيرًا حقًّا في إسبانيا المسلمة أيام ابن حزم، وليس أدل على ذلك من أن هذا المحدث الفقيه المتكلم الفيلسوف المنفي من أرض وطنه قد فرغ لكتابة رسالة فيه، وهو لم يفرغ لكتابة هذه الرسالة إلا لأن صديقًا من أصدقائه الفقهاء المحدثين المتأدبين قد طلب إليه أن يكتب هذه الرسالة، فلولا أن الأمر له شيء من خطر لما طلب هذا الفقيه المحدِّث الأديب إلى ابن حزم أن يفرغ له ويكتب فيه، ولما أجاب ابن حزم إلى ما طُلِب إليه وهو على جناح سفر قد أُزعِج عن وطنه واستقر في شاطبة لينتقل منها إلى منفًى آخر.

    ثم نحن نقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب قد شغل ابن حزم في حياته كلها كما شغله الفقه والتفسير والحديث والكلام، ونقرأ كتاب ابن حزم فنرى أن الحب لم يشغله وحده، ولم يشغله مع صاحبه الذي طلب إليه تأليف الكتاب وحدهما، وإنما الظاهر أنه كان يشغل النَّاس جميعًا في إسبانيا المسلمة لعهد ابن حزم، ولعله كان يشغل المثقفين والممتازين أكثر مما كان يشغل غيرهم من الناس.

    أما في فرنسا فالحب شيء خطير في كل وقت لا يحتاج ذلك إلى دليل، ولكنك سترى أن ستندال لم يكن يقدر الحب كما ألِفَه مواطنوه الفرنسيون.

    أكاد أعتقد أن في نفوسنا من إسبانيا المسلمة صورة غير مطابقة للحقيقة الواقعة أثناء القرن الخامس للهجرة على أقل تقدير، فنحن نقرأ فقهًا وفلسفة وحديثًا وكلامًا وتفسيرًا ولغة، ونحن نقرأ أخبار الفتن والحرب فيُخيَّل إلينا أن إسبانيا المسلمة قد كانت في القرن الخامس موطن الجد المظلم والثورات المنكرة والاختلاف المؤذي للنفوس، لا نكاد نستثني من ذلك إلا هذه البيئات الخاصة التي كانت تمتاز بالعكوف على اللذات والانصراف إلى الشعر والموسيقى والغناء، ولكن ابن حزم يعطينا في كتابه «طوق الحمامة» صورة أخرى لإسبانيا المسلمة في ذلك العهد، صورة وطن كان النَّاس فيه جميعًا يذوقون الحب، ويبلون لذاته وآلامه، يتعرضون له كما يتعرضون لغيره من محن الحياة، بل يتعرضون له كما يتعرضون للموت، لا فرق في ذلك بين أصحاب الجد منهم وأصحاب الهزل، ولا بين الذين يفرغون للعلم والدين، والذين يفرغون للأدب والفن، والذين يفرغون للسياسة والحرب.

    وأكبر الظن أن أمور النَّاس كلهم تجري على هذا النحو في جميع أقطار الأرض، ولكن حظوظ النَّاس من الحرية في تصوير هذا والتعبير عنه تختلف باختلاف الأوطان والبيئات والظروف، والظاهر أن إسبانيا المسلمة كانت على حظ عظيم لا في الحب وحده بل في التحدث عن الحب أيضًا، ومن الحق أن ابن حزم تحرج شيئًا أو كاد يتحرج شيئًا من الكتابة في هذا الموضوع، ولكنه لم يلبث أن يعفي نفسه من هذا الحرج بآثار رواها في أول الكتاب وبحض على الطاعة ونهي عن المعصية، وترغيب في الفقه سجَّلها في آخر الكتاب، فقد روى ابن حزم بسنده المتصل إلى أبي الدرداء رحمه الله أنه كان يقول: «أَجِمُّوا النفوس بشيء من الباطل؛ ليكون عونًا لها على الحق.» وروى آثارًا أخرى عن جماعة من السلف الصالح رحمهم الله.

    وكان هذا أشبه باستئذان للدخول في هذا الموضوع الخطير الذي يظهر أن ابن حزم فكر فيه وعاش معه منذ نشأ إلى أن مات، وأخص ما يتفق فيه ابن حزم وستندال أنهما لم يريدا أن يكتبا في الحب كتابة المتزيد المتكلف، وإنما أرادا أن يكتبا فيه كتابة العالم الذي يؤثر البحث والاستقصاء، ويعتمد على الملاحظة والمشاهدة، ويستنبط من هذا كله أصولًا وقواعد هي أشبه بالعلم وأقرب إليه من شبهها بالأدب وقربها إليه، فليس الذي يعنيهما أن يرويا الأخبار ولا أن يستنبئا الخيال ولا أن يفلسفا في غير موضع للفلسفة، وإنما الذي يعنيهما أن ينظرا إلى الواقع ويعمدا إليه ويأخذا منه في غير تكلف ولا تصنع أيضًا، كلاهما يريد العلم ويعتمد على الظواهر الواقعة، ولكن أحدهما يعيش في القرن الحادي عشر، والآخر يعيش في القرن التاسع عشر، وبين حياة العقل الإنساني في هذين العصرين أمد بعيد؛ فابن حزم يعيش في عهد الكلام وما بعد الطبيعة، وستندال يعيش في عهد العلم والتجربة، فليس غريبًا أن يكون ابن حزم فيلسوفًا حين يفسر الظواهر الواقعة، وأن يكون ستندال عمليًّا حين يفسر هذه الظواهر نفسها.

    ومن هنا عمد ابن حزم إلى تعريف الحب كما كان النَّاس في عصره يعمدون إلى تعريف كل شيء، وعمد إلى تعريفه على النحو الفلسفي الذي ألفه أصحاب المنطق؛ فهو يثبت قبل كل شيء أن الحب حقيقة واقعة لا منصرف عنها ولا تخلص منها، وأنه من أجل ذلك شيء مباح لا ينكره الدين ولا العرف ما دام لا يتجاوز حدود الدين والعرف، وهو يذكر الحب الذي ألم بطائفة من خلفاء بني أمية في الأندلس ومن خلفاء الفاطميين في مصر، والحب الذي ألم ببعض الفقهاء من أبناء الصحابة والتابعين وما أفتى به ابن عباس رحمه الله في بعض الأمور التي تتصل بالحب، ثم يذكر بعد ذلك «مائية الحب» كما يقول، وهي كلمة يأخذها من «ما»، وهي توازي كلمة «الماهية» عند الشرقيين من أصحاب المنطق والفلسفة، كأن الشرقيين يأخذون كلمتهم من «ما هو»، وكأن ابن حزم وأصحابه الأندلسيين يأخذون كلمتهم من «ما» وحدها، فيجعلون الألف همزة حين ينسبون. ومائية الحب كما يقول ابن حزم، أو ماهيته كما يقول الشرقيون؛ هي عند ابن حزم: «الاتصال بين أجزاء النفس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.» كان ابن حزم يذهب إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة من قدماء اليونان من أن هناك عنصرًا رفيعًا تأتلف منه نفس واحدة قد قُسِّمت أجزاؤها على المخلوقات ذوات النفوس، فقد يحدث اتصال بين بعض هذه الأجزاء المقسمة بين النَّاس فيكون الحب، وقد يحدث انفصال فيكون البغض، وبمقدار ما يكون الاتصال قويًّا أو ضعيفًا يقوى الحب أو يضعف، وبمقدار ما يكون الانفصال قويًّا أو ضعيفًا يشتد البغض أو يلين.

    وهذا الاتصال إنما هو ملاءمة في الشكل وتشابه في الطبع وحنين جزء من النفس إلى جزء آخر من النفس، والأعراض الطارئة هي التي تباعد بين هذه الأجزاء أو تتيح لها أن تقترب وتأتلف، وابن حزم لا يحب أن يذهب مذهب إمامه محمد بن داود الظاهري ومذهب غيره من الفلاسفة الذين يرون أن النفوس كرات مستقلة تستقر في المخلوقات إلى حين، وإنما هو يرى أن النفوس أجزاء من نفس واحدة قد قُسِّمت على المخلوقات إلى حين، ثم هي تعود إلى أصلها، وإن كان ابن حزم لم يصرح بهذه العودة في هذا الكتاب، والشيء المهم هو أن الحب عند ابن حزم لا يأتي من الأجسام وإنما يأتي من النفوس، وليست الأجسام في حقيقة الأمر إلا وسائط ووسائل تتيح للنفوس أن تتقارب أو أن تتباعد، وآية ذلك أن من النَّاس من يحب شخصًا تنقصه هذه الخصلة أو تلك من خصال الجمال الجسمي وهو يعلم أن بين النَّاس من يستوفون خصال الجمال كلها أو أكثرها، ومن يزيدون على محبوبه في هذه الخصال، فلو كان الجمال الجسمي مصدر الحب لما أمكن أن يحب الإنسان شخصًا قبيحًا أو منقوص الحسن، ونحن نعلم أن العاشقين لمن لا يبلغ الحسن فيهم أقصاه ولمن يقدر عليهم القبح ليسوا قليلين، ولا تفسير لذلك عند ابن حزم إلا أن الحب ظاهرة تتصل بالنفوس ولا تتصل بالأجسام إلا اتصالًا عارضًا، فنحن هنا أمام بحث فلسفي يتصل بما بعد الطبيعة أكثر مما يتصل بالطبيعة نفسها، أو قل: إنه يتخذ الطبيعة سلمًا يرقى فيه إلى ما بعد الطبيعة، وليس شيء من هذا كله غريبًا؛ فابن حزم يعيش في القرن الحادي عشر، والعلم عنده ما وُرِث عن الفلاسفة والمتكلمين.

    فأما ستندال فهو لا يعمد إلى التعريف ولا يفكر في الاستنباط المنطقي، وإنما يعمد إلى الاستقراء والاستقصاء، فهو لا يعرف الحب جملة وإنما يستقصي أنواع الحب عند أفراد النَّاس وعند أصنافهم، وهو يضع أصلًا في أول كتابه لا يكاد يحققه حتى يشك في دقته ويفتح باب الاستقراء والاستقصاء من جديد.

    فليس هناك حب واحد إذن، وإنما هناك أنواع أربعة من الحب؛ أولها الحب الجامح الذي يملك على النفس أهواءها وعواطفها وحسها وشعورها، والذي يندفع كالسيل لا يلوي على شيء ولا يترك لصاحبه حظًّا من أناة أو روية أو تفكير، والثاني الحب المترف الذي ينشئه التكلف وما تقتضيه الحضارة الراقية المصفاة من إتراف في الذوق، وتأنق في فنون المتاع، والذي لا يكاد يتصل بالنفس ولا بالقلب، ولا يكاد يؤثر في العاطفة أو في الشعور، وإنما هو لون من ألوان الذوق، وفن من فنون الترف، قد وُضِعت له قواعده وأصوله، وأحاط النَّاس بأسراره ودقائقه، فهم يصعدون فيه عن علم وينتهون إلى غايته عن بصيرة، والثالث الحب الجسدي الذي تدفع إليه الغرائز والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، والرابع حب الغرور الذي ينشأ عن الكبرياء وإيثار النفس بهذه الظواهر الخداعة التي يكبر بها الإنسان أمام نفسه وإن لم يكبر بها في أنفس الناس، وقد مثل ستندال لأنواع الحب هذه بأمثلة تصورها تصويرًا صادقًا وتدل عليها دلالة واضحة، فأبطال الحب المعروفون الذين تحدث عنهم التاريخ يصورون النوع الأول، والمترفون من الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر يصورون النوع الثاني، والصائد الذي يشتهي قروية رآها تهيم في الغابة فأعجبه شكلها يصور النوع الثالث، وكثرة الشعب الفرنسي في عصر ستندال تصور النوع الرابع. على أن ستندال لا يلبث أن يلاحظ أن هذا التقسيم ليس دقيقًا ولا نهائيًّا، وأن من الممكن أن ينحل كل نوع من هذه الأنواع الأربعة إلى أنواع أخرى جزئية يدل عليها بألفاظ أخرى، فأمور الحب أشد دقة وأكثر اختلافًا وأيسر تفاوتًا من أن تُستقصَى على نحو قاطع محتوم، وليس المهم عند ستندال أن تُحْصَى أنواع الحب أو تُستقصَى، وإنما المهم أن نتبين كيف ينشأ الحب وكيف ينمو وكيف يضعف وكيف يموت، وستندال يرى أن هذا كله إنما يجري طبقًا لقوانين يعرضها في هذا الكتاب، والإعجاب هو أول درجة من درجات الحب ترقاها النفس حين تتجاوز نظرتها العادية البريئة من الاكتراث إلى الشخص الذي كُتِب لها أن تحبه، فهي تبدأ بالخروج عن عدم الاكتراث إلى التفات خاص لا يكاد يتم حتى ينشأ عنه إعجاب يقف النفس عند هذا الشخص الذي التفتت إليه، ولا يكاد هذا الإعجاب يتصل حتى ترقى النفس في هذا السلم إلى درجة أخرى، وهي درجة التوق والشوق أو الطموح إن شئت، وهي الدرجة التي يقول فيها الإنسان لنفسه: أحْبِبْ إليَّ بأن أقبِّل هذا الشخص أو بأن يقبِّلني؛ فهو طموح إلى الاتصال المادي بعد أن تم الاتصال النفسي.

    ثم يرقى الإنسان إلى الدرجة الثالثة، فأنت تستطيع أن تتوق وأن تشتاق وأن تطمح، ولكن هذا كله شيء وانتظار الوصول إلى ما تطمح إليه شيء آخر، فإذا تجاوزت الطموح إلى الأمل فقد ارتقيت إلى الدرجة الثالثة في تصديك للحب، ثم لا يكاد يستقر الأمل في نفسك، أو لا تكاد نفسك تستقر في الأمل، حتى تبلغ الدرجة الرابعة، وهي الدرجة التي يتم فيها تكوُّن الحب، فأنت قد أُعجِبت ثم اشتقت ثم أملت، ثم استحال هذا كله في نفسك إلى لذة قوية تحدث بمجرد أن ترى من تحب أو أن تسمعه أو أن تمسه أو أن تتصل بسبب من أسبابه، وأنت إذا وجدت هذه اللذة مُعَرَّض لأن تجد الألم إذا انقطعت الأسباب بينك وبين من تحب، وكذلك لا تبلغ الدرجة الرابعة حتى تضطرب بين ما يحدث الحب من لذة وألم، ومن نعيم وجحيم، وإذا وُجِد الحب فلا بد له من أن ينمو، إلا أن يُقتَل يوم مولده ونموه. يبدأ حين تبلغ الدرجة الخامسة، وهي ما يسميه ستندال التبلور الأول، ومنشؤها اتصال تفكيرك فيمن تحب، فأنت لا تفكر فيه كما هو قبل أن تلتفت إليه، أو قل: إنك لا تفكر فيه كما يفكر فيه غيرك من النَّاس الذين لا يحفلون به ولا يأبهون له، وإنما تسبغ عليه شيئًا من إعجابك به وشوقك إليه وأملك فيه، وإذا أنت تضيف إليه محاسن تزعم أنها لا توجد في غيره، وإذا أنت تقوي شعورك بالغبطة حين تتصل به بمقدار ما تضيف إليه من المحاسن، فهو وحده الذي يستطيع أن يرضي ما تطمح إليه نفسك من المثل العليا في اللذة والسعادة والنعيم، وغيره لا يقدر على أن يبلغك من هذا كله شيئًا؛ لأن هذا كله موصول بما خلعت على محبوبك من المحاسن والخصال التي ميزته بها من النَّاس جميعًا، وكذلك تتصل نفسك به اتصالًا قويًّا متينًا غير مقطوع، وإذا أنت حريص أشد الحرص على استبقاء هذا الاتصال والتزيد منه في كل لحظة ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وإذا بلغت هذا الحرص فليس لك بد من أن ترقى إلى الدرجة السادسة؛ فالحرص مصدر الخوف والشك، ومتى انتهيت من الحرص إلى غايته فلا بد لك من أن تشك في أنك موفق أو غير موفق، وأنت في هذه الدرجة السادسة تسأل نفسك بين لحظة ولحظة، أيجد حبك صدى في نفس محبوبك أم لا يجد؟ ثم أنت لا تكتفي بهذا السؤال، ولا تطمئن إلى هذا الشك، ومتى اطمأن الإنسان إلى الشك؟! إنما أنت مضطر إلى أن تلتمس الدليل القاطع على أنك لم تخطئ فيما قدرت، ولم تخفق فيما طلبت، وعلى أن محبوبك يقارضك حبًّا بحب ويبادلك هيامًا بهيام، وأنت كذلك تسأل نفسك ثم تجيب نفسك، ثم تشك في الجواب فتستأنف السؤال، فإذا طال عليك هذا الأمر وظفرت بالإشارة الدالة أو اللمحة المطمعة أو الآية المقنعة فأنت راقٍ على رغمك إلى الدرجة السابعة وهي التبلور الثاني كما يسميها ستندال، فأنت قانع بأنك محبوب، وأنت تزين لنفسك هذا الحب الذي تجده والذي تطمئن إلى أن له صدى في نفس من تحب، تخلع على هذا الحب من صفات القوة والسعة والعمق والجمال ما شئت وما لم تشأ، ثم يُصبح هذا الحبُّ حياتك التي تملك عليك كل شيء، وتصرفك عن كل شيء وتأخذ عليك طريقك، وقد انتهيت الآن إلى قمة الحب، فلم يبقَ إلا أن يتصل نعيمك به أو شقاؤك، بما يمكن أن يعرض له من الضعف والفتور.

    كذلك يعرض ستندال مقدمات الحب ونشأته ونموه وبلوغه إلى أقصى غاياته، ثم هو يعود إلى هذه الدرجات بعد ذلك فيدرسها درسًا مفصلًا عميقًا يضرب له الأمثال ويستدل عليه بالوقائع، فهو كما ترى بعيد كل البعد عما بعد الطبيعة، قريب كل القرب من الطبيعة نفسها، لا يلتمس للحب حدًّا ولا رسمًا ولا تعريفًا، وإنما يميز أظهر أنواعه ثم يتبعه منذ تتهيأ النفس له إلى أن تفنى النفس فيه، وواضح جدًّا أن ستندال حين يسلك هذه الطريق إنما يذهب مذهب العلماء المعاصرين له الذين تأثروا بنشأة العلوم التجريبية وتطورها، فاعتمدوا على الملاحظة المباشرة أكثر مما اعتمدوا على أي شيء آخر.

    وقد همَّ ابن حزم أن يسلك هذه الطريق نفسها، بل هو لم يسلك إلا هذه الطريق، طريق الملاحظة المباشرة؛ فهو لا يخترع أحاديثه عن الحب اختراعًا ولا يبتكرها ابتكارًا ولا يخلقها من عند نفسه، وهو لا يكاد يلم بالفلسفة إلا حين يحاول تعريف الحب، وهو لا يقرر أصلًا من الأصول ولا فرعًا من الفروع إلا مستمدًّا له مما رأى بنفسه، أو مما وجد في نفسه، أو مما سمع من الذين لا يعرض الشك له فيما يلقون من الأحاديث، فابن حزم معتمد على الملاحظة المباشرة كما يعتمد عليها ستندال، ولكن ابن حزم لا ينتفع من ملاحظته المباشرة كما ينتفع بها ستندال، فبين الرجلين دهر طويل تطوَّر فيه العقل الإنساني، وتطورت فيه مذاهب البحث ومناهجه، ووسائل الملاحظة وأدواتها تطورًا عظيمًا بعيد المدى، فملاحظة ابن حزم دقيقة كملاحظات ستندال، ولكنها قريبة لا تتعمق ولا تكاد تتجاوز نفسها إلا قليلًا؛ لأن ابن حزم لم يظفر من أدوات البحث والاستقصاء والتعمق بمثل ما ظفر به الكاتب الفرنسي الحديث.

    وبين الرجلين فرق آخر، وهو أن ابن حزم على شذوذه الذي لفت إليه المعاصرين جميعًا في الشرق والغرب، بل لفت إليه الذين جاءوا بعده بوقت طويل، لم يستطع أن يخلص من العادة المألوفة في التفكير والاستنباط؛ فهو قد فكر كما كان النَّاس يفكرون من حوله، بل كما فكر النَّاس من قبله ومن بعده، واستنبط كما كانوا يستنبطون، لم يستطع أن يتجاوز ذلك؛ لأن وقت تجاوزه لم يكن قد آن، ولأن وسائل هذا التجاوز لم تكن قد استُكشِفت بعد.

    وقد يكون من الغريب أن ابن حزم قد صرَّح أكثر مما صرح ستندال، فستندال يزعم صادقًا أو غير صادق — ومن المحقق أنه غير صادق — أنه لم يتخذ نفسه موضوعًا للملاحظة في أي فصل من فصول كتابه؛ فهو لم يتحدث عن نفسه ولا عن عواطفه وشعوره بحال من الأحوال، أما ابن حزم فيحدثنا عن نفسه في صراحة رائعة حقًّا، ولعل أحاديثه عن نفسه هي خير ما اشتمل عليه الكتاب، وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه يحدثنا صادقًا من غير شك أنه لم يقترف في الحب إثمًا، ولم يورطه الحب في خطيئة كبيرة من الكبائر.

