Back to homepage

مسرح البرلمان: الائتلافات والمقاومة الصامتة | Parliamentary Theater: Coalitions and Quiet Resistance

ائتلاف
لم أصدق في يوم من الأيام أن لرئيس الوزراء حزبًا سياسيًا يمكن أن يُسمَّى بهذا الاسم ، ولم أحسب في يوم من الأيام حسابًا لما يسمونه حزب الاتحاد ، ولم أعتقد في يوم من الأيام أن هذه الجماعات التي تُظهر الوزارة القائمة أنها تعتمد عليها وتعتز بها ، جماعات منظمة حقًا ، تقوم نظمها على أصل من أصول السياسة التي تسير الأمم والشعوب في طريق من طرق الرقي المعتدل أو المتطرف . إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب ومنافع ، يتحقق بعضها من تولي مناصب الحكم ، ويتحقق بعضها الآخر من الاتصال بالذين يتولون مناصب الحكم . فكل امرئ سمحت له الظروف أن يشرف على تدبير الأمور في مصر ، ووجد من الإنجليز رضا وتأييدًا ، أو إهمالًا وإغضاء ، فهو قادر على أن يؤلف هذه الجماعات ، وهو قادر على أن يفرقها ، وهو قادر على أن يعزها ويوليها النعمة والعطف ، ثم يظهر بعد ذلك أنه يعتز بها ويعتمد عليها . وهو حين يظهر ذلك يعلم حق العلم أنه لا يخدع أحدًا ، ولا يخيل إلى أحد صحة ما يظهر أو صدق ما يقول .
ولو أن رئيس الوزراء بدا له فرأى أن يتخذ أنصارًا وأعوانًا آخرين مكان من يسميهم اليوم أنصاره وأعوانه ، لما استطاع حزب الشعب أن يتنكر له ، ولما استطاع حزب الاتحاد أن يبدي له صفحًا أو يظهر عليه سخطًا . وآية ذلك أنه غضب على ثلاثة من أعوانه وزملائه السابقين؛ أحدهم كان وكيلًا لحزب الاتحاد ، وكان روحه وقلبه وعقله ، والآخران كانا — فيما يقول الناس — زعيمين عظيمين من زعماء حزب الشعب . غضب عليهم رئيس الوزراء فأخرجهم من وزارته ، ولم تنتطح في إخراجهم من هذه الوزارة عنزان ، كما يقول المثل القديم .
فأما حزب الاتحاد فأذعن ورضي ، ولم يكتف بالإذعان والرضا ، بل خذل وكيله ، ولفظ روحه ، وجاد بنفسه ، وقبل استقالة ماهر باشا من وكالة الحزب . وأما حزب الشعب فلم يتردد في الإذعان والرضا ، وإنما قدم الطاعة صاغرًا ، وخذل دوس باشا ، وقبل استقالة عبد الفتاح يحيى باشا .
وأستطيع أن أؤكد لك أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق معالي حلمي عيسى باشا بزميله علي ماهر باشا ، وهو إن فعل لم يلق من حزب الاتحاد امتناعًا ولا إباء ، لأن حزب الاتحاد في نفسه لا يقدر على امتناع ولا إباء . وأستطيع أن أؤكد لك أيضًا أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق سعادة علام باشا وصاحب العزة علي المنزلاوي بك بزميليهما السابقين توفيق دوس باشا وعبد الفتاح يحيى باشا ، دون أن يلقى من حزب الشعب إلا طاعة وإذعانًا ، وإلا شكرًا له وثناء عليه ، وابتهالًا إلى اللّٰه عز وجل أن يمد في عمره ، ويسبغ عليه ثوب الصحة والعافية ضافيًا فضفاضًا ، لأن حزب الشعب إنما وُجد برئيس الوزراء ، ولم يوجد رئيس الوزراء بحزب الشعب .
فلا تقل إذن إن في مصر الآن وزارة ائتلافية ، لأن مثل هذه الوزارة لا تقوم إلا إذا وجد حزبان أو أحزاب تستطيع أن تأتلف وتستطيع أن تختلف ، وتستطيع أن تسير سياسة الدولة ، وتستطيع أن تُنزل رئيس الوزراء على حكمها ، لا أن تنزل هي على حكم رئيس الوزراء . إنما في مصر وزارة صدقي باشا ، فهو الذي يجمع أصحابه ويفرقهم ، وهو الذي يرفع أصحابه إلى مناصب الحكم ، ثم يهبط بهم إلى منازل غيرهم من الناس ، وهو الذي يُحدث بين أصحابه الائتلاف ، ويصطنع متى أراد أن يُحدث بينهم الاختلاف .
