ثورة
ولكنها استحالت إلى هدوء هادئ، وقد كانت نارًا مضطرمة يتطاير شررها، ويتأجج لهيبها، ويخشى أن يأتي لظاها على كل شيء، فاستحالت بإذن الله بردًا وسلامًا، لا خطر له، ولا شر فيه، ولا خوف منه على أحد، ولا على شيء.
ظهرت هذه الثورة الثائرة يوم الخميس حين أراد وكيل مجلس النواب أن يتكلم في الدَّين، أيؤدَّى ذهبًا أم ورقًا؟ فاضطرب المجلس أشد اضطراب، واضطرم المجلس أشد اضطرام، وانطلقت الحناجر بالصياح، والألسنة بالتأنيب، وامتدت الأيدي في الهواء، وسكت وكيل المجلس، ثم استأنف الكلام، ثم سكت، ثم اضطر إلى أن يدع المنبر، ويعود إلى مجلسه محزونًا كاسف البال!
ثم أبى المجلس أن يثبت من كلام وكيله شيء في المضبطة، وأبى المجلس أن يثبت من ثورته بوكيله شيء في المضبطة، ولم يستطع المجلس أن يطلب إلى الصحف التي تحضر جلساته إهمال هذا الحادث، وما أذكى من نار في قلوب النواب وأفواههم وأيديهم، فنشرت الصحف من أمر هذا الحادث ما نشرت، وأصبح من الحق على المؤرخين أن لا يكتفوا بمضبطة مجلس النواب هذه بعد أن ثبت أنها لا تسجل كل ما يقع في المجلس، وإنما تسجل ما يريد النواب أن يثبتوه.
ثم أصبح من الحق على المؤرخين أن يتمموا بحثهم بقراءة الصحف. ومن يدري لعله لو كشف للمؤرخين عن كل شيء لعلموا أن من الحق عليهم ألا يثقوا بالمضبطة وحدها، ولا بالصحف وحدها، ولا بالصحف والمضبطة مجتمعة، وأن يلتمسوا عند الأفراد الذين اشتركوا في الجلسات أو شهدوها أو سمعوا من اشترك فيها أو شهدها تتمة ما يعمدون إليه من بحث، وما يرغبون فيه من تحقيق.
ومع ذلك فكم قيل للناس وكم سيقال للناس بأن المصادر الرسمية من أوثق المصادر التي يجب أن يعتمد عليها المؤرخون، فقد ظهر الآن أنه يكفي أن يقال إن هذا مصدر رسمي ليقف المؤرخ منه موقف الشك والاحتياط.
هذه ثورة حدثت في مجلس النواب، تحدثت عنها الصحف، واستفاضت بها الأنباء، وكادت تحدث آثارًا ذات خطر في مجلس النواب، ومع ذلك فليس لها ذكر في مضبطة المجلس، ولا سبيل إلى العلم بها، أو القول فيها إلا من خارج المجلس!
ومن قبل ذلك كانت قصة ميزانية الأشغال في مجلس النواب، زعمت المضبطة أن المجلس أقرها، وزعمت المضبطة أن بين الأعضاء من شك في صحة هذا الإقرار، لأن عدد النواب لم يكن قانونيًا، وزعمت الصحف أن العدد كان بعيدًا كل البعد عن أن يكون قانونيًا. وأن ميزانية الأشغال لم تقر وفقًا للدستور والنظام، وإنما خطفت إلى مجلس الشيوخ، كما خطف رئيس الوفد من قنا إلى القاهرة.
ولم ينكر مجلس النواب هذا، لا سرًا ولا جهرًا. فأصبح من الحق للناس أن يصدقوا من شاءوا، وأن يكذبوا من شاءوا، لأن الأمر كله عرضة لشك لا يشبهه شك! وكانت قصة هذه الميزانية في مجلس الشيوخ كقصتها في مجلس النواب. زعمت المضبطة أنها أقرت، وزعمت الصحف أنها لم تقر. وسأل الناس وألحوا في السؤال، فسكتت الصحف، وسكت مجلس الشيوخ.
وشاع أمر هذه الميزانية بين الصدق والكذب، وأصبح من حقك أن تصدق المضبطة وتكذب الصحف، أو أن تكذب المضبطة وتصدق الصحف. فمهما يكن من شيء فإن للصحف فضلًا على النواب والشيوخ يجب أن يؤمن به هؤلاء الذين يضيقون بالصحف، ويريدون أن يسرفوا في التضييق عليها، فلولا الصحف لما عرف الناس أن النواب ثاروا بوكيلهم يوم الخميس حتى هموا أن يخرجوه، ولولا الصحف لما استطاعت الأجيال المقبلة أن تعرف أن النواب كانوا أشداء في مسألة الدَّين، ألداء في الدفاع عن الورق حتى هموا أن ينالوا وكيلهم بأيديهم حين أظهر الميل إلى الدفع ذهبًا!!
لولا الصحف لما عرف شيء من هذا، ولما سجلت للنواب هذه المفاخر الرائعة، وهذه المآثر التي ستُشاع وتُذاع وتملأ الأسماع وتنتشر في كل البقاع.
أفبعد هذا كله يمضي النواب في سوء ظنهم بالصحف، وقبح رأيهم فيها، وهي التي تجعلهم أبطالًا، وتصوغ لهم تيجان الفخر الذي لا يفنى. على أن هذه الثورة التي شبت نارها، واضطرم أوارها يوم الخميس لم يكن من اليسير إخمادها، فقد ردت إلى حدود ضيقة بعد أن أسكت الوكيل! ولكنها ظلت ملتهبة حادة اللهب، وثبت للذين كانوا يحاولون إطفاءها أن هذا الإطفاء لا سبيل إليه إلا أن يستأصل الوقود الذي يمدها بالحرارة والقوة، ويمكنها من الالتهاب والاضطرام. وهذا الوقود هو وكيل النواب نفسه. فرأى رجال المطافئ في مجلس النواب أن لا بد من فصل الوكيل وإخراجه من المجلس لتخمد النار وتهدأ الثورة! قالوا: وتقدم بعض النواب في ذلك إلى رئيس المجلس وأحس الوكيل أن قد أحيط به، فدافع عن نفسه في الصحف، ورجع عن رأيه فيما يقول جماعة، وكشف عن رأيه فيما يقول هو، ولكن رجال المطافئ في مجلس النواب أبوا إلا أن يفصلوه ويخرجوه ليؤمن على المجلس من الحريق، وليتنفس النواب هواء طليقًا، نقيًا بريئًا من الإثم، ومخالفة الإجماع والخروج على إرادة الأمة!!
فلما كان صباح أمس، أضحى وكيل مجلس النواب كئيبًا محزونًا، وكان النهار كلما تقدم به إلى موعد الفصل اشتد جزعه، وزلزلت به الأرض زلزالها. وكان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة، محاكمة رجل لأنه أخطأ، أو لأنه تعمد الخروج على إجماع النواب، أو لأنه أراد أن يكون فريدًا في مسألة الدَّين كما كان فريدًا في مسألة القطن منذ أعوام! أو لأنه أراد أن يكون سياسيًا ماهرًا، ونصيرًا ماكرًا يمهد لتأييد الوزارة والتماس المعاذير لها إن ضاقت بها الحال، وألجئت إلى التسليم للفرنسيين والإيطاليين!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة الطريفة ليروا كيف يبلغ الاقتناع حد الثورة التي لا تقبل مناقشة ولا جدالًا، ولا خلافًا في الرأي، والتي لا تكتفي بإسكات المخالف في الرأي، ولا برده إلى كرسيه خزيان مبهوتًا. بل تريد أن تقطع عليه كل سبيل للخلاف في الرأي أو في غير الرأي، وترده إلى عزلة آثمة أو كالآثمة!
كان الناس ينتظرون هذه المحاكمة ويسأل بعضهم بعضًا: لو أن النواب ثاروا هذه الثورة بالوزراء حين يخالفون إرادة الأمة في بعض ما يأتونه من الأمر، ماذا تكون الحال، وإلى أين يكون المآل؟!