    وهو من أجل ذلك يحدثنا عن نفسه في صراحة وإسماح، ويقص علينا من أنبائه ما يثير في نفوسنا كثيرًا جدًّا من الرفق به، والرثاء له، والعطف عليه. فنحن نشهده في دار أبيه الوزير وقد تعلقت نفسه بجارية من جواري الدار رائعة الحسن، بارعة الجمال، قوية النفس، صادقة العزم، حازمة الجد، لا تحب العبث ولا تميل إلى الدعابة، وإنما تغرق في الجد إغراقًا يكاد يدفعها إلى العبوس، وقد اجتمع أهل الدار في يوم من الأيام التي يجتمعون فيها لبعض الأمر، وقد ألم بهم ضيف فطعموا ونعموا، وأشرفوا من بعض أطناف الدار على البستان ينظرون إليه ثم إلى النهر، ثم يمدون أبصارهم إلى أبعد من البستان وأبعد من النهر، فيرون من قرطبة وضواحيها منظرًا عجيبًا، وقد وقفت هذه الجارية عند باب من أبواب الطنف تشرف منه على هذا المنظر الرائع الجميل، وابن حزم يحتال متنقلًا ليدنو منها ويقف من مكانها غير بعيد، ولكنها لا تحس احتياله ولا تلاحظ قربه حتى تنأى وتنتقل إلى باب آخر، وابن حزم يتبعها رفيقًا دائمًا محتالًا دائمًا متهالكًا دائمًا، وهي تبعد كلما قرب، وتنأى كلما دنا، ثم يقترح مقترح أن تهبط الجماعة إلى البستان وتجلس على عشبه الأخضر بين ما يزينه من شجر وزهر فيهبط القوم، ويحاول ابن حزم أن يدنو فتنأى صاحبته، ثم يقترح مقترح على الجارية أن تغني، وكانت بارعة في العزف متفوقة في الغناء، فتضرب وتغني، ويكون هذا كل ما استطاع ابن حزم أن يظفر به من هذه الجارية، ثم تمضي الأيام وتحدث الأحداث وتلم الخطوب ويبعد العهد، ويعود ابن حزم بعد أعوام إلى وطنه في قرطبة فيرى هذه الجارية وقد ابتذلتها حوادث الدهر، واضطرتها الخطوب إلى أن تتكلف ما لا يتكلف أمثالها من المترفات، وإذا الزهر قد ذوى، وإذا الحسن قد غاض، وإذا الضر قد بدا أو كاد يبدو، ونحن نرى ابن حزم يصور نفسه لنا وقد شغَفَتْ فتاة قلبه كما لم تشغفه فتاة قط، وقد اتصل الحب بينه وبينها، ثم اختطفها منه الموت، فانظر إلى الجزع الذي ليس بعده جزع، والوجد الذي ليس بعده وجد، والعذاب الذي لا يشبهه عذاب، وإذا هو يقضي أيامًا لا يضع ثيابه ولا ينعم بطعام أو شراب، وإذا هو يذكر حبيبته مستيقظًا ويحلم بها نائمًا، ويقول في حبه لها الشعر أثناء اليقظة وأثناء النوم، وإذا الأيام تمضي حتى تصبح أعوامًا وأعوامًا، والسن تتقدم بالفتى قليلًا قليلًا حتى يصبح كهلًا ثم يصير إلى الشيخوخة، وحبه لتلك الفتاة ما زال شابًّا في قلبه لم يؤثر فيه مر الزمن ولم يستطع السلوان أن يرقى إليه.

    فابن حزم إذن يعتمد على الملاحظة المباشرة الحرة الصريحة، يلاحظ نفسه وخلطاءه، ويلاحظ النَّاس من حوله، ولكنه على هذا كله مقيد مقصوص الجناح، لا يكاد يتعمق ولا يكاد يرتفع؛ لأنه يفكر كما كان يفكر النَّاس في عصره؛ فأسبابه إلى التعمق والاستقصاء قصار لا تتجاوز به القواعد السطحية أو التي توشك أن تكون سطحية.

    وقد رتب ابن حزم كتابه ترتيبًا منطقيًّا مقاربًا، ولكنه كره أن ينفذ كتابه على النحو المنطقي الذي رتبه قبل أن يبدأ في إنشائه، وآثر أن يخالف بين الخطة المرسومة وتنفيذ هذه الخطة فوضع فصول كتابه حيث اقتضت مناسباتها أن تُوضَع، لا حيث اقتضى الترتيب المنطقي أن تكون، وهذا أيضًا دليل على أن ابن حزم قد حاول أن يتخفف من أثقال عصره ويتحرر من قيود التفكير التي كانت تمنع معاصريه من الحركة الحرة، كما نفهمها نحن الآن، ولكنه لم يبلغ مما أراد إلا أقله وأيسره.

    ودليل آخر على أن ابن حزم أراد أن يتحرر من هذه القيود فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ستندال، ولكنه مع ذلك لم يبلغ ما أراد، وهو أن ابن حزم كره أن يرجع بحديث الحب إلى ما امتلأت به كتب الأدب من أخبار العشاق والمحبين، فلم يحفل بكل ما كان من حديث الأعراب، ومن غزل الغزلين في نجد والحجاز، ومن تكلف الشعراء بعد ذلك لما تكلفوا من فنون الحب، وأبى إلا أن يقصر ملاحظته على نفسه وعلى ما رأى وما سمع من معاصريه، على حين لم يكتفِ ستندال بما رأى وما سمع، وإنما اعتمد على ما قرأ أيضًا، وعلى ما قرأ من أخبار القدماء في جنوب فرنسا نفسها وفي إسبانيا المسيحية والمسلمة، بل على ما قرأ من كتب العرب أنفسهم؛ فهو قد عرف كتاب الأغاني ونقل عنه أطرافًا من أخبار الغزلين، ومن أخبار جميل وبثينة بنوع خاص، والغريب أننا نُعجَب بابن حزم لأنه أعرض عما كان يعرف من أمر القدماء وأبى أن يعتمد على غير الملاحظة المباشرة، ونُعجَب في الوقت نفسه بستندال لأنه طلب ما لم يكن يعرف من حب القدماء، فاستقصى حب الغزلين في جنوب فرنسا وتأثرهم في هذا الحب بحضارة المسلمين في الأندلس، ثم مضى يستقصي أصل هذا الحب الإسباني حتى انتهى به «الأغاني» إلى صدر الإسلام ثم إلى العصر الجاهلي، وقد أخطأ فيما فهم من ذلك وأصاب، ولكنه حاول ما لم يتعود أمثاله أن يحاولوه، فنحن نُعجَب به من هذه الناحية، كما نُعجَب بابن حزم لأنه ترك ما لم يتعود أمثاله أن يتركوه.

    كلا الرجلين قصد إلى إجادة الدرس وإتقان البحث وتعمق الاستقصاء، ولكن أحدهما وُفِّق لما لم يُوفَّق له الآخر لأنه ملك من الوسائل والأدوات وأسباب العلم والثقافة ما لم يُتَح لصاحبه.

    على أن هناك نواحي امتاز بها ستندال ولم تخطر لابن حزم على بال، فكلا الرجلين قد حاول درس النفس الإنسانية من بعض نواحيها، وكلا الرجلين قد اتخذ هذا الدرس وسيلة إلى نقد الحياة الاجتماعية المحيطة به، وكلا الرجلين قد أعطانا صورة دقيقة أو مقاربة لهذه الحياة، ولكن ابن حزم وقف عند هذا الحد، فأما ستندال فتجاوز النقد إلى الاقتراح، فستندال ينقد الحياة الفرنسية نقدًا مرًّا، لا يكتفي بذلك بل يعرض لتربية الفتاة فيستخلص عيوبها ويرد إلى العيوب كثيرًا من آفات الحب عند الفرنسيين بل عند الأوروبيين، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يقترح مذهبًا جديدًا في تربية الفتاة لتستطيع أن تحب حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، وتلهم الفتى حبًّا صحيحًا صالحًا نقيًّا، ثم هو يتجاوز ذلك إلى الزواج، فينقد نظامه، ويقترح ألوانًا من الإصلاح تقرب المسافة بين الحب والزواج تقريبًا بعيدًا، وكل هذه أمور لم تخطر لابن حزم؛ لأنه كما قلت كان مثقلًا بقيود عصره مقصوص الجناح لم يستطع أن يتعمق ولا أن يرتفع.

    وفي كتاب ستندال لون آخر من ألوان البحث لم يخطر لابن حزم ولم يكن يمكن أن يخطر له، فستندال يبحث عن الصلة بين الحرب وبين طبائع الشعوب من جهة، وبين الحب ونظام الحكم من جهة أخرى، وهذا اللون من بحث ستندال ممتع حقًّا، ولا سيما حين يعرض لبعض خصائص الشعوب والحكومات، فالحب مقيد بارد شديد الكسل والفتور في بلاد الإنجليز؛ لأن طبيعة الإقليم وطبيعة الشعب وطبيعة الحكومة الأرستقراطية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإنجليزي خجلًا مستخذيًا لا يظهر إلا على استحياء، والحب في إيطاليا جامح مندفع لا يثبت أمامه شيء، وهو لا يستخفي ولا يتردد ولا يستخذي ولا يخجل، وإنما يظهر صريحًا حرًّا كما تظهر الشمس؛ لأن طبيعة الإقليم الإيطالي والشعب الإيطالي وتفرق السلطان في إيطاليا لعهد ستندال، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الإيطالي جريئًا عنيفًا مقدامًا، والحب في فرنسا مغرور منافق لا يكاد يثبت ولا يستقر؛ لأن طبيعة الشعب الفرنسي والإقليم الفرنسي ونظم الحكم في فرنسا بعد انهيار الإمبراطورية، كل ذلك يقتضي أن يكون الحب الفرنسي مرائيًا ثرثارًا لا يقول شيئًا ولا يصور شيئًا، فأين نحن من ابن حزم الذي لم يتجاوز بالحب وطنه الأندلسي؟! وقد خطر له مرة أو مرتين أن يَعبُر بالحب مضيق جبل طارق ففعل، ولكنه تحدث إلينا عن أندلسي باع جارية له كان يحبها لبعض البربر، ثم تبعتها نفسه، ولم يستطع السلو عنها، ولم يُرِد البربري أن يعفيه من البيع، فرفع أمره إلى السلطان في قصة طريفة مؤثرة.

    وقد مضى ابن حزم بالحب إلى الشرق فأبعد حتى انتهى إلى بغداد، ولكنه يحدثنا عن عالم أندلسي انتهى إلى حارة لا تنفذ، ورأى في هذه الحارة جارية دلته على أن الحارة غير نافذة، وكانت الجارية سافرة؛ فراعَهُ حسنها وشغفه حبها، وخاف على نفسه ودينه الفتنة فسافر إلى البصرة ومات فيها شهيدًا لهذا الحب.

    فكأن ابن حزم لم يُرد أن يعرض في كتابه لغير الحب الأندلسي، درسه في موطنه، ثم تبعه أحيانًا إلى مهاجره في إفريقية أو في بغداد.

    على أن هناك مسألة هي فيما أعتقد أجل خطرًا من كل ما عرضت له في هذا الحديث إلى الآن، لماذا ألف ابن حزم كتابه طوق الحمامة؟ ولماذا ألف ستندال كتابه في الحب؟

    أما أيسر الجواب عن هذه المسألة فهو أن صديقًا لابن حزم طلب إليه أن يضع له هذه الرسالة ففعل، وأن ستندال أنفق حياته كلها متتبعًا للحب على اختلاف صوره وأشكاله ومواطنه، فألف فيه كتابًا، ولكن هذا لا يقنعني، ويُخيَّل إليَّ أن هناك جوابًا آخر قد يكون أجل من هذا خطرًا وأبعد منه أثرًا، فكتاب ابن حزم وكتاب ستندال لم يقصد بهما إلى الحب في نفسه، وإنما قصد بهما إلى الفن، إلى فن تصوير الحب والتعبير عنه. فقد ألف ابن حزم كتابه في البلاغة إذن، وقصد به إلى أن يعلم الشعراء والكتاب — والشعراء خاصة — كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يصفونه في الشعر والنثر، وآية ذلك هذه النماذج الشعرية التي يبثها في كل فصل من فصول الكتاب، وهي نماذج ينشئها هو ولا ينقلها عن غيره، وأكبر الظن أنه صنع كثيرًا من هذه النماذج خاصة لهذا الكتاب.

    وأما ستندال فقد ألف كتابًا في النقد وفن الجمال، أراد به إلى أن يشرح أولًا مذهبه فيما عرض من أمر الحب في قصصه المختلفة، وأراد به بعد ذلك أن يعلم القصاص كيف يتصورون الحب وكيف يصورونه وكيف يعرضونه فيما ينشئونه من القصص الطوال والقصار، وآية ذلك هذه النماذج القصصية التي أضافها إلى كتابه بعد أن عرض نظرياته في الحب.

    فنحن إذن أمام كتابين من كتب العلم لم يقصد بهما صاحباهما إلى العبث ولا إلى اللهو ولا إلى مجرد التجربة، وإنما قصدا بهما التعليم قبل كل شيء.

    وقد أُعْجِبَ القدماء بكتاب ابن حزم ولكنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه أثر أدبي، على أنه غاية في نفسه لا وسيلة إلى فن الشعر، ولم يُعجَب المعاصرون لستندال بكتابه في الحب حين نشره في أوائل القرن الماضي، فقد بِيع من طبعته الأولى في عشر سنين بضع عشرة نسخة، فلما مضى على نشره عشرون عامًا أنبأنا ستندال نفسه بأنه لا يظن أن الذين ذاقوه وفهموه قد بلغوا المائة، أما الآن فقد تقدمت دراسات الحب من نواحيه المختلفة تقدمًا هائلًا، حتى أصبح كتاب ابن حزم وكتاب ستندال كتابين لهما خطرهما في التاريخ الأدبي ليس غير، ولكنه خطر غير قليل.
    الكاتب المصري فبراير ١٩٤٦

  • الأزهر: الإصلاح والتجديد | Al-Azhar: Reform and Renewal

    الأزهر ومدرسة القضاء.
    تحدثنا إلى القراء بما علمنا من أمر هذا المشروع الخفي الذي يُعد لإصلاح الأزهر ومدرسة القضاء، أو لتوسيع نطاق الأزهر وتضييق مدرسة القضاء. تحدثنا إلى القراء بما نعلم من هذا المشروع ورغبنا إلى الحكومة في أمرين لا نزال نرغب إليها فيهما ملحين. الأول ألا تتجاوز إعداد هذا المشروع إلى تنفيذه حتى ينعقد البرلمان وينظر فيه فيقره أو يأباه. الثاني أن تصدر الحكومة للناس بيانًا تظهر فيه جلية لهذا الأمر ليطمئن الأزهريون والقضائيون ومن يحرص على مصلحة الأزهريين والقضائيين. رغبنا إلى الحكومة في هذين الأمرين، وما زلنا نرغب إليها فيهما ملحين. ولكن الحكومة عرضت ويظهر أنها تريد أن تعرض عن رغبتنا هذه فلا تؤجل تنفيذ المشروع ولا تتحدث إلى الناس فيه، وإنما تريد أن تفاجئهم به مفاجأة تضعهم أمام الأمر الواقع. وكأن الحكومة كانت تريد أن يظل أمر هذا المشروع مكتومًا حتى تكون المفاجأة به. ولكن ليس من اليسير كتمان مثل هذه الأمور، فما أسرع ما أحس الناس أن شيئًا يجرى وراء ستار، وما أسرع ما تحسس الناس من هذا الشيء فاهتدوا إلى بعضه ونال منهم الخوف والإشفاق. نال منهم الخوف والإشفاق لأن إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها ليس بالشيء اليسير الذي تستطيع الناس أن يصبروا عليه أو ينظروا إليه كما ينظرون إلى نقل أو ترقية أو تعيين أو لون من ألوان هذا العبث الكثير في هذه الأيام. وإنما إصلاح الأزهر وإلغاء مدرسة القضاء أو تضييقها شيء ذو بال يمس أكبر معهد للعلوم الإسلامية في الدنيا، ويمس مدرسة دلت التجربة على أنها لم تخل من نفع كثير، ويمس نظامًا من نظم الدولة له اتصال بالحياة الدينية وبالحياة المدنية على اختلاف فروعها وهو نظام القضاء الشرعي. وكل هذه أشياء لها خطرها ومكانتها من نفوس الناس. فمن حق الناس أن يعرفوا ماذا يراد بها من حق الناس – وقد رد الدستور إليهم أمرهم – أن يقولوا كلمتهم فيما يمس الأزهر الشريف ومدرسة القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. ذلك حق للناس فلهم أن يشفقوا ولهم أن يطالبوا الحكومة بالبيان أولًا وبانتظار البرلمان ثانيًا. والحق إنا لا نفهم تكتم الحكومة ولا تعجلها في هذا الأمر. فليس إصلاح الأزهر ومدرسة القضاء سرًا من أسرار السياسة الدولية العليا يجب أن تضن به الحكومة وتحوطه بما تحاط به الأسرار. وإنما هو أمر عادي بل قل إنه أمر يمس التعليم وأمور التعليم تنتهي إلى الخير كلما كثر حولها البحث واشتد فيها جدال الآراء. وليس هناك معنى لتعجل الحكومة فقد احتملت مصر الأزهر الشريف ومدرسة القضاء كما هما إلى الآن وتستطيع أن تحتملهما كما هما أشهرًا حتى يتم اجتماع البرلمان. فليس في الأناة خطر على مرافق الدولة أو مصالح الناس. وإنما هذا تعجل مدعاة إلى سوء الظن. فإن يكن هذا المشروع خيرًا فلم لا ينتظر البرلمان لتنفيذه؟ وإن يكن هذا المشروع شرًا فلم لا يشفق الناس عن تنفيذه دون مشورة البرلمان؟
    يقال إن الحكومة تريد أن تضيف إلى الأزهر الشريف أقسامًا للتخصيص في أنواع العلوم المختلفة يدخلها الطلبة أو العلماء متى نالوا شهادة العالمية بعد أن يمضوا اثني عشر عامًا في الأزهر ويمكثون فيها ثلاث سنين ينالون بعدها شهادة عليا تثبت اختصاصهم وتفوقهم فيما درسوا عن علم. ويقال إن مدرسة القضاء ستكون أحد هذه الأقسام ولكن تستغرق أربع سنين لا ثلاثًا. ثم يقال إن هناك رأيًا في اللجنة التي تعد هذا المشروع يقضي بأن يختار طلاب هذه المدرسة من حملة الشهادة الثانوية في الأزهر على أن يدرسوا في المدرسة أربع سنين ينالون بعدها شهادة العالمية ثم يتخصصون أربع سنين أخرى ليكونوا قضاة. ويقال مع هذا إن قسم الاختصاص القضائي لن يغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين يخرجون من الأقسام الأخرى كما أن مدرسة القضاء الموجودة الآن لا تغلق أبواب القضاء على الأزهريين الذين لم يدخلوها. وإذن فلسنا نستطيع أن نفهم معنى الإصلاح ولا إنشاء قسم للاختصاص في القضاء. ويقال إن في اللجنة خلافًا حول كتاب المحاكم الشرعية يرى قوم أن يؤخذوا من العلماء الذين لم يتخصصوا للقضاء ولكنهم درسوا في مدرسة القضاء الشرعي على نظامها الجديد. ويرى قوم آخرون أن يؤخذوا من حملة البكالوريا على أن يمروا بمدرسة القضاء حينًا طويلًا أو قصيرًا.
    كل هذا يقال. وكل هذا حق أو أكثره حق. ولكن أَكُلُّ هذا حسن؟ أَكُلُّ هذا سيئ؟ هذا شيء لا نستطيع أن نقوله في كلمة قصيرة كهذه ولا نستطيع أن نستنبطه من معلومات قليلة غامضة مشكوك فيها وإذن فمن الخير أن تصدر الحكومة بيانًا وأن تنشر هذا المشروع. ومن الخير بوجه خاص ألا تتعجل الحكومة في تنفيذ هذا المشروع قبل أن تأخذ فيه رأي البرلمان. ولسنا نشك في أن الأزهر في حاجة شديدة إلى الإصلاح وكذلك مدرسة القضاء. وأيّ شيء في مصر لا يحتاج إلى إصلاح؟ ولكنا لا نشك في أن أمر مصر قد رد إليها وأن رأي البرلمان في إصلاح النظم المصرية على اختلافها أدنى إلى الصواب وأحق أن يتبع من رأي حكومة فردية ولاسيما وقد كثرت الإشاعات وساءت الظنون… فمن الناس من يرى في هذا المشروع حركة سياسية يراد بها إرضاء قوم على حساب قوم آخرين… وقد نتمنى ألا يكون هذا حقًا. ولكنا نعلم أن هناك سبيلًا واحدة لإثبات أن هذا باطل وأنه إشاعات لا قيمة لها. وهذه السبيل هي ألا تنفذ الحكومة هذا المشروع حتى ينعقد البرلمان ويقول كلمة فيه.
    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٢٣.

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت “السياسة” وغير “السياسة”. وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.

    توسع
    بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
    ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
    ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
    هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
    يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
    هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
    يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
    الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
    الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
    سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
    فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
    أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
    لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
    ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
    ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
    ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
    كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
    ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
    يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
    كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣

    بلاء
    كان بلاء حسنا، وكان بلاء سيئا هذا الذي أبلاه شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ أمس، فرفع كلمة الإسلام، وأعز دين الله، ونشر لواء الحق ظافرا منصورا، وأظهر نور الله واضحا باهرا، لا يغشاه ظل، ولا تخفيه ظلمة، ولا يحول بينه وبين الناس غيم صفيق أو رقيق، ولكنه على هذا كله لم يصنع شيئا ولم يفد الإسلام قليلا ولا كثيرا.