فإذا كان صدقي باشا يستطيع أن يأتلف مع نفسه ويختلف ، فأنت تستطيع أن تقول إن وزارته ائتلافية ! إنما رئيس الوزراء صاحب شطرنج ، يقدم إلى رقعته ويؤخر كما يريد له فنه ومهارته في هذا الفن . ومتى رأيت قطعة أو قطعًا من أحجار الشطرنج تشير على اللاعب أو تتحدث إليه ، أو تخالفه وتنازعه فيما يخضعها له من تقديم وتأخير ؟
ولا تقل إن رئيس الوزراء مسؤول عن سياسة الدولة ، فله إذن أن يختار أعوانه ، وأن يتخفف منهم إذا ثقلوا عليه ، لأن احتمال التبعات يقتضي مثل هذا الحظ من الحرية في التغيير والتبديل ، وفي التقطيع والتوصيل . فإن رؤساء الوزارات لا ينهضون بالحكم ويحتملون التبعات نيابة عن أحزابهم ، فسياستهم رهينة برضا الأحزاب ، بحيث تستطيع هذه الأحزاب أن تأمرهم ، فإذا هم يتخلون عن مناصب الحكم في غير تردد ولا امتناع .
أفتستطيع أنت أن تتصور أن حزب الشعب يجتمع يومًا من الأيام فيعلن خطه على سياسة رئيسه ، أو يفعل ما هو دون هذا فيطلب إلى أحد وزرائه أن يدع منصبه ؟ أفتستطيع أن تتصور أن حزب الاتحاد يستطيع أن يجتمع يومًا فيطلب إلى من يمثله في الوزارة أن يدع الوزارة ؟ إذن لحُلَّ حزب الشعب وحزب الاتحاد ، أو لرفض الوزراء الذين تأمرهم أحزابهم بالاستقالة أن يستقيلوا ، ولغدوا إلى دواوينهم كل صباح ، وراحوا إلى بيوتهم كل مساء ، ولأضطر أعضاء الأحزاب أن يغدوا عليهم في الدواوين ، ويروحوا إليهم في البيوت معتذرين مستعطفين ، واعدين بأنهم لن يعودوا إلى مثل هذه الثورة الجريئة !
وعلى غير هذا النحو لا يستطيع إنسان له حظ من فهم أو تفكير أن يفسر هذا النشاط الخصب الغريب الذي يصطنعه رئيس وزرائنا في العزل والنقل ، وفي الإقالة وطلب الاستقالة ، حتى أصبحت وزارته الآن أبعد ما تكون عن وزارته يوم ألَّفها منذ أكثر من عامين .
ليس من الحق إذن أن الوزارة القائمة تمثل أحزابًا أو هيئات منظمة ، إنما الحق أن هذه الوزارة تمثل فردًا بعينه ، قد اجتمعت فيه هذه الهيئات التي يقال إن الوزارة تتألف منها ، وهو رئيس الوزراء .
ومع أن الذين يحكموننا في هذه الأيام إنما يصدرون في أكثر أعمالهم وأقوالهم عن فكرة واحدة ، هي أن الشعب قاصر ضعيف فيجب أن يكون أمره إلى الأوصياء لا إليه ، فقد فهم هذا الشعب القاصر منذ اليوم الأول حقيقة الصلة بين رئيس الوزراء وزملائه ، وبين رئيس الوزراء وهذه الهيئات التي زعم أنه يعتمد عليها ويعتز بها . فلم يصدق أنه يعتمد على حزب أو يعتز بجماعة مصرية منظمة ، وإنما استيقنوا أنه يعتز بهذه القوة أو بهذه القوى الخفية المسيطرة التي تحدثت عنها الأهرام منذ يومين . ولم ينتظر أن يكون ما قد يصيب الوزارة من خير أو شر أثرًا لرضا هذه الأحزاب أو سخطها ، وإنما انتظر أن تتأثر الوزارة بهذه القوة أو القوى التي أنشأتها وأيدتها ، وما زالت تؤيدها وتسيرها أيضًا .
