Category: Uncategorized

  • مراسلات الروح المصرية | Correspondence on the Egyptian Soul: The Hakim–Hussein Letters

    إلى الدكتور طه حسين من الأستاذ توفيق الحكيم
    يا دكتور
    يعنيك طبعا أن تعلم كيف يرى الجيل الجديد عملك وعمل أصحابك، إن رسالتي إليك ليست حكما يصدره الجيل الجديد، إنما هي تفسير لذلك العمل، لك أن تقره ولك أن تنكره. لا ريب إن العقلية المصرية قد تغيرت اليوم تحت عصاك السحرية، كيف تغيرت؟ هذا هو موضوع الكلام، إن شئون الفكر في مصر حتى قبل ظهور جيلك كانت قاصرة على المحاكاة والتقليد، محاكاة التفكير العربي وتقليده، كنا في شبه إغماء، لا شعور لنا بالذات، لا نرى أنفسنا ولكن نرى العرب الغابرين، لا نحس بوجودنا ولكن نحس بوجودهم هم، لم تكن كلمة (أنا) معروفة للعقل المصري. لم تكن فكرة الشخصية المصرية قد ولدت بعد. رجل واحد لمعت في نفسه تلك الفكرة فأضاء لكم الطريق: (لطفي بك السيد)، وسرتم ركضا حتى بلغتم اليوم هذه الغاية، وإذا الجيل الجديد أمام روح جديدة وأمام عمل جديد. لم يعد الأدب مجرد تقليد أو مجرد استمرار للأدب العربي القديم في روحه وشكله، وإنما هو إبداع وخلق لم يعرفهما العرب. وبدت الذاتية المصرية واضحة لا في روح الكتابة وحدها بل في الأسلوب واللغة أيضا، من ذا يستطيع أن يرد أسلوب طه حسين إلى أصل عربي قديم؟ بون شاسع بين الأمس واليوم. حتى أمس القريب كانت مقامات الحريري ورسائل عبد الحميد وبديع الزمان مثلا تحتذي في كتابات حفني ناصف والمويلحي وغيرهما ممن رسفوا في أغلال التقليد راضين أو مرغمين. لقد بدأنا نعي ونحس بوجودنا، وأول مظاهر الوعي شخصية الأسلوب واستقلال طريقة التعبير وما يتبعها من ألفاظ وأخيلة، بهذا يبشر صاحبكم احمد أمين اليوم، ويصيح في هذا الجيل كي ينظر فيما حوله ويعبر عما يراه بخياله هو لا بخيال العرب. كل هذا جلي معروف، ولم أبعث برسالتي من أجله، حاجة مصر إلى الاستقلال الفكري أمر لا نزاع اليوم فيه، وعملك أنت وأصحابك لهذا الاستقلال أمر لا نزاع فيه أيضا. ولقد مضى كلامكم في هذا، إنما الأمر الذي يحتاج إلى كلام هو معرفة مميزات الفكر المصري. معرفة أنفسنا: حتى تتبين لجيلنا مهمته. هذه هي المسألة، لقد فهمنا عنكم مميزات الأسلوب والشكل، وما فهمنا بعد جيدا مميزات النفس والروح، ما هي مميزات العقلية المصرية في الماضي والحاضر والمستقبل؟ ما روح مصر؟
    ما مصر؟ إن اختلاطنا بالروح العربية هذا الاختلاط العجيب كاد ينسينا إن لنا روحا خاصة تنبض نبضات ضعيفة تثقل تحت ثقل تلك الروح الأخرى الغالبة. وإن أول واجب عليكم لنا استخراج أحد العنصرين من الآخر. حتى إذا ما تم تمييز الروحين إحداهما من الأخرى كان لنا أن نأخذ أحسن ما عندهما، وكان لكم أن تقولوا لنا: (ها نحن أولاء أنرنا لكم الطريق إلى أنفسكم فسيروا) لا بد لنا إذن أن نعرف ما المصري وما العربي؟ هذا السؤال ألقيته على نفسي منذ ست سنوات إذ كنت ادرس الفنين المصري والإغريقي. وكانت المسالة عندي وقتئذ: ما المصري وما الإغريقي؟ وأذكر أني أثرت هذه المسألة أمام بعض أصدقائي في حي (مونبارناس)، أذكر أني لخصت لهم الفرق بين العقليتين بمثل واحد في فن النحت سائلا: ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد وعند الإغريق عارية الأجساد؟ هذه الملاحظة الصغيرة تطوي تحتها الفرق كله، نعم كل شيء مستتر خفي عند المصريين، وعار جلي عند الإغريق، كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عار كالمادة. كل شيء عند المصريين مستتر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق. في مصر الروح والنفس، وفي اليونان المادة والعقل. نظرة أخرى في أسلوب النحت تدعم هذا الكلام. أن المثال المصري لا يعنيه جمال الجسد ولا جمال الطبيعة من حيث هي شكل ظاهر، إنما تعنيه الفكرة، انه يستنطق الحجر كلاما وأفكارا وعقائد. على انه يشعر مع ذلك بالتناسق الداخلي، يشعر بالقوانين المستترة التي تسيطر على الأشكال، يشعر بالهندسة غير المنظورة التي تربط كل شيء بكل شيء، يشعر بالكل في الجزء، وبالجزء في الكل، وتلك أولى علامات الوعي في الخلق والبناء؛ هذا كله يحسه الفنان المصري لأن له بصيرة غريزية أو مدبرة تنفذ إلى ما وراء الأشكال الظاهرة لتحيط بقوانينها المستترة، فنان عجيب لا يصرفه الجمال الظاهر للأشياء عن الجمال الباطن. إنه يريد أن يصور روح الأشكال لا أجسامها، وما روح الشكل إلا القانون العام الأعلى المستتر خلفه؛ إن ولع المصريين بالقوانين الخفية لشيء يبلغ حد المرض، مرض إلهي، لو أن الآلهة تمرض لكان هذا مرضها: فرط البحث عن القانون! كل شئ في مصر إلهي، لأن مصر التي منحتها الطبيعة الخير واليسر وسهولة العيش وكفتها مشقة الإجهاد في سبيل المادة استلقت منذ الأزل تتأمل ما وراء المادة. . حظها في هذا حظ الهند: أمة كثيرة الخير كذلك دانية القطوف لا حاجة بها إلى الكفاح ولا عمل لها إلا استمراء ترف الحكمة العليا، انقطعت هي أيضا من قديم تحت أشجارها المقدسة تبحث عما وراء الحقيقة.
    مصر والهند حضارتان قامتا على الروح لأنهما قد شبعتا من المادة، الإغريق على النقيض، أمة لم تشبع من المادة، أمة نشأت في العسر والفاقة، أرضها لا تدر من الخير إلا قليلا، كان لزاما عليها الكفاح في سبيل العيش، وكان حتما عليها الجري وراء المادة، حرب تلو حرب، وفتح بعد فتح، وضرب في مشارق الأرض ومغاربها، على هذا النحو لم يكن للإغريق ذلك الضمير المطمئن ولا ذلك الشعور بالاستقرار، ولا ذلك الإيمان بالأرض الذي يوحي بالتفكير فيما وراء الأرض والحياة، إن عاطفة الاستقرار والإيمان ممزوجة بالدم عند المصريين، لأن المصريين نزلوا من بطن الأزل إلى أرض مصر، لا يعرف لهم نسب آخر على وجه التحقيق، واختلاف العلماء في أمر أصلهم لم ينته بعد، وفي كل يوم يبدو دليل على أن العمران والاستقرار وجدا في مصر قبل التاريخ المعروف، ولقد ظهرت الحضارة المصرية في التاريخ تامة كاملة دفعة واحدة، كما يظهر قرص الشمس في الأفق عند الشروق، ولقد قال سولون: إن الكهنة المصريين يعنون العناية كلها بذكريات تلك القارة العظيمة ذات المدنية الزاهرة التي أبتلعها المحيط قبل مبدأ التواريخ: (قارة الأتلانتيد). أترى كانت الحضارة المصرية استمرارا لتلك المدنية المندثرة؟. . . لم يقم دليل، على كل فرض. مصر أمة مستقرة مؤمنة زهدها عمرها الطويل وخيرها الكثير في مباذل الحياة، وهذا الزهد والتفكير فيما وراء الحياة ظهر أثرهما على وجه الفن المصري، ولا شيء يدل على عواطف أمة وعلى عقليتها مثل فنها. فلقد طالع العالم الحديث على وجه الفن المصري الصرامة والجد والعمق ولا أكاد أفتح كتابا في الفن المصري حتى أجد كلمة (الصرامة) نعتا من نعوت هذا الفن، ولا أفتح كتابا في الفن الإغريقي إلا وجدت كلمة (الحياة) وكلمة (الإنسانية) من نعوت هذا الفن، نعم. الحياة هي كل شيء عند الإغريق، قد يدفعهما حب البحث إلى لمس حدود الحياة الأخرى فيلمسونها بالعقل والمنطق لا بالقلب والروح. فلسفتهم فلسفة العقل والمنطق والحياة، فلسفة الحركة لا فلسفة السكون، عند مصر والهند السكون، عند الإغريق الحركة، قرأت حديثا (المقبرة البحرية) لـ (بول فاليري) وهو المتصل اتصالا مباشرا بالفلسفة اليونانية. فإذا هو يشير في القصيدة إلى الحركة والسكون، وإذا الحركة عنده من خصائص الكينونة الواعية الفانية، والسكون من خصائص العدم الخالد غير الواعي، وهو يعارض زينون الألياتي في إنكاره للحركة ويتغنى في آخر القصيدة بانتصار الحركة على قصرها وفنائها، فهو في ذلك لم يخرج عن يونانيته المكتسبة. ولم يفهم في رأيي روح مصر والهند، ولم يشرف على ذلك العالم الخالد غير الواعي، كان دون هذا الإشراف والاتصال والتجرد التام من كل عقل آدمي أو منطق بشري، هذه هي الصعوبة في فهم مصر والهند، وهذا ما جعل الفن المصري سرا مغلقا حتى أوائل هذا القرن، وما صرف الناس إلى دراسة اليونان وحدها، فهي واضحة المعنى يسيرة المنال. لأنها لزمت شاطئ الحياة.
    حظ الإغريق في كل هذا حظ العرب. العرب أيضا أمة نشأت في فقر لم تعرفه أمة غيرها، صحراء قفراء، قليل من الماء يثير الحرب والدماء، جهاد وكفاح لا ينقطعان في سبيل العيش والحياة، أمة لاقت الحرمان وجها لوجه، وما عرفت طيب الثمار وجري الأنهار ورغد العيش ومعنى اللذة إلا في السير والأخبار، كان حتما عليها ألا تحس المثل الأعلى في غير الحياة الهنيئة، والجنات الخضراء، والماء الجاري، وألوان النعيم واللذائذ التي لا تنضب ولا تنتهي، أمة بأسرها حلمت بلذة الحياة ولذة الشبع، فأعطاها ربها اللذة ومنحها الشبع. كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة، لذة سريعة منهومة مختطفة اختطافا، لأن كل شيء عند العرب سرعة ونهب واختطاف، عند الإغريق الحركة، أي الحياة، وعند العرب السرعة، أي اللذة، لم تفتح أمة العالم بأسرع من العرب، ومر العرب بحضارات مختلفة فاختطفوا من أطايبها اختطافا ركضا على ظهور الجياد، كل شيء قد يحسونه إلا عاطفة الاستقرار. وكيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماض ولا عمران! دولة أنشأتها الظروف ولم تنشئها الأرض، وحيث لا أرض فلا استقرار، وحيث لا استقرار فلا تأمل، وحيث لا تأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال واسع ولا تفكير عميق ولا إحساس بالبناء، لهذا السبب لم تعرف العرب البناء، سواء في العمارة أو الأدب أو النقد، الأسلوب العربي في العمارة من أوهى أساليب العمارة التي عرفها تاريخ الفن، وإذا عاش لليوم فإنما يعيش بالزخرف، فن الزخرف العربي أنقذ العمارة العربية، إن العمارة العربية ـ إلا في مصر ـ ما هي في رأيي سوى زخرف لا بناء، فلا أعمدة هائلة ولا جبهة عريضة ولا وقفة قوية ولا بساطة عظيمة ولا روعة عميقة، إنما هي وشي كثير وجمال كجمال الحلي المرصع يهز البصر ولا فكر خلفه. أما فن الزخرف العربي فهو في الحق أجمل وأعجب فن للزخرف خلده التاريخ. والزخرف عند العرب وليد ذلك الحلم باللذة والترف، كل شيء عند العرب زخرف. الأدب نثر وشعر لا يقوم على البناء، فلا ملاحم ولا قصص ولا تمثيل، إنما هو وشي مرصع جميل يلذ الحس، فسيفساء اللفظ والمعنى، و(آرابسك) العبارات والجمل. كل مقامة للحريري كأنها باب جامع المؤيد، تقطيع هندسي بديع. وتطعيم بالذهب والفضة لا يكاد الإنسان يقف عليه حتى يترنح مأخوذا بالبهرج الخلاب، كذلك الغناء العربي (آرابسك) صوتي، فلا مجموعة أصوات متسقة البناء كما في (الديتيرامب) أو (الأوركسترا) الإغريقية أو كما في (الكورس) الجنائزي المصري، ولا حتى مجرد صوت ينطلق حرا بسيطا مستقيما. إنما هو صوت محمل بألوان المحسنات من تعاريج وانحناءات والتواءات وتقاسيم كأنها (ستالاكتيتات) غرناطية، لا يكاد يسمعه (القاضي الفاضل) حتى يستخفه الطرب ويضع نعله فوق رأسه؛ كان هذا في العهد الأول للموسيقى إذ كانت عند جميع الشعوب بسيطة عارية تخرج من القلب تعبيرا عما في القلب، أو رمزا لفكرة من الأفكار. والموسيقى كالعمارة من الفنون الرمزية لا الشكلية، ولكن العرب لا يحبون الرموز، ولا طاقة لهم بالفن الرمزي، ولا يردون إلا التعبير المباشر بغير رموز، وإلا الصلة المباشرة بالحس، فجعلوا من الموسيقى لذة للأذن لا أكثر ولا أقل، ولقد حاول الفارابي فيما أذكر التقريب بين الموسيقى العربية والموسيقى الإغريقية، وكان لا بد له من الإخفاق لأسباب قد أذكرها بعد، كذلك التصوير العربي على جماله ودقته ليس إلا مجرد تزيين وزخرف للكتب والمخطوطات لم يؤد لغير تلك الغاية (المنياتور) الفارسي. قد يكون للدين دخل في تأخر النحت والتصوير عند العرب، غير أني أعتقد براءة الدين. أن العرب كانوا دائما ضد الدين كلما وقف الدين دون رغبات طبائعهم، لقد حرم الدين الشراب، فأحلوا هم الشراب في قصور الخلفاء، وما وصفت الخمر ولا مجالس الخمر في أدب أمة بأحسن مما وصفت في الأدب العربي، لا شيء في الأرض ولا في السماء يستطيع أن يحول بينهم وبين اللذة، أما النحت أو التصوير الكبير فليس في طبيعتهم، لأن تلك فنون تتطلب فيمن يزاولها إحساسا عميقا بالتناسق العام مبناه التأمل الطويل والوعي الداخلي للكل في الجزء وللجزء في الكل، وليس هذا عند العرب، فهم لا يرون إلا الجزء المنفصل وهم يستمتعون بكل جزء على انفراد، لا حاجة لهم بالبناء الكامل المتسق في الأدب، لأنهم لا يحتاجون إلا للذة الجزء واللحظة، قليل من الكتب العربية في الأدب تقوم على موضوع واحد متصل، إنما أكثر الكتب كشاكيل في شتى الموضوعات تأخذ من كل شيء بطرف سريع: من حكمة وأخلاق ودين ولهو وشعر ونثر ومأكل ومشرب وفوائد طبية ولذة جسدية، وحتى إذ يترجمون عن غيرهم يسقطون كل أدب قائم على البناء، فلم ينقلوا ملحمة واحدة ولا تراجيديا واحدة ولا قصة واحدة، العقلية العربية لا تشعر بالوحدة الفنية في العمل الفني الكبير، لأنها تتعجل اللذة، يكفيها بيت شعر واحد أو حكمة واحدة أو نغم واحد أو زخرف واحد لتمتلئ طربا وإعجابا، لهذا كله قصر العرب وظيفة الفن على ما نرى من الترف الدنيوي وإشباع لذات الحس، حتى الحكمة، وشعراء الحكمة كانوا يؤدون عين الوظيفة: إشباع لذة المنطق، والمنطق جمال دنيوي ولا أستغرب غضب نيتشه على إيروبيد لإسرافه في هذا المنطق على حساب الموسيقى، ومن المستحيل أن نرى في الحضارة العربية كلها أي ميل لشؤون الروح والفكر بالمعنى الذي تفهمه مصر والهند من كلمتي الروح والفكر. إن العرب أمة عجيبة، تحقق حلمها في هذه الحياة، فتتشبث به تشبث المحروم، وأبت إلا أن تروي ظمأها من الحياة وأن تعب من لذتها عبا قبل أن يزول الحلم وتعود إلى شقاوة الصحراء، وقد كان. إن موضع الحضارة العربية من (سانفونية) البشر كموضع الـ (سكيرتزو) من سانفونية بيتهوفن: نغم سريع مفرح لذيذ!!
    لا ريب عندي أن مصر والعرب طرفا نقيض: مصر هي الروح، هي السكون، هي الاستقرار، هي البناء، والعرب هي المادة، هي السرعة، هي الظعن، هي الزخرف!
    مقابلة عجيبة: مصر والعرب وجها الدرهم، وعنصرا الوجود، أي أدب عظيم يخرج من هذا التلقيح! إني أؤمن بما أقول يا دكتور. وأتمنى للأدب المصري الحديث هذا المصير: زواج الروح بالمادة، والسكون بالحركة، والاستقرار بالقلق، والبناء بالزخرف! تلك ينابيع فكر كامل ومدنية متزنة لم تعرف البشرية لها من نظير، إن أكثر المدنيات تميل إما إلى ناحية الروح وإما إلى ناحية المادة.
    حضارة واحدة قيل أنها استطاعت في وقت ما هذا المزج بين الروح والمادة وهذا الاتزان بين عنصري الوجود، تلك حضارة الإغريق. نعم أعود فأرد إلى أمة الإغريق اعتبارها، وأعترف أني عندما وضعتها في كفة المادة كنت متأثرا بكلام (تين) فضللت السبيل. (تين) عقل خلاب لكنه عقل. والعقل وحده بعيد عن فهم الجانب الروحي للمدنيات. ما هداني إلى الحق إلا القلب. . . ألا طول تأملي في جبهة (البارتينون). من دماغ ذلك الجواد الذي خلقته يد (فيدياس) فوق هذا المعبد خرجت أفكار توحي إلي بأن أولئك القوم كانوا أعمق مما نظن، وكانوا يشعرون بشيء آخر غير مجرد المادة الظاهرة، وما لبثت (ميلبومين) أن جاءتني ببينة أخرى، وتأملت قليلا فرأيت القناع قد كشف. ذكرت أن أصل الإغريق جنسان مختلفان: اليونان القادمون من آسيا المعروفون عند الهنود باسم (اليافاناس) أي عباد (يونا) والدوريون الحربيون البرابرة الهابطون من الشمال، اله اليونانيين: (ديونيزوس) إله الدوريين (أبولون). وهاهنا تفسير الإغريق: في هذا الصراع بين ديونيزوس رمز الروح والقوى الشائعة والنشوة. . . وبين أبولون رمز الفردية والشخصية الفارزة والوعي، الصراع بين الروح والمادة، وبين القلب والعقل، وبين النشوة والوعي، ديونيزوس إله آسيوي فيما يخيل إلي، جلب من الهند بالأمراء. فغدا في اليونان ينبوع الموسيقى، لهذا السبب قدرت إخفاق الفارابي، أن الموسيقى العربية وليدة عقل واع، لأن العرب أمة الفردية والوعي والمنطق العقلي والظاهر المحسوس، إن العرب من عباد أبولون وهم لا يشعرون. إن العرب لا يمكن أن يفهموا ديونيزوس ولا نشوة ديونيزوس. تلك النشوة الدينية الجارفة التي تخرج صاحبها من سيطرة العقل والوعي كي تصله مباشرة بالطبيعة. إن أغاني عباد (باكوس) الحماسية في الغابات ومزامير الـ (ساتير) لشيء بعيد إدراكه على العقلية الفردية، شعور الإنسان في لحظة أنه انقلب مخلوقا له جسم جواد ورأس رجل أو أرجل ماعز. هذا الاتحاد بين الحيوان والإنسان إحساس ليس له مثيل إلا عند المصريين القدماء، وهذا التلاقي بين الأنواع وبين القوى في مخلوق واحد لهو عند الأولين بقية ذكرى تلك المخلوقات الإلهية البائدة التي كانت تحكم الأرض قبل ظهور الإنسان. . . مخلوقات لا هي من الإناث ولا هي من الذكور، ولا هي من الحيوان، ولا هي من الإنسان، لأن الأجناس والفصائل لم تكن قد فرزت. كذلك (الساتير) في الميثولوجيا الإغريقية رمز الإنسان الأول، ذلك الإنسان الداني من الحيوان القريب من الآلهة، يدنو من الحيوان بغريزته الجنسية المتيقظة ينبوع القوة الخالقة عند الإغريق كما هي عند المصريين، ويقرب من الآلهة بغريزته الروحية المتصلة بقوى الطبيعة الإلهية، فهو ما زال يحتفظ بقبس من الحكمة العليا بدون أن يشعر، وببريق من ذلك النور الروحي والإلهام الذاتي يرى به كتلة الزمن من ماض وحاضر ومستقبل في شبه لمحة واحدة.
    تلك القدرة الخفية هي حاسة بائدة كانت للإنسان الأول، وفقدناها اليوم، نعم فقدنا كل القوى الروحية التي منحتنا إياها الطبيعة يوم كنا نحبها ونتصل بها، ولم يبقى لنا اليوم إلا العقل المحدود والمنطق القاصر. وها نحن اليوم في هذا الكون الهائل مخلوقات منفردة منبوذة! أين ذهب ديونيزوس؟ وهل يبعث من جديد؟ وإذا بعث فهل يجد من يعرفه في هذا العصر ذي الحضارة المادية الفردية؟!
    رجل واحد ما زال يذكر هذا الإله ويستطيع أن يعرفه إذا ظهر كما عرف غالياس أصحاب الكهف!! وهو وحده كذلك الذي يستطيع أن يستقبله باسم هذا العصر، هذا الغالياس العصري هو: (تاجور) انه يتكلم كثيرا عن ذلك الاتحاد بين الإنسان والطبيعة. وعن ذلك الفاصل المرفوع بين الحياة الخاصة والحياة العظمى التي تخترق الكون. وعن ذلك الحب بين الإنسان والجماد. هذا كلام جميل. لكن هل تراه يشعر بحقيقته؟ يخيل إلي أن تلك الحقائق قد انطوت بانقضاء دولة الإغريق. بل لقد انقضت قبل أن تنقضي دولة الإغريق. انقضت بطغيان منطق سقراط على روح هوميروس. انقضت بطرد ديونيزوس من تراجيديات ايروبيد (غضبة نيتشه المعروفة) انقضت بظهور براكسيتيل على فيدياس، انقضت بغلبة الإحساس العقلي على الإحساس الروحي، انقضت بانتصار (أبولون) في النهاية على (ديونيزوس). وهكذا اختل التوازن، ورجحت كفة المادة، وانطفأت الحضارة الإغريقية إلى الأبد. ولم ترث أوربا منها غير كنوز العقل والمنطق، وبقيت في الظلام كنوز ديونيزوس الخفية.
    لم تنجح اليونان إذن النجاح المطلوب في تطعيم الروح بالمادة، فهل تأمل مصر بلوغ هذه الغاية يوما؟ أرجو من الدكتور أن يجيب، أنت وأصحابك ومدرستك قد فرغتم من تصوير وجه الأدب المصري، ولم يبقى إلا صبغه باللون الخاص، وطبعه بالروح الخاصة، فما هو هذا اللون؟ وما هي هذه الروح؟ إن ردك على هذا السؤال نور يلقي على طريق الجيل الجديد.
    الرسالة، ١ سبتمبر ١٩٣٣

    إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
    سيدي الأستاذ
    لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
    لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
    وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
    قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
    كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
    نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
    لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
    وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
    وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
    أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
    هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
    أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
    الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣

    الرسالة الثانية:
    من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين

    عزيزي الدكتور،
    قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
    نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
    إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
    اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
    النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
    أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
    الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
    ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
    إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
    إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
    خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
    الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
    فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
    ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
    هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
    وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
    أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
    التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
    إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
    لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
    بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
    ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
    إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
    لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
    جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
    القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
    بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
    وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
    لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
    لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
    إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
    ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
    إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
    إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
    ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
    أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
    أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
    فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
    أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
    ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
    هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
    ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
    إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
    وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
    كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.

    توفيق الحكيم

  • المعركة الطويلة من أجل الحرية | The Long Argument for Freedom

    صراع
    بين الحياة والرأي صراع خطير في هذه الأيام تشهده مصر، فيثير في نفسها ألماً لاذعاً، ويقر في قلبها حزناً عميقاً. وغريب جداً أن يقال إن بين الحياة والرأي صراعاً، ولكن هذا على غرابته هو الحق الذي لا شك فيه. فالمصريون جميعاً يحبون حرية الرأي، ويحرصون عليها، ويودون لو ظفروا بها، ويكرهون كل الكره أن يحرم بعضهم مهما يكن حق الاستمتاع بها. ولكن المصريين جميعاً يحبون الحياة، ويحبون الحياة الحلوة الناعمة – وكثير منهم مع الأسف الشديد – لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يكن هذا التكوين الذي يمكنه من أن يفهم الحياة على وجهها، ويقدرها حق قدرها، ويضعها في الموضوع الذي يجب أن تكون فيه. ويعلم أن الحياة في غير حرية موت، وأن الحياة في غير كرامة موت، وأن الحياة في غير عزة موت.
    نعم بين المصريين – مع الأسف الشديد – جماعة يُخيل إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب، وهي اللذة واللهو، وهي الفكاهة والمزاح، وهي قضاء الوقت بين طائفة من الأعمال الآلية وطائفة من اللذات المنحطة، لا يستطيعون أن يرقوا بالحياة إلى ما فوق هذا، فهم راضون عن أنفسهم إذا أدوا هذا العمل الآلي، وهم راضون عن أنفسهم إذا ظفروا بهذه اللذات الفارغة، وهم على هذه الحياة حراص، يبذلون في سبيلها كل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، وينزلون من أجلها عن كل شيء، لأنهم لم يتعودوا أن يؤثروا بها شيئاً غيرها! ولا تقل لهؤلاء الناس إن حياتهم هذه لا ترفعهم إلى طبقة الإنسان المتحضر حقاً، الممتاز حقاً من الكائنات الحية الأخرى التي تحيط به، وتشاركه في الحياة! فهم لا يفهمون عنك هذا القول، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأن هذه الكائنات الحية الأخرى لا تختلف إلى المكاتب والدواوين كما يختلفون، ولا تذهب إلى الأندية والملاهي كما يذهبون، ولا تلعب النرد والشطرنج كما يلعبون، ولا تحكم الناس كما يحكمون، ولا تأخذ في ألوان الجد والهزل كما يأخذون. فهم إذن ممتازون من هذه الكائنات الحية. وهم يكتفون بهذا النوع من الامتياز الساذج اليسير. ولا تحدث هؤلاء الناس عن أن الإنسان ليس إنساناً بهذه المظاهر اليسيرة من مظاهر الحياة، وإنما هو إنسان بعقله الذي يفكر وينتج، وبإرادته التي تنظم عمله ونشاطه، وبكرامته التي ترفعه عن الذلة وتمنعه من قبول الضيم، وبعزته التي تكره له أن يكون أداة في يد إنسان آخر مهما يكن، أو في يد سلطان مهما يعظم حظه من القوة والبأس. لا تحدثهم عن هذا فلن يفهموه عنك، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الحديث، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأنهم يرون ذلك نوعاً من فلسفة الفلاسفة، وأحاديث الكتب، لا يحقق مأرباً قريباً، ولا يدني من لذة حلوة، ولا يمكن من نيل الدرجة الرابعة أو الثالثة! ولا يتيح الظفر بعلاوة تزيد المرتب ثلاثة جنيهات أو أربعة! ولا يجلو من ثغر الوزير إذا دخلت عليه! ولا يضمن حسن حديث الوكيل إذا وقفت بين يديه!
    ومن يدري، لعله يقصيك عن المنصب، ويصرفك عن العمل، ويضطرك إلى الحرمان، ويكلفك الصبر على ما لم تتعود أن تصبر عليه، ومن تعود الأكل الرقيق فعزيز عليه أن يرد إلى الأكل الغليظ، ومن تعود الزي الأنيق فعزيز عليه أن يرد إلى الزي المهمل، ومن تعود البيت الجميل فعزيز عليه أن يهبط إلى البيت المتواضع، ومن تعود أن يعود إلى أهله فيراهم راضيين ناعمين، شق عليه أن يعود إليهم فيرى على وجوههم آيات الحزن، وعلى أشكالهم مظاهر الضر، ويحس في حديثهم نبرات الحزن.
    وإذن فما الحرية والعزة والكرامة بالقياس إلى هذه الحياة الناعمة، يغبطك عليها الصديق، ويحسدك عليها العدو، وتمكنك من أن تجتني زهرات اللهو مختلفة، وتطمئن إلى أن أهلك آمنون، ليس عليهم خوف ولا بأس.
    في مصر كثير من هؤلاء الناس، وهم سواء رضينا أو كرهنا مصدر ما تجده مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا، أو لا لشيء إلا لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعيشوا!
    هؤلاء الناس هم رسل الذلة إلى قومهم! وهم طريق الخضوع إلى مواطنيهم! وهم العقبة التي تحول بين بلادهم وبين الكرامة والحرية والاستقلال! هم يريدون أن يعيشوا، والطغاة يمهدون لهم سبل العيش، ويمهدون لهم أسبابه، ويتقاضون منهم ثمناً لهذا العيش، شيئاً يسيراً لا يؤذيهم، ولا يعنيهم ولا يكلفهم مشقة، ولا يحملهم جهداً، وهو الطاعة. وأي شيء أيسر من الطاعة في سبيل العيش، بل أي شيء أيسر من أن تقدم الطاعة ولو لم تطلب منك، بل أي شيء أيسر من أن تسبق إلى أهواء سيدك فتعرفها حق المعرفة وترضيها حق الإرضاء، وتريح سيدك من أن يتقدم إليك في أمر من الأمور، أو غرض من الأغراض. لولا هؤلاء الناس ما وجد الطغيان سبيلاً إلى السيطرة على أي بلد من بلاد الأرض في هذا العصر الحديث. فقد ارتقى العقل الإنساني حتى تبين له الرشد من الغي، وحتى فرق بين الحياة الحرة والحياة المستعبدة، وحتى فرق بين العزة والذلة، وبين الكرامة والهوان، ولكن أخلاق الناس لم ترتق كما ارتقى العقل، فكان منها القوي، وكان منها الضعيف. وعَرَف الطغيان كيف يحارب الأخلاق القوية باستغلال الأخلاق الضعيفة المنحلة.
    تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي مكنت للطغيان في الأرض فلن ترى إلا ضعف الأخلاق وفسادها، وإسراف فريق من الناس في حب أنفسهم، وإيثار منافعهم القريبة على كل شيء آخر.
    كل شيء في هذه الأيام يدعو إلى أن تمتلئ النفوس بهذه الخواطر، هذا الاضطراب في الآراء بين حين وحين، هذا العجز عن الثبات على الرأي الواحد أكثر من يوم، هذا الإعلان للرأي صباحاً، والاعتذار منه إذا كان المساء، هذا الإقدام الذي يصورك في صورة البطل، ثم الإحجام الذي يردك إلى أيسر منازل الرضا والإذعان. هذا التحدث في الخلوة إلى أصدقائك وأصفيائك بما يملأ نفسك من السخط والإنكار، حتى إذا كان الجهر والعلن انقلب السخط رضا. واستحال الإنكار تأييداً. هذه البشاشة الظاهرة تخفي بغضاً لا يشبهه بغض، وهذا التنكر الظاهر يخفي حباً لا يشبهه حب. هذا التجنب للأصدقاء مخافة الرقباء، هذا التقرب إلى الأعداء لإرضاء الرؤساء. كل هذا ليس إلا مظاهر مختلفة لهذا الصراع الأليم بين حرية الرأي وحب الحياة.
    حب الحياة وإيثارها على الحق والحرية، هو الذي يدفع جماعة من الموظفين إلى أن يتورطوا في ألوان من الإثم ينكرها النظام، ويعاقب عليها القانون، لأنهم يريدون أن يرضوا رؤساءهم، ولعلهم لو خُلِّيَ بينهم وبين ضمائرهم لما اقترفوا هذه الآثام، ولا فكروا فيها، ولكنهم ضعفاء، يريدون أن يعيشوا ولا بد من إرضاء الرؤساء ليمكن العيش!
    حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يسكت العلماء على مضض، ويضطرهم إلى قبول الضيم في غير شكوى، إلا أن يخلوا إليك وأن تكون لهم صفياً ولياً. بل حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يضطر العلماء أحياناً إلى أن يثنوا على ما يكرهون، بل إلى أن يحبوا ما يكرهون أحياناً! فيشكروا لمن أساء إليهم إساءته، ويحمدوا لمن اعتدى عليهم عدوانه! ويتمنوا على هذا المسيء المعتدي أن يبالغ في الإساءة والاعتداء! حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي صرف وزارة المعارف عن كتاب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك عن عصر إسماعيل، وصدها عن أن تقرره لمكاتب المدارس.
    فالذين درسوا هذا الكتاب – ولست أعرفهم – متعلمون من غير شك، مثقفون من غير شك، مؤرخون من غير شك. وهم يعلمون حق العلم أن الحرية أساس للتاريخ. وهم يعلمون من غير شك أن الذين يكتبون في التاريخ ليسوا مكلفين إرضاء القراء، سواء كانوا سادة أو عامة، وإنما هم مكلفون أن يرضوا ما يعتقدون أنه الحق. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع عقوبة، وإنما يستتبع مناقشة ورداً إلى الصواب. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع زهداً في كتب المخطئ، وإنما يستتبع بقاءها في المكاتب لأنها أوعية الإنتاج العقلي الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب. هم يعلمون هذا كله ولكنهم مع ذلك يأبون أن يوضع كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مكاتب المدارس لأنه نقد ناحية من نواحي إسماعيل!
    ثم هم يعلمون إن كانوا مؤرخين – وما نظن وزارة المعارف عهدت بكتاب في التاريخ إلى جماعة من الرياضيين أو الفقهاء. إن الأستاذ الرافعي لم يقل في السياسة المالية لإسماعيل إلا ما يقوله المؤرخون المحققون جميعاً، فهو لم يخطئ، وهو لم يتعمد التشويه، ولكنه قال الحق، وجَدّ في تحري الصواب، ولكنهم مع ذلك أو قل ولكنهم لذلك يأبون تقرير الكتاب لمكاتب المدارس، لماذا؟ لأن هذا العهد السعيد لا يحب الحق، ولا يذوق حرية الرأي، ولا يستريح إلا إذا رسمت للناس آراؤهم ومذاهبهم في العلم والعمل، وفي السياسة والدين، وفي التاريخ أيضاً. وكذلك يجب أن يكون إسماعيل معصوماً من الخطأ، موفقاً إلى الصواب في كل ما أتى، وفي كل ما رأى وفي كل ما قال. فمن رأى غير هذا أو قال غير هذا فكتبه خليقة بالمصادرة، ولعلها أن تكون خليقة بالتحريق، يُعمل ذلك في ألمانيا، فلم لا يُعمل ذلك في مصر؟
    كل شيء مؤلم في هذا البلد الآن. هؤلاء نفر من الأجانب يضعون كتاباً في تاريخ مصر، يُباع المجلد منه بعشرات الجنيهات، فتشترى الحكومة منه عشرات النسخ، وهؤلاء نفر من الأجانب يضعون دائرة معارف عن مصر القديمة فتشترك الحكومة منها في مئات النسخ إن لم تشترك في الآلاف. وهذا رجل مصري يقف حياته وجهوده على أن يدرس تاريخ وطنه، ويضع فيه كتاباً ممتعاً، لم يسبق له مثيل في اللغة العربية، ولم تستطع وزارة المعارف ولن تستطيع قبل أعوامٍ طوالٍ أن تضع مثله، أو أن تضع كتاباً قريباً منه. فإذا عرض كتابه هذا على الوزارة لتضعه في مكاتب المدارس قيل له: حَجْراً محجوراً، حرام أن يوضع هذا الكتاب في مكاتب الوزارة ومدارسها لأنك قلت في سياسة إسماعيل غير ما نحب!
    تبارك الله، وهل وثقت وزارة المعارف بأن كل ما في هذه الكتب الأجنبية التي تشتريها وتنفق فيها الألوف ملائم لما تحب؟ ومتى كان حب الوزارة أو بغضها مقياساً لجودة الكتب أو رداءتها، ومقياساً لوضع هذه الكتب بحيث يستطيع أن ينظر فيها الأساتذة والطلاب!
    يجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي بأنه مصري، وبأن المصري غريب في بلاده الآن! ويجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك بأن كتابه إن لم يوضع في مكاتب الوزارة الآن فسيوضع فيها غداً كما وضع فيها من قبل. وسيقرأه الأساتذة والطلاب في غير مكاتب الوزارة إلا أن تصادره إدارة الأمن العام. ويومئذ أهنئ الأستاذ بفوز الشهداء، ولكن كم أحب لهذا الجيل الناشئ، كم أحب لهذا الشباب الذي لم يتدنس بالإسراف في حب الحياة أن يتدبر هذا كله، ويفكر في هذا كله، ويجِدّ منذ الآن في أن يفهم الحياة على وجهها، والواجب على وجهه حتى إذا ارتقى بعد حين إلى حيث المناصب، والإشراف على المنافع العامة، لم يخضع لهذا الصراع الأليم بين الكرامة والحق والحرية، وبين حب العيش.

    حرية…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
    فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
    وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
    والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
    كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
    ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
    أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
    إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
    وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
    طه حسين
    صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.

    الحرية أولًا
    «نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
    تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.

    ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.

    تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.

    على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.

    ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب، ولكن دون ذلك أهوال

    يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.

    فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.

    وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟

    ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.

    حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.

    وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.

    خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.

    وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.

    وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.

    فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.

    إن الفن حرية لا رق.

    فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.

    أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!

    إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.

    فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:

    فيا دارها بالكرخ إن مزارها
    قريب ولكن دون ذلك أهوال

    والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.

    وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.

    ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.

    فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.

    وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.

    وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.

    وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.

    أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟

    ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟

    الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.

    وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.

    فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.

    فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.

    والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
    أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.

    فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟

    وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟

    لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.

    نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.

    وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.

    والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.

    فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…

    إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.

    طه حسين

    الهلال، ١-١-١٩٤٨.

    الديمقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    سيدي صاحب المقام الرفيع، أصحاب المعالي والسعادة، سيداتي سادتي:
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والأفراد بدونهما. أما أولهما فهو طموح الشعب إلى أن يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها، ويستعين بها، وإلى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل إليه من كمال.. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديمقراطية، ولا أظن الديمقراطية نفسها تفهم نفسها إلا على هذا الوضع. فالديمقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه، وهي الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا. والديمقراطية في هذا ليست إلا العلم والمعرفة، فإذا كان هذا حقًا، وأظن أنه حق، فالصلة بين الجامعة والديمقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها.
    وعلى هذا الأساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح، وما أظن أن الشعب قادر على أن يستكشف شيئًا من هذا، إذا كان جاهلاً.
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت أن الديمقراطية لا تبغض شيئًا كما تبغض الجهل، ولا تحب شيئًا كما تحب العلم، وكما تحب المعرفة.
    سيداتي سادتي:
    إن الله لم يختص مصر بخصب أرضها فحسب، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل إليها من علم ومعرفة، فيصبح نافعًا لها ولغيرها، وما أكثر النباتات والأشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر، وأفادت بها غيرها من البلدان.
    فقد انتقلت إلى مصر في الأزمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الوسطى الحضارة الإسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الأوروبية الحديثة فتنمو وتزدهر وهي الآن مصدر نفع للإنسانية كلها. فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار، فإذا كان هذا حقًا فقد نقلت إلى مصر في هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل إليها حتى نمت وأثمرت وهي شجرة الديمقراطية.
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى أخذت تهدي ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب وإظهار الشعب على أنه في حاجة شديدة جدًا إلى أن يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع.
    فرقي التعليم في مصر واتساعه وتعمقه إنما هو مقترن بوصول الديمقراطية إلى مصر، وكلما أحست مصر حياة ديمقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم، وأن تتعلم إلى غير حد.
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الأخيرين، فلم تكد الديمقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدًا… وكم أتمنى أن أقول بغير حساب، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل إليه حتى نحيا حياة ديمقراطية صحيحة.
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديمقراطية والحكومات الديمقراطية، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل، وهي لا تريد أن تتوسع بغير حساب، ولكن الديمقراطية التي تختلط بدم الشعب، وهذه الديمقراطية تطلب بغير حساب. وإذا كان العقل مضطرًا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد، فإن طبيعة الأشياء أقوى وأبعد مدى من العقل… فإذا وصل إليه العقل اليوم إلى شيء، فإن طبيعة الأشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل، وإذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع في التعليم فستكرهنا غدًا على التوسع جدًا، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع.
    وإذا كانوا ينظرون إليه نظرة امتعاض، فإني أوكد لكم غير متردد، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية، ولكنها خطوة بدائية إن كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان، فإنها ستدفعنا حتمًا إلى تعميم التعليم الثانوي بالمجان، وإلى تعميم التعليم العالي بالمجان أيضًا….
    ذلك أن الديمقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء، وليحرص عليها غير متردد. ووسيلة الشعب إلى أن يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وإنما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديمقراطية، وحاجة الديمقراطية إلى العلم لا تنقضي.
    ليس المهم أن ديمقراطيتنا طموحة إلى العلم، فهذا شيء مقرر، وإنما يهمنا أن نزيل بعض الأوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديمقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديمقراطية.
    فينا مثقفون ممتازون جدًا، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود، وهم، يذهبون إلى أن التعليم الجامعي ينبغي أن يكون محدودًا أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغي أن يدفع إليه الشعب دفعًا عنيفًا، وإنما يجب أن نقدم عليه محتاطين، لأن الشعب إذا تعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا فقد يطمع فيما ينبغي ألا يطمع فيه، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه، وقد يأمل حياة لا ينبغي أن يكون له فيها أمل.
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي، ويدعون دائمًا إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم. ولكن يخيل إليّ أن هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها خطرة على الديمقراطية والنظام الديمقراطي، فضلًا عن أنها لا تستقيم مع طبيعة الأشياء. ذلك أن التعليم الجامعي إما أن يكون خيرًا وأما أن يكون شرًا، فإذا كان خيرًا فالديمقراطية تدعو إلى المساواة فيجب أن يتساوى الجميع في الخير. وإذا كان شرًا فلا ينبغي أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه، إنما الواجب أن يتساوى في الشر الجميع.
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر؟ وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد أن أجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين في الخلق والدين، ولكني أعني الماديين في الاعتبار المعتاد، الذي يرمي إلى الكسب والخسارة.
    أريد أن أجيب كما يحب هؤلاء ولا أجيب كالذين يحبون العلم للعلم، ولكني أحببت أن أجيب عنه على أساس الكسب والخسارة.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
    إنها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئًا، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن أن تستثمر بها هذه الموارد.
    وإذن فحياتنا المادية نفسها، هذه الحياة التي تعني الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى أن نفكر فيها ونعمل لها.. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي، ولا شيء إلا التعليم العالي…
    قد يقال إن التعليم المتوسط، أو الأولي أو الثانوي كافٍ، ولكن صدقوني أن هذا كلام يقال، وأبسط ما يدل عليه أن الذين يقولونه لا يفكرون فيه، ذلك أن التعليم المتوسط والأولي والثانوي لا يمكن أن يوجد أو ينظم أو يؤتي ثمره القريب أو البعيد إلا إذا أشرف على إدارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظًا كبيرًا جدًا من التعليم العالي. فليس بكافٍ أن يريد الإنسان شيئًا، ولكن ينبغي أن يكون فاهِمًا ما يريد.
    فالذين يريدون أن يكتفى بالتعليم الأولي أو الثانوي أو المتوسط، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل. وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض، بل يوجه إلى الجامعة وإلى التعليم العالي أنه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعني بالحياة العملية، وهذا ممكن، ولكن في غير البلاد الديمقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره، ويقدر حاجاته ومطامحه.
    ذلك أن الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص، وإنما الجامعة بيئة للتعليم الذي يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرًا مستقيمًا جليًا مرنًا واسعًا يشمل كل ما يمكن أن يتجه إليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الإنسان النظرية والعملية في وقت واحد، فإذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان، فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة، وإذا رأينا جامعة تعني بالعلم لأنه يرقي العقل والحياة نفسها، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعًا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليًا وعلميًا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها.
    إذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديمقراطية من الجامعة، إنما يخطئون فهم الجامعة، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته، وأؤكد لكم أنه لو وجدت مدرسة تعني بالعلم من حيث هو علم، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية، لأعرض الشعب عنها إعراضًا تمامًا، ولباءت هذه المدرسة بالخذلان. فلنطمئن إلى أن الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت:
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه. والديمقراطية تقوم على العدل.
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل، هو هذه الفكرة التي أدخلها وزير المعارف في التعليم، وهي فكرة (تكافؤ الفرص).
    «تكافؤ الفرص» يعطي كل ما يمكن أن يعطيه للفرد، وهو لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من أنواع التعليم. بل لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من الحياة كلها. وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائي، وسيصل إلى التعليم الثانوي، ثم إلى التعليم العالي، وغدًا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياة كلها.
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتي كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمته، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفًا لما اصطلح عليه الناس في هذه الأيام وهو «العدالة الاجتماعية».
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وأؤكد لكم أن تحقيق التوازن بينهما، بين ما يطمح إليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال. لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير، وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي.
    إن هناك قومًا يرون قصر التعليم العالي على جماعة دون جماعة، فإن كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليمًا عاليًا.. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالي.. ولكن كيف ومن هم أولًا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟!
    أتصل ذلك بالثروة؟!.. لو أن الأمور عُقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديمقراطية. أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عُقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضًا للديمقراطية.. وإذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعًا أن يتعلموا تعليمًا عاليًا، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص.
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالي مصري مهما تكن ظروفه، وإنما ينبغي أن ترد الحياة نفسها، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضي في هذا التعلم.
    ليس هناك إذن سبيل إلى أن يحول في النظام الديمقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم.
    فإذا أتيحت المقدرة للشباب فينبغي أن تفتح في وجوههم أبواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعي والعالي عن اللون النظري الخالص، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد.
    ومن الخير أن ألاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا، فهي لا تنشئ مدارس إلا على أساس حاجات البلاد، وقد أخذت تعرف للتعليم قدره، وللجامعيين قدرهم، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على أنهم أعضاء كرام في شعب كريم، وهذا المثل الأعلى الذي أقدمت عليه اليوم، وما أشك في أنها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الأيام، فأنا جميعًا نتمنى أن تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب، بل أن يتعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا.
    الوفد المصري، ٩ يونية ١٩٤٤.

    الضمائر القلقة
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    يظهر أن في الضمير المصري شيئًا من قلق يحتاج أن يعنى به الذين يهمهم أن يكون الضمير المصري راضيًا مطمئنًا وآمنًا مستريحًا فقلق الضمير مصدر شر كثير أيسره فتور العزم، وكلال الحد والتردد بين الإقدام والإحجام حين تقتضي ظروف الحياة أن نختار بين الإقدام والإحجام. ويكفي أن نلاحظ الفرد ذا الضمير القلق والنفس المضطربة لنعلم أنه لا يصلح لشيء حتى يرد إلى ضميره الاستقرار وإلى نفسه الاطمئنان فكيف إذا كان هذا القلق شائعًا وهذا الاضطراب شاملًا، وكيف إذا أحس الشعب أنه لا يستطيع أن يثق بشيء ولا أن يركن إلى شيء ولا أن يقدم عن بصيرة ولا أن يحجم عن روية، ولا أن يحكم على الأشياء والأحياء حكمًا يصدر عن التدبر والتفكير.
    ما أحب أن أطيل في المقترحات ولا أن أسلك إلى ما أريد طريقًا ملتوية، وإنما ألاحظ أن شيئًا من الريب قد شمل الناس جميعًا، فليس من كلمة تقال إلا اعتقد الناس أن لها ظاهرًا وباطنًا وأن لها معنى قريبًا يتخذ وسيلة إلى معنى بعيد، وغاية يسيرة تخفي وراءها غاية عسيرة، وليس من عمل يقدم عليه مقدم إلا وله غرض يقصد إليه في العلانية وغرض آخر يقصد إليه في السر الخفي، وإذن فقد عجز الناس عن أن يصدق بعضهم بعضًا أو أن يأمن بعضهم إلى بعض فضاعت بينهم الثقة وشق عليهم التضامن واضطروا إلى حياة منكرة فيها كثير من الشك وكثير من الخوف وكثير من سوء الظن الذي أوشك أن يصبح أصلًا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس.
    وإذا بلغ الشعب هذه المنزلة من القلق كان خليقًا أن يتعرض لشر عظيم وكان حقًا على الذين يدبرون أمره ويقودون الرأي فيه أن يطبوا لهذا الداء ما وجدوا إلى الطب سبيلًا. وقد أردت حين هممت بهذا الحديث أن أقصد إلى شيء من الفكاهة والدعابة ولكن وجدت الأمر أجل خطرًا من الفكاهة والدعابة فقصدت به إلى هذا الجد المر الذي قد يضيق به الكتاب والقراء في هذه الأيام.
    لم أكد أنشر في البلاغ الحديث الأول من هذه الأحاديث حتى أحسست حولي سؤالًا يلقيه بعض الناس إلى بعض، ويجيب بعضهم بعضًا بما يخطر له ثم يتجه إلى السؤال فأعرض عنه، ثم يتجه إليّ في إلحاح فألح في الإعراض، وأقول لنفسي حديث نشر بعد أن طال الصمت وبعد أن كنت منصرفًا إلى بعض الأعمال الهامة، فصرفت عنه فليس من الغريب أن يذهب الناس فيه المذاهب، وأن يلتمسوا له ألوان التأويل، وأن يتخذوا منه ثوبًا يفصلونه على قد هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة، أو يشاركون فيها. ولكني لم أنشر الحديث الثاني حتى ازداد السؤال انتشارًا وازداد السائلون إلحاحًا، وجعل الأصدقاء وذوو المعرفة يعرضون لي حين يلقونني بما فهموا أو بما خيل إليهم أنهم فهموا.
    ثم أمضي في الكتابة ويمضي الناس في التساؤل ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح فيه وإنما يختلف الناس فيما بينهم ويغلون في الاختلاف ويريد بعضهم أن يحتكم إليّ، ويجد عندي حلًا لهذه الرموز وتوضيحًا لهذه الألغاز، ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من هذا التعب الذي اضطررته إليه. ويتجاوز بعضهم هذا كله فيكتب إليّ الرسائل ينبئني فيها بما يعلم من حياة فلان وفلان ومن خصال فلان وفلان ومما يظهر فلان للناس ويخفي عليهم، ويطلب إليّ أن أصدر هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في البلاغ.
    ثم ألاحظ أن الأمر ليس مقصورًا عليّ ولا على هذه الأحاديث التي أذيعها ولكنه يتجاوزني ويتجاوز أحاديثي إلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية، وإلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تجرى على ألسنتهم حين يلقى بعضهم بعضًا. فقد كتب فلان هذه الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها إلى أن يمس فلانًا من قريب أو بعيد، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة أو موقف فلان في الإدارة. أو موقف فلان في البيع والشراء. حتى استيقن الناس جميعًا أنهم لا يتبادلون الحديث بينهم إلا رمزًا. وأن الصراحة والوضوح والجلاء كل هذه أمور قد بعد العهد بها حتى نسيت أو كادت تنسى.
    وليس موقف الناس مما ينشر أو يقال بأقل تحفظًا واحتياطًا من موقفهم إزاء ما يأتيه الساسة من الأعمال أو ما يكون بينهم من التزاور والتواصل. أو ما يكون بينهم من التنافر والتقاطع. ومن المحقق أن الأمر ليس مقصورًا على رجال السياسة وأشباههم من الذين ينهضون بالأعمال العامة. ولكنه يتناول ما يكون بينهم من صلات في حياتهم الخاصة.
    فالزملاء في ديوان من الدواوين أو معهد من معاهد التعليم يشك بعضهم في بعض. ويسيء بعضهم الظن ببعض ويحتاط بعضهم من بعض. قد تعقدت منافعهم. وارتبكت مصالحهم وقرب الرؤساء بعضهم وأبعدوا بعضهم الآخر، فساء ظن أولئك بهؤلاء، واحتاط هؤلاء من أولئك وارتاب الرئيس بهم جميعًا وجرت أحاديثهم حين يتحدثون على الشك والخوف، وجرت صلاتهم حين يتواصلون على الحيطة والتحفظ وأصبحت حياتهم شيئًا لا يطاق.
    ولست أدري – بل لعلي أدري – ولعل كثيرًا من الناس يدرون ما مصدر هذا القلق، وما أصل هذا الريب. فقد دفعتنا هذه الأعوام المتصلة إلى ألوان من الحياة لم نكن نألفها ولا نطمئن إليها وأولها وأظهرها هذه الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب والتي استتبعت مراقبة الصحف والتي ألقت في روع الناس جميعًا أن أمورهم لا تجرى على ما تعودت أن تجرى عليه قبل أن تعلن الأحكام العرفية وقبل أن تفرض الرقابة على الألسنة والأقلام. ومما لا شك فيه أن الأحكام العرفية لم تشمل حياتنا كلها، ولعلها لم تشمل إلا أقلها ولكن الناس قد فرضوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنها قد شملت كل شيء. ومما لا شك فيه أيضًا أن مراقبة الصحف إن اشتدت على الأنباء الخارجية والداخلية فإنها لم تكف الأدباء من أمرهم شططًا حين أرادوا أن يعرضوا للأدب الخالص أو حين أرادوا أن يمسوا الأمور العامة مسًا رقيقًا، فمن حق الصحف أن تضيق بالرقابة ومن حق الناس جميعًا أن يضيقوا بها وبالأحكام العرفية ولاسيما حين يتصل الخضوع لها والاكتواء بنارها. ولكن على كل حال لا تكفي لتشيع هذا القلق بين الناس وتملأ نفوسهم شكًا وريبًا وتجعل سوء الظن أصلًا من أصول الحياة. غير أن الناس لم يخضعوا منذ أعلنت الحرب للأحكام العرفية والرقابة وحدها وإنما خضعوا لأشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرًا في إشاعة القلق والريب، خضعوا لحياة الحرب نفسها وما تفرضه من الغموض في أنباء الحرب والسياسة، وما تقتضيه من هذه الأحاديث المتناقضة التي يكذب بعضها بعضًا والتي تذاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه من هذه الإشارات الغامضة التي تنشر في الصحف والمجلات حتى تعود الناس أن يسمعوا النبأ فلا يصدقوه أو أن يسمعوا النبأ فيستنبطوا منه غير ظاهره وربما استنبطوا منه نقيضه وحتى يتعلم الناس أن يقرأوا بين السطور وأن يسمعوا بين السطور إن أمكن أن يسمع الناس بين السطور.
    فاتصال هذه الحال التي تخلط بين الصدق والكذب وتغلب الكذب على الصدق أحيانًا وتذيع المتناقضات في غير انقطاع خليق أن يدفع النفوس إلى الريب ويعدها لسوء الظن. ثم خضع الناس بعد ذلك أو مع ذلك في حياتهم العامة والخاصة لخطوب ثقال. فأهوال الحرب من جهة ومصاعب الحياة الاقتصادية من جهة أخرى والتغييرات السياسية من جهة ثالثة والبؤس والحرمان اللذان ينتهيان إلى الجوع والشقاء في بعض الطبقات من كل جهة رابعة. كل ذلك خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد والجماعات وأن يضطر كل واحد من أفرادهم وكل جماعة من جماعاتهم إلى الاحتياط للنفس والاستكثار من الخير والاستعداد للمستقبل والتحفظ من الطوارئ والتخلص من المشكلات والنفوذ من الخطوب. فليس غريبًا أن يدفع هذا كله الناس إلى حياة لا تقوم على أمن الضمائر واطمئنان القلوب ولا تقوم على الثقة والصراحة وإنما تقوم على القلق والخوف وتقوم على الشك والحذر ولعلها أن تقوم على الكذب وعلى أخلاق أخرى تتصل بالكذب من قريب أو بعيد.
    فإذا أضفت إلى هذا كله حياتنا السياسية الخاصة وما يشوبها من هذا العنف الذي يدفع إلى التكلف ويسوق إلى سوء الظن ويحمل على المبالغة والتكثر ويغري بخلق الإشاعات وإذاعة المنكر من القول ويحرص على تشويه الحسن وتحسين القبيح. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن المثقف المصري محدود الثقافة متوسط العلم في أكثر الأحيان وأنه من أجل ذلك مستعد للتصديق والتكذيب في غير مقاومة أو في مقاومة ضئيلة. أقول إذا أضفت بعض هذا كله إلى بعض استطعت أن تحقق أسباب هذا القلق الذي يشمل الضمير المصري في هذه الأيام ويوشك أن يدفعه إلى خطر عظيم.
    والشيء المحقق هو أن هذا التساؤل الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث إن دل على شيء، فإنما يدل على ظاهرة مؤلمة حقًا وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس. فلا تكاد تذكر رجلًا حائر الضمير حتى يحس كثير من الناس أنه المعنى بهذا الضمير الحائر ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن ضميره مضطرب في شيء من الحيرة. وحتى يسأل الناس بعضهم بعضًا ألا يمكن أن يكون صاحب الضمير الحائر فلانًا أو فلانًا لأنهم يعتقدون أن فلانًا أو فلانًا يمكن أن يكونا من أصحاب الضمائر الحائرة. ولا تكاد تعرض صورة الرجل الذي يشبه الثعبان أو يشبه الثعلب أو يشبه ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة الحيوان حتى يحس كثير من الناس أنه هو المعنى بهذه الصورة، المراد بهذا الاسم، ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن في أخلاقه وخصاله شيئًا من أخلاق الثعبان أو من أخلاق الثعلب أو من أخلاق ما شاء الله من الحيوان، وحتى يخلع القراء من عند أنفسهم هذه الصورة أو تلك على هذا الرجل أو ذاك لأنهم يرون في أخلاقه شيئًا من أخلاق الثعلب أو الثعبان.
    ومن العسير أن نقنع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها فهو لم يرد شخصًا بعينه ولعله يكون قد كون صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كل واحد منهم طرفًا ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشئ منها صورة قد تعجب أو لا تعجب. ولكنها لا تخلو من عبرة وموعظة ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورهم ويخفوا من شرورهم فمن وجد في نفسه شيئًا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه فكف شره عن الناس قليلًا أو كثيرًا وكف شر الناس عنه قليلًا أو كثيرًا. وقل مثل ذلك فيمن يجد في نفسه شيئًا من خصال الثعلب أو من خصال العقرب. أو من خصال الذباب.
    والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعًا للعظة ومصدرًا للعبرة ووسيلة إلى استكشاف الحق والخير والجمال. والله عز وجل قد خلق الإنسان وعلمه البيان ليكشف الحق والخير والجمال ويدل عليها وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنها. فليكتب الكتاب وليقرأ القراء وليسأل السائلون وليجب المجيبون فليس بشيء من هذا كله بأس وإنما البأس الذي يجب أن نعاون جميعًا على علاجه واستئصاله هو هذا القلق الذي شمل الضمير المصري والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب.
    طه حسين
    البلاغ، ٤ فبراير ١٩٤٥.