ولكن الانتظار لم يكن طويلًا، والجواب لم يكن عسيرًا. فقد أخمدت النار ولما تنتطح فيها عنزان، ولم يحتج إخمادها إلا إلى نفخة يسيرة كهذه التي تطفأ بها الشمعة إذا أخذ منها الجهد، ولم يبق فيها إلا الذماء! وهل تدري من نفخ هذه النفخة، فأرسل هذا النفس الهادئ الفاتر فأطفأ تلك الثورة الحادة الجامحة؟ هو وكيل النواب نفسه. وقف ثم قال كلامًا دون الذي نشرته الأهرام، وأراد أن يطيل فاكتفى المجلس بالقليل، وبقي الوكيل نائبًا ووكيلًا متمتعًا بثقة النواب، ومتمتعًا أيضًا بثقة رئيس الوزراء التي كان يتمدح بها منذ أسابيع.
وكذلك شبت الثورة، وكذلك أخمدت. كلام شبّها، وكلام أخمدها. وكان الأمر كله كلامًا في كلام! وما ينبغي أن يكون الأمر إلا كلامًا في كلام! فهذا كل ما تسمح به الظروف. وكم يتمنى الذين يحبون الإنسانية ويشفقون على آجال الناس وآمالهم، وعلى منافعهم ومآربهم، لو تكون كل ثورة في العالم كهذه الثورة الهادئة التي شبت في مجلس نوابنا يوم الخميس وأخمدت يوم الاثنين، فلم تدمر شيئًا، ولم تحطم شيئًا، ولم تضيع شيئًا، ولم تمس واحدًا بسوء.
ما أشد حاجة الثائرين في أوربا وأمريكا، أفرادًا وجماعات إلى أن ينظروا إلى مصر، فسيجدون فيها القدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنار التي لا تحرق، والثورة التي لا تؤذي، والكلام الذي لا يتجاوز أن يكون كلامًا.
كوكب الشرق ٢٣-٥-١٩٣٣
همج
نعوذ بالله أن نحب هذه الكلمة، أو أن نؤثرها أو أن نتخذها عنوانا لفصل من الفصول عن رضًا بها، أو ميل إليها، ولكنها كلمة أصبحت رسمية! وكسبت حقا من الحقوق المدنية! فلم يبق بد من أن نقر لها بهذا الحق الذي كسبته! ونؤمن لها بهذه المزية التي ظفرت بها! وأي حق أعظم من أن ينطق بهذه الكلمة نائب من النواب، في مجلس النواب على منبر النواب، وتحت قبة البرلمان! وأي مزية أميز، وأي فضيلة أفضل من أن تسجل هذه الكلمة في مضبطة مجلس النواب، ومن أن تسجل على أن نائبا قذف بها في وجه الوزراء وزملائه من النواب! نعم امتازت هذه الكلمة، وكسبت حقوقا، وليس على الصحف بأس أن تستعمل الألفاظ المهجورة وتتخذها عنوانا لما تكتب من الفصول بعد أن يمنحها النواب الحقوق المدنية، فيجب أن يقوم مجلس النواب الآن مقام المجمع اللغوي الذي أعلن عن تكوينه ثم لم يكن، وعزم على تأليفه ثم لم يؤلف. وأكبر الظن أن وزير التقاليد قدر في نفسه أن مجلس النواب يستطيع أن يستغني عن هذا المجمع، ليحيي المهجور من الكلام وقد كدت أن أملي الهجر، ويضيف إلى اللغة ما ليس فيها. وما دام مجلس النواب قادرا على أن يشرع في كل شيء، ويراقب كل شيء، ويقضي في كل شيء، فهو بإذن الله قادر على أن يشرع في اللغة ويراقبها ويقضي فيها!
ولكن مجلس النواب لم يحدد أمس -ولعله يريد أن يحدد اليوم- معنى كلمة الهمج هذه، فليس لكلمة من الكلمات قيمة إلا أن يحدد معناها، ويضبط ما تدل عليه. وكان النائب الذي نطق بهذه الكلمة وأدخلها في معجم البرلمان مغضبا ثائرا، منتقض المزاج، فيجب إذن أن لا يكون قد أراد بها دعابة ولا فكاهة ولا مزاحا، فضلا عن أن يكون قد أراد بها تحية للمجلس أو ثناء عليه!
وغضب رئيس المجلس حين سمع هذه الكلمة لنفسه ولنواب الأمة، ووزراء الدولة، فطلب إلى النائب المحترم أن يسترد كلمته هذه. ويظهر أن النائب المحترم من تلاميذ أستاذنا الشيخ محمد المهدي رحمه الله. فقد أساء إلى بعض الناس بكلمة ساقها إليه، فلما طلب إليه سحبها كما يقولون، أجاب «يا ولدي، كلمة قيلت فكيف أسحبها؟» لذلك أبى النائب أن يسحب كلمته بعد أن قالها، وقد غضب المجلس، أو بعبارة أدق اختلف المجلس في وقع هذه الكلمة: أكان شديدا فينبغي أن يألم النواب؟ أم كان خفيفا فينبغي أن يغضي عنه النواب؟ لذلك لم يثوروا بصاحب الهمج هذه! وإنما ألحوا عليه في رفق ولطف في أن يستردها ويعتذر منها! ولم يكن يعدل لين المجلس إلا شدة النائب! فقد كان المجلس يلح في الاعتذار، وكان صاحب الهمج يكرر الهمج حتى إذا أثقل زملاؤه عليه لم يسحب الكلمة وإنما سحب نفسه وخرج من المجلس حدة شديدة، يمزق بيديه مشروع القانون الذي كان يعرضه وزير التقاليد! وكان يدرسه المجلس ويظهر الميل إليه، والتأييد له. وكان النائب ينكره ويرى أن الهمج لا يعرضونه ولا يقبلونه! هنالك كانت حدة وشدة. وهنالك كانت ثورة وفورة، ولكنها لم تكن عامة ولا شاملة. وإنما مقصورة على جماعة من النواب، لهم فيما يظهر أمزجة حادة، وحس سريع التأثر. وكانت كثرة المجلس آخذة بالعفو، آمرة بالعرف، ميالة إلى الصفح، ولا سيما إذا قبل صاحب الهمج أن يتقدم بالاعتذار. وسنرى اليوم إلى أين تبلغ هذه القضية: أيسحب النائب كلمته فيبقى في المجلس؟ أم يأبى النائب سحب كلمته فيسحبه المجلس من بين أعضائه سحبا موقوتا أو غير موقوت؟!
لكن هناك شيئا أجل خطرا من كلمة الهمج ومدلولها، ومن مرسل هذه الكلمة ورأيه في نفسه وفي زملائه ووزرائه، ورأي زملائه ووزرائه فيه. وهو أن فصل العمل قد طال على النواب، وتقدمت بهم الدورة حتى بلغ منهم الجهد وألح عليهم العناء فأصبحوا لا يملكون أنفسهم ولا أيديهم ولا ألسنتهم! وأصبحوا يغضبون لكل شيء، ويثورون لكل شيء، ويتنكرون لكل شيء.
يحاول رجل أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيثور بعض النواب بالصحف. يحاول وكيل المجلس أن يعلن رأيا مهما يكن خاطئا، ومهما يكن سخيفا، فهو رأي أن يعلنه نائب له الحق في إعلان رأيه بحكم الدستور، فيثور به النواب، ويجمعون أمرهم على أن يفصلوه ويخرجوه، أو يذعن ويؤمن، ويخلع رأيا ويلبس مكانه رأيا آخر، كما يتبدل قميصا من قميص. ويحاول وزير التقاليد أن يدافع عن مشروع من مشروعات القوانين، أو يحاول المجلس نفسه أن يدرس مشروعا من مشروعات القوانين فيثور أحد النواب ويقذف في وجوه النواب والوزراء كلمة الهمج. وإذ بلغ الجهد من النواب هذا الحد، وانتهى بهم الإعياء إلى هذه المنزلة، فهم خليقون أن يستريحوا كما استراح رئيس الوزراء، وهم عاجزون عن أن ينهضوا بالعمل فستتصل فيهم الثورة، ويلح عليهم الغضب حتى يخرجهم من أطوارهم. ولست أذكر منفعة الأمة ومصالح الدولة، فليس عليها بإذن الله بأس من النواب، سواء سخطوا أم رضوا، وسواء هدأوا أم ثاروا. وإنما أذكر النواب أنفسهم، فقد يعرضون صحتهم وأمزجتهم وأعصابهم بهذه الثورة الدائمة، وهذا الغضب المتصل لشر لا نحب أن نتعرض له. ولو أن رئيس الوزراء بالنيابة مستعد لقبول النصح لأشرنا عليه بأن يتلو المرسوم الذي يأذن للنواب في أن يتفرقوا ويستريحوا، فإن جهد المكدود لا خير فيه.
