مصر للدكتور طه حسين مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق. هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون. إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال. إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان. وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع. مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز. لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق. «مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان. «مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون. كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.
This is one of Taha Hussein’s most elevated and sustained lyrical pieces — essentially a prose poem on Egypt as an eternal idea rather than a political entity. It was published on 14 September 1933, a date commemorating the British army’s entry into Cairo in September 1882. The article moves through three registers: historical memory, political indignation, and a final metaphysical affirmation of Egypt as a transcendent homeland beyond the Arab/Pharaonic question that was a central debate of the era. The closing rhetorical strategy — asking whether Egypt is Arab or Pharaonic and then dismissing the question as irrelevant to Egypt’s lived emotional reality — is characteristic of Hussein’s synthesis of Romantic nationalism with his broader Mediterranean-universalist vision. Claude AI
دعابة زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل. وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه». ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل. وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد. ١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد. ٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين. ٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله. ٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم. ٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه. ٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق! ٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز. ٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون. ٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه. ١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون. ١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج. ١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون. فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء. وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها. فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة. وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح. فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً. كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.
عدوان وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه. وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله. نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة. فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين. وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية. نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟ والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين. زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد. ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين. يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره. يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟ كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال. لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح. أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد. ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس. كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…! كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.
تكريم ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد. وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين. ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه. ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية. فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء. لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل. بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد. فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها. واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام. رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد. كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.
أحجار هم المصريون جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وعلى تباين آرائهم وأهوائهم، وعلى افتراق شيعهم وأحزابهم، كلهم أحجار في رأي «صحيفة الوزارة» التي صدرت صباح اليوم، ومن بينهم الوزراء وأشباه الوزراء، والقادة وأشباه القادة، وزعماء النظام الحاضر وأصحاب النظام القديم. هؤلاء أحجار، ولكن هذه الأحجار تختلف فمنها الأحجار الصلدة العوجاء، ومنها الأحجار الكريمة النفيسة. وواضح كل الوضوح، وجلي كل الجلاء، وبين كل البيان أن الوزراء وأشباه الوزراء وأن أنصار الوزراء وزعماء هؤلاء الأنصار ليسوا من تلك الأحجار الصلدة العوجاء وإنما هم جواهر ممتازة، لا يعرض لها النقص ولا يطرأ عليها الفساد، ولا يصيبها ما يصيب الأحجار الخسيسة من التغير والتبدل ولا تتعرض لما تتعرض له هذه الأحجار الخسيسة من الامتهان والازدراء، إنما الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزارة وزعماء هؤلاء الأنصار أحجار كريمة نفيسة غالية عزيزة، فمنهم من صيغ من زمرد، ومنهم من خلق من ماس، ومنهم من صور من مرجان كما تقول «صحيفة الوزارة». وتستطيع أن تحصى الجواهر الغالية كلها سواء منها ما يخرج من البحر وما يقطع من الجبل، وما يلتمس في أي مكان شئت. تستطيع أنت أن تحصى هذه الجواهر الغالية فتلائم بينها وبين سادة اليوم فتوزعها عليهم أو توزعهم عليها، فستجد منهم اللؤلؤ والدر، وستجد منهم الزبرجد والعقيق، كما وجدت «صحيفة الوزارة» منهم الزمرد والماس والمرجان. وأنا مؤمن بأن سادة اليوم من الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزراء أحجار كريمة نفيسة ولكن المسألة التي تحتاج إلى التفكير والتقدير هي حاجة مصر الماسة وضرورتها الملحة في هذه الأيام. فهل مصر في حاجة إلى الأحجار الكريمة التي تتخذ للزينة والتجمل؟ أم هل مصر في حاجة إلى الأحجار الصلبة القوية التي تتخذ للبناء والإنشاء والتي لا تعمل فيها المعاول ولا الفؤوس، ولا تفنيها الأحداث ولا الخطوب، والتي تبقى على الدهر بقاء الأهرام وما يشبه الأهرام من الآثار الخالدة؟ أنا أرضى لخصوم الوزارة أن يكونوا هذه الأحجار، وأكره لخصوم الوزارة أن يكونوا من أحجار الزينة والبهرج والتجمل. فمصر في حاجة إلى أن يقام لها بناء منيع عزيز من المجد والعزة حتى إذا فرغت من إقامة هذا البناء واستوثقت من عزته ومناعته، ومن قوته ومتانته، ومن أنه كما تقول «صحيفة الوزارة»، أو كما تستشهد بقول القدماء: أبقى على الزمن الباقي من الزمن، جاز لها أن تفكر في تزيين هذا البناء وتحسينه وفي ترصيعه وتجميله، وفي تحليته بالأحجار الكريمة والجواهر النفيسة. ومن غريب الأمر أن «صحيفة الوزارة» قليلة التوفيق فيما تقصد إليه من تفكير، وفيما تتورط فيه من تشبيه، ولكنها في هذه المرة أو قل في هذه الجملة فكرت وأجادت التفكير، وشبهت فأحسنت التشبيه، وما أظن أن الناس قد نسوا تشبيهها وزراء الدولة أول هذا العام بالخمر المعتقة والنبيذ القديم. أما في هذه المرة فلم يخطئها التوفيق وكأنها دفعت إليه دفعًا، فوزارتنا القائمة زينة لمصر من غير شك لا تمثل حاجة من حاجاتها، ولا تصور ضرورة من ضروراتها. ولولا أنها زينة عارضة يمكن الاستغناء عنها، والتخفف من ثقلها لما جرت أمور مصر كما تجري الآن. ورئيس وزرائها مريض منذ أشهر طوال، مريض لا يستطيع العمل، ولا يقدر على التفكير فيه، يقيم في مصر فيستريح، ويرحل إلى أوربا فيستريح، وتجري أمور مصر كما تستطيع. فرئيس وزرائنا حلية من الماس أو من أي جوهر أكرم من الماس، ولكنه حلية على كل حال، يمكن أن نتخذها حين نريد أن نباهي الدول، ونعلن إليها أن لنا رئيس وزارة كما لها رؤساء وزاراتها، وأن رئيس وزارتنا نفيس كريم، أنفس وأكرم من رؤساء وزاراتها، فهو من الماس الذي نتزين به ونتحلى. وليس من الأحجار الصلدة العوجاء التي يختل بافتقادها البناء، وليس مما يقبل الشك أن «مكدونالد» و«موسوليني» و«هتلر» و«دلادبيه» وأشباههم من رؤساء الوزارات الأجنبية لا تنظر إليهم بلادهم كما تنظر إلى الأحجار الكريمة التي نتخذها للحلية والزينة، وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى الأحجار الصلبة المتينة التي تتخذ للبناء وإقامة المجد. حتى إذا فرغنا من المفاخرة والمكاثرة، ومن التنافس والمسابقة استطعنا أن نريح «رئيس الوزراء» وندعه في داره أو في مصطافه يستشفي ويتزيد من صحته الغالية، ووزراؤنا كذلك زينة من غير شك نستطيع أن نباهي بهم الأمم. فلنا وزير تقاليد كما لهم وزراء تقاليد، ولكن وزراء التقاليد عندهم أحجار صلبة متينة، لا يسافرون ولا يستريحون إلا أن تضطرهم إلى ذلك الضرورات القاسية، وهم حينئذ يدعون إلى العمل ليقوم مقامهم من يستطيعون العمل في غير حاجة إلى السفر، ولا إلى التنزه في العواصم ومدن الاستجمام. وأوضح من هذا كله في الدلالة على أن وزراءنا زينة وحلية ومظهر الجمال أكثر من أي شيء آخر، أن مصر لم تشغف بالإعلان عن نفسها ولم تتهالك على المفاخرة والمكاثرة، ولا على إظهار العظمة التي لا تلائم حاجتها وطاقتها، ولم تكلف بدعوة الأجانب إليها وإرسال أبنائها إلى الأجانب بمقدار ما يظهر من أمرها في هذه الأيام. فهذه المؤتمرات التي تدعى بحساب وبغير حساب إنما تدعى في أكبر الظن لترى وزراءنا وتستمتع بالنظر إليهم والحديث معهم والتنعم بما يقيمون لها من حفل وما يغدقون عليها من معروف. وهؤلاء الحاضرون وهؤلاء الخبراء الذين يدعون حين نحتاج إليهم وحين لا نحتاج إليهم، إنما يدعون ليشهدوا ما عندنا من زينة وما نغيظ به الأمم الأخرى من هذا الحلي البديع, حتى إذا انقلبوا إلى بلادهم ورجعوا إلى أوطانهم تحدثوا بما يملأ أيدينا من الغنى والثروة وما يزين رؤوسنا وصدورنا من هذه الأحجار الكريمة والجواهر الغالية العزيزة فخلبوا أمم الغرب بهذا الحديث حتى أصبحت مصر في هذه الأيام مضرب المثل في الغنى والثراء، وفي اليسر والنعيم. ولكن بين وزرائنا وبين هذه الأحجار الكريمة النفيسة التي يشبهون بها في «صحيفة الوزارة» فرقًا يضعف التشبيه ويفسده ويجعله على أقل تقدير ناقصًا غير مستقيم. فليست الأحجار الكريمة زينة فحسب ولكنها ذخر في الوقت نفسه ومادة من مواد الثروة الباقية تنفع حين تشتد الأزمة، ويتحرج الأمر، ويعظم الضيق. وظاهر أن النقد يتغير ويتبدل فيصعد حينًا حتى يضطرهم إلى الفقر والإعدام. فأصحاب الأحجار الكريمة في هذه الحال سعداء آمنون من الجوع والمتربة، لأنهم يستطيعون أن يبيعوا بعض هذه الأحجار فيفيدوا من بيعها مالًا كثيراً. ووزراؤنا – والحمد لله – لا يمكن أن يقوموا مقام هذه الأحجار إذا اشتدت الأزمة وضاق الأمر، وأوشك الجوع أن يهلك الناس، ويفسد عليهم كل شيء. فهم زينة ليس غير، بينما الأحجار الكريمة زينة وذخر معًا. وما رأي «صحيفة الوزارة» في أن مصر قد أخذت في هذه الأيام تحتاج إلى الطعام أكثر مما تحتاج إلى الزينة؟! وماذا يغني عن مصر الآن أن لها وزارة من الزمرد والماس والمرجان ما دام كثير من أهلها لا يجدون الخبز والملح أو ما يشترون به الخبز والملح؟! على أن توفيق هذه الصحيفة في هذا التشبيه ليس مقصورًا على هذه الناحية التي تمس سادتها وأولياءها، وإنما هو كامل شامل بالقياس إلى خصومها من المعارضين. فهم من هذه الأحجار الصلبة، وأي دليل على صلابتها أوضح من أن «وزارة الزينة» قد قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وجدت ما استطاعت في أن تحطم من هذه الأحجار حجرًا فلم تظفر بشيء، ولم تقدر على شيء. وما زالت هذه الأحجار كما كانت يوم قامت وزارة الزمرد والماس والمرجان. لم تعمل وحدها في تحطيم هذه الأحجار الصلبة وتقويم هذه الأحجار العوجاء، وإنما عمل معها قوم آخرون ليسوا من الزمرد والماس والمرجان ولكنهم من الحديد والنحاس وما شئت من المعادن ومن غير المعادن. هم من هذه الجواهر العنيفة الخطرة التي تقدر على تحطيم كل شيء وتقويم كل عوج إلا تحطيم الأحجار الصلبة، لأن صلابتها صورة من حب الوطن والإيمان بقوته وبقائه وحقه الخالد في القوة والبقاء، وإلا تقويم هذه الأحجار المعوجة لأن اعوجاجها صورة من مضاء العزم وشدة البأس وإباء الضيم والإلحاح في المطالبة بالحق حتى ولو تألبت عليها كل الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة. لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان؟ أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أما نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها. ونؤكد أن هذه الصلابة التي أعيت كل من حاول أن ينال منها ستبقى كذلك إلى آخر الدهر، وقد تحطمت عليها قرون وستتحطم عليها قرون أخرى، ولكنا نعود فنقترح على الوزارة كما اقترحنا غير مرة أن تكلف «وزارة المعارف» تعليم كتابها وأنصارها فن البيان وحسن الكتابة وإجادة التشبيه فهم في حاجة شديدة إلى هذا التعليم. كوكب الشرق في ١١-٨-١٩٣٣.
مدرسة أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعاً ونقره جميعاً، وهو ألا يكونوا من المعارضة، أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهوراً واضحاً استعداد حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص. وطلاب عاملون وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظل سياسته الحكيمة. وطلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدربهم ويمرنهم مرة أخرى. وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع الله فيه أفراداً، وشخص واحد ألفه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها الله من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضاً. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام. وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولاً وقصراً، ويختلف عرضاً وضيقاً باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق: أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهراً ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عاماً ثم يوكل إليه عمل آخر. ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني. فقد لاحظ الناس جميعاً، وتحدثت الصحف الأوروبية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يهيء فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يقرهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيء للفاشسم أجيالاً من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر. ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم! أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان، يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعاً، فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم. ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أحدث في الوزارة صباح أمس، ليعلله بعضهم بنسيم يهب من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلم الحكام ويخرجهم من ناحية أخرى! ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثاً، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثاً، ولم يبنِ على أساليبه في الحكم عبثاً. ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثاً. فلم يكد يعود من أوروبا ويستقر في مصر أشهراً حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضم إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى منها رغم ما ألم به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم. هي إذن خطة خطها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن الله لها فتستريح وتريح. وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتاب فأجد في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن اكره نفسي عليه، وكيف تريدني على أن أكتب جاداً في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عما يحب، والإقبال على ما يكره والانصراف عما يريد، والتهالك على ما يأبى؟ وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة ورئيس وزرائنا لا يتحرج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟ أحق إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقر النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيراً كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنأت ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب! لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية، ولا يقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء. فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجت، وتوجيهها إن انحرفت. إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة. ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين. كوكب الشرق في ١٤ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٩، صـ ٢٣٠.
احتياط كان رئيس «الوفد» وصاحبه في «القاهرة» أمس، لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير «الإسكندرية»، ويعنيان بما يعني به المقيمون في «القاهرة» من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم. ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس، ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويلهى قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض: في مصر «وفد» خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر «الوفد» تنبه حذر الوزارة، وإذا تحرك رئيس «الوفد»[2] أو أحد من أعضائه نشط «وزير الداخلية»، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم! وكذلك لم تكد تعلم «وزارة الداخلية» أن رئيس «الوفد» وصاحبه يريدان السفر إلى «الإسكندرية» ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها؛ فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل «الإسكندرية»، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس «الوفد» ومن صاحب رئيس «الوفد». فـ«وزارة الداخلية» تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم؛ فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعواناً وأنصاراً، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها. نعم، و«وزارة الداخلية» لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على «الإسكندرية»[3] كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل «الإسكندرية» جميعاً؛ فهم جميعاً يحبون رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يحرصون على أن يلقوا رئيس «الوفد» وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل «الإسكندرية» وأيديهم بأقل حظاً من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في «الإسكندرية» وأيديهم. وأخص ما تمتاز به الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل «الإسكندرية» وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقاً دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل «الإسكندرية» إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم، وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجناً منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضى بذلك حاجة «الإسكندريين» إلى العدل، ورغبة «الإسكندريين» في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضى كثيراً من المصريين الذين سيذهبون إلى «الإسكندرية» ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم، فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!! والغريب أن رئيس «الوفد» وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر «القاهرة» إلى هواء «الإسكندرية» الطلق ونسيم «الإسكندرية» العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته، فهم لا يريدون أن ينعم أهل «القاهرة» وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم، وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة، أهل «القاهرة»، في غيره من فصول العام؟!! أليس من الممكن أن يكون الله — عز وجل — قد جمع كلمة «الوفد» والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين «الوفد» والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رقي الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك «الوفد» فتنشط الحكومة، وأن ينتقل «الوفد» فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس «الوفد» في مكان إلا سجن فيه وسجن معه الناس. كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام؛ وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة، ولا نتكلم إلا إذا أذن لنا في الكلام، ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقاً فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضاً أن «الوفد» يحب السجن لنفسه وللناس؟ وما الذي يمنع أن يكون «الوفد» قد أمضى مع الحكومة اتفاقاً خفياً على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون! كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام؛ فكن ذكياً ما وسعك الذكاء، وكن فطناً ما أتيحت لك الفطنة، فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون، والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون، وبين معارضة «الوفد» للوزارة واتفاق «الوفد» مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون. لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت من حياة الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين. وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية، أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها — مصر من دون الشعوب جميعاً — هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء. لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس «الوفد» وصاحبه إلى «الإسكندرية» لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند؛ ووفق رئيس «الوفد» وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجناً منذ اليوم، فإن «الوفد» ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة «الإسكندرية» سجناً منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس «الوفد» وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا لـ«الوفد» والوفديين؟ كوكب الشرق في ٢٤ – ٧ – ١٩٣٣
فكاهة لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه. ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه. المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات. فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب. ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجزوهم على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب. أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى». وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!. وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لاحظ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح. نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر مازالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويريا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان. مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح. تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً. فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً. كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.
أعاجيب لا يريد هذا العهد السعيد أن ينقضي حتى يستنفد عجب الناس، كما أنه لم يرد أن يبدأ حتى استنفد عجب الناس؛ فقد كان هذا البلد آمناً مطمئناً، راضياً عن أساليب الحكم فيه، مستشعراً من العزة والكرامة ما يلائم بلداً ناهضاً واسع الآمال، عظيم الأماني، قد أراد الإنجليز أن يخدعوه فلم ينخدع، وأن يكيدوا له فلم يبلغ منه الكيد. فأقبل رئيس الوزراء فرد هذا البلد الناهض القوي الأمل الأمن السعيد إلى شر ما ترد إليه البلاد من تقهقر وضعف، ومن حزن وخوف، وشقاء. وضع نفسه وجماعة من أصحابه موضع المعصومين الذين يعلمون وحدهم كيف يحكمون فلا يخطئون، وكيف يسوسون فلا يجورون عن القصد، والذين يعرفون مصالح مصر أكثر مما تعرفها مصر، والذين يريدون أن يكرهوا مصر على الخير إكراهاً، وأن يدفعوها إلى ما يريدون لها وأنفها راغم. وأخذوا يفرضون أنفسهم وسياستهم على مصر فرضاً، بالقوة العنيفة حيناً، وبالمكر المغري حيناً آخر، حتى جرت دماء غزيرة وبيعت ضمائر قليلة، وأخذت مصر تنظر إلى هذا كله واجمة لا ينقضي عجبها أن يقع هذا كله في القرن العشرين، وتحت سمع الحضارة الراقية وبصرها. والضمير الإنساني نائم أو معرض، لا يستيقظ ولا يلتفت ولا يتردد في الإغضاء عما يشهد النيل من تسلط نفر على شعب كامل. وقد نجح رئيس الوزراء عند نفسه نجاحاً باهراً انتهى به إلى المرض الطويل الثقيل، ثم إلى الاستقالة أو العزم على الاستقالة. ونجح صديقه المندوب السامي نجاحاً باهراً عند نفسه أيضاً انتهى به إلى أن يترك مصر في الشتاء ويظل معلقاً أشهراً، ثم ينقل إلى بلاد الترك. نجح الصديقان عند أنفسهما ولكنهما أخفقا إخفاقاً شنيعاً عند المصريين الذين احتسبوا عند الله ما فقدوا من أبناء أبرار وما احتملوا من مشقة وجهد، وما قاسوا من عناء وعنف، واستقلوا هذا كله في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والعزة، وفي سبيل الوصول إلى الحرية والاستقلال. كذلك ابتدأ هذا العهد السعيد عجيباً من جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين، وهو الآن يريد أن ينتهي عجيباً في جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين أيضاً. رئيس وزارة كان مريضاً، لا يقدر على العمل، بعيداً لا يستطيع أن يشرف على الأمور، ولكنه مع ذلك يمسك أزمة الحكم بيد ضعيفة مضطربة، لا تقدر على إمساكها ولا على تصريفها. وكان على مرضه وضعفه وعجزه، يمنى نفسه بأن يتم سياسته بمعاهدة يفرضها على مصر فرضا، كما فرض عليها غيرها من الأشياء، فلما حيل بينه وبين ذلك لأن الإنجليز استيأسوا من قدرته على فرض هذه المعاهدة وأخذ المصريين باحترامها، ثار وفار، وأعلن السخط والغضب ولمح بالاستقالة، ثم استحال التلميح تصريحاً، ثم استحال التصريح إلى نذير أخرج رئيس الوزراء عن طوره، وجعل حديثه أعجوبة الأعاجيب في هذه الأيام. رئيس وزارة مقيم في بلد أجنبي قد أعلن ألف مرة ومرة أنه شديد الغيرة على استقلال مصر وكرامتها، ثم هو لا يتحرج من أن يعرض أمورها الخاصة في أسواق باريس وفرسايل، يتحدث بها إلى الصحافيين في غير تحرج ولا احتياط ولا احتفاظ بالتقاليد. يعلن لصحفي إنجليزي أنه لم يستقل ولكنه سيقابل جلالة الملك. ثم يعلن ذلك نفسه إلى مكاتب روتر في محطة من محطات باريس أمام جماعة من المصريين والأجانب، فيهم ممثل وزير الخارجية الفرنسية كأن بين رئيس الوزراء وبين مصر أزمة حادة من أخطر الأزمات، وأشدها هولاً، فأمرها لا يعني مصر وحدها، بل لا يعني جلالة الملك ووزارته وحدهما، وإنما يعني العالم بأسره، وهو لذلك أمر يلقى إلى مكاتب روتر ليذاع في أطراف الأرض أن صدق باشا لم يستقل ولكنه سيرى جلالة الملك. ومعنى هذا أنه حين يرى جلالة الملك إما أن يجاب إلى ما يريد، وإما أن يستقيل. العفو! هذا كلام كان يحسن أن يقال في الإسكندرية أو في القاهرة، لا في فرسايل ولا في باريس. هذا كلام كان يحسن أن يقال للصحف المصرية، لا للصحف الإنجليزية ولا لمكاتب روتر. هذا كلام أقل ما يوصف به أنه مجاوز للياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء. وكل ما عمل رئيس الوزراء منذ أيام خارج عن اللياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء؛ فما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعلن افتتاح الأزمة الوزارية في بلد أجنبي، وما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعطي أزمته هذا الشكل الذي يحسبه أصدقاؤه وأنصاره عظيماً خطيراً، وهو في الحقيقة مضحك يسير. فإن عند أوروبا وغير أوروبا من الأزمات والمشكلات ما هو أهم وأخطر من أزمة صدقي باشا ومشكلة صدقي باشا. وليس اعتزال صدقي باشا للحكم، أو احتفاظ صدقي باشا بالحكم، من الأمور التي يتوقف عليها مصير السلم في أطراف الأرض، وليس مما يحسن برئيس وزارة مهما كان قوياً أن يتحدث إلى الأجانب عن أزمته الوزارية بهذه اللهجة التي تؤذن بالقوة والعنف، والقدرة على التحدي والإحراج، فكيف به إذا كان ضعيفاً قد خذلته الظروف وتخلى عنه الأولياء؟ قلت لك إن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً مخالفاً للمألوف كما بدأ عجيباً مخالفاً للمألوف، ولكن الذي دعا إلى أن يبدأ هذا العهد السعيد عجيباً شاذاً هو إغراق رئيس الوزراء في الثقة بنفسه، والاطمئنان إلى من كان يمده من قوة وتأييد. والذي يدعو إلى أن يكون ختام هذا العهد عجيباً مخالفاً للمألوف هو إغراق صدقي باشا في اليأس وخروجه عن طوره أمام هذا الإخفاق المنكر الذي لم يكن يقدره ولا يحسب له حساباً. ولو لم يكن رئيس الوزراء قد أخرجه اليأس والإخفاق عن طوره لما تورط في هذه الألوان من التناقض التي تورط فيها منذ أيام، فقد كان يوم الثلاثاء يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق التأكيدات بأن تغيير المندوب السامي لا يغير السياسة البريطانية في مصر، فإذا هو يوم الجمعة يتحدث إلى مكاتب روتر ومكاتب الأهرام فيعلن إليهما أن كل ما يتمناه هو ألا يعدل المندوب السامي الجديد عن سياسة المندوب السامي القديم. تبارك الله. وأوثق التأكيدات، ماذا صنع الله به؟ لقد كان مقنعاً يوم الثلاثاء، فذاب يوم الأربعاء والخميس. وأصبح الباشا يوم الجمعة وأمسى وهو يتمنى أن يحتفظ المندوب السامي الجديد بسياسة المندوب السامي القديم. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء سيصل إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء فيستيقن بأنه لا يستطيع أن يتمنى ولا بد له من أن يطمئن إلى اليأس، ويظفر بأوثق التأكيدات أن تغيير المندوب السامي سيغير السياسة البريطانية في مصر، وسيحور الصلة بين دار المندوب السامي وبين الشؤون المصرية تحويراً كبيراً، لا لأن الإنجليز يريدون ذلك أو يأبونه، بل لأن السياسة التي أقامها صدقي باشا والسير برسي لورين قد انتهت من الفشل والإخفاق إلى حيث لم يبق بد من العدول عنها، واستئناف الدوران في تلك الدائرة التي رسمها الإنجليز لأنفسهم لعلهم أن يجدوا منها مخرجاً. والظريف من أمر رئيس الوزراء أنه نسي — ولعل المرض هو الذي أنساه، أو لعل اليأس هو الذي أنساه — أن استجداء الإنجليز شيء لا يليق بصاحب الرد التاريخي البديع على المستر مكدونالد. فالإنجليز قوم لا يتمنى عليهم صدقي باشا، إنما يصدر إليهم الأمر، وما ينبغي لصدقي باشا أن يتمنى على الإنجليز أن يحفظوا لمندوبهم السامي الجديد سياسة مندوبهم السامي القديم، وإنما ينبغي له أن يأمرهم بذلك أمراً، فإما أطاعوا فكان السلم، وإما عصوا فكان رد تاريخي بديع، كذلك الرد التاريخي البديع الذي رمى به صدقي باشا منذ ثلاثة أعوام في وجه الإنجليز فتلقوه خاضعين خاشعين. كل شيء يحول، فقد يكون رئيس الوزراء قوياً منذ ثلاثة أعوام، يتحدى الإنجليز ويقفهم عند ما يرسم من الحدود، ثم يصبح رئيس الوزراء ضعيفاً بعد ثلاثة أعوام، يتمنى على الإنجليز في محطة من محطات باريس — ويشهد العالم كله على هذا التمني — ألا يغيروا سياستهم في مصر بتغيير المندوب ثم صدقني بعد ذلك وصدق رئيس الوزراء حين يقول لك إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وأن عندنا أوثق التأكيدات بأن السياسة البريطانية لن تتغير بتغيير المندوب. ستعجز من غير شك عن أن تلائم بين هذه المتناقضات ولكن لا تنس أن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً غريبا كما بدأ عجيباً غريباً. كوكب الشرق في ٣ – ٩ – ١٩٣٣.