  • فجر مصر الجديد: تأملات في ثورة ١٩٥٢ | Egypt’s New Dawn: Reflections on the 1952 Revolution

    نسيان النفس …
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أكثر ما تمنيت على الله عز وجل أن يعلمني ويعلم المواطنين نسيان أنفسنا حين يجد الجد ويتعقد الأمر وتكثر المشكلات وحين تتصل أعمالنا وأقوالنا بالمصلحة العامة فنسيان النفس في هذه المواطن هو أقوم سبيل إلى الإخلاص في القول والعمل والتجرد من الأهواء والأغراض وإيثار الوطن وآماله على منافعنا ومآربنا. والرجل الشجاع حقا هو الذي يستطيع أن يقهر نفسه قبل أن يحاول أن يقهر غيره وهو الذي يستطيع أن يضبط نفسه في مواطن الرضى والغضب فلا يسرف ولا يغلو ولا يجني ولا يتجنى ولا يرهق الناس من أمرهم عسرا ولا يؤذيهم في ذات أنفسهم بما يكره أن يؤذوه به في ذات نفسه وإذا أقبل الوطن على مثل ما يقبل عليه في هذه الأيام من الأمور العظام والأحداث الجسام والإصلاح الذي يريد أن يكون شاملا كاملا مستقصيا لكل شيءٍ محتاطا لكل طارئ، كان المصري الصادق في مصريته خليقا أن ينسى نفسه ومنافعه وأهواءه وأن يخلص قلبه وعقله لخدمة مصر والنصح لها في كل ما تستقبل من الإصلاح.
    أقول هذا كله بعد أن قرأت طائفة من الصحف الفرنسية ورأيت فيها ألوانا من الأحاديث تنقل عن جماعة من المصريين منهم من يحاول أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل منقصة ومنهم من يريد أن يفسر أحداثنا التاريخية الحاضرة وأسبابها القريبة والبعيدة ومنهم من يريد أن يصور آمالنا التي نطمح إليها وأمانينا التي نحرص على تحقيقها وآفاتنا التي نريد أن نخلص منها.
    وكل هذا حسن حين تخلص النية وتصفو الضمائر وترتفع النفوس عن الصغائر وتتنزه القلوب من أهواء الحب والبغض والتشفي والانتقام.
    وأحب أن أسجل قبل كل شيءٍ أني قرأت أحاديث في هذه الصحف تنقل عن القائد العام وعن رئيس الوزراء فلم أر فيها إلا خيرا ولم أنكر من جملتها وتفصيلها قليلا ولا كثيرا لأنها لا تتهم ولا تتشفي ولا تدعو إلى انتقام ولا تمكر بأحد ولا تكيد لأحد وإنما تبين أهداف الثورة وآمال الشعب فيها وخطة الجيش والحكومة في تحقيق هذه الآمال وبلوغ تلك الأهداف ومن حق العالم الخارجي أن يعرف من أمرنا ما يعطفه علينا ويؤمنه على منافعه في بلادنا ويصور له ثورتنا كما هي لا تريد شرا بأحد ولا ترضى أن يريد بها أحد شرا.
    ولكني قرأت فيما قرأت أحاديث كنت أحب أن يحتاط أصحابها قبل أن يلقوها إلى الذين اتصلوا بهم من الصحفيين الأجانب. لأنها تسيء إلى وطنهم في غير موضع للإساءة إليه ودون أن يفكروا هم في أن يسيئوا إليه.
    والمصريون يعلمون حق العلم أن الأحداث التي تحدث في بلادهم تثير حاجة الأجانب إلى الاستطلاع وتدفع الصحف الأجنبية إلى إرضاء هذه الحاجة بكل ما يلقى إليها من حديث وبكل ما يصل إليها من علم لا تتحفظ ولا تحتاط ولا تريد إلا إرضاء حاجة قرائها إلى المعرفة. وكل ما كان الحديث مثيرا كان حرص الصحيفة عليه أشد وكانت رغبة القارئ فيه أعظم. فمن الحق على المصريين لأنفسهم ووطنهم أن يتحفظوا ويحتاطوا ويذكروا وطنهم وينسوا أنفسهم.
    وما أشك في أن العهد الذي سبق الثورة كان فيه خطأ كثير وشر عظيم ولكن ذلك الخطأ وهذا الشر لا يعنيان الأجانب وإنما يعنيان المصريين والمصريين وحدهم، فمن كان عنده علم ببعض ما اقترف من إثم أو اجترح من سيئة في حقوق الأفراد والجماعات فسبيله أن ينبئ السلطة المصرية المختصة بما يعلم من ذلك. ولهذه السلطة أن تتخذ ما ترى من إجراء لتعاقب المفسد على إفساده وتجزي المسيء بما اقترف من إثم وما اجترح من سيئة. فأما الأجانب فليس لهم أن يدخلوا من ذلك في قليل أو كثير.
    ومن أحس من المصريين أن هناك تهما تدور حوله وشبهات تريد أن تمسه وأراد أن يبرئ نفسه من كل تهمة ويرد عنها كل شبهة ويظهرها للناس ناصعة الصفحة نقية الظاهر والغيب من أمرها، سبيله أن يبرئ نفسه أمام المصريين الذين ينفعه حسن ظنهم به ويسوئه قبح رأيهم فيه. فأما الأجانب فليس يعنيهم من أمره أن يكون متهما أو بريئا وأن يكون نقي الصفحة أو غير نقيها وإنما هم يسمعون منه ويذيعون عنه ليرضوا حاجة قرائهم إلى الاستطلاع ولا عليهم بعد ذلك أن يسوئوه ويسوؤوا وطنه ومواطنيه جميعا.
    وأيسر ما يجب على المصريين لأنفسهم ولوطنهم ألا يذكروا مصر للأجانب إلا بالخير وألا يسيئوا إلى صوتها في الخارج وأن يعلموا أن رأي الأجانب فينا ليس على ما نحب من الصدق والحب والنصح والإخلاص إنما هم يظنون بنا الظنون ويسيئون فينا الرأي ويحملون علينا من العيوب ما ليس فينا.
    فلسنا إذن في حاجة إلى أن نضيف إلى ظنونهم المنكرة ظنونا أخرى ولا إلى آرائهم السيئة آراء أخرى ولا إلى تهمهم المسرفة تهما أخرى. والأجانب يعلمون حق العلم أن مصر لم تثر حبا للثورة أو رغبة فيها وإنما ثارت لترفع ظلما وتقر عدلا ولتزيل فسادا وتشيع صلاحا وهم يعرفون من الظلم الذي أصابنا والفساد الذي ألم بنا شيئا كثيرا. ولهم في بلادنا سفارات تلاحظ ما نأتي وما ندع وتسجل ما نعمل وما نقول ولهم في بلادنا كذلك صحفيون يشهدون أمورنا ويرقبون أعمالنا وينقلون إلى صحفهم من ذلك ما يحبون، فأيسر ما علينا من الحق لأنفسنا ووطننا حين نتصل بهؤلاء الصحفيين أن نصلح من خطئهم في الحكم علينا وفي تقديم أعمالنا وأقوالنا لا أن نضيف إلى خطئهم خطأ وإلى تجنيهم تجنياً.
    وأي منفعة للمصريين في أن يتهم بعضهم بعضا في الصحف الأجنبية الخارجية بالفساد والإفساد وبالرشوة وبيع الضمير وبالمصانعة في حقوق الوطن والممالأة عليه. كل هذا إن أنتج شيئا فإنما ينتج سوء الظن بمصر كلها وبأبنائها جميعا سواء منهم من يتحدث إلى هذه الصحف ليصور نفسه في صورة البطل المغوار والأسد الجسور ومن يتحدث عنهم هذا البطل مضيفا إليهم من الآثام والموبقات ما قد يعجز عن إثباته إذا طولب بإثباته أمام القضاء.
    أؤكد للقراء أني لا أفكر الآن في نصر مصري على مصري ولا في تأييد حزب دون حزب، فقد تعودت حين أسافر من مصر أن أترك فيها كل أهوائها واختلافاتها وألا أذكر من وراء البحر إلا أني مصري ليس غير. فإذا عدت إلى مصر خالفت ووافقت وخاصمت وصالحت، أبيح لنفسي ذلك داخل حدود الوطن لا خارجها.
    والأيام التي نعيش فيها الآن ليست أيام تخاصم ولا تنافس ولا تنابذ وإنما هي أيام تعاون على تحقيق مصلحة الوطن والوصول به إلى الكرامة التي يطلبها والعزة التي يرجوها والعدل الذي يطمح إليه فكيف بنا ونحن لا نكتفي بالتخاصم والتنابذ داخل حدودنا وإنما ننقل خصوماتنا وعداواتنا وأحقادنا وضغائننا إلى ميادين العالم الخارجي الذي نحن محتاجون إلى أن يحسن ظنه بنا ويصلح رأيه فينا وألا يعتقد أننا دفعناه إلى أن يعتقد أن في مصر أحزابا وجماعات تتعاون على الإثم والعدوان وعلى البغي والطغيان وعلى إيثار نفسها بالطيبات وتسخير الشعب في سبيل الأهواء والشهوات.
    كم أتمنى أن يتخذ كل مصري من نفسه على نفسه رقيبا حين يلقى الصحفيين الأجانب وحين يتحدث إليهم في شؤوننا السياسية والاجتماعية والاقتصادية أيضا.
    وكم أتمنى أن يظهر الرأي العام المصري على بعض ما يقول فريق من أبناء مصر للصحف الأجنبية ويعرفوا من يغشهم ومن ينصح لهم وليحذروا أولئك الذين يظهرون لهم وجوها مشرقة ويطوون عنهم نفوسا مظلمة.
    وكم أتمنى على الله آخر الأمر أن يعلمنا نسيان أنفسنا فإن في نسيان المرء نفسه في مواطن الجد والخدمة العامة صلاحا أي صلاح ولم يخلص للوطن ولم يحرص على مصلحته من لم ينسَ نفسه وإنما ذكرها كل ما عمل أو كل ما قال.
    طه حسين
    البلاغ، ٢٥/٨/١٩٥٢

    من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ٥\٨\١٩٥٢ .

    كلمة…
    بقلم الدكتور طه حسين
    ذهب كاتب فرنسي معروف إلى مدينة مترفة من هذه المدن التي يهرع إليها الأغنياء إذا كان الصيف يستشفون بمياهها من بعض العلل التي يجرها الترف على المترفين أو يتكلفون الاستشفاء فقد ينبغي للمترف المرفه أن تكون به علة ولو ضئيلة تثير في نفسه كثيرا من الهم وتظهره مظهر الذين يؤرق المرض ليلهم وينغص نهارهم ويزهدهم في الاستمتاع بطيبات الحياة إشفاقا على أنفسهم من هذه العلة الواقعة أو المتكلفة ولا ينبغي للمترف أن يكون ظاهر الصحة موفور العافية يضطرب في شئون الحياة جادا كادا وعاملا كادحا كما يضطرب غير المترفين من الناس. ولا ينبغي له كذلك أن يظهر فرحا مرحا ناعما بما أتيح له من العافية في بدنه ونفسه فيحسده الحاسدون ويطمع في مثل حياته الطامعون وإنما الحق عليه لنفسه أن تكون مشغولة ولقلبه أن يكون مهموما وجسمه أن يكون معتلا ليراه الناس فيرحموه ويشفقوا عليه ويضنوا بأنفسهم على هذا الترف الذي يشغل النفوس ويملأ القلوب حزنا ويعرض الأجسام لألوان من السقام.
    ذهب هذا الكاتب الفرنسي المعروف إلى هذه المدينة المترفة من مدن الجبل الفرنسي أثناء هذا الصيف. ولست أدري أذهب مستشفيا لأن له حظا من ترف أم ذهب مستروحا يريد أن يتخفف من القيظ أم ذهب مضطربا في شؤون حياته يلتمس موضوعا لقصة من قصصه أو لكتاب من كتبه فالكاتب المتقن لفنه يلتمس الإنتاج حيث استطاع إليه سبيلا، وكاتبنا هذا قد وصف طائفة من البيئات الإنسانية المختلفة، وصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى فساد الخلق ووصف بيئة البائسين الذين يضطرهم البؤس إلى حياة ضيقة نكدة ولكنها لا تخلو من كرامة ووصف بيئات العمال الكادحين وبيئات الطبقات المتوسطة حين تعبث وتلهو فيما يمنعه أن يلتمس الإنتاج في هذه البيئة الفنية المترفة التي يمرضها الترف أو يضطرها إلى تكلف المرض والتي تذهب إلى المصايف فتستشفى أو تتكلف الاستشفاء وجه النهار وتنعم بالفراغ الفارغ الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا سائر النهار ثم تقبل مع الليل على ألوان الإثم والفجور والخمر والميسر لا تنصرف إلا حين يريد الليل أن ينصرف عن الأرض، ولم يكد كاتبنا هذا يصل إلى مدينته تلك ويرى الطارئين عليها من أصحاب الثراء والترف حتى ضاق بما
    رأى وأنكره أشد الإنكار وصور ضيقه وإنكاره في هذه الكلمة التي ذاعت عنه في إحدى المجلات فأسخطت فريقا من الناس ولكنها أضحكت أكثرهم، قال لبعض رفاقه يكفي أن تنظر إلى وجوه المترفين لتعرف أن الله عز وجل يزدري الثراء والترف إلى أبعد حد ممكن من الازدراء، ولولا ذلك لما وضع الشراء والترف عند أصحاب هذه الوجوه القبيحة البشعة ولست أدري أكان وجوه المترفين في تلك المدينة من القبح والبشاعة بحيث صورها هذا الكاتب ولكن كلمته هذه أثارت في نفسي كثيرا من الخواطر حين قرأتها وضحكت منها كما ضحك منها غيري من الناس، وليس يضنيني أن تكون وجوه المترفين المسرفين على أنفسهم في الترف ناضرة أو عابسة، حسنة أو قبيحة وإنما الذي يعنيني وما أشك في أنه يعني هذا الكاتب الفرنسي أيضا هو ضمير كل واحد من هؤلاء المترفين المسرفين فقد أحب أن أعرف أراضٍ هذا الضمير أم ساخط، أمطمئنٌ هو أم قلق، أباسمٌ هو أم عابس! أمتعبٌ هو أم مستريح، ولست أدري كيف يرضى ضمير الرجل الحر إذا رأى صاحبه قد غرق في النعيم حتى أوشك النعيم أن يقتله والناس من حوله قد غرقوا في البؤس حتى كاد البؤس يسلمهم إلى الهلاك.
    ولست أدري كذلك كيف يطمئن ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه مستوثقا من ثرائه يعرف أنه يستطيع أن ينفق منه بغير حساب والناس من حوله قد ضيق عليهم في الرزق حتى أن كثيرا منهم ليعجزون عن أن يجدوا ما ينفقون فيما يقيم الأود ويرد العاديات عنهم وعمن يعولون.
    ولست أدري كيف يبسم ضمير الرجل الحر حين يرى صاحبه ينفق في ألوان السخف من المال ما يسد أقله وأيسره خلة أسر كثيرة لا تعرف حين يضمها الليل كيف تستقبل الصبح إذا كان الغد، ولا يتعرف عائلوها حين يسفر لهم الصبح كيف يعودون عليها بما يصبرون به أنفسهم على الحياة.
    ولست أدري آخر الأمر كيف يستريح ضمير الرجل الحر حين يصبح ويمسي لا يحس حاجة إلى جهد أو كد أو عناء والناس من حوله لا يعرفون كيف يتخففون أياما في العام من الجد والكد والعناء ولا كيف يخلصون لأنفسهم وأحبائهم أياما لا يجدون فيها لذع الحاجة إلى الكسب ولا تحس قلوبهم فيها الراحة من هذه الهموم الثقال التي تلح عليهم حين يصبحون وحين يمسون.
    نعم لست أدري كيف يستمتع ضمير الرجل الحر بالرضى والطمأنينة، والابتسام والراحة، وهو يرى الناس من حوله قد حرموا هذه الخصال، وغرقوا في شقاء لا يعرفون له قرارا. فهذه الوجوه التي رآها كاتبنا هذا الفرنسي قبيحة بشعة يجب أن تكون قد استمدت قبحها وبشاعتها مما في نفوس أصحابها من البشاعة والقبح، ليكن مصدر الثراء والترف ما يكون فإن من الحق على الرجل الحر أن يجد هذا الشعور الاجتماعي بالتضامن بينه وبين نظرائه في هذه الحياة أنه يفزع إليهم ليحموه من الخطر إن تعرض هو أو ثراؤه للخطر فالدول لا تجند الأغنياء وحدهم حين يغير عليها العدو وإنما تجند من المواطنين جميعا كل من استطاع أن يحمي الحوزة ويذب عن الوطن وما أكثر ما يحتال الأغنياء في إعفاء أنفسهم من هذا الجهاد الذي يرونه ثقيلا ويراه الفقراء والبائسون وأوساط الناس فرضا محتوما والدول لا تتخذ من الأغنياء هؤلاء الشرط الذي يقرون النظام ويحفظون الأمن في أوقات السلم وإنما تتخذهم من أولئك الذين لا يشغلهم ثراؤهم العريض وترفهم المسرف لأنهم لا يجدون ثراء عريضا ولا ضيقا ولا يطمعون في ترف مسرف أو مقتصد والناس يدبرون لصاحب الثراء والترف ثراءه وترفه، يعملون له في أرضه ليترف هو وليقنعوا هم بأضيق العيش كما يعملون له في مصانعه إن كان من أصحاب الصناعة وفي تجارته إن كان من أصحاب التجارة وفي تدبير أمواله السائلة إن كان من أصحاب الأموال السائلة، و يستطيع من غيرهم أن يثرى وأن يترف و يستطيع من غيرهم أن يستمتع بما يستمتع به من نعيم ثم هم يدبرون له هذه الألوان من الترف التي يتلقاها منهم غير آبه لها ولا حافل بها، وما أعرف أني ركبت القطار أو السفينة قط فنعمت بالراحة في قطار أو سفينة دون أن أشغل نفسي بأمر هؤلاء الذين يسيرون القطار والسفينة في البر والبحر وما أذكر أني آويت إلى فندق في السفر، أو آويت إلى داري في الإقامة ونعمت بما ينعم به الظاعن والمقيم دون أن أشغل نفسي بشيء من أمر هؤلاء الذين يتيحون لي بعض ما أجد من راحة وروح إنهم يشقون ليتيحوا لي السعادة ويتعبون ليهيئوا لي الراحة ويبتسمون ليعدوا لي شيئا من نعيم.
    وما أكثر ما نقرأ في الكتب وما أكثر ما نسمع من الحكماء والفلاسفة وما أكثر ما يقول المعلمون لتلاميذهم أن الناس جميعا محتاجون إلى الناس جميعا، ولكنه كلام نقرأه ونسمعه ثم لا يستقر في نفوسنا إلا ليذهب منها مع الريح وما أقل الذين يقرون في قلوبهم هذا الشعور بحاجة الناس إلى الناس ويقرون في عقولهم أن التضامن الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة ويتأثرون في سيرتهم مع الناس بما يجدون في قلوبهم من
    شعور وما يدبرون في عقولهم من تفكير، يمكن إذن أن يكون وجه المترف حسنا أو قبيحا باسما أو عابسا مشرقا أو مظلما ولكن الذي ليس فيه شك هو أن ضميره لن يكون راضيا ولا سمحا ولا نقيا ولا مستريحا إلا إذا أدّى للناس حقهم من هذا التضامن الاجتماعي فأشاع الرضى فيهم قبل أن يرضى ويسر النعيم لهم قبل أن ينعم وأعطاهم حظهم من السعة والراحة قبل أن يترف ويستريح.
    فكرت في هذا كله حين قرأت كلمة هذا الكاتب الفرنسي بل فكرت في أكثر من هذا كله وفكرت في ثورتنا المصرية التي جمجم بها الشعب وصرح بها كتاب الشعب منذ أعوام طوال والتي أعربت عن نفسها وجعلت تسعى إلى غايتها في حزم وعزم لا تردد فيهما وفي جراءة وإقدام لا تلكؤ فيهما ولا إبطاء ثم جعلت أسأل نفسي أيتاح لي ولأمثالي من الذين طالبوا بتحقيق التضامن الاجتماعي الصحيح وأنكروا على المترفين إسرافهم في الترف وعلى أصحاب الثراء العريض أن يستأثروا بثرائهم العريض وعلى الدولة أن تخلي بينهم وبين الإسراف والاستئثار، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم قبل أن تنقطع بنا أسباب الحياة وقد تحقق فيها هذا التضامن الاجتماعي صفوا من كل دنس خالصا من كل شائبة مبرا من كل غش أو دهان، أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد أنصفت الدولة كل محروم من كل مستأثر وكل عاجز من كل قادر وكل بائس من كل منعم فصفت ضمائر الأغنياء لأنهم أعطوا ما فرض الله من الحق فيما أعطاهم من الغنى وأمنوا على ثروتهم لأنهم أدّوا مخلصين صادقين ما يجب فيها من الحق فرضيت نفوسهم وأمنت قلوبهم واطمأنوا على ما في أيديهم لا يخافون عليه كيدا أو عدوانا.
    أيتاح لنا أن نرى مصر ذات يوم وقد برئت قلوب أبنائها من الحسد والبغض والحفيظة والموجدة لأنهم جميعا يعملون ويجنون ثمرة ما يعملون لا يستغل بعضهم بعضا ولا يستذل بعضهم بعضا، ولا يكيد بعضهم لبعض ولا يمكر بعضهم ببعض وإنما يعيشون كما أراد الله للناس أن يعيشوا إخوانا متصافين يدبر الحب حياتهم ويظلها العدل والأمن والاستقرار.
    منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
    طه حسين
    البلاغ، ٤\٩\١٩٥٢