على أن هناك شيئا يعزى عن هذا الاضطراب المتصل بين النواب، وهو أنه اضطراب لا يؤذي، وثورة كنار القش أو كنار الورق، سريعة الهبوب، سريعة الخمود. فأما النائب الذي ثار على الصحف فقد اعتذر إلى الصحف. وأما النواب الذين ثاروا بالوكيل فقد عفوا عن الوكيل. وأما النائب الذي رمى في وجوه الزملاء والوزراء بكلمة الهمج فسيعتذر إلى الوزراء والزملاء. وما دامت نار النواب هينة هادئة، لا تحرق شيئا، ولا تمس أحدا بأذى فقد لا يكون بهبوبها وخمودها بأس، بل قد يكون في هبوبها وخمودها شيء من التسلية لهذا الشعب الذي يجب أن ينتظر من نوابه أن يسلوه إذا عجزوا عن أن يسعفوه.
ويظهر أن الأمر لا يريد أن يقف عند مجلس النواب، وأن مجلس الشيوخ يريد أن ينافس زميله الشاب فيما يأتي من حركات الشدة والحدة. ومن الثوران والفوران، فقد صاح بعض الشيوخ منذ أيام في وجه الرئيس، أو في وجه الوكيل: إنكم تريدون أن تعاملونا كما يُعامَل زملاؤنا في مجلس النواب. ولم يحفل الرئيس أو الوكيل بهذه الصيحة، كما لم يحفل رئيس النواب بصيحات النواب!
وخطفت ميزانية الأشغال فيما يقال من مجلس الشيوخ كما خطفت من مجلس النواب! ثم جاءت ميزانية السكك الحديدية، فجاءت ثورة أخرى وتبعتها خطفة أخرى! وظهرت الأهرام صباح اليوم، وإذا شيخ من الشيوخ يشكو المجلس إلى الشعب، ويتهمه بتهم أقل ما توصف به أنها خطيرة. فالمجلس -في رأي هذا الشيخ الوقور- يحرم أعضاءه حرية الكلام، ويحول بينهم وبين إعلان آرائهم، ويمضي أبواب الميزانية وفصولها في سرعة لا تلائم الأمانة -استغفر الله- بل يؤدي هذا المجلس عمله كله بطريقة لا تلائم الأمانة ولا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! وأؤكد لمجلس الشيوخ ومجلس النواب ومجلس الوزراء والنائب العام أني لا أقول هذا الكلام من عند نفسي. ولا أرتجله ارتجالا، وأعوذ بالله أن أدفع نفسي إلى هذا الموقف الحرج، والمأزق الدقيق. إنما ألخص ما قاله الشيخ المحترم في الأهرام. والشيخ المحترم قد قال أكثر من هذا، فأعلن إلى الناس وإلى الوزراء، وإلى الشيوخ أيضا أن له آراء في ميزانية السكك الحديدية، منع من إعلانها على منبر البرلمان فسيعلنها على منبر الصحافة في الأهرام. وإذن فنائب يتهم مجلس النواب بالهمجية، وشيخ يتهم مجلس الشيوخ بماذا؟ بالاستبداد، لأنه يمنع الناس من إعلان آرائهم، وبمخالفة الأمانة النيابية، لأنه يقضي في أمور الدولة على عجل، ولأن أعضاءه يؤثرون أعمالهم ورياضتهم على النظر في شؤون الدولة ثم يقبض أموال الدولة في غير حق، لأن أعمال المجلس لا تعادل المكافأة التي يقبضها الأعضاء! ولست أريد أن أستنتج شيئا، فكل إنسان يستطيع أن يستنتج. ولست أريد أن أطلب شيئا، فليس يباح لنا أن نطلب شيئا في مثل هذه الحال، ولكني أرجح أن الشيوخ سيغضبون على زميلهم يوم يجتمعون كما غضب النواب على زميلهم أمس، وأن الشيوخ سيطالبون زميلهم، لا بأن يسحب كلمته، بل أن يسحب فصلا كاملا فيه كلمات وجمل وتهم تقال. وإذن فستشهد القاهرة مساء اليوم ثورتين، ثورة في مجلس النواب، وثورة في مجلس الشيوخ، ولكنهما ستكونان بإذن الله خفيفتين كل الخفة، هادئتين كل الهدوء. لن تضطرم فيهما النار حتى يطفئها الاعتذار! ثم يمضي الليل ويشرق النهار، وتقرأ أن مشروعات القوانين وأبواب الميزانية تمر في المجلسين في سرعة دونها مر القطار السريع.
كوكب الشرق ٢٤ – ٥ – ١٩٣٣
خصومتان
ثارت في مجلس النواب خصومتان عنيفتان في هذا الأسبوع، ذهبت إحداهما لغوًا كأن لم تكن، وكادت الأخرى تفسد الائتلاف بين حزبي الحكومة، لولا أن الذي بيده عقدة هذا الائتلاف لم يأذن بعد بالطلاق بين الحزبين الشقيقين، كما تسميهما بعض الصحف.
فأما الخصومة العنيفة التي ذهبت لغوًا كأن لم تكن، فهي التي أثيرت حول سياسة التعليم. فقد خطب نواب، ورد عليهم نواب آخرون، وتكلم وزير المعارف، وخُيِّل إلى الذين قرأوا أولئك وهؤلاء أن تغييرًا عظيم الخطر سينال سياسة التعليم في أصولها وفروعها، ثم سكنت العاصفة، وصفا الجو، وابتسمت السماء، ومضت سياسة التعليم كما تريد وزارة المعارف أن تمضي، إن كانت وزارة المعارف تعرف وجهًا تمضي فيه بسياسة التعليم.
الواقع أن وزارة المعارف في هذا العهد السعيد قد اضطربت بين سياستين: إحداهما سياسة الوزير السابق، وكانت تعتمد على التجديد والرقي، وكانت تعتمد أيضًا على تعرف العلل التي يشكو منها التعليم في مصر. لذلك ألّف الوزير السابق لجنة لسياسة التعليم، وألفت هذه اللجنة لجانًا فرعية، وكتبت مذكرات، واشتغلت اللجان، وكانت مناقشات، وخُيِّل إلى الناس يومئذ أن أمور العلم ستُقلب رأسًا على عقب، وأن مصر ستجد آخر الأمر لنفسها سياسة تعليمية معقولة ملائمة لحاجاتها وآمالها.
ولكن وزير التعليم السابق ذهب إلى بروكسل، وخلفه الوزير القائم، فذهبت إلى بروكسل أيضًا سياسة التعليم الأولى. وقام التقليد مقام التجديد، فأُقفلت معاهد، وألغيت أعمال، ونامت اللجنة الأصلية، وتفرقت اللجان الفرعية، وقام الفرد مقام الجماعة. واستغنى وزير المعارف بنفسه ووكيله عن هذه اللجنة التي لو أُمهلت لقلبت سياسة التعليم في مصر رأسًا على عقب.
وأجمل ما في هذا الأمر، وأدعاه إلى الابتسام بل إلى الضحك، أن جماعة من النواب كانوا يطالبون أثناء هذه المناقشة في سياسة التعليم بتأليف لجنة لتقرير سياسة للتعليم، كأن هذه اللجنة لم تكن أُلفت من قبل، ولم تكن قد بدأت أعمالها، وكأن النواب لم يسمعوا بها، ولم يذكر الوزير هذه اللجنة ولا أشار إليها، وإنما أجاب بأن الوزارة تستطيع أن تمضي في سياسة التعليم الأولى، وتضييق التعليم الثانوي والعالي. وقبل النواب هذا الكلام، وانتهت الخصومة بسلام كما تنتهي الأحلام.
