Tag: national dignity

  • خاتمة العهد البائد | The End of the Fallen Era

    حديث الوادي
    خاتمة
    قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أملي هذا الفصل فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.
    وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجل استقالته يوماً أو يومين أو أياماً ليرى نتيجة الوساطة التي يقال إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضاراً مؤلماً ممضاً لعهد مؤلم ممض. وسنشهد نهاية كلها حزن وأسى، لعهد كان كله حزناً وأسى.
    عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه الذي لا حد له إلا رضى الإنجليز أو غضب الإنجليز.
    عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليّ وفي الحروب نعامة» فكان رجاله أسوداً يحسنون الزئير ويحسنون الافتراس ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.
    عهد أقل ما يوصف به أنه لم يشرف مصر في لحظة من لحظاته وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يشرف رجاله المسؤولين في لحظة من لحظاته، ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء، والاستكانة للأقوياء تشرف رجلاً أو ترفع من شأنه أو تنزله بين كرام الناس.
    عهد بدا بالإثم وهو يختم بالإثم، بدا بالوثوب إلى الحكم في غير رضى من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقاً وإرهاقاً، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافاً، وعلى منافع الأبرياء عبثاً ولعباً، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعاً كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث تفتك بالأخلاق فتكاً، وأفسدت الضمائر إفساداً،
    وقطعت الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخس ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقاً عليه، وبأن لوطنه حقاً على نفسه، هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيء إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي ترد الإنسان إلى أخس مراتب الحيوان.
    على هذا النحو بدا هذا العهد وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء وأزهقت نفوس واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يحتمل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يلقى في هذا العصر الذي يقال إنه عصر الحرية والأمن وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.
    نعم على هذا النحو المنكر بدا هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين، شقاء ثقيلاً مظلماً مطبقاً، أكثر من أربعة أعوام، وها هي هذه الملايين من المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يؤسس على التقوى، ولم يقم على حب الشعب، ولم يشيد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شراً وسوءاً، وأن تستبشر بانهيار بناء أسس على الظلم والجور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة، لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدا بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شراً ونكراً، بدا بالاعتداء على حقوق الشعب والاستهانة بسلطان الشعب والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.
    يقول الإنجليز لرئيس الوزراء أخرج زميلين من زملائك، وحل بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر تردداً لا يخدع أحداً ويتكلف مقاومة لا تخدع أحداً، حتى إذا جد الجد، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك لعل جلالته أن يقبلها وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه. أتعرف مأساة شر من هذه المأساة؟ أتعرف بلداً يقول إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي الدستوري وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلداً يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي، في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان فيرد إليه ما حرمه من الرضى، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سم هذا بما شئت من الأسماء، وصف هذا بما أحببت من الصفات، وقل في هذا ما استطعت أن تقول ولكنك مكره مع الأسف الشديد والألم الممض والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة ونزول عن الاستقلال.
    ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدماً، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.
    أفتراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة حتى على شكل الاستقلال.
    سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري لعل هذا الرجل ينكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي، وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمراً مقضياً لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته وفوق إرادة الشعب.
    خروجه من الحكم أمر مقضي، فليهنأ المصريون فلسنا نعرف أن أحداً منهم يسره أن يتصل الفساد ويستمر الاضطراب ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه إن على رأس الوزارة المصرية رجلاً لا يتردد في أن يخرج زميليه من الحكم لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطراراً.
    نعم لقد بدا هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية. والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءاً كله، سوءاً حين يبتدئ وسوءاً حين يتصل، وسوءاً حين ينتهي. ولكن الله عز وجل يريد أن يمحص المصريين بهذه المحنة وأن يظهرهم رجالاً كراماً كما تعودوا أن يكونوا رجالاً كراماً. وأن يقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظاماً مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب ومهما تحرجت الظروف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١١/١.