    هزل وجد
    بقلم الدكتور طه حسين
    أنفقت أياما عشرة لا تصل إليّ فيها الصحف المصرية ولا أعرف من أنباء مصر وثورتها المباركة إلا ما تحمله إليّ الصحف الفرنسية أو الإيطالية. وأرادت الظروف ألا يكون في الفندق الذي أقيم فيه راديو أستطيع أن أفزع إليه مصبحا أو ممسيا لأسمع الأنباء وأساير ما يجد في مصر من الأحداث. فكنت إذن أعرف شئون مصر من طريق غير مباشرة هي طريق الصحف الأجنبية وما تنشره من هذه الأطراف المقتضبة التي لا تقنع ولا ترضي ولعلها تشوق إلى مزيد من العلم وفضل من المعرفة. وجعلت أظن الظنون وأقدر في نفسي ألوانا من الفروض تصور لي الحياة الواقعة في مصر وقد كنت متلهفا إلى الأنباء فكنت أقدر أن المصريين جميعا متلهفون مثلي على الأنباء، وكنت مشغولا عن كل شيء بالتفكير في ثورتنا ونتائجها الأولى وأعقابها البعيدة وأثر هذا كله في حياتنا التي نحياها اليوم وفي حياتنا التي سنحياها غدا أو بعد غد.
    ولم أكن أشك في أن المثقفين من المصريين مشغولون مثلي عن كل شيء بهذا التفكير وكنت لا أفكر في أمس القريب أو البعيد إلا لأوازن بينه وبين اليوم أو لأوازن بينه وبين غد أو بعد غد. وكنت أعتقد أن المثقفين من المصريين مثلي قد أخذت عليهم الثورة وأحداثها وأعقابها كل طريق. فهم قد نسوا أمس وما ثار بينهم فيه من الضغينة والحقد وأصبحوا إخوانا قد صفت قلوبهم من البغض وبرئت نفوسهم من كل سوء وطهرت ضمائرهم من كل موجدة. وقد حفظت فيما حفظت من الآثار أن الإسلام يجب ما قبله فكنت أظن أن الثورة تجب ما قبلها أيضا وكنت مستيقنا أن المصريين لن يفكروا فيما قبل الثورة إلا ليرفعوا ما وقع من الظلم ويزيلوا ما بها من البغي ويردوا الحقوق إلى أصحابها ويضطروا الظالمين والآثمين إلى حياة بريئة من الظلم والإثم جميعا.
    كنت أظن هذا كله وكنت أقول لنفسي أن الزمان قد استدار في مصر كهيئته يوم خلق الله مصر والمصريين فأصبح لا عهد له ببغي ولا طغيان ولا عدوان وإنما مصر بلد صفا جوه وطاب إقليمه يسكنه شعب صفت قلوبه وضمائره وطابت سيرته وسرائره.
    كذلك كنت أشعر وكذلك كنت أفكر وبذلك كله كنت مؤمنا وإلى ذلك كله كنت مطمئنا. ولكن الصحف المصرية تصل إليّ ذات يوم فأسرع إليها وأعكف عليها فيا لها يقظة مؤذية مزعجة بعد نوم هادئ مستريح وأحلام حلوة ممتعة.
    رأيت صحفنا كما عرفتها قبل أن أبرح الأرض وأعبر البحر وقبل أن تعصف الثورة ببغي البغاة وطغيان الطغاة لم يتغير من سيرتها شيء لا في الظاهر ولا فيما ورائه من خفي الأشياء والأسرار. كلف بالأنباء المثيرة وشغف بالأخبار التي تروع أو تروع، وتتبع للصغائر وإغراق في البحث عنها ومضي في الجدال الذي لا يغني عن أصحابه ولا عن الناس شيئا.
    الأحزاب ماضية في خصوماتها كأن الدنيا لم تتغير من حولها والصحف الأسبوعية ماضية في تلقط النوادر التي يتفكه بها الناس حين يلقي بعضهم بعضا على حساب هذا الحزب أو ذاك وعلى حساب هذا الفرد أو ذاك كأن مصر لم تستأنف فصلا جديدا من تاريخها الرائع الطويل وإني لفي ذلك وإذا صحيفة تنشر حديثا لم أكد أقرأه حتى أغرقت في ضحك عميق عريض ولكنه على ذلك مؤلم ممض. فهذا الحديث يمسني أنا ويمس علمي باللغة العربية وسوء تصرفي فيها. وما رأي القارئ في أني لا أحسن تعدية الأفعال وإنما أخلط في حروف الجر تخليطا معيبا ولا أحسن استعمال الهمزة وإنما انحرف في هذا الاستعمال عما جاء في شعر زهير وعما جاء في مغني اللبيب لابن هشام. وقد أغرقت في هذا الضحك العميق العريض المؤلم الممض لا لأني أنكر على صاحب هذا الحديث شيئا مما قال. فالناس جميعا يعلمون أني لا أحسن اللغة العربية ولا أجيد التصرف فيها. والناس جميعا يعلمون أني لست من الكتابة ولا من الأدب الرفيع في شيء، وإنما متكلف ثرثار لا أعرف كيف أبدأ ولا أعرف كيف أنتهي ولا أعرف كيف أقول. الناس جميعا يعلمون هذا وأنا أعلمه أيضا. ولست أنا الذي طلب إلي الناس أن يسموني بما شاءوا من الأسماء وأن يلقبوني بما أحبوا من الألقاب وإنما هو حب الناس للعبث وكلفهم بالدعابة وتهالكهم على الفكاهة قد دفعهم إلى ما اندفعوا إليه وورطهم فيما تورطوا فيه.
    لم أمعن في الضحك إذن لأني أنكرت من هذا الحديث شيئا وإنما أمعنت في الضحك العميق العريض الطويل الممض لأني ذكرت تلك الصورة التي استقرت في نفسي لمصر قبل أن تصل إليّ الصحف بساعة أو بعض ساعة ثم رأيت هذا الحديث الصغير الضئيل وليس شيء من الأشياء يدعو إلى الضحك والإغراق فيه كاجتماع النقائض حين تتباعد الآماد بينها. ملك ينزل عن العرش مذعنا لإرادة الشعب وحياة عامة تتغير. وتريد أن تنقلب رأسا على عقب ونظم سياسية اجتماعية تريد أن تتحول لتبرأ ما جرى فيها من الفساد وبلد يخلق خلقا جديدا وتاريخ يستأنف من فصوله فصلا يريد أن يكون رائعا بارعا خلابا للقلوب والعقول والأبصار والأسماع كل هذا في ناحية وأمامه في ناحية أخرى شيخ من شيوخ اللغة أو شاب من شبابها يتتبع أغلاط كاتب من الكتاب ويعيب على الأهرام أنه من كتابها ويطلب إليها أن تصحح فصوله قبل أن تنشرها، ضخامة ضخمة من جهة وصفر صغير من جهة أخرى وأشد من ذلك إيذاء للنفوس وإيلاما للقلوب أن هذا الصفر الصغير ليس فذا ولا نادرا. ولكن له أمثالا كثيرة في صحف كثيرة وهذه الأمثال لا تمسني من قريب أو بعيد وإنما تمس غيري من الناس. وليس المنكر فيها أنها تعيب هذا الرجل أو ذاك بالحق قليلا وبالباطل كثيرا وإنما المنكر فيها حقا هو أنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى ما ينبغي أن يأخذ على المصريين جميعا طرق التفكير والشعور وطرق الكتابة والحديث.
    لقد كانت بيني وبين قوم من المصريين خصومة في شئون التعليم كنت أقول وكانوا يقولون وكنت أقدر أن أرد على أحدهم ذات يوم ولكن الأنباء تحمل إليّ أحداث مصر فأعرض عن تلك الخصومة لا عامدا إلى هذا الإعراض وإنما اضطرتني إليه الأحداث اضطرارا. فما حديث المجانية أو ما حديث بثينة وجميل في بلد ينهار فيه نظام ليقوم مقامه نظام آخر.
    وقد ساءلت نفسي دائما وفي كثير من الإلحاح عن بيت المتنبي:
    وإذا كانت النفس كبارا
    تعبت في مرادها الأجسام
    كيف يصبح لو أننا وضعنا فيه صغارا مكان كبارا واعترف بأني ذكرت هذا البيت وذكرت السؤال الذي طالما ألقيته على نفسي حين قرأت الصحف التي وصلت إليّ من مصر منذ أيام ورسمت قائدنا العظيم الذي غير حياة مصر في أيام قليلة بل في ساعات قليلة فرد إليها شرفها وكرامتها في داخل البلاد وخارجها وأشعر كل مصري بأنه يستطيع أن يقول للظالم لا وأن يمتنع في عزة وإباء على كل من يسومه الخسف ويريد به ما لا
    رحمت قائدنا العظيم حين رأيت من حوله قوما قليلين أو كثيرين ما زالوا عاكفين عن صغائرهم يتتبعونها ومشغوفين بشخصهم يبدلون فيه ويعيدون كأن شيئا من حولهم لم يتغير.
    ما أكبر مصر وما أصغر ما صار إليه بعض أبنائها وما تقول في أسود تزأر وإلى جانبها ذباب يطن وضفادع تملأ الجو نقيقا.
    ما أشد حاجة المصريين والمثقفين منهم خاصة إلى أن يقدروا وطنهم حق قدره ويعرفوا أنه أكبر وأعظم وأبعد صوتا من هذا السخف الذي يمعنون فيه، ليكن فلان عالما أو جاهلا وليكن فلان قدما أو فصيحا وليكن فلان حليما أو سفيها فأي خطر لهذه الصغائر الآن حين تقبل مصر على ما هي مقبلة عليه من عظائم الأمور.
    أقول هذا كله وأنا أبعد الناس عن اليأس والتشاؤم وأقربهم إلى الرجاء والتفاؤل فقد تخلق مصر خلقا جديدا وتتغير نظمها المختلفة تغيرا خصبا. ويظل فيها مع ذلك من أبنائها نفر طال تأثرهم بالحياة القديمة واشتد حتى شاخوا فيها وإن لم يتجاوزوا طور الشباب:
    والشيخ إن قومته من زيغه
    لم يقم التثقيف منه ما انحنى
    فأي غرابة في أن يشغلهم طنين الذباب ونقيق الضفادع عن زئير الأسود وأي غرابة في أن يحتاجوا إلى وقت أطول من هذه الأسابيع التي مضت منذ كانت الثورة ليشعروا بأن الدنيا قد تغيرت من حولهم وأن شئون الإصلاح السياسي والاجتماعي والعقلي أجدر أن تشغلهم عن تتبع الصغائر والتهالك عليها إنهم يسمعون أن مصر تريد أن تغير نظامها الاجتماعي فتجعل توزيع الثروة عادلا ملائما للحق والإنصاف وهي تفكر في تحديد الملكية ورفع الضرائب وتمكين الفارغين من أن يعملوا وتمكين العاجزين عن العمل من أن يعيشوا وتمكين الجاهلين من أن يتعلموا وتمكين الضعفاء من أن ينتصفوا من الأغنياء. يسمعون هذا كله فلا تصغي إليه قلوبهم ولا عقولهم وإنما يعيبون كاتبا بأنه وضع عن مكان على ويعيبون سياسيا بأنه ابتسم في غير موضع للابتسام. ولابد من أن يأتي يوم قريب أو بعيد يفيق فيه هؤلاء الناس من نومهم العميق ويتنبهون إلى أن زمن الصغائر وتتبعها قد انقضى ولو إلى حين. وإلى أن لوطننا ولأنفسنا علينا حقا هو أن نعتني بالمهم من أمره وأمرها حتى إذا فرغنا من ذلك وأتيحت لنا حياة الأمم الحرة الراقية جاز لنا يومئذ ويومئذ فحسب أن نفرغ لتتبع الصغائر والإمعان في السخف. نلهو بذلك ونستريح إليه لنستأنف حياة الجد والكد بعد قليل من اللهو والراحة. ولكن هؤلاء الناس سيقرأون هذا الحديث ساخرين منه متتبعين ما قد يجدون فيه مما لا يلائم لسان العرب ومختار الصحاح وسيقولون ما زال هذا الرجل كما عهدناه ثرثارا لا يحسن أن يكتب ولا يعرف كيف يقول. فدعهم يخوضوا ويلعبوا حتى يأتي يومهم الذي يوعدون.
    طه حسين
    الأهرام ٦\٩\١٩٥٢

    ثم ماذا . . .
    بقلم الدكتور طه حسين
    لم يسئني سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه، ويعبثوا به، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل، وقيام الوهم سخف من السخف، ولون من ألوان التضليل، وسقوطه تحرر من الخرافة، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي لا تغني عن الذين يعبدونها شيئا.
    لم يسئني إذن سقوط الدستور ولم يسرني، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم، مهما يكن، طائفة من حقوق الشعب، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا، مع أن الدستور ينصفهم، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء. وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذي ظلمهم أو سامهم الضيم، وأن يظفروا بالنصفة. وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور.
    من أجل هذا لم يسرني سقوط الدستور، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه.
    ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد، فالحياة التي نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدري أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد في إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه.
    والناس يختلفون في هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذي يضعه ولأي نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم في هذا الأمر كهذا الوقت الذي ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور. فهو الوقت الذي يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتي وبما يحسن أن يدع.
    وكان الدستور الذي ألغي قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون. أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذي لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه، ومن قلبه وعقله، ومن آماله وآلامه وحاجاته. وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التي مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء. ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضي عنه الناس، وآمنوا به، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود في سبيل صيانته، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل، ثم ألغي، ووضع مكانه دستور آخر، وقيل إن الدستور منحة من الملك، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل. ثم قويت هذه النظرية في نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه في غير موقف، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء في مناصب الحكم. حتى لم يبق شك آخر الأمر في أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان.
    وإذن فأول ما يجب حين نفكر في وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب. فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال، إنما وضع للشعب كله الذي يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول في أن يختار لنفسه نظام الحكم، وفي أن يضع لنفسه أصول النظام الذي يختاره، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التي تتعاقب عليها. وإذن فأول ما ينبغي هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب، فليست في مصر قوة تستطيع أن تهدي إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذي يعطي نفسه الدستور الذي يريد، وهو الذي يعطي كل هيئة من هيئاته، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط في الخطأ ويهيئ المشكلات التي لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل. والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد، وليس من شك في أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد، ولكنه فيما أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل.
    وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة. أو من أقل من مئة. وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف في أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذي يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب في درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا. فقد ينبغي أن يكون الوقت الذي يمضي بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف في الطول.
    وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمي إلى استفتاء الشعب فورا في الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة. وأنا أشارك صديقنا في هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهي إلى تقرير النظام الجمهوري الذي يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه. فقد عاشت مصر على النظام الملكي منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هي التاريخ إلى الآن. وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا، كان لها في العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا. ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد. وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمي الذي ينزلونه على أنفسهم من السماء، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتي منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التي تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التي يرسمها لهم الدستور، يرزقهم على ذلك أجورهم، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون. وقد سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعي والرعية، والسيد والمسود، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء:
    مل المقام فكم أعاشر أمة
    أمرت بغير صلاحها أمراؤها
    ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
    وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
    فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذي ارتقى فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا في الوهم من توارث الملك لا لشيء إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا.
    كل هذا كان يساغ في العهود الماضية، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أي شيء آخر.
    ولم ينكر المسلمون في أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التي استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم. وفي وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم، والحكمة والحلم، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذي هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشيء إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها.
    لا أشك إذن في اتجاه الشعب المصري الآن إلى النظام الجمهوري. فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة أمرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما. فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغي ألا تدفع إلى الإسراع الذي يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التي تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلي الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها، وعرض عليها المشروع الذي أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها.
    فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وأُنْفِذَ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدري إلى أي وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذي أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع في غير طائل فسينفقه الشعب في نوعين من النشاط الخصب النافع الذي هو في أشد الحاجة إليه والذي من أجله كانت الثورة.
    أحد هذين النوعين هو النشاط في إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه، والآخر هو نشاط النهضة في التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح في حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات.
    كذلك أفكر في حياتنا الجديدة التي بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسي من أمر المستقبل؟ ولكني أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا.
    طه حسين
    الأهرام، ١٣\١٢\١٩٥٢

    ثورة حية وحياة ثائرة
    بقلم الدكتور طه حسين
    أحب أن تكون ثورتنا حية ، وأن تكون حياتنا ثائرة ، وأن يصبح المصريون في جديد من أمرهم كلما أشرقت عليهم الشمس وأن يمس المصريون في جديد من أمرهم كلما أقبل عليهم الليل.
    أحب أن تكون ثورتنا حية وأن تكون حياتنا ثائرة وأن يدفع المصريون إلى نشاط قوي عنيف ، لا يستريحون منه إلا حين يضطرون إلى النوم ساعات في كل يوم . وأريد أن يكون هذا النشاط متنوعا مختلفة ألوانه يمس فروع الحياة كلها ، ويمس أفراد الشعب كلهم على اختلاف منازلهم في الحياة . يمس الموظف في ديوانه ، والعامل في مكتبه أو معمله والزارع في حقله ، والعامل في مصنعه .
    أريد أن يشعر المصريون جميعا شعورا قويا عميقا جامحا أو كالجامح بأنهم قد دفعوا إلى جد لا راحة منه وإلى كد لا أناة فيه ، وإلى شوط لابد لهم من أن يبلغوا غايته في أسرع وقت وأقصره ليستأنفوا الاندفاع في شوط آخر ليس أقل من سابقه حاجة إلى الجد والكد والنشاط.
    أريد ألا يفرغ المصريون لأنفسهم وألا تفرغ لهم أنفسهم ، وأن يشغلوا عن الفراغ بالعمل، وعن تفكير الفارغين المطمئنين بجد العاملين المعجلين عن أنفسهم وعن كل شيء.
    كذلك أريد أن أرى المصريين في هذه الأيام لأنهم فرغوا فيما مضى حتى سئموا الفراغ وحتى سئمهم الفراغ ولأنهم يعيشون في أيام ثورة . لا تحب الفراغ ولا ترضاه ولا تطمئن إليه .
    بل هم يعيشون في أيام ثورة لا تبغض شيئا كما تبغض الفراغ لأنه عدوها الذي يفسد أمرها كله بما يصرف الناس عنها إلى ألوان من التفكير الكسل المتخاذل المريب .
    ولست أعرف شيئا أخطر على الثورة ولا أضر بها ولا أشد عليها نكرا من فراغ الناس لأنفسهم وتساؤلهم حين يلقى بعضهم بعضا وحين يخلو كل منهم إلى نفسه عما كان – أن يكون غدا، وعما فعل فلان، وما لم يفعل وعما والناس حين يلقي بعضهم بعضا فارغين للحديث طالبين للراحة مفتنين فيها متنقلين بين ما تبتكر لهم من ألوان الهزل واللهو والعبث ، ليسوا أصحاب عمل ولا إنتاج وإنما هم أصحاب لغو في القول ، يجدون اللذة كل اللذة والمتعة كل المتعة والحياة كل الحياة في النكتة يرسلها أحدهم فتمتلئ لها الأفواه والحلوق بالضحك ، ينامون أيقاظا وينامون حين تمسيهم أجنحة النعاس ينفقون أكثر أيامهم نياما والدنيا من حولهم يقظة عاملة منتجة ، وهم في غمرة ساهون لاهون لا خير فيهم لأنفسهم ، ولا خير فيهم لأحد ، هم القادرون منهم أن يملأوا بطونهم ، بما يلقون فيها من الطعام والشراب ، وأن يملأوا أفواههم وآذانهم ، وعقولهم بما يمضون فيه من السخف الذي لا طائل فيه ، وهم العاجزون منهم أن يشكوا وأن يبكوا وأن يعيبوا الزمان وأهله ويحملوا غيرهم تبعة ما هم فيه من عجز وبؤس وشقاء .
    قوم يضيعون حياتهم في البطر والأشر وغرور الأقوال والأحاديث وقوم يضيعون حياتهم في السخط والشكوى وفي البغض والحسد والتطلع اليائس البائس إلى ما ليس في أيديهم وليس هذا كله من الحياة العاملة المنتجة في شيء بل ليس هذا كله من الثورة الحية ولا من الحياة الثائرة في شيء .
    أريد أن تحيا ثورتنا وأن تثور حياتنا وألا نحقق شيئا حتى ندفع إلى تحقيق أكثر وألا نبلغ غاية حتى ندفع إلى غاية أبعد منها ، وألا نريح ولا نستريح حتى نعوض ما فاتنا فيما مضى من الدهر الطويل.
    أريد هذا كله وأعرف السبيل إلى هذا كله ، لأنها ليست غامضة ولا ملتوية ولا بعيدة المنال ، وإنما هي واضحة مستقيمة قريبة يكفي أن نقصد إليها محبين لها مؤمنين بها لنندفع فيها إلى تحقيق ما نريد ، وهذه السبيل هي تحقيق التجاوب بين الثورة والشعب . التجاوب بالعمل لا بالقول وحده ، التجاوب الذي يقتضي أن تستقر الثورة في كل ضمير وأن تضطرم جذوتها في كل قلب، وأن تعمل لتحقيق أغراضها كل يد ويفكر في تدبير أمرها كل عقل ويدعو إلى بلوغ أهدافها كل لسان.
    هذه السبيل هي ألا تكون الثورة مقصورة على الذين أضرموا جذوتها من رجال الجيش ولا على الذين يعملون معهم من رجال الحكم ولا على الذين استجابوا لهم من المثقفين والمفكرين ، وإنما تتجاوز هؤلاء جميعا إلى أبناء الشعب جميعا تجاوزا فعليا لا تنطق به الألسنة وحدها ، وإنما تؤمن به القلوب والعقول وهذا كله لا يتحقق بالدعاء إلى الثورة وحده وإنما يتحقق بالأخذ السريع في أسباب الإصلاح وتيسير الشعب كله للعمل فيما يقتضيه الإصلاح من ألوان النشاط .
    وأنا أعلم أن هذا يحتاج أول ما يحتاج إلى المال الذي يمكن من الأخذ في تنفيذ المشروعات الكثيرة التي تهيئ للإصلاح الصناعي والزراعي وأنواع الإنتاج المختلفة ، ولكني أعلم كذلك أن الثورة لا تعتمد في تنفيذ ما يقتضيه الإصلاح من الأعمال على الميزانية العادية لأن هذه الميزانية بطبيعتها تضيق عن مثل هذه الأعمال الجسام . وهي معرضة بين عام وآخر لليسر والعسر وللسعة ، والضيق وإنما الإصلاح الجديد يحتاج إلى مصادر جديدة للإنفاق .
    وهذه المصادر فيما أظن ليست بعيدة ولا متعذرة وإنما هي قريبة ميسورة إذا اصطنعت الثورة شيئا من الجراءة وما ينبغي أن تحتاج الثورة إلى أن ندعوها إلى اصطناع الجرأة ، فقد ينبغي أن تكون جريئة بطبعها .
    ما بال الثورة لا تدعو الشعب إلى أن يقرض الدولة بعض ما عنده لتبدأ في مشروعات الإصلاح ، إن الأمر يحتاج إلى شيء من الثقة والثقة لا تأتي وحدها إنما تأتي حين تدعى وحين ترغب وحين تمد للناس أسباب الأمل.
    إني أقرأ أننا في حاجة إلى تشجيع الأجانب على أن يستثمروا رؤوس أموالهم في مصر ، وهذا خير ما في ذلك شك ، ولكن أموال المصريين لم لا تستثمر في مصر! وأين تستثمر إذن! أليس غريبا أن الثورة تدعو إلى الإصلاح منذ ستة أشهر وأنها لم تدع الشعب إلى أن يساهم في قرض واحد لتحقيق مشروع واحد من مشروعات الإصلاح .
    إحدى اثنتين أما أن يكون في مصر مال ففيم ينفق هذا المال إذا لم ينفق في إصلاح مصر! وإما ألا يكون في مصر مال، وإذن فمن أين يأتي هذا المال الذي ينفق في ألوان من الترف السخيف الذي لا يغني؟ .
    ليصدقني رجال الثورة أنهم في حاجة إلي أن يثق الشعب بأن الثورة تريد الإصلاح وسبيلهم إلى ذلك أن يطلبوا البذل إلى القادرين على البذل وهم لن يطلبوا منهم تبرعا ولا إحسانا وإنما يطلبون منهم إقراضا يغل عليهم ربحا ويغل على مواطنيهم عملا ويغل على وطنهم ثراء وخصبا وإنتاجا.
    لتقدم الثورة إذن على كسب ثقة الشعب وأريد ثقته المالية بتمكين الموسرين من أن يستثمروا ثراءهم في إصلاح مصر . لتدعو الثورة إلى بعض القروض ولتمتحن إخلاص الموسرين لها ولأغراضها .
    وما أشك في أن هذا الامتحان سينتهي بأصحابه إلى النجح .
    وإذا رأى الأجانب أموال مصر تستثمر في إصلاح مصر وأبناء مصر يثقون بثورة مصر أعطوا ثقتهم واستثمروا أموالهم في مصر ، هنالك يندفع الشعب إلى العمل ، وهنالك يشغل الشعب بالعمل من الفراغ ، وهنالك يتحقق التجاوب بين الثورة والشعب ، وتصبح ثورتنا حية ، وحياتنا ثائرة .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٢/٧

    وثبتان…
    بقلم الدكتور طه حسين
    كلتاهما بعيدة المدى، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها في حياة مصر. لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها.
    أما أولاهما فهي هذه التي كانت حين أعلنت الثورة في دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم، وقوانينه تصدر باسم الأمة. وما أشك في أن المصريين قد وجدوا في أعماق نفوسهم وضمائرهم، هذا الشعور الذي كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة، والإباء المصري الصريح، والقوة التي تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم، كانوا لا يفكرون في أمر يأتونه أو يدعونه، ولا في خطة يضعونها، ولا في قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!
    والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم، وقادتهم، والمسئولين من حكامهم، كانوا في كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط في التردد والاضطراب، ويلقى في روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هي دائما إلى ذلك المحجب في قصره، وهي أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
    انهيارا. ومضى هذا كله إلى غير رجعة، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا، واستطاعت أن تجليه وتجلي معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
    ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها في تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء.
    وكانت هذه هي الوثبة الثانية التي أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وإباءها واستقلالها حقائق واقعة، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أماني يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
    قالت الثورة للملك السابق: التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
    وقالت الثورة للإنجليز: يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التي لا تشوبها شائبة. فطاولوا وماطلوا، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التي سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل. ولكن الثورة ثبتت في مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت في روعهم وأقرت في ضمائرهم ما ألقته في روع المصريين وما أقرته في ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والإباء، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن.
    فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا، وما أرادت مصر والسودان، وهم قاطنون في وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون في قول ولا عمل، ولا يسرفون في إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها، وقالوا: لا ولم يقولوا غيرها، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
    فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر في هذا الدرس الذي ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم، وصدق الرأي وتصميم الإرادة. كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب في غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم:
    إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
    ونكب عن ذكر العواقب جانبا
    ولم يستشر في رأيه غير نفسه
    ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
    وهذا الدرس الذي ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التي أنزلت الإنجليز عند رأي مصر في أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر في السادس والعشرين من شهر يوليو الماضي هي وحدها التي ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا.
    نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله. هذه هي الخصال التي لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم في سبيلها العقبات إلا ريثما تزول وكلما قوي التجاوب بين الثورة والشعب وقوي إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية في سبيل الحق. كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالاً.
    ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل في حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التي ائتمنت نفسها على حقوقنا والتي ائتمنناها نحن على حقوقنا، والتي ستؤدي إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
    وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا في غير مماحكة ولا مداورة بنعم أو لا. فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض في المماحكة وأمهر أمم الأرض في المداورة والالتواء.
    هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده، وإنما قهرنا بها الطغيان كله في نفس الملك السابق وفي نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز. وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا في غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد في القول والثبات على الرأي والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار.
    وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم في أول الطريق وأن حياة الشعوب شيء يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجري دائما على ما يشتهون.
    فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا.
    يجب أن يجلي الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضي في سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا في سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب.
    وكنت إذا قوم رموني رميتهم
    فهل أنا في ذا بالهمدان ظالم
    متى تجمع القلب الذكي وصارما
    وأنفا حميا تجتنبك المظالم
    طه حسين
    الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣

  • طه حسين الناقد: الشرق يلتقي الغرب | Taha Hussein the Literary Critic: East Meets West

    قصة فيلسوف عاشق
    في الأدب الغربي
    للدكتور طه حسين
    واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
    وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
    ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
    وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
    وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
    ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
    ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
    وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
    ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
    وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
    وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
    أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
    فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
    ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

    حول قصيدة
    للدكتور طه حسين
    في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
    وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
    وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
    على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
    وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
    وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
    حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
    وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
    كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
    فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
    وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
    “أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها”.
    وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
    الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
    والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
    ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
    الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣

  • الخصومات الأدبية وشرف الكاتب | Literary Feuds and Personal Honor

    بغي
    لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

    كثير
    كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
    فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
    ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
    أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
    ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
    أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
    أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
    ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
    فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
    وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
    أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
    فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
    أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
    أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
    بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
    أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
    كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣

    ولا هذا أيضًا
    وكما أجاد «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
    لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
    فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
    وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
    وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
    وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
    وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
    وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
    فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
    [1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    “قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…”.
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    “أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين”.
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: “ظهر كاتب روسيا الأعظم!”؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: “هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!”؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: “أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد”، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

  • صدقي باشا ولغة الفاشية | Sidqi Pasha and the Language of Fascism

    أمثلة
    حديث اليوم
    لم أكن إذا مخطئاً ولا مسرفاً حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم إيطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الأستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها أستاذه قبل أن يفارق أرض إيطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن أنه معجب أشد الإعجاب بما بلغته إيطاليا من الرقي المادي (والأدبي) بهمة موسوليني وعبقريته ، وأنه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو إذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الإعجاب ؛ وكل إنسان حر فيما يحب ويكره ، وهو إذاً يلتمس في أعمال العظيم الإيطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل إنسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدي بها ، والأسوة التي يريد أن يتأسّاها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعاً ، وهو لا يسألنا عن رأينا في هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعي من تمثيله إيانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك أني إن تهمته بأنه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت أني أثق به وأطمئن إليه ؛ فأمر السياسة وأمري إلى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم في غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقي باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا إذاً تلميذ لعظيم إيطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والأيام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرأون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الأيام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون بأي كلام آخر يفهمونه فهماً يسيراً ناقصاً ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدي المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ وإذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الأدلة على هذا ، فقف معي وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر إلى عظيم إيطاليا ؛ فسترى أن فيه أسراراً خطيرة ؛ ونذراً مخيفة مزعجة . وأن من الحق على المصريين لأنفسهم أن يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الأيام إن مُدّت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الأعمال التي سيلتمس فيها صدقي باشا أمثلة صالحة؟ أما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن أنه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذي يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة في الديموقراطية . وأما المعارضون فقد أخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم إليه . وأما الإدارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالاً ستتأثره الأمم الراقية التي تطمع في أن تكون لها إدارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدي الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . إذن فماذا يريد صدقي باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقي باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معي أن كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج إلى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل إلا لأضع أمامك بعض الأمثلة التي سيلتمسها صدقي باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة عليه سبيلاً . فأنا لا أذكر الجند الأجنبي الإنجليزي ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند إلى حراب الإنجليز . وإنما أقول أن النظام الذي استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصري ؛ وواضح أن الجيش والشرطة إنما أُنشِئا للدفاع عن الوطن وإقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء إذن محتاج إلى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصي الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحاً ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخياً . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وإنما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد إذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فناً جديداً من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالاً وصبياناً وفتياناً ؛ يجندهم نوعاً من التجنيد ؛ ويعلمهم فنوناً من التعليم ، ويمرنهم ضروباً من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله إلى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الإيطالية . وقد أصبحت إيطاليا بفضل هذا النظام الجديد أشبه شيء بإسبرطة في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الأجيال الناشئة بعد أن لم يستطع أن يكسب له إلا أجسام الأجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج إلى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعاً بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الإخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائماً له ؛ وخيّرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فاختار منهم فريق بقي في مناصب الدولة ؛ وامتنع منهم فريق فُصلوا من مناصب الدولة فصلاً . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الأولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضاً . فهذا مثل آخر من الأمثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به إيماناً صادقاً قوياً ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذاً ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى إذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلاً ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلاً ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين إلى حين ؛ لا سخطاً عليهم ، ولكن تعليماً لهم وتأديباً . فهذا مثل آخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريباً من الأمر أن يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود إلى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوماً آخرين ، ويفصل منهم من يرى أن ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوي بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الأجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يبلغ هذا من خصوم إيطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف في السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيراً ، وأخذ يلقي خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقي باشا أن يقتدي بموسوليني في هذه الناحية . ولكن إذا لم نستطع أن نخيف الإنجليز جهراً بالخطب والجيوش والأساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقاً في رسالته إلى عظيم إيطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة إلى روما ليتعلم على الأستاذ الأعظم فن الحكم وإقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وإنما ينبغي أن يحلل ويمحص ويقلّب على جميع وجوهه ، فإن في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادي النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسين
    السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ .

    مدرسة

    أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون، وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يُشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.

    وطُلاب عاملون، وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه الباهر، وفي ظل سياسته الحكيمة.

    وطُلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين يُنقلون أو يُقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردّهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدرّبهم ويمرّنهم مرة أخرى.

    وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع اللّٰه فيه أفرادًا، وشخص واحد ألّفه اللّٰه من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها اللّٰه من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.

    وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم يُنقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يُوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد اللّٰه لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني.

    فقد لاحظ الناس جميعًا، وتحدثت الصحف الأوربية المختلفة، أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يُهيّئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد؛ فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقرّهم ويُقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للفاشزم أجيالًا من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر.

    ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم!

    أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان: يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا، فكلاهما خليق أن يعلّم فيُحسن التعلّم.

    ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أُحدِث في الوزارة صباح أمس. ليعلّله بعضهم بنسيم يهبّ من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلّم الحكام ويُخرجهم من ناحية أخرى!

    ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثًا، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثًا، ولم يُثنِ على أساليبه في الحكم عبثًا، ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثًا. فلم يكد يعود من أوربا ويستقر في مصر أشهرًا حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضمّ إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى، رغم ما ألمّ به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم.

    هي إذن خطة خطّها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن اللّٰه لها فتستريح وتُريح.

    وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتّاب فأجدّ في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن أكره نفسي عليه؟ وكيف تريدني على أن أكتب جادًا في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة، وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عمّا يحب، والإقبال على ما يكره، والانصراف عمّا يريد، والتهالك على ما يأبى؟

    وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة، ورئيس وزرائنا لا يتحرّج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟

    أحقٌّ إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقرّ النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيرًا، كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنّأت، ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب؟

    لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يُقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تُستشار الهيئات البرلمانية، ولا يُقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.

    فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجدّ في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.

    ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين.

    كوكب الشرق ١٤-١-١٩٣٣

    إذلال
    يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكرة لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث. والسياسة مصدر هذه المحنة. فقد أبت إلا أن تتسلط فتجور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتخضع لأهوائها وشهواتها كل شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانا، والتي جعل الله بها للناس كرامة تحفظ، وحرمة تُرعى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، وملكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.
    وقد عرفت الأمم في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل وازدراء كرامته وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.
    أما في ألمانيا فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبطوا الأسفار حتى إذا ما انتهوا إلى ميدان أو ميادين؛ جمعوا لهذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها ثم أضرموا فيها النار فحرقوها تحريقا، وهم في أثناء ذلك فرحون مبتهجون. وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السكر، وتملأ قلوبهم هياما بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيمة.
    يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين، وتقرّه حكومة منظمة تعد نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.
    نعم، وتنفض المجامع العلمية والأدبية والفنية فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب فإن لم يُقصوا عمدًا، سلطت عليهم ظروف قاسية تضطرهم إلى أن يُقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها؛ أقيم مكانهم قوم آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يقدمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء حتى بالعلم والفن والأدب.
    نعم، وفي أثناء هذا كله تُحْظَر كتب مطبوعة على القراء، فلا يجوز أن تباع ولا أن تُشترى، وتعلن أسماء طائفة من المؤلفين قد محي حقهم في التحدث إلى الناس محوا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرؤوهم ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تعرضها للبيع.
    نعم، ولا يتحرج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان ويقول في هذه الخطبة: «لقد آن الوقت الذي تطهر فيه ألمانيا قاذورات العقل».
    تبارك الله، لقد آمن الناس منذ قرون وقرون أن جذوة العقل هي التي طهرت الإنسانية من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمان ينتج القاذورات، ويجب أن تطهر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا، هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة. سخط على الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية مصدره السياسة. سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة.
    ويل للناس من السياسة، لقد طغت عليهم وبغت فيهم حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.
    ومن قبل ذلك أُذل العقل في روسيا، فشُرد العلماء والكتاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا، وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى ما وصلت إليه في روسيا أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحسن والرقي، ولا من الأمن والدعة بحيث يُغبطون عليها أو يُهنَّؤون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علم وأدب وفن لسلطان الفاشية وإلا أصابه الإذلال وتعرض لضروب من الشدة وصنوف من الحرمان!
    يجب أن يُقسم الأساتذة والمعلمون يمين الولاء للنظام الجديد في حياتهم السياسية وحدها بل في التعليم أيضا، يجب أن ينزل العقل عن شخصيته وأن يكون مرنًا رخوًا، وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة أن يتشكل بها، فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير ففُصلت من الجامعات والمدارس وتفرقت في أقطار الأرض، تفِرُّ بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.
    ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر كتبًا لرجل من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوام طوال، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طلبت إليه، وإذا حياته بين المشقة والعناء بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.
    ولا بد لمصر من أن يُمتحن فيها العقل كما يُمتحن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل لا في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها مهما تختلف عصوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية وإنكار لها، وتبرّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها، قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقوم لا يجدون أمامهم عمالا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره. وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!
    ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها لولا أن هذه البلاد تضرب الناس أمثالا خطيرة، وتغري الناس بما أُغريت به هي بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.
    ليس لأحد أن يتحكم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة؟ أو وقف على شعب دون شعب؟ من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟ كلا ليس العقل ملكًا للألمانيين وحدهم، إنما هو ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا، والتعرض له بالإذلال والتمزيق طغيان على الناس جميعا، فمن حق الناس جميعا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسي.
    ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن، والتي تفتن العقل وتضطهده وتتجاوز في فتنته واضطهاده كل حد، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تحرم ألمانيا حب الأمم الشرقية التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناء شديدًا.
    يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظ من كل ما يقع في أوروبا!
    ظهرت الثورة الديمقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا فجدّت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟ إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا، لا يُعزَى الناس عنه إلا أنه موقوت، يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.
    لقد غيرت نظم الجامعة وقوانينها، وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكر بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه. وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد، وتظهر فيها آثاره السيئة، فيا له من شر، ويا له من نكر، ويا له من ذل لا تبيض له الوجوه!
    هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام فتُقصى عنه كثرة الجامعيين، ويقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شؤون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شر ما يقضي، حتى إذا فرغ من أمره دعا الكثرة الجامعية فجاءت طائعة، واشتركت فيما لا غناء فيه.
    عُرض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا أن يُرقّى جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة فأبى لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًا فاستثناه، لا بالترقية العلمية ولكن بالمال. رقاه درجة الأستاذية ومنحه علاوتين بالاستثناء، كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.
    هلمَّ أيها الجامعيون، تنافسوا في الدرجات وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء، فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!
    ومحنة أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصى عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون.
    ما هكذا يحترم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تهيأ مصر لاحتمال التبعات، ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين. هؤلاء علماء ألمانيا يستذلون، وهؤلاء علماء إيطاليا يستذلون، فلِمَ لا يستذل علماء مصر؟ هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمدت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضى حكومتهم المصرية.
    صنع الله لهذا البلد الشقي، فقد أبى حظه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!
    أما أنا فأقدم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقت إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد أن تطمع في مزيد من السلطان! وأقدم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا، وأي ضيم شر مما هم فيه؟!
    كوكب الشرق ١٨\٥\١٩٣٣

    غرور
    إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحّ في الدعوة لما ترى. وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلّهم على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
    هذه أوليات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا، لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئمها القائلون والسامعون. لكنها على ذلك ما زالت غامضة، وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب.
    فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ، وهذا الإسراف، إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورط في الاعتداء.
    نقتنع بالرأي فيغرّنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية، وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا، وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدّس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.
    ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه، لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
    ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرٌّ، لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزال، وأن تقرّ مكانها أصول أخرى. رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكن من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه، وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصّ من جناحه. وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألحّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان.
    وكان الإعراض عن معاونتهم والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يُدعون فلا يستجيبون، ويُلَحّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون. وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم وثقة بها، فألحّوا فيها وأصرّوا عليها. وما هي إلا أن أُغروا بهذه الآراء وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر. ثم أخذوا يفكرون ويقدّرون، وجعلوا يجيئون ويذهبون ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع ولم يواسهم الدعاء الهادئ المطمئن.
    هنالك أُحكم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم، في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو.
    وكانت في أوربا حركات إصلاحية ظاهرها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد، وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه بهتلر في ألمانيا. ومع ذلك فلم يكن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخذ به الجماعات وهي كارهة له معرضة عنه، ولا أن تُرغم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمصلح أن يمسّ الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى، قليل أو كثير، حين يعرضون عما يحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بد من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المصلحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرض للمكروه، بل للموت أحيانًا، في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.
    وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم، حافلة بالعبر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم. ولقيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا. وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة اللّٰه، وانتشر نوره، وعزّ دينه، فآمن به الثائرون عليه والمتنكرون له.
    والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم ويسير سيرتهم لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده. فلم يصل موسوليني إلى الحكم في إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفّت حوله كثرة إيطالية مكنته من أن يطلب الحكم ويظفر به، ويخلق لإيطاليا خلقًا جديدًا.
    ولم يصل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه، وأقنع به، والتفّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب، فاضطر رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أزمة الحكم، وكان يأباها عليه ويذود عنها في شدة وإصرار.
    بعيدٌ جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف. فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يُلحّ في الدعوة إليه، ولم يلقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرض في ذلك لشيء من المكروه. وإنما هيئت له الأسباب، ودُبّرت له الأمور، ثم أُجلس على كرسي، وأُعطي أعنّة الحكم، وقيل له: انطلق، فانطلق، لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث. وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تهيّأت له الأمور من غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أمته بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا.
    ولهذا لم يوفَّق رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة التي تصور ما صبّ على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر. فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان، ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن تكون لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يقنع الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.
    سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله.
    أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم قويًّا بعدهم واتسع سلطانه، لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه.
    فما أجدر الذين يفكرون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكره على الخير إكراهًا، وإنما تُقنع به إقناعًا، وتُرغّب فيه ترغيبًا. وإن اللّٰه — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكره الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.
    أفيؤثر اللّٰه الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟
    كوكب الشرق ٨ – ٤ – ١٩٣٣

  • خطة الحكومة في مواجهة الوفد | The Government’s Playbook Against the Wafd

    احتياط
    كان رئيس «الوفد» وصاحبه في «القاهرة» أمس، لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير «الإسكندرية»، ويعنيان بما يعني به المقيمون في «القاهرة» من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
    ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس، ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويلهى قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض: في مصر «وفد» خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر «الوفد» تنبه حذر الوزارة، وإذا تحرك رئيس «الوفد»[2] أو أحد من أعضائه نشط «وزير الداخلية»، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
    وكذلك لم تكد تعلم «وزارة الداخلية» أن رئيس «الوفد» وصاحبه يريدان السفر إلى «الإسكندرية» ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها؛ فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل «الإسكندرية»، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس «الوفد» ومن صاحب رئيس «الوفد». فـ«وزارة الداخلية» تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم؛ فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعواناً وأنصاراً، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
    نعم، و«وزارة الداخلية» لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على «الإسكندرية»[3] كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل «الإسكندرية» جميعاً؛ فهم جميعاً يحبون رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يحرصون على أن يلقوا رئيس «الوفد» وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل «الإسكندرية» وأيديهم بأقل حظاً من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في «الإسكندرية» وأيديهم.
    وأخص ما تمتاز به الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل «الإسكندرية» وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقاً دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل «الإسكندرية» إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم، وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجناً منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضى بذلك حاجة «الإسكندريين» إلى العدل، ورغبة «الإسكندريين» في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضى كثيراً من المصريين الذين سيذهبون إلى «الإسكندرية» ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم، فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
    والغريب أن رئيس «الوفد» وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر «القاهرة» إلى هواء «الإسكندرية» الطلق ونسيم «الإسكندرية» العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته، فهم لا يريدون أن ينعم أهل «القاهرة» وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم، وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة، أهل «القاهرة»، في غيره من فصول العام؟!!
    أليس من الممكن أن يكون الله — عز وجل — قد جمع كلمة «الوفد» والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين «الوفد» والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رقي الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك «الوفد» فتنشط الحكومة، وأن ينتقل «الوفد» فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس «الوفد» في مكان إلا سجن فيه وسجن معه الناس.
    كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام؛ وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة، ولا نتكلم إلا إذا أذن لنا في الكلام، ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقاً فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضاً أن «الوفد» يحب السجن لنفسه وللناس؟ وما الذي يمنع أن يكون «الوفد» قد أمضى مع الحكومة اتفاقاً خفياً على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
    كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام؛ فكن ذكياً ما وسعك الذكاء، وكن فطناً ما أتيحت لك الفطنة، فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون، والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون، وبين معارضة «الوفد» للوزارة واتفاق «الوفد» مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
    لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت من حياة الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين. وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية، أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها — مصر من دون الشعوب جميعاً — هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
    لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس «الوفد» وصاحبه إلى «الإسكندرية» لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند؛ ووفق رئيس «الوفد» وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجناً منذ اليوم، فإن «الوفد» ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة «الإسكندرية» سجناً منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس «الوفد» وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا لـ«الوفد» والوفديين؟
    كوكب الشرق في ٢٤ – ٧ – ١٩٣٣


    درس

    رئيسُ وزرائنا أستاذ، تلاميذه الوزراء، يعلّمهم كيف يحكمون، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه، ومن قصّر منهم أقصاه.

    ووزير داخليتنا أستاذ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا، ووجّه إليهم أسئلة. فمن فهم الدروس وأحسن الجواب، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها، رقّاه. ومن لم يظهر منه سبق الفهم، ولا مهارة في الجواب، ولا نشاط في السيرة العملية، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه.

    ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم.

    وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية، فسمعوا منه، وتحدّثوا إليه، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها. وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك، ولكن من المرجّح، إن لم يكن من المحقّق، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا، وعلى وزراء العالم كله، ورجال الإدارة فيه، كان موضوع الحديث في درس أمس.

    ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد.

    زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما، والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع، وطبق آفاق الدنيا، وتردّد في أجواء السماء، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له، ويفديه بالأمهات والآباء، وبالبنات والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء. فكيف التخلّص من هذه المظاهرة؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها؟

    فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه، فهو بهم كَلِف، ولهم مستجيب.

    هذه هي المشكلة التي كانت موضوعًا للتمرين يوم السبت. وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية! وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه. وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات، يأباها الدستور، وينكرها القانون، ويتحرّج منها النظام. تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم. تبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق. تبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب. تبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون.

    كانوا يعلمون هذا، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة، وربما تهالكوا عليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم، وإكباره لكفاياتهم، ما يريدون. وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة، ولون من ألوان السلطان، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم. والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب، ويعيد ذكرى الماضي، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم.

    فالخطف مظهر من مظاهر الضعف. والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر. وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق. والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها. والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام. فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة «الغاية تبيح الوسيلة» تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات.

    فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه، اضطربت نفوس المديرين، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم؟ أنخطف أم لا نخطف؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم؟ حتى كان درس أمس. وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات، ولكنه يُباح للحكومات، والحكومات الدستورية خاصة.

    ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت، فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل. والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل، لا بالمسرفين في الذكاء، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه!

    فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها. فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم. وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور، فساءت حالها، واضطربت أمورها، وأوشكت الفوضى أن تفسدها، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون، ويكلفون به، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر!!

    أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا. ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزعت منه انتزاعًا.

    فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف. وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف.

    هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها، وما تزال نفوسهم مضطربة، وآراؤهم مختلفة؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص.

    وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا، وحيثما توجّهوا. ولكن الحاجة تفتق الحيلة، كما قال القدماء. وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم، فمن يدري؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا، وأن يسير بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطير، ولا يؤمَن منها الضرر.

    كوكب الشرق ٢٧-٣-١٩٣٣

    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجَزَوْهُمْ على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لا حظّ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر ما زالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويرَيا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

  • كلية الآداب تحت الحصار: نظرة عن قرب | The Faculty of Arts Under Siege: A Closer Look

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    استقلال
    ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
    إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
    وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
    وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
    فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
    فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
    وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
    وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
    زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
    فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
    ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
    ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
    كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
    أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
    ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
    ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
    ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
    فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
    وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
    فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
    على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
    أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
    إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
    وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
    نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
    كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣

  • صور لزعماء الاستقلال ورفاقه | Portraits of Independence’s Leaders and Loyalists

    ثروت
    انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه.
    وليس مصدر ذلك أنه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقًا في السياسة. فقد اجتمعت له كل هذه الخصال وخصال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين إلى حين وفي مختلف البيئات والأوطان، ثم يمضي هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين.
    وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم. ولكن الناس تعودوا الاطمئنان إلى أنهم قد مضوا إلى حيث لا يعودون ولكن قليلًا من هؤلاء تركوا في نفوس أصدقائهم آثارًا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارًا لا تزيدها الأيام إلا اضطرامًا ذاك لأنهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع بينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها. من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت.
    قاسم أمين وثروت باشا
    وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسمًا وأحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله أقرب إلى الذكرى القوية منه إلى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة.
    نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لأن قاسمًا كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبدًا.
    أما ثروت فإن أصدقاءه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه دائمًا هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبدًا.
    ولئن لم أكن أعرف قاسمًا إلا من طريق آثاره وأحاديث أصدقائه فقد عرفت ثروت واتصلت به وأستطيع أن أتحدث عنه لو أن لي إلى هذا الحديث سبيلًا.
    ***
    يقولون أن ثروت ظُلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما أنه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه. أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضًا، ولكن أي تاريخ؟
    لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف، وكيف السبيل إلى ذلك وليس بين المصريين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل أثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرًا عميقًا بعيد المدى كثروت. نعم ليس بين المصريين في هذا العصر الحديث من أعطى أمته الدستور، وليس بين المصريين في العصر الحديث من كسب لأمته الاستقلال، وليس بين المصريين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت. فهو الذي فعل هذا كله. وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهودًا وتجشم إليه أهوالًا واتصل في سبيله بأصحاب السلطان هنا وهناك، وكان بينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يُعرف منها شيء ولن يُعرف منها شيء، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده.
    لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة، فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء. ولم تنتهِ تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة: فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولًا شطرًا طويلًا من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن.
    رحم الله ثروت ورحم الله قاسمًا إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي أنفق حياته السياسية عاملًا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل! لم يتكلم حيًا ولن يستطيع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتًا، فهو بهذا أصدق مثال وأقوى هذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم.
    وهو كقاسم عمل حيًا وأوذي في حياته.
    وهو كقاسم يعمل ميتًا دون أن ينصفه الأحياء.
    ولكن قاسمًا عمل ويعمل للمرأة. أما ثروت فعمل لمصر كلها. قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكل لم يخطئ حين قدر أنه يحرر الشرق كله.
    ثروت باشا صديقًا
    غير إني لم أكتب لأتحدث عن ثروت زعيمًا إنما كتبت لأتحدث عنه صديقًا. ولعل خير حديث عن ثروت صديقًا إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملأ نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس. ولعل أصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان. كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يغشون داره صباحًا ومساء ما دام إليه الأمر حتى إذا اعتزل أنكروه وجهلوا الطريق إلى داره. وكان من حضر جماعة الحاضرين في الازدراء على هؤلاء وتنقصهم وأخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه إلى أن يُظهر رأيه، فقال مبتسمًا: من أخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى.
    فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس بها أو حكمهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت بها وحكمك أنت عليها. فأنت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلانًا يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نفسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئًا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية.
    كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة. ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة. ولقد كان مزاجه رحمه الله صفوًا كله. ولقد كان طبعه – رحمه الله – نقاءً كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها. فليس غريبًا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلًا إلى تكديرها أو النيل منها. ذلك لأن صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين بعض الناس حتى تنتهي إلى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كريمة خالصة. ويكفي أن ترجع إلى أحاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها هؤلاء الخصوم فسترى أنه يذكرهم دائمًا – ولاسيما الذين كان يختصهم بالمودة قبل الفتنة – بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك أشد التأثير.
    ولقد أذكر أني كنت عنده ذات يوم فأنبأني أنه كتب إلى سعد – رحمهما الله – كتابًا يقترح فيه عليه الاحتكام إلى جماعة من صفوة المصريين فيما شجر بينهما من خصومة. وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعًا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى إذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أثني عليه بل قال: وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة إلى لحظة. وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فأسرع إليه ثم عاد مبتسمًا وقال: تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف. ولبثت أنتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد. فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب أسطرًا حتى نهض وأخذ يمشي في الحجرة ذاهبًا جائيًا لا يكاد يمسك عن الكلام إلا مضطرًا… ولكني أشهد أنه ما ظهر على ثروت – رحمه الله – غيظ ولا حفيظة ولا موجدة، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفّق إلى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق… وتبينت يومئذ أنه كان لا يزال يحبه ويبر به.
    وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له. كما أنه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق إلى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وثروت.
    ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد – رحمه الله – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله.
    يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت وخياله ولحظاته وعن تصوير هذا كله ما يضطرب في نفسه من العواطف والميول. أما أنا فأستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت وأشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢. في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي أبلغ هذا الإثم إلى ثروت في الإسكندرية بالتلفون. فلما وقع في مسمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين… فسمعت منه آهة فيها كل شيء: فيها الحزن العميق. وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني: هل قبض على الآثمين؟ قلت: لا. قال يكفي. وانصرف.
    إني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلبي لينقطع أسىً وأن نفسي لتتفرق لوعة وأن شطرًا غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وأن كثيرًا من هذا الخير الذي أتمثله متصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت.
    ***
    سمعت صوت ثروت لأول مرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد أقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قرارًا لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة إلى الصحف. وكان صوته حازمًا وكان صوته عذبًا، فأحببته وملت إليه. ولكني لم أتصل به. ومضت الأعوام وأنا لا أعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعًا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة، وكنت قد عدت من أوروبا، وكنت أتأهب لاستئناف السفر، وكنت قد كتبت مقالًا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ حمد المهدي وشكاني إلى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة. واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا إلى الجامعة فرآني الأستاذ أحمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمَنِي إلى معالي ثروت باشا وزير الحقانية. فأخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب إليَّ فيها الرفق حين أكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد. ففهمت أني لم أفصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفًا زادني بالرجل حبًا، وعرفت بعد ذلك بساعات قصار أني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة إلى أوروبا ومضت أيام البعثة كلها لم ألق فيها ثروت ولم أسمع من أمره بشيء.
    ثم عدت إلى مصر فلقيته وخرجت من عنده أشد الناس حبًا له وإعجابًا به وشكرًا لحسن لقائه.
    وكان هو الذي قدمَنِي إلى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة. وما كان أشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني إلى الجمهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجدّ واختلف رحمه الله إلى درسي أيامًا يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى إذا كان آخر الدرس أقبل إليَّ فصافحني في ظرف ودعة وعرّفني بنفسه.
    ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه الله أعطف أهل الجامعة عليّ وأرفقهم بي وأشدهم إلحاحًا عليّ في ألا أخلط بين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفًا لي عما أنا فيه من الدرس والجدّ.
    وكانت لثروت – رحمه الله – قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان إذا جادلك لم يلبث أن يتسلط عليك ولا سيما حين يجادلك في أمر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا تحس منه في غير شكٍّ أنه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه. كنت أعرف منه هذا فكنت أحبه وكنت أخشاه وكنت إذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه. أذكر أني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة خلاف كان بيني وبينه رحمه الله في مادة من مواد لائحة الجامعة. واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن أسترد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: لا أطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما أطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت: فإني أخشى أن نتكلم قال: فإني آبى أن تستقيل. قلت: إن كان الأمر على هذا النحو فإني مذعن لما تريد. قال: أنا لا أحب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن. أفتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلًا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث؟
    ثروت «والشعر الجاهلي»
    رحم الله ثروت… كانت الخصومة بيني وبينه في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل. وكان – رحمه الله – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة (ولم يكن فيها) بشيء من الحق، وأن يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة. وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر «الجاهلي» وأرجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم. وأقبل عليّ بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت أنه كان يأسف أشد الأسف لأنه لم يكن يقدر أني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة.
    زرته بعد ذلك، فلقيني ضاحكًا ثم وضع يده على كتفي وقال: إن حرية الرأي أكرم من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثق بأن أول أثر ما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وبينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا. ولكني أطلب إليك أن تثبت للعاصفة وألا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف. فأنت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات.
    ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر.
    رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدًا وما لن أستطيع أن أتحدث عنه الآن. ولكني أذكر يوم ظهر تقرير النيابة في أمر هذا الكتاب فاستقلت. وطلب هو إلى وزير المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت. فطلب إلى مدير الجامعة أن يطلب إليّ أن أزوره. فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسمًا وما هي إلا دقائق حتى أقنعني بأن استقالتي خطأ. ولكنه كان أظرف وأكرم من أن يطلب إليّ استردادها فأمر بالإعراض عنها. طلبت إليه ذلك اليوم أن أدع الجامعة وأن أنتقل إلى عمل آخر إذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة. فقال: قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك عليّ أن أجيبك إليه، ولكن للجامعة عليّ حقًا آخر.
    كيف تريد أن تقاوم رجلًا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة؟
    ثم مضت أشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في أثرها أن أنتقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت. وكُلفت أن أزور رئيس الوزراء، وكنت مصرًا، وكنت أعلم أني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت أن أجيب دعوته. وأنكر عليّ الناس جميعًا هذا الإباء ولكني طلبت إلى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء أني لن أراه ما دام إليه الأمرُ، فإذا ترك الحكم فسيراني. فسكت وسكت. وانتهى كل شيء واستقالت وزارته. وذهبت إليه أزوره. وكنت أقدر أني سأجد منه عتبًا ولومًا. ولكني لم أجد منه إلا ظرفًا وعطفًا، ولم ألق منه إلا هذه البشاشة التي أعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعًا وخصومه جميعًا والذين لا يحفظون له ودًا ولا يضمرون عليه حقدًا. لقيته ذلك اليوم وأطلت المجلس عنده، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة. وانصرفت من عنده وأنا أقدر أني سأراه بعد قليل… ولكني لم أره منذ ذلك اليوم ولن أراه.
    لم أتحدث إليك ما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء الممكن في أكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لأن الرجل كان وفيًا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطورًا على المودة والوفاء فيها.
    وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف عليّ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
    ماذا كنت أكون من ثروت رجلًا كغيري من الناس؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من أخلص فلنفسه. وقد أحسّ ثروت مني إخلاصًا في حبه، وما أرى إلا أنه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف عليّ ورفق بي وأخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى ملأني على أن أحبه فأحببته ولم أقف ولن أقف في حبه عند حد.
    وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكرته أني حين عدت من أوروبا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي. ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب إلى الحب. وأذكر أنه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه الله فقال: لو عرفتهم لأحببتهم حبًا لا يقل عن إعجابك بهم. وقد عرفتهم فأحببتهم. ولكني عرفت ثروت معرفة لم أعرفها أحدًا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبًا لا حد له كما قلت:
    رحم الله ثروت… كيف أستطيع أن أنساه أو أن أقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يومًا ما وأنا لا أكاد أذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من أوروبا إلا ذكرت ثروت وأثره فيها. لقد كنت أركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء. ولقد كنت أجد منه في هذا كله عطفًا لا يشبهه عطفٌ. وودًا لا يشبهه ودٌ. ولقد كان يزيد من أثر هذا الود والعطف في نفسي ما كنت أشعر به من أنه كان عطفًا خالصًا وودًا لا تشوبه شائبة. ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به.
    إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفًا. ولكني أعتقد أن ثروت كان أعظم هؤلاء الزعماء جميعًا حظًا من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته وأكثر ما يظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة.
    نعم. إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع إلى التصفيق والصياح. ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية. وأقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خُيّر في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه ما تردد، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت، بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه.
    رحم الله ثروت. لقد انقطعت بيننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات وما أرى أننا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينهيها ضعف أو خمود وأن الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة، وأن ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدًا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء.
    رحم الله ثروت. لئن كان رهين قبر في الصحراء فإن شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدًا.
    هليوبوليس
    طه حسين
    المقتطف — ١ ديسمبر ١٩٢٨

    عدلي…
    يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
    كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
    وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
    كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
    هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
    كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
    وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
    وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
    وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
    كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
    وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
    والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
    ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
    الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟

    طه حسين
    الرسالة – 1/11/1933

    عظيم
    كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار.
    وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث.
    وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا.
    أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية.
    وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا.
    ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا.
    وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ.
    ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا.
    وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم.
    إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام.
    فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام.
    وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان.
    ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال.

    فقيد

    كان جريئًا لا يعرف الخوف، صبورًا يستعذب الألم، وكان مفطورًا على حب التضحية واحتمال الأذى. لا يعرف الناس عنه أنه أذعن لجور، أو أشفق من بطش، أو تردد في أداء واجب. وكان وفيًّا لأصدقائه، لا يفهم الحياة بغير الوفاء، ولا يقدر الرجولة بغير وفاء، ولا يضن بالنفس في سبيل الوفاء. وكانت كل هذه الخصال سجية فيه، لا يتكلفها، ولا يأخذ نفسه بها أخذًا، وإنما تصدر عن نفس آثارها طبيعية حرة كما يصدر الضوء عن الشمس.

    فكان لهذا كله مثلًا من أصدق الأمثال وأرقاها لحياة الرجل الكامل في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واشتدت فيه المحن، وابتليت فيه أخلاق الناس، وظهرت فيه الحاجة إلى الرجال الذين يستحقون هذا الاسم.

    لم يكد يعمل في الحياة العامة حتى ظهرت فيه هذه الخصال كأوضح ما يمكن أن تظهر الخصال فعرفها الناس له وأحبوها فيه ولقبوه «النائب الجريء»، وكأنه قد عرف لشعور الناس هذا حقه، وأنزل ثقة الناس فيه منزلتها فوضع شجاعته وجرأته، ووضع احتماله وصبره وحبه للتضحية وحرصه على الوفاء موضع الامتحان.

    توالى عليه الابتلاء، وتعاقبت عليه الخطوب، وازدحمت عليه الأحداث، وأخذته الأهوال من كل مكان، وخرج منها منيعًا كما دخل فيها جريئًا صبورًا صادق العزم، حسن البلاء، وفيًّا للأصدقاء.

    لم يرعه النفي وآلامه، ولم يخفه البطش وأهواله، ولم يفتنه الإغراء ولم تخدعه الحياة بما فيها من ألوان الغرور، ولم يتردد في أن يستقبل الموت من دون صديقه ورئيسه، ولم يتردد في أن يصبر لألوان البأس التي عجز كثير من الناس عن أن يصبر لها في هذه الأعوام الأخيرة.

    وكان فيما حدثني عنه المحدثون الصادقون يألم أشد الألم في أيامه الأخيرة، لا لأن المرض يؤذيه ويضنيه، بل لأن المرض يحول بينه وبين مشاركة أصدقائه وزملائه في احتمال أثقال الحياة والجهاد. وكان يشكو من ذلك قليلًا ويألم لذلك كثيرًا. وها هو ذا الآن قد قضى ولما يبلغ مع أصدقائه أقصى الطريق، ولما ينته مع أصدقائه إلى غايات الجهاد، ولما ير مع أصدقائه حرية مصر وقد ردت إلى مصر، واستقلال مصر وقد خلص لمصر.

    فهو أحد هؤلاء الذين يختارون لاحتمال أثقال المحن وآلامها واقتحام خطوبها وأهوالها، فيلقون من ذلك أشد ما يلقاه الناس ثم يصرعون ولما يحققوا الأمل ويسقطون في الميدان ولما يبلغوا الأمد. هؤلاء الأصفياء أحق الناس بالحب وأجدرهم بالبر، وأولاهم بالإكبار، لأنهم جاهدوا ولم يروا من الجهاد إلا آلامه، ولم يذوقوا من ثمرات الصبر شيئًا، ثم قضوا وفي نفوسهم حسرات لا لأنهم لم يجنوا ثمرة الكد والجد، بل لأن الموت يحول بينهم وبين المضي في الكد والجد.

    والشعوب تعرف لهؤلاء الناس حقهم وتفي لهم بما هم أهل له من الحب والإكبار والإعظام، كأنها تشعر شعورًا قويًا بما كان لهم من حق في أن يذوقوا لذة الفوز، ويجنوا ثمرة النصر، وبأن القضاء قد شط عليهم حين حال بينهم وبين ذلك، فهي تريد أن تقدم إليهم من حبها وإكبارها ومن إعظامها وإجلالها ما يعوضهم من ذلك بعض الشيء، أو قل إن الشعوب تشعر بما كان لهؤلاء العظماء من حق، وبقسوة القضاء عليهم حين حال بينهم وبين هذا الحق، وبأن هؤلاء العظماء الذين جاهدوا وصبروا، لا يبتغون جزاء ولا شكرًا، ولم يظفروا بجزاء ولا شكر، هم المثل العليا حقًا، والقدوة الصالحة حقًا، هم الذين ينبغي أن يتأثرهم الجادون، ويقتدي بهم العاملون، هم الذين يجب أن تتخذهم الأمم مرآة صافية لخير ما فيها من الخصال التي تعينها على الحياة وتمكنها من الرقي والعظمة وارتفاع الشأن. فهي لذلك تحبهم وتؤثرهم، وهي لذلك تجلهم وتكبرهم، وهي لذلك تواري أجسامهم في التراب، ولكنها تحفظ صورهم في القلوب وتجري ذكرهم على الألسنة وتحفظ لهم عهدًا لا كالعهود، وتضمن لهم أنها قد تنسى كل شيء، وقد تنسى كل إنسان ولكن النسيان لن يجد إليهم سبيلًا.

    لقد قضى فقيد اليوم ففارق أصدقاء أعزاء، ولحق بأصدقاء أعزاء، فنفسه محزونة لفراق أصدقائه في هذه الدار، كما أن نفوس أصدقائه محزونة لفراقه، نفسه سعيدة للقاء أصدقائه في تلك الدار كما أن نفوس أصدقائه سعيدة بلقائه. والشعب المصري كله يشاركه ويشارك أصدقاءه أولئك وهؤلاء في كل ما يجدون من غبطة وفي كل ما يشعرون به من رضا بقضاء الله وإذعان لحكم الله، وأمل في عدل الله وفي حسن جزائه للصادقين المخلصين.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء من قادة مصر وزعمائها الذين شقوا لها طريق المجد في هذا العصر الحديث، والذين شقوا لتسعد، وماتوا لتحيا، وألقوا في قلوب أبنائها أن الفرد لا قيمة له بغير الجماعة، وأن سعادة الأشخاص لغو إذا لم تكن مقترنة بسعادة الأمم وأن الوطنية الصادقة لا تعرف ضعفًا ولا مللًا، ولا هوادة ولا مساومة، وإنما هي قوة كلها ومضاء كلها، واستقامة كلها، وجد كلها وتضحية كلها.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين أكرهوا العالم الحديث على أن يؤمن لمصر بأنها بلد حي خليق بأرقى ما تطمع إليه الشعوب من الحياة.

    نعم وعزاء لهؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين يحتملون الآن آلام الحياة مضاعفة، ويصبرون الآن وحدهم على فقد الأصدقاء ومشقة الجهاد في سبيل هذا البلد الحزين.

    عزاء لهؤلاء الأصفياء الذين شاركوا إخوانهم الراحلين فيما احتملوا من ألم وما لقوا من ضر، وكانوا يجدون في مودتهم وحبهم، وفي إخلاصهم ووفائهم عونًا على الشدة وعزاء عن المكروه فأصبحوا الآن لا يجدون هذا العون إلا في الذكرى ولا يجدون هذا العزاء إلا في الصور الكريمة التي تملأ قلوبهم ونفوسهم من ثقة بالله وإيمان بالوطن. نعم وعزاء لمصر عمن فقدت من الزعماء والقادة بمن بقي من الزعماء والقادة، فإن زعماء مصر وقادتها سواء منهم من مضى ومن أقام لا يمثلون أشخاصًا وأفرادًا تعدو عليهم الأحداث وتعبث بهم الخطوب وإنما يمثلون فكرة هي أرقى وأصفى وأبقى من أن تعدو عليها الأحداث أو تعبث بها الخطوب. وهي فكرة العزة المصرية، والحرية المصرية والكرامة المصرية. ومادامت هذه الفكرة قد وجدت في مصر ونمت وسيطرت على قلوب المصريين جميعًا، واستأثرت بنفوس المصريين جميعًا بفضل هؤلاء الزعماء الصادقين، من مضى ومن أقام، فلن تذعن مصر لبأس، ولن يجد اليأس إليها سبيلًا.

    إن في رئيس الوفد وأصدقائه الأصفياء الأوفياء لعزاء أحسن العزاء لمن فقدت مصر من قادتها وزعمائها. وإن في حب مصر الصادق، ووفاء مصر الدائم وولاء مصر المتصل لعزاء لرئيس الوفد وأصدقائه عن هذه المحن التي تتصل عليهم فلا تزيدهم إلا ثقة وإيمانًا ويقينًا. وإن في هذا كله لعزاء لأسرة الفقيد العظيم ونفس الراحل الكريم.

    فليمنح الله مصر أجمل الصبر وليوفق الله مصر إلى حسن الاقتداء بفقيدها العظيم وأصدقائه الذين سبقوه إلى دار الخلود.

    كوكب الشرق في ٢٤-٧-١٩٣٣

  • بريطانيا والسيادة ومسألة التبشير | Britain, Sovereignty, and the Missionary Question

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.
    كوكب الشرق ٢٢ – ٧ – ١٩٣٣

    تحريض
    ولكنه لا يثير أحدًا، ولن يهيج أحدًا. ولن يغيظ أحدًا، لأن سره واضح والكيد فيه ظاهر، والمكر فيه أوضح من أن يخفى على الناس.
    فأنت قد قرأت – من غير شك – هذه الرسالة التي أبرق بها مكاتب التيمس إلى صحيفته ونشرتها الصحف مساء السبت. وأنت قد رأيت فيها، من غير شك هذه الجملة المريبة التي ختم بها مراسل التيمس حديثه عن موقف المصريين من التبشير والمبشرين. وأنت قد فهمت – من غير شك – أن مكاتب التيمس ليس راضيًا ولا مسرورًا لأن أمر المبشرين لم ينتج النتيجة التي يتمناها المستعمرون، ولم ينته إلى الغاية التي يريدون أن ينتهي إليها وهي الفتنة المظلمة القاتمة التي يختلط فيها كل شيء، ويفسد فيها كل شيء، وتفترق فيها الآثام، وتجترح فيها الجنايات، ويكون فيها الاعتداء على الأنفس والأموال، وتكون فيها الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، ويضطرب فيها النظام إلى أقصى غايات الاضطراب، ويلجأ فيها الأجانب إلى دار المندوب السامي مستغيثين ومستجيرين، فتسرع إليهم بالغوث، وتمد لهم في الجوار، وتعلن إلى مصر ولغير مصر أنها مضطرة إلى العمل لحماية الأنفس والأموال، وصيانة الأمن والنظام، بعد أن عجزت الحكومة عن أن تحمي الأنفس والأموال، وتصون الأمن والنظام.
    هذا هو الذي يتمناه المستعمرون، ويودون لو ظفروا به، ووفقوا إليه، ومن يدري؟ لعلهم يضيقون بهدوء مصر، ولا يكفيهم أن تضطرب فيها النفوس، وإنما يريدون هذا الاضطراب البغيض الذي يمكن من انتهاز الفرص والصيد في الماء العكر كما يقولون. ومن المرجح أن مكاتب التيمس لا يرضيه أن يرى مصر – كما هي الآن – ساخطة أشد السخط، ولكن في هدوء يحرج ويغيظ، فهو أشبه بهذه السيدة الجميلة الفاتنة التي لا يعجبها هدوء البحر واستقراره فتتمنى على ربان السفينة لو ثارت عاصفة أو هاج البحر بعض الهيجان لتضطرب السفينة شيئًا من الاضطراب.
    مكاتب التيمس يسجل أن الحكومة اضطرت إلى أن تتخذ احتياطات شديدة لتخفف السخط على المبشرين وتهدئ إنكار الناس لما يقترفون من إثم، وما يسرفون فيه من عدوان. وكنا نحب لو أن الحكومة اتخذت من الإجراء ما يهدئ سخط الناس حقًا، واضطرت مكاتب التيمس إلى أن يسجل شيئًا غير الذي سجله، إلى أن يسجل مثلًا أنها أغلقت بعض معاهد التبشير لتكف عدوانهم فيهدأ الناس، وتمحو آثامهم فيرضى الناس، ويسجل مثلًا أنها انتفعت بالإذن الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة في تنظيم المراقبة التي تفرض على المبشرين، فأسرعت في هذا الحديث وفرغت منه وهيأت مشروع قانون يمكنها من هذه المراقبة، فجدت في إصدار هذا القانون كما تجد في غيره من الأعمال التي لا تدعو إليها حاجة قاسية ولا تفرضها ضرورة ملحة. ويسجل مثلًا أن الحكومة قد فهمت واجبها على وجهه، ونهضت بهذا الواجب كما ينبغي أن تنهض به الحكومة الرشيدة التي تعرف حرمة الدولة وتريد أن ترعاها، والتي تقدر كرامة الدولة وتريد أن تحفظها، فرأت أن مراقبة التبشير والمبشرين لا تكفي لإرضاء المصريين ورعاية حرماتهم والمحافظة على كرامتهم. وإنما السبيل في ذلك أن يمنع التبشير في مصر منعًا، وأن يحظر على الأجانب مهما يكونوا أن يدخلوا بين الناس وبين عقائدهم ودياناتهم، فهيأت مشروع قانون تمنع به التبشير وتحرمه تحريمًا. ويسجل مثلًا أن الحكومة المصرية فهمت آخر الأمر أن التبشير إنما يقبل في بلاد الهمج والمتوحشين، لا في بلاد الحضارة الراسخة والمدنية الراقية، وأن مصر عرفت المسيحية قبل أن تعرفها أوروبا وأمريكا، وحمت المسيحية قبل أن تحميها أوروبا وأمريكا، وقام فيها للمسيحية مجد قديم ليس أقل خطرًا من المجد الذي قام لها في أوروبا وأمريكا. فلا ينبغي أن يغير قوم من الآفاقيين وطلاب الرزق على مصر باسم المسيحية التي نشأت فيها ووجدت فيها العز والأمن والمجد. وفهمت ولو بعد طول الوقت وكثرة الانتظار أن الإسلام دين خير وبر، ودين مودة ومعروف، ودين حضارة ورقي. وقد أنقذ العالم وقتًا ما من طغيان الطغاة وبغي البغاة، وظلم الظالمين، ورفع لواء العلم والحضارة ظافرًا مؤيدًا، وهو اليوم كما كان أمس قادرًا على أن ينقذ أهله وغير أهله من الظلم والبغي والطغيان، وهو اليوم – كما كان بالأمس – قادر على أن يظل العلم ويحميه، وعلى أن يظل الحضارة ويرعاها. وما ينبغي لبلد تعيش فيه المسيحية والإسلام في مودة وصفاء أن يفسد أمره الأجنبي متعصبًا لدين على دين، معتديًا باسم دين على دين، مفسدًا لما بين الدينين من المودة وحسن الجوار، باعثًا لهذه العواطف المنكرة، عواطف التعصب والحقد والبغض باسم العقيدة والدين.
    كنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا قد فهمت هذا كله فتحدثت إلى المندوب السامي وإلى غيره من الوزراء المفوضين في تحريم التبشير، واجتثاث أصله من هذا البلد، وكنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن الحكومة المصرية الإسلامية قد فهمت آخر الأمر أن الإسلام لا يبيح هذا النوع من التبشير في السر مرة وفي الجهر مرة أخرى، وأنه لا يقبل من غير المسلم دينًا إن مال إليه أو رغب فيه بنص القرآن الكريم، فتحدثت إلى الدول في أن دستورها يجعل الإسلام دين الدولة، وفي أنها لا تستطيع أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، فهي مضطرة إلى أن تقطع أسباب الردة، وتلغي البواعث والمغريات التي يدفع إليها الجهال والضعفاء، وتغري بها الفقراء والبائسين. كنا نود لو سجل مكاتب التيمس هذا كله ولكنه لم يستطع أن يسجله لأن حكومتنا لم تستطع أن تفكر فيه، ولا أن تهم به! ولأن علماء الإسلام في مصر لم يستطيعوا – مع الأسف – أن يجهروا به، أو يدعوا إليه، إنما استطاع مكاتب التيمس أن يسجل ما عملته الحكومة، والحكومة لم تعمل إلى الآن إلا أنها أعلنت عن نفسها، وألحت في الإعلان، ثم جدت في منع الناس من الاجتماع بحجة أن اجتماعهم يفسد النظام ويعرض الأمن للخطر، فهذه هي الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها الحكومة لحماية المبشرين. وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس مثلها الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها لحماية المصريين على اختلاف دياناتهم من الأجانب المبشرين! وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا وقفت موقف الحياد الدقيق الحازم! فكفت كلا عن كل، وصدت كل معتد عن العدوان، وكل باغ عن البغي! ولكن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لم تتح لمكاتب التيمس أن يسجل هذا، لأن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لا تعرف الشدة إلا على المصريين، ولا تعرف اللين إلا للأجانب.
    ومن المحقق أن مكاتب التيمس راضٍ عن شدة الحكومة على المصريين ولكنه ساخط على هدوء مصر وضبطها لنفسها وإيثارها للعافية واجتنابها للفتنة. انظر إليه إنه ليعلن في استحياء عن خيبة الأمل لأن غير الوفديين لا يستطيعون أن يثيروا العامة وأن يضطروا الحكومة حقًا، ويضطروها إلى استعمال العنف والشدة، متحفظ لا يدعو إلى الفتنة ولا يحض عليها. ومكاتب التيمس لا يرضيه من الوفد إلا أن يشب نار الفتنة ويضرمها ويحرق بها كل شيء، فهو يحرض الوفد على ذلك، وهو يغري الوفد بذلك، وهو يزعم ليصل إلى هذا التحريض والإغراء أن الوفد إنما يتحفظ ويجتنب الفتنة رعاية للذين يؤيدونه من الأقباط!
    تبارك الله الذي منح مكاتب التيمس من الذكاء والفطنة ما طوع له أن يكتب هذا الكلام، ولم لا؟ أليس هذا الكلام خليقا أن يثير الوفد، ويدعوه إلى أن يجد في أن يدفع عن نفسه تهمة الانحياز للأقباط والتقصير في الذود عن الإسلام، ويومئذ تثور الفتنة وتضطرم نارها ويظفر مكاتب التيمس بما يريد من الاضطراب، ولكن الله الذي منح مكاتب التيمس هذا الذكاء النادر، وهذه الفطنة البارعة منح الوفد قليلًا من الذكاء، وقليلًا من الفطنة، وهداه إلى أن الفتنة شيء ينفع الإنجليز ولا ينفع المصريين، وإلى أن الفتنة مفسدة للنهضة المصرية، وإلى أن الفتنة شيء لا يرضاه الإسلام، ولا ترضاه المسيحية، وإلى أن إثارة الفتنة جناية على مصر، وإثم في حق مصر، فهو لن يستجيب لدعوة مكاتب التيمس، ولن يحقق أمنيته وأمنية أصحابه المستعمرين، ولن يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى، وهو إنكار التبشير، لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، بل بالقياس إلى المصريين جميعًا، لا بالقياس إلى القصر والضعفاء وحدهم، بل بالقياس إلى الراشدين والأقوياء. وهو لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى فلا يكتفي منها بإنشاء الملاجئ والمدارس، وإنما يقدم على هذا كله، ويريد قبل هذا كله أن تجد الحكومة في إصدار القوانين التي تمكن الدولة من مراقبة التعليم الأجنبي كله، والتي تحرم التبشير في مصر تحريمًا. والوفد لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى والذي أعلن فيه بلسان صحفه، وفي صراحة لا تحتمل شكًا ولا ريبة أن التبشير في بلد كمصر جناية على الحضارة، جناية على الإنسانية الراقية. فلا ينبغي للحكومة المصرية أن تقره أو تسكت عنه.
    قال الوفد ذلك منذ الساعة الأولى، وهو يقول ذلك الآن، وسيقوله غدًا، وعلى الحكومة أن تسمع، وعلى الحكومة أن تنهض بالواجب بعد أن تبين لها. وما كان الوفد وإن كره مكاتب التيمس، وكره معه المستعمرون أن يضطر الحكومة إلى ذلك بالفتنة، فليس الوفد من الفتنة والثورة في شيء.
    ونحن نعلم أن هدوء الوفد يغيظ قومًا، ولكن ما رأي هؤلاء السادة في أننا سنحرص على هذا الهدوء الحازم، وفي أننا لسنا مكلفين أن نرفع عنهم آلام الغيظ.
    كوكب الشرق ٥ – ٥ – ١٩٣٣

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.