أما الخصومة الثانية فقد كانت محرجة وممضة، وكانت خطرة، أدارت الرؤوس، وأذهلت النفوس، وأقضت المضاجع، وأضاعت يومًا كاملًا على كثير من النواب ورجال الأحزاب. وليس من شك في أن موضوعها كان أجل خطرًا، وأعمق أثرًا، وأمس بحياة الشعب الآن وغدًا من سياسة التعليم، وهو إعانة الأوبرا الملكية: أتمنح الحكومة أم لا تمنح إعانة للممثلين والممثلات، والمغنين والمغنيات، والراقصين والراقصات؟
والظريف الطريف أن الدفاع عن منح هذه الإعانة لهؤلاء الأجانب الذين يفدون علينا كل يوم لتسلية الأجانب قد نهض به وزير التقاليد، الذي أقفل معهد التمثيل، وألغى الرقص، وحارب اختلاط الجنسين في المدارس. نهض وزير التقاليد فدافع دفاع الأبطال عن الفن والجمال، يصول ويجول، ثم يسكت ويقول، ثم يرفع يده في الهواء ويهوي بها على المائدة، والنواب ينظرون ويسمعون ويعجبون؛ منهم من يدافع ويُمانع، ومنهم من يؤيد ويسرف في التأييد. والوزير ثابت في موقفه، مصمم على أن يشهد الأجانب في مصر كل عام — على حساب الدولة — تمثيل الممثلين والممثلات، ورقص الراقصين والراقصات، وسماع غناء المغنين والمغنيات.
ومع أن الخصومة بلغت أقصاها، وكان حزب الشعب عدو التمثيل والرقص والغناء، وكان حزب الاتحاد صديق هذه الفنون الجميلة، فقد انتهى الأمر بفوز وزير التقاليد، وانتصار حزب الاتحاد. وسيدفع المصريون طوعًا أو كرهًا هذه الآلاف ليسلوا الأجانب، ويعينوا جماعة من أهل الفن الأوروبيين على الحياة، ويمكنوهم من السياحة والاستمتاع بما في مصر من صفو السماء في فصل الشتاء، ومن اعتدال الجو وجمال النيل.
وما كنت أظن أن سياسة التعليم تثير عاصفة لا تلبث أن تهدأ، وأن دار الأوبرا تثير عاصفة تتجاوز مجلس النواب إلى أندية الأحزاب، وإلى دور الوزراء القائمين والمستقيلين، وتزعج حتى رئيس الوزراء، الذي هو أشد الحاجة إلى الراحة وهدوء البال. ولكن اللّٰه يريد أن تنعكس الأشياء دائمًا في مصر، فيُهان التعليم كله، وتعز الأوبرا، ويلقى وزير التقاليد في الدفاع عن التجديد — وأي تجديد — ما يطاق وما لا يطاق من خصومة الشعبيين.
انتهى الأمر في مجلس النواب إلى ما أراد الوزير، وانتهى الأمر خارج المجلس إلى صفو وسلام بعد جفاء وخصام. ولكن من يدري؟ لعل مسألة أخرى أشد خطرًا من سياسة التعليم تمر غدًا أو بعد غد مرور النسيم، ولعل مسألة أخرى أقل شأنًا من مسألة الأوبرا تحطم الائتلافين القائمين بيننا، وتمضي بالشعبيين إلى اليمين حيث المحافظة على السنن الموروثة والعادات والتقاليد، وبالاتحاديين إلى الشمال، وإلى أقصى الشمال، حيث الغلو في التجديد والإغراق في مسايرة العصر الذي نعيش فيه.
وما دام الليل يمر، والنهار يكر، فلن يثبت لهذا الائتلاف الاتحادي الشعبي شيء، وحتى دفاع وزير التقاليد عن السنن والعادات.
فلننتظر؛ فقد رأينا إلى الآن عجبًا، وما أرى إلا أننا سنشهد منذ الآن ما هو أدعى إلى العجب، وأبلغ في الغرابة. ولكن صدقني أنك تخطئ كل الخطأ إذا نظرت إلى حياتنا العامة نظرة الجد.
كوكب الشرق ١٥ – ٣- ١٩٣٣
خلاف
نعم، خلاف في ظل الائتلاف، وشقاق تحت جناح الوفاق، وخصام في أحضان السلام. ولم لا؟ وأين وُجد الإخوة الذين لا يختلفون؟ ومتى رأيت الأشقاء الذين لا يختصمون؟ وإنما الحياة سبيل إلى اتفاق الرأي حينًا واختلافه أحيانًا، ولا سيما حين تكثر المغريات، وحين تتيح الحظوظ للأصدقاء الأصفياء أن يقوى بعضهم ويضعف بعضهم الآخر، وأن يعز منهم فريق ويذل منهم فريق، وأن تمتلئ أيدي جماعة منهم بالخير، وتصفر أيدي جماعة أخرى من كل شيء.
والأحزاب المؤتلفة في الحكم إنما تتألف من أفراد، فيهم فضائل الناس ونقائصهم، فهم يتفقون على المصالح العامة التي لا تعني أشخاصهم، وهم يختلفون عند المصالح الخاصة التي يمكن أن يفيدوا منها مالًا أو جاهًا، قليلًا أو كثيرًا.
وآية ذلك أن المؤتلفين في الحكم لم يختلفوا لحظة في إقامة الخزان، لأن إقامة هذا الخزان واضحة النفع لمصر، جلية الفائدة للمصريين؛ ستحمل إلى أرض مصر الخصب، وستكفل لأهل مصر الثراء. وخزانة مصر قادرة على إقامة هذا الخزان، لديها من المال أكداس مكدسة، تستطيع أن تنفق منها بغير حساب دون أن تخشى فقرًا أو تتعرض لإفلاس. ولا تصدق المستشار المالي، فهو إنجليزي يكره لمصر الخير، ويضمر لها الشر، ويأبى إلا أن يرى أرضها مقفرة مجدبة، وأهلها معوزين معدمين! وهو حين نصح الحكومة بألا تتعجل في إقامة هذا الخزان، وأظهر الإشفاق على خزانة الدولة، لم يفكر إلا في مصلحة الإنجليز الذين يكرهون هذا الخزان، ويخافون من إقامته في السودان!
فلتحذر الحكومة وليحذر البرلمان، وقد حذرت الحكومة فلم تحفل بالمستشار، ولم تلتفت إلى رأيه. ومتى حفلت وزارتنا القائمة برأي الإنجليز؟ ومتى قبلت وزارتنا القائمة نصيحة الإنجليز؟ وهي تشك فيهم كل الشك، وترتاب بهم كل الارتياب، وتأخذ نفسها منذ نهضت بأعباء الحكم بأن تكرههم على ما لا يريدون، وتجرعهم ما لا يستسيغون.
أعرضت حكومتنا عن نصيحة المستشار، وأعرض عنها البرلمان أيضًا، واتفق الحزبان المؤتلفان في هذا الإعراض كذلك، فلم يسألا عن رأي المستشار، ولم يحفلا به. ولم يسألا ويحفلا؟ والمستشار إنجليزي يجب أن يسوء به ظن الحزبين المؤتلفين اللذين لا يأمنان للإنجليز، ولا يحبان إلا إرغام الإنجليز على الاعتراف بما لمصر من كرامة وسيادة وحق.
وتحقق الائتلاف حول جبل الأولياء في أجمل صورة، وأروع شكل، وانتصر الائتلاف في هذه المسألة على خصمين عنيدين: أحدهما الأمة المصرية التي لا تريد هذا الخصب ولا ترغب فيه، والتي يجب أن تُكره على أن تكون أرضها خصبة رغم أنوفها، وعلى أن يكون أبناؤها أغنياء وإن كرهوا الغنى، لأن سادة الساعة وحكام اليوم أعرف بمصالح الأمة من الأمة، وأقدر على تحقيق منافع الشعب من الشعب! وما قيمة الوزارة وما غناؤها إذا لم تسقنا إلى الخير ونحن كارهون؟
والثاني هذا المستشار الإنجليزي الذي ائتمر بمصر مع حاكم السودان العام؛ فبينما كان الحاكم العام يجد في إقناع وزارتنا بالإعراض عن إقامة الخزان رحمة بالسودانيين، ورفقًا بهم، ورعاية لمصالح الإنجليز في السودان، كان المستشار ينصح الوزارة أن تعرض عن إقامة الخزان حماية لخزانة الدولة من الضعف، وميزانية الدولة من الاضطراب.
وقد عرف الحزبان المؤتلفان كيف يثبتان لهذين الخصمين، فيلقيان الأمة بالعنف والقهر، ويلقيان الإنجليز بالمهارة والمداورة، وبالإعراض والإغضاء.
وانتصر الائتلاف مرة أخرى حين أُثيرت سياسة التعليم، وحين عرف الحزبان المؤتلفان أن هذه الأمة الجاهلة الغافلة تريد أن يشيع التعليم على اختلاف فروعه بين أبنائها على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وأن انتشار التعليم على هذا النحو قد يمحو الجهل ويزيل الغفلة، ويشعر الأمة بحقها وكرامتها شعورًا قويًا خطرًا على طموح الطامحين، وعبث العابثين، واستئثار المستأثرين، واحتكار المعصومين للحول والطول والقوة والسلطان.
هنالك أحس المؤتلفون أن الائتلاف يتعرض للخطر، وهنالك اجتمعت كلمة المؤتلفين على أن ضيق التعليم خير من سعته، وعلى أن انبساط الجهل خير من انقباضه، وعلى أن حكم الشعب رهن بأن يظل الشعب جاهلًا غافلًا، وعلى أن العلم والفهم والكفاية والطموح إلى المثل الأعلى خصال يجب أن تكون مقصورة على الأغنياء وأشباه الأغنياء. وحسب أبناء الشعب أن يعملوا في المزارع والمصانع، وأن يظلوا رعية صالحة للتذليل والتسخير.
هنالك قوى الائتلاف وأُحكمت عقدته، وأيد الحزبان المؤتلفان وزير التقاليد، وانتصر الائتلاف أيضًا حين تعرض لهو الأجانب وعبثهم للخطر، وحين همّ بعض النواب بإلغاء معونة الأوبرا، وحين ظهر أن هذه الفكرة خبيثة: ظاهرها الرفق بخزانة الدولة، والعطف على الذين يؤدون الضرائب، ويلقون في أدائها صروف الجهد وألوان العناء، وباطنها حرمان الأجانب لذة مشاهدة التمثيل، والاستماع للغناء، والاستمتاع بالرقص. وكيف يستقيم الأمر إذا حُرم الأجانب ما يطمحون إليه، ويطمعون فيه من هذه اللذة المترفة، تضاف إلى ما يستمتعون به من تفوق على المصريين في كل شيء، وامتياز من المصريين في كل شيء؟ يجب أن يذعن المصريون، ويجب أن يلهو الأجانب! وعلى ذلك تمت كلمة الائتلاف، وحول ذلك أُحكمت عقدته.
وتستطيع أن تطمئن وأن ترضى، فلن يتعرض الائتلاف لخطر ما دامت المصلحة العامة الجلية الواضحة تدعو إلى قوته واستحكام أمره.
أما حين تعرض المسائل التافهة التي لا خطر لها ولا غناء فيها، فجائز، بل واجب، أن يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون، ويتصدع الائتلاف اليوم ليرأب صدعه غدًا.
انظر إلى الحزبين المؤتلفين يشتد بهما الخلاف حتى ينذر بالخطر العظيم، وحتى يجد الوزراء في التوفيق، وحتى يخرج الأعضاء على قرارات الأحزاب، وحتى يستقيل بعضهم أو ينذر بالاستقالة، لأن مجلس النواب في حاجة إلى وكيلين، والحزبان المؤتلفان يطمع كل منهما في أن يكون منه الوكيلان دون صاحبه.
هذه مسألة يسيرة لا خطر لها في حقيقة الأمر؛ فسواء على مصر أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب، وسواء على الإنجليز خاصة والأجانب عامة أن يكون الوكيلان من حزب الاتحاد أو من حزب الشعب؛ فسيقام الخزان، وسيُضيَّق التعليم، وسيكون التمثيل والرقص والغناء.
ولكن حزب الشعب شديد الطمع، لا يعرف حدًا لهذا الشره إلى التسلط والسيطرة، فلم يكفه أن يستأثر بالحكم ومناصب الوزارة، حتى يريد أن يحرم صديقه وشقيقه كل شيء.
وقد احتمل حزب الاتحاد من حزب الشعب أهوالًا ثقالًا؛ فرئيس حزب الشعب يقصي وكيل الاتحاد لهذا، ورئيس حزب الشعب يرقي الشعبيين إلى الوزارة، ويترك وزارة الداخلية فلا يضع فيها شعبيًا، ولكنه لا يضع فيها اتحاديًا أيضًا، وإنما يختار لها رجلًا يقال إنه بعيد عن الأحزاب. ثم يحتاج مجلس النواب إلى وكيلين، فإذا حزب الشعب لا يدع هذين المنصبين لحزب الاتحاد المظلوم، بل لا يدع له منصبًا من المنصبين، وإنما يريد أن يستأثر بهما جميعًا.
أوَإِذا تَكونُ كَريهَةٌ أُدعى لَها وَإِذا يُحاسُ الحَيسُ يُدعى جُندَبُ
نعم، كذلك أراد اللّٰه لحزب الاتحاد في هذه الأيام. واللّٰه يداول الأيام بين الناس، واللّٰه يذل أحزابًا ويعز أحزابًا، واللّٰه يجعل بعض الأحزاب رؤوسًا وبعضها أذنابًا. واللّٰه يثير في نفوس الاتحاديين وقلوبهم نارًا تتأجج، ولهيبًا يضطرم، لأنهم فرطوا في وكيلهم وخذلوه، ولو قد عرفوا كيف يؤيدونه وينتصرون له، لعرف هو كيف ينتصف لهم ويرد عنهم طغيان الحزب الصديق الشقيق.
كذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى نفسه، وببعض ذلك يتحدث حزب الاتحاد إلى الناس. أما حزب الشعب فله الحكم، وعليه تبعات الحكم، فيجب أن يكون له الحظ الأوفر من منافع الحكم ومزاياه.
وما كان لحزب الاتحاد أن يسمو إلى مناظرته أو مخاطرته، وليس رئيسه بالذي يستطيع أن يثبت لرئيس حزب الشعب، وقد خذل وكيله فأصبح جسدًا بلا روح. فليقنع إذن بما أعطاه اللّٰه، وبما نزل له عنه حزب الشعب، وإلا فإن حزب الشعب قادر على أن يستبدل قومًا مكان قوم، وحزبًا مكان حزب. أليس يقال إن في مجلس النواب حزبًا ثالثًا؟ وإذن فليذكر حزب الاتحاد قول الشاعر القديم:
قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غِرَّةٍ زلِجا
وعلى هذا النحو يختلف المؤتلفون، ويفترق المتفقون. والأمة تنظر إلى هذا الائتلاف فتبتسم، وإلى هذا الاختلاف فتضحك، كما يبتسم ويضحك من ينظر إلى لعب اللاعبين. والأمة تعلم حق العلم أن اختلاف الحزبين لن ينفع، وأن ائتلافهما لن يفيد، لأنهما لا يملكان طاعة ولا إذعانًا لمن بيده الخيط، هذا الذي يستريح الآن في مينا هاوس١، والذي يترك الحزبين يلعبان لأنه متعب، أو لأنه سئم، أو لأنه يريد أن يلهو، حتى إذا فرغ من اللهو بلعب حزبيه، جذب الخيط فإذا الائتلاف قوي متين، وإذا الصلات بينهما على أحسن حال من المودة والصفاء.
كوكب الشرق ٢١ – ٣ – ١٩٣٣
حرج
لست أدري أبلغ المصريون في يوم من الأيام ما بلغوه الآن من دقة الحس، ووحدة المزاج وضيق الصدور، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم قد انتهوا من هذا كله الآن إلى حيث أصبحوا يتأذون بكل شيء، ويتألمون لكل شيء، ويخرجهم عن أطوارهم أيسر الأمور شأنًا، وأقلها خطرًا. وتوشك الصلات بينهم أن تتعرض لفساد شديد، لأنهم ضعفوا حتى عن احتمال الدعابة والابتسام للفكاهة والمزاح! ومصدر هذا فيما يظهر ما يلقونه من هذا الحرج السياسي والاقتصادي الذي طال عليهم أمره، وثقل عليهم عبئه، والذي يحرصون أشد الحرص على أن يثبتوا له، ويصبروا عليه، ويقاوموه مقاومة الرجال الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب، ويثبتون لحادثات الأيام، فهم يستنفدون أو يكادون يستنفدون جهودهم كلها في احتمال الآلام السياسية والاقتصادية دون أن يظهر عليهم ضعف في الرأي، أو خور في الطبيعة، أو انحلال في العزيمة، ودون أن يطمع فيهم الأجنبي أو تطمع فيهم الوزارة القائمة.
وهم يريدون أن يظهروا كرماء أعزاء أمام الإنجليز وأمام هذه الوزارة، ويريدون كذلك أن يظهروا أعزاء فيما بينهم، يحتملون ما يحتملون من أثقل ضروب الحرمان الاقتصادي دون أن يظهر بعضهم على خفايا بعض، ودون أن يحس بعضهم وفاء أصدقائه له، أو عطفهم عليه، أو شعورهم بما هو فيه من ضنك وضيق. وإذا بذل الإنسان هذا الجهد العنيف ليأخذ نفسه باحتمال ما لا يحتمل، والصبر على ما لم يألف الصبر عليه، وإذا طال به هذا الأمر فأنفق فيه الأشهر والأعوام دون أن يجد منه مخرجًا، أو يتخفف ولو قليلًا من بعض أثقاله؛ كان خليقًا أن تضعف مقاومته لما دون ذلك من الأمور، مثله في ذلك مثل الصائم الذي يشق عليه الصوم ويضنيه ويكلفه ألوان العناء فينفق الجهد كل الجهد في احتمال هذه المشقة والثبات لهذا العناء حتى يتم صومه، ولكنه يضعف عن مقاومة أشياء أخرى غير الصوم، فهو سريع الغضب، دقيق الحس، حاد المزاج، سيئ الخلق بوجه عام.
هذه حال يظهر أنها عامة الآن في مصر، تلحظها عند كثير من أنصار الوزارة، وتلحظها عند كثير من خصوم الوزارة، وتلحظها عند قوم لا ينبغي أن يكونوا من أولئك وهؤلاء. ولعلك تجد هذه الظاهرة أقوى في البيئات الوزارية منها في أي بيئة أخرى. فقد رأيت ما حدث في البرلمان، ومن المرجح أنك سترى أمثاله كثيرًا. ستراها عند النواب، وعند الشيوخ، وعند الوزراء أنفسهم. نائب يهم بإعلان رأي فيضيق به المجلس حتى يوشك أن يبطش به! ثم لا يقبل منه صمتًا ولا دفاعًا في الصحف، ولا يرضى منه إلا بالاعتذار! ونائب آخر يهم بالدفاع عن رأي فيضيق صدره، وينطلق لسانه، وينال المجلس والوزارة بما لا يحبان، ويضيق به المجلس، ويضيق هو بالمجلس فينصرف ثائرًا مغضبًا. ويمضي المجلس في ثورته وإنكاره حتى يضطر الرئيس إلى رفع الجلسة. فإذا سكت الغضب عن النائب المعتدي والمجلس المعتدى عليه؛ أعيدت الجلسة فكان الاعتذار وكان الغفران! ونائب آخر يهم بنقد الوزارة فلا يتحرج من أن يصفها بالسفه! ويضيق به صدر الوزارة فلا تذود عن نفسها، ولا تدفع شدة بشدة، ولا نقدًا بنقد، ولكن أحد أعضائها يصيح بالنائب: اسكت! فإذا لم يفعل انصرف الوزراء وتركوا الميدان مغاضبين! وقد ثار المجلس واضطرب فكثر الصياح وخفقت الأيدي، وامتدت الأيدي، ثم ترفع الجلسة، ويهم بعض النواب بجمع آراء أصحابه على طرد هذا النائب، ثم يسكت الغضب عن القوم جميعًا، فيكون اعتذار واستغفار، ويكون عفو ومغفرة. ويعود الصفو إلى جو البرلمان!
ويحدث مثل ذلك في مجلس الشيوخ دون أن يعصم الشيوخ منه ما ينبغي أن يكون لهم من الوقار والرزانة ورجاحة الأحلام، فإذا هم أيضًا يثورون ويفورون، ويهيجون ويموجون، ويسيء بعضهم إلى بعض ويعتذر بعضهم إلى بعض، ويغفر بعضهم لبعض!!
فإذا تركت الوزراء والشيوخ والنواب فسترى دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب في بيئات أخرى. فمصالح الحكومة تضيق بما يكتب عنها في الصحف ضيقًا شديدًا، وتمتلئ صدورها حرجًا لأي نقد. وإذا بلاغات فيها شدة ووحدة، وفيها عنف وفيها تجاوز للقصد، حتى النيابة أظهرت في هذه الأيام شيئًا من دقة الحس ووحدة المزاج وسرعة الغضب هذه، فأكثرت من دعاء الصحفيين إليها، ومن سؤالهم والتحقيق معهم. وكانت معتدلة في ذلك بعض الشيء. ولاحظت الصحف هذا النشاط فتحدثت فيه وفكرت في أن تحتاط له، وكلفت مجلس نقابتها في أن يجد في ذلك أسبوعًا، ثم يعرض عليها نتيجة هذا الجد إذا اجتمعت بعد أيام.
والصحف نفسها فيما بينها دقيقة الحس، حادة المزاج، يكاد يخرجها كل شيء عن طورها، ويتجاوز بها الحلم الذي كانت قد ألفته واطمأنت إليه فأصبحت في هذه الأيام لا يصبر بعضها لبعض، ولا يثبت بعضها لبعض، وإنما تضيق صحيفة بصحيفة فتسرع إلى النيابة أو إلى القضاء.
ورجال السياسة أنفسهم، أولئك الذين لا يشتغلون بالصحافة اليومية ولا الأسبوعية، وإنما يشتغلون بالسياسة العليا إن صح هذا التعبير قد أخذت صدورهم تضيق ويصل إليها الحرج مما يوجه إليهم من نقد كانوا يصبرون عليه من قبل. ولعلهم كانوا لا يلتفتون إليه ولا يحفلون به، ولعلهم كانوا يلهون ببعضه حين يتفكهون ويتندرون، ولكنهم الآن يضيقون به، ويكرهونه أشد الكره، ويسرعون إلى النيابة فيستعدونها على أولئك الكتاب الذين تجاوزوا معهم حدود ما يحبون!
حتى الأدباء يضيق بعضهم ببعض، ويتنكر بعضهم لبعض، ويأخذ بعضهم بعضًا بأيسر الأشياء، ويتمتعون بحس أدبي دقيق، مسرف في الدقة، حاد مغرق في الحدة. ومن ذا الذي لم يلاحظ هذه الغضبة أو إن شئت فقل هذا العتاب الحاد بين أديبين معروفين، لأن أحدهما هم بنقد الآخر فلم يذهب في هذا النقد المذهب الذي كان ينتظره صاحب الكتاب.