    حديث الوادي
    في الموقف . . .
    هل رفع رئيس الوزراء استقالة الوزارة إلى جلالة الملك أمس؟ يقول قليل من الناس نعم ويقول أكثر الناس لا. ويرى الأولون أن رئيس الوزراء لا مخرج له من الحرج الذي اضطر إليه إلا أن يستقيل، وأنه قد يكون رجلاً طيباً مسرفاً في الطيبة، ولكنه على ذلك، وبرغم ذلك أذكى من أن يجهل الحرج الذي دفع نفسه إليه، وأن الاستقالة هي التي تخرجه منه، وأن الاستقالة خير من الإقامة على كل حال، ويرى الآخرون أن رئيس الوزراء ليس رجلاً طيباً فحسب، وإنما هو رجل طيب، واسع الأمل، وإن لم يكن واسع الحيلة فهو قد يعجز عن أن يخرج نفسه من المآزق وإن قدر على أن يزج بنفسه في المآزق، ولكنه لا يعجز عن الانتظار وعن حسن الظن بالأيام وعن الاعتماد على ما ستتكشف عنه الحوادث، فقد يجعل الله له بعد عسر يسراً، وقد يجعل الله له من الحرج فرجاً، ومن الضيق مخرجاً، وقد يلهم الله رئيس الديوان الملكي خطة سديدة موفقة تمكنه من إقناع الإنجليز، بأن رئيس الوزراء رجل طيب، وبأن الرجال الطيبين قليلون، وبأن الخير في أن يقبل منه ما يعرض، وفي أن يُعفى له عما قدم، وفي أن يرضى الإنجليز منه إخراج الوزيرين، ويقبلوه على علاته، ويعملوا معه، ويتصلوا به فمن يدري لعل رئيس الوزراء الذي يخلفه إن استقال، أن يكون أشد منه مكراً، وأعظم منه حظاً من البراعة، وأكثر منه إمعاناً في الطيبة، وتعرضاً للتورط في الأغلاط.
    وإذن فقد تعبث هذه الآمال كلها بنفس الرجل الطيب، ولا سيما إذ أضيف إليها، أن زيور باشا رجل ضخم الجسم ولكنه رشيق العقل، رشيق الحديث، قادر على الإقناع بهزله الذي يشبه الجد وجده الذي يشبه الهزل، والإنجليز يحبون هذه الرشاقة، ويتأثرون بهذه اللباقة، ويعجبون بهذا التناقض الذي يكون بين الظاهر والباطن، وهم يحبون زيور باشا وقد ينجحون سعيه، ويقبلون رأيه ويرضون أن يظل عبد الفتاح يحيى باشا في الحكم أسبوعاً أو أسابيع وكذلك يرى بعض الناس أن الرجل الطيب قد تعلل بالآمال فلم يرفع استقالته أمس، وانتظر أن يدركه القضاء، بما أضمره القضاء.
    ولسنا ندري أي الفريقين أخطأ وأي الفريقين أصاب ولكن الذي نلاحظه على كل حال هو أن الذين يعنون بهذه الأزمة العنيفة ويجدون في حلها أو في تعقيدها لا يفكرون أو لا يكادون يفكرون إلا في الخصمين، الذين يقع بينهما الصراع: في الإنجليز وما يريدون من ناحية وفي الوزارة وما تقدر عليه من ناحية أخرى. ومع ذلك فالإنجليز والوزارة لا يختصمون في غير موضوع للخصومة، ولا يصطرعون في الهواء رغبة في إنفاق الوقت، وطلباً للتسلية والتلهية وإنما خصومتهم وصراعهم يقومان سواء أرادوا أو لم يريدوا على شيء واقع محسوس ملموس يحسه الناس جميعاً، ويعرفه الناس جميعاً، وهو حياة هذا الشعب المصري كيف تدبر، وعلى أي نحو يكون تصريف أمورها. فالإنجليز لم يشتروا مصر لأنفسهم، والوزراء والإبراشي باشا لم يرثوا مصر وأهلها عن آبائهم.
    وإذن فقد يكون من المعقول وقد يكون من الممكن المرغوب فيه، أن يفكر المختصمون في موضوع الخصومة وأن يسألوا أنفسهم عن هذا الشعب المصري الذي يختصمون في مصالحه ومرافقه، وفي حقه في الحرية ونصيبه منها، ما رأيه في الخصومة، وماذا يريد. وكيف يتصور أن تحل الأزمة وما عسى أن يكون الحل الذي يرضيه؟
    نظن أن هذا طبيعي وأنه معقول ولكن المختصمين إلى الآن لم يظهروا عناية بهذا الشعب، ولا التفاتاً إليه، ولا سؤالاً عما يريد. استشار رئيس الوزراء دار المندوب السامي ولم يفكر في استشارة المصريين، وأشارت عليه دار المندوب السامي ولم تفكر في أن تحيله إلى المصريين، ثم غضب رئيس الوزراء من مشورة الإنجليز، وأبى قبولها، ولم يفكر في أن يلتمس مشورة المصريين، ثم غضب الإنجليز لإعراض رئيس الوزراء عن مشورتهم بعد أن طلبها ولم يفكروا في المصريين ولا فيما يمكن أن يراه المصريون.
    ثم نفى رئيس الوزراء أن يكون قد استشار الإنجليز، ثم أكد الإنجليز أنه استشارهم، ثم عاد رئيس الوزراء فأجاز الأمر، ولم يقطع بأنه وقع أو بأنه لم يقع، ثم اشتدت الأزمة وضيق الخناق، والمختصمون ماضون في خصومتهم، لا يسألون عن المصريين، ولا يحفلون بهم، كأن الأمر لم يعنهم من قريب أو من بعيد.
    وقل مثل هذا في أمر هذين الوزيرين. طلب المصريون إخراجهما، فلم يسمع لهم أحد. لم يسمع لهم الوزراء ولم يسمع لهم الإنجليز، ثم طلب الإنجليز إخراجهما، فتمنع رئيس الوزراء، ثم أذن وأقر الاستسلام
    وقل مثل هذا في زكي الإبراشي باشا، طلب المصريون كفه عن شؤون الحكم، فلم يحفل بهم الوزراء، ولم يحفل بهم الإنجليز. ثم طلب الإنجليز كفه عن شؤون الحكم، فاضطربت الوزارة وزلزلت بها الأرض، كما زلزلت بالإبراشي باشا نفسه حتى اضطر إلى الانكفاء.
    وقد يكون هذا كله عجيباً. في القرن العشرين. وفي بلد لم يبق جزءاً من أفريقيا، وإنما أصبح جزءاً من أوروبا، ولم يبق خاضعاً لسلطان الاستبداد. وإنما هو خاضع للديمقراطية والدستور. قد يكون هذا عجيباً ولكنه الأمر الواقع الذي لا يستطيع أحد أن يشك فيه، أو يتخذه موضوعاً للنزاع، فالشعب المصري، آخر شيء يفكر فيه المختصمون في هذه الأيام. وقد يكون أعجب من هذا أن الإنجليز قد يسألون أنفسهم أحياناً ماذا عسى أن يكون رأي المصريين فيما تفعل وفيما تقول؟ يكتبون ذلك في صحفهم ويكتبونه عن وحي يصدر إليهم من ساستهم هنا وهناك. ولكن الوزراء المصريين لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال ولم يخطر لهم أن يسألوها وإنما جهلوا مصر جهلاً تاماً، وأنكروها إنكاراً شاملاً، وتصرفوا في الأزمة كأنها لا تضر إلا أشخاصهم وشخص صديقهم الإبراشي باشا، إلا مناصبهم ومنصب صديقهم هذا. وكأن هذه المناصب ملك لهم، لا ملك للشعب، وحق لهم لا حق للشعب، ويخيل إلينا أن المختصمين إذا جهلوا مصر وأنكروها، فإن مصر لا تجهل نفسها، ولا تستطيع أن تنكر حقها، وأن تنسى أنها موجودة تحس وتشعر وتفكر وتريد وأن أمر هذه الخصومة يجب أن يكون إليها على كل حال. وإذا كان الإنجليز والوزراء لا يريدون أن يتحدثوا إليها بشيء، ولا أن يسألوها عن شيء فقد يكون عندها هي شيء تريد أن تقوله لهم، وأن تلقيه إليهم، وأن تلح عليهم في أن يسمعوا له، وفي أن يتدبروه.
    فأما ما تقوله للوزراء فالوزراء يعرفونه حق المعرفة، ولكنهم يعرضون عنه، لأن الحكم فيما يظهر أحب إليهم من الإصغاء إليه، وآثر عندهم من رضائه، هم يعرفون أنهم أصبحوا بعد أن عضتهم هذه الأزمة وبعد أن أظهرت من ضعفهم وعجزهم وقصورهم وتقصيرهم ما أظهرت، لا يصلحون للبقاء في الحكم، سواء أكان هذا الحكم ديمقراطياً أم استبدادياً، فالحكم الديمقراطي يقوم على الثقة، والمصريون لا يثقون بالوزراء. والحكم الاستبدادي يقوم على الهيبة والخوف ولم يبق بين المصريين منذ ثارت الأزمة من يهاب الوزراء أو يحسب لهم حساباً. وإذن فما بقاؤهم في الحكم وما تعللهم بالآمال؟ ليرض الإنجليز عنهم ولن يفعلوا، أو ليسخط الإنجليز وقد فعلوا، فإن شيئاً من ذلك لن يمنحهم ثقة المصريين ولن يرد إليهم ما فقدوا من الهيبة. وإذن فدورهم أولى بهم من الدواوين، وخير لهم أن يعودوا إلى دورهم اليوم، من أن يعودوا إليها غداً أو بعد غد فإن بقاءهم في الحكم لا يزيدهم إلا ضعفاً وعجزاً وتضاؤلاً في قلوب الناس.
    هذا ما تقوله مصر للوزراء، وأما ما تقوله للإنجليز فهم يعرفونه حق المعرفة سمعوه منها ألف مرة. وهم يسمعونه منها في كل يوم، فقد قالت وما زالت تقول وستقول دائماً إن حكم الشعوب بالعسف والقهر، والمكر والكيد، قد انقضى عصره، وإنكم قد جربتموه في مصر أعواماً طوالاً فلم تجنوا منه خيراً ولم يجن أحد منه خيراً، فلم يبق أمامكم إلا شيء واحد وهو أن تفهموا مصر كما ينبغي أن تفهم وتخلصوا النية فيما بينكم وبينها من صلة، لا تتحفظون ولا تمكرون ولا تظهرون شيئاً وتخفون شيئاً آخر وأنتم إن فعلتم هذا منتهون إلى ما ليس لكم بد من الانتهاء إليه، من الاعتراف بمصر، على أنها أمة رشيدة خليقة أن توجد بينكم وبينها صلات كريمة شريفة لا تقوم إلا على الثقة والنزاهة والصدق. وسبيل ذلك واضحة وهي أن تردوا إلى الشعب أمور الشعب وأن تتحدثوا إلى الشعب، وتسمعوا منه لا إلى من يرددون نغماتكم ممن تؤيدون وتنصرون.
    ردوا إذن إلى مصر حريتها كاملة كما كانت، وخذوا إذن في الحديث مع مصر كما كنتم قد أخذتم من قبل وأتموا صادقين ما كنتم قد بدأتم وثقوا بأن إقالة هذه الوزارة أو إبقاءها، وبأن إقالة الإبراشي باشا أو إبقاءه، وبأن دخولكم في شؤون الحكم، بالشدة أو باللين، كل ذلك لن يريحكم ولن يريح المصريين ولن يحل ما بينكم وبينهم من المشكلات. فليس لهذه المشكلات حل إلا تبادل الثقة، والصدق والإخلاص.
    (طه حسين)
    الوادي، ٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    احتضار . . .
    كان طويلاً ثقيلاً هذا الاحتضار، الذي ظلت الوزارة تقاسي آلامه، وتعاني سكراته، لا يوماً ولا يومين، ولا أسبوعاً ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.
    ولم يكن طول هذا الاحتضار نتيجة لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء، فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلاً عن عسف الريح فضلاً عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل، وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلاً بغيضاً مملولاً مفعماً بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يخل من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة، فأما الشعب فقد زاده النظر الطويل إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيماناً إلى إيمان ويقيناً إلى يقين وثقة إلى ثقة، فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب ولا تستند إلى ثقته ولا تستمد قوتها من قوته، ولا تكون صورة لآماله ومثله العليا، ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضة للعبث لا تستطيع أن تبرم ولا أن تنقض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن ينفذ من المحن المتراكمة كما ينفذ السهم من الرمية، قوياً نقياً، وصلباً ثابتاً جريئاً، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد ولا تنال منه المحن والأهوال. وأما الإنجليز فقد انتفعوا من طول هذا الاحتضار لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى، ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني، ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب، ولا ترده الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد، مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعباً، ولم يثر عابثاً، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق. رأى الإنجليز هذا الشعب ورأوا منه كيف كان مستقيماً في الخصومة، شريفاً في النضال، فطناً يعرف ما يأتي ويعرف ما يدع، ولو كان شعباً مغروراً ضعيفاً تذهب به الأهواء كل مذهب، لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر. أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر، وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه، لأنهم يذودون عن استقلاله، ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفطن اليقظ الحذر لم ينخدع للإنجليز لأنه لا ينخدع للخصم مهما يكن شريفاً ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تساس القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء وإنما قام كريماً شريفاً نزيهاً بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض. وسجل على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون وينتظر مؤمناً واثقاً ساعة الفوز، التي يهزم فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وترد إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.
    وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضار الطويل، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحياناً أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه، منتهون دائماً إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم، تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصناً يأوون إليه، لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترساً يثقون به لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضى الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرق عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم فإذا هم لا يزنون شيئاً ولا يعدلون شيئاً، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.
    فإن احتضاراً طويلاً ثقيلاً هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها وتلفظ آخر أنفاسها وتنظر من حولها فلا ترى حزناً ولا ابتئاساً وإنما ترى إغضاءً وإعراضاً وشعباً ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتفنى فيما يفنى، وهو يقول كذا فلتُهوَّ الوزارة التي لم تستمد قوتها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.
    طه حسين
    الوادي، ٤/ ١١ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عهد الذلة والهوان . . .
    نعم كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف ويسومونهم الضيم وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة ولا عن قدرة مختارة ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها ولا عن رأي ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة ويوحى إليهم أن يكونوا أساة فإذا هم أساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالعنف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم فهم ليسوا شيئاً، وهم ليسوا أقل من شيء.
    كان يقال لهم أنتم الوزراء فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم ولكن عليكم أن تطيعوا فيؤمنوا بأن عليهم أن يطيعوا. كان يقال لهم هذا من الإبراشي باشا حيناً فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم هذا من الإنجليز حيناً آخر فيؤمنون له خاضعين. كانوا هشيماً لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعاً، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقاً، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعاً لكل ما يراد به سامعاً لكل ما يتنزل عليه. وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له، هو الذي حكم مصر عاماً وبعض عام. هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل وصب على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له أقبل على رئاسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يرو ولم يستقص، وإنما طار لا يلوي على شيء. ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.
    ثم انتهت به السفينة إلى الثغر فاستخرجه منها غيره استخراجاً، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر ثم خرج من القصر رئيساً للوزراء، وأي وزراء؟ رئيساً لقوم لم يخترهم، ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعاً من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحداً منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفساداً وعلى أموال هذا الشعب فبذروها تبذيراً، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل. قيل لهم أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا. واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء والاستسلام للأقوياء. وأنفقوا عاماً وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئاً وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصى ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة لا في حق مصر وحدها بل في حق أنفسهم أيضاً، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة، وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظاً ونياماً، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجاً، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالاً. والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا. قيل لهم كونوا وزراء دستوريين فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين، وقال قائلهم وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله، ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوؤوا وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ. ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم،
    وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى وعجز الإبراشي باشا عن حلها عجزوا هم عن حلها أيضاً. فقيل لهم دعوا ذلك للإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز. ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات ثم ثقل المرض على جلالة الملك. واضطرب الإبراشي باشا فاضطربوا معه وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال نعم وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟. فلما أشاروا عليه قبل المشورة ووعد بالإنجاز ثم منّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك فسقط في يد الإبراشي باشا وسقط في يد رئيس الوزراء، وقيل للقوم أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث فقيل لهم أنكروا أن يكون في الجو شيء. فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئاً؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟
    ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم استقيلوا فقالوا نعم وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.
    هؤلاء هم الذين حكموا مصر عاماً وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صوراً فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالاً فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته “الاجبشيان جازيت” غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره وأخذ المصريون يستقبلون عهداً جديداً وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.
    ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم
    وكابر فلابد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون. ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضاً أو قبولاً، وقد استبشر المصريون جميعاً حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضواً في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزاراً نصح بألا تحتمل فليس عجيباً أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر. فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفاً شريفاً وقفه ومن أن يقدم على شيء أباه ومن أن يخيب أمل الشعب فيه ويكذب ظن الشعب به يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.
    نعم وإنا نقرأ في الصحف كلاماً عجباً فقد يقال إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقاً به، تبارك الله وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟
    ألا تزال إصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات فإن هذا الكلام إن صح يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فأما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء وأما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فمازال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء. فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدرياً إرادة الأمة مستعداً لتلقي العمل والوحي والعمل بالأمر والإذعان لغير المسؤولين فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلاً.
    طه حسين
    الوادي، ٧ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ليل الشياطين…
    كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
    وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
    غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
    أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
    فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
    ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
    إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
    كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
    طه حسين
    الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤

    حديث الوادي
    أبطال النظام…
    الذوق الراقي الدقيق ورعاية اللياقة في القول والعمل أخص ما يمتاز به أبطال النظام الحاضر. وهؤلاء الأبطال كثيرون والحمد لله، قد يبلغون الأربعة وقد يبلغون الخمسة، وما نظن أنهم يزيدون على هذا العدد.
    فأولهم مؤسس النظام صدقي باشا، وهو رجل مثقف ما في ذلك شك، ولكنه رجل دقيق الذوق، رقيق الحس، يعرف ما يحسن وما لا يحسن، لكثرة اختلافه إلى البيئات الراقية الأجنبية الممتازة، ولهذا كانت أعماله وأقواله وحركاته كلها مرآة صافية الذوق الذي لا غبار عليه، وليس ضرورياً أن يكون ذوق صدقي باشا في السياسة كذوقك أو كذوقي، فنحن من قوم لا يختلفون إلى البيئات الراقية ولا يتصلون بالأجانب الممتازين.
    أنت وأنا وأمثالنا لا نقحم اسم جلالة الملك إقحاماً في الخصومات السياسية، ولا نسرع فنسجل على جلالة الملك موقفاً سياسياً حزبياً بعينه، ونشكر له هذا الموقف، ولا نبرق إلى القصر لنحمد لجلالة الملك حرصه على النظام الحاضر وتأييده له واستمساكه به، لأنا نعلم أن هذا خطأ لا ينبغي للذين يعملون في السياسة أو يفقهون أوليات الدستور والقانون، ولأننا نعلم أن هذا خروج عن الذوق وتجاوز للأدب وانحراف عما ينبغي من رفع الملوك عن الأهواء والشهوات. فأما صدقي باشا المثقف الممتاز المتصل بالبيئات الأجنبية ذات الثقافة والامتياز فلا يرى بذلك بأساً، ولا يحس في ذلك حرجاً، وإنما يقدم عليه غير هياب، ويمعن فيه غير وجل، إما لأنه يعرف من أصول الذوق ما لا يعرف الناس، وإما لأنه يضحي بالذوق وأصوله في سبيل المنفعة العاجلة، سواء أكانت محققة أو موهومة، وصدقي باشا رجل قدير يحب التضحية ولا يتردد فيها، مهما تكن الظروف. يضحي بحقوق الشعب في سبيل الوثوب إلى الحكم، ويضحي بأخلاق الشعب في سبيل التمكن من الحكم، ويضحي بكرامة الشعب في سبيل الاستئثار بالسلطان، ويضحي بأموال الشعب في سبيل الاستمتاع بالجاه، ويضحي بدماء الشعب أحياناً في سبيل إذلال الخصوم وترويع المقاومين، ثم يضحي بالذوق آخر الأمر في سبيل شيء غير معروف، فما نظن أنه يطمع في أن يرضى عن نفسه الإبراشي باشا.
    وما نظن أنه يطمع في أن يصل إلى الحكم في هذه الأيام، ولكنه مضطر إلى أن ينشط، وإلى أن يقول ليظن الناس أنه زعيم مسموع الكلمة وأن له أنصاراً وأعواناً، وذلك شيء يستحق أن يضحي في سبيله صدقي باشا بالذوق، وأن يقحم اسم جلالة الملك في السياسة، وأن يسجل على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام ويؤيد قلة الأمة دون كثرتها ويقف في صف جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب. ولو أن الأمور تجري في مصر على مثل ما تجري عليه في البلاد الأخرى لسئل صدقي باشا عن التضحية بالذوق، ولكن صدقي باشا لم يسأل عن إهدار الحقوق، وانتهاك الحرمات، والعبث بالنفوس والأموال.
    هذا بطل من أبطال النظام الحاضر تمخض عنه رأسه الكبير، فهو يريد الآن أن يحميه بذكائه الخطير.
    وللنظام الحاضر بطل آخر أكبر من صدقي باشا بيوم أو يومين، فهو يعرف أكثر من صدقي باشا بعام أو عامين، كما يقول الغول في قصص العجائز. وهو رئيس مجلس الشيوخ يحيى باشا إبراهيم، وهو كصدقي باشا لا يتردد في أن يضحي بالذوق في سبيل المحافظة على النظام، ولا يتردد في أن يشهد أمام الناس جميعاً على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام وحزباً على حزب، وقلة على كثرة، وهو كصدقي باشا خليق أن يحاسب على إهدار الذوق، لو أن الناس يحاسبون في مصر على كل ما يعملون.
    ويحيى باشا إبراهيم رجل عظيم له شجاعة تنزع سلاح الخصوم كما يقول الفرنسيون، فهو يرجع بذاكرته إلى الماضي فينبئ الناس بأنه هو الذي استصدر الدستور القديم، وأمضاه حين كان رئيساً للوزراء سنة ١٩٢٣، ثم عمل في ظل الدستور الجديد الذي لم يصدره ولم يمضه، وهو يفضل الدستور الجديد، ويراه أشد ملاءمة لمصالح البلاد.
    ويحيى باشا إبراهيم لم يصدر الدستور القديم فحسب، ولكنه عمل في ظله أيضاً، وأقسم يمين الوفاء له أيضاً، ولكنه مع ذلك لم يتحرج كصدقي باشا أن يحنث في يمين ويقسم يميناً أخرى، ومن أن يؤثر دستوراً جديداً على دستور قديم، ومن أن يضحي باللياقة والذوق في سبيل هذا الدستور الجديد.
    وثالث الأبطال وأقدرهم على النضال وأبرعهم في النزال، وأمضاهم في القتال، وأفصحهم في المقال، هو صاحب المعالي الدكتور توفيق رفعت باشا – ولا ننس الدكتور – رئيس مجلس النواب الحاضر طبعاً ورئيس المجمع اللغوي، وصاحب المعالي يستمد ذوقه في أكبر الظن من معاجم اللغة وكتب الأدب ودواوين الشعر وآثار الكتاب والخطباء، فهو الشاعر الفذ والأديب الفرد والخطيب الذي لا يجارى، لا يشك في ذلك إلا الجاهلون.
    ذوق صاحب المعالي قديم كلاسيك، كما أن ذوق صدقي باشا جديد، وهما مع ذلك يتفقان في أن إقحام اسم جلالة الملك في السياسة جائز، وفي أن تسجيل المواقف السياسية على جلالة الملك شيء لا يضر، وقد ينفع كثيراً، وقد يعين على إبقاء نظام يريد أن يزول، وإقامة بناء يريد أن ينقض. وذوق صاحب المعالي خليق أن يكلف صاحبه تحقيقاً وسؤالاً وأموراً ثقالاً، لولا أن بعض المصريين فوق التحقيق والسؤال والأمور الثقال.
    وكان صاحب المعالي صامتاً، فلما تكلم رئيس الشيوخ لم يسعه إلا أن يتكلم، وقد قال فأطال وشفا الغليل، فالمقطم تروي لنا أمس أنه ينبئ الناس بأن جلالة الملك حريص على النظام الحاضر، وبأن جلالة الملك تحدث إليه في أمر الإبراشي باشا وقال إنه حر في تنظيم بيته. يا للذوق، يا للرقة، يا للأدب، يا للإكبار لصاحب العرش، يا للإجلال لمكانة الملك! وهبه قال لك هذا، فكيف تأذن لنفسك بإذاعته بين الناس، وكيف تأذن لنفسك بأن تصور جلالة الملك مدافعاً عن حريته الخاصة في تنظيم بيته؟ ومن الذي يسمح بأن يثار شيء من الأشياء أو يلقى حديث من الأحاديث حول ما ينبغي لجلالة الملك من الحرية في تنظيم بيته؟ يا للذوق! متى أجازت الثقافة والسياسة والمناصب للناس أن يتحدثوا عن الملوك القائمين بهذا الابتذال وأن يبيحوا نشر ذلك عنهم في الصحف؟ ومع ذلك فالمقطم تضيف هذا إلى رفعت باشا رئيس مجلس النواب ورئيس المجمع اللغوي وصاحب الدكتوراه في الحقوق، دكتوراه الشرف بالطبع.
    هؤلاء قوم لا يفرقون بين أحاديث الملوك وأحاديث السوقة: يتشرفون بلقاء الملك فيتحدثون بما كان بين جلالته وبينهم من حوار كما يلقونك فيذيعون ما كان بينك وبينهم من حديث. وهؤلاء هم حماة النظام والحفظة على الدستور الجديد، وهم الذين يعلن أن الوزارة قد تدور بينهم، وبين جماعة من أمثالهم إن صرفت عن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا. فحدثني عن نظام يحميه هؤلاء الناس، وحدثني عن حكم يصرفه هؤلاء الناس، وحدثني عن دستور يذود عنه هؤلاء الناس، وقل للإنجليز بعد ذلك ابتهجوا واستبشروا واطمئنوا، فقد ذهب عنكم عبد الفتاح يحيى وقد يرسل إليكم واحد من هؤلاء الناس الذين لا يرعون ذوقاً، ولا يكتمون سراً، ولا يفرقون بين أحاديث السوقة وأحاديث الملوك.
    وقل للإنجليز ابتهجوا واستبشروا فستجدون من هؤلاء الناس من يستطيع أن يؤلف وزارة ترضون الاتصال بها، لأنها تجمع بين القدرة والنزاهة والكفاية، أما إرضاء الشعب فتستطيعون أن تنظروا فإن الشعب لا يرى هؤلاء الناس أهلاً للرضى ولا للسخط، وإنما يهملهم إهمالاً فإن تحدث عنهم فليلهو ويعبث ليس غير.
    أما بعد فقد نظن أن الأزمة قد طال أمرها، وأن أمور الحكم توشك أن تضطرب، وأن المصريين الرسميين الذين تصرفوا في حل الأزمة إلى الآن لم يظهروا جداً ولا حزماً، ولا براعة، ولا شجاعة على احتمال التبعات وإنما أظهروا تردداً واضطراباً واختلاطاً في القول والعمل وأثاروا ضحكاً كثيراً. وقد ينبغي أن تظهر مصر الرسمية شيئاً من الجد فما ينبغي أن تكون أمور الشعب لعباً إلى غير حد.
    إن إرادة الشعب واضحة بينة فيجب أن يعلم الشعب أجاء الوقت الذي تحترم فيه إرادته أم لا يزال مهملاً كما أهمل في هذه الأعوام الأربعة.
    طه حسين
    الوادي، ١٠ نوفمبر ١٩٣٤.