    كان بلاء حسنا حقا هذا الذي أبلاه أمس، شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه أمس عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ، وكيف لا يكون بلاء حسنا هذا الجهد العنيف الذي بذله الشيخ أمس منذ ابتدأت الجلسة إلى أن ختمت فقام على المنبر يدعو إلى كتاب الله، ويذود عن كتاب الله، ويلح في تحفيظ كتاب الله، ويشفق أن يضيع كتاب الله. والشيوخ يستمعون له أول الأمر، ثم لا يلبثون أن يضيقوا به شيئا فشيئا، ثم يستحيل هذا الضيق إلى تبرم، ثم إلى سخط، ثم إلى هياج، ثم إلى تفرق عن الشيخ وانسحاب من الجلسة، ويكون أول المتفرقين، والسابق بين المنسحبين صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    تبارك الله، ما أثقل كلام الشيوخ على آذان الشيوخ! وما أضيق رجال الدين ببراعة رجال الدين! تبارك الله، ألم يكن يجب لهذا المجاهد الصادق في سبيل الله، ولهذا الخطيب الناطق بحجة الله، ولهذا البطل الذائد عن دين الله، ولهذا الفارس المدافع عن كتاب الله، ألم يكن يجب له شيء ولو قليل جدا من التشجيع والتأييد يبذله له، ويمده به صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي جعلت الظروف إليه حماية الإسلام، ورعاية حرماته، والدفاع عن القرآن، والذود عن ذماره، ولكن شيخ الأزهر سخط وثار، ثم نهض فطار، وأسلم الشيخ الخطيب للتقريع والتأنيب، فجعل الشيخ يصول ويجول، ويسكت ويقول، ويقصر ثم يطول. والأعضاء من حوله بين مقبل عليه، مصغ إليه، وبين معرض عنه، نافر منه، حتى إذا بلغ به الجهد أقصاه، رفق به منهم رفيق، فدعا له بقدح من ماء شربه الشيخ فعاد إليه النشاط وقويت في جسمه حركة الحياة، فانطلق لسانه وتدفق بيانه، وعظم سلطانه، وطغى سيله، واشتد ويله، حتى صاح وزير التقاليد: «واغوثاه، واغوثاه، أنحن في مدرسة من مدارس اللغة، أم في مجلس من مجالس التشريع؟».

    والشيخ يزأر ويهدد، ويضطرب ثم يستقر، ويذكر المواضيع وصوابها الموضوعات، ويذكر المظاريف وصوابها الظروف، ويذكر الكيلومتر ويريد أن توضع مكانها الذراع، ويذكر مجانا وصوابها بالمجان، ويذكر الجغرافيا وصوابها تقويم البلدان.

    ووزير التقاليد يسكت فيطيل، ويعتدل ثم يميل، ورئيس المجلس ينبه، والشيخ لا ينتبه، وعضو من المجلس يهبط على الشيخ فيزعق الشيخ في وجهه زعقة ترتج لها أنحاء المجلس: «لأمضين في الكلام حتى الصبح». ويمضي ثم يمضي. وقد أخذ المجلس وجوم، وتساقطت على المجلس هموم، ويرقى إلى الخطيب شيخ من رجال الدين، ثم شيخ آخر من رجال الدين. هذا يستعطفه، وهذا يستكفه عن القول، ولكن الشيخ لا يعطف ولا يكف، بل يمضي. يا لها من جذبة روحانية رائعة، بسطت سلطان الشيخ على الميدان حتى خلا من كل منازع. ثم يقترح الشيخ تعديلا لمادة من مواد القانون، ويريد الشيخ بهذا التعديل أن يفرض على أبناء المسلمين جميعا حفظ القرآن، ويأخذ الشيخ في الدعوة إلى الله، وفي إنهاض الهمم، وإثارة الحفائظ وتنبيه الشعور، وإذكاء العواطف. فيستجيب للشيخ رجال ليس منهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر. والشيخ ماض في إنهاض الهمم والدعوة لله، ولو قد خلى بين الشيخ وما أراد لظفر وانتصر، وأصبح حفظ القرآن كله فرضا على أبناء المسلمين، ولكن الجلسة ترفع، ويخرج الرئيس ويتبعه الأعضاء، ويخرج الشيخ مع الخارجين، ثم يعود مع العائدين، ثم يؤخذ الرأي فإذا حفظ القرآن فرض كفاية، لا فرض عين، يقوم به من أراد من المسلمين كما أحب القانون، لا كل المسلمين كما كان يريد الشيخ. والشيخ مصر على رأيه ملح فيه، ولكن الاتفاق قد تم خارج الجلسة، وأمن المجلس من أن يؤخذ على غرة. وانتهى الأمر كما بدأ، وذهب جهد الشيخ الجاهد في غير طائل، وضاعت على المجلس جلسة كاملة لو لم يشغلها الشيخ ببيانه الرائع ودفاعه البارع لأتيح للأعضاء أن يفرغوا لدرس القانون، وتمحيص طائفة من مواده كانت تحتاج إلى التمحيص.

    وكان نفر من رجال التعليم الإلزامي قد أقبلوا ليشهدوا المجلس ويسمعوا ما يقال فيه حول هذا الموضوع ذي الخطر العظيم، فرأوا الشيخ وسمعوه، ولم يروا المجلس ولم يسمعوه، وإذا أبى الله توفيقه على بعض الناس دفعهم إلى الإغراق في الصمت أو إلى الإغراق في الكلام، فأضاعوا الحق، وعطلوا المنفعة بالأمرين جميعا.

    في هذه الجلسة عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، ودرس لمن أراد أن يفهم الدروس. فيها أن الإغراق في الصمت كما كان يفعل شيوخ الأزهر مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن الإغراق في الكلام كما فعل الشيخ أمس مضيع للحق، معطل للمنفعة. وأن خير الأمور أوسطها، وأن الإسراف لا خير فيه مهما يكن مصدره ومهما تكن غايته، ومهما يكن موضوعه.

    وفيها أن صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد وقف أمس موقفا لم يكن ينبغي له، فقد كان من الحق عليه، وعليه قبل أي إنسان آخر أن يقول في هذا الموضوع كلمة رجال الدين فيقر بها الأمر في نصابه، ويبين للمجلس طريقة واضحة جلية، لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الشيخ راغ وزاغ، وآثر الصمت ثم آثر الانسحاب ثم عاد موثرا للصمت، فلا هو غاب عن الجلسة، ولا هو شهدها، فكان شهوده نافعا مفيدا، كان من الحق عليه أن يأخذ صاحبه بالصمت، وأن يبين أن الله عز وجل أرفق بعباده من أن يفرض عليهم جميعا حفظ القرآن كله، وأن الخير في أن تنهض بحفظ القرآن جماعة صالحة من أبناء المسلمين كما أراد القانون، ولكن الشيخ أشفق أن يجهر بهذا الحق فيتهم بالتخذيل عن الدين، والتقصير في الذود عنه، وأشفق أن ينضم إلى الشيخ فيغضب الوزير ويسخط أصحاب السلطان، وآثر الشيخ أن يقف موقفا غريبا، أقل ما يوصف به أنه كما يقول القرآن الكريم: ﴿لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء﴾ كانت تنقصه الصراحة والصراحة في الحق ألزم الأشياء لرجال الدين.

    ولكن من ذا الذي ينتظر من مولانا الأكبر موقفا غير موقفه؟ وهل أخطأ الشاعر القديم حين قال:
    وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
    لقد نفض الشيخ يده أمس فلم يبق فيها شيء. أما المجلس فلم يكن موقفه أقل غرابة من موقف الشيخ الأكبر. كان ضيقا بالخطيب، مسرفا في الصبر عليه. ولعله كان خائفا منه، وكيف لا يخاف وهو يذكر الدين، ويظهر الدعوة إليه، والشيخ الأكبر خائف يترقب، لا يستطيع أن يؤيد صاحبه، ولا أن يخذله.

    وكذلك مضى هذا القانون في غير درس ولا تمحيص، لأن شيخا من شيوخ الأزهر أراد أن يظهر الغيرة على الدين، فأسرف فيما أراد. وأراد المجلس أن يصبر عليه، فأسرف في الصبر. وضاعت مصالح الناس بين انتفاش الشيخ وانكماش المجلس. فاللهم اهدِ القوم إلى حسن القصد في تقدير الأمور.
    كوكب الشرق ١٣ – ٦ – ١٩٣٣

    نظام
    كره الحكماء في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل تجاوز الحد، وضاق الحكام في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل بالغلو والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل، وما ينهجون من نهج في الحياة. ويخيل إلينا أن علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد والحرص على الاعتدال، وهم أحق الناس بتجنب الإفراط وتجنب التفريط معًا.
    فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر. وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب، وأن يتجنبوا بنوع خاص عيب الإفراط وعيب التفريط لأنهم مصدر كثير من الرذائل وسبيل كثير من الآثام. وقد قصر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا آخذهم به الناس ولاموهم عليه. فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم فيها الصمت ولا الجمود. وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة ولا الذود عن الدين مهنة، ولم يتقاضوا على ذلك من الدولة أجرًا، ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون، ويدفعون ويذودون، ومهما يقل القائلون فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين.
    ولم ينس الناس بعد موقف الأزهريين من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في بيت المقدس، ولا موقفهم من هذه الأحداث التي ألمت بالمسلمين في بلاد العرب من مراكش إلى طرابلس ففتنت جماعة منهم عن دينهم، وآذت جماعة منهم في أموالهم وأنفسهم وحرماتهم. ولا موقفهم من مقتل الشهيد الطرابلسي، ولا من مرض الإمام السنوسي ووفاته وصلاة الغائب عليه.
    لم ينس الناس مواقف الشيوخ الأزهريين من هذه الأحداث كلها، ولا من هذا الحدث الأخير الذي أصاب المسلمين في كرامتهم ودينهم كما أصاب المصريين جميعًا في كرامتهم ودياناتهم بما كان من اعتداء المبشرين الظاهر والخفي على الفتيان والفتيات، والبائسين والضعفاء. فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت، وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد الاضطراب ونفوسهم هادئة، وخفقت قلوب المسلمين والمصريين أشد الخفقان وقلوبهم مطمئنة مستقرة في الصدور. وضج الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس بجمود الشيوخ، وألح الناس في الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه. وظل الشيوخ صامتين، هادئين حتى نهض غيرهم فقال ونهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردد نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك ونثني عليهم ونشجعهم على المضي فيه، وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به. فكان صمت الشيوخ العميق، وسكون الشيوخ الطويل تورطًا في التقصير الذي يعاب به علماء الدين بنوع خاص إن آثروه وقصدوا إليه في غير تورط ولا اضطرار، ولكنا مع ذلك نسينا للشيوخ هذا التقصير وألححنا على الناس في نسيانه وقلنا إن الحركة المتأخرة خير من السكون الدائم والجمود المقيم.
    ولكن الشيوخ فيما يظهر محتاجون إلى شيء من التجربة حين يقصدون إلى الأعمال العامة، أو يندفعون إليها لأنهم لم يجربوا هذه الأعمال كما ينبغي ولم يأخذوا بحظهم من ممارستها. فهم مضطرون بحكم هذا الإهمال وهذا البعد من مشاركة الناس في حياتهم العامة إلى أن يتورطوا في أحد العيبين: فإن سكتوا أغرقوا في السكون، وإن عملوا أسرفوا في العمل، واندفعوا فيه إلى غير حد، أو إلى حد كان يحسن ألا يبلغوه. فالذي كان يطلبه المسلمون من الشيخ الأكبر وأصحابه لم يكن عسيرًا، ولا شاقًا ولا معقدًا. إنما كانوا يطلبون إليهم أن يغضبوا لدينهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويوجهوا أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى الأمة والحكومة معًا فيطلبوا – وقد فعلوا – إلى الأمة أن تفطن لكيد المبشرين، وتصرف صبيانها وضعفاءها عن معاهدهم، وتنشئ ما يغني عن هذه المعاهد الخطرة. ويطلبوا إلى الحكومة – ويقال إنهم قد فعلوا – أن تنهض بواجبها على أحسن وجه فتكف المعتدي عن عدوانه، وتحمي المصري من هذا العدوان. وتتخذ إلى ذلك سبلها السياسية والإدارية والمالية والقضائية فتنشئ الملاجئ وتغلق معاهد العدوان وتنفي الآثمين من الأرض.
    ولم يكن المسلمون يطلبون إلى شيوخ الأزهر أكثر من أن يدعوا إلى ذلك ويلحوا في الدعاء حتى تستجيب لهم الأمة وتستجيب لهم الحكومة، ولكن شيوخ الأزهر اندفعوا فيما يظهر إلى أبعد مما كان يطلب منهم، بل إلى أكثر وأثقل مما يطيقون حتى وإن أيدتهم الوزارة وشدت أزرهم وحمت أظهرهم، واحتكرت لهم وحدهم في غير موافقة للدين أمر حماية الدين، والدعاء إليه.
    فها هم أولاء ينظمون الجماعات ويؤلفون اللجان الخاصة والعامة، ويحاولون أن يبثوا لجانًا فرعية في أقطار مصر، ويجعلوا أنفسهم لا حماة للدين، وذادة عنه فحسب، بل جباة للمال، ومدبرين له أيضًا. وهذا نظامهم الذي أذاعوه يدل دلالة واضحة على أنهم لا يكتفون بالدعاء إلى الله، والهداية إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وإنما يريدون أن يكونوا قوة عاملة منظمة أصلها في الأزهر وفرعها في أطراف الأرض لها مجالس ولجان وخزانة وخزان، ولها أسرار وأمناء أسرار، ولها محفوظات وأمناء على هذه المحفوظات، وفيها آمر ومأمور، وفيها مقترحون ومنفذون إلى آخر هذا النظام المعقد الذي نشرته الصحف منذ أمس والذي هو أشبه بنظم الجماعات والأحزاب منه بما تحتمله الهيئة الموقرة من رجال الدين.
    نعم إن الهيئة حظرت على نفسها العمل في السياسة أو التعرض لها، ولكن يقال – وكنا نحب أن يكذب هذا الذي يقال – إن الهيئة لم تستطع أن تخلص من السياسة أو مما يشبه السياسة، فقد اجتمعت واجتمعت ولم تدع بعض أعضائها إلى شهود هذه الاجتماعات والاشتراك فيها. والناس يتأولون هذا الإهمال ويذهبون فيه المذاهب. ويقال – ولا سبيل إلى تكذيب هذا الذي يقال – إن الهيئة قد قبلت من الحكومة هذا الاحتكار الذي وقف عليها وحدها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قصة المبشرين. وكان الحق عليها للدين ولنفسها ألا تقبل هذا الاحتكار المعيب، فالأمر بالمعروف حق المسلمين جميعًا، وواجب على المسلمين جميعًا. وقبول الهيئة هذا الاحتكار ممالأة للحكومة عما لم يكن ينبغي أن تمالئها عليه أو هو على كل حال إذعان للحكومة فيما لم يكن ينبغي أن تذعن لها فيه. وسواء أكان الأمر ممالأة أو إذعانًا فهو مجاراة للسياسة وتورط فيها.
    ويقال – ونظام الهيئة هو الذي يقول ذلك – إن الهيئة قد اتخذت لنفسها لجنة تنفيذية تتألف من أعضاء قليلين لا يتجاوزون الخمسة، فيهم الشيخ الأكبر ووكيله ومفتي الديار. وجعلت لهذه اللجنة سلطانًا طويلًا، عريضًا عميقًا، لا يفلت منه شيء ولا يشذ عنه شيء وليس لشيء عليه سبيل. فلجنة العلماء لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا أن تنشر إلا إذا أذنت لها لجنة الخمسة. وكذلك لجنة المال وكل أعمال الهيئة مهما يكن موضوعها وأغراضها رهينة بلجنة الخمسة. فلجنة الخمسة هذه مسيطرة على رجال الدين جميعًا فيما يعملون ويقولون للدعوة إلى سبيل الله. وهذا أيضًا نوع من الاحتكار غريب، وضرب من الاستئثار يذكر بنظم الأحزاب التي تريد أن تكون قوية واسعة السلطان، بعيدة الأثر في الحياة.
    كل هذا كثير، وكل هذا معقد، وكل هذا يدعو إلى التفكير في أن الهيئة تسير في طريق قد لا يرضاها المسلمون، لأنها لا تلائم طبيعة الحياة الإسلامية، ولأنها أقرب إلى تنظيم حزب للأكليروس لا يحتمله الإسلام، لأنه ينافي طبيعته السهلة اليسيرة.
    ولعل الهيئة تحسن الظن بنفسها وبالناس وتحسن النصح لنفسها وللناس إن عدلت عن كل هذا التعقيد الذي لا حاجة إليه والذي لا يحتمل البقاء الطويل، ولا يستطيع أن يثبت لتغيرات الأيام والظروف فاكتفت بالدعوة إلى الخير توجهها إلى الأمة والحكومة، وتلح فيها، وتركت العمل للقادرين عليه. فهي إذا جمعت من أموال العلماء مقدارًا ضخمًا أو نحيفًا خليقة أن تدفعه إلى الحكومة أو إلى جماعة من جماعات الخير لتدبره وتنفق منه في الوجوه التي جمع لها، وهي غنية عن تنظيم اللجان وبثها في القرى والمدن والأقاليم. فهذا نوع من النشاط غريب بالقياس إلى هيئة الشيوخ، لا يستطيع الناس أن يفهموه ولا أن يألفوه، ولا أن يطمئنوا إليه. ونحب مخلصين أن يطمئن الناس إلى ما يصدر عن رجال الدين، إن التقصير عيب، والإسراف عيب. وقد تورطت الهيئة في العيبين فيما يظهر. فهل لها أن تخرج من الإسراف كما خرجت من التقصير، وأن تؤثر ما يأمر الله به من القصد والاعتدال؟
    كوكب الشرق ٢٧ – ٧ – ١٩٣٣

    عتاب
    نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
    أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
    ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
    وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
    كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء.

    قسوة
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
    قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
    نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
    نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
    والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
    جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
    بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
    قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
    إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
    نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
    لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف».

    ربع مية
    للدكتور طه حسين
    يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
    وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

    ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
    نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
    وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
    وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
    قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
    “وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
    قلت:
    “وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
    ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
    كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
    ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
    ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
    وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
    صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
    ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
    وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
    ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
    قلت لأصحابي:
    “ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
    قال أصحابي:
    “فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
    قلت لأصحابي:
    “يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.

    الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤

    حديث الوادي
    مأساة…
    فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.

    وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.

    وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.

    نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.

    ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.

    نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.

    نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.

    في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.

    ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.

    لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.

    لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.

    ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.

    وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.

    لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.

    لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.

    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.

  • طه حسين وتوفيق الحكيم | Taha Hussein and Tawfiq al-Hakim

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    إلى الدكتور طه حسين من الأستاذ توفيق الحكيم
    يا دكتور
    يعنيك طبعا أن تعلم كيف يرى الجيل الجديد عملك وعمل أصحابك، إن رسالتي إليك ليست حكما يصدره الجيل الجديد، إنما هي تفسير لذلك العمل، لك أن تقره ولك أن تنكره. لا ريب إن العقلية المصرية قد تغيرت اليوم تحت عصاك السحرية، كيف تغيرت؟ هذا هو موضوع الكلام، إن شئون الفكر في مصر حتى قبل ظهور جيلك كانت قاصرة على المحاكاة والتقليد، محاكاة التفكير العربي وتقليده، كنا في شبه إغماء، لا شعور لنا بالذات، لا نرى أنفسنا ولكن نرى العرب الغابرين، لا نحس بوجودنا ولكن نحس بوجودهم هم، لم تكن كلمة (أنا) معروفة للعقل المصري. لم تكن فكرة الشخصية المصرية قد ولدت بعد. رجل واحد لمعت في نفسه تلك الفكرة فأضاء لكم الطريق: (لطفي بك السيد)، وسرتم ركضا حتى بلغتم اليوم هذه الغاية، وإذا الجيل الجديد أمام روح جديدة وأمام عمل جديد. لم يعد الأدب مجرد تقليد أو مجرد استمرار للأدب العربي القديم في روحه وشكله، وإنما هو إبداع وخلق لم يعرفهما العرب. وبدت الذاتية المصرية واضحة لا في روح الكتابة وحدها بل في الأسلوب واللغة أيضا، من ذا يستطيع أن يرد أسلوب طه حسين إلى أصل عربي قديم؟ بون شاسع بين الأمس واليوم. حتى أمس القريب كانت مقامات الحريري ورسائل عبد الحميد وبديع الزمان مثلا تحتذي في كتابات حفني ناصف والمويلحي وغيرهما ممن رسفوا في أغلال التقليد راضين أو مرغمين. لقد بدأنا نعي ونحس بوجودنا، وأول مظاهر الوعي شخصية الأسلوب واستقلال طريقة التعبير وما يتبعها من ألفاظ وأخيلة، بهذا يبشر صاحبكم احمد أمين اليوم، ويصيح في هذا الجيل كي ينظر فيما حوله ويعبر عما يراه بخياله هو لا بخيال العرب. كل هذا جلي معروف، ولم أبعث برسالتي من أجله، حاجة مصر إلى الاستقلال الفكري أمر لا نزاع اليوم فيه، وعملك أنت وأصحابك لهذا الاستقلال أمر لا نزاع فيه أيضا. ولقد مضى كلامكم في هذا، إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري. معرفة أنفسنا: حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة، لقد فهمنا عنكم مميزات الأسلوب والشكل، وما فهمنا بعد جيدا مميزات النفس والروح، ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟
    ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا إن لنا روحا خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة. وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر. حتى إذا ما تم تمييز الروحين إحداهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، وكان لكم أن تقولوا لنا: (ها نحن أولاء أنرنا لكم الطريق إلى أنفسكم فسيروا) لا بد لنا إذن أن نعرف ما المصري وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت ادرس الفنين المصري والإغريقي. وكانت المسالة عندي وقتئذ: ما المصري وما الإغريقي؟ وأذكر أني أثرت هذه المسألة أمام بعض أصدقائي في حي (مونبارناس)، أذكر أني لخصت لهم الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلا: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله، نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، وعار جلي عند الإغريق، كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عند المصريين مستتر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس، وفي اليونان المادة والعقل. نظرة أخرى في أسلوب النحت تدعم هذا الكلام. أن المثال المصري لا يعنيه جمال الجسد ولا جمال الطبيعة من حيث هي شكل ظاهر، إنما تعنيه الفكرة، انه يستنطق الحجر كلاما وأفكارا وعقائد. على انه يشعر مع ذلك بالتناسق الداخلي، يشعر بالقوانين المستترة التي تسيطر على الأشكال، يشعر بالهندسة غير المنظورة التي تربط كل شيء بكل شيء، يشعر بالكل في الجزء، وبالجزء في الكل، وتلك أولى علامات الوعي في الخلق والبناء؛ هذا كله يحسه الفنان المصري لأن له بصيرة غريزية أو مدبرة تنفذ إلى ما وراء الأشكال الظاهرة لتحيط بقوانينها المستترة، فنان عجيب لا يصرفه الجمال الظاهر للأشياء عن الجمال الباطن. إنه يريد أن يصور روح الأشكال لا أجسامها، وما روح الشكل إلا القانون العام الأعلى المستتر خلفه؛ إن ولع المصريين بالقوانين الخفية لشيء يبلغ حد المرض، مرض إلهي، لو أن الآلهة تمرض لكان هذا مرضها: فرط البحث عن القانون! كل شئ في مصر إلهي، لأن مصر التي منحتها الطبيعة الخير واليسر وسهولة العيش وكفتها مشقة الإجهاد في سبيل المادة استلقت منذ الأزل تتأمل ما وراء المادة. . حظها في هذا حظ الهند: أمة كثيرة الخير كذلك دانية القطوف لا حاجة بها إلى الكفاح ولا عمل لها إلا استمراء ترف الحكمة العليا، انقطعت هي أيضا من قديم تحت أشجارها المقدسة تبحث عما وراء الحقيقة.
    مصر والهند حضارتان قامتا على الروح لأنهما قد شبعتا من المادة، الإغريق على النقيض، أمة لم تشبع من المادة، أمة نشأت في العسر والفاقة، أرضها لا تدر من الخير إلا قليلا، كان لزاما عليها الكفاح في سبيل العيش، وكان حتما عليها الجري وراء المادة، حرب تلو حرب، وفتح بعد فتح، وضرب في مشارق الأرض ومغاربها، على هذا النحو لم يكن للإغريق ذلك الضمير المطمئن ولا ذلك الشعور بالاستقرار، ولا ذلك الإيمان بالأرض الذي يوحي بالتفكير فيما وراء الأرض والحياة، إن عاطفة الاستقرار والإيمان ممزوجة بالدم عند المصريين، لأن المصريين نزلوا من بطن الأزل إلى أرض مصر، لا يعرف لهم نسب آخر على وجه التحقيق، واختلاف العلماء في أمر أصلهم لم ينته بعد، وفي كل يوم يبدو دليل على أن العمران والاستقرار وجدا في مصر قبل التاريخ المعروف، ولقد ظهرت الحضارة المصرية في التاريخ تامة كاملة دفعة واحدة، كما يظهر قرص الشمس في الأفق عند الشروق، ولقد قال سولون: إن الكهنة المصريين يعنون العناية كلها بذكريات تلك القارة العظيمة ذات المدنية الزاهرة التي أبتلعها المحيط قبل مبدأ التواريخ: (قارة الأتلانتيد). أترى كانت الحضارة المصرية استمرارا لتلك المدنية المندثرة؟. . . لم يقم دليل، على كل فرض. مصر أمة مستقرة مؤمنة زهدها عمرها الطويل وخيرها الكثير في مباذل الحياة، وهذا الزهد والتفكير فيما وراء الحياة ظهر أثرهما على وجه الفن المصري، ولا شيء يدل على عواطف أمة وعلى عقليتها مثل فنها. فلقد طالع العالم الحديث على وجه الفن المصري الصرامة والجد والعمق ولا أكاد أفتح كتابا في الفن المصري حتى أجد كلمة (الصرامة) نعتا من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتابا في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة (الحياة) وكلمة (الإنسانية) من نعوت هذا الفن، نعم. الحياة هي كل شيء عند الإغريق، قد يدفعهما حب البحث إلى لمس حدود الحياة الأخرى فيلمسونها بالعقل والمنطق لا بالقلب والروح. فلسفتهم فلسفة العقل والمنطق والحياة، فلسفة الحركة لا فلسفة السكون، عند مصر والهند السكون، عند الإغريق الحركة، قرأت حديثا (المقبرة البحرية) لـ (بول فاليري) وهو المتصل اتصالا مباشرا بالفلسفة اليونانية. فإذا هو يشير في القصيدة إلى الحركة والسكون، وإذا الحركة عنده من خصائص الكينونة الواعية الفانية، والسكون من خصائص العدم الخالد غير الواعي، وهو يعارض زينون الألياتي في إنكاره للحركة ويتغنى في آخر القصيدة بانتصار الحركة على قصرها وفنائها، فهو في ذلك لم يخرج عن يونانيته المكتسبة. ولم يفهم في رأيي روح مصر والهند، ولم يشرف على ذلك العالم الخالد غير الواعي، كان دون هذا الإشراف والاتصال والتجرد التام من كل عقل آدمي أو منطق بشري، هذه هي الصعوبة في فهم مصر والهند، وهذا ما جعل الفن المصري سرا مغلقا حتى أوائل هذا القرن، وما صرف الناس إلى دراسة اليونان وحدها، فهي واضحة المعنى يسيرة المنال. لأنها لزمت شاطئ الحياة.
    حظ الإغريق في كل هذا حظ العرب. العرب أيضا أمة نشأت في فقر لم تعرفه أمة غيرها، صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء، جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة، أمة لاقت الحرمان وجها لوجه، وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كان حتما عليها ألا تحس المثل الأعلى في غير الحياة الهنيئة، والجنات الخضراء، والماء الجاري، وألوان النعيم واللذائذ التي لا تنضب ولا تنتهي، أمة بأسرها حلمت بلذة الحياة ولذة الشبع، فأعطاها ربها اللذة ومنحها الشبع. كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة، لذة سريعة منهومة مختطفة اختطافا، لأن كل شيء عند العرب سرعة ونهب واختطاف، عند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافا ركضا على ظهور الجياد، كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماض ولا عمران! دولة أنشأتها الظروف ولم تنشئها الأرض، وحيث لا أرض فلا استقرار، وحيث لا استقرار فلا تأمل، وحيث لا تأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال واسع ولا تفكير عميق ولا إحساس بالبناء، لهذا السبب لم تعرف العرب البناء، سواء في العمارة أو الأدب أو النقد، الأسلوب العربي في العمارة من أوهى أساليب العمارة التي عرفها تاريخ الفن، وإذا عاش لليوم فإنما يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية، إن العمارة العربية ـ إلا في مصر ـ ما هي في رأيي سوى زخرف لا بناء، فلا أعمدة هائلة ولا جبهة عريضة ولا وقفة قوية ولا بساطة عظيمة ولا روعة عميقة، إنما هي وشي كثير وجمال كجمال الحلي المرصع يهز البصر ولا فكر خلفه. أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ. والزخرف عند العرب وليد ذلك الحلم باللذة والترف، كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل، إنما هو وشي مرصع جميل يلذ الحس، فسيفساء اللفظ والمعنى، و(آرابسك) العبارات والجمل. كل مقامة للحريري كأنها باب جامع المؤيد، تقطيع هندسي بديع. وتطعيم بالذهب والفضة لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذا بالبهرج الخلاب، كذلك الغناء العربي (آرابسك) صوتي، فلا مجموعة أصوات متسقة البناء كما في (الديتيرامب) أو (الأوركسترا) الإغريقية أو كما في (الكورس) الجنائزي المصري، ولا حتى مجرد صوت ينطلق حرا بسيطا مستقيما. إنما هو صوت محمل بألوان المحسنات من تعاريج وانحناءات والتواءات وتقاسيم كأنها (ستالاكتيتات) غرناطية، لا يكاد يسمعه (القاضي الفاضل) حتى يستخفه الطرب ويضع نعله فوق رأسه؛ كان هذا في العهد الأول للموسيقى إذ كانت عند جميع الشعوب بسيطة عارية تخرج من القلب تعبيرا عما في القلب، أو رمزا لفكرة من الأفكار. والموسيقى كالعمارة من الفنون الرمزية لا الشكلية، ولكن العرب لا يحبون الرموز، ولا طاقة لهم بالفن الرمزي، ولا يردون إلا التعبير المباشر بغير رموز، وإلا الصلة المباشرة بالحس، فجعلوا من الموسيقى لذة للأذن لا أكثر ولا أقل، ولقد حاول الفارابي فيما أذكر التقريب بين الموسيقى العربية والموسيقى الإغريقية، وكان لا بد له من الإخفاق لأسباب قد أذكرها بعد، كذلك التصوير العربي على جماله ودقته ليس إلا مجرد تزيين وزخرف للكتب والمخطوطات لم يؤد لغير تلك الغاية (المنياتور) الفارسي. قد يكون للدين دخل في تأخر النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين. أن العرب كانوا دائما ضد الدين كلما وقف الدين دون رغبات طبائعهم، لقد حرم الدين الشراب، فأحلوا هم الشراب في قصور الخلفاء، وما وصفت الخمر ولا مجالس الخمر في أدب أمة بأحسن مما وصفت في الأدب العربي، لا شيء في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يحول بينهم وبين اللذة، أما النحت أو التصوير الكبير فليس في طبيعتهم، لأن تلك فنون تتطلب فيمن يزاولها إحساسا عميقا بالتناسق العام مبناه التأمل الطويل والوعي الداخلي للكل في الجزء وللجزء في الكل، وليس هذا عند العرب، فهم لا يرون إلا الجزء المنفصل وهم يستمتعون بكل جزء على انفراد، لا حاجة لهم بالبناء الكامل المتسق في الأدب، لأنهم لا يحتاجون إلا للذة الجزء واللحظة، قليل من الكتب العربية في الأدب تقوم على موضوع واحد متصل، إنما أكثر الكتب كشاكيل في شتى الموضوعات تأخذ من كل شيء بطرف سريع: من حكمة وأخلاق ودين ولهو وشعر ونثر ومأكل ومشرب وفوائد طبية ولذة جسدية، وحتى إذ يترجمون عن غيرهم يسقطون كل أدب قائم على البناء، فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولا تراجيديا واحدة ولا قصة واحدة، العقلية العربية لا تشعر بالوحدة الفنية في العمل الفني الكبير، لأنها تتعجل اللذة، يكفيها بيت شعر واحد أو حكمة واحدة أو نغم واحد أو زخرف واحد لتمتلئ طربا وإعجابا، لهذا كله قصر العرب وظيفة الفن على ما نرى من الترف الدنيوي وإشباع لذات الحس، حتى الحكمة، وشعراء الحكمة كانوا يؤدون عين الوظيفة: إشباع لذة المنطق، والمنطق جمال دنيوي ولا أستغرب غضب نيتشه على إيروبيد لإسرافه في هذا المنطق على حساب الموسيقى، ومن المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشؤون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر. إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتتشبث به تشبث المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها من الحياة وأن تعب من لذتها عبا قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاوة الصحراء، وقد كان. إن موضع الحضارة العربية من (سانفونية) البشر كموضع الـ (سكيرتزو) من سانفونية بيتهوفن: نغم سريع مفرح لذيذ!!
    لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف!
    مقابلة عجيبة: مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصرا الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا التلقيح! إني أؤمن بما أقول يا دكتور. وأتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة، والسكون بالحركة، والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف! تلك ينابيع فكر كامل ومدنية متزنة لم تعرف البشرية لها من نظير، إن أكثر المدنيات تميل إما إلى ناحية الروح وإما إلى ناحية المادة.
    حضارة واحدة قيل أنها استطاعت في وقت ما هذا المزج بين الروح والمادة وهذا الاتزان بين عنصري الوجود، تلك حضارة الإغريق. نعم أعود فأرد إلى أمة الإغريق اعتبارها، وأعترف أني عندما وضعتها في كفة المادة كنت متأثرا بكلام (تين) فضللت السبيل. (تين) عقل خلاب لكنه عقل. والعقل وحده بعيد عن فهم الجانب الروحي للمدنيات. ما هداني إلى الحق إلا القلب. . . ألا طول تأملي في جبهة (البارتينون). من دماغ ذلك الجواد الذي خلقته يد (فيدياس) فوق هذا المعبد خرجت أفكار توحي إلي بأن أولئك القوم كانوا أعمق مما نظن، وكانوا يشعرون بشيء آخر غير مجرد المادة الظاهرة، وما لبثت (ميلبومين) أن جاءتني ببينة أخرى، وتأملت قليلا فرأيت القناع قد كشف. ذكرت أن أصل الإغريق جنسان مختلفان: اليونان القادمون من آسيا المعروفون عند الهنود باسم (اليافاناس) أي عباد (يونا) والدوريون الحربيون البرابرة الهابطون من الشمال، اله اليونانيين: (ديونيزوس) إله الدوريين (أبولون). وهاهنا تفسير الإغريق: في هذا الصراع بين ديونيزوس رمز الروح والقوى الشائعة والنشوة. . . وبين أبولون رمز الفردية والشخصية الفارزة والوعي، الصراع بين الروح والمادة، وبين القلب والعقل، وبين النشوة والوعي، ديونيزوس إله آسيوي فيما يخيل إلي، جلب من الهند بالأمراء. فغدا في اليونان ينبوع الموسيقى، لهذا السبب قدرت إخفاق الفارابي، أن الموسيقى العربية وليدة عقل واع، لأن العرب أمة الفردية والوعي والمنطق العقلي والظاهر المحسوس، إن العرب من عباد أبولون وهم لا يشعرون. إن العرب لا يمكن أن يفهموا ديونيزوس ولا نشوة ديونيزوس. تلك النشوة الدينية الجارفة التي تخرج صاحبها من سيطرة العقل والوعي كي تصله مباشرة بالطبيعة. إن أغاني عباد (باكوس) الحماسية في الغابات ومزامير الـ (ساتير) لشيء بعيد إدراكه على العقلية الفردية، شعور الإنسان في لحظة أنه انقلب مخلوقا له جسم جواد ورأس رجل أو أرجل ماعز. هذا الاتحاد بين الحيوان والإنسان إحساس ليس له مثيل إلا عند المصريين القدماء، وهذا التلاقي بين الأنواع وبين القوى في مخلوق واحد لهو عند الأولين بقية ذكرى تلك المخلوقات الإلهية البائدة التي كانت تحكم الأرض قبل ظهور الإنسان. . . مخلوقات لا هي من الإناث ولا هي من الذكور، ولا هي من الحيوان، ولا هي من الإنسان، لأن الأجناس والفصائل لم تكن قد فرزت. كذلك (الساتير) في الميثولوجيا الإغريقية رمز الإنسان الأول، ذلك الإنسان الداني من الحيوان القريب من الآلهة، يدنو من الحيوان بغريزته الجنسية المتيقظة ينبوع القوة الخالقة عند الإغريق كما هي عند المصريين، ويقرب من الآلهة بغريزته الروحية المتصلة بقوى الطبيعة الإلهية، فهو ما زال يحتفظ بقبس من الحكمة العليا بدون أن يشعر، وببريق من ذلك النور الروحي والإلهام الذاتي يرى به كتلة الزمن من ماض وحاضر ومستقبل في شبه لمحة واحدة.
    تلك القدرة الخفية هي حاسة بائدة كانت للإنسان الأول، وفقدناها اليوم، نعم فقدنا كل القوى الروحية التي منحتنا إياها الطبيعة يوم كنا نحبها ونتصل بها، ولم يبقى لنا اليوم إلا العقل المحدود والمنطق القاصر. وها نحن اليوم في هذا الكون الهائل مخلوقات منفردة منبوذة! أين ذهب ديونيزوس؟ وهل يبعث من جديد؟ وإذا بعث فهل يجد من يعرفه في هذا العصر ذي الحضارة المادية الفردية؟!
    رجل واحد ما زال يذكر هذا الإله ويستطيع أن يعرفه إذا ظهر كما عرف غالياس أصحاب الكهف!! وهو وحده كذلك الذي يستطيع أن يستقبله باسم هذا العصر، هذا الغالياس العصري هو: (تاجور) انه يتكلم كثيرا عن ذلك الاتحاد بين الإنسان والطبيعة. وعن ذلك الفاصل المرفوع بين الحياة الخاصة والحياة العظمى التي تخترق الكون. وعن ذلك الحب بين الإنسان والجماد. هذا كلام جميل. لكن هل تراه يشعر بحقيقته؟ يخيل إلي أن تلك الحقائق قد انطوت بانقضاء دولة الإغريق. بل لقد انقضت قبل أن تنقضي دولة الإغريق. انقضت بطغيان منطق سقراط على روح هوميروس. انقضت بطرد ديونيزوس من تراجيديات ايروبيد (غضبة نيتشه المعروفة) انقضت بظهور براكسيتيل على فيدياس، انقضت بغلبة الإحساس العقلي على الإحساس الروحي، انقضت بانتصار (أبولون) في النهاية على (ديونيزوس). وهكذا اختل التوازن، ورجحت كفة المادة، وانطفأت الحضارة الإغريقية إلى الأبد. ولم ترث أوربا منها غير كنوز العقل والمنطق، وبقيت في الظلام كنوز ديونيزوس الخفية.
    لم تنجح اليونان إذن النجاح المطلوب في تطعيم الروح بالمادة، فهل تأمل مصر بلوغ هذه الغاية يوما؟ أرجو من الدكتور أن يجيب، أنت وأصحابك ومدرستك قد فرغتم من تصوير وجه الأدب المصري، ولم يبقى إلا صبغه باللون الخاص، وطبعه بالروح الخاصة، فما هو هذا اللون؟ وما هي هذه الروح؟ إن ردك على هذا السؤال نور يلقي على طريق الجيل الجديد.
    الرسالة، ١ سبتمبر ١٩٣٣

    إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
    سيدي الأستاذ
    لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
    لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
    وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
    قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
    كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
    نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
    لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
    وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
    وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
    أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
    هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
    أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
    الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣

    الرسالة الثانية:
    من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين

    عزيزي الدكتور،
    قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
    نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
    إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
    اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
    النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
    أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
    الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
    ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
    إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
    إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
    خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
    الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
    فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
    ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
    هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
    وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
    أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
    التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
    إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
    لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
    بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
    ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
    إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
    لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
    جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
    القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
    بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
    وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
    لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
    لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
    إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
    ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
    إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
    إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
    ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
    أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
    أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
    فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
    أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
    ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
    هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
    ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
    إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
    وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
    كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.

    توفيق الحكيم

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    “قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…”.
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    “أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين”.
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: “ظهر كاتب روسيا الأعظم!”؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: “هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!”؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: “أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد”، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

    فارق الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر
    توفيق الحكيم

    فجيعة كبيرة….
    فجيعة الأدب العربي في عميده العظيم، وفجيعتي أكبر في أخ قديم كريم، وإذا كان اللسان العربي منذ نطق أدبا سوف ينطق إلى آخر الدهر باسم طه حسين وفضله على لغة العرب فإن لسان القلب لن يكف عن ترديد ذكراه ما بقيت على قيد الحياة.
    فقد جمعتنا أجمل أيام العمر كما جمعنا الفكر على صفحات كتاب … إنك أيها الصديق العزيز إذ تعبر اليوم الدار الفانية إلى الدار الباقية إنما تعبرها بنفس مطمئنة راضية بعد أن عبرت بلادك الهزيمة. أن روحك العظيمة لم تشأ أن تفارق جسدك إلا بعد أن فارق اليأس روح مصر …
    اللهم اغمر برحمتك الواسعة ابنا لمصر من أعظم أبنائها الذين أدوا لها من الخدمات ما سيبقى منقوشا في سجل الخلود…
    الأهرام ٢٩ – ١٠ – ١٩٧٣

  • الأزمة الأخيرة لحكومة صدقي باشا | The Final Crisis of the Sidqi Government

    مفاوضة
    ليست بين الإنجليز والمصريين في المسألة المصرية، فقد عدلت إنجلترا عن المفاوضة الآن، ويئس منها أساطين هذا العهد السعيد. وليست بين مصر وفرنسا حول مسألة الدين، فقد أصرت فرنسا على ألا يؤدّى إليها الدين وفوائده إلا ذهبًا، ومضت معها إيطاليا في ذلك، وسكتت عنهما إنجلترا صديقتنا العزيزة، وخرج الأمر عن أن تجدي فيه المفاوضات. وليست بين مصر وأي دولة أخرى من دول الشرق والغرب، فالصلات بيننا وبين هذه الدول مستقرة وثابتة، لا تحتاج إلى أخذ ورد، ولا إلى تغيير وتبديل، وإن كان وزير «ألمانيا» المفوض يتردد من حين إلى حين على وزارة الخارجية محتجًا على أعمال الإسرائيليين، وإنما هي مفاوضة بين مصر الرسمية المقيمة في الإسكندرية وبين «رئيس الوزراء» المقيم في «فرساي».
    والناس يجهلون موضوع هذه المفاوضات، أو لا يكادون يعرفون منه إلا شيئًا قليلًا، لا يمكن القطع به والجزم بحقيقته. فـ«الأهرام» تزعم أن لـ«رئيس الوزراء» مطالب يريد أن يجاب إليها قبل أن يصل إلى مصر، ولكن «الأهرام» لا تبين هذه المطالب ولا تشير إليها، و«المقطم» تشير من طرف خفي جدًّا إلى شيء كهذا حين تذكر أن «رئيس الوزراء» مسه شيء من الغضب، قوي أو ضعيف، حين أراد أن يسافر وكيل المالية إلى الولايات المتحدة ليتبين حقيقة الجهود التي تنفقها حكومة «واشنطن» لرفع الأسعار. ولكن «المقطم» كـ«الأهرام» لا تكاد تبين عن هذا الخلاف القائم الذي يدعو إلى اتصال المفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي» من طريق «باريس».
    نعم، من طريق «باريس»، فالإسكندرية لا تفاوض «فرساي» رأسًا، وقصر «بولكلي» لا يفاوض فندق «تريانون» مباشرة، وإنما تتوسط المفوضية المصرية بين المدينتين، ويسعى وزيرنا المفوض بين القصرين. ولا بد من أن تجري الأمور على هذا النحو، فإن المفوضيات لم تنشأ، والوزراء المفوضين لم يعينوا لإقامة الحفلات واستقبال «وزير التقاليد» على موائد الغداء ليس غير، وإنما أنشئت المفوضيات وعين الوزراء المفوضون لشيء أدنى من هذا كله إلى الجد.
    وإذا لم تكن مسألة الدين خليقة أن يسعى فيها وزيرنا المفوض في «باريس» بين «بولكلي» وقصر «كي دورسي»، أو بين صاحب العزة «صليب بك سامي» و«المسيو بول بونكور»، فإن في هذا الخلاف القائم ما يمكن وزيرنا من السعي بين صاحب المعالي «شفيق باشا» رئيس الوزراء النائب، وصاحب الدولة «صدقي باشا» رئيس الوزراء الأصيل.
    كذلك يريدون أن تكون شؤوننا مثيرة دائمًا للابتسام حتى حين يجدّ الجد، وحين يدعو الأمر إلى كل شيء إلا الابتسام. مهما يكن من شيء فإن هناك مفاوضات بين الإسكندرية و«فرساي»، يسعى فيها صاحب المعالي «فخري باشا»، وأكبر الظن أننا نكتب هذا الفصل وقد انتهت هذه المفاوضات وجاء رد «فرساي» يحمل إلى الإسكندرية النبأ «نعم»، أو يحمل النبأ «لا».
    وعلى «نعم» أو «لا» تقف أمور مصر في الأيام القريبة المقبلة. فمن يدري؟ لعل «نعم» أن تمكن «رئيس الوزراء» من إتمام برنامجه فيأخذ القطار، ويعبر البحر، ويرفع استقالته بعد أن يستريح، ولعل «لا» هذه أن تحول دون إتمام هذا البرنامج فيبقى «رئيس الوزراء» في «فرساي» ويعود إلى مصر متى أراد هؤلاء، لا متى أرادت الظروف.
    وواضح جدًا أن المفاوضات الخطيرة التي تضطرب بها أسلاك البرق، أو يتموج بها هواء الجو، ليست حول الاحتفال الرائع الذي يريد حزب الشعب أن يقيمه لـ«رئيس الوزراء» متى عاد. فأمر حزب الشعب فيما نرجو، وأمر احتفاله واستقباله أهون على الله والناس والدولة من أن تجري فيه المفاوضات الرسمية بواسطة المفوضية المصرية في عاصمة الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلا أن يكون المثل العربي القديم صحيحًا، وأن يكون «معظم النار من مستصغر الشرر»، وأن يكون هذا الحفل اليسير قد أثار أزمة كانت تريد منذ عهد بعيد أن تثور. وواضح جدًا أن المفاوضات ليست بين الوزراء من حيث هم وزراء، وبين الرئيس من حيث هو رئيس، فقد يكون من الغريب للذين يعرفون الوزارة القائمة ورأيها في نفسها ورأي الناس فيها، ورأي الإنجليز فيها بنوع خاص، أن يثور بينها وبين رئيسها خلاف يبلغ من العنف أن يقدّم الرئيس إليها (التمائم) أو البلاغ النهائي، وأن تدور بينها وبينه مفاوضات طويلة عريضة تحدث في مفوضيتنا في «باريس» حركة غير عادية، قد تكون إن طالت بعض الشيء حديث السفراء المقيمين في مدينة النور. ولا بد إذن من أن يكون هذا الخلاف الذي تذكره «الأهرام»، وتشير إليه «المقطم»، قد ثار بين رئيس الوزراء وبين جهة من الجهات العليا التي يمكن أن تخالف رئيس الوزراء فيدعو خلافها إلى إثارة أزمة وزارية حادّة. ولسنا نتنبأ بشيء ولا نريد، ولا نستطيع أن نجزم بشيء، ولكننا نلاحظ متواضعين، مستشعرين مع هذا التواضع شيئًا من العجب: إن «وزير التقاليد» يجب أن يكون مغضبًا غضبًا شديدًا نغص عليه حفلة الغداء التي أقيمت له أمس في المفوضية المصرية، والتي لم يحضرها «رئيس الوزراء» لأنه مريض، متعب، أو لأنه مغيظ محنق في وقت واحد. يجب أن يكون «وزير التقاليد» مغضبًا حقًا، لأن هذه الأزمة الطارئة قد خرجت على التقاليد وانتهكت حرماتها، وضربت بقواعدها وأصولها عرض الحائط أو عرض الأفق كما يقولون. فمتى رأى الناس أزمة تنشأ ثم تشتد ثم تحتد و«رئيس الوزراء» غائب عن مستقر الوزارة؟ ومتى رأى الناس وزيرًا مفوضًا يكلف السعي بالخصام أو السلام بين «رئيس الوزراء» وزملائه الأعضاء؟ ولكن «وزير التقاليد» جلد صبور، حازم عازم، يستطيع أن يصبر على مثل هذه البدعة التي اضطرت إليها ظروف قد لا يكون إلى اتقائها من سبيل.
    ألست ترى أن رئاسة «صدقي باشا» للوزارة تكلف مصر ألوانًا من الشطط، منها ما يلهي ومنها ما يحزن، فلو أن رئيسًا من رؤساء الوزارات في أي بلد من البلاد التي لم يمنحها الله نعمة فراغ البال، ألمّ به ما ألمّ بـ«صدقي باشا» من المرض الطويل الثقيل لأراح نفسه، وأراح وزارته وأراح أمته من كل عناء، ولاستقال مؤثرًا لنفسه الصحة ومؤثرًا لوطنه المنفعة واستقامة الأمور، ولكن «صدقي باشا» مرض في يناير، واستشفى في مصر ثلاثة أشهر وبعض شهر، ثم سافر إلى «أوروبا» فاستشفى فيها ثلاثة أشهر وبعض شهر، ظل مريضًا سبعة أشهر، لا يعمل ولا يستقيل ولا يكره أن يكلف الدولة أثقالًا أخفها وأهونها أجره على عمل لا يستطيع أداءه، وما يتصل بهذا العمل المعطل من نفقات يبذل بعضها في مصر، ويبذل بعضها في «أوروبا». فإذا انتهت هذه الأشهر السبعة بدا لـ«رئيس الوزراء» فذكر الاستقالة وفكر فيها، ولكنه لا يذكر الاستقالة كما يذكرها الناس، ولا يفكر فيها كما يفكر فيها الناس، وإنما ينفي، ثم يلمح ثم يصرح، ثم يكتب إلى مصر، ثم يثير المفاوضات بينه وبين مصر، ثم يضطر وزارته إلى أن تقف هذا الموقف المعلّق الذي لا تُحسد عليه. وكان أهون من ذلك وأيسر أن يستخير الله، فإن رأى قدرة على استبقاء المنصب استبقاه، وإن رأى عجزًا عن ذلك استقال من بعيد وأقام حيث يريد، أو كتم الأمر وعاد إلى مصر ثم استقال كما يستقيل الناس. فأما كل هذه الحركات والمداورات والإقدام والإحجام، فلا خير فيه لأحد، لا خير فيه لـ«رئيس الوزارة» نفسه. وإذ لم يكن بد من أن يُصوَّر موقف الوزارة القائمة الآن فهو موقف الذي يريد أن يجود بنفسه، ولكنه يجد في ذلك مشقة وعسرًا، فيظل معلقًا بين الموت والحياة وقتًا طويلًا.
    وبعد فإن في مصر من الخطوب، وأمام مصر من المشاكل ما هو أشد خطرًا، وأبعد أثرًا في حياتها من بقاء الوزارة القائمة أو اعتزالها للحكم، فهذه الأزمة الاقتصادية تنذر بأعظم الضر، ولا بد من أعمال سريعة حاسمة لتحول بين مصر وبين الخراب. وهذه مسألة الديون توشك أن تستحيل إلى كارثة لم تشهد مصر مثلها في العصر الحديث، ولا بد من خطة حازمة ترد عن مصر شرها المستطير. وهذا الأمن يزداد فسادًا من يوم إلى يوم، ويزداد عجز الوزارة عن ضبطه من حين إلى حين، ولا بد من جهود حازمة حاسمة ليأمن الناس على أنفسهم وعلى ما بقي من أموالهم. فإحدى اثنتين: إما أن تكون الوزارة قادرة على البقاء صالحة له، وإذن فلتعلن ذلك إلى الناس، ولتنهض إن استطاعت بما يجب أن تنهض به من الأعمال، وإما أن تكون الوزارة عاجزة عن البقاء، غير صالحة له، وإذن فلتدع مكانها لوزارة تواجه المشكلات وتحول بين مصر، وبين التردي في هذه الهوة التي ليس لها قرار. لقد علقت حياة مصر بين اليأس والرجاء منذ مرض «رئيس الوزراء»، وقد آن لهذا التعليق أن ينتهي، وآن لشؤون مصر أن تستقر، وأصبح المضي في هذا العبث جناية عظيمة في حق الوطن.
    كوكب الشرق في ٠١\٠٩\١٩٣٣.

    استقبال
    لم تشهد مصر مثله قبل اليوم، ولن تشهد مصر مثله بعد اليوم. سيكون هذا في حياة مصر شاذًا في تاريخها مهما يطل ومهما تبعد به العهود، لأن رئيس الوزراء الذي ستستقبله مصر اليوم رجل فذ بين المصريين، بل بين الشرقيين، لم تعرف مصر ولا الشرق مثله قديمًا، ولن تعرف مصر ولا الشرق مثله حديثًا.
    ومتى رأى الناس مريضًا يحكم حكم الأصحاء، وضعيفًا يحكم حكم الأقوياء، وبعيدًا يحكم حكم القريبين؟ ومتى رأى الناس وزيرًا يقنع الفقير المعسر بأنه غني موسر، والجائع المحروم بأنه مكتظ متخوم، والخائف الجازع بأنه آمن وادع، والمستعبد المستذل بأنه حر مستقل؟ بل متى رأى الناس في العصور القديمة والحديثة ساحرًا كرئيس الوزراء قد خلب القلوب والعقول، وسحر الأفئدة والنفوس فلم يصلح شيئًا، وأقنع الناس جميعًا بأنه أصلح كل شيء؟
    وحياة الناس لا تعتمد على الحقائق بقدر ما تعتمد على الوهم، فهم سعداء، وهم راضون متى خيلت إليهم ذلك، وأقنعتهم به، وسواء عليهم بعد هذا أكانوا سعداء في حقيقة الأمر أم لم يكونوا. وقد نجح رئيس الوزراء نجاحًا باهرًا، ووفق رئيس الوزراء توفيقًا عظيمًا؛ فليس في مصر الآن من يحس جوعًا ولا ظمأ، وليس في مصر الآن من يشكو فقرًا ولا عسرًا، وليس في مصر الآن من يخاف ظلمًا ولا عدوانًا، وإنما الناس جميعًا سكارى وما هم بسكارى، قد سحرهم رئيس الوزراء عن حقائق الأشياء فقنعوا ورضوا، ثم ملكهم الإعجاب وازدهاهم الإكبار، فإذا هم لا يرون لمصر إلا منقذًا واحدًا، هو رئيس الوزراء. وإذا قلوبهم كلها تلتف من حوله، ونفوسهم كلها تطيف به، وأشخاصهم كلها تهرع إليه. وإذا هو سيصل إلى الإسكندرية مساء اليوم فيرى معجزة من هذه المعجزات التي تعود أن يراها حتى هانت عليه وصغرت في نفسه، وأصبح لا يقيم لها وزنًا ولا يحسب لها حسابًا.
    سيرى خمسة عشر مليونًا من المصريين قد خفوا جميعًا لاستقباله والاحتفال به، لم يتخلف منهم شيخ فان، ولا صبي ضعيف، ولا طفل رضيع، لم يقعد منهم رجل ولا امرأة، وإنما احتشدوا له من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ووسعتهم كلهم مدينة الإسكندرية، بل وسعهم كلهم هذا المكان الضيق الضئيل الذي سترسو فيه السفينة، وستشرق فيه الشمس من مغربها حين يطلع على الناس رئيس الوزراء.
    لو حدث بعض هذه المعجزة، خمسها أو عشرها أو دون ذلك، لأعظم الناس قدرًا، وأجل الناس خطرًا، وأرفع الناس شأنًا، وأبعد الناس ذكرًا، لفتنه واستهوى قلبه، وتجاوز به حد الرزانة والحلم والاعتدال، ولكن رئيس الوزراء لا يفتنه ذلك ولا يزدهيه أكثر من ذلك، فهو قد بلي ذلك كله، حلوه ومره، حتى عرفه فأحسن معرفته، وحتى ضاق به وزهد فيه. فسيشرف رئيس الوزراء إذن مساء اليوم على هذه الأمة المكرمة له، الفانية فيه، ثم يلقي عليها نظرة زاهدة، فيها شيء من الملل والسأم، وفيها شيء من التفضل والتعطف، ثم يشير رئيس الوزراء بإحدى أصابعه إلى هذه الأمة أن انصرفي مشكورة مأجورة، فقد نهضت بالحق لأهله، وأديت ما عليك، فعودي إلى ما أنت فيه من عيشة راضية، ونعمة سابغة، وصفاء مقيم، رخاء لا يريم، وابتسام للحياة.
    ثم يلقى ستار، ويرفع ستار؛ فأما الستار الأول فسيلقى على هذه الفصول الفكاهية التي لم تمثل لمصر وحدها، وإنما مثلت لمصر ولفرنسا وللعالم كله، حينًا في «فرساي» وحينًا في الإسكندرية، وحينًا في محطة من محطات «باريس»، والتي ألهت الناس وأضحكتهم في مصر وفي غير مصر منذ أسبوع. فقد رأى الناس أن الوزارة القائمة كانت قوية ثابتة، ولكنها عرضة للتعديل صباح الثلاثاء، ثم رأى الناس أن الوزارة قد تستقيل مساء الثلاثاء، ثم رأى الناس أخذًا وردًا، وتهاونًا وشدًّا، ومفاوضات يخفق بها البرق ويتموج بها الهواء، ثم رأى الناس قوة على مصر فيها إنذار بالاستقالة، وضعفًا أمام الإنجليز فيه استعطاف واستجداء، ثم رأى الناس تعجلًا لتحديد الموعد الذي يتشرف فيه رئيس الوزراء بالمقابلة الملكية، ثم انتظر الناس ونشر لهم برنامج مفصل للاستقبال والاحتفال والمقابلة، ثم فجأة أعلن انفراج الأزمة باعتزال الحكم أو البقاء فيه. على هذا كله سيلقى الستار الأول.
    أما الستار الثاني فسيرفع عن جد قد يكون خالصًا، وقد يكون مشوبًا بالفكاهة؛ فقد غير البرنامج تغييرًا فجائيًا، ترى في غير هذا المكان، وظهر أن المقابلة الملكية قد تكون بعد ظهر اليوم، وظهر أن السفينة استطاعت أن تزيد سرعتها وأن تقدم وصولها إلى الثغر، وظهر أن الأمر أجلُّ شأنًا وأعظم خطرًا مما كان يظن، وأن الذين إليهم الأمر لا يريدون أن يطاولوا في وضع حد لهذه الأزمة التي مهما يكن حظها من الفكاهة فإنها لا تخلو من خطر لما تثير في نفوس الناس من العواطف المختلفة والميول المتناقضة، ولما قد تحدثه هذه العواطف والميول من أثر في حياة الناس. وإذن فسيبدأ القسم الجدي من هذه القصة منذ اليوم إن سمحت بذلك صحة رئيس الوزراء، وسيتبين المصريون بعد وقت قصير أمر هذا الحديث الطويل الذي أثاره رئيس الوزراء منذ أسبوع: أكان جدًّا أم هزلًا؟ أكان إقدامًا أم إحجامًا؟ أم كان فنًّا من فنون المداورة؟ ولونًا من ألوان الاختبار؟ وسواء أصمم «صدقي باشا» على الاستقالة أم عدل عنها، وسواء أقبلت الاستقالة أم لم تقبل، فإن هناك حقيقة واقعة قد ظهرت كأوضح ما تظهر الحقائق الواقعة، ولم تدع لأحد قدرة على أن يلقاها بقليل من الشك أو كثير. وهذه الحقيقة الواقعة الساطعة هي أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن هذه الوزارة القائمة قد تستقيل.
    كما أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — قد ابتهجت واستشعرت الغبطة والرضا حين أُلقي إليها أن المندوب السامي قد نُقل. ومعنى هذا الابتهاج لهذين الحدثين أن الأمة المصرية كلها — إلا الذين يعيشون لرئيس الوزراء وبرئيس الوزراء — ضيقة أشد الضيق بسياسة هذا العهد، منكرة أشد الإنكار لهذه السياسة، حريصة أشد الحرص على أن تخلص منها، وعلى أن ترى الذين أقاموها وقد حيل بينهم وبين الحياة العامة وتصريف شؤونها. وقد تفهم إرادة الأمة هذه على وجهها، وقد لا تفهم، وقد يحال بين «صدقي باشا» وبين الحكم، كما حيل بين «السير برسي لورين» وبين تمثيل الإنجليز في مصر، وقد لا يحال، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن إرادة الأمة هذه واضحة جلية، وأن لها قيمتها وخطرها، وأنها إن أهملت اليوم كما أهملت منذ ثلاثة أعوام فإن هذا الإهمال لن يغني ولن يفيد، كما أن إهمال إرادة الأمة منذ ثلاثة أعوام لم يغن ولم يفد.
    ومهما تكن النتيجة التي ستتكشف عنها الحوادث اليوم أو غدًا فإن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا مراء هو أن المصريين قد أظهروا اليوم كما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، بل أكثر مما أظهروا منذ ثلاثة أعوام، وسيظهرون غدًا أكثر مما يظهرون اليوم، أنهم لا يرضون — مهما تكن الظروف والخطوب — أن يحكموا على غير ما يريدون، وأن يساسوا بغير ما يحبون، أو يُقضى في أمرهم وهم غائبون، أو يتخذوا وسيلة إلى مناصب الحكم وما يتصل بها من الجاه والسلطان، وأنواع المغانم والمآرب القريبة أو البعيدة.
    إنما يريدون اليوم، كما أرادوا من قبل وسيريدون دائمًا، أن تُرَدَّ أمورهم إليهم، وأن يحكموا هم لمصالحهم، لا لمصالح الأجانب مهما يكونوا، ولا لمصالح قلة مصرية مهما تكن. فإذا فُهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن أمور مصر ستجري على أحسن حال، وإذ لم يُفهم هذا كله على وجهه فليس من شك في أن المصاعب ستزداد، وفي أن المشكلات ستضاف إلى مشكلات، وفي أن الكوارث التي أخذت تطيف بهذا البلد، والتي تدنو منه في غير أناة ولا تمهل، ستُلِمُّ في يوم قريب فلا تجد لها مصر دفعًا ولا ردًّا، وستكون آثار الكوارث شاملة لا تؤثر فريقًا دون فريق، ولا تصيب الظالمين خاصة، وإنما تُُلِمُّ بالمسيء والبريء. والله قادر على أن يلهم الناس من أمرهم رشدًا، وعلى أن يبين للناس أن سياسة الاستئثار وتسخير الشعوب لنفر قليل قد مضى عليها الزمن، وأصبحت شيئًا لا ينتج خيرًا ما، ولكنه ينتج شرًّا كثيرًا.
    [1] كوكب الشرق في ٥-٩-١٩٣٣.

    حلول
    لم ينتهِ تمثيل هذه القصة البديعة التي أراد «رئيس الوزراء» أن يفكه الناس بها منذ عشرة أيام. وقد ينتهي هذا التمثيل اليوم، وقد ينتهي غدًا، وقد يطول أمده أيامًا. وإذن فمن حق الناس أن يحمدوا لرئيس الوزارة هذه الفكاهة التي أراد أن يسليهم بها عما يطيف بهم من الهموم.
    تلميح بالاستقالة، ثم تصريح، وتفكير في الاستقالة ثم تصميم عليها، ثم تحدٍّ وإنذار، ثم تراجع واعتدال، ثم تردد هو إلى العدول أقرب منه إلى المضي والتصميم. ولن يشرق صبح الغد، ولن يقبل الليل حتى يكون «رئيس الوزراء» قد تقدم خطوة أو خطوات فألقى ستارًا على هذا الاضطراب، ورفع ستارًا عن فصل جديد من فصول القصة.
    على أننا نشك كل الشك في أن يكون الأمر كله هزلًا، أو أن تكون القصة كلها فكاهة. وأكبر الظن أن وراء هذا الهزل جدًّا، وأن من دون الفكاهة أشياء أقل ما توصف به أنها عظيمة الخطر، بعيدة الأثر فيما بقي لـ«رئيس الوزراء» من حياة سياسية قد تقصر وقد تطول.
    ولعل الرسالة التي بعث بها مكاتب «الديلي تلغراف» إلى صحيفته قبل أن يترك الإسكندرية، والتي أقلقت «رئيس الوزراء»، وأخرجته من صمته، ودفعته إلى أن يطلب الرحمة والإنصاف من «الديلي تلغراف»، والتي أقامت الوزراء وأقعدتهم، وملأت قلوب الأنصار هلعًا ورعبًا، ودعت إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب، نقول لعل هذه الرسالة أن تكون أدلّ نذير نبّه «رئيس الوزراء» إلى أن الجو من حوله لم يبق صفوًا ولا صحوًا؛ فقد أكد مكاتب «الديلي تلغراف» في رسالته تلك — نقلًا عن مصدر موثوق به — أن الوزارة القائمة لا مقام لها في مناصب الحكم، وأن الحمق وحده هو الذي أخرج من هذه الوزارة رجالًا لهم — فيما يقول مكاتب «الديلي تلغراف» أو مصدره الموثوق به — كفاية نادرة وتفوق عظيم.
    فقد كان من الحق أن يعرف «رئيس الوزراء» حقيقة هذا المصدر الموثوق به الذي ألقى هذا الوحي إلى مكاتب «الديلي تلغراف»، وكأن «رئيس الوزراء» قد عرف هذا المصدر فضاق به. فإذا أضفت هذا إلى ما لا بد منه من أن هذا المصدر لم يكن يكيد لـ«رئيس الوزراء» بالقول وحده، وإنما كان يخاصمه ويقاومه بالعمل أيضًا، فيجد في وقف أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تمضي، وفي إمضاء أشياء كان «رئيس الوزراء» يحب أن تقف، عرفت أن هذه القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم معها ليست لعبًا كلها، وإنما هي قصة ظاهرها اللعب والفكاهة وباطنها الجد المخيف.
    وقد زعمت الصحف وكانت «الأهرام» في مقدمتها أن «رئيس الوزراء» قد عرض مطالب، وجعل قبولها شرطًا لبقائه في الحكم. وأخذ الناس يسألون عن هذه المطالب، ويلتمسونها ويحاولون أن يعرفوا على من عرضت هذه المطالب، ولمن قدمت؟ ولمن كان التحدي الذي أظهره «رئيس الوزراء»؟ ولم يجب أحد في صراحة على أسئلة الناس هذه، ولكن الغموض أخذ ينجلي قليلًا، فتحدث الناس وتحدثت الصحف هنا وهناك بأن «رئيس الوزراء» ضيق ببعض زملائه، وأنه يريد أمرين: أحدهما أن يخلص له أمر الحكم فلا يشاركه فيه أحد، والثاني أن يغير تأليف الوزارة ليخرج منها بعض الأشخاص. وألح الناس وألحت الصحف في هذا الحديث، ثم أخذ «رئيس الوزراء» منذ أمس يظهر استعداده للعدول عن الاستقالة، والنهوض بأعباء الحكم بعد أن كان مصرًّا على أن يلقيها عن كتفيه. فهل أجيب «رئيس الوزراء» إلى مطالبه هذه فكفت بعض الأيدي عن أن تعمل في الحكم الذي يريد «رئيس الوزراء» أن يكون خالصًا له، لا يضايقه فيه أحد؟ أَمْ أُذِنَ لـ«رئيس الوزراء» في أن يغير تأليف وزارته ليخرج منها الذين يضيق بهم من الزملاء؟
    هذه الصحف تتحدث اليوم بشيء عن حفلة الشاي التي أقيمت لـ«رئيس الوزراء» أمس، فحضرها من حضرها، وغاب عنها من غاب. وفي أحاديث الصحف وملاحظاتها تلميحات لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفسير. وهذه الأنباء تصل إلينا متواترة — وقد نُشر بعضها في الصحف — بأن «رئيس الوزراء» قد يدخل في وزارته قومًا ليسوا منها، ويخرج من وزارته قومًا يعملون فيها. وإذن فقد أجيب «رئيس الوزراء» إلى ما كان يريد كله أو بعضه، ولكن هذا كله أحاديث لا يظهر وجه الحق فيها إلا مساء اليوم أو صباح الغد. وقد شهدنا القصة عشرة أيام، فليس يمنعنا أن نشهدها يومًا أو بعض يوم.
    على أن التفكير في هذا كله ينتهي إلى نتيجتين اثنتين:
    الأولى: أن الطريق السياسية الداخلية لم تبق سهلة ولا ممهدة أمام «رئيس الوزراء» منذ اليوم؛ فقد أخذ «صدقي باشا» يلقى ما لقيه غيره من الوزراء من هذه المرارة الممضة التي تشوب الحكم حين يبلغ أعقابه، وينتهي إلى آخره. ولو نصح «صدقي باشا» لنفسه لاستقال، لا إيثارًا لصحته، فقد يظهر أن الحكم آثر عنده من الصحة، ولكن لسبب آخر يعرفه هو حق المعرفة، وهو أن الحكم لن يحلو له منذ اليوم، وهو أن طريق الحكم لن تخلو من الصعاب والعِقاب، ومن الشوك المؤذي منذ اليوم.
    والثانية: أن كل هذا الضجيج والعجيج، وكل هذه المداورات والمناورات، وكل هذا الإقدام والإحجام، إنما يدور حول أشخاص بأنفسهم يراد أن تبسط أيديهم في الحكم، أو أن تكف أيديهم عن الحكم قليلًا أو كثيرًا، لا حول المصلحة الوطنية الكبرى. فسواء على مصر أبقي «رئيس الوزراء» مختلفًا إلى ديوانه، أم لزم داره، وسواء على مصر أأطلقت يد «رئيس الوزراء» في الحكم إلى غير حد، أم كفت يد «رئيس الوزراء» عن هذا الحكم بعض الشيء، وسواء على مصر أخلص الحكم لـ«رئيس الوزراء» وحده، أو شاركه في الحكم هذا الموظف الكبير أو ذاك، وسواء على مصر أكان زملاء «رئيس الوزراء» شعبيين أم اتحاديين أم مستقلين؛ كل هذا سواء على مصر لأن مصر تضيق بالسياسة التي رسمها «رئيس الوزراء» ومضى في تنفيذها، فجرت على مصر ما جرت من الشر، وجنت على مصر ما جنت من المكروه.
    ومصر لا يرضيها شيء من هذه الحلول، أو من هذا اللعب الذي تنطلق به الألسنة، وإنما الشيء الوحيد الذي تريده مصر، ولن ترضى غيره، هو أن تكون هي موضع التفكير، وأن تكون هي موضوع كل حساب، وأن يكون تغيير الوزارات وسيلة إلى إرضائها، وتحقيق منافعها، لا إلى إذلالها واستغلالها، والتنافس حول الجاه والسلطان لمن يكونان؟
    ويظهر أن الساسة الذين يديرون بينهم أمور الحكم في مصر لا يريدون أن يجاروا آمال الأمة وأمانيها حتى يعجزوا عن هذه المجاراة، بل يظهر أن هؤلاء الساسة الذين يديرون بينهم أمر الحكم في مصر لم يرزقوا من التبصر والتوفيق مثل ما رزق الإنجليز الذين ينظرون إلى أمور السياسة في مصر من بعيد أو قريب. هؤلاء يغيرون مندوبهم السامي لأنهم يقدرون الظروف ويفهمونها، ويعرفون قيمة الحقائق الواقعة، ويريدون أن يلقوها بما ينبغي من الحذر والفطنة، وأولئك يمضون في طريقهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، ولا يقفون إلا عند ما يريدون أن يكون لهم من القوة والجاه.
    ومهما يكن من شيء فإن الأزمة الوزارية القائمة ليست إلا موجة صغيرة من هذا الموج الذي يثيره النسيم على سطح البحيرة، والذي لا يلبث أن يزول دون أن يغير شيئًا. فأما الأزمة الحقيقية التي ينبغي التفكير فيها، والجد في حلها، فهي أبعد من ذلك مدى، وأعمق غورًا، وأشد تعقيدًا، وأعسر من أن تحل بالتوفيق أو العجز عن التوفيق بين «رئيس الوزراء» وغيره من كبار الموظفين. فليقم «رئيس الوزراء»، أو ليستقل، فإن إقامته لا تغير شيئًا، واستقالته لا تغير شيئًا، وستبين الأيام لـ«رئيس الوزراء» أن الأمر أشد عسرًا مما يظن.
    كوكب الشرق في ٧-٩-١٩٣٣

    معلّق
    رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
    كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣

    تأجيل
    وخرج النظّارة من الملعب وهم يضحكون ويتساءلون، فقد كان في الملعب ما يضحك ويُلهي، وقد كان فيه ما يدعو إلى التساؤل ويحمل على الانتظار: تلميح بالاستقالة ثم تصريح، وإقدام على الاستقالة ثم إحجام، وإلحاح في الاستقالة ثم تردد، واستتار بالصحة واستشهاد بالأطباء، ثم تراجع على طول الخط واستقرار على الكرسي كأن لم يكن تلميح ولا تصريح، وكأن لم يكن إقدام ولا إحجام، وكأن لم يكن تحدٍّ ولا تصدٍّ، وكأن لم يكن عزم ولا تردد، وكأن الأمر يجري مطردًا كهيئته يوم سافر «رئيس الوزراء» معتزمًا أن يحكم غائبًا وحاضرًا، وأن يصرف الأمور معتلاً وصحيحًا.
    كل هذا أضحك النظّارة وألهاهم. وكل هذا دعا النظّارة إلى أن يتساءلوه: هل أُسدل الستار على الفصل الأخير؟ وهل سيرفع الستار عن فصل أو قصة أخرى؟ وهل يطول الانتظار لهذا الفصل أم يقصر هذا الانتظار؟
    ومهما تصدر صحيفة الوزارة ملحقاتها في ظلمة الليل، ومهما تنطلق ألسنة الوزارة وقد كانت معقودة، ومهما تنشط هذه الألسنة وقد كانت معقودة، فإن في الجو سحبًا متكاثفة يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، وكلها تهيب بالنظّارة ألا تتفرقوا، فإن وراء الستار ما وراءه، وإن رفع الستار ليس بالبعيد.
    وهذه السحب التي يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، لا تأتي من وجه واحد، وإنما تأتي من وجوه مختلفة، وأنحاء متباينة؛ تأتي من وراء البحر حيث يُنقل مندوب ويُرسل مندوب، وتأتي من شمال مصر حيث الخلاف بعد الوفاق، وحيث انتهاز الفرص وتربص الدوائر، وحيث الابتسام من ورائه العبوس، والابتهاج من ورائه الابتئاس، وتأتي من مصر كلها حيث ضيق النفوس ينتهي إلى أقصاه، وحرج الصدور يصل إلى غايته، وتأتي من «فرنسا» و«إيطاليا» حيث الإصرار على أن يُؤَدَّى الدين وأرباحه بالذهب لا بالورق.
    كل هذه سحب يركب بعضها بعضًا، ويقفو بعضها إثر بعض، ويصيح بالنظّارة أن انتظروا فإن وراء الستار شيئًا جديدًا، ويصيح بـ«رئيس الوزراء»: لقد حرصت على الحكم بعد أن أظهرت الزهد فيه، فهلم أقدم على الحكم إن كنت جريئًا فاحلل مشكلاته ومعضلاته، وانهض بأعبائه وأثقاله، واثبت لأوجاله وأهواله الآن كما ثبت لها منذ أعوام. وسينتظر الناس، وسيقدم «رئيس الوزراء»، وسيرى الناس أن انتظارهم لن يطول، وسيرى «رئيس الوزراء» أن إقدامه لن يمضي بعيدًا. وسيعلم «رئيس الوزراء» أن الأمر قد انفلت وانفلت حتى أصبح لا يستطيع جمعه إلا رجل له من القوة والنشاط، ومن الصبر والثبات، ومن حسن البلاء السياسي ما ليس لـ«رئيس الوزراء».
    هذه «الأهرام» قد حدثتنا أمس بحديث أكبرناه وأنكرناه، ورأينا أنه لا يمكن أن يكون صورة صحيحة لما صدر عن «رئيس الوزراء»، وانتظرنا أن يكذب هذا الحديث مع المساء تكذيبًا قاطعًا فلم يُكذَّب. وقلنا إن هذا الحديث إن لم يمحه التكذيب فسيجعل استقالة الوزارة أمرًا لا بد منه، ولا سبيل إلى الشك فيه. ولم يُكذَّب الحديث إلى الآن، وإنما أنكرته صحيفة الوزارة في خوف واستحياء. ولم يستقل «رئيس الوزراء» أمس، وإنما أعلن عدوله عن الاستقالة. ومع ذلك فمن زعم لك أن الأزمة قد انفرجت، وأن كل شيء حول الوزارة قد استقر، وأن الأمور ستجري منذ اليوم كما كانت تجري من قبل، فلا تؤمن له ولا تطمئن إليه، وثق بأنه خادع أو مخدوع.
    فإن للأشياء منطقًا مهما تفسده الأوضاع السياسية والظروف الطارئة إفسادًا موقوتًا، فهو الغالب على كل حال، وهو المنتصر آخر الأمر. ومنطق الأشياء هذا لا يسمح بأن يشير الوزراء المستقيلون قبل أن يُستشاروا، ولا بأن يقترح الوزراء المستقيلون أسماء الذين يرثونهم في الحكم ويخلفونهم عليه، ولا بأن يقسم الوزراء المستقيلون أمور السلطان، فيحفظون لأنفسهم نصفها، وينزلون لأصفيائهم عن نصفها الآخر. فإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» صحيحًا، وإذن فله نتيجة طبيعية محتومة هي استقالة «رئيس الوزراء» غدًا أو بعد غد، وإما أن يكون هذا الحديث الذي أكدته «الأهرام» مختلقًا، لا أصل له، وإذن فلا بد من تكذيبه في حزم وعزم، وفي جزم وتأكيد، ولا بد من أن تحتمل «الأهرام» تبعة هذا التأكيد الذي يشكك الناس في أمور لا ينبغي أن تتعرض للشك أو الريب. وصمت «رئيس الوزراء» على هذا الحديث، واستحياء صحيفته في إنكار هذا الحديث، دليل يرجح أن «الأهرام» قد فكرت كثيرًا قبل أن تنشر ما أذاعته في الناس.
    والآن يقال إن الوزارة القائمة باقية، لا يصيبها تعديل، ولن يمسها تبديل، ونقول نحن إن بقاءها لن يطول، ولعله أن يكون أقصر جدًا مما يظن الأنصار والأعوان، ومما يرجو الخائفون والمذعورون، ولكن «رئيس الوزراء» قد أعلن بقاءه في الحكم؛ فمن حق الناس أن يطلبوا إليه ما يحتاجون إلى أن يطلبوه، وهم محتاجون إلى أن يطلبوا منه شيئًا كثيرًا، وإلى أن يتعجلوا إجابتَه إلى ما يطلبون.
    فهذا «وزير الداخلية» عاجز كل العجز عن ضبط الأمن وإقرار النظام، إما لأنه مريض قد طال مرضه وشق، وإما لأن ضبط الأمن وإقرار النظام يحتاجان إلى كفاية أخرى غير كفايته. ولعل «رئيس الوزراء» يعلم أنه بينما كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، ويبسط يدًا بالاستقالة ثم يقبضها، ويتراءى للناس حينًا مستقيلًا، وحينًا مقيمًا، كانت أمور الأمن تفسد فتسرف في الفساد. ولعل «رئيس الوزراء» قد أُلقي إليه أن يوم الجمعة الذي عدل فيه عن الاستقالة قد سجل فيما سجل من الأحداث العظام حدثين خليقين بالتفكير، وهما أهم وأعظم خطرًا من بقائه في الحكم أو نزوله عنه؛ وقع أحدهما في مركز «الصَّف»، قريبًا من القاهرة، وقتل فيه أربعة من المصريين، وجرح فيه أكثر من عشرين مصريًا، ووقع الآخر في أقصى الصعيد، هناك حيث تقوم معابد الفراعنة وآثارهم الخالدة، هناك قريبًا من «الأقصر» حيث تذهب الألوف من الأجانب لزيارة الآثار، اصطدمت قريتان في سوق من الأسواق، فكانت موقعة حربية هائلة، نشرت الصحف صباح اليوم أنباءها الأولى، فأحصت «الأهرام» خمسة وعشرين قتيلًا من المصريين، بينهم نفر من حماة الأمن، ولم تُحصِ الصحف عدد الجرحى بعد.
    فليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أهذا الأمر خليق بالعناية؟ أم هو لا يستحق التفكير؟ وليسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أيهما أحق أن تُعنى به مصر وتحفل به: أهذه المداورات السياسية التي تجري من وراء ستار، ولا يكاد يعلم الناس من أمرها وسرها شيئًا؟ أم هذه الدماء المصرية التي تراق جهرة؟ وهذه اليد السوداء، يد الموت المظلم، التي تحصد في يوم واحد تسعة وعشرين من المصريين؟
    يجب أن تكون لله عز وجل حكمة يعجز الناس عن فهمها وتأويلها، فقوم في «الإسكندرية» يداورون ويناورون ليبقوا في الحكم أو ليعتزلوه، وقوم آخرون يبغي بعضهم على بعض ويتساقون كؤوس الموت. نحب أن يسأل «رئيس الوزراء» نفسه وضميره: أي الأمرين أجدى على مصر: أن تستقر دماء الناس في عروقهم وتبقى لهم الحياة التي منحهم الله، أم أن تستقر فيهم وزارة عاجزة حتى عن أن تحمي بعضهم من بعض وتحفظ عليهم أيسر ما ينبغي لهم من الأمن والنظام؟
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» أنه مقيم في الحكم إيثارًا لمصلحة مصر، وأنه مضحٍ في سبيل ذلك بصحته، فلينظر إذن «رئيس الوزراء» إلى هذه الدماء التي تراق فليحقنها، وإلى هذه النفوس التي تزهق فليعصمها، وليقم إذن «رئيس الوزراء» دليلًا على أنه آثر البقاء في الحكم وهو قادر فيه حقًّا؛ فإن الحكم في نفسه ليس غاية، ولا ينبغي أن يكون غاية. والأمة لا تفرح ولا تبتهج بأن ترى «رئيس الوزراء» قد أقام في الحكم، وإنما تريد الأمة من «رئيس الوزراء» — ما دام يفرض نفسه عليها فرضًا — أن يؤدي إليها أبسط ما يؤدي الوزراء للشعوب، فيحفظ عليها دماءها وأموالها، ويصونها من عبث العابثين والمعتدين.
    نرجو أن يكون لدى «رئيس الوزراء» من الصحة والنشاط والقدرة على ضبط الأمن ما يمكنه من أن يحول بين الأمة وبين الموت والخراب في هذه الأيام القليلة التي ستقضيها وزارته مستأثرة بالحكم، مسيطرة على تصريف الأمور.
    [1] كوكب الشرق في ٩-٩-١٩٣٣.

    صلح
    كانت أنباء تستفيض بها الأحاديث بعد أن كانت سرًّا يهمس بها بعض الناس إلى بعض، ثم أخذت تتردد على الألسنة وتطوف في الأندية حتى استقرت في قلوب الناس، وجعلوا بينها وبين الأزمة التي أثارها الوزراء سببًا.
    ولعلك قد فهمت عني ما أريد أن أقول، فلم يكد يثير «رئيس الوزراء» أزمته من «باريس» أو من «فرساي» حتى أخذت الصحف تشير وتلمح إلى خلاف بينه وبين موظف من كبار الموظفين، جعل سلطانه على الحكم محدودًا، يحتاج إلى شيء من الإطلاق والسعة. وأشارت الصحف إلى أن «رئيس الوزراء» قد كره هذا التضييق وأنكره، وأراد أن يزيله ويمحوه إما بالاستقالة التي تريحه من السلطان الواسع والضيق معًا، وإما بالبقاء في الحكم على أن يكون الحكم خالصًا له من دون غيره من الموظفين الذين لا تجعل لهم مناصبهم يدًا في الحكم ولا سبيلًا على الحاكمين.
    وعاد «رئيس الوزراء» بعد أن امتلأت الأرض بأنباء الاستقالة وأسبابها الرسمية التي جهر بها الرئيس، وأسبابها الخفية التي نبأت بها الصحف ورواة الأحاديث. فلم يكد يذهب إلى حفلة الشاي التي أقيمت له حتى لاحظ الصحفيون والرواة، والذين يحبون التعليل والتأويل، أن موظفًا من كبار الموظفين قد غاب عن هذا الحفل، وأخذوا جميعًا يقربون الآماد والمسافات بين الأزمة وبين ذلك الغياب. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من زعم أن هذا «الموظف الكبير» لم يغب عن الحفل وحده، وإنما غاب عن «الإسكندرية» كلها، وتركها خالصة للمحتفلين. ومنهم من زعم أنه لم يترك المدينة، وإنما قضى ساعة الحفل عند أحد الوزراء الذي لم يستطع أن يشهد الحفل لأنه كان مريضًا.
    وأخذ الناس يذهبون مذاهب في التأويل والتفسير تقوي الصلة بين أزمة «رئيس الوزراء» وغيبة «الموظف الكبير» عن حفلة الشاي أو تضعفها، ولكن مرور الأيام القليلة التي جاءت بعد الحفل لم يدع شكًّا عند الناس في أن هذا «الموظف الكبير» ليس بريئًا كل البراءة من هذا التعقيد الذي اعترض حياة الوزارة القائمة، فزادها عسرًا إلى عسر، وحرجًا إلى حرج.
    فقد كان الناس يعلمون أن هذا «الموظف الكبير» يلقى «رئيس الوزراء» فيكثر من لقائه، يزوره في داره، ويزوره في ديوانه، ويتحدث إليه فيطيل الحديث، وربما حضر بعض الجلسات لـ«مجلس الوزراء»، ولكنهم لاحظوا منذ عودة الرئيس أن هذه الزيارة قد انقطعت، أو انقطع الحديث عنها والعلم بها. وأنفق «رئيس الوزراء» جهدًا غير قليل ليقنع الناس بأن المرض وحده هو الذي حمله على الاستقالة، ولكن الناس لم يقتنعوا، وهم معذورون؛ فإن الأصحاء الأقوياء إذا اضطرتهم الظروف إلى الاستقالة واعتزال الحكم تكلفوا المرض وانتحلوه، فكيف بـ«رئيس الوزراء» إذا كان مريضًا حقًّا أو بريئًا حقًّا من المرض، ولكن عهده بالمرض ليس بعيدًا.
    لم يقتنع الناس إذن بأن المرض وحده هو الذي أثار هذه الأزمة، ولا سيما وعهد المرض قريب يرجع إلى ثمانية أشهر ماضية، ولم يجد الناس بدًّا من أن يستمعوا لقول الصحافيين ورواة الأحاديث من أن خلافًا بين «رئيس الوزراء» وموظف من كبار الموظفين كان له في هذه الأزمة أثر غير قليل.
    وجاءت «الأهرام» فأكدت رأي الناس وثبّتته في نفوسهم تثبيتًا حين روت لهم بلهجة القاطع الجازم أن «رئيس الوزراء» لما هم بالاستقالة كتب إلى مصر يرشح خليفته، ويقسم أمور الدولة شطرين: له أحدهما في البرلمان، ولخليفته أحدهما الآخر في الدواوين. وزادت «الأهرام» على ذلك أن كتاب «رئيس الوزراء» هذا لم يَرْضَ بعض الجهات، فنشأت الأزمة وتعقدت تعقيدًا. وكان المنتظر أن يكذّب «رئيس الوزراء»، أو غير «رئيس الوزراء» من الجهات الرسمية، حديث «الأهرام» هذا تكذيبًا قاطعًا يزيل الشك ويمحو اللبس، ويبين للناس أن «رئيس الوزراء» أعلم بتقاليد الدستور، وأحرص عليها من أن يتورط في مثل هذا الخطأ. ولكن هذا الحديث لم يُكذَّب تكذيبًا صريحًا، بل لم تستطع صحف الوزارة أن تنكره إلا على استحياء شديد، وظلت كلمة «الأهرام» عالية، وكلمة «الصحف الوزارية» خافتة لا يكاد يسمعها أحد، فصدق الناس حديث «الأهرام»، وهم مضطرون إلى أن يصدقوه ما دام الذين يعنيهم أمره لم يكذبوه تكذيبًا صريحًا على كثرة ما يلقون إلى الصحف من فنون التكذيب.
    وجاءت «المقطم» أمس فأكدت كل هذه الأنباء تأكيدًا لا يسمح بالشك فيها حين تحدثت إلينا عن هذا الاجتماع الضيق الضئيل الذي عقد في منزل «وزير الداخلية» أول أمس، والذي دُعي إليه «رئيس الوزراء» ونائبه السابق، وهذا «الموظف الكبير»، فتساقوا الشاي ممزوجًا بحلو العتاب أو مره، ثم صفت بينهم الأمور، وانصرفوا بعد ذلك وهم يشكرون لمضيفهم سعيه الخير الحميد؛ فقد كان هناك إذن كدر غسله الشاي، وشر أصلحه العتاب، واختلاف محاه أو خففه هذا الاجتماع. وإذن فلم تكذب الصحف، ولم يتجنَّ المتحدثون في الأندية حين زعموا أن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» كان من أسباب الأزمة ومثيراتها، إن لم يكن سببها ومثيرها الوحيد.
    وإذن فلم يكن الناس مخطئين أيضًا حين كانوا يعتقدون أن عدول «رئيس الوزراء» عن الاستقالة لا يلغي الأزمة وإنما يؤجلها؛ لأن إلغاء الأزمة إنما يكون بإلغاء أسبابها، ولم تُلغَ هذه الأسباب. لم يكن الناس مخطئين لأن سعي «وزير الداخلية» في هذا الصلح وإجابة «رئيس الوزراء» إليه، وما كان من تساق الشاي والعتاب دليل واضح على أن الذين شربوا الشاي والعتاب أول أمس كانوا هم أيضًا مقتنعين بأن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» سيظل شجىً في حلق الوزارة يجب أن يُنتزع، وشوكة في جنب الوزارة يجب أن تُسلّ، وإلا فلن يستقيم للوزارة أمر، ولن تعتدل أمامها الطريق. ولذلك حاولوا أول أمس أن ينتزعوا هذا الشجى ويستلوا هذه الشوكة.
    أفتراهم قد وُفِّقوا إلى ما كانوا يحاولون؟ أم تراهم قد وُفِّقوا إلى شيء دون ما كانوا يحاولون؟ أفتراهم قد نزعوا الشجى نزعًا، ومحوا آثاره محوًا؟ أم تراهم قد قطعوا الشوكة من أصلها حتى آمنوا أذاها وشرها؟ أم تراهم قد اجتهدوا في أن يخففوا من حدته ويلطفوا من شدته ويجعلوه بحيث لا يمنع من مرور الشاي في الحلق ولو ممزوجًا بالعتاب؟ أما الوزاريون فسيقولون إن الجو بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» لم يكن في يوم من الأيام أصفى مما هو الآن. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما كانت يوم همَّ رئيس الوزارة بالاستقالة، ولن تكون الوزارة في يوم من الأيام أقوى منها يوم يرفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
    كذلك قال الوزاريون، وكذلك سيقول الوزاريون؛ فلا تسمع لهم إذن حين يزعمون لك أن الشاي أول أمس قد نزع هذا الشجى من حلق الوزارة نزعًا، وصفّى كل شيء من حولها تصفية لا كدر فيها ولا غبار. لا تسمع لهم، واسمع لقول الشاعر القديم فإنه أصدق تصويرًا للموقف وأدق تعبيرًا عن حقيقته؛ وقد أثبتت سياستنا المصرية وسياسة غيرنا من البلاد أن مثل هذا الخلاف لا يُمحى إلا بأن يعتزل أحد المختلفين، وإنما يخفف ويهون ويُستر أمره على الناس لتجري الأمور في صورة مقبولة في ظاهر الحال، كما قال الشاعر القديم:
    أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي … أَرَى الحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَقَاحُمَا فَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى … وَتَبْقَى حَزَازَاتُ الصُّدُورِ كَمَا هِيَا
    ونحن نتمنى صادقين أن يصفو الجو بين المختلفين، وأن يكون الشاي الذي تساقوه يوم الخميس مطهرًا للقلوب من آثار الحفيظة والموجدة، ولكننا نتمنى مع ذلك أن يكون هذا الصلح معينًا لا على أن تستقيم أمور الوزارة وحدها، فأمور الوزارة عندنا في المنزلة الثانية أو الثالثة، بل على أن تستقيم أمور «مصر»؛ فأمور «مصر» عندنا أجل وأعظم من أمور الوزارة ومن تختلف أو تتفق معه من الموظفين.
    نعم، نحن نتمنى صادقين أن يكون هذا الصلح مريحًا لـ«رئيس الوزراء» فيفرغ لأزمة المصريين ليعالجها بكفايته البارعة، فيصد المصارف عن ثروة المصريين، ويكف يد الدولة عن هذه الأرض التي تريد أن تبيعها بعد أيام لأن أهلها عجزوا عن تأدية الضرائب، ويعلن إلى الدول الأجنبية في حزم الواثق المطمئن أن «مصر» لن تؤدي دينها وفوائده إلا ورقًا، ويرد إلى المصريين الاطمئنان على أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم، وعلى أموالهم ومرافقهم. نتمنى هذا كله صادقين، ونذكر المتخاصمين الذين أذن الله لهم بالصلح يوم الخميس بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، وهم يعلمون حق العلم أن الحلال في السياسة المصرية بيّن، والحرام في السياسة المصرية بيّن، وأنهم يعلمون حق العلم أن الصلح والخصام بين الأفراد لا يغيران من سياسة الأمم شيئًا، وإنما الذي يحدث الأزمات ويعقدها وينتهي بها حتى إلى إسقاط الوزارات، هو ما لا يأذن الله به، ولا تأذن به السياسة الصحيحة الصالحة من تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
    [1] كوكب الشرق في ١٦-٩-١٩٣٣.

    خاتمة
    ورُفع الستار فإذا مشهد مهيب رهيب، يملأ النفوس روعة ويمزق الأفئدة حزنًا وأسى؛ هوة بعيدة الغور، لا يكاد يظهر لها قرار، تسعى إليها في وجل واضطراب وزارة مثقلة قصيرة الخطو، لا تكاد تنهض حتى تكبو، وقد تفتحت أبواب السماء وامتلأ الجو بينها وبين الأرض بأرواح يصعد بعضها ويهبط بعضها الآخر، ولها كلها دويٌّ مختلط قد ملأ الفضاء كله، بعضه عذب كل العذوبة، وبعضه مرٌّ كل المرارة. فأما تلك الأرواح التي كانت تهبط من السماء فإنما هي ملائكة تحمل إلى الناس نسيم الرحمة والراحة، وضوء الأمل والرجاء، وتنادي الناس في أصوات حلوة أخاذة: «لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
    وأما الأرواح التي كانت تصعد في السماء فملائكة تحمل شكاية الشاكين، وبكاء الباكين، وحزن المحزونين، وبؤس البائسين، وألم الذين نكبتهم الخطوب ودهمتهم الحوادث، وامتحنهم الله في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأخلاقهم وكرامتهم؛ وكانت هذه الأرواح ترتفع إلى السماء رفيقة شفيقة، تستزيد رحمة الله للناس، وتستمطر عدل الله على القساة الظالمين.
    وكانت هذه الهوة العميقة التي لا يكاد يظهر لها قرار ممتلئة بأشباح بشعة منكرة، تضطرب فيما بينها أشد اضطراب، وتختلط أصواتها المنكرة أشد اختلاط. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة كلها أوزارًا وأوضارًا وآثامًا وسيئات، قد كُتبت عليها أسماؤها بأحرف من نار تخلب الأبصار؛ فبعضها يسمى ازدراء الشعب، وبعضها يسمى قهر الشعب، وبعضها يسمى تبذير أموال الشعب، وبعضها تسليط الأجنبي على الشعب، إلى ذلك من الأسماء التي لا تُحصى. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة تدور في هوتها العميقة الواسعة دورانًا عنيفًا، وكان لها هدير قوي مخيف.
    وكان النظارة ينظرون في الجو فيرون هذه الأرواح الهابطة وتلك الأرواح الصاعدة، فتمتلئ قلوبهم خوفًا وأمنًا، ثم ينظرون فإذا وزارة مثقلة مكدودة تسعى سعي المقيد، تريد أن تقف فتُدفع، وتريد أن تتأخر فتُرد، وهي تدنو من حافة الهوة، وحافة الهوة تدنو منها. وقد تعلقت قلوب النظارة ونفوسهم بهذا المنظر العجيب، وبهذا الصراع الرائع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين الإنصاف والإجحاف، وبين الرحمة والقسوة، وبين النعماء والبأساء. ثم ترتفع أصوات النظارة فجأة فإذا صيحة قد ملأت ما بين الأرض والسماء، كلها رضا، وكلها ابتهاج، وكلها تفدية للوطن، ثم يلقي النظارة بأبصارهم نحو الهوة فإذا هي قد أطبقت كأنها لم تكن، وإذا الأرض أمام أعينهم سواء.
    الله أكبر من كل كبير، والله أعظم من كل عظيم، والله أعز قوة وأعلى سلطانًا من أن يقاومه أصحاب القوة والسلطان، والله أشد حولًا وأعظم طولًا من أن يتحداه طاغية مهما يكن، أو يتصدى لأمره عظيم مهما يبلغ من شأنه الارتفاع.
    عفا الله عن «رئيس الوزراء» المستقيل؛ لقد جمع جموعه، وألبَّ قواه، وتأهب ثم وثب، حتى إذا استقر على كرسي الحكم رفع طرفه في الجو مطاولًا، وخفض طرفه إلى الأرض مستكبرًا، ونظر إلى من حوله وما حوله مزدريًا، ثم أعلن في ثقة وحزم: «ألا إنه عشر سنين، لن تنقص وقد تزيد». ثم مضى يصرف الأمر تصريف الواثق المطمئن الذي لا يخاف الأيام ولا يحسب للأحداث حسابًا. وما له يخاف الأيام ويحسب للأحداث حسابًا، وقد فرض نفسه على الأيام والأحداث عشر سنين لن تنقص وقد تزيد؟ فليمضِ أمامه إذن لا يلوي على شيء، ليتقدم شهرًا وشهرًا، وليتقدم عامًا وعامًا، وليمضِ آمنًا مطمئنًا حتى ينفق من سنينه العشر تسعًا أو أكثر من تسع، ويومئذ يستطيع أن يفكر في الحساب، ويومئذ يستطيع أن يقدر خطر الأيام وعادية الأحداث؛ فأما قبل ذلك فالطريق ممهَّدة مبسوطة، والرياح مواتية مسالمة، والجو صفو صحو، والبحر هادئ مطمئن.
    أما هذه الأصوات التي ترتفع من حوله ومن حول صديقه «المندوب السامي» بالاحتجاج والإنكار، وبالشكاة والأنين والتحذير والتخويف، فإنما هي نقيق الضفادع. ومتى تعود الساسة العظماء والقادة والزعماء والمسيطرون على الناس والأشياء أن يحسبوا لنقيق الضفادع حسابًا، أو يلقوا إلى نقيق الضفادع بالًا؟
    ويمضي «رئيس الوزراء» المستقيل أمامه البأس والبطش، ويتبعه القهر والعنف، ويحيط به الاستخفاف بالناس والاستكبار على الناس، والسخرية من أمر الناس، ويرمقه صديقه «المندوب السامي» بعين ملؤها الحنان والعطف، والتشجيع والتأييد، ونقيق الضفادع على ذلك متصل لا ينقطع، مستمر لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. وإذ هو قد طال حتى ثقل على الأسماع، وحتى ضاقت به نفوس، وتبرمت به قلوب، وإذن فلا بد من أن تسكت هذه الضفادع. وأي شيء أيسر من أن يفرض على الضفادع السكوت؟ إشارة يسيرة إلى الجند والشرطة فإذا الألسنة معقودة، والأفواه مكمومة، والجو من حول «رئيس الوزراء» هادئ، لا يسمع فيه إلا أناشيد النصر والفوز. وتعدو الشرطة، ويبطش الجند، وتسفك دماء، وتزهق أرواح، ويلجأ الناس إلى غير ما يحبون، ويُغرى الناس بأن يبيعوا ضمائرهم بيعًا، حتى إذا تمت الصفقة، وبِيعت الضمائر، أُذلَّ البائعون وقبضوا ثمن ضمائرهم استكانة وهوانًا.
    ويفتح «رئيس الوزراء» وأعوانه آذانهم يلتمسون في الجو أناشيد الفوز والانتصار، فلا يسمعون إلا نقيق الضفادع متصلًا، لا ينقطع، مستمرًا لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. هنالك يصدر الأمر إلى الشرطة والجند أن أمعنوا في البأس والبطش، هنالك يضع السادة القادة، الزعماء العظماء أصابعهم في آذانهم، هنالك يلقي السادة القادة والزعماء العظماء حجبًا كثيفة بينهم وبين من حولهم وما حولهم من الناس والأشياء. وإذا نقيق الضفادع يصل إلى الأسماع مهما تُسد الآذان، وإذا اضطراب الضفادع يصل إلى العيون مهما تُلقى الحجب والأستار، وإذ نقيق الضفادع واضطرابها يطغيان على كل شيء، ويغمران كل شيء، ويكتسحان كل شيء. وإذا مقاومة السادة القادة والزعماء العظماء لهذا النقيق والاضطراب تضعف شيئًا فشيئًا، وتفتر قليلًا قليلًا، وترق حتى تعجز عن الاحتمال.
    وإذا «رئيس الوزراء» المستقيل مريض لا يقوى على العمل، وإذا «المندوب السامي» مضطر إلى أن يعبر البحر إلى بلاد الإنجليز، وإذا الذين كادوا لمصر ومكروا بها يدبرون أمرهم بينهم ويجيلون الرأي في أنديتهم سرًّا وجهرًا: كيف يخرجون من هذا المأزق؟ وكيف يخلصون من هذا الضيق؟
    إيه أيتها الضفادع، ارفعي أصواتك بهذا النقيق؛ فهؤلاء الإنجليز الذين كانوا يرونكِ ضفادع قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم، ويشعرون بأنكِ لستِ من الضفادع في شيء، وإنما أنتِ الأمة المصرية الخالدة التي لن يقهرها وزير وإن كان «صدقي باشا»، ولن تذلها دولة وإن كانت دولة الإنجليز. إيه أيتها الضفادع، ارفعي صوتكِ بهذا النقيق، فإن فيه عظة لمن أراد أن يتعظ، وعبرة لمن أراد أن يعتبر. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنه يصدع آذانًا قليلة، ولكنه يحيي الملايين من الأبناء المخلصين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنما هو نشيد الحرية والإيمان بها، نشيد الاستقلال والجد فيه، نشيد العزة والحرص عليها، نشيد الثبات والإباء مهما يعظم ظلم الظالمين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق؛ فإنه صوت الأمل الذي يمحو من قلوب الضعفاء والمستضعفين ظلمة اليأس والقنوط.
    ليس مصريًّا من أشفق من ظلم الظالم، ليس مصريًّا من خاف من عدوان المعتدي، ليس مصريًّا من يئس من قدرة مصر على الحياة والعزة والفوز.
    تبارك الله، لم تتم خمسة عشر يومًا منذ أعلن «رئيس الوزراء» المستقيل أنه قد استشار أطباءه فرأى أنه قادر على البقاء في الحكم، وقد استشار ضميره فرأى أنه سيضحي بصحته في سبيل بلاده. نعم، ولم يتم أسبوع واحد على هذا الشاي الذي تساقاه الأصدقاء عند «وزير الداخلية»، فصفا ما بينهم من الأمر، ثم يمسي الناس أمس فإذا الأنباء تنتشر بينهم بأن مشورة الأطباء لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» المستقيل من أن يحتمل أعباء الحكم أكثر من أسبوعين، وبأن مشورة الضمير لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» من أن يمضي في تضحيته الأخيرة أكثر من أسبوعين، وبأن شاي الصلح لم يكن يمكن «رئيس الوزراء» من أن يبتسم للحكم أكثر من أسبوع، وبأن «رئيس الوزراء» يرفع استقالته أمس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، وبأن حضرة صاحب الجلالة الملك يرفق بشعبه ويعطف عليه فيقبل استقالة هذه الوزارة التي أذاقت مصر من الهم والغم، ومن الحزن واليأس ألوانًا، ويرحم «رئيس الوزراء» فيريحه من عناء الحكم.
    تبارك الله، لقد كُتب لمصر الفوز ما آمنت بحقها، ووقفت له، وصبرت على ما يصيبها في سبيله من الخطوب والأحوال. تبارك الله، لقد أمدَّ مصر من عزها القديم ونهضتها الحديثة بهذه القوة التي تمكنها من الوفاء، وتعينها على الثبات، وتكفل لها الفوز في الجهاد.
    ابتسموا أيها المصريون لحياتكم المقبلة، واعتزوا أيها المصريون بمجدكم القديم، واحذروا أيها المصريون أن تؤيسكم الخطوب، واحذروا أيها المصريون أن يبطركم الفوز، واعلموا أيها المصريون أن أموركم راجعة إليكم مهما تكن الظروف؛ لأنكم تريدون ذلك وتصممون عليه. سيقولون لكم إن المحنة لم تنتهِ بعد، ولعلها أن تطول، ولكنكم قد احتملتم أثقل أعبائها، وبلَوتم أمر قسوتها، وخرجتم بعد ذلك ظافرين. ومهما تتنكر لكم الخطوب فلن تلقوا شرًّا مما لقيتم، ولن تلقوا مثل ما لقيتم، ولن تجدوا من خصومكم بعد اليوم إلا كيد الضعيف ومكر المخفق المشفق.
    فثقوا بالله وانتظروا منه التأييد، وأوفوا بعهد الوطن، وأحسنوا في سبيله الجهاد، وأخلصوا الحب لصاحب العرش، وانتظروا منه العناية الرشيدة، والرعاية الحكيمة، والعطف الكريم.
    [1] كوكب الشرق في ٢٢-٩-١٩٣٣.

    رئيس
    قيل لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
    وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
    و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
    والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
    «عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
    وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
    كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
    فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
    نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
    وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
    وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
    وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
    نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
    والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
    [1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.