كل هذا يدل على أننا نتعرض في هذه الأيام لأزمة خلقية حادة توشك أن تأتي على ما بيننا من صلات. ومهما يكن عذرنا واضحًا، ومهما تكن المحنة السياسية ثقيلة طويلة، ومهما تكن الأزمة الاقتصادية عنيفة حادة، مرهقة محرقة، ومهما يكلفنا هذا من الجهد في احتماله والثبات له، فإن من كمال الرجولة أن يكون حظنا من سعة الصدر ورجاحة الحلم، والإعراض عن صغائر الأمور أعظم من هذا الحظ الذي بقي لنا الآن. فالصائم يعذر إذا ساء خلقه، ولكن سوء الخلق لا يحمد له، وهو لا يثاب عليه، ولعله أن يفسد عليه جمال صومه، وكذلك الذي يخضع للمحنة السياسية القاسية، والأزمة الاقتصادية العنيفة يعذر إذا ضاق صدره، وعجز عن أن يملك نفسه أحيانًا، ولكن ذلك لا يحمد له، ولا يستحسن منه، ولعله أن يفسد عليه احتماله للمحنة، وثباته للأزمة، ولعله أن يجعل مقاومته أضعف وأوهن، ولعله أن يطمع فيه خصمه ويغريه به، ولعله أن يحول بينه وبين ما يحب من العاقبة الجميلة التي ينبغي أن يظفر بها الأقوياء الصابرون.
وإذا كان الإغضاء عن المؤذيات والترفع عن صغائر الأمور خليقًا بالرجل في جميع أوقاته وأطواره، فهو أجدر به وأوجب عليه وأكرم له في أوقات الشدة والمحنة، وفي أوقات الفتن والخطوب لأنه يصور قدرة الرجل على نفسه، وضبطه لعواطفه وسيطرته على أهوائه وميوله، واستعداده الصحيح لأن يكون رجل كفاح حقًا، يعرف كيف يداور الأيام، وينتصر على الخطوب.
فما أجدر النواب والشيوخ والوزراء أن يصبر بعضهم على بعض، وأن يغضي بعضهم عن بعض، وأن يسع بعضهم بعضًا. وما أجدر النواب والشيوخ والوزراء والموظفين أن يحتملوا النقد في شجاعة ورضى وابتسام. وما أجدر الصحف بنوع خاص أن تصبر للصحف وأن تقبل منها الآن ما كانت تقبله أمس قبل الأزمة وما ستقبله غدًا بعد الأزمة. وما أجدر الساسة أن يؤثروا سعة الصدر، ويرفعوا أنفسهم عن هذا الغضب الذي لا يليق بحلم الحليم. ثم ما أجدر الأدباء أن يبسم بعضهم لبعض، بل أن يعبث بعضهم ببعض دون أن يفسد ذلك ما بينهم من صلات. أما الكتاب فما أجدرهم أن يؤثروا الأناة والحكمة وضبط النفس، وقهر الهوى وتحري الحق فيما يكتبون.
ما أجدر المصريين جميعًا ألا تخرجهم المحنة عن أطوارهم وألا تكدر الأزمة ما كانوا يتعزون به من مودة وحب وصفاء.
كوكب الشرق ٢٩ – ٥ – ١٩٣٣
ضيق
أريد أن أعود إلى ذلك الحديث الذي تحدثت به إلى القراء أول أمس عما يظهر في حياتنا العامة من ضيق النفوس وحرج الصدور، والتبرم بأهون الأشياء وأيسر الأمور. فقد وقع هذا الحديث في نفوس جماعة من الأصدقاء والخصوم موقعا دعاهم إلى التعليق عليه، والاشتراك فيه. وكان ما كتبوه دليلا واضحا حقا على أني لم أخطئ حين ذكرت هذه الظاهرة الطارئة في حياتنا العامة، وحين التمست لها العلل والأسباب، وأدعو إلى مقاومتها والتخفف منها. فقد ظهر ضيق هؤلاء الأصدقاء والخصوم بما يكرهون إلى حد ما كنت أقدر أنهم ينتهون إليه، فمنهم من شكا وألح في الشكوى من الصحف الهازلة، وأكد أن استعداء القانون عليها أمر لا بد منه لصلاح الأخلاق، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فذهب إلى أن الذين تهاجمهم هذه الصحف لا بد لهم من أن يلتمسوا للدفاع عن أنفسهم وسائل أخرى إذا لم تكف وسائل القانون لتحقيق هذا الدفاع. ومعنى ذلك أنهم يحمدون ما يجدون من ضيق النفوس وحرج الصدور، ويلتمسون لأنفسهم ولغيرهم المعاذير من اضطرارهم إليه، بل من اضطرارهم إلى الشر الخالص والانتقام للنفس إذا لم يوفق القانون إلى حمايتهم من هزل الهازلين. وما أعرف دليلا أظهر، ولا حجة أنصع على ضيق النفس وحرج الصدر من موقف هذا الذي تدعوه إلى الأناة والحلم، وتذكره بضبط العواطف، وقهر ثورة النفس فلا يزداد إلا حدة وغلوا في الحدة يدفعه لا إلى النكير، بل إلى النذير. ومنهم من اتخذ الحديث في هذا الموضوع وسيلة إلى إرضاء طائفة من العواطف والشهوات من الخير ألا ترضى! فأخذ يحمل أغلاط بعض الناس على بعض، ويضيف إساءة المسيئين إلى من يسيئون، ويقيم على ذلك الحجج، ويلتمس إليه الوسائل كأنما يريد أن يتخذ هذه الصحف الهازلة وسيلة إلى مهاجمة الصحف الجادة، وأن يتخذ هؤلاء الكتاب الهازلين طريقا إلى مهاجمة الأحزاب السياسية التي يقول هؤلاء الكتاب إنهم ينتمون إليها ويدعون لها.
وكذلك لم يتحرج صديقي هيكل من أن يذكر الصحف التي تنشر صورا بالزنكوغراف لرئيس الوفد وسكرتيره، وتدعو في بعض صحفها للوفد، ثم تسلك طرقا أخرى في موضوعات أخرى غير السياسة، ولم يتحرج هيكل من أن يشير إلى أن الوفد يشجع هذه الصحف، وتشجيعها إثم، وإلى أن الوفد يحتمي بهذه الصحف، والاحتماء بها لا يليق!!
وكنت أحب لهيكل أن يكون أوسع نفسا، وأرحب صدرا، وأرجح حلما من أن يتورط في هذا كله، أو يذكره تصريحا أو تلميحا أو إشارة، فليس في هذا كله خير، وليس في هذا كله حق، وليس في هذا كله فهم صحيح لحقائق الأشياء في الحياة الديمقراطية.
وهيكل يعلم حق العلم أن الذين يحبون الحياة الديمقراطية ويحرصون عليها مخلصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يجدوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة، ولا بضيق النفوس وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير.
والوفد كغيره من الأحزاب الديمقراطية له صحفه الرسمية التي تصف آراءه وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أتباعا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينا، وبالكتابة في الصحف حينا آخر. وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد، ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها. ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه. وليس من حق أحد أن ينكر ذلك على الوفد، أو يلومه فيه. وليس من حق أحد أن يسأل الوفد عما يتورط فيه هؤلاء الناس من خطأ، أو عما يذهب إليه هؤلاء الناس من غلو وإغراق. وليس الوفد في ذلك بدعا من الأحزاب السياسية، وليست مصر في ذلك بدعا من البلاد الديمقراطية. فلكل حزب سياسي قوي أنصاره وأتباعه وأشباعه الذين ينصرونه ويغلون في نصره، والذين لا يتحرجون أحيانا من أن يستغلوا اتصالهم به، وانتماءهم إليه. وفي كل بلد يحيا حياة ديمقراطية صحف هازلة تغلو في الهزل، وتسرف في تتبع العيوب، وتنتمي مع ذلك إلى الأحزاب السياسية فلا تسأل عنها الأحزاب ولا تؤخذ بجرائرها.
ولعل هيكلا يذكر أنه قد كانت في مصر صحف هازلة تتصل بحزب الأحرار الدستوريين، وتنتصر له، وتدعو إليه، وتلقى منه رضى وتشجيعا. ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف كانت في ذلك الوقت تهاجم خصوم الأحرار الدستوريين مهاجمات كثيرة الشر، شديدة النكر، فيها اعتداء على الأعراض، وفيها انتهاك للحرمات، وفيها اقتراف للآثام. ولعل هيكلا يذكر أن حزب الأحرار الدستوريين لم يبرأ من هذه الصحف حينئذ، ولم يردها عن غيها، ولم يزجرها عن آثامها! ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف نفسها تحولت مع الظروف عن حزب الأحرار الدستوريين فأصلته ما كانت تصلي خصومه من نار.
فماذا كان يقول هيكل لو أن خصوم الأحرار الدستوريين يومئذ أخذوهم بإثم هذه الصحف وحملوهم تبعات ما كانت تنشر، وما كانت تذيع، وماذا كان يقول هيكل لو أن هذه الصحف لم تتحول عن الأحرار الدستوريين بل ظلت موالية لهم، داعية إليهم. وظلت مع ذلك مقترفة لما كانت تقترف من إثم، مغرقة فيما كانت تغرق فيه من عدوان؟ ماذا كان يقول هيكل لو أن الذين تشتمهم هذه الصحف وتسبهم زعموا للأحرار الدستوريين أنهم مسئولون عن شتمها وسبها لأنها تدعو لهم في صفحة أو صفحتين، وتنشر صورهم، ثم تمضي بعد ذلك فيما لا يرضاه الأدب ولا تقبله الأخلاق؟ ماذا كان يقول هيكل؟ كان يقول إنه غير مسئول إلا عما يكتب، وأن حزبه غير مسئول إلا عما تنشر صحيفته الجادة الرسمية؟ وكذلك ينبغي أن تقول الأحزاب كلها، فهي لا تسأل إلا عما تقوله حقا وتوحي به حقا. فأما الذي تقوله الصحف التي تنتمي إليها وتدعو لها، فهذه الصحف وحدها مسئولة عنه، مأخوذة به.
وما الطريق إلى سؤال هذه الصحف عما تكتب وأخذها بما تذيع؟ هناك طريقان: طريقة الالتجاء إلى السلطان، والاستعداء للقضاء، وهي طريقة لا غبار عليها من ناحية الأخلاق الخالصة، ولكنها تدل على ما سجلناه من ضيق النفوس وحرج الصدور، والخروج عن الأطوار. وهذه خصال إن قبلت من عامة الناس فهي تستغرب من الذين يحيون الحياة السياسية، ويحتملون أثقال الجهاد السياسي. وليس من الحق في شيء أن الجهاد السياسي إنما هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر، والجور الصارخ والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عن هذا كله إلى ما يليق بالرجل الكريم. ولو أن الذين يشتغلون بالسياسة ويحتملون أثقال الجهاد فيها فرغوا لمحاسبة الناس بأنفسهم أو بطريق القضاء على ما يكتبون عنهم ويقولون فيهم لأنفقوا في ذلك خلاصة جهدهم، وصفوة حياتهم، ولشغلوا به عن الجهاد المنتج الصحيح.
وإن من الغريب حقا أن يظن صديقي هيكل أن صدري يضيق لو قالت في الصحف الهازلة بعض ما تقول في غيري من الناس في هذه الأيام. عفا الله عنك أيها الصديق! فما كنت أظن أن النسيان يمس ذاكرتك إلى هذا الحد! ما أعلم أيها الصديق أن أحدا من المعاصرين عبثت به الصحف الهازلة والجادة، ونالت منه بمقدار ما عبثت بي ونالت مني، وإنك لتذكر – إن لم تكن قد نسيت أن صحف الجد والهزل قضت أشهرا وأعواما لا حديث لها إلا أنا، تقول في ما تشاء في غير حساب للنفس، ولا مراقبة للقلم، ولا استحياء من الضمير، وهي لا تذكرني وحدي، وإنما تذكر معي من لا ينبغي أن يذكر، ولعلك تذكر – إن لم تكن قد نسيت – أنني أعرضت عما قالت، وما زلت عنه معرضا، لم أبد لها صفحة، ولم أهتك لها سترا، ولم أستعد عليها القضاء، ولم أشكها إلى السلطان وإن في قليل جدا مما قالت لما يكفي لاستعداء القضاء والالتجاء إلى السلطان.
طريقة قد تنكرها الأخلاق الخالصة، ولكنها مركبة في طبائع الناس، يلجأون إليها دائما، ويسلكونها دائما، ويلجأ إليها أصحاب السياسة بنوع خاص ولا يقل صديقي هيكل إن الأحرار الدستوريين لا يحبون هذه الطريقة ولا يميلون إليها، فقد يكون هذا حقا إذا خلا الأحرار الدستوريون إلى ضمائرهم ومثلهم العليا في الأخلاق، ولكنهم حين يخوضون غمار الحياة السياسية يسيرون فيها سيرة غيرهم من الأحزاب، وقد كانت لهم صحفهم الهازلة وكانت تظفر منهم بالنصر والتأييد فإذا لم تسمح لهم الظروف الآن بطائفة من هذه الصحف فليس ذلك ذنب خصومهم، وليس ذلك مصدر اللوم لهؤلاء الخصوم.
وبعد، فما كنت أريد أن أذكر فساد الأخلاق حين كتبت ما كتبت أول أمس، فلست أعتقد أن أخلاقنا السياسية من حيث نحن معارضون في هذه الأيام شر من أخلاقنا السياسية فيما مضى، فقديما كان في سياستنا الجد والهزل، وقديما كان في سياستنا الإسراف والاعتدال، لم تزدد أخلاقنا السياسية فسادا، ولعل ما تنشره الصحف الهازلة اليوم أن يكون خيرا مما كانت تنشره أمس، ولعله أن يكون أدنى إلى شيء من الاحتياط ونقاء اللفظ مما كان ينشر قبل الحرب، ومما كان يرسل إلى محمد عبده وقاسم أمين، لأن أخلاقنا قد ارتقت من غير شك، ولأن آدابنا قد تطورت إلى الخير ولو قليلا من غير شك، إنما الذي أردت أن ألاحظه وأسجله هو ضيق بعضنا ببعض، وامتلاء صدورنا بالحرج لأيسر الأشياء وأحقر الأمور.
ويذكر صديقي هيكل أن تكون الأزمة السياسية والاقتصادية هي التي ملأت صدور الوزراء والنواب والشيوخ حرجا بالنقد حتى حين يصدر من بعضهم لبعض، لأن الوزراء وأنصارهم من النواب والشيوخ لا يشقون بهذه الأزمة، ولأن الصحافيين حتى من المعارضين لا يشقون بها كما يشقى بها الفلاح. وكنت أحب لصديقي هيكل أن يكون أحسن تقديرا لهذه الأشياء مما ظهر في مقاله أمس، فليس يألم من الأزمة السياسية والاقتصادية ويضيق بها من يصلى شرها وحده، بل يألم لها أيضا من يدافع عنها، ويحاول حمايتها ويحاول فرضها على الناس، ويحاول أن يصورها في صورة الخير وأستطيع أن أؤكد لهيكل أن الوزراء والنواب والشيوخ يشقون بدفاعهم عن موقفنا السياسي والاقتصادي أكثر مما نشقى نحن باحتمال هذا الموقف، وما يستتبعه من الآلام! وإن هؤلاء الوزراء والنواب والشيوخ خليقون بالرثاء والإشفاق لأنهم يقفون موقفا كله حرج، ويدافعون عن موقف لا سبيل إلى الدفاع عنه، ويحمدون موقفا هم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنه لا يحمد. فهم خليقون أن ينفقوا في موقفهم هذا ما يملكون من جهد، وهم خليقون أن يضعف حظهم من المقاومة لما يوجه إليهم من نقد..
ليصدقني هيكل إن الموقف السياسي والاقتصادي الشاق الذي اضطرتنا إليه الوزارة القائمة، والذي طال أمده، وثقل عبئه على أنصاره وخصومه معا، هو مصدر ما يملأ صدور الناس من حرج لكل شيء، وتبرم بكل شيء. إن كمال الرجولة يقضي علينا أن نقاوم هذا الحرج ونبرأ من هذا الضيق، ونأخذ أنفسنا بالصبر والثبات، ونروضها على احتمال الأذى والمكروه، ونصرفها عن كل ما يدل على ضعف المقاومة أو خور الطبيعة، أو انحلال العزيمة أو الخروج عن الطور.
كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