  • لن ننقسم: الوفد ومساواة المصريين | We Will Not Be Divided: The Wafd and Egyptian Equality

    حديث الوادي
    مساواة . . .
    أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
    هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
    ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
    وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
    هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
    كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
    وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
    هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
    طه حسين
    الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حقائق…
    يجب أن يعلمها الإنجليز المقيمون في مصر، وأن يعلمها معهم بعض المصريين الذين يبتغون إليهم الوسيلة ويلتمسون عندهم المعونة والتأييد، ويجب أن تعلمها الإجبشيان جازيت خاصة، لأنها تعرب عن أولئك وهؤلاء، ولأنها هي التي تدعونا إلى أن نقرر لها هذه الحقائق، بعد أن كتبت هذا المقال الظريف الرشيق الذي نشرته صباح أمس وترجمته عنها صحف أصدقائها الوزاريين.
    حقائق ما نظن الإجبشيان جازيت تجهلها، وما نظن قراءها من الإنجليز وأولياءها من المصريين المساكين يجهلونها، لأننا نعيش في عصر لا تجهل فيه البديهيات، ولا تخفى فيه الأوليات على عامة الناس فضلاً عن المثقفين الذين يحررون الصحف، ويشتغلون بالسياسة، ويعالجون أمور الشعوب.
    وأوضح هذه الحقائق وأشدها جلاءً أن حرية الرأي في كل شيء، وفي السياسة خاصة، إذا كان الإنجليز يقدسونها في بلادهم، ويرعون حرماتها حق الرعاية، ولا يستبيحون لأنفسهم أن يلغوها، أو يقيدوها، أو يحظروها على أحد من الإنجليز، ولا سيما حين يكون من المعارضين، فإن المصريين يقدسون حرية الرأي كما يقدسها الإنجليز، ويرونها حقاً لهم كما يراها الإنجليز، ويريدونها أن تكون في بلادهم جداً لا لعباً، وحقيقة واقعة لا كلاماً يكتب أو يقال. والمصريون يعلمون حق العلم أنهم بعيدون مع الأسف الشديد، عن أن يستمتعوا بهذا الحق المقدس، ولكنهم يصرون كل الإصرار على أن يظفروا به، وينتهوا إليه، ويكون حظهم منه كحظ الإنجليز سواء بسواء. وقد تظن الإجبشيان جازيت أن المصريين مغرورون حين يريدون أن يظفروا بما يستمتع به الإنجليز في بريطانيا العظمى، لأن المصريين لم يبلغوا من الحضارة مبلغ الإنجليز ولا بد لهم من أن يتواضعوا ومن أن ينتظروا. ولكن الإجبشيان جازيت خليقة أن تعلم أن التجارب السياسية في هذا العصر الحديث قد أقنعت الناس بأنهم جميعاً سواء، وعلمتهم أن ليس لأحد منهم فضل على آخر في الاستمتاع بالحقوق السياسية، وأن حقوق الشعوب، لا يمكن أن تقصر على طبقة دون طبقة، ولا على جماعة دون جماعة كما علمتهم أن الاستعمار وتسلط الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة مرض بغيض يجب أن تقاومه الأمم ما وجدت إلى مقاومته سبيلاً. فالمصريون حراص على حرية الرأي، وعلى الاستمتاع الصحيح بها، ويجاهدون في ذلك ما وسعهم الجهاد، ويضحون في سبيل ذلك ما وسعتهم التضحية، ويحتملون في سبيل ذلك ما يمكن وما لا يمكن حتى لوم الإجبشيان جازيت واستهزاءها، وجرأتها على مصارحة المصريين، في بلاد المصريين بأنهم قوم يجب أن يؤخذوا بالقمع والإذلال، وإلا يطمعوا بما يستمتع به الإنجليز من الحرية والاستقلال.
    لن يغير المصريون رأيهم في هذا، سواء أرضي الإنجليز أم سخطوا، سواء أقبل الإنجليز أم أبوا. ولن يتردد كل مصري مثقف، في أن يذيع هذا كله ويبثه في هذه الطبقات، التي تزدريها الإجبشيان جازيت، وتريد أن يترفع رئيس الوفد عن مخالطتها، وتبيح للوزارات أن تأثم في ذات الحرية لتظل هذه الطبقات جاهلة، غافلة، خاضعة لما يراد بها من الذلة والخنوع.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز وأولياؤها من المصريين المساكين أن ما كان يمكن أن يقال في القرون الماضية لا يمكن أن يقال الآن. وأن الدعوة إلى تقسيم الشعب إلى طبقات بعضها محترم عزيز، وبعضها ممتهن ذليل، قد أنتجت في أوروبا، وفي بلاد الإنجليز أنفسهم، نتائج خطيرة، مروعة، لم ينسها التاريخ بعد، وما نظن أن الإنجليز يحبون أن تحدث في مصر، وأن يدفع إليها المصريون. وما نظن أن الإنجليز يجهلون أن الإلحاح في كتابة فصول كهذا الذي كتبته الإجبشيان جازيت أمس خليق أن يؤدي إلى هذه النتائج ويدفع إلى هذا الشر المستطير.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز، وأولياؤها من المصريين البائسين أن من أعجب العجب ومن أشد الأمور نكراً، ومن الخزي الذي توصم به الحضارة الأوروبية الحديثة أن يعيش الأجانب في بلد كمصر فلا يحفظوا له حقاً، ولا يرعوا له كرامةً ولا يتحرجوا من أن يعلنوا فيه الدعوة إلى التفريق بين الطبقات، وإلى إيثار جماعة من أهله بالرعاية، وأخذ كثرته بالعنف، لا لشيءٍ إلا لأن هذه الكثرة ليست غنية، ولا موسرة ولا قادرة على ما يقدر عليه الآفاقون من هذه الحياة الناعمة السعيدة التي لا يصلون إليها إلا في هذه البلاد والتي ما كانوا ليحلموا بها لو عاشوا في بلادهم تلك، التي تقدس فيها الحرية، وتحترم فيها حقوق الشعوب.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن المصريين لن يرضوا أن تكون حياة الأجانب في بلادهم وسيلة إلى استبعادهم أو سبباً إلى إذلالهم، وإنما الذي يرضاه المصريون ويلحون فيه، ويعلمه المثقفون منهم لغير المثقفين، هو أن مصر يجب أن تكون للمصريين أولاً وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الأجنبي طارئ على مصر، فإن استطاع أن يعيش فيها، ملائماً بين مصلحته ومصلحة الوطنيين فذاك، وإلا فأرض الله واسعة وبلاده أحق به، وأعطف عليه. والمصريون يعلمون حق العلم أن الأجانب يفرضون أنفسهم عليهم فرضاً، وأن الإنجليز يضحون بمصالحهم، في سبيل المصالح الأجنبية، وأن الإنجليز أقوياء، يملكون من وسائل القهر والعنف ما لا يملكه المصريون ولكن هذا كله لا يخيف المصريين، ولا يغير رأيهم في أن مصر يجب أن تكون لهم أولاً وفي أنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه الإجبشيان جازيت أن تكتب مثل ما كتبت، والذي لا تستطيع وزارة مهما تكن أن تسمح لها بمثل ما تسمح لها به الوزارة القائمة من إهانة المصريين في بلاد المصريين.
    قد يكون هذا اليوم بعيداً، وقد يكون قريباً، ولكنه آتٍ من غير شك كما أن يوماً من الأيام قد أتى على انجلترا، فسمح للعمال بأن يتولوا الحكم وأن يستأثروا به أحياناً دون الطبقات الأرستقراطية العليا التي كانت تحتكره احتكاراً.
    ثم يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن رئيس الوفد لم يقتنع فيما يظهر بما يدعو إليه أصحاب المنافع العامة من الإنجليز من أن بين المصريين فروقاً، تجعل بعضهم أحق بزيارته من بعض، وإنما هو مقتنع بما يقتنع به الإنجليز في بلاد الإنجليز من أن أبناء الشعب كلهم سواء ومن أن فقراءهم أحق بالعناية من أغنيائهم ومن أن جهالهم أحق بالعناية من مثقفيهم، ومن أن رعاعهم أحق بالعناية من ممتازيهم، وعلى هذا فسيزور رئيس الوفد ما يشاء من الأقاليم والمدن والقرى، وسيسلك رئيس الوفد ما يشاء من الطرق، والشوارع، والحارات، وسينزل رئيس الوفد حيث يشاء من الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة وليس للشرطة، ولا للوزارة ولا لدار المندوب السامي، ولا للاجبشيان جازيت أن ترسم له خطته، أو تفرض عليه طريقاً أو تحظر عليه طريقاً أخرى. وإنما هذا حقه المقدس يستمتع به متى شاء، كما يشاء، فإن خلت القوة بينه وبين هذا الحق فذاك، وإن حالت القوة بينه وبين هذا الحق سجلت على نفسها الخوف والحرج والخذلان، وسجلت على سياسة الاستعمار خزياً لا يشرف، ونفاقاً لا يرفع الرؤوس.
    أما بعد فإن الإنجليز أحرار في أن يحبوا الظلم ويؤيدوه ويدعوا إليه وينتفعوا به، ولكن من الحق عليهم أن يذكروا أن قوماً آخرين قد سبقوهم إلى أخذ مصر بالظلم، وحكمها بالقسوة والعنف، ولكنهم لم يبلغوا منها شيئاً، بل ذهبوا وظلت مصر باقية، والإنجليز أنفسهم قد أخذوا مصر بالعنف والقسوة أعواماً وأعواماً، وهم الآن يستطيعون أن يسألوا أنفسهم، ماذا جنوا؟ وهل بلغوا من إذلال مصر وإخضاعها ما يريدون؟…
    طه حسين
    الوادي، ٧ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إشاعة…
    أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني، الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصاً أشد الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عاماً، شاملاً، مصوراً أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجده في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.
    ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شؤون مصر العامة وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس. ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضرباً من ضروب الشغب وفناً من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام. ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هتت به الصحف الوزارية، فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.
    هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدث عنها فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقر على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.
    أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد. ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يعن بها أحد. وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيصيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها، ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقاً، بل خليقة بالازدراء، فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها إنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا. فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئاً. ولن يمحو من قرار الوفد حرفاً، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصرياً، لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يخيفهم وعيد، ولا يثنيهم عن همهم إرجاف المرجفين.
    والوزارة تعرف منهم ذلك حق المعرفة فكثيراً ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيراً ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنس بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء، فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء، فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانوناً، فلم يذعنوا لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.
    وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون. وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعود الوفديون أن يسمعوا له، أو يحفلوا به، أو يشفقوا منه. وإذن فإثارة الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله، لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعاً يريده المصريون في حدود الدستور والقانون والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه. فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهم الوفد بعقد المؤتمر. وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت. أم تصرف عنه. وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن. أم تتغير من حولها الظروف؟ أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقاً غير التي سلكها إلى الآن.
    والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجاناً يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعاً عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء، فقد لا تسمح الظروف الجديدة، بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها. وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين. والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائماً على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية. وتنسى أن البحر قد يضطرب وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جداً من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.
    وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما هموا أن يورطوها، فيما يحسن بها ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر، عما يريدون.
    فلتطمئن الوزارة، وليطمئن الوزاريون فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذى في بعض الأجواف وغصة في بعض الحلوق، وخطراً على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    إغراء …
    يظهر أن شعبنا المصري يحب الوزارة حبا جما، ويؤمن بها إيمانا لا حد له، ويمنحها ثقة لم يمنحها وزارة من قبل، ويوليها اطمئنانا لم يوله أحدا من قبل. فإذا قالت له الوزارة افعل لم يتردد في الطاعة والإذعان، وإذا قالت له الوزارة لا تفعل لم يتردد في الامتناع والانتهاء، بل هو يمضي في حب الوزارة والإعجاب بها، والإيمان لها، إلى أبعد من هذا الحد. إلى حد لم تكن الوزارة تنتظره ولا ترجوه، إلى حد لم تره عين ولم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر، فهو يتحسس نية الوزارة ويتبين مع الجهد والمشقة ما ستريده في المستقبل القريب أو البعيد، تنفيذ إرادتها، وما ستأباه في المستقبل القريب أو البعيد ليسبق إلى الامتناع والانتهاء، فيريحها بذلك من مشقة الأمر والنهي، ويحط عنها ثقل العمل وأعباء التبعة، ويتيح لها أن تستريح. لا تأتي من الأمر إلا أن تفكر فيما تحب، فإذا الشعب يحبه معها بل يسبقها إلى الحب، وفيما تكره فإذا الشعب يكرهه معها، بل يسبقها إلى الكره. وهذا فيما نعتقد أعظم ما يمكن أن تبلغه الوزارات من ثقة الشعوب وتأييدها ومن رضى الشعوب وإيمانها وما نعلم أن وزارة ظفرت بمثل هذا الحب من الشعب منذ وجدت الوزارات ومنذ عرفها التاريخ. وما نظن أن وزارة ستظفر بمثل هذا الحب، في بلد من البلاد، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومصدر هذا الحب الرائع، الذي لا نظير له فيما كان، ولا فيما هو كائن ولا فيما سيكون، هو في أكبر الظن أن وزراءنا جميعا رجال طيبون، لا تضمر قلوبهم للشعب إلا حبا ونصحا، ومودة وإخلاصا. ولا يقصدون حين يقدمون على شيء أو يحجمون عن شيء إلا إلى تحقيق إرادة الشعب كاملة، ورفع رأس الشعب عاليا، وحفظ كرامة الشعب موفورة. عرف الشعب منهم ذلك مرة، ومرة، ومرة آمن لهم، واطمأن إليهم، وألقى إليهم القيادة وقال لهم سيروا بي حيث شئتم، فأنا لكم تابع، وافعلوا بي ما شئتم فأنا لكم مذعن، ومروني بما شئتم فأنا لكم سامع مطيع.

    ولعلك من الذين يجحدون البديهيات، ويشكّون في الأوليات ولا يؤمنون بما آمن به الناس جميعا، ولا يصدقون بأن الشمس طالعة، وإن كان ضوؤها يبهر الأبصار، وإن كان حرها يصهر الأجسام وإنما تلتمس الدليل، فيما لا يحتاج إلى الدليل، وتسأل عن الحجة فيما لا يفتقر إلى حجة. لعلك من هؤلاء الوفديين الذين لا يزالون يظنون أن الشعب لا يحب الوزارة، ولا يطمئن إليها، ولا يستجيب لها إذا دعت، ولا يسمع لها إذا قالت فإذا كنت من هؤلاء فقد تستطيع أن تسمع لهذا النبأ العجيب، وأن تتعظ به، وأن تقنع نفسك بأن أيام الوفديين قد انقضت، وبأن نجمهم قد أفل وبأن ليس لهم في البقاء السياسي أي مطمع.

    زعم رئيس الوفد وأصحابه أعضاء الوفد، أن من حقهم أن يدعوا إلى مؤتمر وطني، يعقدونه في الشهر المقبل، وأعلنوا رأيهم هذا، فلم يحفل بهم أحد، ولم يلتفت إليهم أحد، ولم يتقدم أحد للاشتراك في هذا المؤتمر الذي يريدون أن يدعوا إليه، إلا نفر قليل جدا لا يبلغون أصابع اليدين، فهم عشرة آلاف، أو هم كانوا عشرة آلاف منذ أسبوع، ولو كان الوفد مسموع الكلمة الآن كما كان مسموع الكلمة من قبل، لأسرع الناس إلى مؤتمره إسراعا، ولما انتهى المستجيبون لدعوته، إلى هذا العدد اليسير، الضئيل، الذي لا يغني شيئا، ولا يدل على شيء، والذي لا يحصى بالعشرات، ولا يحصى بالمئات، وإنما يحصى بالألوف. ومصدر هذا الإعراض عن الوفد، والتنكر له، أن الشعب قد علم بأن الوزارة لا تحب الوفد، فمحا حب الوفد من قلبه محوا، وأن الشعب قد سمع بأن الوزارة لا تحب المؤتمر الذي يدعو إليه الوفد. فزهد في هذا المؤتمر زهدا، ولم يرسل إليه إلا عشرة آلاف.

    ولعل هذا الدليل لا يقنعك، فإليك دليلا آخر، أبلغ منه في الدلالة وأقدر منه على الإقناع. فقد نشرت صحف وزارية أن الوزارة تفكر في أن تمنع اجتماع المؤتمر بغضا له، وإشفاقا منه، على الأمن طبعا، فلم يكد الشعب يتبين رأي الوزارة هذا، ويسمع بأن الوزارة قد تريد منع اجتماع المؤتمر، حتى سبق إلى تحقيق إرادتها، والاستجابة لدعائها فزاد إعراضه عن المؤتمر، واشتد قعوده عنه، وتلقى سكرتير الوفد في يوم واحد ألفي طلب للانضمام إلى المؤتمر والاشتراك فيه. نعم تلقى ألفي طلب في يوم واحد، بعد أن أشيع وأذيع أن الوزارة لن تسمح بانعقاد المؤتمر. فأي دليل على إخفاق الوفد، أوضح من هذا الدليل، وأي حجة على فوز الوزارة أنصع من هذه الحجة؟ لو كان الوفد منتصرا في هذه الأيام كما كان منتصرا من قبل، لتلقى سكرتيره في يوم واحد طلبين اثنين أو عشرين طلبا، أو مئتي طلب، ولكن الوفد منهزم ممعن في الانهزام، فلا تكاد الإشاعات تنبئ الناس بكره الوزارة لمؤتمر الوفد حتى يبطئ الناس عن هذا المؤتمر فلا يتقدم إليه في اليوم الواحد اثنان، ولا عشرون ولا مئتان وإنما يتقدم إليه ألفان . . .

    وستمضي الإشاعة في الترويج لبغض الوزارة للمؤتمر وسيمضي الناس في السبق إلى تحقيق إرادة الوزارة وفي القعود عن المؤتمر، وسيتلقى الأستاذ الكبير مكرم عبيد سكرتير الوفد في كل يوم طلبات لا تعد بالأحاد ولا بالعشرات ولا بالمئات، وإنما تعد بالألوف، وسيحار الوفد في أمر هؤلاء المشتركين، أين يجمعهم وكيف يجد المكان الذي يحتويهم، وسيؤمن رئيس الوفد آخر الأمر بما لا بد له من الإيمان به وهو أن الشعب قد زهد فيه، وتفرق من حوله ورغب في رئيس الوزراء، والتف حوله، وأصبحت زعامة رئيس الوفد، حديثا من الأحاديث ونبأ من الأنباء، وأصبحت زعامة رئيس الوزراء الرجل الطيب حقيقة واقعة لا تقبل شكا ولا مراء يؤمن بها الإنجليز، قبل أن يؤمن بها المصريون.

    أتريد دليلا آخر على انهزام الوفد، وانقضاء زعامة النحاس؟ لقد اعترف النحاس نفسه بهذا الدليل، وسجل الهزيمة على نفسه تسجيلا، فأنبأنا بأنه كان في كازينو سان ستفانو ذات يوم، وكان رئيس الوزراء أيضا في الكازينو، وكان الناس يحتفلون بعيد من أعياد الخير، فنظر النحاس ونظر الناس فإذا الشعب حول النحاس، لأنه يبغضه أشد البغض، ويرفض زعامته كل الرفض . . . وإذا الشرطة، والشرطة وحدها، حول رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء هو الزعيم الأوحد، وهو الرئيس الجليل !!

    فلما كان الغد كان النحاس في الكازينو، وكان الشعب يحتفل بهذا العيد نفسه، وهمّ الشعب أن يلتف حول النحاس ليظهر له البغض، وليعلن إليه أنه قد رفض زعامته رفضا، ولكن وزارة الرجل الطيب، كانت طيبة مثله، فرحمت النحاس من هذا الخذلان، وأشفقت عليه من بغض الشعب، وفرقت الناس من حوله تفريقا.

    ما أشد حاجة جماعة من المصريين إلى مقدار يسير من الحياء وإلى شعور يسير بما يحسن أن يقال وما لا يحسن أن يقال.

    ألست ترى معي أن الوزارة إذا أمرت بشيء كان أمرها صدّاً للناس عنه، وإذا نهت عن شيء كان نهيها إغراء للناس به؟ ألست ترى معي أن ما أذيع من مكر الوزارة للمؤتمر قد أغرى الناس بهذا المؤتمر إغراء، ودفع الناس إلى الاشتراك فيه دفعا؟ فكيف إذا أعلنت الوزارة حربها الشعواء على هذا المؤتمر؟

    إن أحسن حرب تستطيع الوزارة أن تعلنها على خصومها وعلى الوفد خاصة بين خصومها هي ألا تحاربهم ولا تكيد لهم، ولا تظهر لهم بغضا، فإن الناس قد عاهدوا أنفسهم وقلوبهم وضمائرهم أن يمضوا إلى اليمين إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى الشمال وأن يمضوا إلى الشمال، إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى اليمين . . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٦ / ٩ / ١٩٣٤م.

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .

  • أيام لا تنسى: ذكريات وطنية | Days Never Forgotten: National Commemorations

    حديث الوادي
    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    قدوة…
    تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
    وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
    ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
    ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
    تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
    إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
    إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
    إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
    إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
    ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
    كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
    إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
    وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
    ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
    ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
    لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
    لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
    إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
    وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موعظة . . .
    ولكن قوما لا يريدون أن يتعظوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أن يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلاً إلى الشك، ولا طريقاً إلى الريب. يرون الحق واضحاً بيناً، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونه، ويرون النور ساطعاً ناصعاً فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق، عالياً يبلغ السماء فيسدون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه. ذلك أنهم لا يريدون حقاً، ولا شيئاً يشبه الحق، وإنما يريدون نفعاً عاجلاً، وعيشاً زائلاً، ونعيماً ينتهزونه انتهازاً وفرصاً يختلسونها اختلاساً. لا يعنيهم أن يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أن يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أن يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن. فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء . .
    أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم كما كان يقول سعد رحمه الله إلغاءً. أولئك قوم خُلقوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء. يرون شعباً كاملاً، قد اتفق رأيه وصح عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أن يكون سيداً في أرضه، حراً في وطنه، مسيطراً على أمره، فيأبون أن يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أن يصدقوا أن هذا الشعب يرى ما يرى، ويعلن ما يعلن، ويريد ما يريد. يخلقون لأنفسهم عالماً كاذباً، مصطنعاً يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطراباً لا يجدون فيه مشقة ولا جهداً، لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.
    أولئك قوم يمرون بالحياة، أو تمر بهم الحياة، فلا يؤثرون فيها، ولا يتأثرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة يحس الناس ثقلها وبغضها، ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحس من هذا الحلم الثقيل البغيض.
    أولئك قوم إن كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل، وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنك ما تراهم فيه من حول وطول ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترف، فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أثر، وبما يقيمون من مأثرة، وبما يبنون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.
    لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة أثر الهزيمة فلا ينفعهم ذلك لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يعظهم ذلك لأنهم لا يريدون أن يتعظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحاً في المكر والكيد، وإصراراً على اللجاج والعناد.
    ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكذاب، وظنوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغلوا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدون ويكدون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئاً ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثت في المصريين جميعاً، فأحيا القلوب، وقوى العزائم، وأبى لهذا الشعب أن يرضى إلا أن يكون عزيزاً حراً ومستقلاً صادق الاستقلال.
    قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثاب إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.
    أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعداً ومذهب سعد، ويحبون سعداً ومذهب سعد، ويوالون سعداً ومذهب سعد فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقربون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئاً.
    أولئك يرون المصريين في كل عام يحيون ذكرى سعد خيراً مما أحيَوْها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حباً، وازدادت عقولهم لسعد إكباراً، وازداد أتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعاً، ولا يريدون رجوعاً إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة واختلاس ما يمكن أن يختلس فيها من نعيم.
    أولئك رأوا أمس أنه لم يبقَ في مصر مصري إلا ذكر سعداً وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غداً، وسيرون في كل يوم مثل ما رأوا أمس، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.
    أولئك يحسبون أنهم مهرة، ويخيلون إلى أنفسهم أن استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون، وما أكثر ما ينسون، أن هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أن يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أن يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.
    أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون، وما أكثر ما يجهلون، أن الاستعمار أبرع من أن يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أن الذين يخدعونه ويستعينون به على الحياة لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أن يُذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.
    ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم، فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضح الأدلة وأنصعها وأبقاها؛ على أن الذين يحاربون سعداً ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأياً من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش، ولا يلتمسون شيئاً أكثر من العيش.
    ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس، كما أظهرت قبل أمس، وكما ستظهر في كل يوم، أن شعباً من الشعوب يستطيع أن يكون قوياً منيعاً، عزيزاً أبياً، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه. فليتعظ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أن يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أن يعيش إلا في ظلمة الجحود.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٤.

  • استقبال الحاكم بالنيابة: زيارات وتفتيش | Entertaining the High Commissioner: Visits and Inspections