وهذا وحده هو السبب في أن الذين يحبون الوزارة والذين يكرهونها لا ينتظرون لها البقاء ولا الانجلاء من رضا البرلمان عنها أو سخطه عليها ، وإن كان الدستور يجعل إلى البرلمان إبقاء الوزارة وإسقاطها ، إنما ينتظرون هذا أو ذاك من هذه القوة الخفية المسيطرة المدبرة التي تظهر في القاهرة حينًا ، وفي لندن أحيانًا .
والناس معذورون إذا فكروا في الإنجليز وانتظروا الخير أو الشر للوزارة من الإنجليز ، لأنهم لم يروا قط من البرلمان خلافًا على الوزارة ، أو مخاصمة لها ، أو ترددًا في تأييدها . ونادر جدًا أن تجري الأمور بين الوزارة والبرلمان على هذا الوفاق الغريب ، رغم العواصف العنيفة التي تعصف البلاد في هذه الأيام . وهذا أيضًا هو الذي أتعب الناس في فهم ما يسمونه الجو السياسي ، وفي التماس الرياح التي يمكن أن تهب فيه فتعصف بالوزارة أو تدفعها ذات اليمين أو ذات الشمال .
فلو كان الأمر عندنا كما هو في البلاد الدستورية الأخرى ، لما حفل أحد بسفر المندوب السامي أو إقامته ، ولا باجتماع اللجنة المصرية الإنجليزية أو افتراقها ، ولا بصمت الصحف الإنجليزية أو إكثارها في القول ، ولتجه الناس إلى البرلمان يلتمسون منه وحده فهم السياسة المصرية ، ويتعرفون فيه وحده جو السياسة المصرية .
على رئيس الوزراء وحده تقع هذه النتيجة المنكرة ، تبعة اتجاه المصريين إلى الإنجليز ينتظرون منهم الخير والشر . فلو قد سار في وزارته هذه السيرة الطبيعية التي تلائم الحياة الدستورية الصحيحة ، لنظر المصريون إلى أنفسهم أكثر مما ينظرون إلى الإنجليز ، ولأنتظر المصريون من أنفسهم أكثر مما ينتظرون من الإنجليز .
ماذا أقول ؟ لو سار رئيس الوزراء هذه السيرة المألوفة في البلاد الدستورية لما أقام في الحكم شهرًا .
كوكب الشرق ١٩\٠٣\١٩٣٣

انتصار
ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار فابتهجت له مصر كلها سواد الليل. وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار وشمس الانتصار. وكان رئيس الوزراء خليقًا بأن يسعد بهذا الفوز، وكانت مصر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له، فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا، دامية الأظفار. وكان كل شيء مظلمًا حتى خيل إلى الناس أن ليس لهذا الخطب آخر، ولا من هذه المحنة من مخرج.
فلما أذن الله بالفوز، وصوت النواب بالثقة، يرسلها بعضهم إرسالًا، ويرتلها بعضهم ترتيلًا؛ زال الكرب، وانجلت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة ومصدر المحنة، فأدال الله منهم وكفى الله المؤمنين القتال، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يسجل حسن بلائه وغناء زملائه. وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يسجل انتصاراته، ويصدر بها نشرات في روما، ما تزال تعتبر إلى الآن من آيات البيان.
والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الحسد، ويتحدثون عنها حديث المجد، ويسجلون الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويقدرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرد إلى الإنجليز ثقتهم بها وحبهم لها واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال فانتصروا ولم ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تنصب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها. وإنه إذا لم يكن بد من ثقة فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها. وأنه تعود أن يرى الوزارات تجل المجالس النيابية، ولم يتعود أن يرى المجالس في مصر تسقط الوزارة، وأنه لهذا كله، ومعه أصحابه المخاصمون والمعارضون لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير. قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف ونشرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة، ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.
وكانت خطب النواب ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء شيئًا قصد به فيما يظهر إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًا، ولكن أصحابه غلوا فيه حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًا. ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمت له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه، نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزراء، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شك، ستستقيل في وقت قريب لعله أقرب مما يقدر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب، ولا من مجلس الشيوخ.
رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها، وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير، لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه، هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟ كلا، إن المصريين لم يقدروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يخرجون منح الثقة أو رفضها من حسابهم السياسي كله، لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة ثقة واسعة، لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.
هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان فيصانعوه، ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون. وهم كالمصريين يخرجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي، وإذن ففيم الحرب والقتال؟ وفيم الجدال والنضال؟ وفيم الخطب الطوال؟
تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان فسيجيبونك بأجوبة لا تغير من الحقائق الواقعة شيئًا، وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبق بد من أن يعود الأمر كما كان. مصر الصحيحة غير المريضة، مصر الصادقة غير الكاذبة، مصر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تعد فتفي. مصر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز فإما وفاق، وإما خلاف.
فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار التي لا تكاد تحس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء حين يداعب صفحة الغدير. فأما الانتصار الذي يغير الأشياء حقًا، والهزيمة التي تغير الأشياء حقًا؛ فلا ينبغي أن يلتمس في هذه الصلات المسلية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يلتمس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.
كوكب الشرق ٠٣\٠٥\١٩٣٣

أحلام
أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها ، وصغر شأنها ، تحلم بأن تُعنى الصحف المصرية بما تكتب هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام ؟
سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد ، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء ، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف ، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام ، حيث تكثر الصور والأشباح التي تؤرّق قومًا ، وترسل الأحلام إلى آخرين .
ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد .
فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه ، من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم ، وأحرص على مبادئهم ، من أن يشتركوا مع صدقي باشا في اجتيال تبعات الحكم مهما تكن الظروف .
وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجد ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها . ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية ، ولعل الذين ألمّ بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء ، هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد ، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تعلق على ما كتبت الأفريكان ورلد .
والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس ، هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء… ! فقد خابت التجربة ، وأخفقت المحاولات ، وظهر أن الترقيع جهد ضائع ، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة ، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية ، ويجدد تأليف الوزارة ، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن ، فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين ، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام .
ما أقدر رئيس الوزراء — رغم مرضه — على سعة الآمال وبعد الخيال ! وكأن رئيس الوزراء لم يتبيّن إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته ، وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه . ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء ، واقتصد في خياله بعض الشيء ، لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم ، وإنما يستطيع الراحة . فلم لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع ؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ، ويستريح ويُريح ؟
ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته ، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته ، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبعد الخيال !
على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب ، ولا يعتبروا بالحوادث ، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء ، ويستسلموا لخيال كما يستسلم رئيس الوزراء ، ويقدّر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تُلتمس لها الحلول العرجاء ، أو تُسلك إليها الطرق الملتوية .
فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريق من المصريين إلى الحلول العرجاء فلم يظفروا بشيء ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية فلم ينتهوا إلى شيء… بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق ، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي ، وكأنهم لم يسعوا ويجدوا في التماس الحل ، وكأنهم لم يلتمسوه من قبل !
ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة ، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا ، شاعرة بوجودها حقًّا ، جادة في طلب استقلالها حقًّا ، متنبهة لما يُراد بها من الكيد حقًّا . فهي لا تُؤخذ على غِرّة ، ولا تُخدع بالأماني والآمال ، وهي لا تُؤخذ بقوة ولا بعنف ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي ، لا ما يُراد لها .
وإذن فلن يكون ما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل . وإذن فالدوران حولها لا يفيد ، ولا خير في هذه المحاولات التي جُرّبت مرارًا منذ كانت الحركة الوطنية ، فلم تنتهِ إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها .
نعم إن مذاق هذه الأمة مرّ على الإنجليز ، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة ، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه . وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة ، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن تُرد إلى مصر ، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية .
نعم إن من المصريين من يحبون الحكم ، ويتعجلون الوصول إليه ، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمر يسير ، وأن من الممكن أن تُزيّن لها الألفاظ فتُغرّها وترضيها بما لا ترضى . ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا ، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا ، وعلى العنف والعسف حينًا آخر ، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل .
إن الزمن لا يمضي عبثًا ، ولا يذهب سدى . ولعل خير ما أنتجه مرّ الغداة وكرّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبقَ أمل لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد . فأجدر بالإنجليز وأصدقائهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم ، وزهد فيما يُغرّ ويخدع من الأماني والأحلام…
يذكرون الائتلاف، فعلامَ يقوم هذا الائتلاف ؟ وبين من يكون هذا الائتلاف ؟ وأيُّ طريقٍ تُسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف ؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية ؟ ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تُحل، وهي معقدة، شديدة التعقيد، تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم.
وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة ؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية، فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يُراد الابتداء ؟ أبا لأزمة الخارجية بحيث يُحسم ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيء ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يُرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيء ؟ وعلى كلتا الحالين فمن يكون الائتلاف ؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن ؟ وإذن فأي شيء تغيّر ؟ وماذا يصنع المؤتلفون ؟ أو متى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة ؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون ؟
وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف ؟ أمن المصريين أنفسهم ؟ وإذن فيجب أن تُسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تُسمع أي كلمة أخرى. أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز فيُملى علينا الائتلاف منهم إملاءً ؟ ! وإذن فأين تكون الكرامة القومية، ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن تكون الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة ؟
كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية. وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهو أن تُرد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة، وتعود الحياة النيابية الحرة يومئذٍ ، ويومئذٍ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذٍ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي بها أحد، ولا يُمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.
وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرةً كريمةً مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.
سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة، والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويُلِحّ فيه ؟ أهم الإنجليز ؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.
قد يكون هذا طويلًا، وقد تُحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا. ومن لم يعرف الصبر واحتمال الألم وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب…
لست أكره الائتلاف، ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها. أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأي أنصار الائتلاف في حلٍّ أرى أنه من العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشك ولا يحتمل تأويلًا ؟ ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب ؟
ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا. فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف، فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور، يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شك أو اتهام.
أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليقٌ أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء على إرادة الأمة، خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.
فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى: أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية ؟
كوكب الشرق – ٣\٤\١٩٣٣

مقاومة
لا عنف فيها ولا حدّة، ولا بأس فيها ولا شدّة، ولكنها هادئة مطمئنة، يخيل إلى كثير من الناس أنها استسلام وإذعان، فإذا بلغوها وجدوا فيها مرّة، وإذا اختبروها وجدوا فيها صلبة، وإذا سلطوا عليها ما يملكون من قوة لم يبلغوا منها شيئًا. وإذا ابتسامات هذه المقاومة الهادئة ليست مظهرًا من مظاهر الضعف، ولا لونًا من ألوان الرضا، ولا أسلوبًا من أساليب الإذعان، وإنما هي سخرية لاذعة ممضّة، تغرّ وتغري، حتى إذا دنا منها الطامع فمسّها، والمزدري لها وجد عندها السم الزعاف، فارتد عنها مفلول الحدّ، مقطوع الرجاء.
ما أجمل هذا الهدوء الهادئ الذي يحسبه المستعمرون ذلّة، فإذا هو العزة كل العزة، ويراه الطامعون إذعانًا، فإذا هو الإباء كل الإباء. وإذا هو الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن الثورة ليست في العنف وحده، ولا في الشدّة وحدها، ولا في هذا الاضطراب الذي يفسد فيه النظام، وتقع فيه الآثام، وذهب فيه الأخيار الأبرياء فداءً للأشرار الآثمين؛ وإنما قد تكون دعةً وأمنًا واطمئنانًا، يدور حولها العدوّ فلا يصل إليها، ولا يستطيع أن يدنو منها. حتى إذا جدّ الجد تبيّن أنه قد أنفق جهده في غير طائل، وأضاع وقته في غير غناء.
ما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن هذه الابتسامات الساحرة التي ترتسم على ثغور بعض الأفراد هازئة بالحوادث، مزدرية بالخطوب. وما أكثر ما عنى الشعراء وأصحاب الفن بابتسامات الأفراد هذه، فأبدعوا وأجادوا، وأظهروا للناس آيات فنية خالدة. وما خلقهم أن ينظروا إلى ابتسامات أخرى ساخرة هي أروع من تلك الابتسامات وأجمل، وهي أكثر منها وقعًا في القلوب، وأبعد منها أثرًا في النفوس، لأنها ابتسامات تترجم عن سخرية الشعب من قوة الأقوياء، وازدراء الأمة لسلطان المتجبّرين.
في هذه الابتسامات الشعبية جمال الصبر والجلد، وجمال العزّة والشمم، وجمال الثقة والأمل. وفيها فوق هذا كله وبعد هذا كله جمال التضامن الصادق، والتعاون الذي لا يجد الضعف ولا الفشل سبيلًا إليه.
ما أجدر الشعراء وأصحاب الفن أن يصوّروا سخرية الشعوب هذه، وما أجدر المتسلطين والذين يريدون أن يكرهوا الأمة على ما لا تحب، ويأخذوها بما لا ترضى، أن ينظروا هم أيضًا إلى هذه الابتسامات. فلعلها أن تثير في نفوسهم العظة، ولعلها أن تملأ قلوبهم بالعبرة، ولعلها إذ تقنعهم بأن إذلال الأفراد قد يكون ميسورًا، ولكن إذلال الأمة شيء لا يطمع فيه.