  • الجامعة وضغط الحكومة | The University Under Government Pressure

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    لعب
    لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مُسلٍّ لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذي يصيب كليتين من كليات الجامعة، هما: كلية الآداب والحقوق، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة. لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل في برامج الدراسة ومناهجها، وفي نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة ما يمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه. ولكن ما الذي يمنع أن تمس البرامج والمناهج والنظم والآماد، وقد غير القانون نفسه، وصورت اللوائح العامة تصويرًا يلائم هذه المثل العليا التي وضعتها الوزارة القائمة أمامها، واتخذتها أصولًا للحكم!
    كانت الجامعة مستقلة بعض الشيء، فمحي هذا الاستقلال! كما كان الدستور واسع بعض الشيء فضيقت هذه السعة! وكان التعليم في الجامعة حرًا بعض الشيء، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة، فيجب أن تمحى هذه الحرية شكلًا من الأشكال، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير من وزارة المعارف، أبعد من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية، وأبغض الهيئات للحياة الجامعية!
    يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتغيير من وزارة المعارف، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف، ثم تنظم هذه الفكرة في وزارة المعارف، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات فتسمع وتطيع وتؤمن وتذعن، وإذا نظم تبدل، وبرامج تحول، ولوائح تصاغ في صورة غير التي كانت عليها، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت وتمت، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية، ثم إلى مجلس الوزراء، ثم يصدر المرسوم، ثم يضطرب أمر الطلاب وتفسد نظمهم، لا في الدراسة وحدها، بل في الدراسة وفي الحياة أيضًا، لأن وزارة المعارف، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف لن يَدَعوا الجامعة حتى يردوها إلى ما يحبون هم، وحتى يجعلوها مدرسة كالمدارس، ضيقة الحدود، محصورة الآفاق، تخرج موظفين وأشباه موظفين، كما كانت المدارس تفعل من قبل!
    ووزارة المعارف والذين يوحون إليها لا يفكرون في أن الرقي إنما يكون بالسير إلى أمام، لا بالرجوع إلى وراء، لأنهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا في الرقي، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ونتقدم في التقدم ولو قليلًا.
    نعم ووزارة المعارف والذين يوحون إليها لا يفكرون في أن الإسراف في تغيير البرامج والمناهج والآماد يفسد شئون التعليم، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد في الدرس، وانصراف عنه، وتبرم به.
    لا تفكر وزارة المعارف والذين يوحون إليها في شيء من هذا، وإنما نحن في عصر دكتاتورية، يجب أن يمس التغيير فيه كل شيء، وأن يحيط العبث فيه بكل شيء، وأن تنقص أجنحة التعليم كما قُصَّت أجنحة الحرية، وأن تتسلط على التعليم عقول لم تخلق للتعليم وإنما خلقت لأي شيء آخر غير التعليم.
    لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة حتى انبسط سلطان الوزارة عليها، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها يعبثون بها ويضيقون عليها، ويقلبون نظام الدرس فيها رأسًا على عقب، فيلغون أقسامًا، ويضغطون أقسامًا أخرى، ويداورون بين قسم وقسم ليردوا الكلية إلى شيء يشبه مدرسة المعلمين التي أُلغيت منذ أعوام، لأن رقي مصر كان يقتضي إلغاءها بعد أن أدت مهمتها، وعجزت عن أن تؤدي المهمات الجديدة التي دعت إليها الحياة الجديدة.
    ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الإلغاء، وقد طالما ضاقت به، وشكت منه، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل! فلما لم توفق إلى ذلك صبرت على مضض ودبَّرت كيدها في إتقان وإحكام حتى أمكنتها الفرصة، فهي تريد أن تعيد مدرسة المعلمين وأن تسميها كلية الآداب، وهي ترد الدراسة في هذه الكلية إلى أبسط صورها، وأيسر أشكالها. فاللغة العربية وآدابها يجب أن تدرس فيها كما تدرس في دار العلوم. واللغات السامية والشرقية الإسلامية يجب أن تصبح فيها كما هي في دار العلوم. واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليًا لا ينتج ولا يفيد! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ يلحق بالجغرافيا! وقسم للجغرافيا يلحق بالتاريخ إلى أشباه هذه الصيغ السخيفة الدائرة التي لا يمكن أن تنشأ ولا أن تنمو إلا في مكاتب وزارة المعارف!
    ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئًا واحدًا لا يظهر فيه تخصص ولا تمايز. يجب أن نتواضع فقد غلونا في الكبرياء.
    يجب أن يكون لنا كلية آداب من الطراز الذي يرضاه الإنجليز، ويقبلونه في مستعمراتهم، من هذا الطراز الذي يخرج عمالًا وموظفين، لا أدباء ومفكرين! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة في وزارة المعارف. لا في الجامعة، ولا في لجنة يرأسها رجل لم يدرس في الجامعات قط، ولم يذق الحياة الجامعية قط، ولم ينفق حياته إلا في هذا النوع من التعليم المتواضع الذي يضيق به مصر، وتريد أن تتخلص منه حتى إذا تم وضع هذا النظام أقرَّته الكلية، وأقرَّه مجلس الجامعة، وصدر به المرسوم، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة.
    وليس للجامعيين أن يناقشوا في ذلك أو يجادلوا فيه، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنين: إما الإذعان وإما الحرمان.
    رحم الله أيامًا مضت، وعهودًا سلفت، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ليدرسوا أمرًا من أمور الجامعة، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا في الجامعة، وعند مدير الجامعة.
    ورحم الله أيامًا مضت، وعهودًا سلفت، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ليناقشوه في برامج التعليم الثانوي، ويأبون إلا أن ينتقل إليهم وكيل الوزارة إلى مكتب مدير الجامعة ليعرض عليهم ما يريد.
    رحم الله تلك الأيام والعهود، فقد مضت وانقضت، وأصبحت أحلامًا، أو كالأحلام، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التي تصلح نظام الدرس في كلية الآداب.
    وأمر كلية الحقوق ليس خيرًا من أمر كلية الآداب، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل، وقالت وزارة المعارف للأهرام إنها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة بعد أن تصدر لائحتها الأساسية الجديدة. وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية الحقوق، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع إن وزارة المعارف لا شأن لها بالجامعة، وإنما أمور الجامعة إليها، وإلى الوزير بإحدى صفتيه، فأنت تعلم أن له صفتين.
    صنع الله لوزير المعارف التقاليد، أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئًا، وأن يحدث في وزارة المعارف غير ما يقول!
    مسكينة كلية الحقوق، لا يريد الله أن يصلح بالها، ولا أن يقر أحوالها، ولا أن يجعل لها نظامًا تطمئن إليه.
    هذه لائحتها الأساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة في أقل من عشر سنين! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين، يقضي الطالب منها اثنتين في كلية الآداب، وثلاثًا في كلية الحقوق. ثم أصبح أربع سنين تقضى كلها في كلية الحقوق، على أن تكون إحداها إعدادية، تهيئ الطالب لدراسة القانون. ثم يراد أن تعود خمس سنوات تقضى كلها في كلية الحقوق، واحدة منها للاستعداد، وأربع لدراسة القانون.
    وأنا زعيم لك بأنها سترد إلى أربع سنوات بعد أن تعود الأمور إلى نصابها، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال، وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة، ولن يكون هذا كله بعيدًا.
    ولكن ما رأيك في أن أمد الدراسة هذا الذي يزاد ثم ينقص ثم يزاد؟ وما رأيك في مكان الدراسة هذا الذي يكون حينًا بخزوى، وحينًا بالعقيق؟ وما رأيك في الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟
    وهل تدري فيم زيد أمد الدراسة؟
    زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجي كلية الحقوق ضعاف الحظ من الثقافة القانونية! وقد يكون هذا حقًا، ولكن هناك حقًا آخر لا شك فيه، وهو أن المصالح لا تأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم، ولعلها تأخذ أواخرهم؛ لأن الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل ما لا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء أو المقربين إلى الوزراء.
    وهناك حق آخر، وهو أن إطالة أمد الدراسة لا تضمن حسن الدراسة، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وإنما هي مسألة دراسة جيدة أو رديئة، ومسألة أستاذ كفء أو غير كفء، ومسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح!
    وهناك حق ثالث لا شك فيه، وهو أن كلية الحقوق فيها قسم للدكتوراه، كان ينبغي أن تحسن فيه الثقافة القانونية، ولعلها تحسن فيه بالفعل، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجي هذا القسم؟
    وهناك حق رابع لا سبيل إلى الشك فيه، وهو أن كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لإتمام الدراسات العملية القانونية بعد درجة الليسانس، ولعل هذه المعاهد أن تقوي الثقافة، فلم لا تأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟
    وهناك حق خامس لا سبيل إلى الشك فيه، وهو أن فساد الأمر في كلية الحقوق لا يرجع إلى طول الوقت أو قصره، وإنما يرجع إلى أمرين اثنين: فساد التعليم الثانوي الذي يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفًا أشد الضعف، والثاني تقسيم الدراسة في كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس، وآخرين أوروبيين يدرسون لطلاب الدكتوراه، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائمًا، محدودة الآفاق.
    كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشئون الحكم، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين، لعدلوا عن إطالة أمد الدراسة في غير نفع قليل أو كثير.
    والامتحان، وما أدراك ما الامتحان! لقد شدد وحدد، وأصبح تحريريًا في كل شيء، وشفويًا في كل شيء، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الأدنى والحد الأعلى لدرجات النجاح إلى ما تحسنه وزارة المعارف، ولا تحسن غيره!
    ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسًا ما، لا ينبغي الغلو فيه، ولا الإسراف في تشديده وتحديده. ولكنها، كما ترى، فكرة ابتدائية ساذجة، ترى أن الوقت إذا طال حسنت الدراسة، وأن الامتحان إذا اشتد عظم خطر المتخرج في الثقافة.
    وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هي التي غيرت نظام كلية الحقوق، وتغير الآن نظام كلية الآداب، ومن يدري لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب، وهل غيرت قوانين الجامعة إلا لهذا؟
    نعم، لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة محصورة في مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف، فقد فتحت لها النوافذ والأبواب، فانتشرت كما ينتشر الوباء، تبسط ظلها المهلك على كل شيء!
    كانت محصورة في التعليم الابتدائي والثانوي، فامتدت إلى التعليم العالي، وأخذت تظل الأزهر بجناح، والجامعة بجناح، وويل لمصر ولحياتها العقلية إن استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة أن تفرخ، فتخرج من الأزهر والجامعة شبابًا يشبهونها في الابتدائية والسذاجة.
    ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة، وما فيهما من هواء نقي، وضوء جميل، فلن تكون الحياة، حياة مصر، لعبًا دائمًا.
    كوكب الشرق ٢٢ — ٥ — ١٩٣٣

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    فوز
    الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
    ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
    لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
    ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
    فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
    رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
    هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
    وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.
    كوكب الشرق ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣

    كلية الآداب

    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:

    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟

    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:

    ١-

    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

    حول الجامعة المصرية
    حديث اليوم
    يدور بعض الناس حول الجامعة المصرية منذ حين يتهمها في وطنيتها ودينها وإخلاصها للعلم ويستعدي عليها الناس وينذر مصر بالخطر الداهم والشر المستطير لأن الجامعة المصرية فكرت في أن تكون جامعة مصرية وأرادت أن تؤدي واجبها في هذه البلاد كما تؤدي الجامعات الأخرى واجباتها في البلاد الأخرى.
    نعم يدور بعض الناس حول الجامعة ويتهمها بكل هذه المنكرات لأنها فكرت في أن تدعو أستاذا فرنسيا ليلقي فيها محاضرات حول الآداب العربية أو حول فقه اللغة العربية. فكرت الجامعة في ذلك فهي تتهم في دينها ووطنيتها، تتهم بالردة وتتهم بالخيانة العظمى. وليس ذلك غريبا فليس في مصر شيء غريب
    ونحن نخشى أن يصل مثل هذه الأوهام إلى قوم ليس لهم صلة بالجامعة فيسيئون الظن بهذه الجامعة أو يخطئون فهم ما تعمل الجامعة وما تريد. لهؤلاء وحدهم نكتب هذه الكلمة.
    لم تكد تنشأ الجامعة حتى شعر مجلس إدارتها وعلى رأسه يومئذ صاحب الجلالة المصرية بأن هذه الجامعة لا تستطيع أن تعيش ولا تستطيع أن تنهض إذا اكتفت بالعلماء المصريين والأساتذة المصريين، وبأنها إنما أنشئت لتكون صلة في العلوم العالية بين مصر وأوروبا، شعروا بذلك فاعتزموا أن يدعو أساتذة أوروبا إلى هذه الجامعة، ولم تفتح الجامعة دروسها حتى كان من بين أساتذتها ثلاثة من الأوروبيين في قسم الآداب: أستاذ للآداب الإنجليزية وأستاذ للآداب الفرنسية، وأستاذ إيطالي هو السنيور جويدي للآداب العربية أو قل كما قالت الجامعة يومئذ لا آداب الجغرافيا والتاريخ. وقد ألقى هذا الأستاذ الجليل دروسه باللغة العربية وكان ازدحام الناس على هذه الدروس شديدا أو إعجابهم بها أشد.
    فلما كانت السنة الثانية دُعيَ إلى الجامعة مكان هذا الأستاذ الذي اعتذر لتقدمه في السن أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ نللينو فألقى دروسه في تاريخ الفلك عند العرب. فلما كانت السنة الثالثة نظم قسم الآداب في الجامعة ودُعيَ إليه أستاذان إيطاليان أحدهما الأستاذ نللينو لدرس تاريخ الآداب العربية. والآخر الأستاذ مليوني لدرس تاريخ الشرق القديم. ودُعيَ أستاذ ألماني هو الأستاذ ليتمان لدرس اللغات السامية. ودُعيَ أستاذ إيطالي آخر هو الأستاذ سانتللانا لدرس تاريخ الفلسفة. كان هؤلاء الأساتذة الأربعة يلقون دروسهم باللغة العربية وكان الأزهريون يختلفون إلى هذه الدروس فيعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بها الإعجاب كله كما كان الأساتذة يعجبون بتلاميذهم الأزهريين، حتى لقد ذهب الأستاذ سانتللانا إلى رئيس الجامعة وقال له: إذا كنت تريد أن تنجح الجامعة حقا فاعن الأزهريين على أن يختلفوا إليها ويتخصصوا لها. ثم كانت الحرب وانقطعت الصلة بين الجامعة وأوروبا.
    انقطعت هذه الصلة بعد أن اختلفنا في الجامعة إلى أساتذة من الفرنسيين والإيطاليين والألمان درسوا لنا آداب العرب وفلسفتهم وتاريخهم ودرسوا لنا اللغات السامية درسا نعترف بأننا لم نشهده في مصر وبأننا ما زلنا بعيدين عن أن نشهده في مصر، وبأن واجب الجامعة المصرية وغير الجامعة المصرية هو أن تقربنا من هذا اليوم الذي نجد فيه أساتذة مصريين يدرسون على نحو ما يدرس الأساتذة الأوروبيون.
    انقطعت هذه الصلة أثناء الحرب واكتفت الجامعة بأساتذة من المصريين منهم بعض علماء الأزهر ومنهم غير علماء الأزهر من رجال العلم، ويسوئنا أن نسجل أن القيمة العلمية للجامعة ضعفت ضعفا شديدا أحسه الطلبة وأحسه الأساتذة أنفسهم وأحسه أعضاء إدارة الجامعة وأحسه الناس من حول الجامعة فكانوا جميعا يأسفون ويتمنون أن تعود الجامعة إلى سنتها القديمة. ثم انتهت الحرب وعاد إلى الجامعة نفر من أبنائها الذين درسوا في أوروبا فأخذوا يدرسون في الجامعة ولكنهم لم يتعلموا الغرور في أوروبا وإنما تعلموا فيها الشعور بأن اليد الواحدة لا تستطيع أن تصفق وبأن الجامعة لن تنهض ولن تعيش إلا إذا استعانت بأساتذة أوروبا وكانت صلة متينة بين مصر وبين البلاد الأوروبية. فأخذ كل واحد من هؤلاء الأساتذة يلح في أن تستعين الجامعة بأساتذة من الأوروبيين في المادة التي يدرسها هو، وأكثر الأساتذة من الإلحاح ووضعوا لذلك نظاما مكتوبا لو نفذ لكانت الكثرة في أساتذة الجامعة الآن يلحون في تنفيذ هذا النظام.
    ويتمنون على الله وعلى جلالة الملك وعلى الحكومة المصرية أن تزال العقبات المادية التي تحول بين الجامعة وبين تنفيذ هذا النظام.
    أساتذة الجامعة إذن ومجلس إدارتها متضامنون في الرغبة في دعوة الأساتذة الأوروبيين بكثرة إلى الجامعة المصرية، وقد عرض نظامهم الجديد على صاحب الجلالة فتفضل بالوعد بأنه سينظر فيه وسيشمله بتأييده الكريم. وفي أثناء هذا كله علمت أن الأستاذ بول كازانوفا الذي يدرس اللغة العربية في أكبر معهد علمي فرنسي هو «الكوليج دي فرانس» (College de France) والذي اختلفت أنا إلى دروسه في باريس أربع سنين قد يزور مصر في الشتاء المقبل لعمل له في المعهد الأثري الفرنسي وفي آثار الفسطاط. فاقترحت على مجلس الأساتذة أن تنتهز الجامعة وجود الأستاذ في مصر لتطلب إليه إلقاء طائفة من المحاضرات في مناهج البحث عن فقه اللغة وآدابها. وقبل المجلسان هذا الاقتراح وكتبت الجامعة إلى الأستاذ فأجاب معتذرا بأن زيارته لمصر في الشتاء المقبل ليست محققة وهي إن تحققت فقد تستغرقها أعماله التي يجيء من أجلها، ولكنه وعد بأن يتحدث إلى الجامعة في تنظيم طائفة من المحاضرات يقف عليها جهده في سياحة خاصة في السنة المقبلة. ووقف الأمر عند هذا الحد. أترى إلى هذا الخطر الداهم الذي تتعرض له مصر في كرامتها وعلمها ودينها ووجودها السياسي؟
    أريد أن يعلم الناس جميعا أن الجامعة المصرية حين تدعو أساتذة من أوروبا لإلقاء الدروس فيها لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تنهج في ذلك نهج الجامعات الأوروبية والأمريكية الكبرى التي تتقارض الأساتذة وتتبادل المعلمين في كل عام دون أن تجد في ذلك غضاضة أو مسا للكرامة القومية ودون أن تجد في ذلك شيئا غير النفع العلمي الخالص الذي إنما أسست الجامعات له حتى أن الأساتذة الألمان ليدعون إلى فرنسا وأن الفرنسيين ليدعون إلى ألمانيا في هذه الأيام وأريد أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية حين تدعو الأساتذة الأوروبيين لا تأتي بدعا من الأمر وإنما تستأنف سنتها القديمة التي قامت عليها وانتفعت بها ونفعت بها كثيرا. ثم أريد أن يعلم الناس أن هذا الأستاذ الذي دعته الجامعة إليها فاعتذر ليس رجلا عاديا وإنما هو أستاذ حقا وأستاذ في اللغة العربية فقهها وآدابها، ولقد أريد أن يعلم الناس أني سمعت هذا الأستاذ يفسر القرآن الكريم تفسيرا لغويا خالصا فتمنيت لو أتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسي ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقا. وأريد أن يعلم الناس أن هذا الرجل يخدم مصر في تاريخها وآدابها خدمة لو قام بجزء منها نفر منا لكنت أول من يكبرهم ويدين لهم بالإجلال. يضع كتابا قيما عن تخطيط مدينة الفسطاط، وقليل منا من يُعنى بمدينة الفسطاط ويعرف موقع مدينة الفسطاط… يترجم إلى اللغة الفرنسية خطط المقريزي وقليل جدا منا من يقرأ خطط المقريزي. ثم يعد للنشر كتابا لإمام من أئمة الحديث استكشف منذ سنتين في إدفو على ورق البردي ولم يسمع به أحد من أولئك الذين يخشونه على مصر.
    أحب أن يعلم الناس أن الجامعة المصرية معهد للدرس الحديث يجب أن تظل أبوابها ونوافذها مفتوحة ليكون فيها الهواء طلقا حرا ملائما للرأي الحر والرقي الحديث.
    فإذا كان في مصر قوم يريدون أن يدرسوا والأبواب والنوافذ مغلقة من دونهم فدونهم معاهد التعليم على النحو القديم. على أن هذه المعاهد تفتح أبوابها بعض الشيء في هذه الأيام فإن كانوا في حاجة إلى الظلمة فليغلقوا ما فتح من هذه الأبواب.
    طه حسين
    السياسة، ٢٩ أغسطس ١٩٢٣.

    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    في وزارة المعارف
    بين يدي الآن التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية. أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية
    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس قراءة الآثار، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري سواء من هذه الآثار ما كُتب وما لم يُكتب. والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعني بمشورة من يشير. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه. فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية. وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها. ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
    نعم إن وزارة المعارف تخطئ الطريق وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشد تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين. وفي الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقصٌ ولكنه مضطر إليه لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير. ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
    أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أما أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف. وكنت أظن أن وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجّانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة. كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته. وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر. وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة. تتصور الأشياء منقوصة. تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها. وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعني بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعني بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف. تريد أن تحتكر كل شيء. تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره. وإليك البيان:
    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها. فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة. فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا. شديد الضيق جدًّا يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة إما أن تذعن لوزارة المعارف وإما أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلابًا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
    لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيل إليّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور. ويخيل إليّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيل إليّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها. فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر. بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد. فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها. ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير. ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيء من مهارة سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شيء من خزي سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب.
    الوزارة إذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة. مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقًّا، وإما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية. فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له».
    طه حسين
    السياسة، ١٢ يولية ١٩٢٣.