    حديث الوادي
    هتاف . . .
    وكنا نريد أن نتخذ الصبريات عنواناً لهذا الفصل فهو متصل بصبري بك وزير المالية، وبصبريته التي دعا إليها المندوب السامي يوم الأربعاء . ولكن الأمر لا يحتمل الفكاهة، ولا يبيح المزاح . وهل الصبريات إلا عنوان الفكاهة والمزاح ؟ الأمر أشد خطراً، وأبعد أثراً من كل ما أخذ به وزير المالية، منذ تولى الحكم إلى الآن، لأنه لا يمس منفعة من المنافع التي قد يختلف فيها الرأي، ويتعرض الناس في تقديرها وتدبيرها للخطأ وللصواب . وإنما يمس الضمير المصري كله، ويمس الكرامة المصرية كلها، ويمس الشعور الذي يجب أن ينبث في كل قلب مصري بأن هذا البلد كريم على نفسه، فيجب أن يكون كريماً على الناس، وبأن هذا البلد مخاصم للإنجليز حتى يتم الاتفاق بينهم وبينه، على ما يفسد أموره من خلاف .
    نعم، الأمر أجل خطراً وأبعد أثراً، من قصة الدين العام، ومن قصة الدين العقاري، ومن قصة الاستبدالات ومن قصص النقل والعزل، والإيثار والمحاباة، لأن هذه القصص كلها تمس المنافع العامة التي يختلف فيها الرأي كما ألممنا بها، والتي مهما تعظم الخسارة فيها، فهي خسارة موقوتة محددة يمكن أن تحتمل، ولو على مضض، ويمكن أن تعالج ولو في مشقة وجهد وعناء . ولأنه أمر الاستقلال المصري كله، وأمر العزة المصرية كلها، وأمر هذا الجهاد الوطني الذي احتمل المصريون أثقاله، وشقوا بآلامه، وضحوا فيه بالأنفس والأموال منذ أكثر من نصف قرن .
    شهوة من الشهوات ثارت في نفس وزير من الوزراء، أو ثارت في نفس ممثل أجنبي لدولة أجنبية، فأراد الوزير أن يدعو المندوب السامي إلى أن يزور قريته، أو أراد المندوب السامي أن يدعوه الوزير لزيارة هذه القرية . فما ينبغي أن تكون هذه الشهوة الفردية وسيلة إلى تحميل مصر ما لا ينبغي أن تحتمل، وتكليف الشعب ما لا ينبغي أن يتكلف، وإغراء الشعب بما لا ينبغي أن يغرى به، ودفع الشعب إلى ما لا ينبغي أن يدفع إليه .
    ما هذه الجموع التي حشدت للمندوب السامي تستقبله منذ هبطت طيارته إلى الأرض متى وصل إلى دار الوزير هاتفة مصفقة، مظهرة الإعجاب والإكبار وتردده منذ خرج من دار الوزير إلى أن وصل إلى طيارته، هاتفة مصفقة مظهرة الإعجاب والإكبار . فيم هذا كله ؟ ولم هذا كله ؟ ولمن هذا كله ؟
    أيكفي أن يشتهي الوزير أن يزوره المندوب السامي، أو أن يشتهي المندوب السامي زيارة الوزير، ليحشد المصريون ويهتفوا ويصفقوا، ويظهروا لممثل الدولة البريطانية التي تظلمهم أنهم راضون عن ظلمها، والتي تعتدي على استقلالهم أنهم مغتبطون بعدوانها، والتي تحملهم على شر ما تحمل عليه الأمم من الحياة أنهم راضون عن سيرتها فيهم ؟ أيكفي أن يشتهي الوزير أن يشرفه المندوب السامي بزيارته ليحشد المصريون فيظهروا ما لا يشرفهم، ولا يشرف الوزير، ولا يشرف مصرياً مهما تكن منزلته، ومهما يكن مقامه بين المصريين ؟ إحدى اثنتين، إما أن تكون أنباء هذا الهتاف والتصفيق، وأخبار هذه التحيات وهذا الإعجاب صادقة وإذن فهي خزي للذين اقترفوها، وإذن فهي إثم على الذين أغروا بها، ودفعوا إليها، ورغبوا فيها، وإذن فهي استهانة بكرامة الشعب وتفريط في حق الشعب، وتعويد للشعب أن يكون ذليلاً مهيناً . وإما أن تكون هذه الأنباء كاذبة لا أصل لها، مختلقة لا تصور الحق وإذن فالسكوت عليها إثم، والصمت عن إذاعتها جناية على كرامة مصر، ولمتهان لعزة المصريين . ومن حق الذين لم يأثموا بتكريم المندوب السامي ولا بالصمت عن هذا التكريم أن يعرفوا كيف وقع هذا الإثم، وأن يتبينوا وجه الحق فيه . من حق المصريين جميعاً على وزير المالية، وعلى مدير الغربية أن يعرفوا هل اجتمع المصريون كما نشرت المقطم أول أمس فحيوا المندوب السامي وودعوه بالهتاف والتصفيق، وبإظهار الإعجاب والإكبار . أم هل اخترعت هذه الأنباء اختراعاً، واختلقت اختلاقاً ؟ فإن تكن الأولى فمن الحق على وزير المالية أن يألم فيما بينه وبين نفسه، وأن يندم على هذه الفرصة التي هيأها لأنها ليست من الفرص التي تشرف مهيئيها وتملأ نفوسهم وقلوبهم عجباً وتيهاً . وإن تكن الثانية فمن الحق على الوزارة أن تكذب هذه الأنباء، وأن تسأل الذين أذاعوها من أين استقوها وكيف أباحوا لأنفسهم إذاعتها، دون أن يستوثقوا بأنباء الحق الذي لا شك فيه .
    لقد ضج المصريون من زيارات اللورد لويد للأقاليم وثارت لذلك ثائرة البرلمان، فماذا نرى الآن، نرى الوزراء يهيئون لزيارات المندوب السامي للأقاليم ويخلقون الفرص التي تصل بينه وبين المصريين، والتي تشعره بأن المصريين يكبرونه، ويعجبون به، وينتظرون منه الخير . هذا كثير على بلد يطالب بالاستقلال، ويعتقد وزراؤه أنهم مستقلون .
    ما أجدر المصريين أن يفكروا، وأن يسألوا ضمائرهم، فقد يظهر أن هذه الضمائر في حاجة إلى أن يلح عليها في السؤال . إذا أراد رئيس الوفد أو عضو من أعضاء الوفد أن يزور مدينة أو قرية، أو يطوف في إقليم من الأقاليم حيل بينه وبين ذلك بالشرطة والجند، والقوة المسلحة، وفتح الجسور، وحفر الخنادق وإقامة العوائق . وإذا أراد المندوب السامي أن يزور قرية من القرى في إقليم من الأقاليم مهدت لطيارته الأرض تمهيداً، بأموال الدولة وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب، ثم جمع له المصريون يستقبلونه ويودعونه بالهتاف والتصفيق .
    كأن رئيس الوفد وأعضاء الوفد هم خصوم مصر والغاصبون للاستقلال فلا ينبغي أن يراهم الشعب، ولا أن تتصل أسبابهم بأسبابه، وكأنما المندوب السامي هو منقذ مصر من كل شر، وحاميها من كل عدوان، والذي حفظ عليها استقلالها، ورد إليها كرامتها، وقال لأبنائها كونوا أعزاء فأصبحوا أعزاء !
    يا لسخرية القضاء ويا لعبث الأيام ! والوزراء المصريون هم الذين يهيئون لذلك، ويخلقون له الفرص ! إن المجاملة لأهون من هذا كله، إن السلطان لأهون من هذا كله، إن حياة الأفراد ومنافعهم لأهون من هذا كله . كيف لا يفكر الوزراء في هذا ولا يسألون عنه ضمائرهم ؟
    يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! إن الناس يتحدثون بأن وزراء آخرين قد يهيئون لمثل ما هيأ له وزير المالية فيزورهم المندوب السامي في أقاليمهم، ويومئذ تمهد الأرض لطيارته تمهيداً بأموال الدولة، وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب الذي سفك دمه في المطالبة بالاستقلال، حتى إذا هبط المندوب السامي ممثل الدولة الغاصبة للاستقلال، استقبله مصريون بالهتاف والتصفيق، وودعه مصريون بالهتاف والتصفيق .
    وتحدث الناس بعد بأن الوزير سعيد يبسم له المستقبل، ويضحك له الأمل، أليس قد زاره المندوب السامي البريطاني ؟ يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! أهانت كرامة مصر وحقوقها إلى هذا الحد على المصريين ؟ . . .
    طه حسين
    الوادي، ٢١ يوليه ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    زيارة…
    ولابد من العودة إلى هذه الزيارة التي انتقل لها المندوب السامي إلى الصبرية يوم الأربعاء، ليشارك وزير المالية في الطعام والشاي فيما قبل، وليرى المصريين في الريف، ويراه المصريون كذلك فيما قيل أيضًا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة لأن حديثها فيما يظهر لم ينقض بعد، ولعله لا يريد أن ينقضي، وإن كانت الصحف على اختلافها لا تريد أن نقدرها قدرها، ولا أن توفيها حقها من التفسير والإنكار، مع أنها من أهم الأحداث التي تمس الكرامة المصرية والشعور الوطني مسًا مؤلمًا حقًّا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة، فقد يظهر أن بعض الجهات كما تقول الأهرام صباح اليوم، قد فطن آخر الأمر إلى أنها تستحق التفكير، وتحتاج إلى التفسير، وتدع إلى السؤال الكثير. وكان المعقول لو أن الأمور تجري في هذا البلد على ما يريد المعقول، أن تكون الفطنة لهذه الزيارة، والسؤال عما ستأخذه من الأشكال، وما سترمي إليه من الأغراض، وما ستنتهي إليه من النتائج قبل وقوعها لا بعده. ولكن المثل الفرنسي يقول: «رب تأخر خير من الامتناع».
    والناس يتحدثون بأن هذه الزيارة قد كانت الأولى، ولم تكن الأخيرة، وكانت المقدمة، ولم تكن الخاتمة، وبأن جماعة من الوزراء كانوا يريدون، أو كان يراد منهم، أن يسلكوا مسلك وزير المالية، وأن يظهروا ما أظهره صبري بك، من أن المصريين كرام حقًّا، يعرفون كيف يضيفون كبار الناس، وكيف يهيئون لهم أحسن الاستقبال.
    فإذا صح ما روته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات من بعض الجهات، فقد يكون في هذه الملاحظات المتأخرة ما يصرف الوزراء أو الذين قد يسعون عند الوزراء عن أن يذهبوا مذهب زميلهم النابغة الفذ والعبقري العظيم، وإذن فقد لا تحتاج الدولة إلى أن تمهد الأرض على حسابها في بعض الأقاليم لطيارة المندوب السامي، وقد لا يحتاج أهل الريف إلى أن يحشدوا ليستقبلوا المندوب السامي ويودعوه بالهتاف والتصفيق. وقد لا يحتاج المندوب السامي نفسه إلى أن يستعين بالوزراء على
    أن يسعى إلى أهل الريف في أماكنهم ويتفقد شؤونهم ويتعرف آمالهم وآلامهم ويوزع بينهم هذه الابتسامات الإنجليزية التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، وقد لا يستخزي الضمير المصري أمام نفسه وأمام الضمائر الأجنبية من أن مصريين قد جمعوا وهتفوا لممثل الدولة البريطانية التي ما تزال تغصب استقلالهم غصبًا، وتمكن لجيشها في أرضهم، وتملأ جوهم بطياراتها، وتفرض عليهم حياة لا يرضاها الشعب الكريم.
    وقد يعلم الوزراء وأعوان الوزراء وأنصار الوزراء أن من الإثم أن تنطلق ألسنة المصريين بالهتاف الأجنبي بيننا وبين بلده مخصومة، ما دامت هذه الخصومة قائمة، وأن من الإثم أن تندفع أيدي المصريين بالتصفيق لأجنبي بيننا وبين بلده خلاف، ما دام هذا الخلاف لم يحل. وأن من التفريط في ذات الوطن أن تقول مصر للإنجليز ردوا علينا استقلالنا، وخلوا بيننا وبين شؤوننا، وكفوا أيديكم عن أمورنا، وأن يهتف بعض المصريين ويصفق بعض المصريين في قرية وزير مصري لممثل الإنجليز وهم لم يردوا علينا الاستقلال ولم يخلوا بيننا وبين شؤوننا ولم يكفوا أيديهم عن أمورنا.
    قد يكون هذا كله إن كان صحيحًا ما نشرته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات. فأحرى أننا نسأل أنفسنا ونطيل السؤال عن هذه الزيارة كيف كانت وكيف قبلها وزير المالية أو دعا إليها. ذلك أن وزير المالية لو استشار ضميره المصري لأشار عليه هذا الضمير، وهو حي من غير شك، بأن هذه الزيارة لا تلائم مصلحة مصر، ولا كرامة مصر، ولا سيما مع ما أحاط بها من الظروف والأشكال.
    فالشعب المصري في خصومة مع الإنجليز، والوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، مكلف أن يعرف هذه الخصومة وأن يرعى حقها، وهو في منصبه ليدافع عن مصر، وليقرب بينها وبين الإنجليز، بالدفاع عن حقها، وبحفظ كرامتها، وبإظهارها مظهر القوي العزيز لا مظهر الضعيف الذليل.
    فالوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، محام عن مصر، لا ينبغي له أن يقصر في ذات موكله، ولا أن يفرط في حقه بحال من الأحوال. وليس من الترفع عن التقصير في ذات مصر، والتفريط في حقها بحال من الأحوال أن يدعو وزير من وزراء مصر ممثل الإنجليز إلى حيث يلقاه المصريون طوعًا أو كرهًا بالهتاف والتصفيق، والخصومة بيننا وبين الإنجليز ما زالت قائمة. ولو أن وزير المالية استشار عقله، وهو كبير من غير شك، لما قبل هذه الزيارة ولا دعا إليها في هذه الظروف التي نحن فيها، ولما انفرد بها على هذا النحو الذي كان. فإن زملاءه ناس مثله يحسون ويشعرون، ويفكرون ويسألون عما كان وعما يمكن أن يكون، وما نظن أنهم قد ذاقوا هذه الزيارة كما ينبغي أن تذاق وأساغوها كما ينبغي أن تساغ وهضموها كما ينبغي أن تهضم. فإن ابتداء وزير المالية بها وأعراضه عن دعائهم كلهم أو بعضهم إليها ليس من شأنه أن يرضيهم وليس من شأنه أن يملأ قلوبهم ثقة وأمنًا واطمئنانًا.
    ثم لو استشار وزير المالية عقله أيضًا لأشار عليه هذا العقل الكبير بأن الظروف التي نحن فيها تفرض على الوزراء وأشباه الوزراء أن يرعوا أقصى ما يستطيعون من الدقة والاحتياط فيما يكون بينهم وبين الإنجليز من الصلات. فحديث الإنجليز عن العهد الكرومري كثير جدًّا في هذه الأيام ويرددونه في مصر ويرددونه في إنجلترا، ويأتون من الأعمال ما يدل على أنهم يريدون الجد ولا يريدون الهزل. والعهد الكرومري معروف، معروف في جملته وتفصيله، قوامه تسليط القوة على مصر وأخذهما بالحزم من غير تفريق بين مصر الشعبية، ومصر الرسمية، بحجة إنقاذ الشعب من ظلم الحكام، وحماية الشعب من طغيان السلطان، ونظن أن وزراء مصر سواء أكانوا من أنصار الشعب أم لم يكونوا، لا ينبغي لهم وهم وزراء أن يعينوا من قريب أو من بعيد على إعادة هذا العهد الكرومري أو تقريبه أو على أي عمل من شأنه أن يخيل إلى الناس أن هذا العهد قد عاد أو أنه يوشك أن يعود. في ذلك تفريط في حق مصر وفي ذلك إساءة صارخة إلى مصر الرسمية وإلى مصر الشعبية، فكلتاهما تكره أن يعود العهد الكرومري، وكلتاهما ترى من الذلة والهوان أن يعين أي مصري على أن يعود هذا العهد. ووزير المالية رجل ذكي، وهو يفهم عنا حق الفهم ما نريد أن نقول، وهو يوافقنا من غير شك على أنه لو استشار ضميره لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار عقله لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار منفعته المحققة الدائمة لصرفته عن هذه الزيارة أيضًا.
    فقد يكون في هذه الزيارة شيء من الجاه الظاهر وارتفاع الشأن العارض، ولكن الحكماء يفكرون في غد وفي أمس أكثر مما يفكرون في اليوم.
    وبعد فإنا نرجو أن يكون صحيحًا ما تحدثت به الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات، ونرجو بنوع خاص أن تقع هذه الملاحظات موقعها الذي ينبغي لها من نفوس الوزراء جميعًا، فيعلموا أن الصلة بينهم وبين دار المندوب السامي يجب أن تقوم على الدقة والفطنة وعلى الحذر والاحتياط.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.

    حديث الوادي
    قسمة ٠٠٠
    لتكن عادلة أو جائرة، فليس هذا هو المهم، لأن هذه الأيام تمتاز بأنها لا تحفل بالعدل والجور، وإنما تحفل بالحقائق الواقعة. وهذه القسمة حقيقة واقعة فيما يظهر، نريد أن ننكرها فتكرهنا على أن نؤمن بها، ونريد أن نشك فيها فلا نجد إلى الشك فيها سبيلا. وهذه القسمة قد تولتها الظروف وأنت تستطيع أن تحلل الظروف كما تشاء، فبعضها قوة لا تُرد، وبعضها ضعف لا يُقاوم، وبعضها اضطراب لا يستقر. وقد تحالفت هذه الظروف كلها على أن تقسم أمور هذا البلد الشقي في هذه الأيام السود، بين المندوب السامي البريطاني وبين الوزارة المصرية القائمة. فتجعل لهذا شطراً ولهذه شطراً آخر. وواضح جداً أن ظروف المندوب السامي قوة كلها، وأن ظروف الوزارة القائمة ضعف كلها، وأن ظروفاً أخرى بين المندوب السامي وبين الوزارة كلها تردد واضطراب. فليس غريباً إذن أن يكون للمندوب السامي أوفر الشطرين وأقومهما، وأن يكون للوزارة أيسر الشطرين وأقلهما شأناً، وأن يقف المصريون بين هذين المقتسمين ينظرون، وقلوبهم يملؤها الأسى ويفعمها الحزن اللاذع العميق.
    فأما المندوب السامي فقد أرادت ظروفه، وكلها قوة كما تعلم، أن تجعل إليه حماية مصر في هذه الأيام، وحماية مصر بأوسع معاني هذه الكلمة وأشملها وأدقها وأدناها إلى التحقيق. فالمندوب السامي يفتش على حدودنا في الشرق والغرب، ليكون على علم صادق محقق بما تحتاج إليه حماية هذه الحدود. والمندوب السامي يفتش على جيشنا ليكون على علم صادق محقق بحاجة هذا الجيش إذا دعت الظروف إلى استخدامه لحماية هذه الحدود، أو لحماية مصر في داخلها، والمندوب السامي يفتش على شرطتنا ليكون على علم صادق محقق بقدرة هذه الشرطة على حماية الأمن وإقرار النظام، إذا احتاج الأمن إلى حماية، أو احتاج النظام إلى إقرار. فالمندوب السامي إذن يعنى بحماية مصر حماية مادية، من غارة الأجنبي أو اضطراب الأمر في داخل الأرض. ولا تنس أن المندوب السامي يتغلغل في أعماق مصر زائراً لبعض الوزراء أو متخيّراً لبعض الأماكن التي تصلح مستقراً للطيارات في قلب مصر.
    ثم المندوب السامي يعنى بحماية مصر حماية معنوية سياسية. يفاوض الفرنسيين في مسألة الدين قبل أن يفاوضهم المصريون في هذا العام، ثم هو يلاحظ أن المفاوضات لم تنته إلى غايتها فيحتفظ بها ليستأنف فيها الحديث، ثم هو يشرف على هذه المشكلات التي أثيرت في المحاكم المختلطة ويلاحظ من قرب ما يكون بين وزارتنا وبين القضاة الأجانب في هذه المحاكم من أخذ ورد. ثم هو يرفع الأمر إلى حكومته، ويتلقى رأي حكومته فيه، ثم هو يستطيع أو تستطيع الظروف أن تؤجل المذكرة التي كانت وزارتنا تريد أن ترسلها إلى الدول حتى يستقر رأي وزارة الخارجية البريطانية على شيء. ثم تقول الصحف هنا وهناك إن أمر هذه المذكرة أصبح مشكوكاً فيه، فقد ترسلها الوزارة المصرية إلى الدول مباشرة، وقد تتحدث فيها وزارة الخارجية البريطانية إلى الدول نيابة عن مصر. ولا تنس أن المندوب السامي على عنايته بالحماية الحربية والسياسية لمصر لا يقصر في إظهار العناية بحماية المصريين أنفسهم أفراداً وجماعات مما يظن أن حمايتهم منه واجبة، فالرجل فيما يقال معني بقصة الاستبدالات وبقصة الكورنيش، وهو فيما يقال معني بأمور الري، وهو فيما يقال يتلقى ما يرفعه إليه ضعاف المصريين من الشكوى فيدرسه ويسأل عنه، ويدخل فيه، متحدثاً إلى الوزراء أو مرسلاً من يتحدث إليهم وإلى غيرهم من الموظفين. والرجل بعد هذا كله وفوق هذا كله يدرس شؤون الأحزاب ويفكر فيما كان، ويقدر ما سيكون، فإذا أضفت إلى هذا كله أنه مسيطر على أمور التحفظات الأربعة عرفت أن نصيبه من شؤون مصر هو نصيب الأسد، وأنه قد أخذ من الشطرين أوفرهما وأقومهما وأوفاهما وأشدهما ملاءمة لقوة الأقوياء. أما وزارتنا فنصيبها متواضع كما أنها متواضعة، ونصيبها ظريف كما أنها ظريفة. فلها تنظيم الاستحمام على السواحل، ولها ملاحظة ما يلبس الناس وما يخلعون، ولها مضايقة الصحف، ولها التشديد على الوفد حين يذهب رئيسه وحين يجيء، ولها التصرف في بعض ما يمس العزل والنقل، والتعيين والفصل على أن تستشير في ذلك من يستطيعون أن يقدموا لها المشورة حين تطلبها وحين لا تطلبها. وقد يكون لها أن ترسل الوفود إلى المؤتمرات، وأن تكلف بعض الموظفين سياحات في أوروبا للبحث عن الكتب، أو لدرس شؤون التعليم أثناء إغلاق المدارس في فصل الصيف، ولها قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تقيم في الإسكندرية مستمتعة بجمال البحر، وصفاء الجو، وعذوبة النسيم،
    وأن تنتقل بين الدور للغذاء حيناً والعشاء حيناً آخر ولشرب الشاي مرة ثالثة، ولا بأس بنزهة بحرية أو رحلة إلى مرسى مطروح من وقت إلى وقت.
    أرأيت إلى الظروف كيف تقسم أمور مصر بين المندوب السامي والوزارة القائمة فتحسن التقسيم، وتعطي لكل منهما ما يلائم حظه من القوة والضعف؟ فأما الشعب المصري فقد كانت الظروف رفيقة به شفيقة عليه، فمنحته نصيباً يلائمه كل الملاءمة وهو الصبر على الهموم الثقال، واحتمال الخطوب التي خُلق لاحتمالها.
    وكما أن المندوب السامي يحسن التصرف بما جعلت له الظروف، فيفتش في الشرق والغرب طائراً حيناً وسائراً حيناً آخر، وكما أن الوزارة تحسن التصرف فيما جعلت لها الظروف فتعين وتفصل، وتعزل وتنقل، وتأمر الناس بأن يلبسوا البرانس ولا يخلعوها حتى يبلغوا الماء، فالشعب المصري يحسن الصبر ويجيد الاحتمال ويبتسم للخطوب وينتظر ما ستنكشف عنه الأيام.
    فلنصبر معه ولنبتسم، ولننتظر فقد لا يطول هذا الانتظار.
    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٨/ ١٩٣٤.

  • الولاء تحت النار: الحكومة ومصطفى النحاس | Loyalty Under Fire: The Government vs. Mustafa al-Nahhas

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
    وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
    وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
    وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
    من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
    متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
    إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
    فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
    في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
    طه حسين
    الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أسبوع…
    ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
    ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
    والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
    لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
    لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
    يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
    نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
    إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
    طه حسين
    الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تحكم…
    ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
    فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
    من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
    ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
    والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
    إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
    بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
    إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
    أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
    أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حرج…
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحك، وهو من أجل هذا محزن حقًا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكر فيه ونقدر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر. فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعمائها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعمائها، أما الوزارة المصرية، ووزارة الداخلية خاصة فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها، ومستشاريها، من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر تلعن إذا تحدثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة، وأسلحة الدولة، وتعد له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا، لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فلتعلن ذلك وزارة الداخلية ولتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام. ولتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة، فيستريح منها الشعب ويستريح منها. مصطفى النحاس وإن كان هذا الرجل عاديًا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فلتهدأ الوزارة ولتطمئن، ولتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، ولترح نفسها من مصطفى النحاس، ولترح مصطفى النحاس من نفسها.
    ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل، وتعلن أنها لا تهتم له فمن حق الناس أن يضحكوا ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للعب، وإنما أقيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.
    دع كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد، والإسماعيلية والزقازيق ودع هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدي الصلاة في مسجد من المساجد، دع هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًا، حدث في بورسعيد فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا. أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تعني الحكومة به أقل عناية الذي نسيت اسمه وأظنه يسمى مصطفى النحاس أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يعالجون وما زالوا يعالجون في مستشفى بورسعيد وهؤلاء الجرحى لم يصرعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قط معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صرعوا قضاء وقدرًا، انهار عليهم جدار أو سقط عليهم بعض الأحجار، التي تسقط من السماء أحيانًا؟ فنقلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولست أدري لما كرهت الوزارة هذه الزيارة فأبتها على هذا الرجل وألحّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأبها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلّت بينه وبين المستشفى، حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة، ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظفو المستشفى لمصطفى النحاس أن المصابين قد نقلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقر وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نقلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نقلوا، وأن وكيل المحافظة يقر الحق فيما يظهر حين أقر لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال أن المصابين لم ينقلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.
    فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نقلوا من المستشفى مع أنهم لم ينقلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.
    وقد نحب أن تعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى أن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنة حتى أنها لا تحتاج إلى أن تغير من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه.
    ونحب آخر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلدوها فأخفوا المرضى، والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبناءهم حين يطلبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أنلزمهم على ذلك أم نثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف نجيب؟، وإن أثابتهم فغضبت الأخلاق، وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة فكيف تكون الحال؟
    أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهم له الوزارة؟
    ألم يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ ألم يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ ألم يأن للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قضوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام…؟
    طه حسين
    الوادي، ٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إجرام…
    يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحاً، للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات، وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضاً، لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكفهم الحكومة، حفظ نظام، ولا قمع مظاهرة، ولا تفريق اجتماع ولا إقراراً لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص، الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم، ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضاً أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم، لم تصبح مباحاً للذين يخرجون على القانون، ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزاً قبيحاً، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حرباً لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأياً وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.
    وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه وماذا نريد به ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعد، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثاً ثقيلاً. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكروا حتى أنساهم السكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخاً فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.
    وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلاماً صبياً فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبى يستغيث، حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعاً.
    أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم، قد أبيحت فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تنال به من الإثم والبغي والعدوان.
    ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئن إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلاً عن التأثر بها والاشمئزاز منها، وفضلاً عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعتدى على دماء المصريين، أو انتهكت حرمات المصريين.
    لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد، لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظاً دائماً، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجراً، وهم مكلفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حد ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو.
    نحب أن نعلم إلى أي حد غضب الوزراء للدم المصري وللكرامة المصرية ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي يبين فيها أن دماء الصبيان ليست ماء يراق من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تلقى على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيماً، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقة أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثاً ولعباً، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية، كغيرها من الحضارات تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.
    نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم، وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.
    نعم ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون، ولهم الحق في أن يثوروا، حين يعتدى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة والذين يطالبون، وليس لهم الحق في أن يطالبوا بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصاً، لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين لقد قلنا لهؤلاء الأجانب أنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم، فنحب أن نعلم الآن، رأيهم في هذا الدم المصري البريء الذي يراق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يريقوا الدماء، وهم جند الإنجليز.
    ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أملائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين.
    طه حسين
    الوادي، ٢ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عدوان . . .
    يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
    وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
    الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
    أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١.