فمن الحمق أن يُنفق فيه الجهد، ويُضاع فيه الوقت، ويضحّي فيه الساسة بذكائهم وكفايتهم. وما يطمعون فيه من حسن الأحدوثة وبعد الصيت.
ما أجمل هذه الابتسامات وقد ارتسمت على ثغر مصر منذ نهض رئيس الوزراء بأعباء الحكم، فما زالت مرتسمة على هذا الثغر، لم تفارقه ولم تتحوّل عنه، ولم يشبها عبوس، ولم يغيّر من صفائها وجمالها تقطيب ولا شحوب.
لقد نظرت مصر إلى صدقي باشا حين ألّف وزارته، ففهمت ما كان يريد، فابتسمت له شفقةً عليه، تعظه وتحذيرًا. ولكنه أخطأ فهم هذه الابتسامة، فلم يرَ فيها وعظًا ولا نصحًا ولا نذيرًا، وإنما رأى فيها رضًا وتشجيعًا وتسليمًا. فمضى في سبيله يشتدّ ويسرف في الشدة، ويغيّر ويُغلو في التغيير، ويبدّل ويُمعن في التبديل.
وهو كلما مضى في طريقه شوطًا نظر إلى مصر فرأى ابتسامة الإشفاق والنذير. ولم يفهم منها إلا الإذعان والتسليم. فيستجمع قواه ويمضي أمامه مشتدًّا ملحًّا. وإذا قويت تسلّط على البرلمان فيحلّه، وعلى الدستور فيغيّره. ثم على الأفراد والجماعات فيُؤخذ بعضها بالرغبة، وبعضها بالرهبة. ثم على المصالح العامة كلها فيسري فيها الفساد كما تسري العلّة في جسم الرجل الصحيح. ثم على السياسة الخارجية بيننا وبين الإنجليز، وبيننا وبين غير الإنجليز من الأمم: فإذا هي مزاج غريب، ظاهره العزة التي لا تخدع أحدًا، وباطنه التسليم والانخذال.
وهو كلما مضى أمامه شوطًا أو أشواطًا نظر إلى مصر فرأى هذه الابتسامة المشفقة الساخرة. ولم يفهم منها إشفاقًا ولا سخرية، حتى بلغ به الجهد أقصاه، وانتهى به الإعياء إلى غايته. هنالك وهناك فحسب. ولكن بعد فوات الوقت وضياع الجهد: يبدو له أنه قد غرّه بأمته الغرور، فأصغر من شأنها وهي كبيرة، وحقّر من أمرها وهو عظيم، وظنّها راضية وهي ساخطة، وحسبها مذعنة وهي شديدة الإباء.
هنالك وهناك فحسب نظر أمامه فلم يرَ إلا جهدًا قد أنفق عبثًا، وقوةً قد ذهبت هباء. والتفت عن يمينه وعن شماله فلم يرَ لنفسه مخرجًا من هذا المأزق السياسي الحرج الذي ورّط نفسه فيه؛ فوقف حيث أراد اللّٰه أن يقف، لا يستطيع أن يتقدّم لأن الطريق أمامه مغلقة، ولا يستطيع أن يتأخّر لأن السبيل وراءه مقطوعة. فهو حائر لا يدري ماذا يصنع، ولا يعرف كيف يقول.
وأصدقاؤه الذين ظاهروه وناصروه، وأولياؤه الذين عقدوا به الآمال، وناطوا به الأماني: ينظرون إليه ويوبّخون عليه ويمدحون به. ويقولون له: ماذا صنعت؟ وإلى أين انتهيت؟ أين تلك الآمال الواسعة والأماني العريضة؟ أين أنت وأين نحن من تحقيق الأمل وتصديق الظنّ وإنزال هذه الأمة حيث تريد؟
نعم، يسألونه فلا يجد لهم جوابًا. ويُلحّون عليه في السؤال فيُلحّ هو في الصمت، فيُطرقون كما أطرق، ويسكتون كما سكت. وتأخذهم الحيرة كما أخذته. والأمة المصرية هادئة وادعة، ومطمئنة ساكنة، وعلى ثغرها هذه الابتسامة الحلوة الواضحة التي لم يبقَ شك ولا ريب فيما تريد أن تدلّ عليه.