راحة أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب. وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً. كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط. لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه. فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً. ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً. ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض. كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها. كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها. هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين. سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء. كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.
دعوة قلوب الوزاريين خفيفة لطيفة، يهيجها أيسر الأشياء فتطير في الهواء ويطمئنها أيسر الأشياء فتستقر في الصدور. سمعت حديث الأزمة الوزارية فطارت مع الريح، وذهبت من الهلع والفزع كل مذهب. ثم سمعت أن رئيس الوزراء آثر رئاسة الوزارة على زعامة الكثرة البرلمانية فعادت إلى الصدور، واستقرت بين الضلوع. وأخذت منذ أمس تخفق خفقاناً هادئاً منظماً بعد أن انجلت عنها نشوة الفرح والمرح، بهجة الرضا والسرور. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء أثبت وأثقل من قلوب الوزاريين، لا تطير للشيء اليسير، ولا تستقر للأوهام والأحلام. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء لهذا لم تهدأ بعد، ولم تستقر كما هدأت قلوب الوزاريين واستقرت. فالوهم يكفي لإرضاء الوزاريين ولكنه بعيد كل البعد عن أن يرضى الوزراء. والوزراء يعلمون حق العلم إذا خلوا إلى أنفسهم أن الأزمة لم تحل ولم تنفرج، وإنما افتتحها رئيس الوزراء وهي ماضية في طريقها تشتد من يوم إلى يوم وتتعقد من حين إلى حين، حتى تنتهي إلى هذا الحرج الذي لا يدع سبيلاً للأخذ والرد، ولا التعلل بآراء الأطباء حيناً في سبيل الاستقالة، وحيناً في سبيل البقاء. ومع ذلك فقلوب الوزاريين هادئة مستقرة منذ أمس، وقد أخذوا يعودون إلى دعوة لا بأس بالوقوف عندها قليلاً، لا لأنها تستحق الوقوف، بل لأنها خليقة أن تثير الضحك وأن تلهي الناس ولو قليلاً عما يشغلهم من أهوال الأزمة وأوجالها، فصحيفة الوزارة تدعو اليوم إلى العمل بعد أن انتهت الأزمة، وصحيفة الوزارة تعترف بأن الحياة المصرية مملوءة بالشر والخطر، تحتاج إلى أن يتعاون الناس جميعاً على إصلاحها ودفع الكوارث الملمة والكوارث التي تريد أن تلم. وصحيفة الوزارة بعد هذا كله تطلب إلى الناس جميعاً أن يقترحوا على الوزارة ما يرون من دواء لهذه الأدواء، وهي تؤكد — ولعلها تصدر في هذا التأكيد عن بعض الوحي — أن الوزارة ستعنى بهذه الاقتراحات وتوفيها حقها من الدرس ولا تتردد في أن تقبل النافع منها. فنحن نقبل هذه الدعوة، ونستجيب لها، ونتقدم إلى الوزارة بالاقتراح الذي نراه نافعاً كل النفع، مفيداً كل الفائدة لرفع ما تشقى به الحياة المصرية الآن من الشر، ودفع ما تتعرض له الحياة المصرية غداً من الكوارث والخطوب. ونؤكد للوزارة والوزاريين أنا مخلصون كل الإخلاص، ناصحون كل النصح، مؤمنون كل الإيمان بصدق ما نقول ونفع ما نقدم من اقتراح ونؤكد للوزارة والوزاريين أن قبول هذا الاقتراح أيسر جداً مما يظنون وأنهم إن قبلوه الآن أراحوا أنفسهم، وأراحوا الناس من أعباء ثقال لن تقوى أكتافهم الضعيفة على حملها، وأنهم إذا لم يقبلوه الآن راضين فستضطرهم الظروف إلى أن يقبلوه وهم كارهون. وهذا الاقتراح هو أن يرفع رئيس الوزراء استقالة الوزراء إلى جلالة الملك، فبقاء الوزارة وحده فيما نعلم وفيما يعلم المصريون جميعاً إلا الوزراء وأنصارهم — وهم قليلون ولعلهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم — هو مصدر ما تشقى به مصر الآن من خطوب واقعة وخطوب تريد أن تقع. وليس إلى محو الشر من سبيل إلا أن تمحا الأسباب التي دعت إليه وفرضته على البلاد فرضاً. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم وأنصاره يعلمون معه حق العلم أن الوزارة القائمة قد أخفقت في كل شيء: أخفقت في تدبير السياسة، وأخفقت في تدبير الاقتصاد، وأخفقت في حماية الأمن والنظام. قامت تتمحو الوفد فلم تزده إلا قوة وتأييداً. ومهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره للناس أن الوفد قد ضعف وأشرف على الفناء، فإن رئيس الوزراء وأنصاره يقولون في كل لحظة أن إضعاف الوفد — فضلاً عن إفنائه ومحوه — شيء لا سبيل إليه، تهلك في سبيله القوى مهما تكثر، وتفنى في سبيله الجهود مهما تشتد، وتسقط في سبيله الوزارات مهما يكن أنصارها، ومهما تطل أعمارها. ذلك شيء يعلمه رئيس الوزراء، ويعلمه غير رئيس الوزراء من خصومه وأصدقائه، ما يشكون في ذلك قليلاً ولا كثيراً. وقامت لتمضى المعاهدة بين مصر وإنجلترا فأبعدت الأمد بين مصر وإنجلترا ما استطاعت، وأرجأت المعاهدة راضية أو كارهة، وبسطت للإنجليز على مصر سلطاناً لم يكن لهم، وحققت للإنجليز في مصر مأرب ما كانوا يحلمون بتحقيقها. وقامت لتدبير الاقتصاد والمال تدبيراً لم يوفق إليه غيرها من الوزارات فوفقت من ذلك إلى ما لم يوفق إليه غيرها من الوزارات، وبسطت للجوع والحرمان والفقر على حياة الناس سلطاناً لا يشبهه إلا سلطان الإنجليز على الحياة السياسية. وقامت تَمحو الفوضى وتحمي النظام وتحقن الدماء وتعصم النفوس، فوفقت من ذلك إلى حيث أصبحت الجنايات، وجنايات القتل خاصة تحصى بالعشرات في كل أسبوع، وإلى حيث تكافيء مدير الأمن العام رغم ذلك بالعلاوة ثم تنقله مضطرة أو مختارة إلى حيث تنقطع الصلة بينه وبين الأمن. لهذا كله وفقت الوزارة وبهذا كله أفسدت الوزارة آراء الناس في السياسة والاقتصاد والأمن. وأساءت الوزارة ظن الناس بقدرة السلطان على تدبير السياسة الاقتصاد والأمن. وملأت الوزارة قلوب الناس شكاً في قيم الأشياء، وزهداً فيما كانوا يحرصون عليه، ودفعت الوزارة أهل مصر جميعاً إلى هذه الحياة السيئة التي لا يطمئنون فيها إلى شيء ولا يثقون فيها بشيء، ولا ينتظرون من ورائها إن طالت إلا شراً ونكراً. فإذا كان هذا حقاً — وليس بين المصريين من يشك في أنه حق — فإن الاقتراح الوحيد الذي يقدمه المصريون إلى الوزارة لإصلاح الحال إنما هو أن تستقيل الوزارة، وأن يرد إلى مصر أمرها لتدبره كما تريد، حرة مختارة محتملة تبعة ما تأتي من الأمر، لا مذعنة لذلك إذعاناً ولا خاضعة لذلك وهي كارهة راغمة بقوة الحديد والنار. فإن كانت صحيفة الوزارة صادقة فيما تزعم من أن الوزارة ستلقى بالعناية ما يرفع إليها من اقتراح لإصلاح الحال فها نحن أولاء نرفع إليها هذا الاقتراح ناصحين لها وللأمة، مخلصين لها وللبلاد. وسنرى أتقبله أم ترفضه، نستغفر الله، بل نحن واثقون بأنها سترفضه حتى تكرهها الظروف على قبوله وتلجئها إليه إلجاء إن لم يكن بعد أيام فبعد أسابيع. كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.
حمى مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها. وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب. وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد. ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد. وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر. فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً. وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد. والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة. وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً. وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور. كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣.
اطمئنان إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة. على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام. لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص. والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير. ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي. وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان. رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام. فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً. وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس. نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم. أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟ كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه. وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه. وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل. وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه. ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً. كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.
حديث ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض . ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول . ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟ بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟ للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟ ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث . وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء . وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف . ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق . هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟ زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة . كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣
صورة … لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر وبيني وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وإنما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو. وما هي إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الأمل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وإنما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء. ثم أصبح ذات يوم فاقرأ في الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسى من العواطف وما دار في عقلي من الخواطر وما خفق به قلبي من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور فظل في مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما في هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به. والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون» فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت في الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التي خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دوني أثناء أجازة الصيف التي أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إلهيا من فصول . وقد وصلت إلى إيطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس في روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذوني في ذات وطني يقولون لي قليلا ويضمرون في أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن في الحياة حتى يضطرب قلبي ويضطرب لساني قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون في ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بي ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا . أما قراءة الصحف فكانت عذابا أي عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر . ولم أشعر بشيء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني فيها أحد والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. في هذه القرية كظمت غيظي وجعلت أجيله بيني وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا في الصحف وأقرأ كثيرا في الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة . ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير في مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير . تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلي وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجي فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلي ذلك أن فساد الأمر في داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أي خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها . بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر في الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما في نفوسهم من غل وجشع وحقد. لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة . بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب . طه حسين الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢
٢٨ يوليو ١٩٣٣ يا صغيري بالاغوست، لم يكن صحوي عصر اليوم صحوًا رفيقًا بي. فقد دوّى في البيت صراخٌ حادٌّ مفزع، أعقبته سقطةٌ عنيفة، فهببتُ من فراشي أقول في نفسي: لقد ألقى فريد بنفسه من أعلى السطح! وما كان هذا الظنُّ بعيدًا، فإن فريدًا منذ حادثة الملوخية ذات التراب يُنذرني كل يومٍ بكارثة. وثبتُ إلى الباب في لمح البصر، فإذا بي أجد فريدي ممدَّدًا على البسطة، لا حراك به. قلتُ: لا بأس، دوارٌ أو إغماءة، فهذا جزاء من يأكل الديدان والتراب. ولكن الذي كاد يُغمى عليَّ أنا، لا فريد، ما رأيتُه حول جسده الساكن: دبُّك جاثمًا عليه، ومعه ثلاثة دببة لا أدري من أين انحدروا. وكان دبُّك يصيح بصوته الأجش: — لا تفزع يا سيدي، فالأمر من صنيعنا! وقال الآخرون في صوتٍ أرادوا له اللين فلم يُفلحوا: — يا سيدي… يا سيدي… فصحتُ بهم: — دعوني الآن! لننظر في أمر المريض أولًا، ثم نحاسب المذنبين بعد ذلك. فقال مارتان — وهو فيما يظهر خطيبهم: — أما المريض، يا سيدي، فليس من اليسير إفاقته. والأحسن أن تنصرف قليلًا حتى يعود إليه وعيه. وبعد عشر دقائق نكون في غرفتك. أعدك بذلك — شرف الدببة! — ولك عندئذٍ أن تستجوبنا كما تشاء. ثم اختفوا جميعًا. أخذتُ أهزُّ فريدًا، وأرشُّ عليه ماء الكولونيا وماء هليوبوليس، بل والكحول. فتحرّك أخيرًا، فلما سألته عما حدث تمتم: — يا دكتور… خُيِّل إليَّ أن دببةً من قطن — مثل دبِّ مؤنس — تريد أن تلتهمني… لعلها هلوسة! فقلتُ له في وقار الطبيب: — لا بأس يا صديقي. اذهب فاطلب لنفسك فنجان قهوة. والحقُّ أنني كنتُ أشدَّ شوقًا إلى لقاء الدببة من الاطمئنان على فريد. وقد زال خوفي عليه، فهو لم يمت، ولن تُطالبني أسرته بفديته. دخلتُ غرفتي، فإذا الدببة الأربعة جالسون في أدبٍ حول مقعدي، ينتظرونني. جلستُ، ولم أكد أستقر حتى سمعتُ صوت مارتان الأجش يقول: — ها نحن يا سيدي. قصتنا يسيرة. منذ أن قسا السيد مؤنس وارتحل وتركني وحيدًا، جاءني رفاقي الثلاثة — بيدي بيش، وشيري بيد، وديريشيبه — وهم من دببة الحوت، يؤنسون وحدتي ليلًا ونهارًا. يرسلهم إلينا دبُّ الحوت كلما طال بي الشوق. إذا خلونا بأنفسنا لعبنا كما نشاء: نتحدث، ونغني، ونصرخ، بل نرقص أحيانًا. أما إذا حضرتَ، فنحن نُؤثر السكون لئلا نزعجك. ويتحوّل رفاقي — اتقاءً لريبة فريد — إلى ثلاث نملات صغيرات. غير أن السيد فريد نزل منذ قليل، فرأى النمل وأراد أن يبطش بهن. ومن حق المظلوم أن يدافع عن نفسه، أليس كذلك يا سيدي؟ فعاد رفاقي إلى صورتهم الأولى، وصحنا جميعًا: قِف! ثم سمعنا صرخةً وسقوطًا، فإذا فريد مطروحٌ على الأرض. فأسرعنا إلى إسعافه، ثم حضرتَ أنت. هذه هي القصة. فهل نحن المخطئون؟ إن المسؤول الأول عن ذلك كله هو السيد مؤنس؛ لماذا يتركني وحيدًا؟ لقد طفتُ معه فرنسا، وما كنتُ لأُثقله في الإسكندرية. فقلتُ: — معك حق. ولكن في المرة المقبلة اختاروا صورًا أقلَّ إزعاجًا؛ فإن السيد فريد يخاف كل شيء — حتى النملة! وأما أنت يا مارتان فأعدك بأن مؤنس لن يتركك بعد اليوم فريسةً للوحدة. ولا حاجة إلى أن أقول لك إن حديثنا كله كان بالباليِّنية المشفَّعة بالهاء. ولو سمعنا فريد نتخاطب، لعاد إليه الإغماء مرةً أخرى. إلى اللقاء يا بالاغوست. إن من أحبَّ أصدقاءه لا يتركهم للوحدة: إما أن يصحبهم معه، وإما أن يكتب إليهم بين حينٍ وحين. فاكتب إلى دبِّك رسالةً، تُدخل بها السرور على قلبه. قبِّل أمينة، وغيغيت، عني. وأقبِّلك أنا قبلةً شديدة. بابا
صاحب السعادة، لم يشدَّ لي بابا «الباشِتَّه»، ولكنه شدَّ أذنيَّ! صباح الخير، ولهوًا سعيدًا.
سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر) وزير التربية والتعليم ٢٦ يونيو ١٩٥٣ سعادة رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، إني أحملُ إليكم تأييد بلادي، وتأييد سائر البلاد الإسلامية، تأييداً لكل ما قيل في هذا المؤتمر منذ استهلاله وحتى ساعتنا هذه؛ وهو تأييدٌ أزفُّه إليكم بغير قيدٍ ولا شرط، ذلك أن نهج تفكيرنا هو عينُ نهجكم. فليس ثمَّة خلافٌ بيننا في سبلِ إدراكِ وقبولِ القيم الروحية التي يتعينُ إرساؤها في عالمنا المتمدن الحديث. وإني إذ أقولُ هذا، لا أقوله بصفتي رجلاً من رجال القرن العشرين فحسب، ممن شُغفوا بثقافتكم وحضارتكم وتأثروا بكل ما نهلوه من مَعين المدنية الأوروبية، بل أقوله بصفتي مسلماً؛ فأنا على يقينٍ تام من أن أي مسلمٍ، في أي بقعةٍ من بقاع الأرض، لَو وقف مكاني هذا لَقالَ بالضبط ما أقوله الآن. إن كلمة “إسلام” مشتقةٌ من مادة “السلام”، وهي كلمةٌ ذات دلالةٍ جليلة، ليس في اللغة الإسلامية فحسب، بل في العالم أجمع. فالإسلامُ هو الدخول في السلم؛ وكلُّ مسلمٍ يبتغي أن يكون في سلمٍ مع الله. بيدَ أن الله “عزيزٌ ذو انتقام” في طلبه، فهو لا يكتفي بمجرد الصلح الظاهري، بل يوجبُ أن يكون السلمُ معه استسلاماً مطلقاً له. فكونُك مسلماً يعني أن تستسلم لله، وأن تَهبَه قلبك ونفسك وعقلك؛ أن تَهبَ نفسك لله بغير تحفظ. هكذا يؤمن المسلمون. وهم أبناءُ إبراهيم الذي استسلم لله استسلاماً كلياً، لدرجة أنه حينما أمره بالتضحية المشهورة لم يجد ما ينطق به من قول، إذ لم يكن أمامه إلا الطاعة بغير ترددٍ للأمر الذي أصدره الله إليه. ولم يستسلم إبراهيم وحده، بل طلب من ابنه الاستسلام ذاته، فأطاع الأب والابن معاً: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}. إن الإسلام يعني أن تكون في سلمٍ مع الله، وبالتبعية في سلمٍ مع البشر. ويبدو لي أن الإسلام والمسيحية يلتقيان في هذه النقطة لقاءً سعيداً. فقد كان المسيحُ هو المبشر بالسلام على الأرض بين ذوي النوايا الطيبة، بين الذين استسلموا للأب السماوي ووهبوا أنفسهم لله كلياً. إن الاختلافات بين المسلمين والمسيحيين — فيما عدا القضايا العقدية التي لا ينبغي لغير علماء اللاهوت الانشغال بحلها — لا وجود لها. فنحن جميعاً نفكر بالأسلوب ذاته، ولنا الأهدافُ عينُها من إرساء السلام بين البشر وتحقيق التقدم للعالم. إن كتاب الإسلام المقدس، القرآن الكريم، يتحدث عن المسيحيين والمسيحية، ولن تجدوا في سائر نصنا المقدس كلمةً واحدةً ضدهم؛ أعني ضد المسيحيين الحقيقيين، الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً ويستسلمون لها بقلوبٍ طاهرة. أما ذلك المسيحي الذي لا يعرف من إيمانه إلا الجانب الشكلي فذاك أمرٌ آخر؛ وهذا النمط هو من ينتقده القرآن، لأنه بداهةً لا يعرف الله حق المعرفة، ويقول إن الله ثالثُ ثلاثة. وأنا لا أعتقد أن المسيحيين الذين يدركون جوهر المسيحية حقاً يقولون إن الله واحدٌ من ثلاثة. والقرآن يتحدث عن صلب المسيح، لكنه يوجه لومه لليهود الذين تفاخروا بصلبه، فيقول لهم القرآن: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}. ويكفي أن نستشهد بآيات القرآن الموجهة للمسلمين، تلك التي تحارب الكبر وتؤكد أن أقرب الناس مودةً هم أولئك الذين استعدوا لمحبتكم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖيَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}. وحينما يقرأ المسلمون هذه الكلمات في القرآن (وهم يفعلون ذلك غدواً وعشياً وخمس مراتٍ في اليوم خلال كدحهم) لا يمكنهم أن يتخيلوا وجود خلافٍ حقيقيٍ بينهم وبين المسيحي، فضلاً عن وجود سببٍ للبغضاء. لقد كان الأب “دانييلو” يقول إنه ينبغي قبول فكرة “الوطن” وقبول الاختلاف بين الأوطان، مع الاكتفاء بقبول هذا الاختلاف بمحبة. وإني لأوقعُ على هذه الكلمات الجميلة للأب دانييلو، وأؤكد أن سائر المسلمين يتعين عليهم التوقيع على هذا الإعلان. ففي بلاد الإسلام، يعيش المسلمون والمسيحيون وغيرهم جنباً إلى جنب. لا يقتصر الأمر على عيش المسيحيين في سلمٍ مع المسلمين، بل إن المسلمين يعيشون في سلمٍ حتى مع غير المسيحيين ومع الأجانب أيضاً. وفي بلدي، لا يعيش الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان واليسوعيون لمجرد العيش، بل يعيشون ليعلّموا؛ فلهم مدارسهم ومعاهدهم التي يعلمون فيها المسيحيين والمسلمين على السواء، حيث يرسل المسلمون أبناءهم لتلك المدارس. إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في وئامٍ تام مع أساتذتهم المسيحيين. كما أن المسيحيين يلتحقون بمدارسنا الوطنية وجامعاتنا، ومن بينهم فلورنسيون أيضاً. لا توجد أي صعوبةٍ في الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، وليس هذا في مصر فحسب، بل في سائر البلاد الإسلامية؛ ففي كل مكانٍ نجد التعايش كاملاً. وحينما تتحدثون عن “السلام المسيحي”، فنحن نفهمه على أنه “السلامُ” بغير نعوت؛ لأنه لا يوجد سلامٌ مسيحيٌ فحسب، أو سلامٌ مسلمٌ فحسب، بل يوجد “سلامٌ عالميٌّ وشامل”. فالسلامُ بحد ذاته لا دين له؛ بل بالأحرى له دينُ اللهِ الواحد، وهو “دينُ السلام”. لقد اجتمعنا هنا لنتناقش ونرى إلى أي حدٍ يمكن للصلاة والشعر أن يساهما في إرساء السلام في العالم. وبناءً عليه، فإني لا أعرف ديناً يُعلي من شأن الصلاة، ويُلحُّ على الإنسان أن يصلي ويكون في صلةٍ مستمرةٍ بالله، كالإسلام. وليس هذا لمجرد أن الإسلام يفرض على المسلمين خمس صلواتٍ في اليوم، ولا لأن الصلاة من بين الشعائر الأساسية التي يجب على الإنسان المشاركة فيها، بل لأن الإسلام لا يكتفي بالصلوات الخمس الرسمية، بل يؤكد أن ثمة شكلاً آخر من الصلاة، أهم بكثير من الصلاة الشعائرية: وهي استحضار الله الذي يجب أن يكون حاضراً في رُوح الإنسان، في جميع لحظات الليل والنهار. فالقرآن يأمرُ بإقامة الصلاة الرسمية، لكنَّ الحضور المستمر لله في النفس أهم بكثيرٍ منها. فالقرآن لا يكتفي بالرسم، بل يريد أن يكون ذكرُ الله حاضراً في الرُّوح، ويقدم للمسلمين نماذج من الأدعية، منها على سبيل المثال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖغُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚلَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖوَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚأَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. وأيضاً: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖبِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖإِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖوَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وهناك نماذج عديدة أخرى من هذه الأدعية التي قدمها القرآن للمسلمين ليكونوا على صلةٍ بالله خارج أوقات الصلاة الرسمية. وفي الليل، ندعو الله هكذا (كما ورد في المأثور النبوي): «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ». هكذا يملك المسلمون أدعيةً شتى يناجون بها الله في الصباح والمساء، عند اليقظة وعند المنام، بخلاف الصلاة الرسمية. أما حيال الشعر، فقد اتخذ القرآن موقفاً حاسماً بإدانة الشعراء الغاوين: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}. وبناءً عليه، فالقرآن ضد الشعر العابث، لكنه مع الشعر الذي يعلّم الناس الخير ويصدرُ عمن يعملون الصالحات: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}. فالشاعرُ قد يكون مقبولاً في الإسلام شريطة أن يكون رجلَ خير، ينطق بما ينفع من يسمعه ويتعلمه. هكذا يدين الإسلام الشعر المبتذل، لكنه يقرُّ الشعرَ الجدير بهذا الاسم. وللمسلمين، بطبيعة الحال، شعراؤهم؛ فلهم شعراءُ المجون كما هو حال العالم أجمع، لكنَّ لهم أيضاً شعراءهم من أهل الخير، وهم شعراءُ من الطراز الأول. ويمكنكم أن تسألوا علماءكم من المستشرقين، وتستفسروا منهم إلى أي حدٍ يرتبط التصوفُ المسيحي بالتصوف الإسلامي، وكيف تغلغل هذا التصوف في إسبانيا خلال القرنين العاشر والحادي عشر. فالتصوفُ الإسلامي والتصوف المسيحي قريبان جداً من بعضهما، ولهما المناهل ذاتها، وهي “حبُّ الله” و”حبُّ الحق”. فإله المسلمين هو إله المسيحيين، وصلاةُ هؤلاء وصلاة هؤلاء واحدةٌ تقريباً، فيما عدا بعض الشكليات؛ ونحن نتقبل هذا الاختلاف بمحبة. لقد وجد شاعرٌ مسلمٌ تحرر من كل قيدٍ شكلي، ففحص الإسلام ودرس المسيحية واليهودية ودرس دياناتٍ أخرى، ولم تمنحه أيٌّ من هذه الأديان راحة النفس التي كان ينشدها. كان شاعراً عربياً عاش في القرن العاشر، وهو ضرير، وأعني به “أبا العلاء المعري”، الذي قرأ كل شيء، وعاشر المسلمين والمسيحيين واليهود والفرس وغيرهم، وخرج بروحٍ متحررةٍ تماماً من كل شكليةٍ دينية. لكنه لم يستطع أبداً التحرر من التفكير في الله؛ فقد كان يؤمن بالله، إلهاً حكيماً، إلهاً خلق العالم، لكنه لم يستطع فهم “الوحي”. هذا الشاعر، بعد أن طاف بالبلاد الإسلامية، عاد إلى داره واعتزل العالم ومكث في بيته خمسين عاماً (رهين المحبسين) لا يرى إلا تلاميذه، ولا يخرج أبداً. وحرم على نفسه كل لذة؛ فلم يكن يأكل إلا العدس والتين، وقضى خمسين عاماً في هذه الحياة الطاهرة المتصونة والمتسمة بالقداسة حقاً، قداسةٌ رغم إنكاره لكل وحي. لقد قرأتُ صلواتِ هذا الشاعر الضرير، وأعتقد أنها لم تُنشر بعد باللغات الأوروبية، لأنها رأت النور مؤخراً بالعربية، ولا أدري إن كان المستشرقون يعرفونها. لقد كان هذا الرجل يؤمن بالصلاة، بالصلاة الحقة؛ تلك التي لا تُؤدى لمجرد الأداء، أو للتظاهر بأن المصلي يتوجه لله. فالله لا يحب المرائين، ولا يحب الذين يوجهون صلاتهم لغيره. فالله يوجب أن يتوجه المصلي إليه بقلبٍ طاهرٍ تماماً، ويريد منه أن يفحص ضميره قبل الصلاة، ويطهره من كل ما هو سوى الله. وحينما نريد أن نرى إن كانت الصلاةُ والشعرُ وسيلتين فعاليتين لإرساء السلام بين الأمم، فيتعين علينا ابتداءً أن نفحص ضمائرنا لنتبين ما إذا كنا نرتكبُ مظالمَ في حق الآخرين. إن اليوم الذي يكون فيه المسلمون والمسيحيون مستعدين للقاء — ليس بوجوهٍ باسمةٍ فحسب، بل وقبل كل شيء بقلوبٍ وضمائر طاهرةٍ ونقية — ستكون الصلاةُ والشعرُ هما الوسيلةَ الأكثر فعاليةً لإرساء سلامٍ دائمٍ بين المسيحية والإسلام.
Translations by Gemini and ChatGPT and may contain errors.
سعادة الأستاذ الدكتور طه حسين (مصر) ٢٥ يونيو ١٩٥٤ سعادة رئيس البلدية، سيداتي، سادتي، لقد قال لي العمدة “لا بيرا” منذ أيامٍ قلائل، في جملة ما غمرني به من رقيق القول: «ما أجمل العودة إلى الدار بعد طول سفر!». وإني لأحبُّ أن أعتبر نفسي هنا في داري، وأن أتحدث إليكم كحديث المرء في أهله وعشيرته. فنحن جميعاً إنما جئنا هنا بحثاً عن الحق، وطلباً للعدل، وسعياً لأن يحلَّ سلام الله في كل القلوب وبين سائر البشر، ويملأ الأرض خيراً ورخاءً. فما عسانا أن نفعل لنكون أصدقاء، ونتحدث حديث القلوب؟ سأتحدث إليكم بأبسط ما يكون الحديث، وبالنهج الذي أوصى به الله المسلمين؛ إذ يقول سبحانه: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ… وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ{. إني أحمل إليكم أولاً تحية بلادي ودعواتها بنجاح مؤتمركم هذا، بل مؤتمرنا؛ لأن هذا اللقاء الذي يُسمى “مؤتمر السلام والحضارة المسيحية” هو أيضاً مؤتمرٌ للحضارة والسلام الإسلامي. فليس ثمة خلافٌ جوهري بين الإسلام والمسيحية؛ فإلهنا واحد، وإيماننا واحد، وغاياتنا ومُثُلنا واحدة. ومرةً أخرى يوصينا الله بالوحدة فيقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ{. إذن فإلهنا واحد، ونحن يدٌ واحدة ضد كل ما يتهددنا. سأتحدث إليكم بالنهج الذي أمرت به الكتب المقدسة، وأقول لكم ببساطة إن سائر المسلمين قد أجمعوا على تأييد مُثُلكم وغاياتكم وطريقتكم في التفكير فيما يخص العدل والسلام. إن أزمة “الوحي” التي تشغلكم اليوم قد شغلت المسلمين منذ زمنٍ بعيد، منذ القرن الثامن للميلاد، حينما واجه المسلمون هذه الأزمة فور ترجمتهم للفلسفة اليونانية واحتكاكهم بالحضارة الإيرانية. وحينئذٍ انفتحت الهوة بين الإنسان وخالقه؛ فالإنسان دائماً ما يداخله الغرور حين يفكر، وحين يتوهم أنه اكتشف جديداً، فيتخيل أنه قد سخر العالم لنفسه، ويظن أن الدنيا في غنىً عن الله، فيضع نفسه في موضع التضاد مع الخالق. إن حلَّ هذه الأزمة يكمن في التوفيق بين الحضارة والوحي. ومع أن الإنسان حاول دوماً إيجاد الحل كلما تطور وترقى، إلا أن غروره كان يزداد بازدياد توهمه للتقدم العقلي. وفي نهاية القرن العاشر وبداية الحادي عشر، برز مفكران مسلمان كبيران؛ أحدهما في سورية، وهو أعظم شعراء الإسلام: أبو العلاء المعري، الذي ثار على الوحي، وزعم أن الأنبياء سبب العداوة في العالم، وأن النبوات خديعة من “شيوخٍ” أرادوا السلطان والمال، وكان يقول: »أفيقوا؛ فما وحيكم إلا مكرٌ وخديعة« . أما الغزالي، فقد سلك مسلكاً عجيباً؛ إذ حاول هدم الفلسفة ليُفهم المسلمين أنهم في غنىً عنها، وأن كل شيء موجود في القرآن. ثم جاء ابن رشد محاولاً التوفيق بين الفلسفة والدين في كتابه «فصل المقال«. بيد أن الفلسفة ازدهرت في الأندلس ازدهاراً عظيماً بفضل الأساتذة وترجمة الكتب إلى اللاتينية. وفي المغرب، خاض المسلمون معركةً ضارية ضد الفلسفة وأحرقوا كتبها. ويروى عن فيلسوفٍ أندلسيٍ كبير (ابن رشد) أنه قال لمن أحرقوا كتبه: «إنكم قد تحرقون الورق، ولكنكم لا تحرقون العلم؛ لأن العلم في صدري، ولا يحرقه النار». ثم داهمتنا الأزمة في القرن التاسع عشر ووجدت المسلمين في حالة ضعفٍ وسبات. لكنهم استيقظوا رويداً رويداً، واستعادوا وعيهم بمجد الإسلام الغابر، وأرادوا استعادة كرامتهم القديمة. لقد عانى المسلمون في القرون الأخيرة من “عقدة المغلوب” أمام الأقوياء، فكانوا يرون الحضارة الغربية شيئاً خارقاً وأرادوا بأي ثمن جعل الإسلام جديراً بها. وحينئذٍ ظهر محمد عبده، الذي حاول إثبات أن الدين لا يتعارض مع الحضارة، ولكنه أسرف في التأويل حتى أراد أن يجد الميكروبات التي اكتشفها الأطباء في آيات القرآن! وهذا النهج أرضى المسلمين لثلاثين عاماً فحسب. أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد انتشرت في مصر والشرق الأدنى دعوةٌ للعودة إلى المنابع الصافية للإسلام، والتمسك بالنصوص القرآنية في نزاهتها بعيداً عن التأويلات المتكلفة. وأرادوا التأكيد على أن العلم والدين يمكنهما التعايش والوئام، شريطة أن يتسم العقل بالتواضع، ويقر بعجزه عن إدراك كل شيء من خلال كشوف العلم والتقنية؛ فالدين يظل هو السيد، وهو المعلم للقلب والوجدان، وهو الموجه لسمو البشر. بين الحربين العالميتين، شهد العالم العربي نهضةً حضاريةً استثنائية، وتبنى الثقافة المعاصرة والحضارة الغربية بصدق. ففي مصر مثلاً، تُدرس العلوم واللغات الأجنبية في كل المراحل التعليمية. وذهب المسلمون لأبعد من ذلك حين قالوا: «إن هذه الحضارة الغربية ليست مِلكاً للغرب وحده، بل هي حضارةٌ إنسانية، بدأت في اليونان وروما، ثم نَصَّرها المسيحيون وأسلمها المسلمون». لقد اضطلع المسلمون بدورٍ هائل في تطور هذه الحضارة، ولا يمكن للغربيين ادعاء ملكيتها الخالصة. والمسلمون اليوم يشعرون بأنهم شركاء في حضارتكم، وعليكم واجبٌ نحوهم بأن تنقلوا إليهم ما استحدثتموه من كشوف، لا كأسيادٍ بل كإخوةٍ وشركاء؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد. لقد نَصَّرتم الزمان في وقتٍ ما، وأَسلموه هم في وقتٍ آخر؛ أنتم تقدمتم في العصر الحديث وهم تقدموا في الماضي. أنتم إخوةٌ يجب أن تَرُدوا للشرق الإسلامي ما كان قد مَنَحكم إياه في القرون الوسطى. إن ما ينشده المسلمون اليوم هو العيش في سلامٍ مع العالم، ولكن في ظل سلامٍ حقيقي، لا سلامٍ ركيزته الرهبة والقهر. إنهم يطالبون بالعدل الذي يجب أن يكون واحداً للجميع؛ فلا يقبل المسلمون أبداً أن يكون هناك عدلٌ في أوروبا للأوروبيين، وعدلٌ في الشرق تفرضه قوة السلاح والاستعمار. إني لا أسعى للتفلسف أو الغرق في اليوتوبيا، بل أريد شيئاً واحداً: أن أُبين لكم أن علينا واجباً أسمى، وهو استعادة تلك الأخوة بين العالم الإسلامي والغرب، بل وبسطها بين بني الإنسان كافة. فليس عند الله شرقٌ وغرب، ولا شمالٌ وجنوب؛ بل هناك “العالم” وهناك “البشر”. والله حين يمنح العدل، لا يمنحه للمسيحيين وحدهم أو المسلمين وحدهم، بل يمنحه للعالم أجمع. أطلب منكم “مراجعة للضمير”. فالقرآن يقول: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{. وهذا يصدق على المسيحي كما يصدق على المسلم. إن الدماء التي سُفكت ولا تزال تُسفك هي دماء الجميع. فالله لم يخلق العالم لأمةٍ واحدة، بل خلقه لتنعم فيه البشرية جمعاء، وتعبده وتخضع له في ظل العدل والسلام. وإني لعلى يقينٍ من أنكم، بمراجعة ضمائركم، ستدركون أن علينا جميعاً واجباً إلهياً؛ واجباً يهدف لأن يكون عدل الله شاملاً، وسلامه يرفرف في كل القلوب، ويملأ الأرض خيراً وبركة. وإني لا أختم حديثي دون أن أُعرب للبروفيسور “لا بيرا” عن إعجابي وامتناني، بل وعن محبتي؛ فبفضله أرى مرةً أخرى هذه المدينة التي أحبُّها: فلورنسا. وبفضله نلت سعادة لقائه، وإني لأجد في كل عامٍ الشرف في لقائكم جميعاً مرةً أخرى.
خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٥ السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖوَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}. لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ. ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه. ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖأَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}. إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه. إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ. إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ. لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ. كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ. وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”. ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة. بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل). كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ. ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ. المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً. المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله. بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً. من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين. أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ. ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ. أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه. لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ. بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً. خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٥ السيد رئيس البلدية، أصحاب السعادة، سيداتي، سادتي، لِتعريفِ مَهمةِ النبيِّ محمدٍ، يُخبرُنا القرآنُ الكريمُ بقولِه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}. إن هذه الآيةَ من القرآنِ تُعطينا فكرةً عن كنهِ الرجاءِ في الدينِ الإسلاميِّ؛ فالنبيُّ هو، قبلَ كلِّ شيءٍ، حاملٌ لبشائرِ الخيرِ. لقد كان العربُ في الجاهليةِ ماديينَ في جملتِهم، وكانت وثنيتُهم غليظةً جافيةً؛ وهي وثنيةٌ تقتربُ كثيراً مما عرفناه لدى اليونانِ والرومانِ، نوعاً من “الفيتشية” (عبادة الأوثان). وكان العربُ قبلَ النبيِّ، وفي زمنِ النبيِّ نفسِه، يقولون: «ما هي إلا حياتُنا الدنيا؛ نعيشُ في رحابِها ثم نموتُ، وهذا كلُّ شيءٍ». ولما حدَّثَهم النبيُّ عن البعثِ، سخروا منه قائلينَ إن أحداً لن يقدرَ على إحياءِ جسدِه بعدَ مَواتِه؛ فأجابَهم النبيُّ عبرَ القرآنِ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}. لقد كانت الفترةُ الأولى للإسلامِ، وهي التي قضاها النبيُّ في مكةَ، صراعاً مريراً ضارياً ضدَّ العربِ ليحملَهم على الإقرارِ بأنه لا إلهَ إلا اللهُ، وأن على الإنسانِ أن يَعقِدَ رجاءَه بهذا الإلهِ وحده. ومنذُ أن ثابَ العربُ إلى الإسلامِ وفهموا رسالةَ النبيِّ، لم يعد لإيمانِهم وثقتِهم باللهِ حدودٌ. لقد صارَ العربيُّ في زمنِ النبيِّ وزمنِ الخلفاءِ الراشدينَ على يقينٍ مطلقٍ بوجودِ اللهِ، وأن اللهَ هو مَعينُ رجاءٍ لا تصفُه الكلماتُ. لم يعدِ الإنسانُ وحيداً على وجهِ الأرضِ، فاللهُ معَه، واللهُ يقولُ له في القرآنِ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا}. لم يعدِ الإنسانُ متروكاً لنفسِه، فاللهُ يصحبُه في كلِّ مكانٍ؛ لا لِيُؤيّدَه ويُرشدَه ويُطمئنَه فحسب، بل ليراقبَه أيضاً ليرى ما يصنع، ويُسجّلَ كلَّ ما يفعل، ليُطالبَه يوماً بالحسابِ عما قدَّمَ في حياتِه الأولى. لقد أيقنَ المسلمُ أن الحياةَ الدنيا ليست إلا رحلةً، ومن ثَمَّ فإن الرحلةَ — لا سيما في صحاري العربِ — لا تُخاضُ دونَ تزوُّدٍ بكلِّ ما يحتاجُه المسافرُ. وكان على المسافرِ في رحلةِ الدنيا أن يتزودَ بما يبلغُ به غايتَه، وهي الحياةُ الأبديةُ. والتزودُ لا يكونُ إلا بشيءٍ واحدٍ: التقوى وذكرُ اللهِ، وفعلُ الخيرِ؛ فهما خيرُ ما يحملُه المسافرُ في رحلتِه الأرضيةِ ليبلغَ الميناءَ الأمينَ. يقولُ لنا القرآنُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}. إن الرجاءَ الذي يمنحُه اللهُ ويودعُه في نفسِ المسلمِ ليس باباً موصداً، بل هو متاحٌ للعالمِ أجمع ليعملوا الصالحاتِ. ويضيفُ القرآنُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فالرجاءُ في الإسلامِ ليس حكراً على المسلمينَ وحدَهم، بل هو متاحٌ لكلِّ ذي نيةٍ طيبةٍ من البشرِ. بيدَ أن هذا الرجاءَ ليس بالذي يُسكِنُ النفسَ ويمنحُها الطمأنينةَ المطلقةَ فحسب، بل هو مشوبٌ دائماً بالرهبةِ؛ فاللهُ وإن كان غفوراً رحيماً، فهو أيضاً شديدُ العقابِ، سريعُ الحسابِ لمن يتجاوزُ شريعتَه. وحيثما وردَ وعيدُ اللهِ في القرآنِ، وجدنا بجانبِه مباشرةً الوعدَ برحمتِه. ولا يقطعُ القرآنُ بابَ الرجاءِ إلا في حالةٍ واحدةٍ: وهي أن ينكرَ المرءُ الإلهَ الواحدَ، أو يشركَ معه أحداً؛ فهذا لا يرجو مغفرةً. وما دونَ ذلك، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ. لقد قال اللهُ لنبيّه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}. ويقولُ أيضاً: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. ويقولُ أيضاً: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}. ويقولُ للنبيِّ أيضاً: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غفورٌ رَحيمٌ}. إلى أيِّ حدٍ يمنحُ القرآنُ البشرَ الأملَ؟ لا يمكنُ قراءةُ أيِّ فصلٍ من فصولِ القرآنِ دونَ مواجهةِ موضعٍ يدعو فيه اللهُ الناسَ إلى الإيمانِ والتفكرِ، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى مناجاتِه. ولا يحقُّ للمرءِ مناجاةُ اللهِ إلا إذا كان موقناً بالإيمانِ به، فالمرءُ لا يخاطبُ غائباً، بل يجبُ أن يؤمنَ بوجودِ من يقدرُ على تحقيقِ أمانيه. إن القرآنَ يلحُّ في جلِّ آياتِه على هذا: يعلمُنا كيف نصلي، ولا يلقنُنا الكلماتِ فحسب، بل يعطينا فكرةً عن مكانةِ الرجاءِ في الإسلامِ. أما عن الرجاءِ، والرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ، فقد كان قبلَ الإسلامِ “الرجاءُ العربيُّ”: وهو العيشُ وفقَ القوةِ؛ فلا قانونَ حينئذٍ ولا عدلَ. وقد وضعَ القرآنُ حداً لكلِّ ذلك، ليس في الإسلامِ وحدَه، بل في العالمِ الإسلاميِّ أجمع. في القرآنِ، يأمرُ اللهُ باللينِ ويوجبُ مساعدةَ القريبِ، ويعطي اليقينَ بأن الإساءةَ والظلمَ شرورٌ مستطيرةٌ. إن قوامَ الحياةِ المسلمةِ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ: العدلِ، والإحسانِ، ومحبةِ القريبِ. ووفقاً للقرآنِ، فإن الإنسانَ مراقبٌ دائماً، ليس في علاقتِه مع اللهِ فحسب، بل في علاقتِه مع البشرِ أيضاً. وكلُّ ما فعلَه وما كان عليه سيُحاسبُ عليه في يومِ الحسابِ الأخيرِ. الإنسانُ في علاقتِه مع أقرانِه ليس حرَّ التصرفِ، بل عليه أن يمتثلَ لشريعةِ القرآنِ: فيكونَ عادلاً، محسناً، محباً للقريبِ. فإذا ما تجاوزَ الإنسانُ شريعةَ العدلِ والإحسانِ والمحبةِ، فقد أخطأَ في حقِّ الإسلامِ وفي حقِّ اللهِ، ومن ثَمَّ يفقدُ حقَّه في الرجاءِ. لقد فهمَ المسلمون حقَّ الفهمِ ما قلته لكم، ووضعوا فصلاً حاسماً بين الرجاءِ اللاهوتيِّ والرجاءِ الإنسانيِّ. فاللهُ يراقبُ ويرعى ويوجهُ كلَّ شيءٍ، والإنسانُ الذي يعملُ بالعدلِ مع أقرانِه يرجو أن يعاملَه أقرانُه بالمثلِ؛ هو لا يرجو ذلك من منظورٍ دنيويٍّ فحسب، بل من منظورٍ دينيٍّ أيضاً. إنه لا ينبذُ أقرانَه، بل يعاملُهم بالعدلِ والإحسانِ والمحبةِ، كما أمرَه اللهُ. كانت الفكرةُ في القرونِ الثلاثةِ أو الأربعةِ الأولى من حياةِ الإسلامِ هي إرساءُ العدلِ على الأرضِ. وقد سادَ التاريخَ الإسلاميَّ خلالَ هذه القرونِ هذه الفكرةُ. أما الحياةُ العمليةُ للإسلامِ فقد تحيدُ أحياناً عن العدلِ، فيصبحُ كلُّ شيءٍ غزواً. ومن الجليِّ أن المسلمين تأثروا في ذلك بالبلدانِ التي كانت أكثرَ تمدناً منهم، كاليونانِ والفرسِ وغيرِهم، بل واقتبسوا طريقتَهم في العيشِ. وهكذا انحرفتِ الخلافةُ عن طريقِها وأصبحت ملكاً “بيزنطياً”، حيثُ صارَ البعضُ سادةً تحيطُ بهم طبقةٌ حاكمةٌ، وبقيةُ الشعبِ رعايا لهم. وكان هناك من يريدُ إقامةَ حكومةٍ عادلةٍ، غيرِ وراثيةٍ، لا ترتكزُ على السلطةِ الزمنيةِ ولا على الدينِ وحدَه. وهناك من أرادَ إقامةَ حكومةٍ تحتَ رعايةِ آلِ بيتِ النبيِّ، على اعتبارِ عصمتِهم، ولإرساء العدلِ على الأرضِ كما فعلَ النبيُّ. وكان هناك من أرادَ حكومةً تشبهُ شيئاً من ديمقراطيةِ اليومِ، مع فارقِ ارتكازِها على أساسٍ دينيٍّ: حكومةٌ يمكنُ أن نسميها “شيوعيةً” (بالمفهوم المشاعي)، لا تنبذُ الحياةَ الأبديةَ، بل تسعى لإقرارِ العدلِ وتحقيقِه بين الناسِ، ولا تقبلُ التمييزَ بين قادرٍ وعاجزٍ، وتضعُ المساواةَ في الواجباتِ بين جميعِ الناسِ وجميعِ الشعوبِ، وفي الوقتِ نفسِه مساواةً في الحقوقِ يكونُ الأفضلُ فيها هم المتقونَ. لقد أرادَ هؤلاء المسلمون “العدالةَ الاجتماعيةَ”. ويتضحُ من كلِّ ذلك أن المسلمين، إبانَ عظمةِ إمبراطوريتِهم وقوتِهم، لم يكونوا ليعرفوا أو يستطيعوا التفريقَ بين الرجاءِ الإنسانيِّ ورجاءِ اللهِ، لأن اللهَ كان سيدَ حياتِهم، يراقبُ خواطرَهم وأعمالَهم، بل ويراقبُ ضمائرَهم. فالرجاءُ في الحياةِ الدنيا هو وسيلةٌ للرجاء في الحياة الآخرة. بيدَ أن الأمورَ قد تغيرت الآن. لقد خضعَ المسلمون لتأثيراتٍ شتى من الفلسفةِ اليونانيةِ؛ فالفكرةُ الأكثرُ بساطةً، فكرةُ الرجاءِ، فكرةُ رحمةِ اللهِ، اتخذت عندَ علماءِ الكلامِ المسلمين صبغةً مغايرةً تماماً وأثارت بينهم انقساماتٍ. لقد كان هناك من المسلمين من “يبحثون عن العُقدِ في الأمورِ” (يتكلفون المسائل). كانت هناك نزعاتٌ متأثرةٌ بفلسفةِ أرسطو، ومن ثَمَّ أعطوا للعقلِ طابعاً جوهرياً. فاللهُ، بكونِه عادلاً، لا يمكنه — في نظرِهم — أن يغفرَ للمذنبين والخطاةِ، لأن من يقترفُ ذنباً أو يأتي محرماً يجبُ أن يُعاقبَ؛ فإذا لم يُعاقبْ كان القانونُ غيرَ عادلٍ، تماماً كما لو عوقبَ الإنسانُ البارُّ. لذا يجبُ أن يُدانَ المخطئُ، ويُجزى المحسنُ. وهذا حقٌّ إذا تحدثنا بمنطقِ “العقلِ المحضِ”، الذي يعني في الحقيقةِ غرورَ الإنسانِ؛ أي إيمانَ الإنسانِ بالإنسانِ. أما الدينُ، فهو خضوعٌ للهِ ومعرفةٌ بقدرةِ اللهِ التي لا تُحدُّ، ورحمتِه التي لا غايةَ لها، ومن ثَمَّ يقتضي الخضوعَ التامَّ له، والإقرارَ بسلطانِه المطلقِ في العقابِ. ومع ذلك، فإن اللهَ يعدُنا بالمغفرةِ: «مهما عظمَ ذنبُكم، فاعلموا أن مغفرةَ اللهِ أعظمُ من ذنبِكم». هكذا غنى شاعرٌ عربيٌّ من القرنِ الثاني للهجرةِ، كان سكيراً ومع ذلك كان يعولُ على مغفرةِ اللهِ. المسلمون في أيامِنا هذه تعلموا الكثيرَ، وهذبوا وجهةَ نظرِهم الفكريةَ؛ واليوم نحن نرى مظالمَنا ومظالمَ الآخرين. إن رجالَ الإيمانِ الحقيقيين ندرةٌ. لا ينبغي للمسلمِ المؤمنِ أن يفكرَ في موتِ النبيِّ، بل عليه أن يعملَ وكأن النبيَّ لا يزالُ حياً، وكأن النبيَّ يوجهُه شخصياً. والأمرُ نفسُه ينطبقُ على المسيحيِّ الذي يجبُ أن يتذكرَ دائماً أن المسيحَ قد قامَ، وهو لا يعيشُ في السماءِ فحسب، بل بجانبه أيضاً. المسيحيُّ الحقُّ يجبُ أن يعملَ وفقاً لذلك، ويصغي في كلِّ لحظةٍ لكلمةِ المسيحِ. حين جاءَ المسيحُ إلى الأرضِ لم يتحدثْ للمسيحيين، بل لأولئك الذين لم يعرفوا المذهبَ المسيحيَّ بعدُ. والمسيحيون اليوم يجبُ أن يعملوا كما عملَ يسوعُ، ويتوجهوا إلى كلِّ البشرِ الذين هم إخوةٌ ويحتاجون لسماعِ الكلمةِ الطيبةِ. وعلى المسلمِ أن يؤمنَ بأن موتَ النبيِّ لم يضعْ حداً لأيامِه، ويجبُ أن يتذكرَ أن سلوكَه يجبُ أن يكونَ مستلهماً كما لو كان النبيُّ بجانبه يهديه في كلِّ فعلٍ من أفعاله. بين المسلمين والمسيحيين اليوم ثمة ظلمٌ؛ ثمة نوعٌ من عدمِ الثقةِ، وأحياناً لا يزالُ يحدثُ أن يقتلَ المسلمون والمسيحيون بعضُهم بعضاً ويبغضون بعضَهم بعضاً. يحدثُ هذا لأن المسيحيين لا يفكرون في المسيحِ، والمسلمين قد نسوا نبيهم؛ وكلا الفريقين قد نسيَ أن كلَّ إنسانٍ هو أخٌ له. لو فكرَ المسيحيون في المسيحِ وعاشَ المسلمون كلَّ يومٍ وفقَ كلماتِ النبيِّ في القرآنِ، لما أبغضَ بعضُهم بعضاً. من الواضحِ أنني لا أتحدثُ في السياسةِ؛ إنني أبقى في إطارِ مؤتمرِنا الذي اجتمعَ ليتحدثَ عن الرجاءِ في اللهِ والرجاءِ في البشرِ. يمكننا ويجبُ علينا أن نعملَ لكي ينتهي الظلمُ، ولكي ينتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، وبين البشرِ عامةً، ولكي يُدانَ كلُّ ظلمٍ يلحقُ بجانبٍ كبيرٍ من البشريةِ. إن الكراهيةَ هي التي تُفقدُنا كلَّ رجاءٍ وثقةٍ في أنفسِنا، والرجاءَ في الآخرين. أؤكدُ لكم أن مسلمي اليومَ لا يرجونَ إطلاقاً أيَّ شيءٍ، لا من مسيحيي أمريكا ولا من مسيحيي أوروبا، ولا يتوقعونَ منهم إلا الجورَ. إن ملايينَ المسلمين قد طُردوا من ديارِهم، يعيشون على الصدقاتِ، بينما يتوقون للعيشِ وفقَ العدلِ. كان بإمكانِهم العيشُ بشرفٍ، وهم مجبرونَ على التسولِ؛ كان بإمكانِهم العودةُ إلى ديارِهم، لولا أنهم يرون في قلبِ القرنِ العشرينَ أن المسيحيين قد نسوا وصايا المسيحِ والمسلمين وصايا القرآنِ. هكذا نجدُ ملايينَ المسلمين يعيشون في البؤسِ وعلى الصدقاتِ لأنهم مضطرونَ لذلك. وأكررُ: هذا يحدثُ في قلبِ القرنِ العشرينَ. ماذا يعني كلُّ هذا؟ يعني أن ثمة شيئاً مفقوداً: العدلُ الذي أمرَ به النبيُّ واللهُ، مصحوباً بالحبِّ للجميعِ. أعتقدُ أنه يجبُ القولُ إن كلَّ إنسانٍ يؤمنُ باللهِ، يجبُ عليه فعلُ كلِّ ما هو ممكنٌ لمساعدةِ القريبِ، لكي تنتهي البغضاءُ بين المسلمين والمسيحيين، ويشعرَ البشرُ حقاً بأنهم إخوةٌ، للجميعِ الحقُّ في أن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ الأرضيِّ وذاتُ الرجاءِ السماويِّ. يجبُ أن يسعوا لضمانِ العدلِ الإلهيِّ على الأرضِ، وأن يكونَ لهم ذاتُ الرجاءِ في اللهِ، وعلى أساسِ هذا الرجاءِ، ينسون كلَّ الأثرةِ والأنانيةِ. نحن ملزمونَ بمساعدةِ هذا الرجاءِ والعملِ على تحقيقِه. لهذا السببِ، يترددُ صوتي كلَّ عامٍ هنا. في كلِّ عامٍ ترسلُني مصرُ إليكم لأقولَ شكراً للبروفيسور “لا بيرا”. فبفضلِ إيمانِ البروفيسور لا بيرا اجتمعنا هنا مجدداً هذا العام، مسلمين وكاثوليك وبوذيين، ناساً من الغربِ ومن الشرقِ، من كلِّ أصقاعِ الأرضِ. نحن هنا فقط لأن البروفيسور لا بيرا لديه الإيمانُ ويريدُ تحقيقَ أمرِ اللهِ، لضمانِ الثقةِ المتبادلةِ والتعاونِ بين البشرِ، لكي يسودَ السلامُ على الأرضِ وتختفي الكراهيةُ. بفضلِ هذا الإيمانِ، أنا هنا قادمٌ من مصرَ — مصرَ المسلمةِ والمسيحيةِ — وأحملُ لكم صوتَ المصريين جميعاً وتحيتَهم الأكثرَ إخلاصاً، على أملِ أن تتحققَ إرادةُ اللهِ يوماً ما على الأرضِ، ويسودَ السلامُ والحبُّ والعدلُ في كلِّ مكانٍ، ويكونَ البشرُ حقاً إخوةً. خلفية تاريخية: أُلقي هذا الخطاب في “مؤتمرات السلام والحضارة المسيحية” التي كان ينظمها عمدة فلورنسا الشهير جيورجيو لا پيرا في الخمسينيات، وكان طه حسين ضيفاً دائماً وممثلاً رسمياً لمصر فيها.
خطاب صاحب السعادة طه حسين (مصر) ٢٤ يونيو ١٩٥٦ من أعماق قلبي، أتقدم بوافر الشكر للبروفيسور جورجيو لا بيرا على لفتته الكريمة بدعوتي للتحدث في عيد القديس “يوحنا المعمدان”. وهو رجلٌ نُجله جميعاً، مسلمين ومسيحيين. لذا، يسعدني أن أعرب عن كامل امتناني للعمدة “لا بيرا” ولمدينة فلورنسا لإتاحة الفرصة لي للتحدث في هذا العيد؛ لأنه يومٌ يُكرم فيه المسلمون والمسيحيون على السواء نبياً بَشّر بنور عيسى المسيح العظيم. لقد كانت “النبوة” هي المبدأ الذي انطلقت منه التاريخ الإسلامي. تعلمون جميعاً أن العرب، قبل مجيء النبي، كانوا شتاتاً من قبائل بدائية غارقة في البداوة، تشغلهم الحروب والغزوات، ويعيشون حياةً هي أشد ما يمكن للمرء أن يتخيله من بؤسٍ وضنك. حياةً ملأى بالخوف والقلق، حياةً كان الآباء فيها يئدون أبناءهم وبناتهم أحياء؛ لقد كانوا حقاً آباء فاقةٍ ومسغبة. ثم جاء يومٌ، ظهر فيه رجلٌ أكد أنه مبعوثٌ من الله ليخرج تلك القبائل من الظلمات إلى النور، وينقذهم من الضلال ويرشدهم إلى الصراط المستقيم. وعد هذا الرجل العرب بحياة سعيدة، وأكد أنه لم يأتِ للعرب وحدهم، بل للناس أجمعين؛ لم يأتِ ليغير أو يبدل شرائع المسيحية أو اليهودية، بل جاء مصدقاً لها. وقد واجه هذا الرجل صراعات واضطهادات مريرة. كان يدعو الأغنياء للرفق بالفقراء، والعظماء للرفق بالصغار، ويأمر السادة بحسن معاملة العبيد. كان يقول إن العبيد والسادة سواءٌ أمام الله، وأنه لا تفاضل بين سيد وعبد، ولا فقير وغني، ولا قوي وضعيف، بل إن الناس يتفاوتون أمام الله بحسب أعمالهم. لقد كان يقول إن الله خلق الناس من أب وأم واحدين؛ وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ويتآزروا، ويتعاونوا فيما بينهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي نهاية المطاف، وجد هذا الرجل آذاناً صاغية وطاعةً مخلصة؛ وبفضله استحال الشعب العربي شعباً متمدناً. إذن، بالنبوة بدأ تاريخنا. كان نبي الإسلام يؤكد أن الله أوحى إليه بأن الإنسان لا يمكنه الفرار بعيداً عن ربه في أي لحظة من لحظات وجوده، ذلك أن الله هو ضمير الإنسان. والله يستجيب دائماً لمن يرجوه، ولهذا يوجب على الإنسان الإيمان به: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. ولأن الله يصحب الإنسان من مستهل حياته إلى منتهاها، فهو يحصي عليه كل ما يفعل، وكل ما يضمر، وكل ما يشعر به؛ فلا يخفى على الله شيءٌ من شؤون حياة الإنسان. وعلينا أن ندرك ذلك جيداً؛ فعلى المرء أن يحيا حياته وفقاً لأوامر الله. وأمرُ الله يتلخص في ثلاثة مبادئ: العدل، والإحسان إلى القريب، والتضامن بين البشر. فالمسلم الحق يجب أن يسير في حياته وفق هذه المبادئ والفرائض: فعليه أن يكون عادلاً تجاه الآخرين، أياً كانوا، مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. عليه أن يكون عادلاً في حياته الخاصة كما في حياته العامة، وفي حياته الدولية كذلك. وعليه أن يكون رحيماً؛ فالله لا يمقت شيئاً كمقته للأثرة والقسوة. يجب على الإنسان أن يكون محسناً، وأن يتخذ من محبة القريب ركيزةً لحياته العامة والخاصة، ولحياته الباطنة وفكره على السواء. لقد بدأت حياة الإسلام بدعوة النبي، وبالتأكيد على أن الله يحصي كل ما نفعل ونظن. والله يقص علينا في الكتب المقدسة المختلفة — في العهدين القديم والجديد كما في القرآن — أخبار الأمم التي سبقتنا، ولا سيما تاريخ اليهود والنصارى الأوائل. يقص علينا كيف كانوا سعداء ما أطاعوا أوامر الله، وكيف كان الله يسبغ عليهم عونه ما حافظوا على العهد مع أبيهم السماوي. وحينما يتخلى الله عن الناس، يجعلهم محلاً لغضبه، كما حدث حين لم يتبع إسرائيل أوامره ونسي الميثاق، فاستحال ميثاقاً غليظاً ضدهم. يقص الله علينا كم من مرة نقض بنو إسرائيل ميثاق إبراهيم، وكم مرة عاقبهم الله وجازاهم على هذا الذنب. ولم يقص الله علينا هذا لمجرد عرض التاريخ، بل فعل ذلك ليكون لنا عبرةً ودرساً. إن المسلم ملزمٌ بتذكر كل ذلك؛ فهو مطالبٌ بالصلاة، ومن ثمَّ بقراءة القرآن خمس مرات في اليوم، وعليه أن يذكر كل ما وقع قبل أن تكون الأمة المسلمة، وقبل بزوغ فجر الإسلام. ولا ينبغي له أبداً أن ينسى ما قد يحل به إن عصى الله. إن النبوة التي تنظم حياتنا، والتي تصحبنا أفراداً وجماعات، تريد أن تُعلمنا أن الله قد وهبنا عقلاً لنتفكر، وحريةً لنعمل وفقاً لأوامره. فالإنسان لا يُمنع من عصيان الأوامر الإلهية؛ فبمقدوره أن يعصي، ولكن عليه أن يعلم ما ينتظره إن فعل: العقاب في الحياة الدنيا والعذاب الأبدي في الأخرى. وبما أننا نملك العقل، فعلينا أن نميز بين الخير والشر: بين ما هو عدل وما هو جور، بين ما هو إحسان وما هو قسوة. وعلينا أن نؤدي لله حساباً عن كل ما نعلم وكل ما نصنع في هذه الحياة وفي الظروف التي تكتنفها. وخلاصة القول، إن الإسلام لا يختلف عن أي دين من الأديان السماوية في هذا الشأن؛ لأن المسلمين والمسيحيين واليهود يدركون بالمنطق ذاته طبيعة العلاقات الجوهرية بين الله والبشر. فهناك ميثاقٌ بين الله والناس، ميثاقٌ مشروطٌ بالعدل، والإحسان للقريب، والتضامن الإنساني. واليوم الذي ينقض فيه الإنسان هذا الميثاق، لا يعد مستحقاً لرحمة الله ومحبته، بل يصبح غرضاً لغضبه وعقابه. وإذا كنا نتفق على أنه لا يوجد خلافٌ جوهري بين الإسلام والأديان السماوية الأخرى من هذا المنظور، فإني أتساءل: لماذا لا يمكننا التفاهم أيضاً في سائر الأمور الأخرى؟ تلك الأمور التي تشكل حياتنا وتصيغها، والتي يجب أن تمثل الركيزة لتحسين وجودنا، ولإعادة العدل إلى العالم وتنظيم حياةٍ تقوم على الإحسان والتضامن بين سائر البشر. إن القرآن يخبرنا بأن الإنسان قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فالإنسان هو ممثل الله في الأرض لتحقيق العدل، ولنيل هذا العدل لا غنى عن التعاون بين الإنسان والله، كما هي إرادة الله. فلماذا لا نسعى حقاً للتفاهم والتعاون؟ لماذا لا نبذل جهداً حقيقياً، كلنا، للوصول إلى انتصار العدل، ولنمنح الإنسان حياةً مستلهمةً من الإحسان والتضامن والتفاهم المتبادل؟ إن لم نصل إلى ذلك، فبسبب وجود مغريات كثيرة تدفع الإنسان لمحبة نفسه أكثر من قريبه، وللإثراء على حساب جاره، وللعمل بأنانية ليكون دائماً الأكثر غنىً وجاهاً وقوة. ومن أجل نيل القوة والعظمة، لا يتردد الإنسان في دفع الآخرين نحو العنف، فرداً وجماعة. صدقوني: إن الشيء الوحيد الذي يفرقنا في عالمنا المعاصر، والسبب الجوهري الذي من أجله لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون، والغرب والشرق، بل ويكادون يتصادمون، والسبب الذي يبذر في الأرض الكراهية بدلاً من الحب، هو “أثرة” (أنانية) قلةٍ قليلة. هذه الأثرة تجعل الأقوياء يرغبون في اضطهاد من هم أقل قوة، وتجعل الأغنياء يرغبون في قهر الفقراء. وأحياناً يحدث أن يدرك الفقراء والضعفاء ضعفهم وبؤسهم، ويقدرون مدى الهوة التي تفصلهم عمن يضطهدونهم، فيثورون لنيل حقوقهم؛ أي لتحقيق ذلك العدل الذي أراد الله وجوده بين الناس، والذي ينكره المستبدون. إن ما نخشاه، وما يفرق اليوم بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشرق والغرب، يكمن هنا: إن المسيحي الصالح والمسلم الحق، اللذين يؤمنان حقاً بالميثاق بين الله والناس، ويريدان طاعة أوامر الله، عليهما أن يفحصا ضميرهما ويسألا نفسيهما: أمن العدل أن تُقهر شعوبٌ لكي تزداد شعوبٌ أخرى قوةً وعظمة؟ أمن العدل أن تجوع شعوبٌ لكي تسرف شعوبٌ أخرى في الطعام؟ أمن العدل أن تُحرم شعوبٌ من ثمار أرضها وكدحها، لكي تنعم شعوبٌ أخرى بالرخاء والترف؟ إن ضمير هذا المسيحي أو هذا المسلم سيقول حتماً إن هذا ليس عدلاً، وليس إحساناً، ولا يتفق مع أوامر الله؛ وعندها سيجد قوة الإرادة للتحرك، ووضع نفسه في خدمة الآخرين، ليكون جديراً بمحبة الله، وسيكون عادلاً مع الآخرين لكي يكون الآخرون عادلين معه. ليس ثمة في الجوهر ما يفرقنا حقاً. لماذا يتعين على الغرب أن يكون سيداً للشرق؟ لماذا؟ ألأن الشرق لا يزال يفتقر إلى مستوى ثقافي أرفع؟ إن كان الأمر كذلك، فواجب الغرب أن يخرج الشرق من جهله. إن الشرق ضعيف؛ لكن العدل والإحسان يأمران الغرب بإخراج الشرق من ضعفه. بيد أن الغرب يفعل في الشرق النقيض من ذلك تماماً. ينتابني انطباعٌ بأنه يبذل قصارى جهده ليزيد من إضعاف الشرق، وجعله أكثر بؤساً، ليبقى الشرق دائماً في حاجةٍ إلى الغرب. ومع ذلك، فإن الحقيقة أقوى من كل شيء، كما أن العلم والمعرفة أقوى من الجهل، والنور أقوى من الظلام. إن الشرق الجاهل يتعلم ويتثقف تدريجياً؛ وبدأ يعي جهله، ويطالب بحقه في الحياة؛ حقه في تبوأ المكانة التي يستحقها في محفل الأمم. ويرى في الدين الذي وهبه الله إياه أنه لا تفاضل بين مسيحي ومسلم، ولا بين شرق وغرب، ولا قوي وضعيف. وحينها يتساءل الشرق: لماذا أبقى دائماً بائساً، ضعيفاً، مقهوراً من رجالٍ هم في نهاية المطاف بشرٌ مثلي تماماً؟ هل بيننا أي فرق جوهري أمام الله، والحقيقة، والعدل؟ ما كل هذا العداء من الغرب نحو الشرق؟ ما كل هذا الريب؟ إن المسيحيين والمسلمين خُلقوا ليتفاهموا، ويتآزروا، ويتعاونوا، وينشروا عدل الله، ويدافعوا عن الدين والوحي والنبوة، ضد المادية وضد إنكار الله. لقد خُلق المسلمون والمسيحيون ليتفاهموا! يقول القرآن للمسيحيين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}. إن القرآن يدعو المسيحيين لهذا التفاهم، وكذلك المسيحية تدعو سائر البشر لتفاهمٍ كهذا. إن هذه المبادئ ذاتها توجد في الإنجيل كما توجد في القرآن. لقد نطق بها عيسى، وأكدها نبي الإسلام. فعلى المسلمين والمسيحيين التفاهم على المبدأ ذاته، وأن يعملوا جنباً إلى جنب لخدمة الله في الأرض وتحقيق ملكوته فيها. لماذا إذن لا يتفاهم المسلمون والمسيحيون؟ ببساطة لأن القدر أراد في لحظةٍ من لحظات التاريخ أن يضعف الشرق ويقوى الغرب، ولأن سوء الحظ أراد أن ينسى الغرب أوامر الله، وينسى العدل والإحسان، ولا يفكر إلا في نفسه، ساعياً لاستعباد الشرق بدلاً من معونته ومساندته. أيها السادة، إني أتحدث إليكم بصفتي مصرياً، وبصفتي مسلماً. فبصفتي مصرياً، أؤكد أن بلادي لا تطلب إلا شيئاً واحداً: صداقة سائر شعوب الأرض. ولكن صداقةً تقوم على العدل، وعلى الكرامة الإنسانية، وعلى الحق الذي وهبه الله لكل البشر؛ تطلب صداقة كل الشعوب شريطة ألا تستحيل وسيلةً للاستغلال والقهر، أو أداةً لسلطةٍ تنكر حقوق الإنسان في حياة كريمة. لا تطلب مصر غير ذلك؛ فهي تمد يدها للعالم أجمع، وللغرب المسيحي قبل أي أحد آخر؛ ولكن ما عساها أن تفعل إن هي مدت يدها للغرب ورفض الغرب مصافحتها؟ ما عساها أن تفعل إن نشدت صداقة الغرب المسيحي ووجدت من يرفضها، من لا يريد الصداقة بل يريد شيئاً آخر: العظمة، القوة، الاضطهاد، العبودية؟ وبصفتي مسلماً، فقد قلتُ لكم مراراً — وهذه هي المرة الرابعة التي آخذ فيها الكلمة في هذه اللقاءات — تفكروا فيما تحتويه دياناتنا، لكي نقتنع بوجوب خدمة الله، وهو في الجوهر أمرٌ يسير. أؤكد لكم أن ما يفرق بين المسلمين والمسيحيين أشياءٌ قليلةٌ جداً. أنتم تتحدثون عن رُوح الله، وتقولون إن عيسى هو كلمة الله، ونحن نقول ذلك أيضاً؛ أنتم تُجلون العذراء ونحن نُجلها أيضاً. واليوم تحتفلون بعيد القديس يوحنا المعمدان، ونحن نحتفل معكم بهذا العيد. إن ما يجمع بين دينَينا أكثر مما يفرقنا. فلنتحد للدفاع عن حقوق الله؛ ولندافع عن عدله؛ ولنحب بعضنا بعضاً ونتآزر لتحقيق ملكوت الله في الأرض، متضامنين لمحاربة المادية التي تكتسح الأرض يوماً بعد يوم. فلنتعاون إذن لتحقيق هذا الرجاء الجميل الذي يأتي من الله، والذي نقرأه نحن المسلمين كل يومٍ تقريباً في كتابنا المقدس؛ لتحقيق ذلك الملكوت الإلهي الذي يحيا فيه المؤمنون، والمحسنون، والمتحابون في الله، حياةً ملأى بالسعادة، حيث تكون كلمة السر فيها ببساطة: «تبارك الرب الإله!»، ويكون تحيتهم فيها حين يلتقون: «سلام!»، وشعارهم الأخير: «الحمد لله رب العالمين!». {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚوَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
عهد كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/٩ ، عدد ٢٣٢٨ أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضى الناس عني ، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي . فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها ، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب ، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر ، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم ، والذين يتفضلون علي فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضى . كذلك كنت منذ بدأت أكتب ، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة ، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا . فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم ، ويحسنوا بها الظن ، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال . لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في « الكوكب » فأحبوا ذلك ، ورضوا عنه ، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له . نعم ، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في « الكوكب » ، وألحوا علي في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر ، والرغبة في الخير لي ، وللقراء مما سأكتبه . نعم ، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء ، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء ، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون . ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين ، وقبلت مغتبطًا رضى الراضين ، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء ، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني . فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص ، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح ، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه ، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي ، ماضي العزم ، قوي الأمل ، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب ، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين . وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة ، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب . فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب « الكوكب » وقراؤه ، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون ، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء . وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة ، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب ، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار ، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا ، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور ؟ كل شيء ضيق من حولنا ، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي ، فضيقته وبالغت في تضييقه . ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق ، وتأخذنا بتصغير عقولنا ، وتقصير ألسنتنا ، والكبح من أقلامنا ، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد ، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي ، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة ، وبسلطانها الإداري مرة أخرى . وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة ، رقيقة مسرفة الرقة ، حساسة حادة الحس ، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل ، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله ، لا بما ينكر العرف ، ولا بما ينكر الدستور ، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق . وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر ، فيباح أو يحظر . وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا ، وعلى غير وجهه أحيانًا . وإذا تفكيرنا يتهم ، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه ، وكل شيء نأباه مرغوب فيه . وتمضي الأسابيع والأشهر ، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي ، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج ، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة . فلابد إذن من أن تضيق العقول ، وتضعف الإرادة ، وتنحل العزائم . وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته ، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه ؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم ، ولتجمعه كله إليها ، ولتحصره كله في يدها ، ولتضغطه ما وسعها الضغط ، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا . هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان ، فيجب أن تظلها بجناحها ، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب ، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق . وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا ، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر . وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي ؟ هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي . فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية ، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر ، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر ، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا ، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه ، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله . نعم ، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة ، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي ، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين ، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر ، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط ، ويقودونه إلى الرقي والخير . لندع التفكير في هذا كله ، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا ، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء ، ويستأثر بكل شيء ، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو ، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة . كل شيء ضيق من حولنا ، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان ، وإنما الغريب أننا لم نتأخر ، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة . وليس الغريب أن عقولنا لم تزد سعة ، وأن إرادتنا لم تزد قوة ، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة ، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة ، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية ، وأخذت علينا كل سبيل . نعم ، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل ، والصدق في الرأي ، والمضاء في العزم ، والقوة على المقاومة ، والاستعداد لاحتمال المكروه . فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر ، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية ، والعزيمة الماضية ، والقوة على المقاومة . وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون ، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي ، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد .
الشهداء كوكب الشرق ، ١٩٣٣/٣/١١ ، عدد ٢٣٣٠ كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال . وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل . وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا . وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين . ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي« . ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره . كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟ ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء . مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر . وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا . رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم . رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله . في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين . شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى . هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم مخوف منه على الأمن ؟ هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .
درس كوكب الشرق ، ٢٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٤٦ رئيسُ وزرائنا أستاذ ، تلاميذه الوزراء ، يعلّمهم كيف يحكمون ، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له ، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه ، ومن قصّر منهم أقصاه . ووزير داخليتنا أستاذ ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم ، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع ، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم ، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا ، ووجّه إليهم أسئلة . فمن فهم الدروس وأحسن الجواب ، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها ، رقّاه . ومن لم يظهر منه سبق الفهم ، ولا مهارة في الجواب ، ولا نشاط في السيرة العملية ، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه . ومن ظهر في فهمه التواء ، وفي أجوبته انحراف ، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة ، هبط به إلى إقليم دون إقليمه ، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم . وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس ، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية ، فسمعوا منه ، وتحدّثوا إليه ، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها . وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان ، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك ، ولكن من المرجّح ، إن لم يكن من المحقّق ، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا ، وعلى وزراء العالم كله ، ورجال الإدارة فيه ، كان موضوع الحديث في درس أمس . ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق ، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام ، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار ، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس ، وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد . زعيمان يزوران شعبًا يحبهما ، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما ، والسخط على خصومهما . والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه ، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له ، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء ، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع ، وطبق آفاق الدنيا ، وتردّد في أجواء السماء ، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له ، ويفديه بالأمهات والآباء ، وبالبنات والأبناء ، وبما كان يملك أيام الرخاء ، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء ، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء . فكيف التخلّص من هذه المظاهرة ؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها ؟ فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة ، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها ، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه ، فهو بهم كَلِف ، ولهم مستجيب . هذه هي المشكلة التي كانت موضوع التمرين يوم السبت ، وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية ، وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه . وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات ، يأباها الدستور ، وينكرها القانون ، ويتحرّج منها النظام؛ تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل ، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم ، وتبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق ، وتبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب ، وتبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب ، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء ، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون . كانوا يعلمون هذا ، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة ، وربما تهالكوا إليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم ، وإكباره لكفاياتهم ، ما يريدون . وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة ، ولون من ألوان السلطان ، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم . والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب ، ويعيد ذكرى الماضي ، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي ، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم . فالخطف مظهر من مظاهر الضعف ، والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر . وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق ، والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها . والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا ، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين ، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام . فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة « الغاية تبيح الوسيلة » تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات . فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه ، اضطربت نفوس المديرين ، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم ؟ أنخطف أم لا نخطف ؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم ؟ حتى كان درس أمس . وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات ، ولكنه يُباح للحكومات ، والحكومات الدستورية خاصة . ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت ، فمنهم من تكفيه الإشارة ، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل . والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل ، لا بالمسرفين في الذكاء ، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه . فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء ، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد ، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا ، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها . فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم . وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور ، فساءت حالها ، واضطربت أمورها ، وأوشكت الفوضى أن تفسدها ، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون ، ويكلفون به ، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر . أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها ، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء ، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا ، ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزع منها انتزاعًا . فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف ، وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف . هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء ؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها ، وما تزال نفوسهم مضطربة ، وآراؤهم مختلفة ؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين . ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان ، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة ، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص . وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا ، وحيثما توجّهوا . ولكن الحاجة تفتق الحيلة ، كما قال القدماء . وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم ، فمن يدري ؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا ، وأن يُسار بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطيور ، ولا يؤمَن منها الضرر .
استقلال كوكب الشرق ، ١٧\٣\١٩٣٣ عدد ٢٣٣٦ ولست أريد الاستقلال السياسي ، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي ، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل ، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقًا… إنما أريد استقلال الجامعة ، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه ، إما لأن كثيرًا من الناس حديثو عهد بالجامعات ، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئًا ، وإما لأن فريقًا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله ، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح . وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعًا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم . وهؤلاء الناس أكثر جدًا مما تظن ، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة ، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد . فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس . وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئًا ، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئًا ، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئًا ذا بال . وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئًا ، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يخفي علمه ويصوره تصويرًا خاصًا لزملائه النواب . فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية ، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو ، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام . وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلي ، لا لبس فيه ولا غموض . فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب ، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، وفوق كل شيء . وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان ، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم . فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه . وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم ، يقص من أجنحتهم ، ويقلم من أظفارهم ، ويقبض سلطانهم قليلًا أو كثيرًا . فلا بد إذن من أن يُضيق حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل . وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم ، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير . وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل ، ووضعت عنه تقريرًا رفعته إلى المجلس ، فخدعت نفسها ، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا . ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه . وأكبر الظن أن كثيرًا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير . ولم يقرأوه ؟ وهم يثقون باللجنة ، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها ، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يطلب ، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يقال ، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام ، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم . زعمت اللجنة في تقريرها ، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف ، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا ، فذلك لأن هذه الجامعات غنية ، لا تنفق عليها الحكومات ، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول ، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل . وهذا — مع الأسف — غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز . فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلًا تقوم على أموال الدولة ، وقد توهب لها الأموال ، ولكن هذه الهبات ليست شيئًا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام . وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد ، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال ، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية . ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها . ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضًا ، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونًا يمكنها من السيطرة عليه . فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة ، لأن الحكومة لا تملك مالًا خاصًا ، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء . ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدًا مكرًا عبقًا ثقيلًا ، لم يلتفت إليه مجلس النواب ، أو التفت إليه ولم يحفل به ، ولن نجد له شبيهًا في بلد من بلاد الأرض . ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة ، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية ، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي . وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد ، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان . كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة ، حسب القانون الذي أصدره البرلمان ، تتألف من الجامعيين . فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابًا حرًا لا يتقيد بشرط . فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوًا ، يضاف إليهم المدير ، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًا على كل حال . فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس ، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها ، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء ، وللوزير حق الاعتراض في بعضها ، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة . أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرًا ، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر . فقد أصبح وكيل العميد عضوًا في المجلس بحكم منصبه ، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل ، فأصبح خاضعًا للوزير خضوعًا مباشرًا ، وأصبح عضوًا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب . وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذًا ذا كرسٍ ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية ، فهو أيضًا عضو معين . ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة ، أو ضُيق عليهم فيه ، كما ضُيق على كثرة الشعب في انتخاب النواب . فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر ، يجب ألا يوضع في أيدي المصريين إلا بحساب ، وفي ظل مراقبة شديدة ، لأن المصريين ، سواء منهم العلماء وعامة الشعب ، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد ، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي . ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين ، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة ، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون . ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيد ، والآخر حكومي مطلق . فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفًا ، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان ، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير . فإذا جد الجد ، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال ، جاء المجلس الثاني ، وهو يتألف من موظفين ، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة ، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة ، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير ، والذين يؤجرون على قيامهم بعمل العميد . فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يؤجرون على وكالتهم ، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم ، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرض المسائل ذات الخطر . وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشتهي . وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها ؟ هي ميزانية الجامعة ، وهي التصرف في أموال الجامعة ، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم . أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي ؟ فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة ، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تنقله أو ترقيه أو تؤدبه . فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة ، لا شيء يضمن له الحرية العلمية ، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها . فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرًا في الرأي أو في البحث العلمي ، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة . على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة ، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة . ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان . وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب ، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة ، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء . أفهمت الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم ؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعًا على مصر ، وقد ضُيق الدستور ، فليُضيق نظام الجامعة . إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد ، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب ، يسير التفكير ، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة ، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبًا ، وأيسرهم تفكيرًا ، وأقلهم نفاذ بصيرة ، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب ، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره ، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد . وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضيقه ، واستكثر الجامعة فضيق نظامها ، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد ، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئًا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة ، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات . نعم ، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد ، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء ؟ ومن يعين رئيس الوزراء ؟
مصر في الصباح ولابد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا يلتقون كل يوم إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب. ودفعوا إلى الوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند اللذين يعرفونهم واللذين لا يعرفونهم من الأزهريين. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشؤون الاجتماع. وأولئك الذين كانوا يخطبون في المحافل والمجامع ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس أحاديثهم ومحاورهم، وتذكر أسمائهم فتمتلئ بها الافواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشان، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، أو إنشاد الشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فاجلوا واكبروا، ونظروا من حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملا به هذه الحلقات التي كانت تنحلق من حول الصحن وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة، وكانت أصداء ذلك ترد عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى اقبل ذلك اليوم الذي دار فيه الملاحظون في الازهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر دفعا، ثم يسالون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم انهم مطرودون، وان درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وان شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغنى لابن هشام بدل الكامل للبرد، منفى من الرواق العباسي، مقرون إلى اسطوانة من هذه الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان). هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم يلبثوا أن استأنفوا الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، يسخرون مما كانوا يسخرون منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ رحمه الله في ترجمة البؤساء، وقد كانوا يعجبون بهذه الجملة إعجاباً شديداً، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في سبيله، واخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث. وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون في النثر، فان فكروا فيه قلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الاجادة، ولم يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون يجيدون قليلا، ويسيئون كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون انهم ضعاف في النثر، وانهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ، لانه كان احب منهما للصحف، واكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي بين الشعراء القدماء، وكان صاحباه يسخران منه ومن المتنبي، ويكرهان أن يسمعا له حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يقرا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر الرديء وحمله عليه وأضافته إليه، وكان انحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين: بموسم عاشوراء قد عمت البشرى … وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى ونادى المنادي أيها الناس يمموا … ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى ولست ادري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعاً. ولعل ثالثهم محموداً أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه الآثار التي لم تكن تستحق اقل من الخلود. وفي ذات يوم اقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم في العناية من النثر، ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و (مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جاداً كل الجد، مؤمنا كل الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان انهما لن يستطيعا. فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام، ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في الصباح. وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ وماذا يقول فيها فلا يحير جواباً، فيتمثل ثالثنا بهذا البيت الذي كان يغيض الزيات ويحفظه: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما فكتب في الحالة الحاضرة. ولم يفتح الله عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاماً ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل حال، فمازال إذن قائما من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه منذ يوم الاثنين الماضي أن يصدماه بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه منهما. ولست ادري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث. أما أنا فاعترف باني فكرت بهذه الساعة، وقدرت إنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن احتاط له، واستعد لهجمة الزيات، واربا بنفسي عن أن اسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فاصبح خليقاً أن يخوفنا به: شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس فحاولت منذ أسبوع أن اطرق هذا الموضوع، وان اكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين. ثم ابدرناه معاً بهذا البيت: شيخ لنا من ريبعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح. ذلك إن الزيات راغ وزاغ وعدل عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة الحاضرة التي نبغضها اشد البغض ونضيق بها اعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر على أن يصف الحالة الحاضرة الآن؟ وأي الكتاب لا يقدر على أن يجيد في هذا الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي احسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فالتقيت في روعة أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه. وإذن فهو مازال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في الصباح. أما أنا فلم اشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لابد من الكتابة فيه، ولكن أي مصر، أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاث مختلفة فيما بينها اختلاف غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر. وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الانبابي رحمه الله، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء. وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا اذكر اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب. ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث اصف؟ وعن أي الأمصار الثلاث اتحدث؟ فاما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقضني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان شافعيا موسوسا، ينفق نصف ساعة في إقامة الصلاة: ال. . . ال. . . الله الله. . ال. . الله اكبر، ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: أل. . أل. . الله. . الله. . أل. . . الله اكبر ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد وإذا هو يخرج ويستأنف الدخول فيها. وما يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف أقامتها حتى إذا أشفق من فوات الوقت عزم امره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر الشريف. استغفر الله فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني في السحر لا في الفجر صوت ذلك الشيخ الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيء يشبه العالم، وإنما كان تاجرا اعرض عن التجارة، وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في لليل. فإذا اقبل السحر خرج من غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل جملاً متقطعة من الورد الذي كان يبدأه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد الحسين، حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في الجو، لان الذين كانوا نياما في السحر قد اصبحوا إيقاضاً حين ارتفعت الشمس. استغفر الله، وقد نسيت أصواتاً أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد اقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة. وهذه (حمدة) التي كانت تبيع الوان الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا. فأما اشترينا وأما تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب (حمدة) فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ويزلزل له حوش عطى زلزالاً!! على هذه الأصوات كنت استقبل مصرا، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد افاق، وهو يحك عينه من بقية النعاس، ويهيئ (الجوزة) للحاج فيروز، فإذا مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة الفول والبليلة والطعمية قد ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض، الشيء عطفت ذات الشمال ان كنت مستعجلا، فمضيت من حارة الوطاويط، حيث اقذر مكان خلقه الله، وحيث اعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساءً، قد جلسوا في اقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وان كنت مستانياً عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة ثم انغمست في شارع الحلوجي، ثم دفعت إلى باب المزينين. هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح واقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن باني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلاماً يرضاها وابلغ من استحسانه ما اقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين. ان الزيات ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من قلعة الكبش، وتنتهي إلى الازهر، وانما محمودا ليحسن اعظم الإحسان لو انه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية، كما كان يقول، وتنتهي إلى الأزهر، فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند الرسالة، أو عند قبة الغوري، فلسنا في حاجة إليها الان، وقد يحتاج إليها أبنائنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه. طه حسين الرسالة – العدد ٤١ – ١٦\٤\١٩٣٤
محاضرة الآنسة مي لا اعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، والى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الامريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم اشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلا لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلا لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة أثنين، وكنت اسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكا عظيما في أن للمرأة فضلا على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بان للمرأة فضلا على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديبا من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب. وإذن أنا مقتنع بان الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاء، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملا في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وانهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بان ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بان المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاء وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاء فشئ فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لان كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا انهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراها، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لان الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن انهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجنى، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما.، إنما هي اثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة اطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعدا عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحسانا؟ ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة. ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها واثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بان أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال اكرم مما تظن الآنسة مي، واحب للرحمة واحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الأثم، وانما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد اخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا اكرم مما تظنين، واحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيرا، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما أحتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا اعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم اعرف هذا، ولن أستطيع أن اعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فان تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وان تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الارض، فنحن خير منهما حالا، وأجمل منهما شكلا من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وان نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، ` وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة لامرأة هي ايزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون ايزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع ايزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش احسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارع إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، واعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة. طه حسين الرسالة – العدد 37 – بتاريخ: ١٩\٣\١٩٣٤
كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد صديقي العزيز المجهول إسماعيل بن زيد حفظه الله وأكثر من أمثاله. تحية طيبة تلقاك حيث كنت، فإني لا اعرف أين تكون، كما إني لا اعرف من تكون. أما بعد فقد قرأت كتابك في (الرسالة) منذ أيام، ولست ادري أين ظفر به صديقنا الدكتور عوض، فإني لم أتلقه قبل نشره، ولو قد وصل إلى لما أبطأت في الرد عليك برغم كثرة العمل واشتغال النفس بأشياء يراها الناس خطيرة بعيدة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، وأراها أنا كما تراها أنت أهون شأناً وأقل خطراً من صيد الضفادع، وتثقيف الجراد واستخراج أشعة الشمس من قشر الخيار. واكبر الظن انك رجل رؤوف بالأصدقاء شفيق على الإخلاء خطر لك أن تستفتيني فيما عرض لك من الأمر فسطرت كتابك وهممت بإرساله إلي، ثم عرفت إني مجهود مكدود فرحمتني ورفقت بي وأجلت إرسال كتابك إلي حتى ينقضي العام وافرغ لمثل هذه الموضوعات الجليلة القيمة. ولكن كتابك وقع إلى صديقنا عوض على أي نحو من هذه الأنحاء التي تقع بها الكتب إلى الناس أو يقع بها الناس على الكتب وعوض رجل فيه مهارة العفاريت ولباقة الشياطين اكتسبهما في اكبر الظن من ترجمته لقصة فاوست ومن طول عشرته لشيطان الشاعر الألماني العظيم. فلم يكد يقع الكتاب إليه أو لم يكد هو يقع على الكتاب، حتى أسرع به إلى الرسالة يكيد بنشره لك ولي جميعاً. يكيد لك لأنه يحسب أن الناس سيضحكون حين يظهرون على هذه الموضوعات الغريبة التي تفكر فيها وتنفق في درسها وقتك وجهدك، ويكيد لي حين يطلب إلي باسمك على ملأ من قراء الرسالة أن أبواب لك الكتب التي تريد أن تذيعها في هذه الموضوعات. وليس عوض شيطانا ولا عفريتا ولا مترجماً لفوست ولا معاشرا طويل العشرة لمفستو فيليس انقضى يومه وليله دون أن يجد ويكد ليغيظ إنسانا من الناس ويعبث بصديق من الأصدقاء، واحسبه أن أعياه الظفر بمن يغيظه أو يعبث به لا يتردد في أن يغيظ نفسه أو يعبث بها، وله في الحطيئة قدوة سيئة وأسوة قبيحة. ولابد من أن يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الشر ويدفعهم إلى البغي كما يوجد في الأرض من يدعو الناس إلى الخير ويهديهم إلى البر والرشاد. وقد هممت أيها الصديق العزيز المجهول أن اعرض عن هذه الرسالة التي لم أتلقها أو أن أؤجل الرد عليها كما أجلت أنت إرسالها ولكني – ولا أكذبك – لم أكد أتم قراءتها حتى استرحت إليها ونعمت بها لأنها صادفت هوى في نفسي ولاءمت بعض ما كان يضطرب في رأسي من الخواطر والآراء. فلم أجد بدا من أن أرد عليك في (الرسالة) لأني لا اعرف عنوانك ولأني قرأت كتابك في الرسالة وتلقيته من طريقها، ولأني لا آمن هذا العفريت الذي نسميه عوضاً ونكل إليه تعليم الجغرافيا في كليتين من كليات الجامعة أن ينالها بقليل أو كثير من التبديل والتغيير، وأنت تعلم أن من العسير جدا أن أجيبك في فصل واحد إلى تبويب هذه الكتب الأربعة التي ألفتها غير مبوبة، فذلك يحتاج إلى وقت وفراغ لا أملكهما في هذه الأيام أيضاً؛ وذلك يحتاج بعد هذا إلى مكان من الرسالة قد لا تستطيع أن تخصصه لنا دون أن تظلم واحداً أو اثنين من كتابها الأدباء. ولست اذكر الرفق بالقارئ ولا الترفيه عليه، فالقارئ آخر من أفكر فيه؛ وليس يعنيني أن يغضب أو يرضى، وليس يهمني أن يقرأ أو يعرض عن القراءة، فإني لا اكتب له وإنما اكتب لك. وأنا لا اكتب له لأن هذا الموضوع اعمق وأدق من أن يكتب للقراء؛ إنما يكتب للقراء في فلسفة أفلاطون وأرسططاليس ونيتشة وأمثالهم من أصحاب العقول الجبارة؛ فأما فلسفة الجراد فإنها الطف وأخفى وأرق من أن تبلغها عقول المثقفين أو تنفذ إليها بصائر المستنيرين؛ لهذا أفكر فيك أنت ولا أفكر في القراء؛ ولو فكرت فيهم لما كتبت شيئا، لأني لا احب أن ألقاهم بما يكرهون لا سبيل إذن إلى أن أتحدث إليك في هذه الموضوعات الأربعة التي ألفت فيها كتبا غير مبوبة، وإنما أتحدث إليك في موضوع واحد منها اختاره ليكون نموذجا لغيره من الموضوعات التي ألفت فيها والتي يمكن أن تؤلف فيها؛ فإن أبيت إلا أن أبوب لك هذه الكتب الأربعة فقد نستطيع أن نصنع ذلك في مجالس خاصة نلتقي فيها بين حين وحين لهذا العمل الجليل، نلتقي فيها لنتحدث على مهل وفي حرية دون أن يشاركنا في الحديث هؤلاء القراء الذين لانا منهم أن يذهبوا فينا المذاهب وان يطلقوا فينا الألسنة وان يظنوا بنا الظنون. وقد اخترت تعليم الجراد أصول الفلسفة موضوعا لهذا الحديث. وأول ما ألاحظه أيها الصديق العزيز المجهول انك أهملت عنوان الكتاب الذي ألفته إهمالا شديدا، واكبر الظن أن إهمالك للفنون هو الذي حال بينك وبين تبويب الكتاب على ما تحب. ولست ادري أصحيح ما قال القدماء من أن الكتاب يعرف بعنوانه، ولكني اعتقد أن عنوان الكتاب يبوبه وينظمه، ويلائم بين أجزاءه ويشيع فيه هذه الموسيقى التي تحببه إلى النفوس وتغري به عقول القراء. وأول ما يجب العناية بالعنوان فيما أرى أن نذهب به مذهب القدماء الصالحين، فلا نرسله إرسالا ولكن نقيده بالسجع، لأن إرسال الأشياء في غير قيد يمكنها من أن تهيم على وجهها وتنطلق في غير وجه، وتكون كالجراد هذا الذي لا يستقر على سنبلة أو كوز إلا ريثما ينتقل إلى سنبلة أو كوز. فإذا أردت يا صديقي أن تضع كتاباً فلا تفكر في موضوعه ولا في أجزائه ولا في أبوابه وفصوله ولا في غاياته وأغراضه، فهذا كله يأتي وحده دون أن تدعوه أو تلج في دعائه بالعناية أو التفكير، إنما الشيء الذي يجب أن تقف عليه جهدك، وتنفق فيه وقتك، وتستنفد فيه قوتك، هو العنوان، والعنوان المقيد المسجوع. ويشهد بذلك تراثنا الأدبي العظيم الذي أن أحصيته وجدت أكثره قد قيد بهذه العنوانات المسجوعة؛ ويشهد بذلك صديقنا الزيات فقد كانت لنا معه جولات قيمة خصبة أيام الشباب في هذا الفن الذي لا يحسنه إلا اقلون؛ ويشهد بذلك صديقنا محمود حسن زناتي الذي كان أستاذنا في هذا الفن العجيب. لذلك لم أكد اختار هذا الموضوع للحديث حتى فكرت قبل كل شيء في عنوان الكتاب الذي ألفته ولم تنبئني منه إلا بطرف يسير قصير. وقد سميت هذا الكتاب كتاب الإرشاد إلى فلسفة الجراد وأخص ما يمتاز به العنوان البارع أن يراه القارئ فيظنه واضحا جليا، فإذا رآه الأخصائي تبين فيه ألوانا من الغموض وفنونا من الغرابة تحتاج إلى الشرح والتفسير، والى الحاشية والتقرير ولا شك في أن المثقفين من قراء الرسالة سيرون هذا العنوان سهلا سائغا وقريبا دانياً. ولكن أصحاب البيان والراسخين في علم التأويل سيلاحظون أن كلمة الفلسفة هنا قد استعملت في غير معناها الحقيقي المعروف؛ فليس للجراد فلسفة؛ والدليل على ذلك انك تريد أن تعلمه الفلسفة، وإذن فقد يقال أن في هذه الكلمة مجازا مرسلا لأن المؤلف أراد فلسفة الجراد باعتبار ما سيكون، لأن الجراد إذا قرأ كتابك أن شاء الله تهذب وتأدب وصارت له فلسفة. ولكن ليس هذا هو الذي أراده المؤلف، فقد يكون أراد شيئا آخر، وهو أن للجراد الآن فلسفة جرادية يراد أن يعدل عنها إلى الفلسفة الإنسانية. وقد يكون المؤلف أراد بالفلسفة المصدر أي جعل الجراد فيلسوفا يقال فلسفت الشيء جعلته فلسفيا، وفلسفت الإنسان جعلته من أصحاب الفلسفة، وفلسفت الجراد جعلته مفلسفا. ولا تبحث عن هذه الكلمة في المعاجم العربية القديمة، فقد لا تظفر في هذه المعاجم بشيء، ولكن ابحث عن هذه الكلمة عند الفلاسفة في كلية الآداب فهم الذين يلائمون بين القديم والجديد، وهم الذين يرجع إليهم في مثل هذه المشكلات. أرأيت أن كلمة واحدة من هذا العنوان قد أثارت كل هذه الأبحاث التي أومأت إليها إيماء، فكيف بكلماته الأخرى إذا لوحظت مفرقة وإذا لوحظت مجموعة. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن هذا العنوان سيضمن لك شيئين: الأول انه إعلان سيعجب القراء ويروقهم، بل سيبهرهم ويروعهم، وسيدعوهم إلى شراء الكتاب والترويج له عند الأصحاب والأصدقاء. ولعله يروق في وزارة المعارف وأنت أعلم بما وراء ذلك من المنافع التي لا تحصى. والشيء الثاني أن هذا العنوان سيرسم لك برنامج الكتاب ويمكنك من تبويبه في غير مشقة ولا عسر. ولا تكلف نفسك تروية ولا تفكيراً، ولكن خذ كلمات هذا العنوان واجعل منها عنوانات لأبحاثك فسترى أن كتابك قد بوب بإذن الله. فليكن موضع الباب الأول إذن هو البحث عن كلمة الكتاب مما اشتقت، ومن أين أخذت، وما معانيها المختلفة التي دلت عليها في العصور المختلفة والبيئات المتباينة. ولا تخف أن يقال لك أن هذا استطراد وإطالة وتزيد في القول، فلولا الاستطراد والإطالة والتزيد في القول لذهب أكثر العلم أو أكثر الأدب على الأقل. ولك في الجاحظ أسوة حسنة فهو قد أطال في ذكر الكتاب حين أراد أن يؤلف في الحيوان. وقد ألف أرسططاليس من قبله في هذا الموضوع فآثر الإيجاز واجتنب الاستطراد وكانت النتيجة أن الناس جميعا يقرءون كتاب الجاحظ وليس منهم من ينظر في كتاب أرسططاليس، لأن كتاب أرسططاليس علم وقد غير علم الحيوان، وكتاب الجاحظ أدب وقلما يتغير الأدب، ولاسيما حين يمتاز بالإطالة والاطراد. ونحن في كلية الآداب لا نبدأ دروس الأدب حتى نعلم الشبان علما كثيراً عن لفظ الأدب ومعانيه، فسر سيرتنا ولا بأس عليك. وإذا فرغت من هذه الأبحاث القيمة التي لا تتصل ولا يجب أن تتصل بالموضوع، فخذ بعد ذلك في بحث يكون صلة بينها وبين الموضوع وهو إضافة الكتاب إلى الإرشاد والصلة بينه وبين الجراد. وكيف تختلف الكتب باختلاف أصناف الناس، وكيف تختلف الكتب باختلاف أنواع الحيوان، لا من جهة موضعها وأسلوبها فحسب، بل من جهة أحجامها وقطعها أيضاً ومن جهة مادتها التي تطبع وتذاع فيها، ومن جهة الخط والحروف التي تستخدم في هذا الطبع؛ فأنواع الطبع تختلف باختلاف القراء في القدرة والذوق، وكذلك الأحجام، وكذلك مادة الورق والغلاف؛ ويجب أن يطرد هذا بالقياس إلى الحيوان وبالقياس إلى الجراد خاصة، وواضح جدا أن هذا سيذهب بك في ألوان من البحث الطريف الذي لم تسبق إليه؛ فإذا فسرت آراءك ببعض الصور فثق بأنك ستحدث في عالم التأليف حدثا عظيما، وثق بأنك ستفتح للجنة الترجمة والتأليف والنشر أبوابا لن تتردد في ولوجها ولكنها لن تعرف كيف تخرج منها. ثم دع هذا الباب إلى الباب الثاني واجعل عنوانه الإرشاد واسلك في هذا الباب مسلكك في الباب الأول، فاخضع لفظ الإرشاد ومعانيه لكل هذه التجارب التي أخضعت لها لفظ الكتاب ومعانيه، ثم ابحث عن إرشاد الجراد كيف يكون فاعقد فصلا تصور فيه مذهب الذين يرون أن الجراد يفهم بالعقل وبين كيف يكون إرشاده على هذا النحو، واعقد فصلا آخر تصور فيه رأي المحدثين الذي يرون أن الجراد يفهم بالفم والبطن وبين فيه كيف يكون إرشاد الجراد من طريق الأفواه والبطون. والناس كما تعلم يختلفون في هذا الموضوع، ومنهم من يرى أن تكتب أصول الفلسفة على أوراق الأشجار والنجوم والزرع التي يحبها الجراد ويميل إلى أكلها ويقولون أن الجراد إذا أكل هذه الأوراق المفلسفة فهم العلم ووعى الحكمة واصبح فيلسوفا بإذن الله. ثم اجعل الكلمة الثالثة عنوانا للباب الثالث وهي إلى. ولابد من أن تبحث عن السبب في أن الإرشاد يتعدى بالى ولا يتعدى بغيرها من حروف الجر؛ ولم لا يقال كتاب الإرشاد لفلسفة أو بفلسفة أو في فلسفة أو من فلسفة أو عن فلسفة أو على فلسفة الجراد. وواضح أن كل حرف من هذه الأحرف سيحتاج إلى فصل مطول جدا وستجد في كتاب المغني لابن هشام ما يعينك على تحرير هذه الفصول. ولا تخف من هذه الإطالة فإنها هي التي ستنفعك وتروج كتابك عند أصدقائنا الأزهريين. ثم إذا أردت أن يروج كتابك عند الجامعيين وفي كلية الأدب خاصة فاحسن عنايتك بالباب الرابع وهو باب الفلسفة وهو اللب الأول للكتاب، لأن الأبواب التي سبقت كانت قشوراً ولكنها كانت قشورا لابد منها، فكل لب محتاج إلى قشر وإلا لما كان لبا. فابحث الآن عن الفلسفة وعن أصل لفظها وأحذر أن تقول إنه يوناني فقد يكون هذا مطابقاً للحق، ولكن الحق في هذه الأيام لا يغني عن البدع شيئا. والبدع في هذه الأيام إن تخرج الأشياء عن أصولها وتوضع في غير مواضعها وترد إلى غير مصادرها. والظاهر أن كلمة الفلسفة ترجع إلى أصل سأمي عربي، وما أشك في أنك ستجد في شعر قضاعة بيتا يثبت لك وللناس جميعا أن العرب قد عرفوا الفلسفة واستعملوا لفظها قبل أن يولد سقراط. ولابد أن تعرض معاني الفلسفة ومذاهب الفلاسفة في العصور المختلفة وتبحث عن أيها أدنى إلى الجراد، إلى عقله إن كنت من أنصار العقل، وإلى بطنه إن كنت من أنصار البطون. فإذا فرغت من هذا البحث الهائل المخيف وصلت إلى الباب الأخير الذي هو نتيجة النتائج وجوهر الجواهر وأصل الأصول وفصل الفصول وخلاصة الكتاب ولب الألباب وهو باب الجراد الذي وجه إليه الإرشاد. وهذا الباب معقد بطبعه فلابد من أن تبحث عن لفظ الجراد من أين جاء والى أين انتهى، ولابد من أن تبحث عن منزلة الجراد بين أنواع الحيوان، ولابد من أن تبحث عن محاسنه وعيوبه، ثم لا بد من أن تبحث عن عقله وما يكونه من الملكات وعن بطنه وما يمتاز به من الخصال في الاستيعاب والهضم وتصريف العلم والفلسفة إلى أجزاء الجسم وأطرافه والوصول آخر الأمر إلى أن يسير الجراد سيرة فلسفية صالحة. فإذا وصلت إلى هذا الموضع من كتابك وخيل إليك أنك قد انتهيت به إلى غايته وأفدت العلم فائدة محققة تمكنك من نيل الدكتوراه من كلية الآداب فعد إلى منهج ديكارت وألغ هذا الذي كتبته كله إلغاء، وافترض انك لم تكتب شيئا ولم تعلم شيئا واستأنف التحدث من جديد فسترى أنك قد أضعت وقتك في غير نفع، وأنفقت جهدك في غير طائل، واستهلكت راحتك وورقك وحبرك وأقلامك في غير غناء، لأن الجراد ليس في حاجة إلى أن يتعلم الفلسفة الإنسانية الآن، فقد تعلمها منذ عهد بعيد؛ فهو أن كان ناهبا سالبا ومغيراً محاربا فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وهل زاد الإنسان على أنه حيوان قوام حياته السلب والنهب والحرب؟ وهو إن كان خفيفا سريعا متنقلا لا يستقر على حال من القلق فقد أخذ ذلك عن الإنسان. وما أظن أنك تستطيع أن تلقى جرادة تجهل قول الشاعر القديم: تنقل فلذات الهوى في التنقل وهو إن كان مفتنا في الخفة والتنقل فقد أخذ هذا الافتنان عن الإنسان، لأنه يراقب الحضارة وتطورها، ويراقب المبادئ وتلونها، ويراقب اضطراب الناس في آرائهم وأهوائهم ومذاهبهم ومبادئهم، ويراقب الضمائر التي تباع، والعقول التي تمتهن، والحريات التي تزدرى، والأصول التي تتخذ تجارة ووسيلة إلى الربح وتحقيق المنافع الدنيئة. وقد هم الجراد أن يقلد الإنسان في هذا فأدركته بقية من عقله أو من بطنه الذي تستقر فيه الفلسفة وامتنعت به عن أن ينحط إلى هذه القرارة الحقيرة الموبوءة التي انحط إليها الإنسان الحديث، فظل حيث هو يغير كريما ليأكل من ثمرات الأرض ما يستطيع أن يصل إليه، ويعود كريما أن استطاع العودة أو يموت كريما بما يسلط عليه الإنسان من ألوان البأس وضروب الفناء. وأنت حين تصل إلى هذه النتيجة بين اثنتين: فإن كنت من أنصار الفساد وعشاق الانحطاط الذين يرون أن الإنسان قد وصل في هذا العصر إلى أرقى أطوار الحضارة فاستأنف العمل لتبحث عن طريق تهدي بها الجراد إلى تقليد الإنسان في الانحدار إلى هذه القرارة، وإن كنت من المحافظين الذين يكرهون التطور الحديث ويمقتون نتائجه فادع الإنسان إلى أن يتعلم فلسفة الجراد وضع في هذا كتابا اسمه: (التبيان عن تجرد الإنسان) والتجرد هنا مشتق بالطبع من الجراد. وتقبل أيها الصديق العزيز المجهول اخلص تحياتي طه حسين الرسالة – العدد 202 – 17\5\1937
عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.
Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.
عدلي . . . يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف ، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير . ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم الى استبقائها ومد أسبابها . فهم كانوا اذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا ، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة ، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذى أصابهم ، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره ، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون الى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل ، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة .ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا الى الألم متنوعة ، ووسائل الى الحزن متباينة ، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت ، حتى اذا عملت الأيام عملها ، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى ، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا ، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد ، لتقاوم الظروف ، وتمانع النسيان وتستبقى شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي انفسها فيه . كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما ، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت . وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت ، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها . فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين . وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها ، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما . كثرت عليهم الأحداث والخطوب ، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن . وعجزت أعصابهم عن المقاومة ، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها لحوادث ، وتتقاذفها الكوارث ، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة ، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة ، حتى تشب وتقفز مسرعة ، خفيفة ، عنيفة ، تبتغى حادثة أخرى وكارثة أخرى ، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى . وهذا وحده هو الذى يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذى ألم بهم حين نعت اليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله ، فقد وقعت هذه الأناء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم ، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام . أفاقوا وجزعوا ، واشتد عليهم الجزع ، حتى كاد يشبه اليأس ، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه ، وإنما صرفوا عنه صرفا ، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها . وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار اذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه ، ولا يستقبلون الليل اذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده ، يصبحون وهم يجهلون الى أين يدفعهم النهار المضيء ، ويمسون وهم يجهلون الى أين يذهب بهم الليل المظلم . كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم ؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل الى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها ، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج ، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها ، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها ، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب ، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب ، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس ، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع الى الحرج ، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم ، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه ، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه ، لم يعبر جثمانه البحر بعد الى وطنه ليواري في ترابه ، ويدفن في ثراه المقدس . هم معذورون . وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا ، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه . ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون ، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال . والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له . أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان . وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل . ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس ؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية ، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب ، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم . كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله ، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم ، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم ، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة : سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله! كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا ، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم ، ولا يدنو منها شيء إلا التهب . والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة الى أبعد الأماكن منها فتذكى فيها نارا ، وتثير في جوها أوارا ، وتخرج أهلها عن أطوارهم ، وتدفعهم الى حب الحياة بعد الموت ، والعزة بعد الذل ، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان . وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه ، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا ، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة . وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور . وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم ، الذي لا يقوم إلا على بصيرة ، ولا يقبل إلا على ثقة ، وبعد تفكير طويل ، وروية متصلة . ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء ٠ قلما تظفر بمثلها عند الزعماء . ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذى نعرفها به ، ولا طبعت بهذا الطابع الذى يميزها من غيرها من الثورات . كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية . وقد اختلفوا واختصموا ، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا ٠ ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية الى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث ، ويبقى على رغم الخطوب . ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا الى ما كانوا عليه من ائتلاف ، ويثوبوا الى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق ، فصفا بعضهم لبعض ، وسعى بعضهم الى بعض ، ورضى بعضهم عن بعض ، ورضيت الأمة عنهم جميعا . ورضى الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم الى جواره ، يسعى بعضهم في إثر بعض الى دار الخلود وقد أدى واجه ، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق . وكان سعد أسبقهم الى الخلود ، وكان عدلي آخرهم انتقالا الى دار الخلود . ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث ، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح ، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد ، ومضت على وفاتهم الأيام . ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد ، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه ، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه . وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا ، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها ، وحتى تدعوك كلها الى أن تحمده وتثني عليه . وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع ، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا . فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية ، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة . فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية : كان رضى الخلق ، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها ، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق الى الناس ولا تظهر نفسها لهم ، ولا تطمعهم في صاحبها ، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع ، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة ، ولونا من الكبرياء ، فيهابونه وينأون عنه . فإذا اتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه ، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء ، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال . ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية ، وقلبا طاهرا وفيا ، وضميرا كريما حيا . وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة ، وحديث عذب ولسان عفيف ، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو ، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه . والناحية الثانية مذهبه السياسي . فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال ، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق ، لم يكن يتهم في ذلك من أحد . وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد نؤدى الى الطفر بهذا الحق، وتنتهى بمصر الى ما تريد ٠ ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه الى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره ، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه ، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج . فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف ، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى . إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه ٠ كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين ، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف . وكان لا يحسن الحديث الى الشعب ، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ الى قلوب الشعب ، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من الهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد ، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها ٠ فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين : الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة . الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها ، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز ، بل تتجاوز هذا الى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور ، وتنظيم سلطة الشعب ، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة ؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات ، وبأنها ما دامت كذلك فبي التي يجب أن تضع الدستور وان تعلنه لا أن تتلقاه . ومن يدرى ؟ لو أن الظروف وأتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي المت بها فجرت عليها شرا كثيرا . ولست أدرى لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها . فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية ، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره . ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة ، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز ؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية ؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز ؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر ينها وبينهم خلاف : مهما يكن من شيء ، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا . الناحية الثالثة : وفاء هذ الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب ، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية ، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل الى الاستقلال ، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة ، وهي العماد الشرعي الوحيد الذى يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية ؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضى نفسه وضميره في السياسة، فتقدم الى أمته في الانتخابات : فلما قضت عليه اذعن لقضائها ورضى به ، لا يحمل لأمته غلا ، ولا يضمر لها حقدا ، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه الى غيره . ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذى صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم. وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم . ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الاباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة ، أو يؤيد وزارة ، أو بشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور ؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه الى الائتلاف مع سعد حين دعى إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف . وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية ، وكان اعتماده على الدستور ، وكان بقاؤه رهينا يقاء الدستور ؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور ، وكيف أسرع الى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور . ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم ، وكيف أسرع الى الاحتجاج على هذا التغيير ، وكيف أسرع الى التعاون مع المؤتمر الوطني الذى أنكر ما حدث من تغيير ، وألح في أن ترد الأمور الى نصابها ، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني ، فأسرع عدلي الى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة . حياة الكرامة والنعيم . وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال . فاذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي الى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت ، وهى(البروفيدنس) ! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين ، فأرادت أن تلائم ينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟ طه حسين الرسالة – ١\١١\١٩٣٣
عبد الخالق ثروت باشا (١٨٧٣ – ١٩٢٨)، سياسي مصري، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول. تولى رئاسة الوزراء لفترتين في ١٩٢٢، وفي ١٩٢٧. كان له دور فعال في الضغط على بريطانيا حتى تصدر تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢ الذي بموجبه أنهت الحماية البريطانية على مصر واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة.
Abdel Khalek Sarwat Pasha (1873–1928) was an Egyptian political figure. He served as the Prime Minister of Egypt in 1922 and again in 1927-28. He was instrumental in bringing Great Britain to issue its Unilateral Declaration of Egyptian Independence in February 1922, which ended the British Protectorate and recognized Egypt as an Independent Sovereign State.
ثروت . . . انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعوًد بعد الاطمئنان الى انه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه وليس مصدر ذلك انه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقاً في السياسة . فقد اجتمعت له كل هذه الخلال وخلال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين الى حين وفي مختلف البيئات والأوطان ، ثم يمضى هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم . ولكن الناس تعودوا الاطمئنان الى انهم قد مضوا الى حيث لا يعودون ولكن قليلا من هؤلاء زكوا في نفوس أصدقائهم آثارا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارا لا تزيدها الأيام إلا اضطراما ذاك لانهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع ينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها . من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت قاسم أمين وثروت باشا وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسماً واحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله اقرب الى الذكرى القوية منه الى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لان قاسما كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبداً أما ثروت فان أصدقائه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه داما هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبداً ولئن كنت لم اعرف قاسماً إلا من طريق آثاره واحاديث اصدقاه فقد عرفت ثروت واتصلت به واستطيع أن اتحدت عنه لو أن الى هذا الحديث سيلا *** يقولون أن ثروت ظلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما انه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه . أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضا ، ولكن أي تاريخ ؟ لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف ، وكيف السبيل الى ذلك وليس بين المصربين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل اثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرا عميقا بعيد المدى كثروت . نعم ليس بين المصربين في هذا العصر الحديث من اعطى امته الدستور ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من كسب لامته الاستقلال ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت . فهو الذي فعل هذا كله . وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهوداً وتجشم إليه أهوالا واتصل في سبياه بأصحاب السلطان هنا وهناك ، وكان ينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يعرف منها شيء ولن يعرف منها شي، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة ،فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء . ولم تنته تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة :فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولاً شطراً طويلاً من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن رحم الله ثروت ورحم الله قاسما إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال : إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي انفق حياته السياسية عاملا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل ! لم يتكلم حياً ولن يستطع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتا ، فهو بهذا اصدق مثال وأقواه لهذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم وهو كقاسم عمل حيا وأوذي في حياته وهو كقاسم يعمل ميتا دون أن ينصفه الأحياء ولكن قاسماً عمل ويعمل للمرأة . أما ثروت فعمل لمصر كلها . قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكلا لم يخطئ حين قدر إنه يحرر الشرق كله ثروت باشا صديقاً غير اني لم اكتب لأتحدث عن ثروت زعيماً إنما كتبت لأتحدث عنه صديقاً. ولعل خير حديث عن ثروت صديقاً إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملا نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس . ولعل اصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان . كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين ، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يفشون داره صباحا ومساء ما دام إليه الأمر حتى اذا اعتزل انكروه وجهلوا الطريق الى داره. وكان ممن حضر جماعة الحوا في الزراية على هؤلاء وتنقصهم واخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه الى أن يظهر رأيه ، فقال مبتسما : من اخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس لها أو حكهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت لها وحكمك أنت عليها . فانت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلاناً يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة ، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نقسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة . ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة . ولقد كان مزاجه رحمه الله صفواً كله . ولقد كان طبعه – رحمه الله نقاء كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها . فليس غريبا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلا الى تكديرها أو النيل منها . ذلك لان صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد ينه وبين بعض الناس حتى تنتهي الى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كرمة خالصة . ويكفي أن ترجع الى احاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها لهؤلاء الخصوم فسترى ا نه بذكرهم دائما – ولاسيما الذين كان يختصهم المودة قبل الفتنة- بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك اشد التأثير ولقد اذكر اني كنت عنده ذات يوم فأنبأني إنه كتب الى سعد – رحمهما اللّٰه- كتابا يقترح فيه عليه الاحتكام الى جماعة من صفوة المصرين فيما شجر بينهما من خصومة . وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى اذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن اثني عليه بل قال : وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة الى لحظة . وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فاسرع إليه ثم عاد مبتسما وقال : تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف . ولبثت انتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد . فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب اسطراً حتى نهض واخذ يمشي في الحجرة ذاهباً جائياً لا يكاد بمسك عن الكلام إلا مضطراً . . . ولكني اشهد انه ما ظهر على ثروت – رحمه اللّٰه -غيظ ولا حفيظة ولا موجدة ، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفق الى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق … وتبينت يومئذٍ إنه كان لا يزال يحبه ويبر به وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له . كما انه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق الى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وتروت ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة . ومهما انس فلن انسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد رحمه اللّٰه – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت ومخايله ولحظاته وعن تصوير هذا كله لما يضطرب في نفسه من العواطف والميول . أما أنا فاستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت واشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة . ومهما انس. فلن انسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢ . في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي ابلغ هذا الإثم الى ثروت في الإسكندرية بالتلفون . فلما وقع في سمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين … فسمعت منه آهة فيها كل شيء : فيها الحزن العميق . وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني : هل قبض على الآثمين ؟ قلت .لا . قال يكفي . وانصرف اني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلي لينقطع اسىً وان نفسي لتتفرق لوعة وان شطراً غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وان كثيرا من هذا الخير الذي أتمثله لمتصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت *** سمعت صوت ثروت لأول سرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد اقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قراراً لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة الى الصحف . وكان صوته حازما وكان صوته عذبا ، فأحببته وملت إليه . ولكني لم اتصل به. ومضت الأعوام وانا لا اعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة ، وكنت قد عدت من اوربا ، وكنت أتأهب لاستئناف السفر ، وكنت قد كتبت مقالا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ محمد المهدي وشكاني الى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة . واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا الى الجامعة فرآني الأستاذ احمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمني الى معالي ثروت باشا وزير الحقانية .فاخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب اليًَ فيها الرفق حين اكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد . ففهمت اني لم افصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفاً زادني بالرجل حبا ، وعرفت يعد ذلك بساعات قصار اني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة الى اوربا ومضت أيام البعثة كلها لم الق فيها ثروت ولم اسمع من أمره بشيء ثم عدت الى مصر فلقيته وخرجت من عنده اشد الناس حبا له وإعجابا به وشكرا لحسن لقائه وكان هو الذي قدمني الى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة . وما كان اشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني الى الجهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجد واختلف رحمه ﷲ الى درسي أياما يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى اذا كان آخر الدرس اقبل الي فصافحني في ظرف ودعة وعرفني بنفسه ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه اللّٰه اعطف أهل الجامعة علي وارفقهم بي وأشدهم إلحاحا علي في ألا اخلط ين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفاً لي عما أنا فيه من الدرس والجد وكانت لثروت – رحمه الله قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان اذا جادلك لم يليث أن يتسلط عليك ولاسيما حين يجادلك في امر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحاً مخلصاً تحس منه في غير شك انه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه . كنت اعرف منه هذا فكنت احبه وكنت أخشاه وكنت اذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه . اذكر اني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة لخلاف كان بيني وينه رحمه اللّٰه في مادة من مواد لائحة الجامعة . واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن استرد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى اليّ وهمس في أذني : لا اطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما اطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت فانا : اخشى أن نتكلم قال: فانا آبى أن تستقيل. قلت : إن كان الأمر على هذا النحو فانا مذعن لما تريد. قال . أنا لا احب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن . افتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث ؟ ثروت « والشعر الجاهلي» رحم اللّٰه ثروت …كانت الخصومة ينه وبيني في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل . وكان – رحمه اللّٰه – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة ( ولم يكن فيها ) بشيء من الحق ، وان يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة .وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر « الجاهلي » وارجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم . واقبل علي بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت انه كان يأسف اشد الأسف لأنه لم يكن يقدر اني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة زرته بعد ذلك ، فلقيني ضاحكاً ثم وضع يده على كتفي وقال : إن حرية الرأي اكرم من إن يعبث بها العابثون مهما يكونون ، وثق بان أول اثر لما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا . ولكني اطلب إليك أن تثبت للعاصفة والا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف . فانت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات ولولا نصيحة روت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر رحم اللّٰه ثروت . لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدا وما لن استطيع أن أتحدث عنه الآن . ولكني اذكر يوم ظهر تقرير النيابة في امر هذا الكتاب فاستقلت . وطلب هو الى وزر المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت . فطلب الى مدير الجامعة أن يطلب الي أن ازوره . فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسما وما هي إلا دقائق حتى اقنعني بان استقالتي خطأ . ولكنه كان اظرف واكرم من أن يطلب الي استردادها فأمر بالإعراض عنها . طلبت إليه ذلك اليوم أن ادع الجامعة وأن انتقل الى عمل آخر اذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة . فقال : قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك علىَّ أن أجيبك إليه ، ولكن للجامعة علي حقا آخر . كيف تتريد أن تقاوم رجلا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة ؟ ثم مضت اشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في اثرها أن ا نقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت . وكلفت أن ازور رئيس الوزراء ،وكنت مصراً، وكنت اعلم اني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت إن أجيب دعوته . وانكر عليَّ الناس جميعا هذا الإباء ولكني طلبت الى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء اني لن أراه ما دام إليه الأمر ، فاذا ترك الحكم فسيراني . فسكت وسكت . وانتهى كل شيء واستقالت وزارته . وذهبت إليه أزوره . وكنت اقدر اني سأجد منه عتبا ولوما . ولكني لم اجد منه إلا ظرفاً وعطفاً ، ولم الق منه إلا هذه البشاشة التي اعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعا وخصومه جميعا والذين لا يحفظون له ودا ولا يضمرون عليه حقداً . لقيته ذلك اليوم واطلت المجلس عنده ، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة . وانصرفت من عنده وانا اقدر اني سأراه بعد قليل … ولكني لم اره منذ ذلك اليوم ولن أراه *** لم أتحدث إليك مما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء المكن في اكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة ، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لان الرجل كان وفيا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطوراً على المودة والوفاء فيها وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف علي ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟ ماذا كنت أكون من ثروت رجلا كغيري من الناس ؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من اخلص فلنفسه . وقد احسّ ثروت مني إخلاصا في حبه ، وما أرى إلا انه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف علي ورفق بي واخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى حملني على أن احبه فأحببته ولم اقف ولن اقف في حبه عند حد وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكّرته اني حين عدت من اوربا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي . ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب الى الحب . واذكر انه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه اللّٰه فقال : لو عرفتهم لأحببتهم حبا لا يقل عن إعجابك بهم ٠ وقد عرفتهم فأحببتهم . ولكني عرفت ثروت معرفة لم اعرفها أحدا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبا لا حد له كما قلت : رحم اللّٰه ثروت… كيف استطيع أن أنساه أو أن اقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يوما ما وانا لا أكاد اذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من اوربا إلا ذكرت ثروت واثره فيها . لقد كنت اركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء . ولقد كنت اجد منه في هذا كله عطفا لا يشبهه عطف . وودا لا يشبهه ود . ولقد كان يزيد من اثر هذا الود والعطف في نفسي ماكنت اشعر به من ا نه كان عطفا خالصاً وودا لا تشوبه شائبة . ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث ، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفاً . ولكني اعتقد أن ثروت كان اعظم هؤلاء الزعماء جيعا حظاً من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته واكثر ما تظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة نعم . إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع الى التصفيق والصياح . ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية . واقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خير في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه لما تردد ، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه رحم اللّٰه ثروت . لقد انقطعت يننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين ، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان الى انه قد مات وما أرى إنا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينالها ضعف أو خمود وان الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة ، وان ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء رحم اللّٰه ثروت . لثن كان رهين قبر في الصحراء فان شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدا هليوبوليس طه حسين المقتطف – ١ ديسمبر ١٩٢٨
عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.
Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.
فقيد كان جريئًا لا يعرف الخوف، صبورًا يستعذب الألم، وكان مفطورًا على حب التضحية واحتمال الأذى. لا يعرف الناس عنه أنه أذعن لجور، أو أشفق من بطش، أو تردد في أداء واجب. وكان وفيًّا لأصدقائه، لا يفهم الحياة بغير الوفاء، ولا يقدر الرجولة بغير وفاء، ولا يضن بالنفس في سبيل الوفاء. وكانت كل هذه الخصال سجية فيه، لا يتكلفها، ولا يأخذ نفسه بها أخذًا، وإنما تصدر عن نفس آثارها طبيعية حرة كما يصدر الضوء عن الشمس.
فكان لهذا كله مثلًا من أصدق الأمثال وأرقاها لحياة الرجل الكامل في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واشتدت فيه المحن، وابتليت فيه أخلاق الناس، وظهرت فيه الحاجة إلى الرجال الذين يستحقون هذا الاسم.
لم يكد يعمل في الحياة العامة حتى ظهرت فيه هذه الخصال كأوضح ما يمكن أن تظهر الخصال فعرفها الناس له وأحبوها فيه ولقبوه «النائب الجريء»، وكأنه قد عرف لشعور الناس هذا حقه، وأنزل ثقة الناس فيه منزلتها فوضع شجاعته وجرأته، ووضع احتماله وصبره وحبه للتضحية وحرصه على الوفاء موضع الامتحان.
توالى عليه الابتلاء، وتعاقبت عليه الخطوب، وازدحمت عليه الأحداث، وأخذته الأهوال من كل مكان، وخرج منها منيعًا كما دخل فيها جريئًا صبورًا صادق العزم، حسن البلاء، وفيًّا للأصدقاء.
لم يرعه النفي وآلامه، ولم يخفه البطش وأهواله، ولم يفتنه الإغراء ولم تخدعه الحياة بما فيها من ألوان الغرور، ولم يتردد في أن يستقبل الموت من دون صديقه ورئيسه، ولم يتردد في أن يصبر لألوان البأس التي عجز كثير من الناس عن أن يصبر لها في هذه الأعوام الأخيرة.
وكان فيما حدثني عنه المحدثون الصادقون يألم أشد الألم في أيامه الأخيرة، لا لأن المرض يؤذيه ويضنيه، بل لأن المرض يحول بينه وبين مشاركة أصدقائه وزملائه في احتمال أثقال الحياة والجهاد. وكان يشكو من ذلك قليلًا ويألم لذلك كثيرًا. وها هو ذا الآن قد قضى ولما يبلغ مع أصدقائه أقصى الطريق، ولما ينته مع أصدقائه إلى غايات الجهاد، ولما ير مع أصدقائه حرية مصر وقد ردت إلى مصر، واستقلال مصر وقد خلص لمصر.
فهو أحد هؤلاء الذين يختارون لاحتمال أثقال المحن وآلامها واقتحام خطوبها وأهوالها، فيلقون من ذلك أشد ما يلقاه الناس ثم يصرعون ولما يحققوا الأمل ويسقطون في الميدان ولما يبلغوا الأمد. هؤلاء الأصفياء أحق الناس بالحب وأجدرهم بالبر، وأولاهم بالإكبار، لأنهم جاهدوا ولم يروا من الجهاد إلا آلامه، ولم يذوقوا من ثمرات الصبر شيئًا، ثم قضوا وفي نفوسهم حسرات لا لأنهم لم يجنوا ثمرة الكد والجد، بل لأن الموت يحول بينهم وبين المضي في الكد والجد.
والشعوب تعرف لهؤلاء الناس حقهم وتفي لهم بما هم أهل له من الحب والإكبار والإعظام، كأنها تشعر شعورًا قويًا بما كان لهم من حق في أن يذوقوا لذة الفوز، ويجنوا ثمرة النصر، وبأن القضاء قد شط عليهم حين حال بينهم وبين ذلك، فهي تريد أن تقدم إليهم من حبها وإكبارها ومن إعظامها وإجلالها ما يعوضهم من ذلك بعض الشيء، أو قل إن الشعوب تشعر بما كان لهؤلاء العظماء من حق، وبقسوة القضاء عليهم حين حال بينهم وبين هذا الحق، وبأن هؤلاء العظماء الذين جاهدوا وصبروا، لا يبتغون جزاء ولا شكرًا، ولم يظفروا بجزاء ولا شكر، هم المثل العليا حقًا، والقدوة الصالحة حقًا، هم الذين ينبغي أن يتأثرهم الجادون، ويقتدي بهم العاملون، هم الذين يجب أن تتخذهم الأمم مرآة صافية لخير ما فيها من الخصال التي تعينها على الحياة وتمكنها من الرقي والعظمة وارتفاع الشأن. فهي لذلك تحبهم وتؤثرهم، وهي لذلك تجلهم وتكبرهم، وهي لذلك تواري أجسامهم في التراب، ولكنها تحفظ صورهم في القلوب وتجري ذكرهم على الألسنة وتحفظ لهم عهدًا لا كالعهود، وتضمن لهم أنها قد تنسى كل شيء، وقد تنسى كل إنسان ولكن النسيان لن يجد إليهم سبيلًا.
لقد قضى فقيد اليوم ففارق أصدقاء أعزاء، ولحق بأصدقاء أعزاء، فنفسه محزونة لفراق أصدقائه في هذه الدار، كما أن نفوس أصدقائه محزونة لفراقه، نفسه سعيدة للقاء أصدقائه في تلك الدار كما أن نفوس أصدقائه سعيدة بلقائه. والشعب المصري كله يشاركه ويشارك أصدقاءه أولئك وهؤلاء في كل ما يجدون من غبطة وفي كل ما يشعرون به من رضا بقضاء الله وإذعان لحكم الله، وأمل في عدل الله وفي حسن جزائه للصادقين المخلصين.
في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء من قادة مصر وزعمائها الذين شقوا لها طريق المجد في هذا العصر الحديث، والذين شقوا لتسعد، وماتوا لتحيا، وألقوا في قلوب أبنائها أن الفرد لا قيمة له بغير الجماعة، وأن سعادة الأشخاص لغو إذا لم تكن مقترنة بسعادة الأمم وأن الوطنية الصادقة لا تعرف ضعفًا ولا مللًا، ولا هوادة ولا مساومة، وإنما هي قوة كلها ومضاء كلها، واستقامة كلها، وجد كلها وتضحية كلها.
في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين أكرهوا العالم الحديث على أن يؤمن لمصر بأنها بلد حي خليق بأرقى ما تطمع إليه الشعوب من الحياة.
نعم وعزاء لهؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين يحتملون الآن آلام الحياة مضاعفة، ويصبرون الآن وحدهم على فقد الأصدقاء ومشقة الجهاد في سبيل هذا البلد الحزين.
عزاء لهؤلاء الأصفياء الذين شاركوا إخوانهم الراحلين فيما احتملوا من ألم وما لقوا من ضر، وكانوا يجدون في مودتهم وحبهم، وفي إخلاصهم ووفائهم عونًا على الشدة وعزاء عن المكروه فأصبحوا الآن لا يجدون هذا العون إلا في الذكرى ولا يجدون هذا العزاء إلا في الصور الكريمة التي تملأ قلوبهم ونفوسهم من ثقة بالله وإيمان بالوطن. نعم وعزاء لمصر عمن فقدت من الزعماء والقادة بمن بقي من الزعماء والقادة، فإن زعماء مصر وقادتها سواء منهم من مضى ومن أقام لا يمثلون أشخاصًا وأفرادًا تعدو عليهم الأحداث وتعبث بهم الخطوب وإنما يمثلون فكرة هي أرقى وأصفى وأبقى من أن تعدو عليها الأحداث أو تعبث بها الخطوب. وهي فكرة العزة المصرية، والحرية المصرية والكرامة المصرية. ومادامت هذه الفكرة قد وجدت في مصر ونمت وسيطرت على قلوب المصريين جميعًا، واستأثرت بنفوس المصريين جميعًا بفضل هؤلاء الزعماء الصادقين، من مضى ومن أقام، فلن تذعن مصر لبأس، ولن يجد اليأس إليها سبيلًا.
إن في رئيس الوفد وأصدقائه الأصفياء الأوفياء لعزاء أحسن العزاء لمن فقدت مصر من قادتها وزعمائها. وإن في حب مصر الصادق، ووفاء مصر الدائم وولاء مصر المتصل لعزاء لرئيس الوفد وأصدقائه عن هذه المحن التي تتصل عليهم فلا تزيدهم إلا ثقة وإيمانًا ويقينًا. وإن في هذا كله لعزاء لأسرة الفقيد العظيم ونفس الراحل الكريم.
فليمنح الله مصر أجمل الصبر وليوفق الله مصر إلى حسن الاقتداء بفقيدها العظيم وأصدقائه الذين سبقوه إلى دار الخلود.
عظيم كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار. وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث. وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا. أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية. وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا. ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا. وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ. ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا. وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم. إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام. فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام. وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان. ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال.
مصطفى عبد الرازق كما عرفته كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرًا لثلاثة من رفاقه في الأزهر، بينهم أخي. وكانوا جميعًا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي. وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة. وقد لقيت منه شابًا حارّ الصوت، صادق اللهجة، عذب الحديث، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة، معتدل النشاط، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادئ المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن. وكان جمّ الأدب، موفور التواضع، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل، يفرض عليه طبعه ذلك، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم، كأنه كان يلقي في نفوسهم وسمًا، وعلى ألسنتهم، فضلًا من وقاره وهدوء نفسه. فهم يتحدثون مثله في أناة، ويضحكون مثله في قصد، ويروون معه أحاديث الجد، وربما عبثوا شيئًا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر.
ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني. كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء، وكنت في أول عهدي بالدرس، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة. وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين. فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب.
وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء، وحسن التحصيل، والبراعة في مجادلة الشيوخ. وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم، ويمتازون فيه، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام، فكلاهما كان يرى حب العلم نادرًا في مصر، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب. وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المشتغلين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم.
وكان لا يعرف محبًا لطلب العلم مخلصًا في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقرّبه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضًا. ومهما أنس فلن أنسى تلك الجماعة التي ألفها. من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر، ونظم لها اجتماعًا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع. وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضًا بخان الخليلي، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قرونًا طوالًا.
وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث. وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح.
وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي وسمته حياته كلها، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله. فقد عرفته محبًا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤثرهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق، وعرفته كذلك وفيًا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلمّ الأحداث وتدلهم الخطوب.
كان وفيًا للشافعي، رحمه الله، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه، ويرى الوفاء له دينًا عليه. ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتًا غير قصير. وأثّر هذا الوفاء للشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيرًا شديدًا، وفتح له أبوابًا من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين. فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأيًا خصْبًا لم يستغله تلاميذه بعد، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين. فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة واستنباط الأحكام من النصوص، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعي من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها، بل جادلوا في أصول الدين أيضًا، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثمان ومن تابعوا عليًا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور، فجادلوا في العدل والتوحيد، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود. ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد.
وكذلك جرّه الوفاء للشافعي، رحمه الله، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته.
وكان وفيًا للذين عرفهم وحسنت الصلة بينه وبينهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالبًا للعلم الحديث، بعد أن أخذ بحظه من العلم القديم في مصر.
عرف أستاذًا فرنسيًا شابًا في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر. والله يعلم ماذا فعل بعد عودته. وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث، وظل وفيًا لهذا الأستاذ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، ومضى شيء من الوقت، وخلا منصب فنيّ من المناصب في مصر، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا المنصب، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جَدّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب. وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدِّه في السعي له، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولًا، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية.
وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيرًا أم شرًّا، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجبة وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه. كان سعد زغلول منفيًا عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصّة، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعدًا أشد الخصام، وكان مفتشًا قضائيًا بوزارة العدل، وأقبل عيد من الأعياد، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك.
وانقضت أيام العيد، وذهب مصطفى إلى عمله، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير. فلما لقيه قال له الوزير: ألم تعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد؟ قال مصطفى: قد كان ذلك. قال الوزير: أولم تعلم أن سعدًا يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة. قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن. قال مصطفى: أنت وما تريد. وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان. ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا، رحمه الله، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفيّ الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء.
والبر بطلاب العلم خاصّة، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامّة، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق. فلم أعرف قط قلبًا أبر بفقير، ولا نفسًا أرق لذي حاجة، ولا يدًا أسرع إلى العطاء، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده.
كان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكنت لها عميدًا في بعض الأوقات. وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك. فكان يسعى إليَّ في بعضهم، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلًا إلى الاجتهاد، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بهم القواعد. وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له: توشك ألا تجد شيئًا من مرتبك آخر الشهر؛ فضحك ضحكة حلوة، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد، كما كان يقول، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط، والتي ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون: وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب؟ أتريد أن نتركهم يُصَدّون عن العلم ونحن نرى؟
ولم أره غضب قط، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيما لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب، وألحّ في تدخله، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه.
كان وفيًا وكان أبيًا وكان برًّا وكان سمح الطبع والنفس والقلب. لم أره قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت. وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم، وفي فنه إذا كتب. واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب: ما كتبه منها أيام شبابه الأول، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة، وما كتبه منها حين كانت الأيام شدادًا ثقالًا.
لم يكن شيء قادرًا على أن يغير من خصاله تلك شيئًا. كان سمحًا في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف. كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه، والحديث العذب ألزم شيء له. وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب، وهي خصلة العناية الدقيقة جدًّا بالتفكير أولًا وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه. كان لا يكره شيئًا كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضًا.
كان شديد الإيثار للأناة. وكان ذلك ربما عرّضه لدعابات الصديق والزملاء. فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى، فكان يأتي دائمًا متأخرًا جدًّا، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره. فكانوا ينتظرون وينتظرون، وربما اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل.
وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافرًا أو فجًّا لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه. وأنت لا تجد فيما يكتب لفظًا نابيًا عن موضعه، أو كلمة قلقة في مكانها، وإنما كان كلامه يجري هادئًا مطمئنًا كما يجري ماء الجدول النقي، حتى حين يداعب صفحته النسيم. وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر: يستأني بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضا والإعجاب. كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعًا، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو. فلست أعرف أن أحدًا سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه. كان راضيَ النفس، يبعث الرضا في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له.
وإني لأذكر حديثًا له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن»، وكان المؤتمرون كثيرين، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة، وكان رئيس الجلسة مضطرًا إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه. وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم. فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادئ العذب الرقيق أصغت إليه الآذان، ثم صغت إليه القلوب، ثم اتصلت به النفوس. وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسمًا كأنه يسأله: أيمضي في حديثه! فيشير الرئيس إليه: أن نعم، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق. لم يحس أحد أنه قد أطال، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له.
واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافًا شديدًا، فستراه على ذلك مؤتلفًا أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين. ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حدًّا أقف عنده.
فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظًا، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم، كما كنت ألقاه أثناء الحياة.
فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولًا، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك.
المصري الغريب في مصر هو مختار. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن. كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالًا بها وقربًا منها وتمثيلًا لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم أقل من هذا العدد اليسير، ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أُعلن إليهم أن الحجاب قد أُلقي بينهم وبين هذا الصديق وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقي بينه وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالبًا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضا بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. وإنما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى. وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يُقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقًا في آخر حياته، وكان غريباً حقًا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لمامًا، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعًا، واستقبل المرض شجاعًا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد أنطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوروبيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان أسبق المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد رد إلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدًا أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمشِ في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يُلقِ أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيًا أو إنجليزيًا أو إيطاليًا وأدَّى لبلده مثل ما أدَّى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير. ولا ننسَ أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارًا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضُحِّيَ بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا أكذب المصريين إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء. لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه – ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يُلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلًا، ولعله لا يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن. طه حسين الرسالة ٢\٤\١٩٣٤
أحاديث الأسبوع كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً. وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث. لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه. وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور. على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام: فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق. وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة. والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح. ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح. ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح. وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء. أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين. لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً! فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ . ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟ طه حسين الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤
Madame du Deffand (Marie de Vichy-Chamrond, 1697–1780), the celebrated blind French salonnière and her passionate late-life correspondence with Horace Walpole. In the opinion of Sainte-Beuve the prose of her letters ranks with that of Voltaire as the best of that classical epoch, without excepting any even of the great writers.
مدام دو ديفاند (ماري دي فيشي-شامْرون، ١٦٩٦ – ١٧٨٠) : كانت صاحبة صالون أدبي فرنسي بارز في القرن الثامن عشر، عُرفت بذكائها وحوارها اللاذع رغم فقدانها للبصر في منتصف حياتها.كان صالونها في باريس مركزاً للنخب الفكرية والأدبية، حيث استقبل شخصيات مثل فولتير وديديرو. ويزخر تراثها النثري بتقدير نقدى رفيع، فقد كتب عنها الناقد الفرنسي الشهير شالز أوجوستان سانت بوف واصفاً إياها بقوله: “إنهّا تُعدّ مع فولتير، في فن النثر، الكلاسيكية الأنقس والأصفى في تلك الحقبة، دون استثناء أيّ من الكتاب الكبار”. وقد تميزت مراسلاتها بدقتها الأدبية وعمقها الفلسفي، مما جعلها واحدة من أبرز الشخصيات الثقافية في عصر الأنوار.
الأمل اليائس ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة ١٦٩٧، وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٨٠، وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين ما جعلها أبرع الناس أدباً، وأشد الناس شكاً، وأوسع الناس أملاً، وأقتم الناس يأساً، وأظهر الناس فرحاً، وأعمق الناس حزناً. ولكني نسيت أن أسميها، وقد كان يجب أن أبدأ بتسميتها هذا الحديث؛ فهي ماري دي فيشي شمبرند، التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان. كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القاتمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر، وأدركها اليتم طفلة فأُرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يُرسل إليها بنات الأغنياء. وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة، محتفظة بمكانة رفيعة بين أشراف الأقاليم. وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي، وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات. فلم يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق الأسرة وأقلق رئيسة الدير. ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيراً جداً؛ فلم تكن أسر الأشراف لتقلق من شيء يسير، ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا بالشيء الذي لا يطاق. ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد الخلقي من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى الناس عنه إلا في مشقة وعنف. وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمة يلهو فيها من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في الجيش، ومن لم تتح لهن ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج. وكان بنات الأشراف خاصة يتخذن من هذه الأديرة دوراً للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين، ولم يكنّ ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يُلقى إليهن فيها. فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها ورئيسة الدير بما أظهرت في سيرتها وأحاديثها من خروج على التقاليد، فيجب أن تكون قد أتت أمراً عظيماً. وهي قد أتت أمراً عظيماً حقاً، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها هذا خطراً مخيفاً؛ لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكاراً. وقد استعانت الأسرة ورئيسة الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره وهو ماسيلون، فدُعي هذا الحبر للقاء هذه الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائساً وهو يقول: إنها لظريفة! فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم قال: ضعي في يدها كتاباً من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئاً. وذكرت الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد اضطرب أمام عقله، وقالت: إنني لم أذعن لحجته وإنما أذعنت لجلاله؛ ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه. فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها قليلاً، زُوّجت من رجل شريف عظيم الخطر من حكام الأقاليم، ولكنها لم تكد تقضي معه أشهراً حتى أنكرته وضاقت به وكرهت عشرته كرهاً شديداً. وكانت تقول عنه إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسوءك ويصرفك عنه. على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس، ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث اندفاعاً لفت إليها الناس، وجعلها موضوع الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية. وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أُقيم على الملك الصبي لويس الخامس عشر. وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد لهما أيضاً، وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ. وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه وأصبحت له خليلة، ولكن حبه لها لم يتجاوز خمسة عشر يوماً، على أنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من الجنيهات الفرنسية تُصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة. وأسرفت صاحبتنا في اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، فافترقا دهراً ثم كان بينهما صلح لم يطل وعادا إلى الفرقة، ثم كان بينهما صلح آخر قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء وألا يعيشا معاً، ولكن هذا الصلح نفسه لم يتصل أيضاً، ففُرّق بينهما وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم، وأقبلت هي على لهوها في باريس لا تدع فناً من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم. على أنها لم تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها، فآوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهراً، ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس. واتصلت بقصر من قصور الأشراف كان يؤوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأدباء والفلاسفة وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأدبية، واستُكشفت براعتها في الحديث، وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من الرجال، وإنما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم. ومن ذلك الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم وشأنها يرتفع، لا من حيث أنها امرأة جميلة خلابة تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتُعري أفراس الصبا ورواحله – كما يقول زهير – بل من حيث أنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع بحديثها وعشرتها وبراعتها ذوو العقول. وقد آثرتها صاحبة القصر إيثاراً عظيماً حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها فولتير، وكُلّف بها منتسكيو، وأطاف بها أعلام الأدب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها. وما هي إلا أن تتخذ لنفسها داراً في باريس وتدعو إليها أصدقاءها هؤلاء من الأدباء والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع، ثم تضيق هذه الدار بمن يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم، فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثماً، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة وجهداً، والتي كانت تؤوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا. أقامت صاحبتنا في هذه الدار ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع؛ يتناولون عندها العشاء ويسمرون إلى قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب. ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأدباء والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأدب والعلم، وكانت تكره الفلسفة خاصة وتضيق بها ضيقاً شديداً، وكانت تُعنى بأشخاص زائريها أكثر مما تُعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك، وكان إسرافها في الشك يصرفها عمّا كان يُكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة الغالية التي كانت تعمل في الهدم أكثر مما كانت تعمل في البناء. وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدّت بتنظيم حياتها وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ذلك اتخذت لها خليلاً عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شيء على احتمال الحياة. فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل قلّما عرف تاريخ الآداب رجلاً ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء: إن شر من ابتُلينا به من الشقاء إنما هو الحياة. وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأدبي على احتمال الحياة، ولعلها لم تلهُ ولم تعبث ولم تجدّ إلا لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها؛ فقد كانت تكره العزلة وتخافها خوفاً شديداً، فكانت تسهر الليل ولا تنام إلا قليلاً في النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية أو مستقبلة. ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه؛ فهذا حجاب رقيق يُلقى شيئاً فشيئاً بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلاً قليلاً، وهي تحس ذلك وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة والمشعوذين فلا تجد عند أحد منهم شيئاً. والحجاب يتكاثف ويتكاثف حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء، وإذا هي عمياء. أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال؟ ليس من شك في أنها قد حزنت لذلك حزناً عميقاً، ولكنه حزن أُضيف إلى حزن؛ حفظته في أعماق نفسها ولم تظهر منه للناس شيئاً، إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأدب والسياسة تنبئهم بهذه الكارثة، فمنهم من رق لها كفولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى في إكبارها والاختلاف إليها لم يغير من سيرته شيئاً كما لم تغير هي من سيرتها شيئاً. فظلت مائدتها تُقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى الأوبرا والملاعب وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل. واتخذت لها رفيقة فتاة من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعياً، وكانت هذه الفتاة مدموازيل لسبيناس؛ ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة. وكانت المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر. ثم لاحظت صاحبة الدار أن زوارها أو فريقاً منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وإنما أتموا سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة مألوفة، إنما كانت حدثاً من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأدباء والفلاسفة انقساماً عظيماً؛ تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى رأسهم دالامبير من أنصار الفتاة، وكانت الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة. ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها نادياً أو صالوناً أدبياً واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين. وصاحبتنا الآن في الثامنة والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثماني عشرة سنة، وعظمت مكانتها في أوروبا حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس إلا رأى حقاً عليه لنفسه ولمكانته أن يلقاها ويتحدث إليها. وفي أكتوبر من هذه السنة ١٧٦٥ زار باريس رجل من عظماء الإنجليز هو هوراس ولبول؛ كان أبوه روبرت وزيراً وكان هو عضواً في البرلمان، فلما مات أبوه ترك السياسة وانصرف إلى الأدب والفن، وكان في الخمسين من عمره. ولم ير هذا الرجل بداً من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشى ناديها كما كان يغشى أندية الأدب والسياسة كلها في باريس. فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل. على أن وقتاً قصيراً لم يمضِ على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعاً غريباً؛ رد إليها الشباب بل رد إليها الصبا فأحبته. وأنا أعني بهذه الكلمة معناها، أحبته وقد أشرفت على السبعين ولم يرفض هو هذا الحب، ومن المحقق أنه لم يلقَ هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام، وأظهر بها إعجاباً لا حد له. واتصلت أسباب المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندن اتصلت بينهما الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى يتيمته – كما كانت تسمي نفسها – فقد كانت تسمي نفسها يتيمة وتسميه هو وصياً، وكان هو يسميها ابنته الصغيرة، وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين المحبين. وكانت نتيجة هذا الحب أربعة مجلدات نُشرت بعد موتها وفيها ثمانمائة من الرسائل التي اتصلت بينهما، وهي آيات من آيات الأدب الفرنسي لا أكثر ولا أقل؛ فيها تصوير لهذه العواطف النادرة الشاذة التي لم يألفها الناس، والتي تملأ قلوبهم مع ذلك رحمة وبراً وإشفاقاً وعطفاً. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن العشرين! على أن صاحبها كان إنجليزياً، ومعنى ذلك أنه كان يخاف السخرية والمزاح، وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت، فكان صاحبنا مروعاً دائماً يخشى أن تُفضّ رسائل صاحبته وأن يُعرف ما فيها من هذا الحب الغريب فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية. فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحياناً ولكنه لا يلبث أن يعود إلى خير ما كان. وانقطعت رسائله عنها مرة فكتبت إليه: “يظهر أنك لا تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك؛ فإني خليقة إن فعلت أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندن وآمره أن يلزمك وأن يرسل إليّ بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعاً وفي كل مكان أنني يتيمتك، وأنك وصيي، وأنني أحبك، وأن يهيئ لي عندك مكاناً فألحق به، وأعلن إلى الناس جميعاً ما بيننا، لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إليّ”. ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد ثم تثور فترسل نفسها على سجيتها وتطلق حبها صريحاً حراً. وكذلك عاشت هذه المرأة خمس عشرة سنة، استرد قلبها فيها شبابه كله، وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما ومن بعدهما أن ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقاً بالحياة وافتقاداً لهذا النور الذي يحببها إلى النفس وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس. فلما بلغت السبعين أو كادت تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما كان يقول المعاصرون؛ فإن العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم. وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتاً. وفي سنة ١٧٨٠ ماتت هذه المرأة، وكتبت قبل موتها بقليل جداً إلى صاحبها كتاباً تنبئه فيه بقرب آخرتها، وتنبئه بأنها لا تأسف لفراق الحياة؛ لأنها لا ترى في الحياة خيراً بعد أن كتب إليها ألا يلقاها، وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، وتنبئه بأنه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب. فلما أتمت إملاء كتابها همّ سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته فلم يستطع؛ لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء. هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي أسرفت في سوء الظن بالناس، أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش، فقالت له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضا والغبطة: “أكنت تحبني إذن؟” هذه صورة من صور هذه المرأة، وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالاً بالنفوس وتأثيراً بالقلوب، ولكن لهذه المرأة صوراً أخرى عظيمة الخطر جداً في حياة الأدب الفرنسي؛ فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصياغة التي كانت تعلن فيها. كانت تؤثر فولتير، وكانت تضيق بروسو. فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جاك: “إن لروسو حظاً من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظ من الحرارة ولكنها حرارة الحمى”. واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت إليهم وتلقت منهم الكتب، وقد صورتهم وصوروها؛ فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثرها في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة الفرنسية الكبرى. وبعد، فلعل أحسن ما كُتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث الاثنين؛ تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فإن أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نُشر عنها في (مجلة العالمين) أول أغسطس، فإن أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث، فقدّر هذا الوصف الذي كان يصفها به فولتير وفكّر فيه؛ فإنه يعطيك منها صورة قوية تملأ نفسك رحمة وإعجاباً، فقد كان فولتير يسميها: “الضريرة المبصرة”. الرسالة ١\٩\١٩٣٣
توسل . . . أما المتسولون فهم الجامعيون ، وأما الذى تبتغى إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد ! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة ! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملا ، أم هو مجلس الجامعة مختصرا . ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقا من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد ، ليرفع عنهم ثقلا يجدون ألمه في نفوسهم ، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه ، وهم في أكبر الظن مضطرون إلي احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير . زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات ، ومن مجلس الجامعة أيضا ، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات ، إلا أن ينهضوا بتعليم ماده لا أستاذ لها ، فهم حينئذ يقومون مقام الأساتذة ذوى الكراسي ، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية ، حتى إذا عين لمادة من هذه المواد أستاذ ، أخذ مكانه في المجلس ، واخرج الأستاذ المساعد منه مشكورا أو غير مشكورا قالوا وأريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات ، فإذا كثرة المجلس مصرية ، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين ، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوى الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم ، وزهدوا في تجديد عقودهم ، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة ، أحدهم مصري ، والآخران أجنبيان ، قالوا : ففكرت الجامعة وقدرت ، وأرادت أن تفسر القانون تفسيرا معقولا فيه شيء من السعة ، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها ، وإذا فهم يستطيعون أن يأخذوا ، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية ، وأن كان مجلس الجامعة محرما عليهم . ولكن هذا التفسير الذى وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية ، ضاق باثنين ، وبأثنين ليس غير ، فرد هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد ، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون ، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية ، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما ، ففكر الإخوان أيضا وقدروا ، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني ، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم ، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلى بالتكافؤ في الحقوق والواجبات . قالوا ، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة ، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأى مجلس الكلية ، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجا على التقاليد ، ولا شذوذا على النظام ، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين ، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون. وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذى أدخل على نظام الجامعة ، كان بعيدا كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة ، وعن أن يلائم كرامتها ، وعن أن يلائم الكرامة الطى تجب المصريين أنفسهم في بلادهم ، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية ، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأستاذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات ، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة ، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات وكان الذى دفعهم إلى ذلك أمرين : أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم ، واعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذى لا يقيم فيها إلا قليلا ثم يعود إلى جامعته الطى جاء منها ، فلابد إذا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية ، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات ، ومجلس الجامعة ، ليشرفوا بعض الشى على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة ، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذه عنه ، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم ، كانوا موفقين كل التوفيق ، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون ، لما استطاعت الجامعة أن تخطوا خطوة واحدة إلى الأمام . وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر ، ولا علم لهم بشؤونها ، ولاحظ لهم من لغة أهلها ، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة ، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة ، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعا ، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية ، فضج مدير الجامعة ، وضج وزير المعارف ، واضطربت الأمور اضطرابا شديدا وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة ، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود ، وصرف بعض العمداء إلى آخر مالا حاجة إلى إعادة ذكره الآن . والأمر الثاني الذى فكر فيه الشارعون للنظام القديم ، هو أن الجامعة مصرية ، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال ، وأن طبيعة الاستقلال تقتضى أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم ، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكا قويا في تدبير أمور الجامعة على اختلافها ، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيرا ، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقا في هذه الأعوام الأخيرة الماضية ، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية ، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي ، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات ، فكيف خطر لسادة اليوم ، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر . نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جدا ، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها ، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور على باشا إبراهيم ، جد في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته ، ولكنه لم يوفق ، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلا ، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون يمثل هذا التعديل ، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم ، هو الذى أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين ، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى ، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب الطى أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات ، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث ، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية ، والعزة المصرية ، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهى ديمقراطية تنكره كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة ، وهى لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم ، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثرا في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات . يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة ، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذى يكف اليد المصرية قليلا أو كثيرا عن شئون الجامعة ، والذى يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة ، وسلطان الأجانب من جهة أخرى ، والذى يلقى على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئا من الذلة ، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن. حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء ، والذى انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلي أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أخرجا منه . وهما من خير أعضائه ، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية ، فتتوسل . إلى الوزير في أن يبقى أعضائها المصريين ، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك ، أن تعديل القانون من هذه الناحية ، كان إسرافا في الخطأ ، وستضطر الجامعة إلي أن تلح في أن يرد القانون إلي ما كان عليه ، ولكن من الذى يضمن أن تتصل التجربة ، حتى يظهر فساد هذا التعديل ، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ . وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟ . ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه . طه حسين كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣ .
طغيان . . . إذا طغى وزير المعارف على الجامعة جاز لفريق من النواب أن يطغوا على التعليم الأولي ، وإذا أذل وزير المعارف رجال الجامعة جاز لفريق من النواب أن يذلوا رجال هذا التعليم، فالله قد فاوت بين الناس وفضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، للوزير التعليم العالي وأهله ، وللشيوخ التعليم الثانوي وأهله ، وللنواب ما دون ذلك ، وإن شئت فاعكس هذا النظام واقلب هذا الترتيب واجعل أعلى التعليم أسفله ، ودعه للنواب واجعل اسفل التعليم أعلاه ودعه للوزير فقد اختلط في هذه الأيام كل شيء واضطرب في هذه الأيام كل شيء، وكاد يمحى الفرق بين العلم والجهل، وكاد يزول التفاوت بين درجات التعليم وفروعه ، واصبح الذين لا يحسنون التعليم ولا يذوقونه يقضون في التعليم ويقولون في أمره ما يفهم وما لا يفهم، ولم لا؟ . واي دليل على الرقى خير من أن تضطرب الأشياء وتختلط الأمور ويتقدم المتأخر ويتأخر المتقدم ، ويقول الجاهلون في العلم ويسكت العلماء على الجهل ، ويسمى الضعف قوة ، وتعد القوة ضعفا وتصبح العزة ذلة ، والذلة عزة ، ويرضى الناس بهذا كله ، ويستزيد الناس من هذا كله ، ويستقر النظام على هذا كله ، ويذاع في أرجاء الأرض ، وأقطار الدنيا أن مصر قد بلغت من الرقى ما لم يبلغه بلد ، وظفرت من الحرية بما لم يظفر به إقليم . والواقع الذى لا شك فيه أن التعليم على اختلاف فروعه وتفاوت درجاته يلقى في مصر الآن محنة لعلها شر من سائر المحن التي تلقاها المرافق الأخرى في البلاد ، فالناس يقرأون في كل يوم ما تخضع له الجامعة ورجالها من صنوف التغيير والتبديل والوان التحويل والتعديل ومن عبث بكرامة المصريين ونزول عند إرادة الأجنبي ، وانتهاك لحرمات القانون الذى لم يمض على صدوره أسابيع والناس يقرؤون كل يوم أن التعليم الثانوي قد اخضع هو أيضا لمحنة التغيير والتبديل . وفتنة التحويل والتعديل فبرامجه تدرس لتنقص أطرافها من ناحية ولتمد من ناحية أخرى! والله وحده يعلم ماذا تكون العاقبة لهذا الدرس الذى يعكف عليه الآن وزير التقاليد وجماعة من أعوانه . أما التعليم الأولي فأمره غريب، ظاهره خلاب فتان وباطنه يدعو الي الحزن والاسى ويثير الرحمة والإشفاق . يقال أن التعليم الإلزامي سيفرض في هذا البلد تنفيذا لإرادة الأمة التي ظهرت منذ أعوان وأعوام ، وتنفيذا لنصر الدستور القديم ونص الدستور الجديد ، وتنفيذا لما أجمعت عليه الأحزاب على أخلافها وتمت عليه كلمة المثقفين ، وغير المثقفين جميعا ، وهذا في ظاهره خير لا بأس به ، ولكن أمره كأمر غير من المرافق لا يريد أن يجرى على حدود المصلحة الخالصة ، والمنفعة العامة التي لا ينبغي إن تشوبها شائبة أو يعبث بها غرض سيأسى حزبي، فالذين يقرؤون ما ألقى من الخطب في مجلس النواب لا يملكون أنفسهم من أن يقطعون بأن في الأمر شيئا يريد أن يخفي ولكنه ظاهر جلى . ما هذه الحرب المنكرة التي أثارها بعض النواب على رجال التعليم الأولي في غير أناة ، ولا تفكير، وفي غير قصد ولا ميل الى الاعتدال ، وفي غير حب للصدق ورغبة في لإنصاف ، ما هذه الحرب التي أثارها بعض النواب على هؤلاء المعلمين وسكت عنها وزير المعارف، فلم يخفف من حدتها ، ولم يهون من شدتها ، ولم يحاول أن يرد الذين أثاروها الى شيء من القصد والصواب . ماذا قدم رجال هذا التعليم الأولي من السيئات الى هؤلاء النواب ليشبوا عليهم هذه الحرب ، والى وزير المعارف ليدعهم طعاما لهذه النار ، أليس غريبا أن يكون أول واجبات الوزراء أن يجمعوا موظفيهم ، ويذودا عنهم ، ويشتدوا في ذلك ما وسعتهم القوة على الدفاع والذود ، فما بال وزير المعارف لا يحمى هؤلاء الموظفين ولا يرد عنهم هؤلاء النواب الذين ينالونهم بالشر، ويقولون فيهم غير الحق ، ويخوضون في أمرهم بأشياء إن صحت لم يقع إثمها على هؤلاء الناس وحدهم ، بل وقع على الوزارة التي تبقيهم في أعمالهم، وتكل إليهم أمر الأطفال يثقفونهم ويكونون نفوسهم الناشئة . يصف بعض النواب هؤلاء المعلمين بانهم معربدون وبأنهم عاطلون وبانهم متشردون وبانهم غير نافعين وبانهم يصطنعون الزى الحديث ليعكفوا علي اللهو ويتهالكوا على أنواع الفساد فإحدى اثنتين إما أن يكون هذا النائب قد قال الحق ، وإذا فما سكوت الوازرة عن هؤلاء الناس وما تكليفهم تعليم الأطفال وتكوين عقولهم وتنشى نفوسهم ، أتريد الوزارة إن ينشأ أطفال هذا الجيل الحاضر كله على العربدة والفساد وعلى حب اللهو والتهالك على الإثم؟ وإما إن يكون هذا النائب قد قال غير الحق وهو الذى نؤمن به ونطمئن إليه، فليس هؤلاء الناس بدعا من المصريين وإنما هم كغيرهم من مواطنيهم فيهم الشذوذ وأكثرهم مستقيمون وإذا فما سكون الوزارة علي تجريحهم والتشهير بهم الى هذا الحد الذى يزرى بكرامة الوزارة وبكرامة مصر كلها . وهب الأجانب قرأوا خطبة هذا النائب وعرفوا صمت الوزير عنها وقبوله لها ، فهم مضطرون الى أن يصدقوا هذا النائب ، وهم مضطرون الى أن يؤمنوا بأن مصر تكل أبناءها إلى جيش من المفسدين العاطلين المتشردين، افيرضى وزير المعارف أن تشيع عن مصر هذه السبة ، وان توصم مصر بهذه الوصمة ، وأن يعتقد الأجانب أن مصر تهيئ للغد جيشا ، قوامه الفساد والبطالة ، والأعراض عن كل خير والتهالك على كل إثم . نعلم أن للوزارة وأنصارها أغراضا سياسية يريدون أن يحققوها من وراء هذا التعليم الأولي ، ولكنا نعلم أيضا انهم كانوا يستطيعون تحقيق هذه الأغراض دون أن يعتدوا على كرامات الناس ، ودون أن ينالوهم بالأذى ودون أن يصفوهم بهذه الصفات المنكرة ، ودون أن يسيئوا الى سمعة مصر ، ويذيعوا عنها السوء ، هم يريدون أن يبسطوا سلطان الأزهر وأن يبقوا أبناء الأزهر في أقطار مصر ويكلوا إليهم امر هذا التعليم الأولي دون غيرهم من الناس، فليجدوا في ذلك إن استطاعوا ولكن في هدوء واعتدال وفي غير اعتداء على كرامات الناس وانتهاك لحرماتهم ، فإذا سالت فيم يؤثر وزير التقاليد وأصحابه من النواب أبناء الأزهر علي غيرهم من المصريين للنهوض بالتعليم الأولي؟ فالجواب يسير، وهو انهم يعتقدون انهم سيجدون من الأزهريين دعاة لسياسة خاصة يحبونها ويحرصون عليها ، ولكنهم يخطئون في هذه كما يخطئون في غيرها من الأشياء ، فشباب الأزهر مصريون كغيرهم من المصريين يحبون بلادهم ويحبون لها الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة ولن يكونوا كشيوخ الأزهر أعوانا لكل سياسة واتباعا لكل حزب فقد افلت الشباب المصري كله من هذا الضعف وخلص الشباب المصري كله من هذا النقص . ظريف جدا حرص النواب على أن يكون رجال التعليم الأولي من الأزهريين الذين بلغوا سنا معينة واتخذوا زيا خاصا ، وظريف جدا حرص هؤلاء النواب على أن تفرض العمامة على المعلم الأولي وعلى أن يقصى عن هذا التعليم من اتخذ الطربوش . وإذا كان نوابنا حراصا إلى هذا الحد على أزيائنا القومية القديمة فما لهم لا يفرضونها على أنفسهم ، وما لهم لا يأخذون بها الوزراء ، وما لهم لا يأخذون بها الموظفين جميعا ، إذا كان الطربوش إثما فيجب أن يزول عن كل الرؤوس واذا لم يكن إثما فيجب أن يباح لكل الرؤوس فمن المحقق أن الرؤوس المصرية لم تتفاوت الي هذا الحد الذى يفرض على بعضها العمامة وعلى بعضها الطربوش ، ومن المحقق أن سيكون من اظرف الأشياء واطرفها أن يجتمع نوابنا وشيوخنا ووزراؤنا وقد كللت رءوسهم هذه التيجان البيض التي تختصر مجد القدماء ، فليتقدم بعض النواب بمشروع قانون يحظر النيابة عن الشعب والقيام بالأعمال العامة علي غير المعممين . أما آراء النواب في أجور المعلمين الأوليين فقيمة لا عوج فيها ولا غبار عليها فأجوادهم وأصحاب الكرم بينهم يمنحون المعلم جنيهين إما المعتدلون المقتصدون فلا يتجاوزون به جنيها ونصف جنيه ، واذاً فيسنفق الشاب المصري ما ينفق من الجهد ليبلغ منصبي المعلم الأولي ، فاذا انتهى إليه انفق فيه ما ينفق من جهد وبذل فيه ما يبذل من قوة واحتمل فيه ما يحتمل من عناء ليتقاضى آخر الشهر جنيهين ، أو جنيها ونصف جنيه . فأما الخادم فلم يهيئ نفسه ليكون خادما ولكنه يستطيع أن يظفر بهذا الأجر، ولن يتحمل من الجهد بعض ما يتحمله المعلم الأولي ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر ولن يسال عن مستقبل الشعب ، ولا عن تكوين أبنائه ولا عن تقوية الوحدة القومية فيهم ، ولا عن إعدادهم للحياة ، ولا عن إصلاح أخلاقهم وتقويمها ، ولكنه يستطيع أن يظفر بأكثر جدا من هذا الأجر، هذا التصور وحده للتعليم الأولي خليق أن يبين لك قيمة هذه العناية التي يبذلها النواب بهذا التعليم ، فهم لا يقدرونه حق قدره وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون به لنفسه أو لأغراضه الصحيحة . وإنما يريدون أن يقال انهم اقروا التعليم الأولي من جهة ويريدون أن يهيئوا دعاة لسياسة معينة من جهة أخرى، ولو انهم قدروا التعليم الأولي حق قدره لعلموا أن الطفل الكريم لا ينشئه إلا المعلم الكريم ، وأن المعلم الجائع المحروم خليق أن تهون عليه نفسه وعزته ، وأن يلتمس ما يقيم أوده ويعصمه من الحرمان حيث وجده مهما تكن السبيل إليه ، ولوان النواب أرادوا حقا أن يعنوا بالتعليم الأولي لكلفوا أنفسهم بعض المشقة في العلم بأحوال في غير مصر من البلاد الراقية، اذا لا عرفوا أن هذه البلاد لا تزدرى رجال التعليم الأولي وإنما تراهم قوام الحياة القومية ودعامه من اقوى دعائمها ، وهى لذلك تحوطهم وترعاهم وتكفل لهم حياة صالحة بريئة من كل ما يسوء ، إن المعلم الأولي في بلد كفرنسا يؤجر اجرأ لا يبلغه أوساط الموظفين عندنا ، وهو يسكن على حساب القرية أو المدينة أو الدولة ، وهو يشترك في الأعمال العامة ، كأحسن ما يشترك فيها غيره من مواطنيه . فإذا لم يكن للمعلم الأولي في مصر أن يطمع في مثل ما وصل إليه زميله الفرنسي لان عهده بالتعليم الأولي حديث فلا أقل من أن ترعاه الدولة وتنظر إليه كما تنظر الى الرجل الذى يستحق أن ترعى في حرمته وتحفظ كرامته وتيسر له أسباب الحياة . ولكن كيف يظفر المعلم الأولي بهذه الكرامة ، ورجال التعليم العالي يلقون ما يلقون ويحتملون ما يحتملون . يجب أن يتعزى رجال التعليم الأولي، ورجال التعليم عامة فهم كغيرهم من المصريين يمتحنون وقد يطول الامتحان ، وقد يشق ، وقد يكون ثقيلا على النفس وقد يكون مؤذيا للكرامة ولكنه على كل حال لا بد من أن يزول . طه حسين جريدة كوكب الشرق ، ٢ يونيه ١٩٣٣ .
جهد !!… جهد ضائع هذا الذى تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء ، وفى اللجان الوزارية ، ثم في هيئات الفقهاء ، فمجلس الوزراء ، فالمجالس النيابية ، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به ، بل ليس مرغوبا فيه ، فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا ، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلي غاية ، فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع ، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء ، وكيف يتورطون فيه والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده ، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى ، خطيرة قبيحة ألا تر في حياة الناس ، شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة . فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها ، وتهزأ بمرافقها ، وتشرع القوانين ، ثم لا ترعى لها حرمة ، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم . نحب أن نعلم فيم غير قانون الجامعة ، وفيم تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد ، وفيما اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون أنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه!؟ . لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم ، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة ، ومحوا لحقها في الحرية ، وقضاء على شخصيتها العلمية . . وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير ، ونشتد في اللوم ، وكنا نلوم البرلمان علي إقرار هذا التغيير وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم فقد ظهر الآن أنا كنا مخطئين أشد الخطأ ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضى حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة . فلابد من تغييره هو أيضا ، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة ، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي ، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير ، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه ، ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطئون ، فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلي اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم ، وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة قصة اختيار العميد لكلية العلوم !! . كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوى الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات ، وكان راي مجالس الكليات لا يقيد الوزير ، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا ، ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية ، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس ، لم يشذ منهم احد في ذلك. فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة خيل إليه في أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوى الكراسي ، علي أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار، وانفذ القانون في الكليات الطب والحقوق والآداب ، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين . فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون ، ولما يمض على صدوره شهر . . . اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته فكانت نتيجة الانتخاب السرى أن أقصى العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها ، ولكنهم لم يقدروا انه سيضعف عن احتمالها ، وسيتجاوز حدود القانون الذى وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان ، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة ، ويرعى حرمتها ، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن يحفظ للجامعات ، ولكن عمل الوزير اثبت أن الجامعيين كانوا واهمين اشد الوهم مخطئين كل الخطأ، فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا ، ولكن ثقا هذه النتيجة ناء به ، وناء بالجامعة معه أيضا ، زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن قنع هؤلاء المرشحين المصريين بان ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب وينفذ العميد السابق بين المرشحين ، وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون ، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين ، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه . قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال ، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم ، وجادلهم ، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا ، هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا ، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال ، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد ، وذكر النقل والتشريد ولست ادرى كيف انتهى الحوار ولكن الشى الذى لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول الغى وأعيد مكانه انتخاب جديد نفذ فيه العميد الإنجليزي السابق ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني ترفع الى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمورا هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدا منذ أمس . في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذى وضعه الوزير نفسه ودافع عنه وليس لهذا التجاوز مصدرا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز، وفى هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا . أليس رئيسها هو الذى رد على مكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ امر الوزير، فطلب الى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي ، والح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة ، فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها وهى بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحصوا لها على الاستقلال!! وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعوراً قويا رهيبا يضطرها الى أن تطلب الى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز …. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها ، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها ، من مدير الجامعة بالنيابة ، ومن وزير المعارف ، فقد قبلوا أن يخالف القانون ، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب ، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد إنجليزي. ثم يتهم المصريون بعد ذلك بانهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون انفسهم بالخير من دونهم، وفيها عبرة أخرى وهى أن المصريين لن يفوزوا بشيء ، ولن يصلوا الى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم علي هذا النحو وما داموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون . طه حسين كوكب الشرق، ١ يونية ١٩٣٣ .
الثعبان كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة ، فصيح اللسان . لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد ، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح ، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا ، وعقلا لا يرى حوله إلا شراً ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذى يشمل كل إنسان ، وكل شى ، والذى يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئاً ، ولكنه قوى ملح كأنه ضوء الشمس ، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب ، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصباً وقوة ونشاطا . وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره ، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شى من العنف لم يكن المصريون يعرفونه فى ذلك الوقت ، وإذا هو لا يستقر فى مكانه مهما يكن هذا المكان فى دار أو ناد أو قهوة أو ديوان ، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت فى مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب ، وإنما يذهب ويجى ويأتى من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر فى وجهه ، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام ، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف ، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التى تتتابع سراعا فى مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية ، وإذا أصحابه يأخذهم شى من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب ، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف . وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور فى ذلك الوقت تجرى فى مصر كما أخذت تجرى منذ كان فى مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان ، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضى إلا لتقف فقد كان فى مصر احتلال أجنبى يتغلغل سلطانه الظاهر والخفى فى جميع المرافق العامة والخاصة ، وكان فى مصر سلطان وطنى شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى ، ويحاول أحيانا أن يرضى أولئك وهؤلاء ، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء . وكان هذا كله يفسد الجو المصرى ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفى نفسهم إشفاق من الأخرى ، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا فى الأندية والقهوات والدواوين واندسوا فى المجالس الخاصة . فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبى أو إلى السلطان الوطنى . وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك . فكان المفكرون وذوو الرأى يعيشون فى قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك . فليس غريبا أن يثير صاحبنا فى نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك ، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شى . وكان صاحبنا حديث عهد بأوربا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التى لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية فى ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسى كما كانت تغل حياة المصريين فى ذلك الوقت أيضا ، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه فى أن يأتى ويدع من الأمر ما يشاء وفى أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذى غيره بقول أو عمل . وقد شارك فى هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون فى أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه فى الحياة المصرية من قريب أو بعيد ، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن فى أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية فى القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقى وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان . فعاد إلى مصر وللغيظ فى قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدى من ثورته أو فورته ، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شى والضيق بكل شى. والحرص على تغيير كل شى. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين . ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها ، وكانت تتكرر أحياناً أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها . وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها ، ورأى فى هذا الإعجاب وفى هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقاً شديدا . وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفى حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التى ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا . ولم يكد يستقر فى أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما . فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى . لم ير تغيرا فى الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال فى الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد . حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبى ولا باحتياط السلطان الوطنى ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التى ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذى كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تحفل بشى من هذا ، وإنما تمضى أمامها لا تلوى على شى ولا يردها شى ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا . ورأى المصريين يقولون فى كل شى لا يتحفظون ولا يتحرجون . ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبى، وهم لا يرضون عن النظام السياسى الوطنى، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها فى رفق مرة وفى عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح . ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقى بعضهم بعضا إلا فى الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقى فى الحياة المادية والعقلية . رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه . ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضى كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جاداً فى الإصلاح طامحا إلى الرقى مطالبا بالاستقلال . ولكن إقامته فى أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شى من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقى الشر أن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقاً جديدا . كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقى والطموح ، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم فى توثبهم إلى الرقى والطموح . ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصرى الجارف إلى التطور العنيف وهو فى الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية ، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون فى مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حيناً آخر. وقد زاده حرصاً على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب فى أوربا وشقى بما لقى فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفى نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة فى أن يعوض الوقت الذى أضاعه فى أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائراً فائراً مطالبا بالإصلاح . وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين ، فريق يعتدل ، وفريق يتطرف . فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء . وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها ، وأثنى عليها ولم يشارك فيها ، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل فى ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذى لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين . وكذلك كنت تراه فى مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه فى مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه فى كل حفل يقيمه المعتدلون وفى كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء . ولكنه كان ماهراً أشد المهارة فى الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء . هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر . وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور فى نصابها واطمأنت القلوب فى الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث . وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين فى المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة فى التجديد بنوع خاص . ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعى حين تمتحن مصر فى آمالها وأمانيها وفى حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويحدد المحافظ إن كان صادقا فى اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف. ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله ، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله ، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث . وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم ، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم ، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين ، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأى فى السياسة والنظم الاجتماعية . وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها . ثم أصبحت المحافظة فى بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا فى النعى على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة ، ولكنه فى الوقت نفسه لم يقصر فى ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه فى المحافظة ، وفى أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب . شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم ، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك فى سياستها ، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأى جميعاً . قلت لصاحبى أتستطيع أن تحدثنى بما تريد إليه من هذه القصة التى لا تنتهى . قال صاحبى لا أريد إلا إلى شى ء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى فى أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبى ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر فى مصر الثعابين . طه حسين البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.
أجد أم مزاح يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواما طوالا . ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذى رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين . ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذى أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت فى غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام . يقال هذا ويقال أكثر من هذا . فهل يأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه ، وفى أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين . وإنما هذه الحرية التى أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التى يقول فيها قوله المعروف : صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً ، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقى فى أعناقنا وفى أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقى من القيود والجوامع والأغلال. وتفسير ذلك يسير جدا فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية فى حدود معينة وشروط مبينة فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا فى الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئا . ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء ، وما قيل حوله من الكلام ، وما كتب حوله من الفصول، كلاما آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون فى باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أى منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأى . وفى هذا الكلام أن نظاما للحرية قد أقيم فى مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان ، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق ، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التى يثق بها الناس، ولا للأوبرا ، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحرارا كل شى على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء . كذلك قال الكاتب الفرنسى سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئا يشبه ذلك سنة ١٩٤٥ . ولست أرى بين الكاتب الفرنسى وبيننا فرقا عظيما فكل هذه الموضوعات التى أشار إليها الكاتب الفرنسى يمكن تأويلها نحوا من التأويل ، وتمكينها نحوا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التى لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكرى العام وأعوانه من الرقباء . وكل ما فى الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون فى دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكرى أن يستقروا ، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره ، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام ، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء . ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التى أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ ، وفرح النواب ، وصفق الصحفيون ، وابتهج الشعب فيما يقال . فليأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أفرح ، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئا، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضى بها غيرى فلست أرضاها لأنى لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذى يخدع بالأوهام ويعلل بالأمانى والآمال . إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام ، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغى هذه القيود التى تقيد الحرية إلغاء صحيحاً ، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه . فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إنى قد أجزت لك الحرية وقتا ما ، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم فى إحسانك حين تحسن وفى إساءتك حين تسىء . فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشىء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطى من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء ، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتى من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد ، ولسان الشعب الذى يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان . فهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه البرلمان! كلا ، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغى أن ينتهى! إن مثل هذه الحرية التى يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التى تحب الحياة السمحة فى الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد فى فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت فى الشكوى ، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها ، فلم يرسلها حرة تهيم فى الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجى تظن أنها حرة . ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضى إلى غير مدى ، وإنما هى مضطرة إلى أن تقف حين ينتهى الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجى . هذا هو المثل الدقيق للحرية التى أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم فى أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية فى الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغى أن تعدوها وآماد لا ينبغى أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام فى مكتب الحاكم العسكرى ولا فى مكاتب الرقباء وإنما تقام فى مكتب النائب العام وفى دور القضاء . وهل يريد رئيس الوزراء مثلا آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا فى دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى استقروا فى مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شى بهذه الدمى التى يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى ، والتى يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار ، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حينا آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه. أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذى يلائم شعبا كريما يريد أن يحيا حياة كريمة فى ظل دستور حر كريم . وفيم هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه . ونحن متفقون على أن الغلو فى حمايتها احتياط لابد منه ، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذى يمنع الحكومة من أن تتقدم فى شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان فى هذا العام هادى مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع . فلو قدمت إليه القوانين لما تردد فى أن يجتمع ولما تردد فى أن يعمل . وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية ، أخشى أن يلقى فى روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام . ولست أشك فى أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضا أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغى هذه القيود إلغاء صحيحا يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفا على رضى البرلمان . فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإنى أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الأجراء الذى يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدا لا فكاهة وحقيقة لا وهما ، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلى العسكرى . فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها فى مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح . طه حسين البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.
وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . . الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم ، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً. نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير . ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقى أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحى أبولون ، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجنى ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين. ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقى والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن ، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب ، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبى منه من الضرائب . ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذى يعيشون فيه ، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل ، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف ، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه ، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروى صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمأوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون ، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادى محمد على ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء ، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم. أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم ، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال ، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهى الأداة. إن صدقي بشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج ، كلا يا سيدى إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفي ، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سيأسى أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل. ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم ، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان . وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكنى أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية . فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه ، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله . وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية. انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم ، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذى يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذى يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب . وما ترضى به وزير الأشغال الذى يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمى الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء . ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ . فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ . إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدى إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية . فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنياءنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بأسا أو ترفق بمحروم . ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام . أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا . كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذى لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضأ يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغنى يشكو إلى بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكنى فكرت فيما بيني وبين نفسى أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وانى في هذا الوقت الذى كان يتحدث إلى فيه هذا الغنى لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغنى بائساً لأنه قد نصف إيراده مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأنى لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال. طه حسين المصري، ١ أبريل١٩٤٤.
In February 1912, when this article “Ṭarīqat al-Iṣlāḥ” (The Method of Reform) appeared in al-Muqtabas, Taha Hussein was not yet 23. At that time, he was studying at the Egyptian University (founded 1908) and already distinguishing himself as one of its most brilliant students. He would leave for France later that same year, in 1912, to pursue higher studies at Montpellier and later at the Sorbonne.
في فبرايرعام ١٩١٢، عندما ظهرت هذه المقالة بعنوان “طريقة الإصلاح” في جريدة “المقتبس”، لم يكن طه حسين قد أتمّ بعد عامه الثالث والعشرين. في ذلك الوقت، كان طه حسين يدرس في الجامعة المصرية (التي تأسست عام ١٩٠٨)، وكان قد بدأ بالفعل أن يتميز كأحد أبرزطلابها. وقد سافر إلى فرنسا في وقت لاحق من العام نفسه (١٩١٢) لمتابعة دراساته العليا في مونبلييه.
طريقة الإصلاح لا اعرف في إصلاح اللغة إلا طرقا ثلاث قديمة غير جديدة أي أني لست مبتدعاً لها بل قد سبقني لها المصلحون. الأولى نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقرأها الناس فيحصلوا على نتيجتين لازمتين إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف على مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول – الثانية شعور القراء بفخامة ذلكم المجد الضائع والشرف المفقود شعوراً يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألف الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطر يق شأواً بعيداً فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أثر في الوجود وقد قر أت للحكومة في السنة الماضية قرارا في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا وكن مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة أو أني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر – الثانية تأليف جماعة من أولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليها تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات على إحدى الطرق التي أرت إليها آنفاً وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب وتعمل على استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى وتشرف على أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائه والتلمس لدوائها وقد وجدت منذ سنين لسيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال. الثالثة تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول على الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العر بية قلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي ولست أرى لأكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانها الصغير الذي خطبكم فيد منذ أيام فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشى الخلاق والعقول فقد حق له عليّ الثناء الجيل وقد حق علينا جميعاً أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلاً نستطيع أن نضن للغة استرداد مجدها القديم. طه حسين المقتبس ، ١ فبراير ١٩١٢