ماذا؟ أبعد ثلاثة أعوام لا تشرق الشمس فيها إلا على قوة مسلّطة، ولا تغرب الشمس إلا على مكرٍ مدبر، وكيدٍ مهيَّأ. وتظلّ الأمة كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء ليبدّل حياةً بحياة، ونظامًا بنظام؟
ماذا؟ لقد كان الزعماء أول الأمر يهمّون بالكلام فيُؤخذون بالصمت، وبالحركة فيُضطرّون إلى السكون، وبالسفر فيُردّون إلى بيوتهم. وكان يُقال: بقيّة من فوضى يجب أن يمحوها الحزم، وفضل من اضطراب يجب أن يزيله النظام. ويُشرف العام الثالث على غايته والأمر كما كان في الساعة الأولى.
لا ينبغي أن يتكلّم الزعماء، ولا أن يتحرّكوا، ولا أن يسافروا؛ لأن الأمة ما زالت لهم محبّة، وبهم واثقة، وحولهم ملتفّة، ولدعوتهم مستجيبة. وإذن ففيم بُذلت القوى؟ وفيم أُنفقت الجهود؟ وفيم بُعثرت الأموال؟ وفيم أُلغي نظام وأُقيم مكانه نظام آخر؟ وفيم حُلّ برلمان وأُقيم مكانه برلمان آخر؟ وفيم سُلّطت الرغبة والرهبة على الأفراد والجماعات؟ وفيم رُقّعت الوزارة رتقًا؟ وفيم بُسطت أيدي المديرين على الناس بما يُباح وما لا يُباح؟ وفيم أضاع رئيس الوزراء صحته وخضع لسلطان الأطباء؟ وفيم هذا كله، ما دام الرئيس الجليل لا يستطيع أن ينتقل إلا التفّت حوله الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يتكلّم إلا خفقت له القلوب كلها كأول يوم ألّفت الوزارة، ولا يستطيع أن يدعو إلا استجابت له الأمة كلها كأول يوم ألّفت الوزارة؟ وإذن ففيم كان كل هذا الجهد؟ وفيم ضُحّي بكل هذا الوقت؟
سؤال لا يجد عند رئيس الوزراء له جوابًا. وإنما تجد جوابه واضحًا جليًّا، لاذعًا مخيبًا للآمال في هذه الابتسامة الحلوة المرّة: الراضية الساخطة معًا، المطيعة الميئسة معًا.
هذا رئيس الوفد وصاحبه لم يكد يمتدّ بهما السفر حتى عجزت الحكومة عن أن تحمل حبّ الأمة لهما والتفافها حولهما. فإذا هي تردّهما كارهين في قطار تحميه الشرطة، أو يحميه الجيش، أو يحميانه معًا. كما هي كارهة حين كانا محاولين السفر في العام الأول من أعوام هذه الوزارة.
وما أحبّت الأمة رئيس الوفد ولا صاحبه افتتانًا بشخصيهما، وهيمان بهما: فهما مثلك ومثلي. ولكن الأمة ترى فيهما مبدأها الذي أقسمت لتبلغه، ومثلها الأعلى الذي أقسمت لتنتهين إليه.
هلمّ إذن يا صاحب الدولة فاجمع من شئت من جنود الشرطة وجنود الجيش. ورُدّ رئيس الوفد وصاحبه إلى القاهرة، وضع كلًا منهما في بيته، وأغلق على كلٍ منهما الأبواب، وأقم دون كلٍ منهما الحجاب، وافعل مثل ذلك بغيرهما من الزعماء: فلن تبلغ بهذا كله فوق ما بلغت. وماذا بلغت؟ وأين تجد القوة على استئناف الجهاد؟ أحركة يأس هي أم حركة رجاء؟
فما أكثر ما تعبث الآمال بالنفوس، وما أكثر ما يعجز الناس عن فهم العبر والعظات! وإن تكن حركة يأس: فأصدق الشاعر القديم حين قال:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحّ العقال
أما أنتِ أيتها البلد العزيز الأبيّ، فاحتفظي بابتسامتك الحلوة المرّة. فليس أشد منها غيظًا لحوادث الدهر، ولا أبلغ منها استهزاء بالمحن والخطوب.
كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣

Comments

Leave a Reply

Discover more from Taha Hussein - Journalist طه حسين - صحفي

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading