Author: Hassan El-Zayyat

  • لن ننقسم: الوفد ومساواة المصريين | We Will Not Be Divided: The Wafd and Egyptian Equality

    حديث الوادي
    مساواة . . .
    أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
    هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
    ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
    وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
    هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
    كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
    وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
    هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
    طه حسين
    الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حقائق…
    يجب أن يعلمها الإنجليز المقيمون في مصر، وأن يعلمها معهم بعض المصريين الذين يبتغون إليهم الوسيلة ويلتمسون عندهم المعونة والتأييد، ويجب أن تعلمها الإجبشيان جازيت خاصة، لأنها تعرب عن أولئك وهؤلاء، ولأنها هي التي تدعونا إلى أن نقرر لها هذه الحقائق، بعد أن كتبت هذا المقال الظريف الرشيق الذي نشرته صباح أمس وترجمته عنها صحف أصدقائها الوزاريين.
    حقائق ما نظن الإجبشيان جازيت تجهلها، وما نظن قراءها من الإنجليز وأولياءها من المصريين المساكين يجهلونها، لأننا نعيش في عصر لا تجهل فيه البديهيات، ولا تخفى فيه الأوليات على عامة الناس فضلاً عن المثقفين الذين يحررون الصحف، ويشتغلون بالسياسة، ويعالجون أمور الشعوب.
    وأوضح هذه الحقائق وأشدها جلاءً أن حرية الرأي في كل شيء، وفي السياسة خاصة، إذا كان الإنجليز يقدسونها في بلادهم، ويرعون حرماتها حق الرعاية، ولا يستبيحون لأنفسهم أن يلغوها، أو يقيدوها، أو يحظروها على أحد من الإنجليز، ولا سيما حين يكون من المعارضين، فإن المصريين يقدسون حرية الرأي كما يقدسها الإنجليز، ويرونها حقاً لهم كما يراها الإنجليز، ويريدونها أن تكون في بلادهم جداً لا لعباً، وحقيقة واقعة لا كلاماً يكتب أو يقال. والمصريون يعلمون حق العلم أنهم بعيدون مع الأسف الشديد، عن أن يستمتعوا بهذا الحق المقدس، ولكنهم يصرون كل الإصرار على أن يظفروا به، وينتهوا إليه، ويكون حظهم منه كحظ الإنجليز سواء بسواء. وقد تظن الإجبشيان جازيت أن المصريين مغرورون حين يريدون أن يظفروا بما يستمتع به الإنجليز في بريطانيا العظمى، لأن المصريين لم يبلغوا من الحضارة مبلغ الإنجليز ولا بد لهم من أن يتواضعوا ومن أن ينتظروا. ولكن الإجبشيان جازيت خليقة أن تعلم أن التجارب السياسية في هذا العصر الحديث قد أقنعت الناس بأنهم جميعاً سواء، وعلمتهم أن ليس لأحد منهم فضل على آخر في الاستمتاع بالحقوق السياسية، وأن حقوق الشعوب، لا يمكن أن تقصر على طبقة دون طبقة، ولا على جماعة دون جماعة كما علمتهم أن الاستعمار وتسلط الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة مرض بغيض يجب أن تقاومه الأمم ما وجدت إلى مقاومته سبيلاً. فالمصريون حراص على حرية الرأي، وعلى الاستمتاع الصحيح بها، ويجاهدون في ذلك ما وسعهم الجهاد، ويضحون في سبيل ذلك ما وسعتهم التضحية، ويحتملون في سبيل ذلك ما يمكن وما لا يمكن حتى لوم الإجبشيان جازيت واستهزاءها، وجرأتها على مصارحة المصريين، في بلاد المصريين بأنهم قوم يجب أن يؤخذوا بالقمع والإذلال، وإلا يطمعوا بما يستمتع به الإنجليز من الحرية والاستقلال.
    لن يغير المصريون رأيهم في هذا، سواء أرضي الإنجليز أم سخطوا، سواء أقبل الإنجليز أم أبوا. ولن يتردد كل مصري مثقف، في أن يذيع هذا كله ويبثه في هذه الطبقات، التي تزدريها الإجبشيان جازيت، وتريد أن يترفع رئيس الوفد عن مخالطتها، وتبيح للوزارات أن تأثم في ذات الحرية لتظل هذه الطبقات جاهلة، غافلة، خاضعة لما يراد بها من الذلة والخنوع.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز وأولياؤها من المصريين المساكين أن ما كان يمكن أن يقال في القرون الماضية لا يمكن أن يقال الآن. وأن الدعوة إلى تقسيم الشعب إلى طبقات بعضها محترم عزيز، وبعضها ممتهن ذليل، قد أنتجت في أوروبا، وفي بلاد الإنجليز أنفسهم، نتائج خطيرة، مروعة، لم ينسها التاريخ بعد، وما نظن أن الإنجليز يحبون أن تحدث في مصر، وأن يدفع إليها المصريون. وما نظن أن الإنجليز يجهلون أن الإلحاح في كتابة فصول كهذا الذي كتبته الإجبشيان جازيت أمس خليق أن يؤدي إلى هذه النتائج ويدفع إلى هذا الشر المستطير.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز، وأولياؤها من المصريين البائسين أن من أعجب العجب ومن أشد الأمور نكراً، ومن الخزي الذي توصم به الحضارة الأوروبية الحديثة أن يعيش الأجانب في بلد كمصر فلا يحفظوا له حقاً، ولا يرعوا له كرامةً ولا يتحرجوا من أن يعلنوا فيه الدعوة إلى التفريق بين الطبقات، وإلى إيثار جماعة من أهله بالرعاية، وأخذ كثرته بالعنف، لا لشيءٍ إلا لأن هذه الكثرة ليست غنية، ولا موسرة ولا قادرة على ما يقدر عليه الآفاقون من هذه الحياة الناعمة السعيدة التي لا يصلون إليها إلا في هذه البلاد والتي ما كانوا ليحلموا بها لو عاشوا في بلادهم تلك، التي تقدس فيها الحرية، وتحترم فيها حقوق الشعوب.
    يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن المصريين لن يرضوا أن تكون حياة الأجانب في بلادهم وسيلة إلى استبعادهم أو سبباً إلى إذلالهم، وإنما الذي يرضاه المصريون ويلحون فيه، ويعلمه المثقفون منهم لغير المثقفين، هو أن مصر يجب أن تكون للمصريين أولاً وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الأجنبي طارئ على مصر، فإن استطاع أن يعيش فيها، ملائماً بين مصلحته ومصلحة الوطنيين فذاك، وإلا فأرض الله واسعة وبلاده أحق به، وأعطف عليه. والمصريون يعلمون حق العلم أن الأجانب يفرضون أنفسهم عليهم فرضاً، وأن الإنجليز يضحون بمصالحهم، في سبيل المصالح الأجنبية، وأن الإنجليز أقوياء، يملكون من وسائل القهر والعنف ما لا يملكه المصريون ولكن هذا كله لا يخيف المصريين، ولا يغير رأيهم في أن مصر يجب أن تكون لهم أولاً وفي أنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه الإجبشيان جازيت أن تكتب مثل ما كتبت، والذي لا تستطيع وزارة مهما تكن أن تسمح لها بمثل ما تسمح لها به الوزارة القائمة من إهانة المصريين في بلاد المصريين.
    قد يكون هذا اليوم بعيداً، وقد يكون قريباً، ولكنه آتٍ من غير شك كما أن يوماً من الأيام قد أتى على انجلترا، فسمح للعمال بأن يتولوا الحكم وأن يستأثروا به أحياناً دون الطبقات الأرستقراطية العليا التي كانت تحتكره احتكاراً.
    ثم يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن رئيس الوفد لم يقتنع فيما يظهر بما يدعو إليه أصحاب المنافع العامة من الإنجليز من أن بين المصريين فروقاً، تجعل بعضهم أحق بزيارته من بعض، وإنما هو مقتنع بما يقتنع به الإنجليز في بلاد الإنجليز من أن أبناء الشعب كلهم سواء ومن أن فقراءهم أحق بالعناية من أغنيائهم ومن أن جهالهم أحق بالعناية من مثقفيهم، ومن أن رعاعهم أحق بالعناية من ممتازيهم، وعلى هذا فسيزور رئيس الوفد ما يشاء من الأقاليم والمدن والقرى، وسيسلك رئيس الوفد ما يشاء من الطرق، والشوارع، والحارات، وسينزل رئيس الوفد حيث يشاء من الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة وليس للشرطة، ولا للوزارة ولا لدار المندوب السامي، ولا للاجبشيان جازيت أن ترسم له خطته، أو تفرض عليه طريقاً أو تحظر عليه طريقاً أخرى. وإنما هذا حقه المقدس يستمتع به متى شاء، كما يشاء، فإن خلت القوة بينه وبين هذا الحق فذاك، وإن حالت القوة بينه وبين هذا الحق سجلت على نفسها الخوف والحرج والخذلان، وسجلت على سياسة الاستعمار خزياً لا يشرف، ونفاقاً لا يرفع الرؤوس.
    أما بعد فإن الإنجليز أحرار في أن يحبوا الظلم ويؤيدوه ويدعوا إليه وينتفعوا به، ولكن من الحق عليهم أن يذكروا أن قوماً آخرين قد سبقوهم إلى أخذ مصر بالظلم، وحكمها بالقسوة والعنف، ولكنهم لم يبلغوا منها شيئاً، بل ذهبوا وظلت مصر باقية، والإنجليز أنفسهم قد أخذوا مصر بالعنف والقسوة أعواماً وأعواماً، وهم الآن يستطيعون أن يسألوا أنفسهم، ماذا جنوا؟ وهل بلغوا من إذلال مصر وإخضاعها ما يريدون؟…
    طه حسين
    الوادي، ٧ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إشاعة…
    أذاعتها بعض الصحف منذ أيام حول المؤتمر الوطني، الذي يريد الوفد أن يعقده في الأسابيع المقبلة والذي يلقاه المصريون مغتبطين به، مسرعين إليه، حراصاً أشد الحرص على أن يكون الاشتراك فيه عاماً، شاملاً، مصوراً أصدق تصوير لإيمان الشعب المصري بحقه واحتفاظه بكرامته، وجده في تحقيق آماله، وإصراره على أن تتحقق هذه الآمال في غير لعب ولا لهو، وفي غير تهاون ولا تفريط.
    ولم تصدر دعوة الوفد إلى المؤتمر بعد، ولم يعين رئيس الوفد اليوم الذي يبدأ فيه اجتماع المؤتمر، ولا المكان الذي تنعقد فيه اجتماعاته، ولم ينشر رئيس الوفد برنامج أعمال المؤتمر، ولا أسماء الذين سيخطبون فيه ولا الموضوعات التي سيتناولها الخطباء. ولم يزد رئيس الوفد وأعضاؤه على أن آذنوا المصريين بأن الوفد سيدعو إلى مؤتمر يدرس شؤون مصر العامة وطلبوا إلى الوفديين في لجان الوفد المختلفة أن يرسلوا عنواناتهم إلى سكرتيرية الوفد في مدة كان آخرها أول أمس. ومع ذلك فقد وجم الوزاريون وأشباه الوزاريين لنبأ هذا المؤتمر وضاقوا به أشد الضيق، وكتبت صحف الوزارة غير مرة تنكر التفكير فيه، والدعوة إليه، وتراه ضرباً من ضروب الشغب وفناً من فنون المظاهرات التي يخشى منها على الأمن، ويخاف منها على النظام. ولم يحفل الوفد ولا الوفديون بهذا السخف الذي هتت به الصحف الوزارية، فقد مضى الوفد في استعداده للمؤتمر، ومضى المصريون في إرسال عنواناتهم وطلب اشتراكهم فيه حتى زادت الطلبات التي انتهت إلى الأستاذ الكبير مكرم عبيد على عشرة آلاف.
    هنالك ولدت هذه الإشاعة الظريفة التي نريد أن نتحدث عنها فأذاعت بعض الصحف أن رأي الوزارة قد استقر على منع اجتماع المؤتمر، ورفض الإذن به، إذا طلب إليها هذا الإذن.
    أذيعت هذه الإشاعة في صحيفة من صحف الصباح فلم يلتفت إليها أحد ثم أذيعت في صحيفة من صحف المساء فلم يحفل بها أحد. ثم انتشر الدعاة والمرجفون من الوزاريين يتحدثون بها في المجالس، وينقلونها في الأندية المختلفة، فلم يعن بها أحد. وأكبر الظن أن الصحف التي أذاعتها ستعود إلى إذاعتها وأن المرجفين الذين تحدثوا بها سيصيبون في حديثهم، وليس من شك في أن المصريين الذين أعرضوا عنها سيمضون في إعراضهم عنها، ذلك أن هذه الإشاعة مهما يلح فيها الملحون خليقة بالإعراض حقاً، بل خليقة بالازدراء، فقد تعزم الوزارة على ما تريد أن تعزم عليه، وقد تقرر الوزارة ما تريد أن تقرره وقد تقسم الوزارة جهد أيمانها إنها مانعة هذا المؤتمر من أن يجتمع، حائلة بين أعضائه وبين أن يلتقوا. فكل ذلك لن يغير من رأي الوفد شيئاً. ولن يمحو من قرار الوفد حرفاً، ولن يصرف عن الاشتراك في المؤتمر مصرياً، لأن الوفديين لم يتعودوا مثل هذا الخوف، ولم يألفوا مثل هذا الانزعاج مما يذيع الوزاريون أن الوزارة تريد أن تفعل أو مما تعلن الوزارة أنها ستفعل، إنما الوفديون قوم يرون الرأي ثم يمضون فيه، ويتخذون القرار ثم ينتهون إلى تنفيذه لا يردهم نذير، ولا يخيفهم وعيد، ولا يثنيهم عن همهم إرجاف المرجفين.
    والوزارة تعرف منهم ذلك حق المعرفة فكثيراً ما أذاع الوزاريون وأشاعوا فلم يحفل الوفديون بإذاعة ولا بإشاعة، وكثيراً ما أنذرت الوزارة وأوعدت فلم يسمع الوفديون لنذير ولا لوعيد. ونظن أن الوزارة لم تنس بعد أنها نهت المحامين عن بعض الشيء، فلم ينتهوا، وأنها أمرت المحامين ببعض الشيء، فلم يأتمروا، وأنها أصدرت للمحامين قانوناً، فلم يذعنوا لأنهم لم يؤمنوا بأن هذا القانون دستوري.
    وإذن فالوفديون لا يؤمنون بأن من حق الوزارة أن تمنعهم من الاجتماع إذا أرادوا أن يجتمعوا في حدود الدستور والقانون. وإذن فإشاعة الوزاريين أن الوزارة ستمنع هذا الاجتماع لغو لم يتعود الوفديون أن يسمعوا له، أو يحفلوا به، أو يشفقوا منه. وإذن فإثارة الوزارة نفسها إن صدر عنها هذا الإنذار بأنها ستمنع الاجتماع لن يصرف الوفديين عن الجد في سبيله، لأنهم لا يرون للوزارة الحق في أن تمنع اجتماعاً يريده المصريون في حدود الدستور والقانون والوزارة لم تصدر بعد هذا النذير، ونظنها أذكى من أن تصدره، وهي لا تعرف من أمر هذا الاجتماع إلى الآن إلا أن الوفديين يريدون أن يعقدوه والوزارة أمهر من أن تتحمل الحوادث ومن أن تتورط فيما لا ينبغي لها أن تتورط فيه. فليس أحد يعلم كيف تكون الظروف السياسية في الشهر المقبل حين يهم الوفد بعقد المؤتمر. وليس أحد يعلم أتبقى الوزارة في الحكم إلى هذا الوقت. أم تصرف عنه. وليس أحد يعلم أتملك الوزارة من تصريف أمور السياسة إذا بقيت في الحكم مثل ما ملكت إلى الآن. أم تتغير من حولها الظروف؟ أفترضى بعض ما كانت تأبى، وتأبى بعض ما كانت ترضى، ويترك تسيير أمور السياسة العامة، يسلك طرقاً غير التي سلكها إلى الآن.
    والوزارة نفسها تريد أن تعقد اجتماعات في الإسكندرية يخطب فيها الوزراء وأنصار الوزراء، ويتحدث الوزاريون بأن لأحزاب الوزارة لجاناً يريدون أن يطلبوها، وبأن لهم آراء يريدون أن يتحدثوا فيها إلى الناس في خطب يلقونها فيها دفاعاً عن سياسة الوزارة وفيها رد على نقد المعارضة، وفيهما ما توحي به التقاليد، إلى وزير التقاليد وما توحي به الكياسة إلى وزير الزراعة، وما توحي به اللياقة والعظمة إلى غيرهما من الوزراء، فقد لا تسمح الظروف الجديدة، بأن تبيح الوزارة لنفسها ما تحرم على غيرها. وقد لا تسمح الأيام المقبلة بأن يباح الاجتماع والخطب، وتنظيم اللجان، للقلة الضعيفة من المصريين ويحظر الاجتماع، والخطب، وتنظيم اللجان على الكثرة الضخمة من المصريين. والوزارة أذكى من أن تخدع نفسها بأن أيام الوزارات صفو كلها، وبأن سفن الوزارات تجري دائماً على بحر هادئ مستقر، وفي ريح طيبة مواتية. وتنسى أن البحر قد يضطرب وأن الريح قد تعصف، وأن السفينة قد تحتاج إلى كثير جداً من المهارة لتسلم من اضطراب البحر وعصف الريح.
    وإذن فالذين أشاعوا أن الوزارة ستمنع اجتماع المؤتمر لم ينصحوا للوزارة ولم يحسنوا إليها، وإنما هموا أن يورطوها، فيما يحسن بها ألا تتورط فيه، وهم مع ذلك لم يوفقوا إلى ما حاولوا من تخويف الوفديين أو صرفهم عن المؤتمر فالوفديون لا يعرفون الخوف والوفديون لا ينصرفون بهذه السهولة وهذا اليسر، عما يريدون.
    فلتطمئن الوزارة، وليطمئن الوزاريون فسيجتمع المؤتمر وإن كان اجتماعه أذى في بعض الأجواف وغصة في بعض الحلوق، وخطراً على بعض الذين يعملون في السياسة وليسوا من السياسة في شيء.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    إغراء …
    يظهر أن شعبنا المصري يحب الوزارة حبا جما، ويؤمن بها إيمانا لا حد له، ويمنحها ثقة لم يمنحها وزارة من قبل، ويوليها اطمئنانا لم يوله أحدا من قبل. فإذا قالت له الوزارة افعل لم يتردد في الطاعة والإذعان، وإذا قالت له الوزارة لا تفعل لم يتردد في الامتناع والانتهاء، بل هو يمضي في حب الوزارة والإعجاب بها، والإيمان لها، إلى أبعد من هذا الحد. إلى حد لم تكن الوزارة تنتظره ولا ترجوه، إلى حد لم تره عين ولم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر، فهو يتحسس نية الوزارة ويتبين مع الجهد والمشقة ما ستريده في المستقبل القريب أو البعيد، تنفيذ إرادتها، وما ستأباه في المستقبل القريب أو البعيد ليسبق إلى الامتناع والانتهاء، فيريحها بذلك من مشقة الأمر والنهي، ويحط عنها ثقل العمل وأعباء التبعة، ويتيح لها أن تستريح. لا تأتي من الأمر إلا أن تفكر فيما تحب، فإذا الشعب يحبه معها بل يسبقها إلى الحب، وفيما تكره فإذا الشعب يكرهه معها، بل يسبقها إلى الكره. وهذا فيما نعتقد أعظم ما يمكن أن تبلغه الوزارات من ثقة الشعوب وتأييدها ومن رضى الشعوب وإيمانها وما نعلم أن وزارة ظفرت بمثل هذا الحب من الشعب منذ وجدت الوزارات ومنذ عرفها التاريخ. وما نظن أن وزارة ستظفر بمثل هذا الحب، في بلد من البلاد، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ومصدر هذا الحب الرائع، الذي لا نظير له فيما كان، ولا فيما هو كائن ولا فيما سيكون، هو في أكبر الظن أن وزراءنا جميعا رجال طيبون، لا تضمر قلوبهم للشعب إلا حبا ونصحا، ومودة وإخلاصا. ولا يقصدون حين يقدمون على شيء أو يحجمون عن شيء إلا إلى تحقيق إرادة الشعب كاملة، ورفع رأس الشعب عاليا، وحفظ كرامة الشعب موفورة. عرف الشعب منهم ذلك مرة، ومرة، ومرة آمن لهم، واطمأن إليهم، وألقى إليهم القيادة وقال لهم سيروا بي حيث شئتم، فأنا لكم تابع، وافعلوا بي ما شئتم فأنا لكم مذعن، ومروني بما شئتم فأنا لكم سامع مطيع.

    ولعلك من الذين يجحدون البديهيات، ويشكّون في الأوليات ولا يؤمنون بما آمن به الناس جميعا، ولا يصدقون بأن الشمس طالعة، وإن كان ضوؤها يبهر الأبصار، وإن كان حرها يصهر الأجسام وإنما تلتمس الدليل، فيما لا يحتاج إلى الدليل، وتسأل عن الحجة فيما لا يفتقر إلى حجة. لعلك من هؤلاء الوفديين الذين لا يزالون يظنون أن الشعب لا يحب الوزارة، ولا يطمئن إليها، ولا يستجيب لها إذا دعت، ولا يسمع لها إذا قالت فإذا كنت من هؤلاء فقد تستطيع أن تسمع لهذا النبأ العجيب، وأن تتعظ به، وأن تقنع نفسك بأن أيام الوفديين قد انقضت، وبأن نجمهم قد أفل وبأن ليس لهم في البقاء السياسي أي مطمع.

    زعم رئيس الوفد وأصحابه أعضاء الوفد، أن من حقهم أن يدعوا إلى مؤتمر وطني، يعقدونه في الشهر المقبل، وأعلنوا رأيهم هذا، فلم يحفل بهم أحد، ولم يلتفت إليهم أحد، ولم يتقدم أحد للاشتراك في هذا المؤتمر الذي يريدون أن يدعوا إليه، إلا نفر قليل جدا لا يبلغون أصابع اليدين، فهم عشرة آلاف، أو هم كانوا عشرة آلاف منذ أسبوع، ولو كان الوفد مسموع الكلمة الآن كما كان مسموع الكلمة من قبل، لأسرع الناس إلى مؤتمره إسراعا، ولما انتهى المستجيبون لدعوته، إلى هذا العدد اليسير، الضئيل، الذي لا يغني شيئا، ولا يدل على شيء، والذي لا يحصى بالعشرات، ولا يحصى بالمئات، وإنما يحصى بالألوف. ومصدر هذا الإعراض عن الوفد، والتنكر له، أن الشعب قد علم بأن الوزارة لا تحب الوفد، فمحا حب الوفد من قلبه محوا، وأن الشعب قد سمع بأن الوزارة لا تحب المؤتمر الذي يدعو إليه الوفد. فزهد في هذا المؤتمر زهدا، ولم يرسل إليه إلا عشرة آلاف.

    ولعل هذا الدليل لا يقنعك، فإليك دليلا آخر، أبلغ منه في الدلالة وأقدر منه على الإقناع. فقد نشرت صحف وزارية أن الوزارة تفكر في أن تمنع اجتماع المؤتمر بغضا له، وإشفاقا منه، على الأمن طبعا، فلم يكد الشعب يتبين رأي الوزارة هذا، ويسمع بأن الوزارة قد تريد منع اجتماع المؤتمر، حتى سبق إلى تحقيق إرادتها، والاستجابة لدعائها فزاد إعراضه عن المؤتمر، واشتد قعوده عنه، وتلقى سكرتير الوفد في يوم واحد ألفي طلب للانضمام إلى المؤتمر والاشتراك فيه. نعم تلقى ألفي طلب في يوم واحد، بعد أن أشيع وأذيع أن الوزارة لن تسمح بانعقاد المؤتمر. فأي دليل على إخفاق الوفد، أوضح من هذا الدليل، وأي حجة على فوز الوزارة أنصع من هذه الحجة؟ لو كان الوفد منتصرا في هذه الأيام كما كان منتصرا من قبل، لتلقى سكرتيره في يوم واحد طلبين اثنين أو عشرين طلبا، أو مئتي طلب، ولكن الوفد منهزم ممعن في الانهزام، فلا تكاد الإشاعات تنبئ الناس بكره الوزارة لمؤتمر الوفد حتى يبطئ الناس عن هذا المؤتمر فلا يتقدم إليه في اليوم الواحد اثنان، ولا عشرون ولا مئتان وإنما يتقدم إليه ألفان . . .

    وستمضي الإشاعة في الترويج لبغض الوزارة للمؤتمر وسيمضي الناس في السبق إلى تحقيق إرادة الوزارة وفي القعود عن المؤتمر، وسيتلقى الأستاذ الكبير مكرم عبيد سكرتير الوفد في كل يوم طلبات لا تعد بالأحاد ولا بالعشرات ولا بالمئات، وإنما تعد بالألوف، وسيحار الوفد في أمر هؤلاء المشتركين، أين يجمعهم وكيف يجد المكان الذي يحتويهم، وسيؤمن رئيس الوفد آخر الأمر بما لا بد له من الإيمان به وهو أن الشعب قد زهد فيه، وتفرق من حوله ورغب في رئيس الوزراء، والتف حوله، وأصبحت زعامة رئيس الوفد، حديثا من الأحاديث ونبأ من الأنباء، وأصبحت زعامة رئيس الوزراء الرجل الطيب حقيقة واقعة لا تقبل شكا ولا مراء يؤمن بها الإنجليز، قبل أن يؤمن بها المصريون.

    أتريد دليلا آخر على انهزام الوفد، وانقضاء زعامة النحاس؟ لقد اعترف النحاس نفسه بهذا الدليل، وسجل الهزيمة على نفسه تسجيلا، فأنبأنا بأنه كان في كازينو سان ستفانو ذات يوم، وكان رئيس الوزراء أيضا في الكازينو، وكان الناس يحتفلون بعيد من أعياد الخير، فنظر النحاس ونظر الناس فإذا الشعب حول النحاس، لأنه يبغضه أشد البغض، ويرفض زعامته كل الرفض . . . وإذا الشرطة، والشرطة وحدها، حول رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء هو الزعيم الأوحد، وهو الرئيس الجليل !!

    فلما كان الغد كان النحاس في الكازينو، وكان الشعب يحتفل بهذا العيد نفسه، وهمّ الشعب أن يلتف حول النحاس ليظهر له البغض، وليعلن إليه أنه قد رفض زعامته رفضا، ولكن وزارة الرجل الطيب، كانت طيبة مثله، فرحمت النحاس من هذا الخذلان، وأشفقت عليه من بغض الشعب، وفرقت الناس من حوله تفريقا.

    ما أشد حاجة جماعة من المصريين إلى مقدار يسير من الحياء وإلى شعور يسير بما يحسن أن يقال وما لا يحسن أن يقال.

    ألست ترى معي أن الوزارة إذا أمرت بشيء كان أمرها صدّاً للناس عنه، وإذا نهت عن شيء كان نهيها إغراء للناس به؟ ألست ترى معي أن ما أذيع من مكر الوزارة للمؤتمر قد أغرى الناس بهذا المؤتمر إغراء، ودفع الناس إلى الاشتراك فيه دفعا؟ فكيف إذا أعلنت الوزارة حربها الشعواء على هذا المؤتمر؟

    إن أحسن حرب تستطيع الوزارة أن تعلنها على خصومها وعلى الوفد خاصة بين خصومها هي ألا تحاربهم ولا تكيد لهم، ولا تظهر لهم بغضا، فإن الناس قد عاهدوا أنفسهم وقلوبهم وضمائرهم أن يمضوا إلى اليمين إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى الشمال وأن يمضوا إلى الشمال، إذا مضى الرجل الطيب ووزارته إلى اليمين . . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٦ / ٩ / ١٩٣٤م.

  • أسرار الحكومة وأعصابها المهزوزة | State Secrets and Shaken Nerves

    حديث الوادي
    تضحية . . .
    والمضحون هم الوزراء، وأي الناس أحب للتضحية وأرغب فيها، وأحرص عليها من الوزراء؟ لقد أقاموا على ذلك أدلة ناصعة، وبراهين ساطعة، وحججًا قاطعة، فهم في التضحية منذ نهضوا بأعباء الحكم، لا يقبل عليهم الصباح إلا أقبلوا عليها، ولا يقبل عليهم المساء إلا دفعوا إليها، هم مضحون حين يعملون، ومضحون حين يستريحون، هم مضحون حين يصحون، ومضحون حين يمرضون، ومضحون بنوع خاص حين يبقون في مناصب الحكم، على حين يزهدهم كل شيء في مناصب الحكم. وحين يمضون في تصريف الأمور على حين ينفرهم كل شيء من تصريف الأمور. وما رأيك في قوم يريدون الخير كل الخير لبلادهم، فلا يستطيعون أن يبلغوا منه شيئًا، ولكنهم مع ذلك يبقون في مناصبهم، ويختلفون إلى دواوينهم، لا حبًا للبقاء في المناصب، ولا إيثارًا للاختلاف إلى الدواوين، ولكن تضحية في سبيل هذا البلد، الذي يوشك إن تخلوا عن مناصب الحكم فيه أن يلتمس الوزراء فلا يجدهم، وأن يلتمس الأكفاء فلا يظفر بهم وأن يتعرض للأهوال فلا يجد بين أبنائه من يدفع عنه الأهوال. أتظن أن رئيس الوزراء الرجل الطيب يبقى في منصبه محبًا له، راغبًا فيه بعد أن أصابه ما أصابه من الإخفاق، وناله ما ناله من الفشل، وقضى الله عليه بما قضى من العجز عن حل المشكلات، التي كان يريد جاهدًا أن يحلها بالطرق العملية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يحلها بالطرق السياسية، فلما أعيته هذه الطرق، أراد جاهدًا أن يستسلم لله، ويذعن لحكم القضاء، ويحلها بالصبر عليها، والاحتمال لها، وانتظار ما ستتكشف عنه الأيام لعل هذه المشكلات أن تحل نفسها بنفسها أو أن ينزل لها ملك من السماء أو يخرج لها عفريت من الأرض فيحلها ذلك بإذن الله، أو يحلها هذا بإذن الشيطان.
    أتظن أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب يبقى في منصبه مع هذا الهم الثقيل حبًا للمنصب أو رغبة فيه؟ كلا إنما هي التضحية والتضحية وحدها، والتضحية بالصحة وراحة البال، وبطيب النفس وقرة العين في ذات الوطن الذي لا يهمل أمره إلا الكافرون بالنعمة، والجاحدون للجميل. وقل مثل ذلك في وزرائنا جميعًا، فهم لا يبقون في مناصبهم حبًا لها، ولا إيثارًا لما تفيض عليهم من جاه وسلطان، ولا حرصًا على ما تغل لهم من نعمة ومال، وإنما هي التضحية والتضحية وحدها، تبقيهم في المناصب وهم للمناصب كارهون. إني لأعرف كثيرين من المصريين لم يناموا الليل أمس حبًا للوزراء، ورفقًا بالوزراء، وعطفًا على الوزراء، ودعاء للوزراء، وشكرًا لهم على ما يقدمون لمصر من تضحية، وشكرًا لله على ما يلهمهم من حب التضحية في سبيل مصر. وإني لأعرف كثيرين من المصريين قد أنفقوا سواد الليل يبتهلون إلى الله عز وجل، ويتوسلون إليه في أن يمنح وزراءنا القدرة على احتمال هذه الأثقال، التي يأخذون بها أنفسهم أخذًا على حين قد فشت الأثرة في الناس وذاع بينهم الكسل، فهم يتخففون من الأثقال، ويفرون من التكاليف. أمِن المصريين من قرأ «عدية يس» طول الليل، ومنهم من قرأ الفاتحة يرددها طول الليل، ومنهم من قرأ سورة الإخلاص يرددها منذ أظلم الليل إلى أن أسفر الصبح، ومنهم من قرأ الأوراد، ومنهم من تلا العزائم، ومنهم من اصطنع الطلاسم، كلهم يتوسلون إلى الله في أن يعين الوزراء على احتمال ما يحتملون، والصبر على ما يأخذون أنفسهم به من المكروه، ذلك أنهم قرأوا صحف المساء ورأوا فيها أن وزراءنا قد رأوا حال مصر، وأحسوا حاجتها إلى بقائهم فيها، وعنايتهم بها وسهرهم على منافعها، فقرروا وما أخطر ما قرروا، وأزمعوا وما جَلَّ ما أزمعوا، قرروا البقاء، لا في مناصبهم فهم مشدودون إلى مناصبهم بالأمراس، ولكن في مصر، أثناء الصيف، قرروا ألا يسافر أحد منهم إلى أوروبا، حرموا على أنفسهم عبور البحر، وزيارة باريس، والاستمتاع بمناظر الجبال الخضراء، والاستشفاء بمياه الينابيع والاستراحة إلى هذه الألوان من الجمال التي كانوا يستريحون إليها كل عام، إذا أقبل الصيف. قرروا أن يقيموا في الإسكندرية، وأن يكتفوا هذا العام بنسيمها الذي يقول الناس عنه أنه عليل، وما هو بالعليل، وببحرها الذي يقول الناس إنه جميل، وما هو بالجميل، وبما تقدم الإسكندرية إلى المصطافين مما يسميه الناس لذة، وراحة، ونعيمًا، وما هو باللذة ولا بالراحة ولا بالنعيم، وإنما هو الألم والتعب والبؤس. وقرروا أن يكتفوا بما يكلفون الدولة في سبيل اصطيافهم في الإسكندرية، من هذا المال الزهيد، الضئيل الذي تنفقه عليهم وعلى من يتبعهم من الموظفين كبارًا وصغارًا. وألا يحملوها نفقات أخرى، هي التي يفرضها السفر إلى أوروبا، والاختلاف إلى مدنها الكبرى.
    ثم قرروا إذا لم يكن بد من تغيير الهواء والترفيه على النفس، وتبديل ما تقع العين عليه من المناظر، أن يعمدوا إلى سفينة من سفن الدولة، فيقضوا عليها يومًا أو بعض يوم، يتنزهون بها في البحر أو يذهبون بها إلى الحدود. قرر الوزراء هذا كله لا زهدًا في السفر ولا رغبة عن الراحة ولا كراهية لعبور البحر، ولكن تضحية في سبيل مصر لأن مصر محتاجة إليهم، مفتونة بهم، لا تستطيع على فراقهم صبرًا، ولا تجد بدًا من أن تحس بقاءهم فيها، حين تسطع شمس النهار، وتتألق نجوم الليل. أفرأيت تضحية تشبه هذه التضحية؟ أفرأيت إيثارًا يقارب هذا الإيثار؟ أفرأيت وطنية تعدل هذه الوطنية؟ أفرأيت وزراء يقاسون إلى هؤلاء الوزراء؟ كلا. ولا نصدق هؤلاء الكاشحين الذين يطوون قلوبهم على البغض والحقد ويلوون ألسنتهم بالكلام في غير بصيرة ولا فهم، يزعمون أن أحداثًا ستحدث وأن خطوبًا ستلم، وأن أخطارًا ستحدق وأن الضرورة وحدها هي التي تكره الوزراء على البقاء، أثناء الصيف. كلا. ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين ينطلقون في الأندية ويطلقون ألسنتهم بأن وزراءنا لا يريدون أن يبرحوا الأرض قبل أن يبرحها المندوب السامي، فإذا سافر المندوب السامي آخر هذا الشهر، انقضى فصل الإجازات، ولم يجد وزراؤنا بدًا من البقاء فوزراؤنا أكبر وأكرم على أنفسهم من أن يجعلوا سفرهم وإقامتهم رهينين بممثل أجنبي وإن كان هذا الممثل هو المندوب السامي.
    ولا تصدق هؤلاء الكاشحين الذين يتحدثون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم بأن وزراءنا يجدون ريح الاستقالة، فهم يريدون أن ينتظروها في مصر حتى تبلغهم، وهم مطمئنون، وهم يكرهون أن يسافروا وأن تدركهم الاستقالة، وهم غائبون متفرقون.
    لا نصدق شيئًا من هذا، وصدق ما قلته لك، فوزراؤنا يبقون في مناصبهم مضحين، ويبقون في مصر أثناء الصيف مضحين، وهم إن سافروا واستمتعوا بلذات أوروبا ونعيمها فيسافرون مضحين أيضًا، لأنهم قد فطروا على التضحية، لا يعرفون غيرها، ولا يحبون شيئًا سواها، ولا يميلون إلا إليها.
    فادع الله لهم معي بطول البقاء في الأرض، لا في المناصب، فأمر المناصب شيء آخر، وهو أهون شيء على الوزراء . .
    طه حسين
    الوادي، ٨/٩/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    وفاق. . .
    لست أدري لم يكلف الناس باختراع الإشاعات وإذاعتها، والترويج لها، وتعظيم أمرها، يلحون في ذلك إلحاحاً شديداً، حتى يملأوا بها الجو، ويشغلوا بها الناس، ويخيلوا إلى من سمع منهم أو تحدث إليهم أن الأمور قد فسدت كلها. فلم يبق فيها أمل لصلاح ينتظر، أو خير يرجى. على حين أن الأمور صالحة كأصلح ما تكون مستقرة، كأشد ما تكون استقراراً.

    ولست أدري – ولعل الفلاسفة يدرون – من أين تأتي هذه اللذة التي يجدها الناس في اختلاق الأنباء وانتحالها، من غير أن يكون هناك ما يدعو إلى الاختلاق والانتحال. وسواء أكان من اليسير أم من العسير تعليل هذا المرض الاجتماعي الخطير، فإنه أمر واقع، محقق، لا شك فيه، قد ابتلي به الناس جميعاً، ولكن حظ المصريين منه أعظم من غيرهم من الناس. فأنت لا ترى المصريين إلا وقد امتلأ جوهم بالإشاعات، ينتحلها لهم المنتحلون، ويختلقها لهم المختلقون، ويروج لها فيهم المروجون.

    والمصريون مشغوفون باختلاق الإشاعات وإذاعتها حول الوزارات، والوزراء، كأن المصريين قد فطروا على أن يضيقوا بالوزارة والوزراء، وعلى أن يتمنوا السقوط لكل وزارة، والاستقالة لكل وزير، فإذا أعجزهم أن يسقطوا الوزارات بالفعل، أو أن يحملوا الوزراء على الاستقالة، تمنوا ذلك ثم توقعوه. ثم خيل إليهم أنه كائن اليوم أو أنه كائن غداً في أكبر الظن، أو أنه كائن بعد غد من غير شك ولا ريب.

    ثم هم يتحدثون بذلك ويفتنون في الحديث، ويتعللون بذلك، ويفرقون في التعليل، فإذا انقضى اليوم ولم يكن ما تمنوا لم يؤنسهم ذلك من وقوعه، ولم يصرفهم ذلك عن انتظاره ولم يمنعهم ذلك من التحدث به والخوض فيه.

    وهم على هذا النحو قد ملأوا جوهم بالإشاعات في هذه الأيام عن الوزارة القائمة فزعموا أنها ضعيفة جداً، قد أصابها هزال أنحلها حتى كاد يجعلها ظلاً لنفسها، مع أنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، ومع أنها لم تكن في يوم من الأيام أضخم وأشد امتلاء مما هي الآن، ومع أن الهزال، والنحول، إن كان هناك هزال أو نحول، لم يصيباها هي، ولا يمكن أن يصيباها، وإنما أصابا غيرها من الناس.

    ومتى رأيت هزالاً أو نحولاً، يصيبان وزارة هادئة، مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، تنعم بما لا تنعم به وزارة أخرى في أقطار الأرض، من الراحة في أوقات العمل ومن السعادة في أوقات الشقاء، ومن الترف في أيام الشظف، ومن الاطمئنان في أيام القلق والاضطراب؟ .

    وكيف تهزل الوزارة أو يدركها النحول، وهي مستقرة في الإسكندرية تغدو على الدواوين هادئة باسمة وتروح إلى الدور أو إلى القصور راضية ناعمة، وتحدث الأحداث الثقال من حولها، وتلم الخطوب الجسام فلا يبلغ ذلك منها، ولا يغير من سيرتها، ولا يخرجها عن راحتها، وإنما هي تمضي فيما هي فيه: من الغدو باسمة إلى الدواوين، والرواح ناعمة إلى الدور والقصور، ثم الاختلاف إلى مجالس السمر والحديث والفكاهة إذا أقبل المساء أو كان الليل؟

    فإذا اشتد وقع الحوادث وثقل إلحاح الخطوب ولم يبق بد من أن تظهر الوزارة شيئاً من العناية بهذه الحوادث والخطوب، حتى لا يقول الناس أنها نائمة أو لاهية، حين لا ينبغي نوم ولا لهو، أخذت من هذه العناية بأيسر حظ ممكن، وتكلفت في سبيلها أقل عناء ممكن، فخرج الأعضاء من راحتهم الكاملة الشاملة، إلى راحة تكاد تكون كاملة شاملة. يزورون المدن والقرى ولكن في سفن مترفة مريحة وعلى ظهر النيل الجميل، أو يقصدون إلى القاهرة، ولكن في حجرات خاصة، فإذا بلغوها، لم يقيموا فيها إلا ريثما يعودون إلى حيث يستريحون في ثغرنا الجميل.

    وزارة تحيا هذه الحياة وتستمتع بهذا النعيم، وتتكلف هذا الجهد اليسير لا يمكن أن يدركها ضعف ولا أن يصيبها هزال، ولا أن يمسها نحول، وإنما الممكن والمعقول أن تزداد قوة إلى قوة وضخامة إلى ضخامة، امتلاء إلى امتلاء، ولكن الناس مع ذلك مشغوفون بأن يزعموا أنها مريضة، وأنها مهزولة، وأنها ناحلة. يظنون أنها تتكلف من العمل والجهد ما يتكلفون هم إذا عملوا فيصيبها ما يصيبهم من الضعف والإعياء. وينسون أن الله قد خلقهم هم للشقاء، وخلقها هي للسعادة والنعيم.

    والناس يشيعون عن الوزارة أنها مختلفة متباينة الهوى، وأن أعضاءها مختصمون متنابذون لا يتفقون على شيء، ولا يلتقون عند شيء، ولا يجتمعون إلا كان بينهم الشر، ولا يفترقون إلا سعى بينهم الكيد. وهم يهولون في ذلك أشنع التهويل، وأبشعه، ثم يجزمون بأنه منتهٍ من غير شك إلى استقالة الوزارة أو إلى سقوطها إذا أبت أن تستقيل، وتستطيع أنت أن تبحث عن الأسباب التي تدعو إلى أن يختلف الوزراء أو يختصموا فلا تجد إليها سبيلاً، إنما يختلف الناس حين يعملون، وحين يجدون في العمل، وحين يحتملون الأعباء وحين ينهضون بالأثقال، وحين يواجهون الخطوب، وحين يحلون المشكلات، فإذا كانت حياتهم راحة وسعادة ونعمة لا لغو فيها ولا تأثيم، وإذا قضوا وجه النهار في مكاتبهم مطمئنين، وآخر النهار وأول الليل في دورهم وأنديتهم ناعمين، ففيم يكون الخلاف؟ وعلام يكون الخصام؟ وحول ماذا يشتد النزاع؟

    أما مشكلاتنا الكبرى الخارجية فقد تولاها الإنجليز، وقالوا للوزارة لا بأس عليك. وأما مشكلاتنا الكبرى الداخلية فقد تولت نفسها، وهي تحاول أن تنحل دون إجهاد للوزراء فتبلغ من ذلك ما تستطيع وتقصر عما لا تستطيع ولكنها لا تكلف وزراءنا على كل حال مشقة ولا عناء.

    وإذن ففيم يختلف الوزراء وعلام يختصمون؟ نعم إن طول الراحة قد يسئم وقد يثير شيئاً من الملل والضيق الذي يدعو إلى بعض الخصام، ولكنه خصام يسير، ولا يلبث أن يزول وأن يعود الأمر بعده إلى مثل ما كان، فإذا سمع الناس أن بين وزير المالية ورئيس الوزراء خلافاً، وأن بين وزير المالية وزملائه خلافاً، فلا يغلون في تقدير هذا الخلاف، فإنما هو أمر يسير لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان المزاح الظريف بين الأصدقاء الأصفياء، والأحباء الأوفياء.

    ولذلك لم أنكر من هذا التصريح الذي نشرته صحيفة وزارية صباح اليوم لرئيس الوزراء شيئاً. فقد أعلن الرئيس بلهجة حازمة حاسمة كلهجة وزير المالية حين يتحدث إلى الصحف، أن الوزراء على خير ما ينتظر لهم من الصفاء والوفاق يعملون لخدمة مصر، وأن كل ما يذاع عن اختلافهم كذب لا أصل له.

    صدق رئيس الوزراء ليس بين الوزراء خلاف، ولا شيء يشبه الخلاف إذ ليس هناك ما يدعو إلى أن يقع بينهم خلاف، وصدق رئيس الوزراء فالوزارة تعمل لخدمة مصر، وأي عمل أنفع لمصر، وأجدى عليها وأجدر أن نحسن به سمعتها من أن يستريح الوزراء ويراهم الناس آمنين هادئين، وناعمين وادعين، فيثبت لهم أن مصر بخير فلو لم تكن بخير، لما هدأ الوزراء ولا استراحوا.

    صدقني أيها القارئ العزيز لا يمكن أن تخدم مصر بمثل ما يخدمها به الوزراء الآن من هذه الحياة الجميلة، التي يحيونها في ثغرنا الجميل، وإن كنا نحن نحيا أقبح حياة في عاصمة كانت جميلة فأصبحت سمجة، وكانت الحياة فيها مطمئنة فأصبحت قلقة، تتراءى لها في كل لحظة أشباح المرض والموت.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١٨ .

    حديث الوادي
    أسرار
    يستطيع الشعب المصري أن يلهو إن كان يحب اللهو، ويستطيع أن يحزن إن كانت طبيعته أميل إلى الحزن، فليس من شك في أن حياته السياسية الآن ملهية محزنة معاً. بل يستطيع الشعب المصري أن يفخر إن كان يحب الفخر، وأن يجزع إن كانت طبيعته أميل إلى الجزع، فإن حياته السياسية الآن تدعو إلى الفخر والجزع معاً. ذلك أن الشعب المصري يستطيع أن يقول غير مخطئ، ولا مسرف، إنه الشعب الوحيد بين الشعوب المتحضرة الذي يجهل أموره جهلاً تاماً، كأنها لا تعنيه، ولا تمسه، ولا تتصل به من قريب أو بعيد، وإنما تعني قوماً آخرين، ليس بينهم وبينه صلة أو سبب. فالكلام يقال، والإشاعات تملأ الجو، والأحاديث تنطلق في الأندية، والظنون تضطرب في النفوس، وكل هذه حول شؤون الشعب المصري، بل حول شؤونه الدقيقة بل حول حياته، والشعب المصري لا يعرف من هذه الشؤون شيئاً، ولا يتبين منها قليلاً أو كثيراً.

    يقال له إن هناك طوارئ خطيرة يمكن أن تطرأ على وطنه، وقد تغير من حياته، وقد تغير من نظامه، وقد تضيع منافعه، وقد يصيبه منها الخير الكثير أو الشر الماحق، والإنجليز يتهيأون لهذه الطوارئ، يدرس مندوبهم ما أقام في مصر فيطيل الدرس، ويستقصي فيحسن الاستقصاء، ثم يسافر فلا تقنع حكومته أو لا يقنع هو بأن ينوب عنه من تعود النيابة من أهل داره، وإنما ينتدب رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية لينهض بأعباء النيابة عنه استعداداً للطوارئ، وانتظاراً للمفاجآت، والشعب المصري يجهل هذه الطوارئ، ولا يعلم من طبيعة هذه المفاجآت شيئاً، كأن هذه الطوارئ قد تطرأ على الإنجليز دون المصريين، وكأن هذه المفاجآت قد تعرض للإنجليز دون المصريين، وكأن النظام الذي يمكن أن يتغير ليس نظاماً يخضع له المصريون، وكأن المنافع التي قد تضيع ليست منافع المصريين، وكأن الأمور التي قد تبرم أو تنقض ليست تمس حياة المصريين.

    ومع هذا فالإنجليز يتهيأون لها في مصر، لا في مالطة، ولا في الهند، وهي إذن ستطرأ في مصر وستفاجئ الساكنين في مصر، وستمس حياتهم ومرافقهم، فمن الطبيعي أن يتهيأوا لها كما يتهيأ لها الإنجليز، وأن يستعدوا للقائها، كما يستعد للقائها الإنجليز، ولكنها أسرار يجب أن تكتم حتى على أصحابها، ويجب أن تخفى حتى على الذين سيتأثرون بها فيشقون أو يسعدون.

    هذا غريب في العصر الذي نعيش فيه، والذي يقال إنه عصر حرية ونور وأن أمور الشعوب فيه لا تدبر من وراء ستار، ولا تلقى من دونها الحجب الصفاق.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم في بلد يقال إن له نظاماً دستورياً، يجعل أمور الشعب إلى الشعب، ويجعل القضاء في مرافق الشعب من حق البرلمان.

    هذا غريب لا يمكن أن يفهم إلا في بلد يسخر أهله للسلطان تسخيراً، ويحرم أهله الحرية حرماناً، وينظر الحكام فيه إلى المحكومين، كما ينظر الرعاة إلى القطعان، يسوقونها إلى المرعى لتأكل، ويسوقونها إلى الماء لتشرب، ويأخذون من ألبانها وأصوافها، ومن أوبارها وأشعارها ما يروق لهم أن يأخذوه، لا يستشيرونها ولا يسألونها ولا ينبئونها، لأنها لا تستطيع أن تسمع منهم، ولا أن تفهم عنهم، ولا أن ترد عليهم رجع الجواب.

    هذا غريب لا يفهم إلا في بلد يؤمن الحكام فيه بأنهم أصحاب الحق المطلق في الشعب وأمور الشعب، فهم ينقضون ويبرمون، وهم يأتون ويذرون لا ينبغي لأحد أن يسألهم عما يفعلون. قد نحب أن نعلم أي البلاد هذا البلد الذي نعيش فيه؟ وأي الأوطان هذا الوطن الذي نحيا على أرضه؟ وأي الشعوب هذا الشعب الذي يضطرب على ضفاف النيل؟ فإن كنا نعيش في بلد حر ونحيا في وطن مستقل، ونضطرب بين شعب كريم له ما للشعوب المتحضرة من الحق، وعليه ما عليها من الواجبات، فقد ينبغي أن لا يجهل أمره ولا تكتم دونه الأسرار، ولا يقال له إن هنالك طوارئ خطيرة قد تطرأ، وحوادث جساماً قد تحدث، ونوائب عظاماً قد تنوب، وإن غيرك ينتظرها، ويتهيأ لها فنم أنت واغرق في النوم، وكل أنت وأسرف في الأكل، واستمتع أنت بكل ما تجد في الحياة من متاع، واحتمل أنت لكل ما يصب عليك من هم، وعش أنت كما تعيش القطعان، أمرك إلى الرعاة المعصومين، لا ينبغي أن يكون إليك لأنك لا تستطيع أن تنهض به، ولا أن تفكر فيه.

    ومع ذلك فقد أسرف هذا الشعب المصري في السؤال وألح في تعرف الحقائق قيل له إن مندوب الإنجليز يزور الحدود فسأل عن زيارة الحدود هذه ما أصلها وما سرها، وما معناها، وما حق مندوب الإنجليز فيها؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يزور الشرطة والجيش، فسأل عن هذه الزيارة للشرطة والجيش، كيف تكون، ولم تكون، وبأي حق تكون؟ وقيل له إن مندوب الإنجليز يستأثر بمعالجة أمر الدين العام، وأمر المحاكم المختلطة، والامتيازات، دون الوزارة المصرية التي أنشئت لتعالج هذه المسائل لا لتستمتع بالنعيم والنسيم، فسأل عن ذلك وألح في السؤال، والتمس تأويل ذلك وألح في الالتماس، ولكن أحداً لم يجبه، ولكن أحداً لم يحفل به ولم يلتفت إليه.

    فكيف يمكن فهم هذه الحال؟ وكيف يمكن الوزراء احتمالها؟ وكيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا شعباً ضخماً كالشعب المصري يجهل أدق شؤونه كل الجهل، وتذاع فيه الأنباء المختلفة المروعة، وتنشر عليه النذر المتباينة المخيفة، ويسأل فلا يجاب، ويستفسر فلا يرد عليه؟!

    كيف تطمئن ضمائر الوزراء إلى أن يروا هذا الشعب الضخم حائراً يسأل نفسه ويسأل الناس، عن مرافقه وعما يراد بها، وعن حقوقه وعما يدبر لها وهم قادرون على أن يجيبوه، ثم هم لا يجيبون، أو هم عاجزون عن أن يجيبوه، ثم هم مع ذلك يبقون في مناصبهم، برغم العجز والقصور، أو برغم الإهمال والتقصير.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يقال مع ذلك أن المصريين يحيون كما تحيا الأمم الحرة، ويعيشون كما تعيش الشعوب المتحضرة، وتشرف على أمورهم وزارة كغيرها من وزارات البلاد الراقية.

    من الذي يستطيع أن يزعم أن شؤون مصر وحياتها مقصورة على عشرة من المصريين، وعلى جماعة من الإنجليز؟ أولئك يتصرفون إن استطاعوا التصرف، ويعجزون إن اضطروا إلى العجز، وهؤلاء يأمرون وينهون، ويبرمون وينقضون لا راد لما يريدون.

    ألم يأن لهذه الحال المنكرة أن تحول؟ ألم يأن لهذه السحب المظلمة أن تنقشع؟ ألم يأن للضوء أن ينفذ إلى حياة المصريين فيرى الشعب المصري ما يراد به وما يكاد له، ويستعد الشعب المصري لا الإنجليز، ولا الوزارة ولكن الشعب كله، للقاء ما قد يطرأ من الطوارئ وما قد يعرض من المفاجآت؟

    طه حسين
    الوادي، ٢٧/٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استعداد…
    لم تسجل المراصد بعد زلزالاً في الأرض، ولا اختلالاً في حركات الكواكب والنجوم، ولم تعلن مصلحة الطبيعيات بعد اضطراباً في الجو، ولا اختلافاً في حركات الرياح، وإذن فما زالت الطوارئ المنتظرة بعيدة، وإن بدت طلائعها، وكثر حديث الناس عنها، وما زالت أمام المصريين أيام يستطيعون أن يتنفسوا فيها ملء صدورهم، وأن يناموا فيها ملء جفونهم، وأن يأكلوا ويشربوا فيها ملء بطونهم، وأن يتحدثوا ملء أفواههم إن كان يعجبهم الحديث.
    على أن هناك مقدمة مزعجة، تكاد تنبئ بأن هذه الطوارئ إن لم تكن قد بلغت مصر، فلعلها قد دنت منها بعض الدنو. فقد تحدثت صحيفة من صحف الصباح، بأن موظفاً يسكن في شبرا فيما نظن ذهب إلى الشرطة فأنبأها بأن الأحجار والحصى تسقط في بيته، كأنها المطر الغزير إذا كان الليل، وإن هذه الظاهرة جديدة، طارئة، وأنه قد بحث عن مصدرها، فلم يعرفه، ولم يهتد إليه، وأنه يظن، بل يحقق أنها عفاريت تخرج من تحت الأرض إذا كان الليل، فتحدث في بيته كل هذا الاضطراب. وقد ابتسم رئيس الشرطة لهذا الحديث، وأرسل مع الموظف شرطياً يتبين الأمر، فلم يكد هذا الشرطي يصل إلى الدار ويستقر فيها حتى سقطت الأحجار، وتناثر الحصى واكفهر الجو، وخيل إلى الرجل أن الأرض قد زلزلت زلزالها، فطار إلى رئيسه خائفاً مذعوراً. والرئيس رجل مثقف، جريء حديد القلب، قوي العقل يعلم أن العفاريت كانت موجودة ولكن عصرها قد انقضى، وقد اضطرت إلى مفارقة البلاد المتحضرة، وانحازت إلى صحراء الأحقاف فهي تقيم هناك، في أطلال عاد، أولئك الذين بادوا منذ آلاف وآلاف من السنين.
    وإذن فهذا الرئيس المثقف لم يصدق صاحب الدار، ولا الشرطي، ولم يؤمن بأن أيدي العفاريت هي التي تنثر الحصى وتلقي الأحجار. وإنما استيقن أن هناك شياطين مكرة من الناس، قد دبروا هذا الكيد وأرصدوا لهذا الرجل المسكين يهدون إليه هذه الهدايا البغيضة المؤذية. ولابد له إذن من أن يستكشف هؤلاء الشياطين، ويقدمهم إلى النيابة، ثم إلى القضاء. وعلى هذا ذهب بنفسه إلى هذه الدار وهو محصن بما وعى من العلم، ولعله كان يتلو في نفسه بعض العزائم، ولعله كان قد تحصن أيضاً ببعض الطلسمات.
    ولم يكد يبلغ الدار ويستقر فيها، حتى انتشر الغبار وسقطت الأحجار، وانتثر الحصى انتثاراً، وأخذ صاحبنا يبحث ويبحث، وأخذ صاحبنا يستقصي ويستقصي لعله أن يجد شيطاناً من شياطين الإنس أو عفريتاً من عفاريت المصريين أو الأجانب المقيمين بمصر، ولكنه لم يجد أحداً. فعاد إلى دار الشرطة وسجل ما رأى في محاضره، والله يعلم ماذا ستتخذ الشرطة من الإجراء لترد عن هذا المصري شر هؤلاء العفاريت ولتحميه من عدوانهم، فالشرطة مكلفة حماية المصريين من الأذى سواء أصدر هذا الأذى عن الإنس أو عن الجن.
    ولكن المهم أن هذه الظاهرة الغريبة التي ظهرت في حي شبرا لم تظهر إلا في هذه الأيام بعد أن كثر حديث الناس عن الطوارئ التي يستعد لها الإنجليز ويتحدث عنها المصريون. فليس عندي شك ولا شيء يشبه الشك في أن هؤلاء العفاريت، قد قدموا من صحراء الأحقاف، نذيراً بمقدم هذه الطوارئ، وطليعة للحوادث الجسام التي قد تحدث بعد أيام. وأكبر الظن أن هؤلاء العفاريت كانوا أول جيش ضخم من الجن، سينتشر بعد حين في أقطار مصر، وأخشى أن يؤثر الاستقرار في دور الموظفين. فمن يدري لعل أنباء الأزمة قد سبقت إلى هؤلاء العفاريت فعلموا أن اليسر في هذه الأيام إن أتيح لأحد في مصر فقد أتيح للموظفين دون الزراع الذين فسدت زراعتهم والتجار الذين بارت تجارتهم، والصناع الذين كسدت صناعتهم. وإذن فلابد للموظفين من أن يستعدوا لهذه الطوارئ الغريبة التي ألمت بواحد منهم أمس أو أول أمس وتوشك أن تلم بهم جميعاً في الأيام المقبلة. وكيف يستعد الموظفون لهذه الطوارئ من العفاريت؟ لابد من تدبير الخطط، ووضع البرامج، ورسم المناهج، والاستعانة بآراء الفنيين من أصحاب العزائم والطلاسم، والبارعين في السحر، والقادرين على طرد العفاريت، أو حبسهم في القماقم، وإلقائهم في أعماق البحار…
    ولعل الموظفين، يحسنون إن دعوا إلى مؤتمر عام يدرس أمر هؤلاء العفاريت، ويلتمس أقرب الوسائل إلى دفع شرهم، واتقاء مكرهم والتخلص مما يضمرون من الكيد… مهما يكن من شيء فظهور العفاريت في مصر دليل على أن الأرض تدور،
    وعلى أن الأمور تريد أن تتغير بعد أن زهدت في الركود والاستقرار.
    وإذن فحديث الطوارئ صحيح، والاستعداد للطوارئ محتوم، وظهور العفاريت أصدق في الدلالة على قرب هذه الطوارئ من انتداب المستر بترسون للنيابة عن المندوب السامي. وإذن فكيف يكون الاستعداد لحماية البلاد من الخطوب الشداد التي يمكن أن تطرأ بها الطوارئ، وتأتي بها الحوادث والنائبات؟
    هنا يختلف الساسة، استغفر الله، بل يختلف الكتاب في الصحف، فيكثر بينهم الأخذ والرد، والجزر والمد، والدفع والشد، في غير نفع ولا غناء. فأي استعداد للطوارئ يراد من المصريين، ومن أي المصريين يراد هذا الاستعداد؟ من الوزارة؟ فالوزارة لا تملك شيئاً، ولا تقدر على شيء، قد سمعت قول بشار:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنبه لها عمراً ثم نم
    وقد نبهت عمراً ثم نامت، وعمر هو المندوب السامي إن شئت، أو بعض الإنجليز المقيمين في مصر إن أحببت. فخير استعداد تأتيه الوزارة لهذه الطوارئ هو أن نمضي في النوم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. من الشعب؟ فماذا يراد من الشعب؟ إن الشعب لا يبتغي ثورة، ولا يفكر فيها، ولا يراها وسيلة من وسائله إلى الحرية والاستقلال الآن، وإن الشعب يريد الاستقلال الصحيح في حياته الخارجية، ويريد الحرية الصحيحة الديمقراطية في حياته الداخلية، وينكر أشد الإنكار وأظهره كل ما يمس استقلاله أو يمس حريته، ويقاوم أشد المقاومة وأظهرها كل ما يراد به من تغيير الرأي في معنى الاستقلال، أو في نظام الحكم أو في أساليب السياسة. أظهر رأيه واضحاً جلياً منذ كانت الثورة، لم يتحول عنه ولم يتردد فيه، أيد رأيه بالعنف والتضحية بالأنفس والدماء حين أتيح له العنف والتضحية. ثم أيد رأيه بالصبر والثبات والحرص على المبدأ والاستقامة في المطالبة بالحق لم تصرفه عن ذلك محنة مهما تشتد، ولم تحوله عن ذلك فتنة مهما تعظم، أبلى في سبيل ذلك وزارات ووزراء، وأبلى في سبيل ذلك غير مندوب من ممثلي الإنجليز، وأبلى في سبيل ذلك محاولة الطغاة، وكيد الكائدين. فماذا يراد من الشعب، وماذا يطلب إليه، بل ماذا يراد من زعماء الشعب وقادته؟ إنهم يصورون أصدق تصوير وفاء الشعب لمبدئه وحرص الشعب على حقه، وإباء الشعب للضيم، وامتناع الشعب على ظلم الظالمين. يراد منهم ماذا؟ أن يساوموا؟ أن ينزلوا عن بعض الحق؟ أن يلينوا؟ أن يفرطوا في بعض الواجب؟ فإن حقوق الشعب لا تكسب بالمساومة، ولا تحفظ باللين ولا تنال بالتقصير والتفريط.
    وإذن فكيف يستعد الشعب وزعماؤه للطوارئ كما استعدوا لها دائماً وكما يستعدون لها الآن، وكما سيستعدون لها غداً؟ بالصبر على المكاره والثبات على المبادئ والإصرار على الحق، والمضي في المحافظة على الكرامة القومية، مهما تكن الطوارئ، ومهما تكن الخطوب.
    هذه هي خطة الشعب ليس له ولا ينبغي أن تكون له خطة أخرى، وهذه هي سبيل الزعماء ليس لهم ولا ينبغي أن تكون لهم سبيل أخرى، هم لا يرفضون حديثاً إن عرض عليهم الحديث، لا يرفضون بحثاً إن عرض عليهم البحث ولكنهم لا يساومون ولا يفرطون ولا يخافون.
    فمن شاء بعد ذلك أن يساوم فليساوم لحساب نفسه لا لحساب الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يلين فليلن في حق نفسه لا في حق الشعب، ومن شاء بعد ذلك أن يتعجل وأن يصل قبل أن يصل الناس، فإن الفرص قد تسنح، والظروف قد تتاح والمنافع قد تدنو من أصحاب المنافع، وإن في هذه الأبواب التي ستفتحها الطوارئ لمدخلاً واسعاً لمن يريدون الدخول، بعد أن طال عليهم الانتظار…
    طه حسين
    الوادي، ٢٨ / ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عقول . . .
    ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.
    عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤولها بعكس ما يجب أن تؤول به، وتعللها بأضدادها ونقائضها، لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة، ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج، لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف. وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهراً لبطن، أو بطناً لظهر، ورأساً على عقب، أو عقباً على رأس.
    هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلاً عنهم أو تنكراً لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال، لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافاً، وأن يلون بأعظم الألوان تبايناً، ولاسيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.
    ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين، فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفاً وذعراً، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد، فالرجل لم يكن مواتياً ولا مسالماً أثناء إقامته في مصر. وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه. ويعرب -وما أقل ما كان يعرب- عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار بأن فلاناً سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشاراً للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.
    هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماساً لأسداس، وأسداساً لأخماس، فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم.
    ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات، وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين. وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشاراً منها في بيئات المعارضين. ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي ومن وزارة الخارجية في لندن أو حول وزارة الخارجية في لندن.
    وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئاً وقالت وزارة الخارجية البريطانية، وقالت الحوادث معها شيئاً آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جداً من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضاً. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.
    وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجأوا إلى الأماني والآمال. وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.
    وليس من شك بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون. ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أموراً كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.
    وكذلك أشيع ثم نشر في المقطم أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئاً. ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه المقطم أيضاً وانتقل الأمر من المقطم إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.
    وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين، وسيرة الوزارة. فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كباراً وصغاراً، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان، وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرأوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلاً عن تقصير الأجازة وإطالتها، وفضلاً عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رئاسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلاً مفاجئاً في غير سؤال، ولا حساب، ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلاً من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل. وهذه وزارة وتلك وزارة.
    وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا، ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل ولم يعلم من أمر ذلك شيئاً إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في الأهرام.
    ولا ينبغي أن تقول للوزاريين إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة وأن الإنجليز غير مصريين وأن تقاليد العزل، والفصل، والنقل، والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد. لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئاً من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئاً من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطاني يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين، فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث. فمن يدري! لعل المندوب السامي إنما أطيلت أجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شؤون السياسة في مصر. ومن يدري لعل إطالة الأجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثراً. ومن يدري لعل الذين سعوا إلى إطالة الأجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر. وإذن فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضاً أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.
    فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز. وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف. وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا أجازته وأن ينيبوا عنه فلاناً دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه، وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون. وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير. ولكن ماذا تريد أن تصنع أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟ .
    مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعاً، هي أن المندوب السامي، قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي. فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم. ومن هنا يؤمن المصريون جميعاً بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه مضطرب كثير الاضطراب.
    فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.
    ألم أقل لك إنها عقول؟ . .
    طه حسين
    الوادي، ٣٠/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي.
    خطر…
    هو هذا الذي تتعرض له القاهرة منذ أيام، ظهرت بوادره يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.

    وقد نوفق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن خطراً عظيماً، قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه، ولا يفلتون منه.

    فإذا بحثت عن مصدر هذا الخطر ذكرت الوزارة إهمال جماعة من الموظفين المسؤولين عن بعض الأدوات سؤالاً مباشراً، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقفت بعض هؤلاء المسؤولين عن العمل، ونقلت بعضهم إلى عمل آخر، وانتقصت نصف شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلت أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مضت تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.

    وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة، فيما اتخذت من إجراء، وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضاً، أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها وإسراعها في مواجهة الخطوب.

    ولكن من الحق على الوزارة أن تبين للناس أموراً تحتاج إلى البيان، فهؤلاء الموظفون الذين عوقبوا لم يهملوا إلا لأنهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاوناً عاماً، وتقصيراً شاملاً، وكسلاً مطبقاً، فتهاونوا فيمن تهاون، وقصروا فيمن قصر، وكسلوا فيمن كسل. وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وأن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحداً من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية. بعضهم يستريح في إجازة، وبعضهم يستريح في عمل قد ندب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين، على ساحل الإسكندرية الجميل. وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء، ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام، وهم يستريحون إذا أقبل الصيف، وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإنما يتاح لأصحابه، على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.

    ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضاً ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان، من دواوين الحكومة، في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس، ومرافقهم لأقبح الأخطار.

    وأخرى لابد أن تبينها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القطع، لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد، هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم.

    أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهداً على الأيام، بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد، ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة، وما تقدر عليه، من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب، فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء. إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يدفعوا إليها من لحظة إلى لحظة، دون أن يجدوا من يردهم عنها أو ينقذهم منها.

    كلا ليست هذه سيرة الحكومات التي تعرف معنى الحكم وتقدر واجباته وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب، أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار، التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.

    إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاح الفاسد، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم، ومن الجائز جداً أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة، إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن، وتبعة هذا الشر العظيم، لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عوقبوا أو سيعاقبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة، ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين، ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدوا العمل الذي يؤجرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يؤتمنون عليها.

    هؤلاء هم المسؤولون، وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يسألوا ولن يحاسبوا، ولن يغيروا من سيرتهم شيئاً، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية، حتى يعود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردد كبار الموظفين وصغارهم، بين القاهرة والإسكندرية، بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماساً للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء…

    طه حسين
    الوادي، ١٤/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إنقاذ…
    من حق الصحف الوزارية والصحيفة التي تعرب عن رئيس الوزراء خاصة، أن تحمد الله لأنها غير مقروءة ولا واسعة الانتشار كما يقولون؛ فلو أن الناس يقرأون ما تنشر لهم هذه الصحف من السخف، وما تحاول أن تذيع فيهم من لغو الحديث، لما حُمدت عاقبة ذلك ولا اطمأنت إليها.
    فالقراء المصريون يمقتون الصحف التي لا ترضيهم ويزدرون الكتاب الذين لا يصورون آراءهم ولا يخدمونهم في خلاص ونصح، وهم يكتفون بالإعراض عن هذه الصحف، والانصراف عن هؤلاء الكتاب، ولكنهم فيما نعتقد لا يقبلون ولا ينبغي لهم أن يقبلوا أن تسخر منهم الصحف، وأن يعبث الكتاب بعقولهم ومصالحهم إلى هذا الحد المنكر الذي انتهت إليه صحف الوزارة.
    هذه صحيفة من هذه الصحف، تهنئ الوزارة صباح اليوم لأنها أنقذت مصر من خطرين داهمين، أنقذتها من خطر الفيضان، وأنقذت عاصمتها من خطر المجاري.
    وهذه الصحيفة لا تكتفي بتهنئة الوزارة والإغراق في الثناء عليها، ولكنها تنال خصوم الوزارة باللوم العنيف؛ لأنهم لم يعينوا الوزارة ولم يهدئوا الناس حين ألمَّ الخطب، كما أنهم لم يحمدوا للوزارة بلاءها ولم يعرفوا لها جهودها، ولم يسجلوا لها الفضل تسجيلاً بعد أن انكشف الضر، وأمن المصريون على الأنفس والأموال، وعلى الصحة بوجه عام.
    نعم هذا كلام يكتب في بعض الصحف، ويستطيع الذين يكتبونه أن يطمئنوا إلى أنفسهم، ويستريحوا إلى ضمائرهم وينظروا إلى وجوههم في المرآة. وقد نفهم ألا يستخزي الذين يكتبون هذا الكلام عن لقاء الناس، فهم عند الناس أبرياء لأن الناس لا يقرأون ما يكتبون ولا يعلمون بما يهذون به، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه ولا أن نسيغه هو أن تطيب الراحة والطمأنينة إلى النفس والضمير لقوم يبيحون لأنفسهم هذا العبث بالعقول، هذا الضحك على الأذقان؛ لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يرضوا هؤلاء الذين يمكنونهم من أن يدفعوا عن أنفسهم ألم الجوع.
    كثير على مصر حقاً أن يكون بين أبنائها من يزعم لها أن الوزارة القائمة خليقة بالثناء لأنها أنقذت القاهرة من خطر المجاري، وردت عن أهلها هذه الجلود البشعة التي يثيرها هذا الخطر فيفسد بها الجو، ويملأ بها الهواء ويلوث بها الماء ويسلطها على نفوس الأبرياء.
    كثير على مصر حقاً أن يستطيع بعض أبنائها أن يزعم لأهل القاهرة أن الوزارة قد أنقذتهم من هذا الشر، وهم يرونه بأعينهم ويحسونه بأنوفهم، ويضطربون له إذا أصبحوا، ويأرقون له إذا أمسوا، ويحيون حياة كلها تنغيص إن خرجوا من دورهم أو استقروا فيها، على حين ينعم الوزراء بالحياة الهادئة المطمئنة، وبالترف الناعم اللذيذ، في ثغر الإسكندرية الجميل.
    كثير جداً على مصر أن يوجد بين أبنائها من يمجد المقصر وهو مغرق في التقصير، ويحمد المتهاون وهو غارق في التهاون، ويطلب من المصريين البائسين أن يرضوا عن وزرائهم المقصرين، وألا يكتفوا بالرضى وإنما يضيفون إليه الحمد والشكر والثناء، ومن يدري لعلهم يطلبون إلى المصريين غداً أن يقيموا الصلاة في المساجد والكنائس، يضرعون فيها إلى الله أن يزيد الوزراء نعمة على نعمة، وترفاً إلى ترف، لأنهم أنقذوا أهل القاهرة من الشر، ودفعوا عن حياتهم وصحتهم كل مكروه.
    يجب أن يكون المصريون قد هانوا على هؤلاء الكتاب حقاً، أو أن يكون هؤلاء الكتاب قد هانوا على أنفسهم حقاً، فليس من الممكن أن يصدر هذا العبث بالعقول عن هؤلاء الناس إلا إذا كانوا قد هانوا على أنفسهم فهم لا يقدرون حياء، أو هانت عليهم أمتهم فهم لا يرجون لها وقاراً.
    أنا لنحرص أشد الحرص على حمد الوزراء والثناء عليهم، فضلاً عن تشجيعهم وتسجيل الفضل لهم، ولكننا نحب أن نرى لهم فضلاً يستحق التسجيل، وبلاءً يستوجب الثناء، وغناءً يستحق الشكر والتقدير. نحب على أقل تقدير أن نشعر بأنهم يشاركون الناس فيما يلقون من خطب، ويألمون معهم بما يحتملون من عناء، ويشاطرونهم بعض ما يلم بهم من الشقاء، يجب أن يشعر الناس بأن الوزراء المصريين يشقون مع المصريين ويألمون معهم، نحب أن يعلم الناس أن أهل القاهرة لم يتركوا لما يلم بهم من الخطر يشقون به وحدهم، ويشفقون منه وحدهم، وإنما أقبل الوزراء وكبار الموظفين فأقاموا معهم، وشاركوهم في احتمال ما يحتملون، وقد خفت وطأة الصيف واعتدل جو القاهرة لولا هذا الهواء الموبوء الذي أفسدته المجاري. فليظهر الوزراء لنا مشاركتهم للمصريين وإخلاصهم في هذه المشاركة وحرصهم على أن يؤدوا الواجب؛ لا نقول الواجب الوطني العام، بل نقول واجب منصبهم الخاص، فيسرعوا إلى المنكوبين فيقيموا معهم. نحب أن نرى هذا لنعرف أن الوزراء منا، وإننا منهم، وأنهم يألمون لآلامنا، ويشقون لشقائنا، ولكن ماذا نرى؟ نرى الوزير المختص يزور القاهرة لماماً، ونرى رئيس الوزراء يقضي في القاهرة ساعات، ونرى الوزراء الآخرين يشفقون من القاهرة إشفاقاً، ويعرضون عنها إعراضاً، نستغفر الله، بل نرى مدير مصلحة الصحة نفسه مقيماً في الإسكندرية لا يبرحها، يشرف على القاهرة من بعيد، ويحمي حياة أهلها بالتليفون، ثم يطلب إلى خصوم الوزارة أن يكذبوا على أنفسهم وعلى الناس فيزعموا أن القاهرة قد أنقذت من الخطر، وأن يضللوا أنفسهم ويضللوا الناس فيسجلوا للوزراء فضلاً لم يتح لهم وعملاً لم يقدموا عليه، ثم يثنوا بعد ذلك على الوزراء، ويقدموا إليهم من الزهر طاقات وأكاليل.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة يلاحظون في ألم لاذع أن وزراءهم ينعمون بالهواء الطلق والنسيم العذب والحياة الحلوة والبحر الجميل والترف الذي لا حد له، على حين يشقون هم بما لا ينبغي أن يشقى به أحد في هذا العصر وفي بلد متحضر تنيف ميزانيته على الثلاثين من الملايين وتجبى فيه الضرائب في غير رفق ولا هوادة، ويزعم حكامه للناس أنه قد بلغ من الرقي ما بلغه غيره من أهل البلاد الراقية المتحضرة من وراء البحر.
    يجب أن يشعر الوزراء بأن أهل القاهرة لا يصدقون أنهم يشاركونهم حقاً في محنتهم ويرثون لهم حقاً مما ألم بهم من الخطب، وإنما هم يعتقدون أن الوزراء لا ينظرون إلى هذه المحنة الخطيرة على أنها كارثة وطنية أو هم لا يستطيعون أن يتصوروا كارثة وطنية، وإنما هي أوامر تصدر، وأموال تعتمد، وأوراق تمضي، واعتقاد بعد ذلك بأن الواجب قد أُدّي وبأن من أدى الواجب خليق أن يستمتع بالراحة والترف والنعيم.
    ما هكذا يؤدي الوزراء واجبهم في البلاد المتحضرة التي تقدر فيها كرامة الإنسان، وتحفظ فيها حقوق الشعب، وترعى فيها حرمات الحياة.
    لقد نشرت الصحف أن رئيس الوزراء كان يريد أن يذهب إلى دمياط في سفينة تترجح به على ظهر النيل، ثم بدا له فأرجأ هذه الرحلة، فظن الناس أنه سيأتي إلى القاهرة مع زملائه ليقيموا فيها ويشرفوا من كثب على ما يتخذ لإنقاذها من الإجراء، ولكنهم لم يلبثوا أن تبينوا أن رئيس الوزراء وزملاءه مقيمون في الإسكندرية لا يريمون، شهد بعضهم مأدبة نائب المندوب السامي يوم الأربعاء، وسيشهد بعضهم الآخر مأدبة أخرى يوم الثلاثاء، وسينتظر الباقون منهم مأدبة ثالثة يدعون إليها في يوم ثالث، وأهل القاهرة يشقون بهذه الأشباح التي تضطرب في جوهم حين يصبحون وحين يمسون، أشباح الوباء وما يستتبعه الوباء، كلا، لا ينبغي أن تطلب صحف الوزارة إلى خصوم الوزارة أن يسجلوا للوزراء فضلاً أو يحمدوا للوزراء بلاءً، وإنما ينبغي أن تقول هذه الصحف للوزراء ولكبار الموظفين ولمدير مصلحة الصحة: «ليس لكم في الإسكندرية مقام، وإنما مقامكم وأعمالكم وواجباتكم في القاهرة بين أهلها المنكوبين، فأسرعوا إلى العودة من مصيفكم، فقد يظهر أن الحياء يحرم عليكم أن تنعموا الآن بالاصطياف».
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلوم . . .
    هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب، فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثى له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية. ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء.

    فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همّاً وحزناً، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناءً ونصباً.

    ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تذلل، والمشكلات التي لا تريد أن تحل. فهو مظلوم حقاً، وأصدقاؤه والعاطفون عليه، والراثون له، معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    تستطيع أن تحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات -بل في بعضها- ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعوراً بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالاً للأثقال. صمت وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع؛ إن سكت تساءل الناس فيم يفكر، وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب روعاً واضطربت النفوس هلعاً، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان؛ إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرؤوس، وأذن مؤذن في الملاك والزراع، وفي الدائنين والمدينين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهول، وأقبلت ساعات الروع، فهلم إلى رئيس الوزراء، لعله يشفى الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجاً من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفى داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجد مخرجاً، ولا يزيل حرجاً. وإنما يسمع ويسمع، ويجد ألم الصداع ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزراع وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة فيما يرى، نامية موفورة الثمرات.

    يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله، لتعلم أن رئيس الوزراء مظلوم حقاً، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أن رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئاً من ذلك لا يثير في نفسه رحمة، ولا هوادة، ولا إشفاقاً، وإنما يمضي فيما يقول، لا فيما يعمل، فيزيد رئيس الوزراء تعباً إلى تعب، وحرجاً إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للملاك والزراع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماض في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يعفي أحداً، ولا يسمع كلاماً في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد، ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف، إن الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

    ألست ترى معي أن رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟».

    ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به، ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة ويثير له في كل يوم غباراً يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يقصي أستاذاً من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذاً من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حساباً لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية، فرئيس الوزراء مضطر إلى أن يحتمل، مكره على أن يذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟». وكان المنتظر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقاً بالرئيس، ورعاية له، وعطفاً عليه. فالقيسي باشا رجل هادئ، وإن كان حازماً، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

    وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من هم وغم، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة. ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وسعه الاحتمال، ويرجئ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خيل إلى الناس أن أمر الصحفيين قد كاد يستقر تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها، بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذم الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردد ولا وجل أن الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أن تمتاز بتشريع عنيف.

    وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة، فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلاً أنها تخاف الأجانب وتزدرى المصريين وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أن رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول فيه ما قاله موليير: (يا للشيطان ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟).

    رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحداً لم يظلمه. وإنما هو الذي يظلم نفسه، فقد كان يستطيع ألا يذهب إلى السفينة حين دعي إليها، وقد كان يستطيع وما زال يستطيع ألا يقيم في السفينة حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مضنية، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذب الظلم، ويستلذ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيراً من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إن من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

    طه حسين
    الوادي، ١٩/٩/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فقط . . .
    كلمة لا نحبها، ولكننا مع ذلك مضطرون إلى اصطناعها لأن الأهرام قد اصطنعتها صباح اليوم حين أذاعت في الناس نبأ الوليمة التي أقامها نائب المندوب السامي مساء أمس، ودعا إليها رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والمالية، أو وزيري المالية والداخلية «فقط».
    فهذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عنايتنا من هذا النبأ، ونرجح بل نكاد نؤكد أن هذه الكلمة وحدها هي التي أثارت عناية غيرنا من الذين قرأوا الأهرام صباح اليوم. فقد علم الناس جميعاً منذ أيام أن نائب المندوب السامي سيدعو رئيس الوزراء إلى الطعام، ثم اختلفت الروايات التي أذيعت في الناس، فزعم بعضها أن رئيس الوزراء سيشهد المأدبة وحده ليكون الحديث بينه وبين نائب المندوب السامي حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه، كما كان الحديث بين وزير المالية ونائب المندوب السامي، حراً طلقاً، وسراً مكتوماً لا رقيب عليه حين سبق وزير المالية غيره من الزملاء حتى الرئيس إلى طعام نائب المندوب السامي.
    وزعم بعضها أن الوزراء جميعاً سيشهدون هذه المأدبة مع الرئيس، إلا وزير المالية لأنه سبقهم جميعاً إلى الطعام على هذه المائدة الممتازة، وأكبر الظن أن هضم ما سبق إليه من غداء أو عشاء، يحتاج إلى وقت طويل لا يسمح له باستئناف الغداء أو العشاء مع زملائه الوزراء. وأكبر الظن أن وزير المالية رجل يحب الأناة والهدوء وفراغ البال والبعد عن الرقباء والاحتجاب عن العذال، لا يسيغ الطعام إذا كثرت المشاركة فيه، وإنما يستلذه ويسيغه ويجيد هضمه والانتفاع به، حين يخلو إلى من يحب دون أن يكدر عليه صفو الخلوة زميل أو غير زميل.
    وهو من أجل ذلك في أكبر الظن قد خلا إلى المندوب السامي بالأصالة في الصبرية، كما خلا إلى المندوب السامي بالنيابة في الإسكندرية لم يشاركهما في إحدى المأدبتين وزير أو من يشبه الوزير.
    وكذلك تردد الناس في مأدبة أمس وفيمن يحضرها: أتقصر على رئيس الوزراء أم تشيع بينه وبين زملائه جميعاً أم يستثنى منهم وزير ماليتنا العظيم، وأخذ الناس يعللون كل فرض من هذه الفروض ويقلبونه ظهراً لبطن، ويستخرجون منه ما يحتمل وما لا يحتمل من المعاني، ويحملونه ما يطيق وما لا يطيق من الأحلام والأوهام.
    وإذا الأهرام تنبئهم صباح اليوم بهذا النبأ وتضع لهم فيه هذه الكلمة التي لم توضع عبثاً ولم ترسل سدى وإنما وضعت لمعنى تدل عليه وغاية يريدها الكاتب.
    فما عسى أن يكون هذا المعنى؟ وما عسى أن تكون هذه الغاية؟ أول ما يفهم من «فقط» هذه أن كثرة الوزراء لم تشهد المأدبة ولم تدع إليها، وليس من شك في أن نائب المندوب السامي لم يعرض عن دعوة الوزراء الذين لم يدعهم بخلاً بالطعام، أو إيثاراً للاقتصاد، فهو أكرم من ذلك وأسخى، وهو يعلم من غير شك كيف يضع الاقتصاد في موضعه، وليس من شك أيضاً في أنه لم يعرض عن دعوة الوزراء زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم العذبة وفكاهاتهم الحلوة، وخواطرهم الرائعة وآرائهم الناضجة، فهو رجل مثقف وهو إنجليزي وهو من كبار وزارة الخارجية البريطانية وكل هذه خصال من شأنها أن تحبب إليه وزراءنا الأفذاذ والانتفاع بجدهم حين يجدون، والاستمتاع بفكاهتهم حين يهزلون.
    ومن وزرائنا والحمد لله، من يجد فيحسن الجد، ومن يتندر فيحسن التندر: منهم الفقيه الفذ كوزير التقاليد، ومنهم الشاعر الفحل كوزير الأوقاف، ومنهم من يتقن أمور الزراعة، ومنهم من يحسن ضبط النيل وحماية القاهرة من أخطار المجاري، ومنهم من يحسن الكلام في المرافئ والثغور، وفي ماضي المشروعات الكبرى ومستقبلها، وما أدت إليه، وما يمكن أن ينتظر منها؟
    وكل هؤلاء يجيد الحديث في هذا كله، ومن المحقق أن في الاستماع له ما يمتع رجلاً مثقفاً سياسياً كنائب المندوب السامي، وإذن فهو لم يعرض عن دعوة الوزراء إلى مأدبة أمس زهداً في لقائهم أو انصرافاً عن أحاديثهم، وإذن فما كلمة «فقط» هذه؟ وما معناها؟ وما بال الدعوة لم تعم الوزراء، وإنما خصت ثلاثة منهم؟
    يقول قائلون إنما كانت الدعوة خاصة لما بين وزير المالية ورئيس الوزراء من مظاهر الخلاف في هذه الأيام، ومن مظاهر خلاف يراه الناس شديداً ويجدون فيه تمرداً أو شيئاً يشبه التمرد، وتحدياً أو شيئاً يشبه التحدي، فآثر نائب المندوب السامي أن يكون واسطة خير بين المختلفين، ورسول صلح بين المختصمين، وأن يستعين بوزير الداخلية اللبق البارع على محو الخصومة أو تخفيفها وإزالة الخلاف أو تقريب آماده، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد كله أو بعضه واطمأن إلى أن الأمر بين رئيس الوزراء ووزير المالية يمكن احتماله، ويستطيع أن ينتظر موعد التغيير، الذي لا يدعه دون أن يحدث أزمة عاجلة سابقة لأوانها الموقوت لها، أمكن أن يدعى الوزراء جميعاً إلى مأدبة عامة يتصل فيها جد الكلام وهزله، ولا يحتاج فيها إلى التحدث في السياسة وشؤون السياسة، ودقائق الأمور.
    كذلك قال الناس، وهم الآن يتساءلون أوفق نائب المندوب السامي ووزير الداخلية إلى إصلاح الأمر أم لم يوفقا؟ أما نحن فلا نصدق من هذا كله شيئاً لأننا لا نعرف أن هناك خلافاً بين وزير المالية ورئيس الوزراء، وإنما نعرف بل نؤكد أن الوزراء يتعاونون في وفاق كامل شامل كما صرح رئيس الوزراء منذ أيام. ورئيس الوزراء صادق إذا قال، فالوزراء متفقون، والوزراء متضامنون والوزارة ثابتة مستقرة، لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وأحاديث الأزمة، والطوارئ والتعديل، هذا لغو في لغو، وإذن فما كلمة (فقط) هذه وما معناها ولم اقتصرت دعوة نائب المندوب السامي على ثلاثة من عشرة بين الوزراء؟
    سؤال لا يستطيع أن يجيب عليه إلا الراسخون في العلم، والراسخون في العلم الآن أربعة: نائب المندوب السامي ورئيس الوزارة وزميلاه. قل من شئت منهم ينبئك النبأ اليقين، ولكن أترى أحداً منهم يجيب إن وجهت إليه السؤال؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ / ٩ / ١٩٣٤.

  • قانون الكمامة: محاولة تكميم التاريخ والصحافة | The Gag Law: An Attempt to Silence History and the Press

    حديث الوادي
    خوف…
    يعلن الوزاريون أنه يملأ قلوب الصحافيين المعارضين من هذا النظام الجديد القديم الذي يقال إن الوزارة تهيئه في هذه الأيام لتأخذ به الصحف بعد حين، ونؤكد نحن مطمئنين أن هذا الخوف لا يملأ قلوب الصحفيين الذين يخاصمون الوزارة ولا يبلغها، ولا يرقى إليها، وإنما يملأ قلوب الوزراء وأنصار الوزراء وأتباع الوزراء من هؤلاء الصحفيين الذين يدبر لهم الكيد، وتتربص بهم الدوائر، وتلقى أمامهم الشباك.

    نعم نؤكد نحن أن الكتاب الذين يخاصمون الوزارة ويعارضونها لا ينفقون من هذا النظام الذي يهيأ لهم في هذه الأيام أو كان يهيأ لهم من قبل، أثناء الصيف الماضي، قبل أن تزل بصدقي باشا قدمه أو قدم الأقدار. وحين كان صدقي باشا مقيمًا في أوروبا يستشفي ويستريح، وتهيئ الظروف له أسباب السقوط، لقد تحدث إلينا من تحدث في تلك الأيام حين كان صدقي باشا معلقًا بين البقاء في الحكم، والنزول عنه بأن نظامًا جديدًا للصحف قد هيئ، وبأنه صارم، وبأنه مسرف في الصرامة، وبأن إصداره كان شيئًا مرغوبًا فيه، ولكن الظروف لم توات أصحابه، فلم يستطيعوا أن يصدوه. وقد يظهر أن الظروف واتت أصحابه في هذه الأيام، فهم يجدون في إصداره أن صح ما تذيعه المقطم من الأنباء. وقد يظهر أن هذا النظام يحب الصيف، ويحب جو الإسكندرية، ونسيمها العليل، فهو قد ظهر في الإسكندرية أثناء الصيف الماضي، وأكبر الظن أنه قد ولد من اتصال الأحاديث بين الذين تعنيهم الحرية وحمايتها، والنظام وإقراره. وأكبر الظن أن هذه الأحاديث كانت على ساحل البحر، حيث يجلس الناس، أو حيث يمشون، ينظرون إلى الماء والسماء، ويستمتعون بالنور والهواء. ومن هذه الأحاديث ولد هذا النظام فيما يظهر أثناء الصيف الماضي على ساحل البحر كما ولدت آلهة الحسن والجمال، والقد والاعتدال – فيما يقول العامة – من زبد البحر. ثم حالت حوائل، وعرضت شؤون، فلم يتح لهذا المولود الشقي أو السعيد أن يرى الضوء، وينعم بالحياة، وإنما ظل عامًا كاملًا مدفونًا في درج من الأدراج عند صاحبه الذي تمخض عنه رأسه العظيم.

    حتى إذا كان صيف هذا العام وعاد سادة اليوم إلى الإسكندرية ومسهم هواء البحر، فرد إليهم شيئًا من نشاط، وفضلًا من حياة، ووصل من أحاديثهم ما كان مقطوعًا، ذكروا ذلك المولود الموؤود، ففكروا في أن يردوا إليه الحياة. واتخذوا المقطم طريقًا إلى التبشير بمقدمه السعيد، فلما أنكره الكتاب المعارضون، ظنت صحف الوزارة أنهم ينكرونه إشفاقًا منه، وفرقًا مما يدبر لهم من الكيد، فليعلم الوزراء وأصحاب الوزراء، والذين يشيرون على الوزراء، والذين يؤيدون الوزراء، أن الكتاب المعارضين لا ينكرون هذا النظام خوفًا منه، ولكن خوفًا على الذين يفكرون فيه، وأن الخوف إن كان قد اتخذ من قلوب بعض الناس له مستقرًا، فهو لم يتخذ مستقره هذا في قلوب المعارضين، وإنما اتخذه في قلوب الذين يكيدون للحرية، ويمكرون بها، ويريدون التنكيل بالأحرار.

    هؤلاء هم الذين يخافون، ولولا ذلك ما كادوا للحرية. هؤلاء هم الذين يشفقون، ولولا ذلك ما مكروا بالحرية. هؤلاء هم الذين يهلعون، ولولا ذلك ما فكروا في التنكيل بالأحرار. إن الكتاب المعارضين لم يخافوا من طغيان صدقي باشا وعسفه، وقسوته، ولا مما شرع من قانون، واستحدث من نظام، وإنما ابتسموا لصدقي باشا وأحداثه التي استحدثها ابتسامة الإشفاق عليه، والازدراء لما كان يأتي من السيئات. ثم جاهدوا صدقي باشا ما وسعهم الجهاد وقد هوى صدقي باشا، وما زالوا قائمين، وقد حنى صدقي باشا رأسه وما زالت رؤوسهم مرفوعة، وقد عقد صدقي باشا أو عقدت الظروف لسانه، وما زالت ألسنتهم منطلقة، وقد انزوى صدقي باشا، ونسجت عليه العنكبوت رداءها وما زالوا هم في ميدان الجهاد يرفعون لواء الحرية خفاقًا، يظلون به ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز. فهم إذن لا يخافون، وهم إذن لا يشفقون، والذين ثبتوا لصدقي باشا وانتصروا عليه، يعرفون كيف يثبتون لعبد الفتاح باشا، وكيف ينتصرون عليه.

    كلا. إن الخوف لم يستقر في قلوب المعارضين، وإنما هو مستقر في قلوب هؤلاء الذين رأوا أن بأس صدقي باشا لم يغن عنه شيئًا، فظنوا أنهم يستطيعون أن يغنوا عن أنفسهم بعض الشيء إذا ذهبوا في القسوة والعنف إلى أبعد مما ذهب إليه ذلك الطاغية المسكين. فهم يستزيدون من القوة، وهم يبالغون في الاحتياط، وهم يسرفون في استعمال الشدة، وهم يأبون أن يتعظوا بالمثلات التي خلت من قبلهم، وهم يأبون أن ينتفعوا بالدروس التي ألقتها الأيام على صدقي باشا، وعليهم حين كانوا يعاونون صدقي باشا، وهم يأبون أن يصدقوا أن الإسراف في محاربة الحرية لا يزيد الحرية إلا قوة وشدة

    وثباتًا، وهم يأبون أن يصدقوا أن نور الحرية لا يطفأ بالأفواه، وأن نار الحرية لا تخمدها اللوائح والقوانين، وأن قلوب الأحرار لا يعرف الضعف إليها سبيلًا، وهم من أجل هذا يريدون أن يضيفوا شدة إلى شدة، وقسوة إلى قسوة، ونظامًا إلى نظام، لعلهم يعقدون ألسنة لا تريد أن تنعقد، ويحطمون أقلامًا لا تريد أن تخاف. هم يجهلون أن الحق واجد منفذه إلى نفوس الناس، مهما يقم حوله من الأنوار الشاهقة، لأنه أقوى من أن يفلت، وأمهر من أن يحصر، وأعز من أن تناله الأغلال والقيود. إنما يخاف الضعفاء الذين يخاصمون الحق، ويمانعون طبائع الأشياء، فهم في حاجة إلى التحصن والتحرز، وهم في حاجة إلى الاستزادة من النظم والقوانين. فأما الأقوياء الذين لا يريدون إلا الحق، ولا يرضون إلا الحرية، ولا يستبيحون لأنفسهم حياة الذل، فهؤلاء لا يخافون شيئًا مهما يكن بأسه شديدًا.

    إني لأبسم حين أقرأ هذا الفصل البديع الذي كتبه صديقنا الأستاذ عزمي في الجهاد صباح اليوم، أراه يشفق على التاريخ، وأراه يشفق على حرية النقد، وأراه يدافع عن التاريخ وحرية النقد، بحجج المنطق وبراهين التفكير المستقيم. لقد أضاع الصديق وقته وجهده، في غير غناء، إن الذين يكيدون للتاريخ ولحرية النقد، يعلمون أنهم يكيدون، ويعلمون أنهم يظلمون، ويؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإلى ضمائرهم بكل ما قال الصديق. فمحاولة إقناعهم ضرب من العبث، لأنهم مقتنعون أن خير نقد يساق إليهم إنما هو تشجيعهم على الإمعان في الشدة وحثهم على الاستزادة من القسوة، وإغراؤهم بالإسراف في محاربة الحرية. فهذا وحده هو الذي يريهم الحق ساطعًا لا شك فيه يوم يفشلون عما يريدون كما فشل صدقي باشا عما كان يريد، ويوم يعجزون عن إذلال مصر. كما عجز صدقي باشا عن إذلال مصر.

    فليكف المعارضون عن لوم هؤلاء الذين يأتمرون بالصحف، وليدفعوهم إلى هذا الائتمار دفعًا، فلن تخسر الصحف منه شيئًا، ولن يربحوا هم منه شيئًا، ولن يزال لواء الحرية خفاقًا في جو مصر مثل ملايين الأحرار من أبناء هذا الشعب العزيز الذي لا يعرف قلبه الخوف.

    طه حسين
    الوادي، ١٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    معصومون…
    هم سادتنا وحكامنا الذين تريد الوزارة القائمة أن تحميهم بالقانون، بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وأن تحظر على الصحفيين والناقدين وكتاب الأدب والتاريخ أن يتناولوهم بما لا يحب لهم الحاكمون القائمون. والحق أن أمر هؤلاء السادة المعصومين سيكون مشكلاً أشد الإشكال، غامضاً أشد الغموض، مثيراً لضروب من الشك لا تحصى وألوان من الريب لا تستقصى. فما نظن أن الوزارة تريد أن تحظر على الكتاب والمؤرخين ذكرى الموتى، على أي حال من الأحوال. وإنما هي تريد أن تحظر فيما يظهر نيلهم بما يسوء، أو بما لا يرضى.
    وإذن فمن الذين يحكمون في أن ما قاله الكتاب فيهم يسوء أو لا يرضى؟ أهم الموتى أنفسهم؟ فما رأينا ميتاً يخرج من القبر ليقاضي حياً فيما كتب عنه أو قال فيه. أم هم الأحياء من الحكام والوزراء؟ فقد نحب أن نعلم كيف يستطيع الأحياء أن ينوبوا عن الموتى فيما لم ينيبوهم فيه فيقولوا إن من شأن هذا الحكم أن يرضيهم، ومن شأن هذا الحكم أن يسوءهم، ومن شأن هذا الحكم أن يمسهم بالأذى.
    هذا نوع من التحكم ومن التحكم القبيح لا في الأحياء وحدهم، بل فيهم وفي الأموات.
    فقد أكتب فصلاً عن حاكم من الحكام انتقل إلى الدار الأخرى، وقد يعجز هذا الفصل عن إرضاء الوزارة القائمة، وتراه مسيئاً إلى هذا الحاكم الذي مات فتقاضيني في هذا الفصل. ومن الممكن أن يكون رأي الحاكم الميت في هذا الفصل لو قرأه حسناً، ومن الممكن أن يكون رضاه عنه موفوراً، فمن يدري لعل الموت يمحو من نفوس الموتى كل استعداد للضغينة وكل ميل إلى الانتقام، أو لعل الموت يغير صور الأشياء وطبائعها وقيمتها في نفوس الموتى فإذا هم يرضون بعد الموت عما كانوا يكرهون أثناء الحياة، وإذا الذين كانوا يخافون الحق ويفزعون منه، ويحاربون أصحابه وهم أحياء، قد أصبحوا يرضون الحق ويطمئنون إليه، ويحبون دعاته بعد الموت. وإذن فقد تقاضيني الوزارة رغم هذا الحاكم الميت الذي لو أتيح له النشور لقبل رأيي فيه، ولغير سيرته كلها، ولاستغفر الله والناس من تفريطه في ذات الله والناس، ومن يدري لعل الموت يرد الناس إلى الرشد، ويلهمهم الخير، ويحبب إليهم المعروف ويصلح نفوسهم بعد فساد، فهم يقبلون النصيحة بعد الموت، وقد كانوا يستكبرون عليها وهم أحياء، وهم يؤثرون العفو بعد الموت، وقد كانوا يؤثرون الطغيان وهم أحياء. فالوزارة حين تزعم لنفسها حماية الموتى من النقاد والمؤرخين لا تتحكم في النقاد والمؤرخين وحدهم، وإنما تتحكم في الموتى، وتوشك أن تعتدي عليهم اعتداء لعلهم لا يرضونه ولعلهم يثورون به ولعلهم ينتقمون من الوزارة من أجله فيروعوا الوزراء في النهار ويسلطوا عليهم الأحلام المخيفة في الليل. والحياة الدنيا غرور تخيل إلى الأحياء أنهم فوق النقد وأنهم فوق النصيحة، وأنهم فوق الإرشاد، وأنهم معصومون من كل ما لا يليق بالعظماء المقدسين. ولكن الحياة الآخرة بريئة من هذا الغرور، نزيهة من هذه الكبرياء، مطهرة من هذا الفساد، فما بال الوزارة تريد أن تتبع الموتى بما في هذه الحياة الدنيا من شر وإثم؟ وما بال الوزارة تريد أن تحمل الموتى من الآثام والسيئات ما لا يحبون أن يحتملوا؟ وهل أقبل ميت من الموتى إلى رئيس الوزراء أو إلى غيره من زملائه أو إلى مشير من مشيريه في يقظة أو نوم، فأنبأه بأن ناقداً قد نقده فآذاه أو بأن مؤرخاً قد وصفه فألمه، أو بأنه في حاجة إلى أن ينتقم له السلطان من هذا المؤرخ أو ذلك الناقد فظهر هذا الميل الغريب إلى حماية الموتى بقانون من النقاد والمؤرخين؟
    وهل لجأ رئيس الوزراء أو زملاؤه، أو مشيروه، حين رأوا وسمعوا شبح هذا الميت، وهم أيقاظ، أو هم نائمون إلى الذين يحسنون تلاوة الرقى، وقراءة العزائم وتعبير الأحلام ليتبينوا في غير شك أن الموتى يطالبون بهذا القانون، ويلحون في هذه الحماية، ويضجون من النقد والتاريخ؟
    إن رئيس الوزارة وزملاءه ومشيريه فيما نعلم قوم لهم حظ من ثقافة ومن ثقافة حديثة عصرية، قد تكون واسعة جداً، وقد تكون معتدلة، وقد تكون ضيقة إلى حد ما. ولكنها ثقافة حديثة على كل حال تعلم أصحابها أن الإنسان إذا مات خرج من أطوار الحياة كلها وأصبحت أعماله وسيرته ملكاً للتاريخ يقضى فيها كما يرى لا كما يريد الناس، ولا كما كان يريد هو. ونظن أن وزراءنا والذين يشيرون عليهم، قد عرفوا شيئاً من أخبار هذه القضية العظيمة التي كثر الحديث عنها في فرنسا منذ أعوام. فقد عرض بعض مؤرخي الآداب للكاتبة المشهورة جورج ساند فوصفها بسوء السيرة في حياتها، وآثر في وصفه شيئاً من الصراحة، وضاقت حفيدة الكاتبة بهذا المؤرخ لأنه يسيء إليها حين يسيء إلى جدتها فرفعت أمره إلى القضاء وردها القضاء خائبة، لأن جورج ساند ليست ملكاً لأبنائها بعد أن ماتت، وإنما هي ملك للتاريخ. أم هل يصح ما يتحدث به الناس من أن الذين يشرعون هذا القانون أو يشيرون به لا يفكرون فيمن مات، وإنما يفكرون في الأحياء، ويتنبأون بما قد يكون ويريدون أن يجعلوا وزراءنا بمأمن من النقد، بعد أن ينتقلوا من هذه الدار بعد عمر طويل؟ فهذا إسراف في الاحتياط وغلو في الكبرياء، وغرور تسبق به الحوادث وإغراق في الإيمان بالنفس وفي الثقة بالسلطان. على أن الإنسان الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه حياً من بعوضة تؤذيه لا يستطيع أن يحمي نفسه ميتاً من نقد النقاد، وتاريخ المؤرخين.
    ألا يوافقنا الوزراء والذين يزينون لهم شرع هذا القانون على أن هذا النحو من التفكير والتقدير ومن الفهم والحكم لا يليق بقوم مثقفين، يؤمنون إذا خلوا إلى أنفسهم وإذا تحدثوا إلى الناس بأن الحياة الدنيا لهو ولعب وغرور وبأن الإنسان إذا خرج منها فليس له على أهلها سبيل إلا أن يكون عظيماً قد سار فيهم سيرة حسنة وقدم إليهم من الخير ما يفرض عليهم حبه فرضاً.
    ثم ما بال الذين يريدون أن يمنعوا الناس من نقد الموتى في الصحف والكتب يقفون بغرورهم عند هذا الحد، والحق عليهم أن يمنعوا الناس من نقد الموتى بالألسنة وبالضمائر أيضاً، وأن يشرعوا قانوناً يحظرون فيه على الأحياء أن يذكروا الأموات كتابة أو لفظاً أو تصويراً أو إشارة أو تفكيراً بغير ما يحبون، وأن يهيئوا لتنفيذ هذا القانون جيوشاً من الإنس تراقب الناس إذا تكلموا أو كتبوا أو صوروا أو أشاروا وجيوشاً من الجن والشياطين تراقب الناس إذا فكروا أو تدبروا أو اضطربت نفوسهم بالخواطر التي يكرهها الأموات؟
    وأخرى لست أدري كيف لم يفطن لها الوزراء والذين يزينون للوزراء شرع هذا القانون الغريب وهي الإساءة الشنيعة إلى سمعة مصر في العالم المثقف كله فسيسجل الناس في جميع أقطار الأرض يوم يصدر هذا القانون أن كل ما يروى في مصر من الأنباء، وكل ما يكتب من النقد، وكل ما يؤلف فيها من التاريخ مزيف مدخول لا ينبغي قبوله، ولا الاطمئنان إليه، لأن النفاق والكذب، وتشويه الحقائق وتملق الأحياء والموتى؛ كل هذا يفرض في مصر بقانون.
    ما أجدر الوزراء أن يفكروا، وما أجدر الذين يزينون للوزراء، أن يفكروا فإن خوف الناس من النقد لا ينبغي أن يجشمهم هول الاعتداء على الحق والأخلاق.
    ولقد تحدثنا السير بأن ابن الزبير هاب الموت في بعض أيامه مخافة أن يمثل به الحجاج، فقالت له أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً: يا بني إن الشاة إذا ذبحت لا تألم من السلخ.
    فليذكر الذين يشرعون هذا القانون أن الإنسان إذا خرج من هذه الدنيا لا يؤذيه النقد، ولا يؤلمه التاريخ.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٣١ .

    حديث الوادي
    رجوع …
    يقال إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال إن العدول إلى الصواب خير من المضي في الخطأ، ويقال إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور، ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.
    ذلك أن الرجوع إلى الحق يكف عن الناس شر التمادي في الباطل، فهو يجنبهم آلاماً وأثقالاً، ويصرف عنهم آثاماً وأوزاراً، وهذا خير مهما يكن مصدره.
    وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.
    فمن الناس من يقول إن الوزارة قد أجلت أو أريد أن تؤجل هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة، ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعاً. فلا معنى لإصدار التشريع، قبل أن تنتهي المفاوضات.
    ومن الناس من يقول إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلاً، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير، وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.
    ومهما يكن من شيء فإن في موقف الوزارة تردداً واضطراباً، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون، ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون، وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر، ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولاً، ولانصرفت عنه انصرافاً. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين من كشف السر، ورفع الستر، وأظهر ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.
    ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجل عليهم ضعفاً وإحجاماً، فرب ضعف خير من قوة، ورب إحجام خير من إقدام.
    ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع والمهل خير من التعجل، وقد كان يقال إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يتح له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان، في دورته الماضية.
    وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جد أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام. والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه، والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة، فهل يفهم من هذا أن قوماً لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول. وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه، لأن في هذا الرفض خذلاناً للوزارة، وتنكراً لها، وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجر به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد.
    وكان يقال أيضاً أن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة، إلى أبعد غايات الضيق. ويريد أن ينظم المحاماة تنظيماً يخضعها لسلطان الوزارة أشد الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيماً ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة، وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا. وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء كما قلنا في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.
    وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكن واحداً منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقاً، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقاً فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعاً. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة. لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم، وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف، دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجدوا فيها إن أحببتم الجد، فأما شؤون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها، إثماً محظوراً وحجراً محجوراً، لا يدنو منه أحدكم، إلا رد عنه أعنف الرد وصد عنه أشنع الصد، فإن كنتم في ريب من هذا فقيدوا نقاد الموتى وكتاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون. قال الراوي: فلما سمع من ألقي إليه هذا الحديث لهجة هذه اللطائف المزعجة وصوته المخيف، اضطرب أشد الاضطراب، وقص الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شؤون الغيب فلم يزده إلا خوفاً وروعاً. هنالك أحجم ونصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن: موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة، لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش…
    أما نحن فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضاً، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفاً، وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح. . .
    . طه حسين
    الوادي، ٩/٣/ ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    غرابيل…
    لا تنكر هذا العنوان، ولا تجد فيه شيئاً من الغرابة، فهو عنوان فيما يظهر ملائم لحقائق الأشياء ومطابق للحاجة أيضاً. فلابد لأعمال الوزارة من غربال، ينقى منها الخبيث، ويستبقى منها الطيب. والأصل في هذا الغربال، أو في هذه الغرابيل أن تكون في دار النيابة قبل كل شيء. حيث مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، وأن تكون في غير مجلس النواب، من هذه البيوت، المنبثة في أنحاء القاهرة، والإسكندرية والتي تصدر منها الصحف. فهذه الغرابيل خليقة أن تتناول أعمال الوزارة بالتنقية والتنظيف وبالتنقيح والتطهير، حتى تصبح ملائمة للمصلحة، مطابقة للحاجة بريئة من الأذى.

    ولكن الوزارة فيما يظهر لا تحب الغربلة، ولا تريد أن تمر أعمالها بالغرابيل، فأما غرابيل البرلمان، فإن الوزارة تخلص منها كلما وجدت إلى الخلاص منها سبيلاً. تخلص منها أثناء انعقاد البرلمان بالمداورات والمناورات، وبالترغيب والترهيب أيضاً، فيما كان يقول الصدقيون، ولكنها تخلص منها بنوع خاص، بطريقة فيها مهارة وبراعة، وهي طريقة الإرجاء والتأجيل، وإصدار القوانين أثناء غيبة البرلمان.

    كذلك خلصت الوزارة من غرابيل البرلمان، في أمر المحامين وفي أمر امتحان الدور الثاني لكلية الحقوق، وفي أمر هذه الاعتمادات المالية التي لا تنقضي، ولا تريد أن تنقضي.

    وكانت تريد أن تخصص منها في أمر الصحافة أيضاً وكادت تبلغ ما كانت تريد لولا أن غربالاً خفياً لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا قد ظهر لها من حيث لا تحتسب. فهز أمر الصحافة هزاً وغربله غربلة، وقسمه أقساماً ثلاثة نشرتها صحيفة من صحف المساء أمس. وسنتحدث عنها بعد حين.

    فأما غربال الصحافة فالوزارة تضيق به، وتسخر منه في وقت واحد تضيق به، وهي لذلك تود لو قطعته تقطيعاً وتحزن كل الحزن لأنها لا تستطيع أن تبلغ من تقطيعه ما تحب، وتسخر منه لأنها لا تحفل بما يقول، ولا تعبأ بما يدلها عليه من خطأ أو بما يدعوها إليه من صواب. وهي على ذلك تركب رأسها لا تقف عند إرادة البرلمان، ولا تصغي إلى نصح الصحافة، وإنما تقف عند أشياء أخرى لا تستطيع أن تمر بها معرضة عنها أو مخالفة عن أمرها، وهذه الأشياء فيما يظهر هي التي حالت بينها وبين ما كانت تريد من تنكيل بالصحافة والصحفيين.

    فقد يظهر أن الوزارة عجزت حقاً عن إنفاذ إرادتها في الصحف، وقد يظهر أنها مضطرة إلى الاعتراف بهذا العجز، شديدة الاستحياء من هذا الاعتراف. وأن الصحف التي تؤيدها والصحف التي تواليها من بعيد، تريد أن ترفق بها، وتعطف عليها، وتنظم لها التراجع، وتظهر عجزها في مظهر الكرم والجود، وفي مظهر الرحمة والعطف وإيثار التمهل والأناة.

    كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغير من بعض المواد في قانون العقوبات لتشتد في حماية الأعراض والآداب، وفي حماية هيبة الوزراء والحاكمين. وكانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تغل التاريخ وتقيد كتابه، وتحمي الموتى من النقد، ثم كانت الوزارة تريد -لأن موظفاً كبيراً من رجال القانون نصح لها بما كانت تريد- أن تعيد النظر في قانون المطبوعات وتستحدث للصحف نظاماً جديداً، ضيقاً، دقيقاً، ينفذ في المصريين والأجانب معاً. وكانت إرادة الوزارة فيما يقال حازمة عازمة، وماضية مصممة ومتعجلة لا تحتمل الريث ولا الأناة، لأنها مؤمنة بعصمة هذا الموظف الكبير من رجال القانون، وبأنه إذا فكر لم يخطئ، وإذا نصح لم يغش، وإذا قال لم ينطق عن الهوى. وكانت الوزارة آمنة من غرابيل البرلمان لأن البرلمان غائب، ولأنه إذا اجتمع فسيرى نفسه أمام أمور واقعة ليس تغييرها بالشيء اليسير.

    وكانت الوزارة ساخرة من غرابيل الصحف. وكيف تحفل بالصحف، وهي تريد أن تنكل بها تنكيلاً، ولكن الوزارة كانت تريد شيئاً، والله عز وجل كان يريد شيئاً آخر. وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له من أحد مهما يكن حتى ولو كان موظفاً كبيراً من رجال القانون. فأما تقييد التاريخ ووضع الأغلال في أعناق المؤرخين وأيديهم، فقد عدلت عنه الوزارة فيما تقول صحيفة من صحفها، عدولاً نهائياً. واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب وإلى أن يرضى أو يسخط على أن التاريخ قد أفلت من سلطان الحكام، واحتفظ بحريته المقدسة، وأما إعادة النظر في قانون المطبوعات واستحداث نظام جديد، ينفذ في المصريين والأجانب معاً، فقد أرجأته الوزارة إرجاء، فيما تقول صحيفة من صحفها أيضاً. إما ليعرض على البرلمان وإما لتفاوض فيه الدول الأجنبية، وإما للأمرين جميعاً، وإما لشيء آخر وهو أن يسلم هذا الأمر إلى النسيان. فيذهب فيما تذهب به الريح، واضطر هذا الموظف الكبير من رجال القانون إلى أن يرضى أو يسخط، على بقاء نظام المطبوعات، كما تركه صدقي باشا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولم يبق إلا حماية الأعراض، وأشخاص الوزراء والحكام. فيقال إن الوزارة جادة في ذلك ولكن صحيفة الوزارة تنصح لها بالإرجاء والانتظار حتى ينعقد البرلمان.

    وما دامت الوزارة قد عدلت عن ثلثي الاقتراح الذي قدمه إليها موظف كبير من رجال القانون، فمن اليسير أن تعدل عن الثلث الباقي، أو أن تنتظر به بعض الوقت.

    وقد صبر هذا الموظف الكبير من رجال القانون دهراً على اقتراحه هذا، فليصبر شهراً أو شهرين على ما بقي منه. وفي العجلة ندامة، يجب أن يتجنبها الراشدون، وفي الأناة سلامة يجب أن يتوخاها الأذكياء.

    ومن الممكن أن تسمع الوزارة لنصيحة هذه الصحيفة، وأن تؤجل الثلث الباقي من الاقتراح إلى أن يجتمع البرلمان ولاسيما إذا كان التعجل مخالفاً للدستور خارجاً على النظام، وأكبر الظن أن هذه الصحيفة إنما تمهد لتراجع الوزارة وتهون عليها احتمال هذا التراجع، وتهيئ لها طريقه، ومهما يكن من شيء فإنا نحمد لهذه الغرابيل الخفية حسن بلائها وما وفقت إليه من حماية التاريخ ومن الإبقاء على ما تستمتع به الصحافة من شيء يشبه الحرية، وليس هو من الحرية في شيء.

    وأكبر الظن أن هذه الغرابيل الخفية، هي ضمائر الوزراء وبعض المشيرين عليهم، والله عز وجل قادر على أن يوفق هذه الغرابيل إلى أن تؤجل القسم الثالث من اقتراح الموظف الكبير من رجال القانون، وهو قادر على أن يجعل يقظة هذه الغرابيل متصلة تحول بين الوزراء وبين مخالفة الدستور، ومصادرة الحرية، والتورط في مثل ما تورطت فيه إلى الآن.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٨ .

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .

  • أيام لا تنسى: ذكريات وطنية | Days Never Forgotten: National Commemorations

    حديث الوادي
    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    قدوة…
    تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
    وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
    ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
    ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
    تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
    إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
    إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
    إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
    إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
    ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
    كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
    إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
    وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
    ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
    ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
    لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
    لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
    إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
    وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    موعظة . . .
    ولكن قوما لا يريدون أن يتعظوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أن يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلاً إلى الشك، ولا طريقاً إلى الريب. يرون الحق واضحاً بيناً، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونه، ويرون النور ساطعاً ناصعاً فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق، عالياً يبلغ السماء فيسدون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه. ذلك أنهم لا يريدون حقاً، ولا شيئاً يشبه الحق، وإنما يريدون نفعاً عاجلاً، وعيشاً زائلاً، ونعيماً ينتهزونه انتهازاً وفرصاً يختلسونها اختلاساً. لا يعنيهم أن يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أن يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أن يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن. فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء . .
    أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم كما كان يقول سعد رحمه الله إلغاءً. أولئك قوم خُلقوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء. يرون شعباً كاملاً، قد اتفق رأيه وصح عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أن يكون سيداً في أرضه، حراً في وطنه، مسيطراً على أمره، فيأبون أن يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أن يصدقوا أن هذا الشعب يرى ما يرى، ويعلن ما يعلن، ويريد ما يريد. يخلقون لأنفسهم عالماً كاذباً، مصطنعاً يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطراباً لا يجدون فيه مشقة ولا جهداً، لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.
    أولئك قوم يمرون بالحياة، أو تمر بهم الحياة، فلا يؤثرون فيها، ولا يتأثرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة يحس الناس ثقلها وبغضها، ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحس من هذا الحلم الثقيل البغيض.
    أولئك قوم إن كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل، وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنك ما تراهم فيه من حول وطول ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترف، فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أثر، وبما يقيمون من مأثرة، وبما يبنون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.
    لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة أثر الهزيمة فلا ينفعهم ذلك لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يعظهم ذلك لأنهم لا يريدون أن يتعظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحاً في المكر والكيد، وإصراراً على اللجاج والعناد.
    ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكذاب، وظنوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغلوا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدون ويكدون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئاً ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثت في المصريين جميعاً، فأحيا القلوب، وقوى العزائم، وأبى لهذا الشعب أن يرضى إلا أن يكون عزيزاً حراً ومستقلاً صادق الاستقلال.
    قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثاب إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.
    أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعداً ومذهب سعد، ويحبون سعداً ومذهب سعد، ويوالون سعداً ومذهب سعد فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقربون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئاً.
    أولئك يرون المصريين في كل عام يحيون ذكرى سعد خيراً مما أحيَوْها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حباً، وازدادت عقولهم لسعد إكباراً، وازداد أتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعاً، ولا يريدون رجوعاً إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة واختلاس ما يمكن أن يختلس فيها من نعيم.
    أولئك رأوا أمس أنه لم يبقَ في مصر مصري إلا ذكر سعداً وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غداً، وسيرون في كل يوم مثل ما رأوا أمس، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.
    أولئك يحسبون أنهم مهرة، ويخيلون إلى أنفسهم أن استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون، وما أكثر ما ينسون، أن هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أن يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أن يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.
    أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون، وما أكثر ما يجهلون، أن الاستعمار أبرع من أن يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أن الذين يخدعونه ويستعينون به على الحياة لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أن يُذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.
    ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم، فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضح الأدلة وأنصعها وأبقاها؛ على أن الذين يحاربون سعداً ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأياً من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش، ولا يلتمسون شيئاً أكثر من العيش.
    ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس، كما أظهرت قبل أمس، وكما ستظهر في كل يوم، أن شعباً من الشعوب يستطيع أن يكون قوياً منيعاً، عزيزاً أبياً، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه. فليتعظ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أن يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أن يعيش إلا في ظلمة الجحود.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٤.

  • أزمة الجامعة: تفضيل الأجنبي على المصري | The University Crisis: Favoring the Foreigner Over the Egyptian

    حديث الوادي
    فضيحة . . .
    وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.

    ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.

    إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟

    فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.

    لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟

    نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.

    أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.

    فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    كتمان…
    تحار في فهمه العقول، ويعجز عن تفسيره أمهر الناس في حل الألغاز، وأقدرهم على كشف الأسرار، ورفع الأستار، مهما ينفق في ذلك من جهد ووقت، ومهما يحتمل في ذلك من مشقة وعناء.
    فقد وصل أمس إلى الأستاذ السنهوري هذا القرار الظريف الطريف الجريء البريء، الذي أصدره مجلس الوزراء بفصله من العمل في كلية الحقوق، فإذا هذا القرار العجيب الغريب، قد صدر في يوم السبت، الحادي عشر من هذا الشهر، ولم يعلم الناس من أمره شيئاً لا في يوم السبت، ولا في الأيام الخمسة التي تليه، فلما كان يوم الجمعة تحدثت “الجهاد” بأن إشاعة تشاع وأنباء تذاع بأن الوزارة تريد أن تفصل الأستاذ السنهوري. وتمنت “الجهاد” صادقة ناصحة للوزارة وللجامعة ألا تكون هذه الأنباء صحيحة.
    وفي ظهر هذا اليوم انتهت إلينا أنباء خاصة عن بعض الراسخين في العلم بأن ما نشرته “الجهاد” على أنه إشاعة لم يكن إشاعة، وإنما كان حقاً واقعاً قد تم وقوعه وقضى الأمر فيه. فاتصلنا ببعض هؤلاء الراسخين في العلم نسألهم عما نقل إلينا عنهم من الأنباء فأنكروا هذه الأنباء إنكاراً، ظاهره القوة، وباطنه الضعف، وخرجنا من الحديث معهم مرتابين. ثم كان المساء فبحثنا في المصادر المختلفة عن هذه الأنباء، أصادقة هي أم غير صادقة؟ أتمثل ما فعلت الوزارة، أم تمثل ما تريد الوزارة أن تفعل؟ فلم نستطع أن ننتهي إلى شيء قاطع، وإنما كان الأمر كله شكاً في شك. واختلاطاً في اختلاط.
    ثم أصبحنا يوم السبت فإذا الأهرام تنشر الخبر على أنه صورة للحق الواقع وعلى أن مجلس الوزراء قد أصدر قراراً لم يكن قد أذيع. ثم نقلت إلينا الريح، ونقل إلينا قطار البحر أن الأمر كان مكتوماً، وأن أصحاب الأمر كانوا يغلون في كتمانه، وأن الأمر كان خليقاً أن يظل مكتوماً حتى يتم تبليغ القرار إلى الأستاذ، أو حتى يعاد النظر في هذا القرار، بعد أن ظهر لرئيس الوزراء أن هناك كيداً يكاد، وكلاماً لا يصور الحق، وظلماً يجب رفعه، لولا أن عليماً بدخائل الأمور أراد أن يضع الحكومة أمام الأمر الواقع فألقى الأمر إلى من أرسله إلى الأهرام.
    كل هذا يدل على أن مجلس الوزراء قد اتخذ قراراً في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر، وعلى أن هذا القرار قد كتم أسبوعاً كاملاً أو ستة أيام كاملة إن أردت التحقيق والتدقيق. ولعلنا لا نغلو إن قلنا إن هذا الأمر لم يكتم على الصحف وحدها، ولا على الجمهور من قراء الصحف، وإنما كتم على قوم آخرين من شأنهم ألا يخفى عليهم مثل هذه الأنباء. فمن الطبيعي أن نسأل أنفسنا وأن نسأل الناس وأن نسأل الوزراء عن مصدر هذا الكتمان الغريب لهذا القرار الغريب. ومن المؤكد أن الخوف ليس هو مصدر هذا الكتمان فوزارتنا والحمد لله مستمتعة بالشجاعة التي لا تشبهها شجاعة والقوة التي لا تدانيها قوة والجرأة التي لا يعرف لها نظير في الشرق والغرب، فهي لا تخاف أحداً من الناس، وقد يخافها الناس جميعاً، وهي لا تخاف من شيء، وقد يخاف منها كل شيء. وماذا يمكن أن تخاف الوزارة من إعلان هذا القرار وهو لا يزيد على أنه يفصل أستاذاً من أساتذة الجامعة لم يبلغ الأربعين ولم تتعلق عليه الوزارة بمخالفة ثابتة لقانون من القوانين أو نظام من النظم، أو أصل من الأصول. وإنما قيل لها كلام فسمعته، ونقلت إليها أحاديث فصدقتها. لم تحقق ولم تسأل، ولم تجد في تبين الصواب. وهذا أيسر ما يصدر عن الوزارات القوية في مثل هذا العهد السعيد. وليس من شك في أن الوزارة لم تخف غضب الجامعيين. فقد أصبح الجامعيون والحمد لله لا يخافون ولا يرهبون، قلوبهم هادئة، وطباعهم مطمئنة، وضمائرهم مستريحة، وألسنتهم مؤثرة للصمت، وأقلامهم تستريح من حر الصيف. وهم مؤمنون للوزارة يصدقونها إن قالت، ويطيعونها إن أمرت، ويتأثرونها إن فعلت، وهم واثقون بأن الوزارة معصومة لا تنطق عن هوى ولا تصدر عن خطأ، ولا تتورط فيما لا يليق، فهم مطمئنون إليها كل الاطمئنان، وآية ذلك أن زميلاً لهم قد فصل فصلاً، في غير تحقيق ولا سؤال، فلم ينكروا شيئاً، ومن يدري لعلهم لم يعرفوا شيئاً، وواضح جداً أن حدثاً كهذا الحدث لو وقع في بلد من البلاد، التي تحترم الجامعات فيها نفسها لاضطربت الحياة الجامعية اضطراباً. أما في مصر فالجامعة نائمة ولن تستيقظ حتى ينقضي الصيف. وكانت الجامعة فيما مضى منذ عامين أو أكثر من عامين تقدر مثل هذه الأمور إلى حد ما فالتاريخ يروي، والناس يتحدثون أن حدثاً وقع في الجامعة، منذ أكثر من عامين، فاضطربت له الحياة الجامعية اضطراباً شديداً، ويقال أن مدير الجامعة استقال. أما الآن فقد تعودت الجامعة حدوث الأحداث، فهي تلقاها بالصبر والثبات، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وانتظار الفرج الذي قد يجعل الأساتذة بمأمن من الفصل والنقل في غير سؤال ولا تحقيق. الجامعة تريد أن تعيش وتشفق من قطع العيش في هذه الأيام التي لا يجد الناس فيها ما ينفقون، وإذن فهي راضية بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون. وإذن فالوزارة لم تكتم قرارها خوفاً من الجامعة واحتجاجها، ولا من الجامعيين، وإلحاحهم في الإنكار. والوزارة لم تشفق من الطلاب. فالطلاب مفرقون في أنحاء الأرض منذ كان الصيف، ولو كانوا مجتمعين، لما أشفقت منهم الوزارة، وماذا تخاف الوزارة من الطلاب وهي مسلحة بالقوانين واللوائح، التي تبيح لها فصلهم، جملة وتفريقاً، وعندها الشرطة وعندها الجيش، اللذان يحسنان إعمال العصي والسياط وإطلاق النار إذا جد الجد؟
    والوزارة لم تخف من الصحف ومتى حفلت الوزارة بالصحف، أو حسبت لها حساباً، أو رجت لها وقاراً، ولو أن للصحف أن تثير الخوف في نفس الوزاراء لما كان بعض ما هو كائن، ولما أقامت الوزارة في الحكم أكثر من أيام.
    والوزارة لم تخف من الشعب ومتى خافت الوزارة من الشعب، وهي بحمد الله، قادرة على أن تحمل الشعب ما يريد وما لا يريد. لها القوة التي لا ترد والبأس الذي لا يطاق. وإذن فمم كانت تخاف الوزارة، وفيم كانت تحرص على هذا الكتمان، وتحبس هذا القرار المسكين وتحرمه حقه الطبيعي من الهواء والضياء والحياة الحرة الطلقة التي تنعم بها القرارات حين تصدر عن مجلس الوزراء؟
    قال قائلون كانت الوزارة تخاف من نفسها وترهب ظلها، وتشفق من ضميرها، فقد أصدرت هذا القرار، وهي كارهة له مترددة في إصداره، وكانت تريد أن تفكر وتقدر، وأن تستأني وتدبر، لعلها تطمئن إليه أو تعدل عنه. وقال قائلون آخرون، بل حرصت الوزارة على هذا الكتمان حتى يغيب عن مصر بعض من كان في مصر وبعض من لا يتحرجون من الدخول فيما لا يعنيهم، والسؤال عما لا ينبغي أن يسألوا عنه، فلما سافر من سافر، وغاب من غاب، رفعت الأستار، وتنفس القرار وحلق ثم طار وانتهى أمس إلى الأستاذ السنهوري. أما نحن فلا نصدق أن الوزارة خافت من نفسها، فلم يكرهها أحد على أن تصدر هذا القرار، ولا نصدق أن الوزارة خافت من غيرها، فالوزارة لا تخاف أحداً من الحاضرين، ولا من الغائبين وإذا كانت الوزارة لا تخاف من الشعب كله، فهي أكبر وأشجع من أن تهاب فرداً من الأفراد أو جماعة من الجماعات.
    وإذن فما مصدر هذا الكتمان، وما سر هذا التستر؟ يخيل إلينا أنه لغز من الألغاز سيظل محجوباً وسيلتمس له الناس ضروب التعليل والتأويل، دون أن يظفروا له بحل أو تفسير.
    وليس هذا غريباً فما أكثر ما في الكون والحياة من ألغاز يحار في فهمها العقل، ويعجز عن تفسيرها أعظم الناس حظاً من الذكاء. مهما يكن من شيء فإن وزارتنا قد وفقت إلى أن تضيف سراً غامضاً إلى أسرار الفلسفة العليا، سيتعب الفلاسفة في كشف الأستار عنه وهو مصدر هذا الكتمان لقرار لم يكن هناك ما يدعو إلى كتمانه. فهل للوزارة أن تكشف لهم الغطاء، وتبين لهم هذه الحكمة الخفية التي أسكتتها أسبوعاً عما لا تسكت الوزارات عنه يوماً ولا بعض يوم؟!
    طه حسين
    الوادي، ٢١/ ٨ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مبادئ . . .
    تخافها الوزارة القائمة كل الخوف وتفزع منها أشد الفزع حتى يخرجها ذلك عن طورها وينأى بها عما ينبغي لها من المهل والأناة، ويدفعها إلى أن تهمل نظم الجامعة إهمالاً، وتعرض عن مجالسها إعراضاً، وتفصل أستاذاً من أساتذة القانون، في غير سؤال ولا تحقيق، وتغلو في كتمان هذا الفصل كأنما تشفق من إعلانه فلا يذاع في الناس إلا عفواً أو بقصد رجل أراد أن يضع الوزارة أمام الأمر الواقع. وهذه المبادئ الخطيرة التي تخيف الوزارة إلى هذا الحد وتدفعها إلى ما دفعت إليه من هذا العمل الغريب الجريء، هي المبادئ التي وضعت لجماعة الشبان المصريين التي أنشأها الأستاذ السنهوري.
    ولعلك حين تقرأ هذا الكلام وترى حذر الحكومة وإشفاقها وجزع الوزارة وفزعها، تظن الظنون بمبادئ هذه الجماعة وتقدر لها مبادئ خطيرة حقاً، من شأنها إذا أذيعت بين الناس، أن تقلب النظام السياسي والاجتماعي رأساً على عقب، وأن تحدث في مصر أحداثاً جساماً لا ينبغي أن تحدث فيها. ولكن تمهل بعض الشيء، ولا تندفع كما اندفعت الوزارة إلى الفزع والهلع ولا إلى الخوف والإشفاق. فهذه المبادئ بريئة جداً يسيرة جداً، لا ينبغي لرجل يكرم نفسه أن يتخذ مبدأ يخالفها، أو ينأى عنها، وإنما هي المبادئ التي تكون الرجل الخليق بهذا الاسم، والتي ينتحلها لنفسه كل إنسان.
    هذه المبادئ ثلاثة: أولها تقويم الخلق، وثانيها تهذيب العقل، وثالثها تنمية الجسم. فحدثني عن رجل يرضى أن يكون خلقه معوجاً، أو يطمئن إلى أن يظن به الناس اعوجاج الخلق؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من حضارة لا يطمع في أن يقوم خلقه ما وجد إلى ذلك سبيلاً؟ وحدثني عن رجل له حظ ضئيل من ذكاء لا يحب أن يظن الناس به أن خلقه معتدل مستقيم؟ وإذن فماذا تنكر الوزارة من قوم يريدون أن يقوموا أخلاقهم ومن أستاذ يعينهم على تحقيق ما يريدون؟ وأي بأس على الوزارة من أن تكون أخلاق الناس مستقيمة ومن أن يطمح الشبان إلى أن يصدقوا في القول ويخلصوا في العمل ويجتنبوا الضعف والفتور، ويحرصوا على القوة ومضاء العزم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين أن تعتدل أخلاقهم وتستقيم، وأنها تريدهم على أن تكون أخلاقهم معوجة، وسيرتهم ملتوية ونفوسهم فاترة ذليلة وعزائمهم واهنة مغلولة؟ وهل تطمئن الوزارة إلى أن يظن بها الناس أنها لا تستطيع أن تحكم إلا إذا فسدت الأخلاق، ولا تستطيع أن تستقر في الحكم إلا إذا ساءت السيرة، وأنها تخاف الخير، وتشفق من البر، وترى الفضيلة لها عدواً خطيراً؟
    ثم حدثني عن رجل، مثقف أو متحضر، لا يطمع في أن يهذب عقله، ويزيد حظه من الثقافة ونصيبه من العلم، بل حدثني عن رجل متحضر، لا يحب أن يظن الناس به سعة العقل، وغزارة العلم، وقوة الذكاء؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين سعة العقل، وغزارة العلم، وإنما تحب لهم الجهل وضيق الأفق، وقصور الذكاء؟ وهل يستطيع وزير التعليم أن يعلن إلى الناس أنه لا يحب أن يعنى الشبان بالتعليم ولا يرضى لهم أن يستزيدوا من العلم؟ وهل تستطيع الوزارة أن تعلن أنها لا تقدر على الحكم، ولا على الاستقرار فيه، إلا إذا ظل المصريون جهالاً مغلقين، تضيق عقولهم عن كل شيء، وتعجز عقولهم عن استكشاف الحقائق أو فهمها أو الحكم عليها؟ ثم حدثني عن رجل له حظ من ذكاء، لا يطمع في أن ينمي جسمه، ويلتمس له من أنواع الرياضة، ما يقويه ويكفل له حظاً من الصحة، وقدرة على النشاط، واحتمال أثقال الحياة؟
    وهل تستطيع الوزارة أن تعلن إلى الناس أنها لا تحب للمصريين قوة ولا صحة، وإنما تريدهم ضعافاً مراضاً، ينهكهم السقم، ويفنيهم الضنى، وأنها لا تقدر على الحكم ولا على الاستقرار فيه، إذا قويت أجسام المصريين وتمت لهم الصحة الموفورة والبراءة من العلل والأسقام؟
    نحب أن نعلم ماذا أنكرت الوزارة من هذه الجماعة التي أنشأها الأستاذ السنهوري؟ هل تستطيع الوزارة إن صعدت إلى السماء السابعة، أو هبطت إلى الأرض السابعة أن تثبت أو أن ترجح، أو أن تخيل أن في هذه المبادئ أو في نظام هذه الجماعة سياسة أو شيئاً يشبه السياسة أو شيئاً يمس نظم الحكم من قريب أو من بعيد؟ فقصة الأغراض السياسية إذن كلام فارغ، وضرب من العبث وفن من التجني، وتكأة يعتمد عليها في الاعتذار من هذا الفصل الذي ليس إلى تعليله المعقول من سبيل، وإنما العلة الحقيقية لهذا الفصل، العلة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي هذه المبادئ نفسها. فأي شيء في هذه المبادئ يخيف الوزارة ويفزعها ويدفعها إلى مثل ما أتت من الأمر؟ ألا تستحي الوزارة من أن يظن الناس بها الظنون، ومن أن يقول بعضهم لبعض، إن الحياة السياسية في هذه الأيام، لا تريد للمصريين أن يكونوا رجالاً، ومن أن الوزارة المصرية تحرص على أن يبعد المصريون كل البعد عن استكمال رجولتهم، وتعاقب كل من يدعوهم إلى الرجولة بألوان العقاب المختلفة؟
    لقد نعلم أن الأستاذ السنهوري ذهب يتحدث إلى مدير الأمن العام في أمر جماعته هذه، وفي أنها لا تعنى بالسياسة، ثم طلب إليه أن ينظر في أغراضها، فلما انتهى إلى تقوية الجسم قال إن تقوية الجسم تهيئ جيشاً. فمدير الأمن العام إذن يخاف أن تقوى أجسام المصريين لأنه يخاف أن يكون للمصريين جيش قوي. في أي عصر نعيش، وأي حياة نحيا؟ أجد هذا الكلام أم هزل؟ إنا نريد أن نعتقد أن مدير الأمن العام لم يظن، ولم يقدر أن الأستاذ السنهوري يريد أن يكون من جماعته جيشاً يستعين به على مقاومة الجيش النظامي، وعلى إحداث الأحداث، في هذا البلد المطمئن. فمدير الأمن العام عندنا أذكى من أن تخطر له مثل هذه الخواطر. وإذن فماذا يخاف مدير الأمن العام، إن قويت أجسام المصريين؟ وماذا يخاف إن قويت أخلاقهم، واتسعت عقولهم؟ سؤال نستطيع أن نردده ما شئنا فلن نظفر عليه بالجواب الصحيح، وإذن فنحن نبيح لأنفسنا أن نجيب إذا استقامت أخلاق المصريين وامتنعت على الفساد والاعوجاج، وإذا ارتقت عقول المصريين وارتفعت عن الضعف والضيق، وإذا قويت أجسام المصريين وبرئت من العلل والأسقام، وإذا استكمل المصريون رجولتهم حقاً، لم يرضوا من الأمر إلا ما يرضاه الرجال، ولم يقدموا من الأمر إلا على ما يقدم عليه الرجال. ولم يطمئنوا إلى أن يسخروا كما تسخر الأنعام، أو يحكموا كما يحكم الضعاف، أو تكون مصالحهم موضوعاً للعبث، أو يكون استقلالهم موضوعاً للمساومة، أو تكون حريتهم عرضة لتحكم وزير أو موظف كبير، أو تكون جامعتهم صورة من الصور، وشكلاً من الأشكال، أو تكون حياتهم السياسية نفاقاً وحياتهم الاجتماعية رياءً وحياتهم العلمية غشاً وخداعاً. وإذا انتهى المصريون إلى هذا الحظ من الرقي العقلي والخلقي والجسمي، فأبوا الضيم، وامتنعوا على الذل لم تطب للمستعمرين من الإنجليز حياة على ضفاف النيل. . نرجو أن يفهم الشباب المصريون هذا الدرس البليغ، الذي ألقي عليهم بفصل الأستاذ السنهوري من منصبه لأنه أراد أن ينشئ جماعة تعمل على تنمية الأجسام، وترقية العقول، وتهذيب الأخلاق.
    نرجو أن يعرف الشباب المصريون أن من الناس من يكره لهم أن يكونوا رجالاً ويعاقب من يريد لهم أن يكونوا رجالاً.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٢ .

    تكذيب…
    صدر نصفه، وما يزال نصفه الآخر متمنعًا، متأبيًا، لا يريد أن يظهر على كثرة ما يلح الناس عليه في الظهور، وأظنك قد فطنت إلى أني إنما أريد أن أتحدث عن هذه القصة الطريفة الرائعة التي اتصلت بفصل الأستاذ السنهوري من كلية الحقوق، والتي أثرت في هذا الفصل بعض الأثر، إن لم تكن أثرت فيه كل الأثر في أكبر الظن.
    فقد زعموا كما تعلم ويعلم الناس أن أستاذًا من أساتذة كلية الحقوق حضر افتتاح نادي المحامين، كما حضره الأستاذ السنهوري، ولم يحضره من أساتذة الكلية غيرهما.
    فلما أذيع في الصحف، وعرفت الحكومة حضورهما هذه الحفلة، سألت أحدهما، ولم تسأل الآخر. فأما الذي سئل فهو الأستاذ العربي، وأما الذي لم يسأل فهو الأستاذ السنهوري. وقد كان سؤال أحدهما دون الآخر غريبًا في نفسه، ولكن فصل الأستاذ السنهوري أزال هذه الغرابة ومحا اللبس عن هذا الموقف الذي لم يكن يخلو من غموض.
    أما الأستاذ العربي فقد تحدث إليه عميد الكلية في حضوره هذه الحفلة، ثم طلب إليه أن يلقي وزير التقاليد، فلقيه وتحدث إليه الوزير في هذا الموضوع، ثم فصل الأستاذ السنهوري.
    وعلمنا من مصادر نثق بها، أن بين الأمور التي ذكرت حول الأستاذ السنهوري واستعين بها على فصله، أن الأستاذ العربي زعم لمن سأله أنه لم يذهب إلى نادي المحامين من تلقاء نفسه، وإنما استدرجه إليه الأستاذ السنهوري استدراجًا! وقد أنكرنا ذلك أشد الإنكار حين علمناه، وكتبنا في ذلك منكرين ومستفسرين وأكبرنا على أستاذ من أساتذة الجامعة أن يرضى لنفسه أن يستدرجه غيره إلى ما لا يحب، وأن يقول غير الحق ليبرئ نفسه، لأن الأستاذ السنهوري لم ير زميله العربي في ذلك اليوم.
    ولم يكد الأستاذ العربي يقرأ ما كتبناه حتى ضاق به أشد الضيق وأسرع إلى لقائنا، فكذب أن تكون هذه القصة قد وقعت له، أو صدرت عنه، وكان تكذيبه صريحًا قاطعًا، مؤكدًا. ثم دفع إلينا بيانًا صاغ فيه هذا التكذيب وطلب إلينا نشره، فنشرناه مغتبطين، وحمدنا الله على أن أساتذة الجامعة ما زالوا في نفسهم وعند الناس أكبر من هذه الصغائر، وأرفع من هذه الوقيعة.
    ولكننا أكدنا أن أمر هذه القصة قد انتهى إلينا من مصادر نثق بها، وأن الحديث بهذه القصة قد جرى بين الوزراء وطلبنا إلى الوزارة أن تنفيه نفيًا قاطعًا. فلما كان الغد، رأينا بيان الأستاذ العربي يعاد نشره في الأهرام، ويزاد عليه أن الأستاذ قد استأذن الوزير في نشره، فأذن الوزير. وكان معنى هذا عندنا وعند غيرنا من الناس أن ذمة الأستاذ العربي قد برئت من هذه القصة وأنه قد خلص منها وأدى بهذا التكذيب ما يجب لنفسه من الكرامة، وما يجب لزميله من الوفاء. وكان إذن الوزير له بنشر هذا البيان فيما يظهر شهادة من الوزير بأن الأستاذ العربي بريء من الكيد الذي دبر له ولزميله، ومن الدسيسة التي دست عليه وعلى زميله.
    ولكن براءة الأستاذ من هذا الكيد لا تنفي أن هذا الكيد قد كان، وأن هذه الدسيسة قد دبرت، وأن الحديث بها قد جرى على لسان بعض الوزراء، وإذن فما زال من حقنا اليوم كما كان من حقنا أمس أن نعرف جلية الأمر في هذه القصة. كيف ارتفعت إلى وزير التقاليد أو إلى غيره من الوزراء، وكيف جرى الحديث بها في مجلس الوزراء؟ من حقنا أن نعرف هذا لأسباب مختلفة: فإن هذه القصة كما قلنا، وكما نقول قد جرى بها الحديث بين الوزراء، وكان لها في فصل الأستاذ السنهوري أثر، فهي إذن كذبة من الكذبات قد أثرت في حياة الجامعة، وفصلت أستاذًا من أساتذتها، ودفعت الوزارة إلى اتخاذ قرار خطير، وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة تحب الحق والعدل، وتكبر الخلق ونقاء الضمير، أن تسكت حين ترى الكذب والكيد يؤثران في حياة الناس، ويمسان أعمال الحكومة من قريب أو بعيد. وما ينبغي للمصريين ولا لأي جماعة متحضرة أن يروا أستاذًا يفصل وأن يعلموا أن الكذب قد كان له بعض الأثر في فصله ثم يسكتوا عن المطالبة بإنصاف هذا الأستاذ مما أصابه من الظلم، وبأخذ الذين كذبوا بالعقاب، على ما تورطوا فيه من الإثم، ومن الإثم الذي لا يمس أخلاقهم وسيرتهم وكرامتهم وحدها وإنما يمس حقوق الناس أيضًا. ثم إن هذه القصة التي جرى الحديث بها بين الوزراء، والتي يقال إنها عملت بعض العمل في حرمان الجامعة أستاذًا من خيرة أساتذتها لم يقف شرها عند الجامعة، وعند الأستاذ وحدهما، وإنما تناول شرها الوزراء أيضًا. فمما لا شك فيه أن هذه القصة إذا ارتفعت إلى الوزراء وارتفعت إليهم ممن يحسنون الظن به، والاطمئنان إليه، تركت في نفوسهم أثرًا، قد يكون سيئًا، وقد يكون مسرفًا في السوء، وكان من حقها أن تنتهي بهم إلى ثورة النفس وفساد الرأي في أستاذ يستدرج زميله إلى ما لا يحب الوزراء. وإذن فهذه القصة قد غشت الوزراء، وهيأتهم لأمور لعلهم ما كانوا ليقدموا عليها لو لم ترتفع إليهم هذه القصة بما فيها من مكر وكيد. وإذن فمن حق الوزراء أن يغضبوا إذا تبين لهم أن هذه القصة مكذوبة، وأن الذي رفعها إليهم قد غشهم وكاد للأستاذ، وأن غشه قد انتهى إلى غايته، وأن كيده قد بلغ مداه، ومن حق المصريين أن يغضبوا حين يرون أن بين الناس من تبيح لهم ضمائرهم الكذب على الوزراء، والكيد للأبرياء. وإذن فمن حق الوزراء فيما نظن، بل من الحق عليهم لأنفسهم وللمصريين وللأخلاق واستقامة السيرة ونقاء الضمير أن يتبينوا كيف ارتفعت إليهم هذه القصة، ومن الذي رفعها إليهم، وماذا كان يريد حين سعى إليهم بها. ومن حق الوزراء، بل من الحق عليهم أن يعاقبوا هذا الذي أساء إليهم وأساء إلى مصر بالكذب عليهم، وأساء إلى رجل بريء من هذه القصة بنوع خاص على أقل تقدير. والوزراء حين يحققون هذا الأمر ويضربون على يد الذي ارتفع إليهم به، إنما يضربون أحسن الأمثال للناس، ويثبتون أنهم لا يحبون سعاية ولا وشاية ولا كيدًا، وأنهم لا يرضون أن تتأثر أعمال الحكومة ولا سيرة الأفراد، بالسعاية والوشاية والكيد.
    ونظن أننا لا نسرف على الوزراء ولا نسرف على أحد حين نطلب إلى الوزارة أن تتبين جلية هذه القصة، وأن تبينها للناس، وأن تجيب في صراحة على هذه الأسئلة: هل جرى الحديث بهذه القصة المكذوبة بين الوزراء؟ وإن كان قد جرى الحديث بها فمن الذي رفع هذا الحديث إليهم، وماذا أعدت الوزارة لعقاب هذا الذي استباح لنفسه أن يكذب على الوزراء، ويكيد عندهم لرجل بريء؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٥/ ٨/ ١٩٣٤.

  • استقبال الحاكم بالنيابة: زيارات وتفتيش | Entertaining the High Commissioner: Visits and Inspections

    حديث الوادي
    هتاف . . .
    وكنا نريد أن نتخذ الصبريات عنواناً لهذا الفصل فهو متصل بصبري بك وزير المالية، وبصبريته التي دعا إليها المندوب السامي يوم الأربعاء . ولكن الأمر لا يحتمل الفكاهة، ولا يبيح المزاح . وهل الصبريات إلا عنوان الفكاهة والمزاح ؟ الأمر أشد خطراً، وأبعد أثراً من كل ما أخذ به وزير المالية، منذ تولى الحكم إلى الآن، لأنه لا يمس منفعة من المنافع التي قد يختلف فيها الرأي، ويتعرض الناس في تقديرها وتدبيرها للخطأ وللصواب . وإنما يمس الضمير المصري كله، ويمس الكرامة المصرية كلها، ويمس الشعور الذي يجب أن ينبث في كل قلب مصري بأن هذا البلد كريم على نفسه، فيجب أن يكون كريماً على الناس، وبأن هذا البلد مخاصم للإنجليز حتى يتم الاتفاق بينهم وبينه، على ما يفسد أموره من خلاف .
    نعم، الأمر أجل خطراً وأبعد أثراً، من قصة الدين العام، ومن قصة الدين العقاري، ومن قصة الاستبدالات ومن قصص النقل والعزل، والإيثار والمحاباة، لأن هذه القصص كلها تمس المنافع العامة التي يختلف فيها الرأي كما ألممنا بها، والتي مهما تعظم الخسارة فيها، فهي خسارة موقوتة محددة يمكن أن تحتمل، ولو على مضض، ويمكن أن تعالج ولو في مشقة وجهد وعناء . ولأنه أمر الاستقلال المصري كله، وأمر العزة المصرية كلها، وأمر هذا الجهاد الوطني الذي احتمل المصريون أثقاله، وشقوا بآلامه، وضحوا فيه بالأنفس والأموال منذ أكثر من نصف قرن .
    شهوة من الشهوات ثارت في نفس وزير من الوزراء، أو ثارت في نفس ممثل أجنبي لدولة أجنبية، فأراد الوزير أن يدعو المندوب السامي إلى أن يزور قريته، أو أراد المندوب السامي أن يدعوه الوزير لزيارة هذه القرية . فما ينبغي أن تكون هذه الشهوة الفردية وسيلة إلى تحميل مصر ما لا ينبغي أن تحتمل، وتكليف الشعب ما لا ينبغي أن يتكلف، وإغراء الشعب بما لا ينبغي أن يغرى به، ودفع الشعب إلى ما لا ينبغي أن يدفع إليه .
    ما هذه الجموع التي حشدت للمندوب السامي تستقبله منذ هبطت طيارته إلى الأرض متى وصل إلى دار الوزير هاتفة مصفقة، مظهرة الإعجاب والإكبار وتردده منذ خرج من دار الوزير إلى أن وصل إلى طيارته، هاتفة مصفقة مظهرة الإعجاب والإكبار . فيم هذا كله ؟ ولم هذا كله ؟ ولمن هذا كله ؟
    أيكفي أن يشتهي الوزير أن يزوره المندوب السامي، أو أن يشتهي المندوب السامي زيارة الوزير، ليحشد المصريون ويهتفوا ويصفقوا، ويظهروا لممثل الدولة البريطانية التي تظلمهم أنهم راضون عن ظلمها، والتي تعتدي على استقلالهم أنهم مغتبطون بعدوانها، والتي تحملهم على شر ما تحمل عليه الأمم من الحياة أنهم راضون عن سيرتها فيهم ؟ أيكفي أن يشتهي الوزير أن يشرفه المندوب السامي بزيارته ليحشد المصريون فيظهروا ما لا يشرفهم، ولا يشرف الوزير، ولا يشرف مصرياً مهما تكن منزلته، ومهما يكن مقامه بين المصريين ؟ إحدى اثنتين، إما أن تكون أنباء هذا الهتاف والتصفيق، وأخبار هذه التحيات وهذا الإعجاب صادقة وإذن فهي خزي للذين اقترفوها، وإذن فهي إثم على الذين أغروا بها، ودفعوا إليها، ورغبوا فيها، وإذن فهي استهانة بكرامة الشعب وتفريط في حق الشعب، وتعويد للشعب أن يكون ذليلاً مهيناً . وإما أن تكون هذه الأنباء كاذبة لا أصل لها، مختلقة لا تصور الحق وإذن فالسكوت عليها إثم، والصمت عن إذاعتها جناية على كرامة مصر، ولمتهان لعزة المصريين . ومن حق الذين لم يأثموا بتكريم المندوب السامي ولا بالصمت عن هذا التكريم أن يعرفوا كيف وقع هذا الإثم، وأن يتبينوا وجه الحق فيه . من حق المصريين جميعاً على وزير المالية، وعلى مدير الغربية أن يعرفوا هل اجتمع المصريون كما نشرت المقطم أول أمس فحيوا المندوب السامي وودعوه بالهتاف والتصفيق، وبإظهار الإعجاب والإكبار . أم هل اخترعت هذه الأنباء اختراعاً، واختلقت اختلاقاً ؟ فإن تكن الأولى فمن الحق على وزير المالية أن يألم فيما بينه وبين نفسه، وأن يندم على هذه الفرصة التي هيأها لأنها ليست من الفرص التي تشرف مهيئيها وتملأ نفوسهم وقلوبهم عجباً وتيهاً . وإن تكن الثانية فمن الحق على الوزارة أن تكذب هذه الأنباء، وأن تسأل الذين أذاعوها من أين استقوها وكيف أباحوا لأنفسهم إذاعتها، دون أن يستوثقوا بأنباء الحق الذي لا شك فيه .
    لقد ضج المصريون من زيارات اللورد لويد للأقاليم وثارت لذلك ثائرة البرلمان، فماذا نرى الآن، نرى الوزراء يهيئون لزيارات المندوب السامي للأقاليم ويخلقون الفرص التي تصل بينه وبين المصريين، والتي تشعره بأن المصريين يكبرونه، ويعجبون به، وينتظرون منه الخير . هذا كثير على بلد يطالب بالاستقلال، ويعتقد وزراؤه أنهم مستقلون .
    ما أجدر المصريين أن يفكروا، وأن يسألوا ضمائرهم، فقد يظهر أن هذه الضمائر في حاجة إلى أن يلح عليها في السؤال . إذا أراد رئيس الوفد أو عضو من أعضاء الوفد أن يزور مدينة أو قرية، أو يطوف في إقليم من الأقاليم حيل بينه وبين ذلك بالشرطة والجند، والقوة المسلحة، وفتح الجسور، وحفر الخنادق وإقامة العوائق . وإذا أراد المندوب السامي أن يزور قرية من القرى في إقليم من الأقاليم مهدت لطيارته الأرض تمهيداً، بأموال الدولة وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب، ثم جمع له المصريون يستقبلونه ويودعونه بالهتاف والتصفيق .
    كأن رئيس الوفد وأعضاء الوفد هم خصوم مصر والغاصبون للاستقلال فلا ينبغي أن يراهم الشعب، ولا أن تتصل أسبابهم بأسبابه، وكأنما المندوب السامي هو منقذ مصر من كل شر، وحاميها من كل عدوان، والذي حفظ عليها استقلالها، ورد إليها كرامتها، وقال لأبنائها كونوا أعزاء فأصبحوا أعزاء !
    يا لسخرية القضاء ويا لعبث الأيام ! والوزراء المصريون هم الذين يهيئون لذلك، ويخلقون له الفرص ! إن المجاملة لأهون من هذا كله، إن السلطان لأهون من هذا كله، إن حياة الأفراد ومنافعهم لأهون من هذا كله . كيف لا يفكر الوزراء في هذا ولا يسألون عنه ضمائرهم ؟
    يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! إن الناس يتحدثون بأن وزراء آخرين قد يهيئون لمثل ما هيأ له وزير المالية فيزورهم المندوب السامي في أقاليمهم، ويومئذ تمهد الأرض لطيارته تمهيداً بأموال الدولة، وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب الذي سفك دمه في المطالبة بالاستقلال، حتى إذا هبط المندوب السامي ممثل الدولة الغاصبة للاستقلال، استقبله مصريون بالهتاف والتصفيق، وودعه مصريون بالهتاف والتصفيق .
    وتحدث الناس بعد بأن الوزير سعيد يبسم له المستقبل، ويضحك له الأمل، أليس قد زاره المندوب السامي البريطاني ؟ يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! أهانت كرامة مصر وحقوقها إلى هذا الحد على المصريين ؟ . . .
    طه حسين
    الوادي، ٢١ يوليه ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    زيارة…
    ولابد من العودة إلى هذه الزيارة التي انتقل لها المندوب السامي إلى الصبرية يوم الأربعاء، ليشارك وزير المالية في الطعام والشاي فيما قبل، وليرى المصريين في الريف، ويراه المصريون كذلك فيما قيل أيضًا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة لأن حديثها فيما يظهر لم ينقض بعد، ولعله لا يريد أن ينقضي، وإن كانت الصحف على اختلافها لا تريد أن نقدرها قدرها، ولا أن توفيها حقها من التفسير والإنكار، مع أنها من أهم الأحداث التي تمس الكرامة المصرية والشعور الوطني مسًا مؤلمًا حقًّا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة، فقد يظهر أن بعض الجهات كما تقول الأهرام صباح اليوم، قد فطن آخر الأمر إلى أنها تستحق التفكير، وتحتاج إلى التفسير، وتدع إلى السؤال الكثير. وكان المعقول لو أن الأمور تجري في هذا البلد على ما يريد المعقول، أن تكون الفطنة لهذه الزيارة، والسؤال عما ستأخذه من الأشكال، وما سترمي إليه من الأغراض، وما ستنتهي إليه من النتائج قبل وقوعها لا بعده. ولكن المثل الفرنسي يقول: «رب تأخر خير من الامتناع».
    والناس يتحدثون بأن هذه الزيارة قد كانت الأولى، ولم تكن الأخيرة، وكانت المقدمة، ولم تكن الخاتمة، وبأن جماعة من الوزراء كانوا يريدون، أو كان يراد منهم، أن يسلكوا مسلك وزير المالية، وأن يظهروا ما أظهره صبري بك، من أن المصريين كرام حقًّا، يعرفون كيف يضيفون كبار الناس، وكيف يهيئون لهم أحسن الاستقبال.
    فإذا صح ما روته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات من بعض الجهات، فقد يكون في هذه الملاحظات المتأخرة ما يصرف الوزراء أو الذين قد يسعون عند الوزراء عن أن يذهبوا مذهب زميلهم النابغة الفذ والعبقري العظيم، وإذن فقد لا تحتاج الدولة إلى أن تمهد الأرض على حسابها في بعض الأقاليم لطيارة المندوب السامي، وقد لا يحتاج أهل الريف إلى أن يحشدوا ليستقبلوا المندوب السامي ويودعوه بالهتاف والتصفيق. وقد لا يحتاج المندوب السامي نفسه إلى أن يستعين بالوزراء على
    أن يسعى إلى أهل الريف في أماكنهم ويتفقد شؤونهم ويتعرف آمالهم وآلامهم ويوزع بينهم هذه الابتسامات الإنجليزية التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، وقد لا يستخزي الضمير المصري أمام نفسه وأمام الضمائر الأجنبية من أن مصريين قد جمعوا وهتفوا لممثل الدولة البريطانية التي ما تزال تغصب استقلالهم غصبًا، وتمكن لجيشها في أرضهم، وتملأ جوهم بطياراتها، وتفرض عليهم حياة لا يرضاها الشعب الكريم.
    وقد يعلم الوزراء وأعوان الوزراء وأنصار الوزراء أن من الإثم أن تنطلق ألسنة المصريين بالهتاف الأجنبي بيننا وبين بلده مخصومة، ما دامت هذه الخصومة قائمة، وأن من الإثم أن تندفع أيدي المصريين بالتصفيق لأجنبي بيننا وبين بلده خلاف، ما دام هذا الخلاف لم يحل. وأن من التفريط في ذات الوطن أن تقول مصر للإنجليز ردوا علينا استقلالنا، وخلوا بيننا وبين شؤوننا، وكفوا أيديكم عن أمورنا، وأن يهتف بعض المصريين ويصفق بعض المصريين في قرية وزير مصري لممثل الإنجليز وهم لم يردوا علينا الاستقلال ولم يخلوا بيننا وبين شؤوننا ولم يكفوا أيديهم عن أمورنا.
    قد يكون هذا كله إن كان صحيحًا ما نشرته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات. فأحرى أننا نسأل أنفسنا ونطيل السؤال عن هذه الزيارة كيف كانت وكيف قبلها وزير المالية أو دعا إليها. ذلك أن وزير المالية لو استشار ضميره المصري لأشار عليه هذا الضمير، وهو حي من غير شك، بأن هذه الزيارة لا تلائم مصلحة مصر، ولا كرامة مصر، ولا سيما مع ما أحاط بها من الظروف والأشكال.
    فالشعب المصري في خصومة مع الإنجليز، والوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، مكلف أن يعرف هذه الخصومة وأن يرعى حقها، وهو في منصبه ليدافع عن مصر، وليقرب بينها وبين الإنجليز، بالدفاع عن حقها، وبحفظ كرامتها، وبإظهارها مظهر القوي العزيز لا مظهر الضعيف الذليل.
    فالوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، محام عن مصر، لا ينبغي له أن يقصر في ذات موكله، ولا أن يفرط في حقه بحال من الأحوال. وليس من الترفع عن التقصير في ذات مصر، والتفريط في حقها بحال من الأحوال أن يدعو وزير من وزراء مصر ممثل الإنجليز إلى حيث يلقاه المصريون طوعًا أو كرهًا بالهتاف والتصفيق، والخصومة بيننا وبين الإنجليز ما زالت قائمة. ولو أن وزير المالية استشار عقله، وهو كبير من غير شك، لما قبل هذه الزيارة ولا دعا إليها في هذه الظروف التي نحن فيها، ولما انفرد بها على هذا النحو الذي كان. فإن زملاءه ناس مثله يحسون ويشعرون، ويفكرون ويسألون عما كان وعما يمكن أن يكون، وما نظن أنهم قد ذاقوا هذه الزيارة كما ينبغي أن تذاق وأساغوها كما ينبغي أن تساغ وهضموها كما ينبغي أن تهضم. فإن ابتداء وزير المالية بها وأعراضه عن دعائهم كلهم أو بعضهم إليها ليس من شأنه أن يرضيهم وليس من شأنه أن يملأ قلوبهم ثقة وأمنًا واطمئنانًا.
    ثم لو استشار وزير المالية عقله أيضًا لأشار عليه هذا العقل الكبير بأن الظروف التي نحن فيها تفرض على الوزراء وأشباه الوزراء أن يرعوا أقصى ما يستطيعون من الدقة والاحتياط فيما يكون بينهم وبين الإنجليز من الصلات. فحديث الإنجليز عن العهد الكرومري كثير جدًّا في هذه الأيام ويرددونه في مصر ويرددونه في إنجلترا، ويأتون من الأعمال ما يدل على أنهم يريدون الجد ولا يريدون الهزل. والعهد الكرومري معروف، معروف في جملته وتفصيله، قوامه تسليط القوة على مصر وأخذهما بالحزم من غير تفريق بين مصر الشعبية، ومصر الرسمية، بحجة إنقاذ الشعب من ظلم الحكام، وحماية الشعب من طغيان السلطان، ونظن أن وزراء مصر سواء أكانوا من أنصار الشعب أم لم يكونوا، لا ينبغي لهم وهم وزراء أن يعينوا من قريب أو من بعيد على إعادة هذا العهد الكرومري أو تقريبه أو على أي عمل من شأنه أن يخيل إلى الناس أن هذا العهد قد عاد أو أنه يوشك أن يعود. في ذلك تفريط في حق مصر وفي ذلك إساءة صارخة إلى مصر الرسمية وإلى مصر الشعبية، فكلتاهما تكره أن يعود العهد الكرومري، وكلتاهما ترى من الذلة والهوان أن يعين أي مصري على أن يعود هذا العهد. ووزير المالية رجل ذكي، وهو يفهم عنا حق الفهم ما نريد أن نقول، وهو يوافقنا من غير شك على أنه لو استشار ضميره لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار عقله لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار منفعته المحققة الدائمة لصرفته عن هذه الزيارة أيضًا.
    فقد يكون في هذه الزيارة شيء من الجاه الظاهر وارتفاع الشأن العارض، ولكن الحكماء يفكرون في غد وفي أمس أكثر مما يفكرون في اليوم.
    وبعد فإنا نرجو أن يكون صحيحًا ما تحدثت به الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات، ونرجو بنوع خاص أن تقع هذه الملاحظات موقعها الذي ينبغي لها من نفوس الوزراء جميعًا، فيعلموا أن الصلة بينهم وبين دار المندوب السامي يجب أن تقوم على الدقة والفطنة وعلى الحذر والاحتياط.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تفتيش…
    أما المفتش فهو المندوب السامي البريطاني وأما موضوع التفتيش فهي مصر كلها فيما يظهر، ولا بد لنا من أن نعترف بأن حدثًا جديدًا قد حدث فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات، وليس ضروريًا أن يكون هذا الحدث ظاهرًا، ملموسًا، وإنما يكفي أن تظهر آثاره وتستبين الدلائل عليه، وأن يكون كالكهرباء تبعث الحركة والحر والضياء، ولا تعرف حقيقتها وإنما تعرف ظواهرها حق المعرفة.
    نعم لا بد من أن يكون هناك حدث قد حدث، فيما بين مصر وإنجلترا من العلاقات يبيح للمندوب السامي أن يأتي من الأمر ما لم يكن يأتيه المندوبون السامون من قبل، فيزور حدود الشرق والغرب، ويجول في داخل الأرض ضيفًا على الوزراء، ويكتب إلى الوزارات منكرًا حينًا، ومرشدًا حينًا آخر، ويدعو إليه الوزراء ووكلاء الوزراء، وكبار الموظفين، أفرادًا وجماعات، ثم يبدو له فيفتش أول أمس على ثكنات الشرطة، ويفتش أمس على ثكنات الجيش. ووزراؤنا يعلمون ذلك ويجهلونه، يسمعون به قبل أن يكون، أو يقرأونه في الصحف كما تقرؤه أنت وكما أقرؤه أنا، ووزراؤنا يرضون عن ذلك أو يسخطون. فما نفع الرضى والسخط إذا لم يغيرا من الحقائق الواقعة شيئًا، ولم يستطيعا أن يدفعا المندوب السامي إلى أن يأتي من الأمر ما لا يريد، أو يرده المندوب السامي عن أن يأتي من الأمر ما يريد؟
    المندوب السامي رجل عظيم يمثل دولة عظيمة ويؤيده في هذا التمثيل جيش عظيم، ويعينه على هذا التمثيل موظفون عظماء من مواطنيه، قد انبثوا في المصالح والدواوين، وهو يمثل هذه العظمة كلها في بلد ضعيف يريد أهله أن يكون عظيمًا، ويستكثر سادته عليه العظمة، فيأبون عليه إلا أن يكون متواضعًا، قانعًا بما أراد الله له من ضآلة الشأن وسوء الحال. فإذا ذهب المندوب السامي ليفتش على حدود الشرق سكت الوزراء، ومن يدري؟ لعلهم يلقونه فيسألونه عن حال هذه الحدود، ويعلمون منه ما كانوا يجهلون. وإذا ذهب للتفتيش على حدود الغرب سكت الوزراء، أو ذكروا أن هذه الحدود تستحق الزيارة فسافروا إليها، وأقاموا فيها يومًا وبعض يوم، ثم عادوا وهم يعلمون من أمر هذه الحدود بعض ما كانوا يجهلون، وقليلًا جدًا من هذا الكثير الذي علمه المندوب السامي حين ذهب لهذا التفتيش.
    وإذا أراد المندوب السامي أن يتغلغل في أعماق مصر، وأن يرى المصريين وهم يعملون في الحقول وأن يتحدث إليهم ويسمع منهم وهم يحملون أثقال الحياة، ويشقون بآلامها دعاه بعض الوزراء إلى مأدبة غداء وهيأ له ما يشاء وما لا يشاء، وضاق زملاؤه بهذه الدعوة بعض الضيق، ولكنهم يكتمون ذلك في نفوسهم ولا يجمجمون بالأسرار ومن وراء حجاب صفيق، ثم تستقر الأمور فيستقيم مجرى الريح بالوزارة وسفينة الوزارة، والمندوب السامي يذهب شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ويسأل عما لا ينبغي له أن يسأل عنه، ويدخل فيما لا ينبغي له أن يدخل فيه. ثم يدنو يوم الرحيل وما ينبغي للمندوب السامي أن يرحل عن مصر وهو لم يستوثق من كل شيءٍ، وهو لم يستوثق من أن جيشها وشرطتها قادران على حفظ النظام في الداخل بعد أن استوثق من أن حدودها في الشرق والغرب قادرة على دفع الهجوم من الخارج. فلا بد له إذن من أن يلم بشيءٍ من أمر الجيش، ومن أن يلم بشيءٍ من أمر الشرطة، فهو يزور ثكنات الشرطة يوم الثلاثاء، وثكنات الجيش يوم الأربعاء. ومن يدري ماذا يزور يوم الخميس قبل أن يسافر يوم الجمعة، فالرجل يريد أن يسافر مطمئنًا على أن الأحداث لن تلم بمصر من قريب أو بعيد أثناء غيابه عنها!
    والغريب أن يزور المندوب السامي ثكنات الشرطة فلا يستقبله هناك رئيس مصري، وإنما يستقبله إنجليزيان أحدهما يدير الأمن العام الأوروبي وما نحسب أن له بحكم هذه الإدارة إشرافًا على الشرطة قليلًا أو كثيرًا، والآخر يدير أمور الشرطة في الإسكندرية وهو الحكمدار. أما وزير الداخلية ووكيلها أو وكيلاها ومدير الأمن العام المصري فمشغولون يبسطون الإجراءات في وزارة الداخلية من ناحية وينظمون الاستحمام والتعرض للشمس والهواء على ساحل البحر من ناحية أخرى.
    ثم يزور المندوب السامي ثكنات الجيش فلا يلقاه هناك وزير الحربية لأن وزير الحرب أرقى وأكبر من أن يلقى ممثلًا أجنبيًا في ثكنات الجيش ولو قد فعل لاعترف بحق المندوب السامي في زيارة الجيش. ومن الكياسة ما يقضي على الوزراء من أن يغضوا العيون، ويدع الأمور تجري كأنهم لم يعلموا بها، وقد يكون هذا من أضعف الإيمان، ولكنه إيمان على كل حال. فقد زار المندوب ثكنة من ثكنات الجيش، ولكنها زيارة غير رسمية لم يشهدها الوزير، ولعله لم يعلم بها، فالحقوق محفوظة والرؤوس مرفوعة والاستقلال لا بأس عليه.
    على أن هناك سؤالين، أو أسئلة نلقيها ولا ننتظر عليها جوابًا، فالوزارة أكبر من أن تجيب قومًا أمثالنا من المصريين الذين يدخلون فيما لا يعنيهم، ويسألون عما ينبغي أن يجهلوا.
    وأول هذه الأسئلة يمس علم الوزارة بهذه الزيارات: أكان سابقًا لها أم لاحقًا؟ أأذنت بها أم علمت أمرها بعد أن تمت؟ وما رأيها في هذه الزيارات؟ أملائمة هي للاستقلال أم غير ملائمة؟ أم هناك سر يجهله، ويتحدث به بعض المتحدثين، ولا نريد نحن أن نردد صدى هذه الأحاديث؟
    وسؤال آخر: أيستطيع وزير الحرب عندنا أن يزور الثكنات والمعسكرات التي يرابط فيها جيش الاحتلال، مع أنها قائمة على أرض مصر، ومع أن السيادة المصرية يجب أن تكون مبسوطة عليها؟
    وسؤال ثالث: أتغيّرَ منصب المندوب السامي في مصر، فأصبح «بروقنصلًا» كما كان يقول الرومان.. أو حاكمًا لمصر من قبل إنجلترا إن أردت الترجمة العربية لهذا اللفظ الغريب؟ وإذن فأين الوثيقة الرسمية التي تثبت له هذا المنصب الجديد وعمن صدرت ومتى صدرت؟ وإلى من صدرت؟ أم هو لا يزال مندوبًا ساميًا كغيره من المندوبين الذين عرفتهم مصر منذ أعلن الاستقلال؟ وإذن فمن أين جاءه هذا السلطان الواسع، والجاه العريض؟ جاءه من ضعف الوزراء، ومن إشفاقهم أن ينكروا عليه شيئًا يأتيه أو أمرًا يفكر فيه. فتحدث بينه وبينهم أزمة لا يعلم عواقبها إلا الله.
    أسئلة نلقيها لا على الوزراء فلن يجيبوا، ولا على الإنجليز فلن يجيبوا ولكن على المصريين الذين ما يزالون يعتقدون أنهم أحرار في بلادهم، وأنهم يطلبون الاستقلال، وأنهم قد ظفروا ببعض الحق، وما يزالون يطلبون بعضه الآخر. فهؤلاء المصريون سيقرأون هذه الأسئلة وسيجيبون عليها لأنفسهم، وسيعلمون إلى أين سارت أمورهم، وإلى أين يدفعون؟ وماذا بقي لهم من الاستقلال الذي أراقوا في سبيله الدماء واحتملوا في سبيله الكوارث، وضحوا في سبيله بكل عزيز.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٦.

    حديث الوادي
    قسمة ٠٠٠
    لتكن عادلة أو جائرة، فليس هذا هو المهم، لأن هذه الأيام تمتاز بأنها لا تحفل بالعدل والجور، وإنما تحفل بالحقائق الواقعة. وهذه القسمة حقيقة واقعة فيما يظهر، نريد أن ننكرها فتكرهنا على أن نؤمن بها، ونريد أن نشك فيها فلا نجد إلى الشك فيها سبيلا. وهذه القسمة قد تولتها الظروف وأنت تستطيع أن تحلل الظروف كما تشاء، فبعضها قوة لا تُرد، وبعضها ضعف لا يُقاوم، وبعضها اضطراب لا يستقر. وقد تحالفت هذه الظروف كلها على أن تقسم أمور هذا البلد الشقي في هذه الأيام السود، بين المندوب السامي البريطاني وبين الوزارة المصرية القائمة. فتجعل لهذا شطراً ولهذه شطراً آخر. وواضح جداً أن ظروف المندوب السامي قوة كلها، وأن ظروف الوزارة القائمة ضعف كلها، وأن ظروفاً أخرى بين المندوب السامي وبين الوزارة كلها تردد واضطراب. فليس غريباً إذن أن يكون للمندوب السامي أوفر الشطرين وأقومهما، وأن يكون للوزارة أيسر الشطرين وأقلهما شأناً، وأن يقف المصريون بين هذين المقتسمين ينظرون، وقلوبهم يملؤها الأسى ويفعمها الحزن اللاذع العميق.
    فأما المندوب السامي فقد أرادت ظروفه، وكلها قوة كما تعلم، أن تجعل إليه حماية مصر في هذه الأيام، وحماية مصر بأوسع معاني هذه الكلمة وأشملها وأدقها وأدناها إلى التحقيق. فالمندوب السامي يفتش على حدودنا في الشرق والغرب، ليكون على علم صادق محقق بما تحتاج إليه حماية هذه الحدود. والمندوب السامي يفتش على جيشنا ليكون على علم صادق محقق بحاجة هذا الجيش إذا دعت الظروف إلى استخدامه لحماية هذه الحدود، أو لحماية مصر في داخلها، والمندوب السامي يفتش على شرطتنا ليكون على علم صادق محقق بقدرة هذه الشرطة على حماية الأمن وإقرار النظام، إذا احتاج الأمن إلى حماية، أو احتاج النظام إلى إقرار. فالمندوب السامي إذن يعنى بحماية مصر حماية مادية، من غارة الأجنبي أو اضطراب الأمر في داخل الأرض. ولا تنس أن المندوب السامي يتغلغل في أعماق مصر زائراً لبعض الوزراء أو متخيّراً لبعض الأماكن التي تصلح مستقراً للطيارات في قلب مصر.
    ثم المندوب السامي يعنى بحماية مصر حماية معنوية سياسية. يفاوض الفرنسيين في مسألة الدين قبل أن يفاوضهم المصريون في هذا العام، ثم هو يلاحظ أن المفاوضات لم تنته إلى غايتها فيحتفظ بها ليستأنف فيها الحديث، ثم هو يشرف على هذه المشكلات التي أثيرت في المحاكم المختلطة ويلاحظ من قرب ما يكون بين وزارتنا وبين القضاة الأجانب في هذه المحاكم من أخذ ورد. ثم هو يرفع الأمر إلى حكومته، ويتلقى رأي حكومته فيه، ثم هو يستطيع أو تستطيع الظروف أن تؤجل المذكرة التي كانت وزارتنا تريد أن ترسلها إلى الدول حتى يستقر رأي وزارة الخارجية البريطانية على شيء. ثم تقول الصحف هنا وهناك إن أمر هذه المذكرة أصبح مشكوكاً فيه، فقد ترسلها الوزارة المصرية إلى الدول مباشرة، وقد تتحدث فيها وزارة الخارجية البريطانية إلى الدول نيابة عن مصر. ولا تنس أن المندوب السامي على عنايته بالحماية الحربية والسياسية لمصر لا يقصر في إظهار العناية بحماية المصريين أنفسهم أفراداً وجماعات مما يظن أن حمايتهم منه واجبة، فالرجل فيما يقال معني بقصة الاستبدالات وبقصة الكورنيش، وهو فيما يقال معني بأمور الري، وهو فيما يقال يتلقى ما يرفعه إليه ضعاف المصريين من الشكوى فيدرسه ويسأل عنه، ويدخل فيه، متحدثاً إلى الوزراء أو مرسلاً من يتحدث إليهم وإلى غيرهم من الموظفين. والرجل بعد هذا كله وفوق هذا كله يدرس شؤون الأحزاب ويفكر فيما كان، ويقدر ما سيكون، فإذا أضفت إلى هذا كله أنه مسيطر على أمور التحفظات الأربعة عرفت أن نصيبه من شؤون مصر هو نصيب الأسد، وأنه قد أخذ من الشطرين أوفرهما وأقومهما وأوفاهما وأشدهما ملاءمة لقوة الأقوياء. أما وزارتنا فنصيبها متواضع كما أنها متواضعة، ونصيبها ظريف كما أنها ظريفة. فلها تنظيم الاستحمام على السواحل، ولها ملاحظة ما يلبس الناس وما يخلعون، ولها مضايقة الصحف، ولها التشديد على الوفد حين يذهب رئيسه وحين يجيء، ولها التصرف في بعض ما يمس العزل والنقل، والتعيين والفصل على أن تستشير في ذلك من يستطيعون أن يقدموا لها المشورة حين تطلبها وحين لا تطلبها. وقد يكون لها أن ترسل الوفود إلى المؤتمرات، وأن تكلف بعض الموظفين سياحات في أوروبا للبحث عن الكتب، أو لدرس شؤون التعليم أثناء إغلاق المدارس في فصل الصيف، ولها قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تقيم في الإسكندرية مستمتعة بجمال البحر، وصفاء الجو، وعذوبة النسيم،
    وأن تنتقل بين الدور للغذاء حيناً والعشاء حيناً آخر ولشرب الشاي مرة ثالثة، ولا بأس بنزهة بحرية أو رحلة إلى مرسى مطروح من وقت إلى وقت.
    أرأيت إلى الظروف كيف تقسم أمور مصر بين المندوب السامي والوزارة القائمة فتحسن التقسيم، وتعطي لكل منهما ما يلائم حظه من القوة والضعف؟ فأما الشعب المصري فقد كانت الظروف رفيقة به شفيقة عليه، فمنحته نصيباً يلائمه كل الملاءمة وهو الصبر على الهموم الثقال، واحتمال الخطوب التي خُلق لاحتمالها.
    وكما أن المندوب السامي يحسن التصرف بما جعلت له الظروف، فيفتش في الشرق والغرب طائراً حيناً وسائراً حيناً آخر، وكما أن الوزارة تحسن التصرف فيما جعلت لها الظروف فتعين وتفصل، وتعزل وتنقل، وتأمر الناس بأن يلبسوا البرانس ولا يخلعوها حتى يبلغوا الماء، فالشعب المصري يحسن الصبر ويجيد الاحتمال ويبتسم للخطوب وينتظر ما ستنكشف عنه الأيام.
    فلنصبر معه ولنبتسم، ولننتظر فقد لا يطول هذا الانتظار.
    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٨/ ١٩٣٤.

  • دعوات الاستقالة: صيف بلا حلول | Calls to Resign: A Summer Without Solutions

    حديث الوادي
    استقالة…
    لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
    كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
    أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
    كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
    أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
    فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    فتور…
    أسرفت الوزارة في بذل الوعود حتى صدقها الذين كانوا يحسنون الظن بها من الأنصار والأصدقاء، وانتظروا أن تأتيهم بالآيات البينات على أنها خير وزارة أتيحت لهذا البلد الشقي، لتخرجه من الظلمة إلى النور، ومن العسر إلى اليسر، ومن الفقر إلى الثراء. وانتظروا لذلك أن تحل لهم ما تعقد من المشكلات. وتذلل لهم ما استعصى من العقبات. فتفرج الأزمة من جميع نواحيها. ثم ظلوا ينتظرون شهراً وشهراً وشهراً، والسماء تمطر عليهم وعوداً وأماني يصعد السحاب بها من وزارة المالية حيناً حيث الوزير النابغة ومن رئاسة الوزراء حيناً آخر حيث الرجل الطيب. ثم يهبط الغيث على مجلسي البرلمان حيث الشيوخ والنواب الذين يؤمنون بالوزارة وينتظرون منها الخير، ولا يرقون إليها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة. وظل الأنصار والأصدقاء ينتظرون وظلت سحب الوعود والأماني تصعد إلى السماء، ثم يهبط الغيث منها على الأرض، ولكن الأرض ظلت مجدبة لا يمسها الخصب، ميتة لا تنبعث فيها الحياة. حتى استشعر الأنصار والأصدقاء أن هذه السحب التي تمطرهم بالوعود والأماني توشك أن تكون مخلفة للظن مخيبة للأمل مفسدة للرجاء. هنالك اجتمع منهم فريق ضخم، قالوا إنه نيف على الأربعين، فتشاوروا، ثم أجمعوا أمرهم بينهم على أن يستجوبوا الوزارة ويخرجوها من حياة الوعود والأماني إلى حياة القول المنتج والعمل المفيد.
    وأمضوا الاستجواب، وقدموه، واستمسكوا به وأصروا عليه، وداورتهم الوزارة حيناً، ثم استجابت لهم، وقبلت المعركة التي قدموها، ولكنها أخذت تؤجل يوم الخصام مرة ومرة حتى إذا لم يبق بد من خوض غمارها، واصطلاء نارها، حدد لها يوم الثلاثاء الماضي.
    فياله من يوم اضطربت له القلوب حتى بلغت الحناجر أو كادت تبلغها، وزاغت له الأبصار حتى خرجت العيون من الرؤوس أو كادت تخرج منها، وتعلقت له أنفاس الناس، كلهم ينتظر بدء المعركة، وكلهم ينتظر آخرتها. أتحل الأزمة أم لا تحل؟ أتنتصر الوزارة أم ينتصر النواب؟ أيأمن المصريون على ما بقي في أيديهم من أسباب الحياة، أم يستيئسون، أيستقبل المصريون عهداً يأكل فيه الأطفال حتى يشبعوا، ويشرب فيه الأطفال حتى يرتووا، ويجد فيه الأطفال ما يقيهم الحر والبرد، وأحداث الزمان. أم يستقبل المصريون عهداً يضاف فيه الجوع إلى الجوع، والبؤس إلى البؤس، والحرمان إلى الحرمان، وكان المعقول أن يكون نشاط المختصمين لهذه المعركة ملائماً لموضوعها في الحدة والشدة، وفي القوة والعنف. ولكن المعركة بدأت فاترة، وتكلم من تكلم، وأنكر من أنكر، وقال وزير المالية كلاماً لم يقدم ولم يؤخر، حتى إذا تقدم الوقت بعض الشيء، نظر رئيس مجلس النواب إلى الحاضرين من أعضاء المجلس، فإذا هم قد أخذوا يقلون، ويقلون ويتضاءلون، ويتضاءلون، حتى إذا رفعت الجلسة كان عدد النواب وقت رفعها خمسة عشر فيما أذاعت الصحف. وكان المعقول ألا يكون النواب أقل حماسة لاستئناف المعركة، من الوزراء، وألا يكون الوزراء أقل تحرقاً إلى معاودة الخصام من النواب، ولكن الوزراء والنواب أظهروا من حب الأمن وإيثار العافية والميل إلى السلام ما أجّل المعركة يوماً ليضمد فيه المختصمون جراحاتهم، ويصلحوا من أمرهم، ويجددوا ما يحتاجون إليه من المؤن والذخيرة حتى إذا كان يوم الخميس التقوا موفورين قد تمت لهم أدوات النزال والنضال، فشبوها حرباً حامية لا تدع من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وكان المعقول أن يجمع النواب جموعهم، وأن يكون عددهم ضخماً، واستعدادهم فخماً، وأن يكثر النظارة الذين يشهدون الموقعة حتى تضيق بهم الغرفات والحجرات. ولكن ميعاد القتال أقبل، وجاء الوزراء لميعادهم، لم يتخلفوا ولم يبطئوا، وظلوا ينتظرون الخصوم الذين طلبوا النزال، وألحوا في النضال، ثم ظلوا ينتظرون، ثم ظلوا ينتظرون، ثم دق الجرس، واستمر يبعث دعاءه المتصل الملح، فإذا النواب لم يحضروا للميعاد، وإذا الميدان قد ظل خالياً أو كالخالي. يبسط عليه الوزراء سلطانهم ويستطيعون أن يتصرفوا فيه كما يريدون، لأن حماته لم يحضروا، ولأن الذادة عنه لم يسرعوا إلى الذود عنه. وكأنما كان النواب والنظارة على اتفاق ألا يحضر أولئك إلى الميدان، وألا يسرع هؤلاء إلى شهود الموقعة، فلم تزدحم الغرفات والحجرات، وانصرف الوزراء، وهم يشعرون بأنهم قد اهتموا للأمر أكثر مما ينبغي، وجدوا فيه أكثر مما يجب. ثم ألقيت أنباء هذه المعركة التي لم تبتدئ ولم يلق أحد فيها كبداً إلى الناس. فلم يدهش لذلك أحد، ولم يعجب من ذلك أحد، وإنما مر الناس بهذه الأنباء غير حافلين بها، ولا مكترثين لها. فما تعليل ذلك؟ وما تأويله؟ تعليل ذلك سهل، وتأويله يسير. فالنواب لم يكونوا ينتظرون من الوزارة شيئاً، فلم يكلفون أنفسهم العناء؟ ولم يحملونها المشقة؟
    والنظارة لم يكونوا يتوقعون من المعركة شيئاً. فلم يحبسون أنفسهم ساعات في الغرفات والحجرات؟
    والناس لم يكونوا ينتظرون من المعركة شيئاً. فلم يحفلون بأنبائها، ويعنون بأحاديثها؟ وكذلك أراد الله أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الفتور، فسيوف الأزمة مسلطة على الرقاب، وأشباح الشقاء مروعة للنفوس، ونيران الجوع مضطرمة في الأجواف، ولوعة الحرمان ممزقة للقلوب، والناس مع ذلك لا يرجون من وزارتهم خيراً، ولا ينتظرون من حكومتهم معونة، وإنما هم يسلمون أنفسهم إلى اليأس، وينتظرون قضاء الله فيهم. والوزارة عاجزة عن أن تعينهم، قاصرة عن أن تنفعهم. قد يئست من نفسها ويئست منهم، والنواب يعلمون هذا أو يحسونه، فيلقون اليأس باليأس، والفتور بالفتور. ويبلغ الكتاب أجله، وتنتهي المحنة إلى أقصاها، وتصبح مصر الرسمية صورة وشكلاً، وتشتد أمور الدولة حرجاً وعسراً، فلا نلقى من النواب ولا من الوزراء إلا فتوراً وقصوراً وإعراضاً واستسلاماً للقضاء. من كان يرضيه أن تنتهي أمور مصر إلى هذا الحد من الهوان على المصريين، فليبتهج، فقد ظفر بما كان يريد. من كان يرضيه أن ينصرف الموكلون بالسياسة المصرية عن السياسة المصرية فليغتبط، فقد تم له ما يريد. من كان يرضيه أن يترك المصريون أمورهم للأقدار تصرفها كما تشاء، دون تدخل منهم ولا عناية، فليطمئن فقد تم له ما يريد. ثم من كان يرضيه أن يكون اشتغال الإنجليز بمرافق المصريين أكثر من اشتغال المصريين بمرافقهم فليطب نفساً، وليقر عيناً، فقد تم له ما يريد. ويقول الناس أن موقعة كانت أمس بين الشرطة والعمال سالت فيها الدماء، وأطلقت فيها النار، وجرح فيها ناس من أولئك وهؤلاء. فكان طبيعياً أن يسأل النواب عن ذلك في جلسة الأمس، وأن يعرف النواب من وزير الداخلية كيف كان هذا، ولكن النواب لم يجتمعوا أمس لأن الحر كان شديداً، أو لأنهم سئموا حديث الدين العقاري، أو لما شئت من الأسباب. لم يجتمعوا ولم يسألوا وزير الداخلية، ولم يعرفوا منه شيئاً. وأكبر الظن أن الإنجليز قد عرفوا من أمر هذه الموقعة كل شيء.
    لتهنأ مصر الرسمية بهذا الفتور اللذيذ، فإن النوم يستحب في فصل الصيف.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    اعتراف
    نسجل به للمرة الأول أو الثانية بعد الألف ، أو بعد الألفين ، أن رئيس وزرائنا رجل طيب ، رجل طيب لاحد لطيبته . رجل طيب . لم يعرف الزمن رجلا طيبا مثله ، وما نظن أنه سيعرف ، رجلا طيبا مثله في يوم من الأيام ، رجل طيب ، يسبغ المتناقضات ويهضمها ، ويريد غيره على أن يسبغ المتناقضات ويهضمها ، لا يرى بذلك بأسا ولا يجد في ذلك مشقة ولا يحسب لآثار ذلك حسابا .
    كان أخص ما يمتدح به منذ نهض بأعباء الحكم ، أنه ليس كصدقي باشا يقول ما لا يفعل ، ويعد بما لا يقدر عليه ، ويقنع بما لا يقنع به أولو الحزم والعزم من هذه الحلول النصفية التي لا تحل شيئا بل تعقد كل شيء، والتي لا تنفع المصريين ولا خزانتهم، وإنما تنفع الأجانب ومصارفهم ، والتي تفسد على المصريين أمورهم لأنها توهمهم أن مشكلاتهم قد حلت ، حتى إذا ظهر لهم الحق بشعا مخيفا رأوها قد ازدادت عسرا وتعقيدا . فساء ظنهم بأنفسهم وساء ظنهم لحكامهم ، وساء ظنهم بضيوفهم الأجانب أيضا . .
    تلك كانت سياسة صدقي باشا التي لم يكن يحبها الرجل الطيب ، ولا يرضاها والتي كان يعلن ازدراءها ، والاستهزاء بها في مجالسه الخاصة وفى أحاديثه إلى الصحف ، وفى خطبه التي كان يلقيها في الأندية ، وبياناته التي كان يهديها إلى البرلمان ، ويجب أن نعترف لأنفسنا بشيء من الفطنة ، فنحن لم نؤمن لرئيس الوزراء في يوم من الأيام ولم نطمئن إلى ما كان يقول ، ولم نصدق أنه كان قادرا أو سيكون قادرا ، على أن يصل إلى الحلول الكاملة الحاسمة . لا لأننا نشك في أنه رجل طيب ، بل لأننا نؤمن بأنه رجل طيب ، ونؤمن بأن الوزير الذي يستطيع أن يجد الحلول الكاملة الحاسمة ، إنما هو الوزير الذي يظفر من الأمة بالتأييد الكامل الحاسم ، ويثق من الشعب بالحب الذي لا غبار عليه، والثقة التي لا حدلها، والإخلاص الذي لا شك فيه.
    ورئيس وزرائنا بعيد كل البعد ، كما يعلم ، وإن كان رجلا طيبا . ، عن أن يظفر من أمته بهذا التأييد وهذه الثقة ، وهذا الحب، فهو إذن بطبعه عاجز عن أن يصل إلى حل حازم أو حاسم . ولكنه كان يقول ذلك ويردده ويتمدح به ، ويستعلى بتكراره على صديقه
    وخصمه الدكتاتور العظيم ، ولم يكن وزير المالية النابغة أقل منه أعلانا لذلك، ولا إلحاحا فيه . ولا تمدنا به .
    ومضت أشهر طوال والحلول الحاسمة تعلن ولا تجيء ، وتنتظر ولا تصل، وتدعى ولا تجيب ، حتى كان الاستجواب الذي قدمه النواب ، فأما وزير المالية فقد قام منذ أيام وألقى إلى النواب كلاما هو جهد المقل وقوة الضعيف ، وقدرة العاجز، ثم أراح واستراح! وأما رئيس الوزراء فقد قام ضحى الأمس ، مؤمنا بنفسه كما كان يؤمن بها منذ نهض بالحكم واثقا بكفايته كما كان يثق بها منذ ألف الوزارة أو الفت له ، فلما قام شخصت له الأبصار ، وهي تشخص إليه دائما ، وتعلقت به القلوب وهي تتعلق به دائما ، واتصلت به الآذان وهي تتصل به دائما وتهيأت النفوس المجدبة لاستماع الكلمة التي تحمل الخصب ، والدعة ، والسعة والرخاء ، وصدرت هذه الكلمة الساحرة ، ولكنها لم تسخر أحدا ولم تحمل الخصب إلى نفس مجدبة ولا السعة إلى نفس ضيقة ولا الدعة إلى قلب مضطرب، ولا الرجاء إلى رجل محروم.
    قال رئيس الوزراء كلمته فإذا هي تسجل في كل سذاجة ، ويسر ، وطيبة قلب ، وصفاء نفس ، وراحة ضمير إنه كصدقي باشا لا ينقص عنه ، ولا يزيد عليه ، ولا يصل إلى الحلول الحاسمة ، وأن وعد بها ، ولا يستطيع أن يصل إليها ، وإن طمع فيها، وما أكثر ما يطمع الناس، في أن يرقوا إلى السحاب، وينالوا بأيديهم النجوم، ولكن رئيس الوزراء ، سجل على نفسه هذا الاعتراف راضيا به ، مطمئنا إليه ، وأعلنه كما يعلن أن الحر شديد في الصيف ، وإن البرد شديد في الشتاء ، ونسى كل ما قدم من إعلان وتمدح ، ومن طمع، وطموح، ومن عيب لصدقي باشا، وغض من حلوله الناقصة ، أتريد دليلا أوضح من هذا الدليل ، على أن رئيس وزرائنا رجل طيب حقا بأوسع ما لهذه الكلمة من حدود؟ وطيبة رئيس الوزراء معدية، لم تقف عنده، ولم تقصر عليه، بل تجاوزته إلى وزير المالية ، فهو أيضا كان يريد الحلول الحاسمة ، ولا يرضى إلا بها ، ثم قبل الحلول الناقصة ، وحمد الله على السلامة والعافية ، بل طيبة رئيس الوزراء معدية ، تجاوزت الوزراء إلى النواب ، فقد كان النواب ، وأصحاب الاستجواب منهم خاصة لا يقنعون إلا بالحلول الحاسمة ، ولا يرضون إلا أن تكون لازمتنا العقارية فرجة كحل العقال ، ولكن طيبة رئيس الوزراء مستهم أمس بجناحها الرقيق فقبلوا الحلول الناقصة ، وانتقلوا إلى جدول الأعمال

    أليس يمكن أن تنتشر هذه العدوى إلى حدود أوسع وآماد أبعد، فتمس المعارضين أيضًا بجناحها الرقيق، وإذا هم جميعًا يقبلون الحلول الناقصة، ويستيأسون من الحلول الكاملة، ويؤمنون بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ وما بال المصريين يطمعون في الحلول الكاملة، وقد عجز عنها روزفلت برغم ما بذل وما سيبذلون من الجهود، وبرغم قوته وقدرته وسلطانه الواسع البعيد؟ المصريون معذورون إذا لم يبلغهم اليأس؛ فعجز روزفلت لا يعنيهم، ولا يقنعهم؛ لأن لهم وزير مالية هو أشد من روزفلت ذكاء، وأوسع منه كفاية، وأبعد منه نظرًا، وأقدر منه على إصلاح الأمور. وكيف يقرن صبري بك إلى روزفلت؟ وكيف تقاس مصر إلى أمريكا؟ وصبري بك هو زعيم الثورة في أمور المال، ومصر هي بلد الأعاجيب؟ بل كيف تقرن مصر إلى أمريكا، وأمور أمريكا تدبر بالعقل والمنطق، وأمور مصر تدبر بالبركة؟ ومن الذي يشك في أن البركة أنجع في حل الأزمات من العقل والمنطق وعلم الاقتصاد؟

    لا ينبغي أن ييأس المصريون، فستحل أزمة الدين العقاري، وستحل أزمة الدين العام، وستحل أزماتهم جميعًا، بإذن الله، ما دام الرجل الطيب على رأس الوزارة؛ فالله لم يخلق الرجال الطيبين عبثًا، وإنما خلقهم لتفيض بركاتهم على الناس، وكل ما يطلب من المصريين هو أن ينتظروا وأن يصبروا، وأن يحتملوا البؤس والضنك والجوع؛ فكل ذلك لا خطر له، ما دامت طيبة الرجل الطيب قد تمسهم بجناحها الرفيق ذات يوم، فتملأ أرضهم لبنًا وسمنًا، وحسبك من غنى شبع وري.

    وارحمتاه لمصر، إلى متى تظل أمورها لعبًا في أيدي اللاعبين؟
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ يونية ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    أسئلة
    نشرناها مفرقة، أثناء الشهر الماضي وألححنا على الوزارة في أن تقف عندها وتحدثنا برأيها فيها، وكررنا النشر والإلحاح فلم يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، ولم يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه. ثم جمعنا بعضها ونشرناه أمس، وما زلنا ننتظر أن يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، أو يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه، ويظهر أن الله عز وجل، سيقضي على الوزارة بالصمت الذي تنعقد له الألسنة، والسكون الذي تكف له الإرادة عن العمل والحركة، وسيضطرها إلى هذا النوع من الإعراض الذي لا يشرف صاحبه مهما يلتمس له من التفسير والتأويل، فالوزارة مضطربة أمام هذه الأسئلة بين موقفين لا ثالث لهما فيما يظهر، فأما أن تكون مفحمة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف كيف تقول، لأن ما نسأل عنه قد وقع بالفعل، وإما أن تكون متعالية، تتكلف الإعراض، وتتصنع الإغضاء، وتزعم لنفسها أنها أكبر من أن تحفل بهذه الأسئلة وأرفع من أن تنزل إلى الإجابة عنها، وكلا الموقفين شر، وكلا الموقفين لا يشرف الوزارة التي تدفع إليه. وكلا الموقفين لا يجعل الوزارة أهلاً لرضا الناس، ولا موضعاً لثقتهم، ولا خليقة أن ينتظر منها النصح والخير. ذلك أن هذه الأسئلة إن صحت لم تدل على أقل من أن الوزارة تستبيح منافع المصريين فتعيث بها. وتستبيح حقوق المصريين فتضيعها وتستبيح حرمات المصريين فتنتهكها انتهاكًا، وما رأيك في وزارة تعبث بالمنافع وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات، هي وزارة لا يكتفى أن يقال أنها خليقة أن تستقيل، بل يجب أن يقال أنها خليقة أن تقصى عن الحكم إقصاء وأن تحتمل تبعة ما يضاف إليها من السيئات.

    وإذا لم تكن هذه الأسئلة صحيحة، ولا مطابقة للحق، ولا مصورة لما وقع، فصمت الوزارة عليها وإغضاؤها عنها شر لا يشرفها ولا يجعلها أهلاً للحب والثقة وانتظار الخير. فهي في هذه الحال لا تؤثر الصمت إلا إيثارًا للكبرياء، وتكلفاً للعزة وارتفاع المنزلة، وما ينبغي لوزارة تزعم أنها تحكم في بلد ديمقراطي حكما ديمقراطيًا أن ترتفع عن الشعب أو تكبر عليه، أو تغض عما يوجه إليها من سؤال، أو تعرض عما يُضاف إليها من سيئة. فهي لم تقم إلا لتخدم الشعب، فإغضاؤها عن سؤال الشعب إليها ومحاسبة الشعب لها خروج عن الواجب الذي قامت لأدائه والنهوض به، وتجاوز للحق الذي يفرضه عليها المنصب الذي تشغله، والأجر الذي تقبضه، والجاه الذي تتمتع به، والسلطان الذي تستطيل به على الناس، وليس عزيزاً من يصطنع العزة في غير حقها، وليس كبيراً من يتكلف الكبرياء في غير موضعها، ومهما يستعل الخادم على سيده فهو خادم دائمًا، ومهما تستعلي الوزارة على الشعب فهي وزارة دائمًا، يؤجرها الشعب لتخدمه لا لتستعلي عليه.

    ذلك إلى أن صمت الوزارة سواء أكان نتيجة للعجز أو نتيجة الكبرياء لا يلائم منفعتها العاجلة الخاصة، حتى إذا لم تكن ديمقراطية، ولا محبة للديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكم أن يَقْبَحَ فيه رأي المحكوم، وليس من منفعة الوزارة أن يسوء بها ظن الناس. وكل حاكم مهما يكن قويًا، معتزًا بقوته الخاصة، أو بغير قوته الخاصة، في حاجة إلى أن يرضي الناس عنه، أو إلى أن يظهر الناس رضاهم عنه، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى أن يتكلف إذا لم يستطع، أن يسير بالفعل سيرة المنصف العدل المتواضع الذي لا يحب جورًا، ولا ظلمًا، ولا إسرافًا، ولا تكبرًا. فأين وزارتنا من هذا كله حين نسألها عن الشر المنكر، يقال أنه وقع، فلا تجيب، ثم نعيد السؤال فلا نجيب. ثم نعيد السؤال مرة أخرى فلا تجيب، أمتَحَرِّية هي منافع الشعب؟ أمتَحَرِّية هي منفعتها الخاصة، أم لاهية هي عن منافع الشعب، وعن منافعها الخاصة، بما هو أهون خطرًا وأيسر شأنًا، وبما لا ينبغي أن يشغل به الوزراء من صغائر الأعمال؟

    والغريب أن هذه الأسئلة التي نشرناها مفرقة ثم مجتمعة لا تمس هيناً من الأمر، وإنما تمس شؤونًا هي من أعظم شؤون الحياة المصرية خطرًا. بعضها يمس حقوق المصريين في الحرية المقدسة، وحرمات المصريين من حيث هم أشخاص كرام، يحميهم القانون والدستور، من أن يمسهم ظلم أو عدوان، فهل عذب المصريون في ميت غمر وأخميم والسنبلاوين؟ وإن كانوا قد عذبوا فمن عذبهم، وبأي حق عذبهم؟ وعلى أي أصل من أصول القانون والدستور اعتمد في تعذيبهم؟ وما جزاء الذين يعذبون المصريين وتعذيبهم إثم؟ وما جزاء الذين يتولون الحكم ويرون هذا الإثم ثم يعرضون عنه ويسكتون عليه؟.
    ومن هذه الأسئلة ما يمس حقوق المصريين في المناصب المصرية، وهي حقوق يكفلها الدستور، ويسجل كفالته لها تسجيلًا صريحًا. فهل آثر الإنجليز على المصريين بالمناصب في غير حق، وبغير علة، وعن عمد قبيح؟
    وإذا كان هذا حقًا فما جزاء الوزير الذي يخالف نص الدستور، ويهضم حق مواطنه، ويؤثر الأجنبي على ابن الوطن. وما جزاء رئيس الوزراء الذي يرى هذا من أحد زملائه فيغضي عنه ويسكت عليه، ومنها ما يمس أموال الدولة ومناصبها والتحكم في إنفاق هذه الأموال وفي شغل هذه المناصب.
    فهل وقع ما أشرنا إليه من قصة مدير الأملاك، ومن قصة ذلك الرجل الكبير الذي احتال على الدولة، في قطعة من أرض الزمالك، فاشتراها لأهله ثم ردها ثم اشتراها، على أن يدفع ثمنها مؤجلًا، ثم عجل الدفع، واستفاد مئتين من الجنيهات، وإذا كان هذا قد وقع فما جزاء وزير المالية الذي يرى العبث بأموال الدولة فيغضي عنه ويسكت عليه.

    لا تجيب الوزارة على شيء من هذا لأنها عاجزة عن الجواب، وما ينبغي للوزارة العاجزة أن تبقى في الحكم، أو لأنها أكبر من أن تنزل إلى الجواب وما ينبغي للوزارة المتكبرة أن تبقى في الحكم.

    وأغرب من هذا كله أن نذكر حين كنا نحاكم أمام القضاء في قصة التبشير منذ أقل من شهرين فكانت النيابة تقيم الحجة علينا وتلح في إقامتها وتملأ فمها بأننا تعجلنا وكان من حقنا أن نستأني، وأضفنا إلى الوزارة أشياء وكان من الحق علينا أن نسألها. وكان القضاء في حوارهم، يرون أن هذا حق، وأن الواجب أن يسأل الوزراء قبل أن تُضاف إليهم الحوادث، والأعمال، وكنا نقول للنيابة، ونقول للقضاء أننا نسأل فلا نجاب. فكانت النيابة تظهر الشك في ذلك، وكان القضاة يرون هذا بعيدًا غير معقول، فنحب الآن أن ترى النيابة وأن يرى القضاة، أننا نسأل فلا نجاب وأننا نلح في السؤال فلا نجاب، وأننا ننشر الأسئلة مفرقة ومجتمعة فلا نجاب. ونحب أن تذكر النيابة هذا، وأن يذكره القضاة أيضًا، فقد يكون من الخير أن تعرف النيابة ويعرف القضاة أن موقف الصحافة من هذه الوزارة ليس بالموقف الطبيعي الذي تجري عليه أحكام المنطق والعقل والعرف المألوف، وإنما هو موقف غريب يسأل الصحفي فلا تجاب، فإذا وجدت الوزارة عليه سبيلًا ولو ملتوية معوجة، دفعته أمام القضاء دفعًا، وسلطت عليه ما يمكن وما لا يمكن من ضروب الإعنات.

    أما بعد فهذه أسئلة قائمة ما زالت تنتظر الجواب، وعندنا أسئلة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا، نشر بعضها وسينشر بعضها الآخر عما قليل.
    طه حسين
    الوادي، ٢ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    استقال
    نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
    لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
    والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
    رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
    استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
    وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
    وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
    يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
    ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
    كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
    ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
    لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أزمة . . .
    يتمناها أكثر الناس، لأنها تزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس، لأنها تُغلق في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سبل الحياة. ويتحدث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديث. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أن حدثًا قد حدث، أو نبأ قد أُذيع، حتى يجدوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أن تحقق الأيام ما خيلت الأحلام. وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها. لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يُلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نفوسهم، فهم يتمنون أن تمحو الأيام ما خيلت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكون الشعب. كثرة قلقة لأنها تريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة. ما نرى أن حالة سياسية تستطيع أن تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مصري من الخوف، ولا يطمئن فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه، إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.
    تحدث إلى من شئت من الناس، فسيكون أول الحديث في الأزمة السياسية، وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك، بأطراف من موضوعات مختلفة، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأن الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمس الناس ويومهم وغدهم لم تُخلق إلا للأزمة السياسية.
    ومع ذلك كله، فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة، فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا. فإذا كان هناك إخفاق يمكن أن يُهنأ به المخفقون، وفشل يمكن أن يُهنأ به الفاشلون، فهو هذا الإخفاق وهذا هو الفشل. فأصحاب هذا العهد السعيد لم يوفقوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء. كانوا يريدون أن يُلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هم ينتهون إلى أن يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق. كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخنوع. ثم كانوا يريدون أن يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يُعنى فيها بالسياسة، وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أن الشعب قد أصبح يُعنى كله بالسياسة، ويؤمن أصدق الإيمان بأنه وحده صاحب الأمر، وبأن غيره إن عُني بالسياسة، فلا ينبغي أن يُعنى بها إلا نائب عنه ومفوض منه ليس غير.
    مهما يكن من شيء، فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إن أردت التدقيق. قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يقسمون بالله جهد إيمانهم أنها وهم من الأوهام، وخيال من الخيالات. أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال. فإذا سألت حقائق الأشياء، فالأزمة قائمة منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فُرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا. ففرض هذه السياسة نفسه أزمة لم تخلص منها البلاد بعد. وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تُسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في منصبه رغم الشعب ورغم الأحداث ثلاثة أعوام وبعض العام، ثم هوى في يوم من الأيام، لسبب لا تزال حقيقته مجهولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نفسه غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم، كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة. فالوزارة التي تعد بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا، خليقة أن تُسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تعد بحل مسألة الدين العام دون مفاوضة، ولا خروج عن قاعدة الدفع ورفضًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسمن داء الدين العقاري حسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رئاسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن أنها ستفاوض في أمر المحاكم المختلطة، مفاوضة الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقدم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم منكرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب، ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يصلح منها شيئًا، ولا يرد الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يعصم أجسامهم من العذاب، ولا يُخلي بين نفوسهم وبين الحرية، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة. كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة، خليق أن يثير الأزمة الوزارية الحادة، وأن ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تَبسُم للأزمات، وتَبسُم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومحالفة. ذلك لأن كل هذه الأزمات إنما تُسقط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتُسقط حين لا يريدها الشعب، ولا يطمئن إلى بقائها. فأما إذا فُرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها ولا خطر. وإنما الشيء الذي له القيمة وله الخطر، هو شيء مجهول. لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا. لا تستطيع أن تتنبأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يُسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تُقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور. هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مستمتع بثقة البرلمان. هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل. هو شيء فوق البحث، هو شيء فوق الحديث. هو شيء يجب أن ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة. حين ينتظر، وحين لا ينتظر، حين يُقدَّر، وحين لا يُقدَّر، حين يُرجى، وحين لا يُرجى، حين يُخاف، وحين لا يُخاف. فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمة لا تُغني. وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون، لأن أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادق، لأن الناس ما زالوا يُعذَّبون، ولأن الأحداث والهموم لا زالت تصب على رؤوس المصريين. وإذا انتشر خبر فجال على غير حساب ولا انتظار بأن عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك، فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام. تستطيع إذن أن تصدق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء. لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق، ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق، ولا لتفكير العقل. وإنما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمصادفة، التي لم يوفق الإنسان بعد إلى أن ينظمها بقانون. فانتظر كل شيء، ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ يوليه ١٩٣٤.

  • الولاء تحت النار: الحكومة ومصطفى النحاس | Loyalty Under Fire: The Government vs. Mustafa al-Nahhas

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
    وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
    وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
    وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
    من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
    متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
    إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
    فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
    في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
    طه حسين
    الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أسبوع…
    ستقصر أيامه فيما يظهر، وستطول لياليه؛ لأن رئيس الوفد قد أخذ يزور فيه بعض الأقاليم، فسيظل وزير الداخلية معلقًا بالتليفون بياض النهار، مفكرًا فيما كان وما سيكون سواد الليل. ويزيد هذا الأسبوع مشقة وعسرًا أن رئيس الوفد لم يكن رحيمًا ولا رفيقًا، فهو قد اختار الرحلة إلى بورسعيد، وإلى إقليم الشرقية، ولما تمضِ على ظهور الحركة الإدارية أيام يستطيع وزير الداخلية فيها أن يستريح من هذا العناء الثقيل الطويل، الذي أفنى نفسه به أشهرًا متصلة. ولو أن رئيس الوفد كان رحيمًا رفيقًا، لانتظر برحلته هذه حتى يستريح الوزير من عناء هذه الحركة الثقيلة العنيفة، وحتى يسترد قواه كاملة، ونشاطه موفورًا، ليفرغ لهذه الرحلة وما ستفرض عليه من أثقال، وما تكلفه من عناء.
    ولكن رئيس الوفد سيعلم أن وزير الداخلية رجل لا تعيبه الشدة، ولا يضنيه الجهد، ولا يؤخذ على غرة، وإنما هو رجل قوي مهما يكن ضعيفًا، نشيط مهما يكن فاترًا، مستريح مهما يكن متعبًا، ينام بإحدى مقلتيه وينظر بإحداهما الأخرى في أعماق الجو، وآفاق السماء، وأقطار الأرض، ليرى من أين تأتيه الأحداث، ومن أين تسعى إليه الخطوب.
    والشرطة بحمد الله مستعدة، والإدارة بحمد الله متأهبة، فما هي إلا أن يصدر الأمر حتى يلتئم المتشعب ويجتمع المتفرق، وإذا الثغر الثاني من ثغور مصر قد أصبح مدينة من مدن الحرب، ينتشر فيها الجند، وتنبت فيها الشرطة، ويرتفع فيها العجيج والضجيج، وتسمع فيها قعقعة السلاح، ويضطرب في جوها صهيل الخيل، ويعلم المصريون من أمرها أنهم أحرار، ولكن بمقدار، وأنهم في بلادهم، ولكنهم لا يملكون أن يستقبلوا من يحبون كما يحبون، ويعلم الأجانب من أهلها أن ليس عليهم بأس من أن يهزأوا بالمصريين، ويسخروا منهم، ومن أن يستذلوهم ويستغلوهم، فهم قوم يحسبون أنفسهم أحرارًا، وما أقل حظهم من الحرية، ويرون أنفسهم أعزة، وما أقل حظهم من العزة، ويزعمون أنهم مستقلون، وما أبعد الأمر بينهم وبين الاستقلال. ولو كانوا أحرارًا أو أعزة، أو مستقلين، لما أخذت المدينة عليهم من أقطارها، ولما أحاط بهم الجند والشرطة كما يحيط السوار بالمعصم، ولما تغلغل الجند المسلح في أحشائها، كما يتغلغل المرض في أحشاء المريض، لا لشيء إلا لأن زعيم مصر يريد أن يزور مدينة من مدن مصر، ولكن وزير الداخلية يقظ، والجند يقظ معه، والشرطة متأهبة والقوة مواتية، ومن الحمق أن تكون قويًا ولا تظهر القوة، وأن تكون يقظًا ولا تظهر اليقظة، وأن تكون ذا بأس وتستر بأسك عن أن تراه العيون.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه وزير الداخلية ورئيس الوزراء: ماذا كان يصنع وزير الداخلية، بل ماذا كانت تصنع الوزارة كلها، لو أن داعيًا من بورسعيد دعا المندوب السامي لزيارة بورسعيد، وخطر له أن يقيم له السرادقات ويحشد له الناس، يستقبلونه هاتفين مصفقين؟ أكانت تحشد الشرطة؟ أكان يعبأ الجند؟ أكان يعتقل الناس مئات ويحشرون في السجون حشرًا؟ أكان يصدر الأمر إلى التجار أن يغلقوا متاجرهم؟ أكان يصدر الأمر إلى الناس أن يلزموا دورهم؟ أكانت مدينة من مدن القطر تؤخذ بالحكم العرفي، في غير قانون، وفي غير ما يدعو إلى أخذها بالحكم العرفي؟ كلا. لقد كان المندوب السامي البريطاني يزور قرية من قرى الأقاليم، فيضيفه الوزير، ويستقبله المدير، ويحشد الناس له حشدًا، وتمهد الأرض لطيارته تمهيدًا. يا لسخرية الأيام!…
    لقد كان المصريون يظنون أن أرض مصر ملك لهم، يستطيعون أن يذهبوا عليها ويجيئوا، وأن جو مصر ملك لهم، يستطيعون أن يتنفسوا فيه أحرارًا، فأظهرت الأيام أن أرض مصر ملك لوزير الداخلية، يبيح السعي عليها لمن يشاء، ويحظره على من يشاء، وأن جو مصر ملك لوزير الداخلية يبيح التنفس فيه لمن يشاء ويحظره على من يشاء. وأن المصريين جميعًا خاضعون لوزير الداخلية، يصرفهم كما يحب، ويدبر أمرهم كما يريد، يأذن لهم بالاستقبال فيستقبلون، ويحظر عليهم الاستقبال فيمتثلون. فمن هم منهم إلا يطيع اعتقلته الإدارة خوفًا عليه لا خوفًا منه، فالإدارة لا تخاف من شيء ولا تخاف من أحد، ولكنها تعتقل المصريين مخافة أن يخالفوا أمر الوزير فيستقبلوا وقد نهاهم عن الاستقبال، ويهتفوا وقد حرم عليهم الهتاف، ويصفقوا وقد حذرهم من التصفيق، ويتعرضوا من أجل ذلك للتحقيق ثم للمحاكمة! ووزير الداخلية رجل يحسن الاحتياط، فهو يتهيأ للخطر قبل وقوعه، لا في بورسعيد وحدها، بل في الشرقية أيضًا، فلا بد من أن يستعد هذا الإقليم استعدادًا عسكريًا حافلًا لهذه الموقعة التي ستكون يوم الخميس.
    لرئيس الوفد أن يزور الشرقية، ولكن ليس للوفديين أن يستقبلوه، يستطيع أن يزورهم في دورهم إن أراد، على أن تحيط به قوة الحكومة لتحميه من الناس الذين لا يحبونه، ولا يريدون زيارته! فأما أن يجتمع الوفديون للقاء زعيمهم فهذا شيء لا يرضاه الوزير، ولا يقره المدير، ونعود فنسأل: ماذا كان يصنع الوزير وماذا كان يصنع المدير لو أن داعيًا من أهل الشرقية دعا المندوب السامي لزيارته وأراد أن يقيم له سرادقًا وأن يحشد له المستقبلين؟ أكان ينفذ فيه قانون الاجتماعات؟ أكان يمنع من إقامة السرادق؟ أكان يحظر عليه حشد الناس؟ كلا! إنما كانت الأرض تمهد والسرادق يقام، والمحافظ يسعى على رأس المستقبلين.
    يجب أن يفطن المصريون، فإن مصر فيما يظهر ليست خالصة لهم، يجب أن يفيق المصريون، فإنهم فيما يظهر لم يخلقوا ليستمتعوا بأيسر مظاهر الحرية في بلد يزعم أنه حر، وأن أموره ينظمها الدستور، وإنما خلقوا ليقيم وزير الداخلية في الإسكندرية ويدير من هناك ما يبيح لهم وما يحظر عليهم، يستشير في ذلك رأيه هو، وإرادته هو، وقد يستشير في ذلك رأي الإنجليز، وإرادة الإنجليز.
    نعم يجب أن يفيق المصريون وأن يفطنوا، فوزير الداخلية حر في أن يرى ما يشاء، ولكن المصريين أيضًا أحرار في أن يستقبلوا ما يشاؤون كما يشاؤون، والقانون وحده هو الحكم بينهم وبين وزير الداخلية فيما يمكن أن يشجر بينهم من خلاف.
    إن من حق زعيم المصريين أن يزور المصريين متى شاء، وأين شاء، وحقه في ذلك أعظم ألف مرة ومرة من حق المندوب السامي البريطاني. وإن على الذين يبثون العقاب في سبيل رئيس الوفد، ويقيمون الحوائل بينه وبين الناس، على حين يمهدون الأرض للمندوب السامي، ويخلون بينه وبين الناس، ويفتحون له بيوت الوزراء، من الحق على هؤلاء أن يتدبروا، وأن يتفكروا، وأن ينظروا في العواقب، وأن يسألوا الضمائر، فإن الشعوب لا تؤخذ بهذا النحو من العنف في هذه الأيام…
    طه حسين
    الوادي، ٢٩ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تحكم…
    ليس على الأمن ولا على النظام خطر قليل أو كثير، من أن يزور زعماء مصريين مدنًا مصرية مهما تكن، إذا عرفت الشرطة والمشرفون على أمرها كيف تلزم الحيدة التامة، فلا تعرض للناس بالشر، ولا تمسهم بالأذى، ولا تصادر حقهم الطبيعي المقدس، في أن يمشوا على أرضهم أحرارًا، ويتنفسوا في جوهم أحرارًا، ويلقى بعضهم بعضًا أحرارًا، وآية ذلك أن رئيس الوفد قد زار بنها منذ أسابيع، وزارها في فرصة دقيقة أشد الدقة، حرجة أشد الحرج، تمتلئ فيها النفوس بالظنون المختلفة وتنطلق فيها الألسنة بالأحاديث المتباينة، وتحتشد فيها الجماعات من المدن والقرى القريبة والبعيدة، واستخفت الشرطة في ذلك اليوم فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم يكلم أحد من الناس كلمة، وعاد رئيس الوفد من زيارته لا بأس عليه، ولا بأس على أحد من الناس.
    فالشر إذن لا يأتي من زيارة الزعماء للأقاليم، ولا من تنقل الزعماء بين المدن والقرى، وإنما يأتي من تحكم الإدارة في الناس، وتسلطها عليهم، وأخذها إياهم بما لا ينبغي أن تأخذهم به، من ألوان الشدة والعنف، ومن فنون القسوة والطغيان.
    من الذي يبيح للإدارة أن تأمر المصريين بأن يسعوا على قطعة من أرض مصر دون قطعة أخرى، وبأن يسلكوا طريقًا من طرق مصر، دون طريق أخرى ولم يتبين أن هناك خطرًا محققًا أو مرجحًا من أن تترك الحرية للمصريين يسعون على الأرض المصرية كما يشاءون يسلكون من الطرق المصرية ما يشاءون؟ من الذي يبيح للإدارة أن تقسم مدينة مصرية إلى قسمين، وأن تفصل بين هذين القسمين فصلًا؟ وتحظر على الناس أن ينتقلوا من أحدهما إلى الآخر إلا بإذن خاص منها، تمنحه حينًا وتمنعه أحيانًا؟ لقد تحدثت الصحف، والصحف الموالية للوزارة خاصة، بأن الإدارة في بورسعيد منعت الانتقال من حي العرب إلى حي الفرنج إلا بإذن، وأعطت الموظفين الذين يقيمون في حي العرب ويعملون في حي الإفرنج جوازات خاصة ينتقلون بها من حي إلى حي، ويجوزون بها هذه النطاقات العسكرية التي أقامتها الشرطة بأمر الإدارة في بورسعيد.
    ففيمَ هذا كله؟ ولمَ هذا كله؟ ومن الذي زعم للإدارة وللوزارة أن أحد القسمين في بورسعيد قد أعلن الحرب على القسم الآخر وأنها مكلفة أن تحول دون وقوع هذه الحرب، وأن تحمي المصريين من المصريين، أو أن تحمي الأجانب من المصريين؟ من الذي أباح لرئيس من رؤساء الشرطة أن يضرب ذلك الرجل الذي كان يسوق سيارة رئيس الوفد لأنه خالف عن أمر الإدارة وسلك طريقًا غير الطريق التي رسمت له؟ ومتى كان من حق الشرطة أن تعاقب الناس وأن تعاقبهم بالضرب؟ وإذا أبيح للشرطة أن تعاقب الناس لأنهم خالفوا عن أمرها، وأن تستبيح أجسامهم للعصي والسياط، ففيمَ النيابة وفيمَ القضاء؟ ومع ذلك فصحف الوزارة نفسها هي التي تنبئنا بأن رئيسًا من رؤساء الشرطة قد ضرب هذا السائق أمس، ولم يضربه وهو يخالف الأمر ليرده إلى الطاعة، وإنما ضربه بعد أن تمت هذه المخالفة. ضربه عقوبة له، وليس من حقه أن يعاقبه، وإنما حقه أن يخاصمه إلى القضاء.
    والمصريون ليسوا قطعانًا، وليسوا أرقاءً، وهم لا يرضون أن يعاملوا على أنهم قطعان أو أرقاء، وهم لا يرضون أن تتحكم فيهم الإدارة على هذا النحو وأن تبيح لهم بعض الأرض، وتحظر عليهم بعضها، وأن تبيح لهم بعض الجو، وتحظر عليهم بعضه. وأن تعاقبهم بالضرب في غير محاكمة، ليس المصريون قطعانًا ولا أرقاء، ولكنهم ناس أحرار قد ضمن لهم الدستور حريتهم، فمن الطبيعي ومن المعقول ومن الحق لهم، أن يشمئزوا من الضيم، ويمتعضوا من الذل. ويأنفوا من أن يكونوا قطعانًا أو عبيدًا يؤخذون بالعصي والسياط فيزدادوا حبًا في زعمائهم الذين يمهدون لهم طرق الكرامة والعزة، ويزدادوا إعراضًا عمن يأخذونهم بالمهانة والمذلة.
    إن من المؤلم أن تحدث الحوادث التي تفسد لها الصلات بين الشرطة والناس، ولكن تبعة هذه الحوادث يجب أن تنهض بثقلها أولئك الذين يغرون الشرطة بالناس، ويسلطونها عليهم، ويتحكمون فيما ليس لهم أن يتحكموا فيه. متى يعلم الحكام أن الله لم يأذن لهم، وأن القانون لم يأذن لهم في أن يفهموا الحكم على هذا النحو الذي يفهمون، فالحكم في هذه الأيام خدمة للشعب لا تحكم فيه، ولا استطالة عليه. وهو خدمة للشعب كله لا تفريق فيه بين غني وفقير، ولا بين صغير وكبير، ولا بين ممتاز وسوقة، لأن القانون لا يعرف إلا شيئًا واحدًا وهو أن المصريين جميعًا سواء، وأن الفروق
    بينهم قد ألغيت منذ عهد بعيد أمام السياسة وأمام الإدارة وأمام القضاء. فالذين يفرقون بين الأغنياء والفقراء آثمون في حق القانون، والذين يفرقون بين الممتازين ومن يسمونهم الرعاع أو الغوغاء آثمون في حق القانون، فنفس المصري مهما يكن محترمة، وجسم المصري مهما يكن محترمًا، لأنه مصري وكفى. وإذن فما ينبغي للإدارة أن تصد مصريًا مهما يكن عن أي عمل مشروع، أو عن أي استمتاع مباح لحقه الطبيعي في حريته التي يقدسها الدستور. إن الذين يؤيدون الوزارة القائمة ويذودون عنها يسيئون إليها وإلى أنفسهم وإلى أمتهم، وإلى سمعة بلادهم، حين يذكرون الرعاع والغوغاء، وحين يذكرون الصبيان والبائسين في هذا الازدراء الآثم. فكل هؤلاء مصريون لهم نفس حقوق الوزراء، والوزراء لم يتولوا الحكم ليخدموا فريقًا من المصريين دون فريق. وإنما تولوه ليخدموا المصريين جميعًا، وفيهم هؤلاء الذين يسمونهم الرعاع والغوغاء. وآية ذلك أن هؤلاء الرعاع والغوغاء، يستمتعون بالحقوق السياسية التي يستمتع بها الوزراء أنفسهم والقانون يعصم دماءهم، ويرعى كرامتهم وحقوقهم، كما يعصم دماء الوزراء، وكما يرعى كرامتهم وحقوقهم، وأنه لمن الخزي حقًا أن يفرق المصريون بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، فيما يجب لهم من حماية الحقوق وحفظ الكرامات ورعاية الحرمات في بلد يزعم أنه ديمقراطي، وفي عصر يقال إنه عصر الحرية واحترام حقوق الإنسان.
    إذا كان لخصوم الوزارة القائمة أن يفخروا بشيء فهو أنهم أصدقاء المصريين جميعًا، والذائدون عن حقوق المصريين جميعًا، يرعون فقراءهم قبل أغنيائهم، لأنهم أحق بالرعاية، ويحمون ضعفاءهم قبل أقويائهم لأنهم أجدر بالحماية، فالذين يعيبون رئيس الوفد لأنه زار حي العرب وفيه من يسمونهم بالرعاع والغوغاء، خليقون بأن يعيبوا أنفسهم بهذا الخزي الذي يتورطون فيه.
    أما بعد فقد نحب أن ننصح للوزارة القائمة للمرة الأولى أو الثانية بعد الألف أو الألفين أو الآلاف بأن تفهم الحكم على وجهه، وأن تخلي بين المصريين وأرض مصر، وأهل مصر، وألا تتحكم ولا تستطيل، وألا تظن أن الشرطة ملك لها فليس حقها على الشرطة بأعظم من حق الوفد. ونؤكد للوزارة القائمة أنها إن فهمت الحكم على وجهه، وأدت الواجب كما ينبغي أن يؤدي، فلا بأس على الأمن، ولا خوف على النظام، ولا اصطدام بين الناس والشرطة، ولكن الوزارة تخاف من زيارة الوفد للأقاليم. فهي تأبى إلا
    أن تمنعها فإذا لم تستطع منعها فهي تأبى إلا أن تفسدها بهذا التحكم الذي يثير الضغائن وينفر النفوس.
    طه حسين
    الوادي، ٣٠ يوليه ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رحلات…
    لماذا ارتحل رئيس الوزراء ونفر من زملائه إلى الإسكندرية إلى مرسى مطروح، وما يليها من ساحل البحر فالناس يتساءلون عن هذه الرحلة لأنهم يعلمون حق العلم أن وزارتهم عاقلة حازمة، حكيمة، رشيدة، لا تأتي شيئًا لغير شيء، ولا تقدم على أمر إلا أن تدفعها إليه حكمة ظاهرة أو خفية وهم يلتمسون الحكمة لهذه الرحلة التي ظهر العزم عليها فجأة، وتغير لها برنامج مجلس الوزراء، فيما يقول بعض الصحف، وقد كان يريد أن ينعقد يوم الأربعاء ويوم الخميس، فلما هبطت فكرة هذه الرحلة من السماء أو نجمت من الأرض، أو ظهرت على زبد البحر اجتمع مجلس الوزراء مرتين يوم الأربعاء، ليستطيع الرجل الطيب وأصحابه أن يرتحلوا يوم الخميس، كأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يرتحلوا يوم الجمعة، ليريحوا أنفسهم من الاجتماع مرتين في يوم من أيام القيظ، وليريحوا الناس من القيل والقال، والبحث والسؤال عن الماضي والاستقبال. فإذا لاحظنا أن الرجل الطيب ومعه وزير الحرب، ووزير المال، ووزير المواصلات، قد رحلوا إلى الحدود بيننا وبين إيطاليا، كان الناس معذورين إذا أطالوا السؤال عن هذا الارتحال، وفي هذا الاستعجال. فإذا لاحظنا أن المندوب السامي البريطاني كان قد ارتحل إلى مرسى مطروح، طائرًا أو سائرًا لا أدري، فأقام فيها أيامًا، ولم يكد يعود منها حتى أسرع إليها رئيس الوزراء، ووزير الحرب، ووزير المال، ووزير الطرق، بعضهم يترجح على موج البحر وبعضهم يطير في جو السماء، كان من الطبيعي أن يتساءل الناس: فيم هذا الذهاب والمجيء؟ فيم هذه الحركات نحو الحدود؟ أهناك خوف عليها أن تقتحم؟ أهناك إشفاق عليها ألا تكون قادرة على الثبات في يوم من الأيام حين يحاول اقتحامها المحاولون؟ أهناك تفكير في أعمال عسكرية تحتاج إلى كفاية وزير الحرب، وإلى كرم وزير المال، وإلى خبرة وزير الطرق، ثم إلى شجاعة الرجل الطيب الذي يحتمل تبعة الأعمال كلها؟ ومن الذي اقترح هذه الأعمال؟ أهم الوزراء ورجالهم الفنيون؟ أم هم المندوب السامي ورجاله الفنيون؟ وإذا كانت رحلة المندوب السامي إلى الحدود الغربية قد استتبعت رحلة الوزراء إلى هذه الحدود فإن المندوب السامي قد ارتحل إلى الحدود الشرقية أيضًا، فهل يرحل الوزراء إلى هذه الحدود؟ أو ليس من حق الناس أن يتبينوا حقيقة هذا الاضطراب بين الشرق والغرب، وأسرار هذه الأسفار في البر والبحر والجو؟ بلى. ولكن أصدقاء الوزارة وأنصارها، والصحف التي تؤيدها وتواليها، يتحدثون مطمئنين بأن القيظ شديد، والصيف مهلك، والعمل ثقيل، والجهد شاق، وبأن من حق الوزراء أن يستريحوا وأن يرفهوا على أنفسهم وأن يلتمسوا الراحة والترفيه عن النفس حيث يجدونهما طورًا في الأرض، وتارةً في السماء، وحينًا على هذا السهل السائل المضطرب الذي كان يعبر به هوميروس عن البحر.
    فوزراؤنا لا يرحلون إذن للعمل، وإنما يرحلون للراحة والرياضة فقد نحب أن نتبين وجه الحق في هذا لسبب يسير جدًّا، وهو أن رحلة الوزراء إن كانت لعمل من أعمال الدولة فمن حق الناس أن يعلموا هذا العمل، ليتبينوا ما يراد بهم. وإن كانت للرياضة والراحة فمن حق الناس أن يتساءلوا على حساب من يلتمس الوزراء هذه الرياضة وهذه الراحة؟ على حساب من تنفق هذه الطوافة ما تنفق في ذهابها وعودتها؟ وعلى حساب من تنفق هذه الطيارة أو هذه الطيارات في ذهابها وعودتها؟ أعلى حساب الدولة أم على حساب الوزراء؟
    مهما يكن من شيء، فإن هذه الرحلة المفاجئة غامضة من جميع نواحيها، نود لو يلقى عليها قليل من الضوء.
    وهناك رحلة أخرى لا غموض فيها ولا لبس، لا عوج فيها ولا التواء. وهي رحلة رئيس الوفد وأصحابه في البر والبحر لا إلى الحدود الشرقية ولا إلى الحدود الغربية، ولكن إلى ناحية نواحي مصر، إلى بورسعيد ثم الشرقية. هذه الرحلة الثانية لم تنفق عليها الدولة، وإنما أنفق عليها أصحابها، وهي لا تثير في الناس حاجة إلى استقراء أو استقصاء لأنها واضحة من جميع الأنحاء. قوم يرحلون للعمل أو للراحة، فإذا الدولة تهيئ لهم كل شيء، وقوم آخرون يرحلون، ليلقوا أبناء وطنهم ويتحدثوا إليهم في شؤون وطنهم ويذكروهم – ولن ينسوا – حقوق وطنهم، فإذا الدولة تبث أمامهم العقاب وتخلق أمامهم الصعاب، وتحول الأماكن التي يزورونها إلى ميادين الحرب ونزال، وتعلن في الأماكن التي يزورونها أحكامًا عرفية بغير قانون، وتلقي في الأماكن التي يزورونها شباكًا وشراكًا تصيد بها الناس صيدًا لتلقيهم في غياهب السجن حتى تنتهي الرحلة كأنهم قد اقترفوا ذنبًا، وهم لم يُقْضَ عليهم بشيء، ثم تسلط الدولة عصيها وسياطها وبنادقها على العزل الآمنين فيكون منهم صرعى في بورسعيد، وصرعى في الإسماعيلية، وصرعى في الزقازيق. أليس من غريب الأمر أن يلاحظ الناس في أسبوع واحد هذه الفروق الهائلة بين رحلة رئيس الوفد وأصحابه في داخل مصر، ورحلة رئيس الوزراء وأصحابه إلى الحدود؟
    ومن قبل ذلك لاحظ الناس رحلة المندوب السامي إلى الصبرية وعناية الدولة بها، واحتياط الدولة لها، فكيف يستطيع الناس أن يفهموا هذا كله، وأن يؤولوه؟ أما انتقال المصريين في بلادهم وتزاور المصريين فيما بينهم فأمر محرم أو مكروه، لا تتحرج الدولة من مقاومته ومن تعريض الأمن والنظام والأنفس والدماء من أجله للخطر وللخطر العظيم. وأما ارتحال الوزراء للهو، أو للعمل الخفي المريب، فتهيئ له الدولة وتنفق عليه، وتعتني به أشد العناية. أما ارتحال المندوب السامي إلى داخل مصر، وتحديه لشعور مصر واشتراكه في هذا التحدي مع أحد الوزراء على غير رضًا من زملائه، أو غير ارتياح منهم فتهيئ له الدولة، وتنفق عليه، وتحتفي به أعظم الاحتفاء. أيستطيع المصريون بعد هذا أن يفهموا أنهم أحرار، وأن يصدقوا أنهم مستقلون؟ لو كانوا أحرارًا حقًّا لما آثرت الدولة الوزراء عليهم، لما هيأت الدولة للوزراء ما يحتاجون إليه من ألوان اللهو، ولما حظرت الدولة على الزعماء ما يسعون إليه من ألوان الجد، ولو كانوا مستقلين حقًّا ما آثرت الدولة عليهم المندوب السامي، فمهدت له الأرض تمهيدًا، ورضيت عن أن يحشد الناس له حشدًا، ولما حرمت الدولة على الزعماء أن يلقوا المصريين، ولما فرقت الدولة جموع المصريين عن زعمائهم بالعصي والسياط وبالنار أحيانًا، ولما رضيت الدولة عن أن يحطم إنجليزي في سبيل ذلك علمًا من أعلام مصر على أرض مصر وأمام أهل مصر.
    فليفكر المصريون في هذا وليطيلوا التفكير، فقد يكون من حقهم، بل من الحق عليهم أن يعلموا: أهم أحرار في بلادهم أم عبيد؟
    طه حسين
    الوادي، ٣ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    حرج…
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.
    وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحك، وهو من أجل هذا محزن حقًا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكر فيه ونقدر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر. فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعمائها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعمائها، أما الوزارة المصرية، ووزارة الداخلية خاصة فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها، ومستشاريها، من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر تلعن إذا تحدثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة، وأسلحة الدولة، وتعد له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا، لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فلتعلن ذلك وزارة الداخلية ولتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام. ولتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة، فيستريح منها الشعب ويستريح منها. مصطفى النحاس وإن كان هذا الرجل عاديًا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فلتهدأ الوزارة ولتطمئن، ولتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، ولترح نفسها من مصطفى النحاس، ولترح مصطفى النحاس من نفسها.
    ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل، وتعلن أنها لا تهتم له فمن حق الناس أن يضحكوا ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للعب، وإنما أقيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.
    دع كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد، والإسماعيلية والزقازيق ودع هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدي الصلاة في مسجد من المساجد، دع هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًا، حدث في بورسعيد فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا. أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تعني الحكومة به أقل عناية الذي نسيت اسمه وأظنه يسمى مصطفى النحاس أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يعالجون وما زالوا يعالجون في مستشفى بورسعيد وهؤلاء الجرحى لم يصرعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قط معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صرعوا قضاء وقدرًا، انهار عليهم جدار أو سقط عليهم بعض الأحجار، التي تسقط من السماء أحيانًا؟ فنقلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولست أدري لما كرهت الوزارة هذه الزيارة فأبتها على هذا الرجل وألحّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأبها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلّت بينه وبين المستشفى، حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة، ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظفو المستشفى لمصطفى النحاس أن المصابين قد نقلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقر وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نقلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نقلوا، وأن وكيل المحافظة يقر الحق فيما يظهر حين أقر لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال أن المصابين لم ينقلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.
    فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نقلوا من المستشفى مع أنهم لم ينقلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.
    وقد نحب أن تعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى أن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنة حتى أنها لا تحتاج إلى أن تغير من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه.
    ونحب آخر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلدوها فأخفوا المرضى، والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبناءهم حين يطلبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أنلزمهم على ذلك أم نثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف نجيب؟، وإن أثابتهم فغضبت الأخلاق، وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة فكيف تكون الحال؟
    أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهم له الوزارة؟
    ألم يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ ألم يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ ألم يأن للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قضوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام…؟
    طه حسين
    الوادي، ٤ أغسطس ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إجرام…
    يظهر أن سفك الدم المصري، لم يصبح مباحاً، للإنجليز الذين تستخدمهم الوزارة فيما تسميه حفظ النظام وقمع المظاهرات، وفض الاجتماعات، وإنما هو مباح أيضاً، لبعض الإنجليز الذين ليست بينهم وبين الوزارة صلة، والذين لا تكفهم الحكومة، حفظ نظام، ولا قمع مظاهرة، ولا تفريق اجتماع ولا إقراراً لأمن، وإنما هم من جنود الجيش المحتل ليس غير. ويظهر أن أموال المصريين لم تصبح مباحة للمجرمين من اللصوص، الذين يعتدون عليها وينهبونها في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، ثم تبحث عنهم الشرطة فتظفر بهم أو تعجز عنهم، ولكنهم لصوص مجرمون على كل حال، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا يصطنعون التلصص ولا يعيشون من الاعتداء، وإنما يعملون في الجيش المحتل، ويظهر أيضاً أن حرمات المصريين وأمنهم على أجسامهم وعلى متاجرهم وعلى ما في أيديهم، لم تصبح مباحاً للذين يخرجون على القانون، ويخاصمون النظام، وينصبون الحرب للجماعة، ولا للذين يريدون حماية النظام فيسرفون في هذه الحماية، ويتجاوزون النظام تجاوزاً قبيحاً، وإنما أصبحت مباحة لبعض الإنجليز الذين لا ينصبون في هذا البلد حرباً لشعبه ولا لحكومته، ولا يتخذون الخروج على القانون المصري وانتهاك حرمات النظام المصري عقيدة ورأياً وإنما يعملون في الجيش المحتل ليس غير.
    وأنت في أكبر الظن تقرأ هذا الكلام فتدهش له، ولعلك تنكره، ولعلك تسأل نفسك لماذا نكتبه وماذا نريد به ولكنك قد قرأت في الصحف من غير شك ما نشر مرة ومرة ولم يكذبه أحد بعد، من أن جماعة من الجند البريطاني اعتدوا على جماعة من العمال المصريين في ظلمة الليل، فأخذوا ما كان معهم، وعبثوا بهم عبثاً ثقيلاً. ومن أن جماعة آخرين من الجند البريطانيين سكروا حتى أنساهم السكر كل وقار، ثم اشتهوا بطيخاً فهجموا على بعض المتاجر في بعض الأحياء الوطنية يريدون أن يقتحموه لعلهم يجدون فيه ما يشتهون ولم تصرفهم الشرطة عن ذلك إلا في مشقة وجهد.
    وأنت قد قرأت من غير شك نبأ بعض الجند الإنجليز الذين أخذوا غلاماً صبياً فعلقوه في أيديهم من نافذة المترو وهو يسير، والصبى يستغيث، حتى اصطدم بعمود، ثم سقط، فمر عليه القطار، وقطع جسمه الصغير تقطيعاً.
    أنت قرأت هذا كله من غير شك، وما زلت تنتظر كما ننتظر نحن رأي السلطتين المصرية والإنجليزية فيه، وموقف الحكومتين المصرية والإنجليزية منه، ولكنك فيما نظن ترى معنا أن دماء المصريين وأجسامهم وأموالهم وحرماتهم، قد أبيحت فيما يظهر لبعض الجند من جيش الاحتلال، يبسطون عليها أيديهم، وينالونها بما لا ينبغي أن تنال به من الإثم والبغي والعدوان.
    ولست أدري أتنكر هذا أم تطمئن إليه؟ ولست أدري أيثور ضميرك لهذا أم لا يحفل به؟ فقد يظهر أن الضمائر نائمة في هذه الأيام، وأن نومها عميق، يحول بينها وبين الشعور بالأحداث والخطوب، فضلاً عن التأثر بها والاشمئزاز منها، وفضلاً عن هذا الشعور الكريم بالغيرة القومية، إذا اعتدى على دماء المصريين، أو انتهكت حرمات المصريين.
    لست أدري أيثور ضميرك لهذا العدوان أم لا يحفل به، ولكني أعلم أن هناك ضمائر لا ينبغي لها أن تنام، ولا ينبغي لها أن تجمد أو تتبلد، لأن أصحابها مكلفون أن يكونوا إيقاظاً دائماً، وهم يأخذون على هذه اليقظة أجراً، وهم مكلفون ليستيقظوا لننام نحن إن أردنا النوم، وهم الوزراء، فقد نحب أن نعلم كيف تلقى الوزراء هذه الأنباء، وإلى أي حد ثارت ضمائرهم لمصرع هذا الصبي المصري، بأيدي الجند الإنجليز الذين ألقوه تحت عجلات المترو.
    نحب أن نعلم إلى أي حد غضب الوزراء للدم المصري وللكرامة المصرية ولحرمة الوطن المصري، نحب أن نعرف نص المذكرة ذات اللهجة الشديدة التي كتبها وزير الخارجية المصرية وأرسلها إلى دار المندوب السامي يبين فيها أن دماء الصبيان ليست ماء يراق من النوافذ، وأن أجسام المصريين ليست أمتعة مهملة تلقى على الأرض لا لتدوسها الأقدام، بل ليهشمها المترو تهشيماً، وأن كرامة المصريين في حاجة إلى ترضية وأن أسرة هذا الصبي في حاجة إلى تعويض، وأن الدولة البريطانية التي اقترف جندها هذا الإثم خليقة أن ترضي الكرامة المصرية، وخليقة أن تعوض على هذه الأسرة البائسة ما أصابها من قتل ابنها عبثاً ولعباً، بأيدي قوم لا يحفلون بالحياة إلا أن تكون حياة أوروبية، وخليقة أن تظهر للمصريين وللمتحضرين في أقطار الأرض أن الحضارة البريطانية، كغيرها من الحضارات تعاقب الذين يهدرون الدماء ويزهقون النفوس، ويعبثون بحياة الصبيان.
    نحب أن نرى هذه المذكرة التي كتبها وزير الخارجية، فما نشك في أنه قد كتبها لأنه مصري، ولأنه وزير، ولأنه رئيس لمجلس الوزراء، ولأنه مكلف أن يكتب هذه المذكرة وأن لا يرضى حتى تجيبه الحكومة البريطانية إلى ما يريد، وأن يستقيل إذا لم يستطع أن يحمي دماء المصريين وأموالهم، وحرماتهم من عدوان الجند الإنجليزي.
    نعم ونحب أن نعلم رأي الأجانب من الأوروبيين الذين يثورون، ولهم الحق في أن يثوروا، حين يعتدى على أحد منهم في الأقاليم أو في العاصمة والذين يطالبون، وليس لهم الحق في أن يطالبوا بأن تتخذ الوزارة إجراء خاصاً، لحماية الحياة الأوروبية والدم الأوروبي من عدوان المجرمين المصريين لقد قلنا لهؤلاء الأجانب أنا نشاركهم فيما يشقون به من فساد الأمن دون أن نشاركهم فيما يسعدون به من الترف والنعيم، فنحب أن نعلم الآن، رأيهم في هذا الدم المصري البريء الذي يراق جهرة وأمام المصريين والأجانب، وبأيدي قوم ليس من شأنهم أن يريقوا الدماء، وهم جند الإنجليز.
    ثم نحب أن نعلم آخر الأمر رأي الإنجليز أنفسهم في هذه الآثام المتصلة التي يقترفها الجند الإنجليز، أملائمة هي للحضارة أم مخالفة لها؟ لا يزال الإنجليز يعتقدون ويعلنون أنهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن ليهذبوها وقد كانت جافية، وليعلموها كيف تحترم الدماء والنفوس والأموال، وكيف تنفر من العدوان وانتهاك الحرمات؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أنهم إنما يقيمون في مصر كما يقيم المعلمون الذين يدعون إلى الخير، ويرشدون إلى الرحمة والبر؟ ألا يزال الإنجليز يعتقدون أن اتصال هذه الآثام من الجند الإنجليز في أيام السلم والأمن يحقق ما يريدون أو ما يزعمون أنهم يريدون من كسب صداقة المصريين.
    طه حسين
    الوادي، ٢ أكتوبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عدوان . . .
    يظهر أن الوزارة كرهت أن يظل موقف مصر أثناء هذه الأزمة الحادة موقف هدوء وأمن وسلم، يمتاز بالنقاء والصفاء، وإن اشتد فيه اختلاط الآراء وازدحام المذاهب، وإن كثر فيه القلق، وعظم فيه الاضطراب، وانطلقت فيه الألسنة بالأحاديث المختلفة التي لا تحصى: يظهر أن الوزارة كرهت للموقف المصري أن يكون نقيا ناصعا أثناء هذه الأزمة الحادة، وأبت ألا تلونه بالحمرة قليلا، وتصبغه بشيء من الدماء، وبشيء من دماء المصريين، فكان ما كان من هذا العدوان المنكر الذي اقترفته الشرطة أول أمس، حين أقبل رئيس الوفد من مصيفه، ليستقر في مدينة القاهرة، وقد يكون للوزارة بعض العذر في هذا الإثم القبيح الذي اقترفته الشرطة المصرية وفي هذا العدوان الصريح الذي جناه الجند المصري على الشعب المصري، فإن ذكاء الوزارة على حدته وشدته، وعلى لباقته ورشاقته، وعلى إيثاره للصمت، وحرصه على التكتم، لم يخرجها من الأزمة ولم يهيئ لها منها مخرجا، وإذا لم يجد الذكاء اللبق الرشيق، النافذ الدقيق، فقد يجدي الاعتداء المنكر الصريح، وقد جدت الوزارة في أن تقنع الإنجليز بالإبقاء عليها فيما يظهر فلم تفلح، وقد جدت الوزارة في إقناع الإنجليز بأن آراءها في حل هذه الأزمة موفقة صائبة فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تجد لها من المصريين أعوانا وأنصارا فلم تفلح، وقد جدت الوزارة فيما يظهر في أن تهدئ قلق المصريين بهذا الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء فلم يقل فيه شيئا فلم تفلح، والوزارة عاجزة عن أن تضرب الإنجليز بالعصى والسياط، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع الإنجليز من أن يتنكروا لها أو يمكروا بها، والوزارة عاجزة حتى عن أن تمنع نائب المندوب السامي من التفتيش على ثكنات الشرطة وأقسامها، وإذا عجزت الوزارة عن الإنجليز فلتضرب المصريين ولتعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، وما الذي يمنعها من ذلك فقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم رئيس الوزراء ولم يرثهم عن أبيه، وقد يكون الإنجليز أحرارا، لم يملكهم القيسي باشا ولم يرثهم عن أبيه أيضا، ولكن المصريين عبيد يملك بعضهم رئيس الوزراء بطريق الشراء ويملك بعضهم بطريق الميراث، ويملك بعضهم القيسي باشا شراء وميراثا، فمن حق الوزارة أن تعمل في رؤوسهم وأجسامهم العصى والسياط، ومن الذي يستطيع أن يمنع المالك من أن يتصرف في ملكه كما يحب، ويخضعه لما يشتهي من ألوان الجد والهزل، ومن فنون العبث واللعب، ومن ضروب التنعيم والتعذيب؟ المصريون ملك لرئيس الوزراء وملك لوزير الداخلية، فللوزارة أن تصنع بهم ما تشاء، تنعمهم إن أرادت وتعذبهم إن أحبت وتبيعهم إن خطر لها أن تبيعهم، لا يمانعها في ذلك إلا من يجهل القانون أو يتحداه. وعلى غير هذا النحو من التفسير لا يمكن أن يفهم أحد هذه الأعمال التي اقترفتها الشرطة المصرية أول أمس داخل المحطة وخارجها في غير حساب وبغير تقدير ومن غير احتياط. كانت كل الرؤوس المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكانت كل الأجسام المصرية مباحة للشرطة المصرية، وكان المصريون يتلقون الضربات لا فرق فيهم بين الكبير والصغير ولا بين المثقف والجاهل ولا بين الصحفي وغير الصحفي، كلهم أرقاء، وكلهم ملك للقيسي باشا، ورث بعضهم واشترى بعضهم الآخر، وكان بعض المصريين معرضا للخطر، وكان بعضهم معرضا للجراحات، ولم تكن الشرطة تحفل بذلك، ولا تؤبه له. فقد أباح لها صاحب الملك، ووزير الداخلية أن تتصرف في هذا الملك كما تريد.
    وصاحب الرقيق حر في أن يستغنى عن بعض هذا الرقيق فيعرضه للموت، أو يصب عليه العذاب، وما ينبغي لك ولا لي أن تعرض للقيسي باشا ولا أن تناقشه فقد يكون هذا فضولا، وقد يؤذينا القيسي باشا إلى ذلك فيعرضنا للخطر أو يسلط علينا العذاب وللوزارة فيما يظهر معذرة في هذا الطيش الذي دفعت إليه أول أمس، فأخرجها عن طورها، ودفعها إلى هذا الإسراف في العدوان فقد يقال إن رئيس الوفد هذا الذي كان الناس يحتفلون به أول أمس، لقي نائب المندوب السامي وأقام معه ساعة وبعض ساعة، وفي هذا اللقاء شبهات، وفي هذا الحديث مخاوف، وقد يكون لهذا الحديث وما بعده، وقد يكون من عواقب هذا الحديث أن يزول السلطان عن قوم لا يحسنون النهوض بأعباء السلطان، ولا سيما في هذه الظروف التي يشتد فيها الحرج وتشكل فيها الأمور، فإذا استؤنفت الصلات بين الوفد وبين دار المندوب السامي، وإذا ابتدأ اللقاء بين رئيس الوفد وبين ممثلي بريطانيا العظمى، وإذا اتصل الحديث بين رئيس الوفد وبين المسؤولين من الإنجليز، فمن المعقول جدا أن تفقد الوزارة كل تقدير للأمور وكل صواب في التفكير، وكل اعتدال في السيرة والعمل، ومن المعقول، أن تخرج الوزارة عن طورها وتؤدب المصريين لأنهم يحبون رئيس الوفد وتعذب المصريين لأنهم يسعون إلى لقاء رئيس الوفد، وتعرض المصريين للخطر، لأنهم يستقبلون رئيس الوفد، بما لم يظفر الوزراء بشيء عنه يبلغ العشر، أو يبلغ الواحد في المئة، أو يبلغ الواحد في الألف من الحب والإخلاص والوفاء.
    الوزارة معذورة في هذه الآثام التي اقترفتها الشرطة لأن الأمور قد أفلتت من يدها فيما يظهر، ولكن من الذي زعم أن المصريين مكلفون أن يحتملوا نتائج ما تدفع إليه الوزارة من اليأس وسوء التقدير.
    أما أن الوزارة كانت يائسة سيئة التقدير أول أمس خارجة عن طورها حقا، فشيء ليس إلى الشك فيه من سبيل، فقد كان الثلاثاء يوما من أيام مصر، فيه تحتفل الدولة والشعب بعيد صاحب الجلالة الملك وكان هذا اليوم أبغض الأيام للدماء، وأزهدها في العنف، ولكن الشرطة المصرية سفكت في هذا اليوم دم بعض المصريين، وما يصدر مثل هذا الأمر عن قوم يملكون صوابهم كله. جلالة الملك مريض لا تعرض عليه في هذه الأيام شؤون الدولة ولا يصدر الوزراء عن رأيه السامي فيما يعملون والبرلمان القائم مفرق، لا تسأله الوزارة ولا يشير عليها ولعل الوزارة تخافه وتقلق منه، والإنجليز يخاصمون الوزارة في هذه الأيام، وقد تحدثت الصحف بأنهم لم يشتركوا أول أمس كما تعودوا أن يشتركوا فيما كان من العدوان، وإذن فأمور المصريين إلى عشرة من الوزراء يتصرفون فيها كما يريدون هم لا كما يريد المصريون من الشعب، ولا كما يريد البرلمان وهم يبيحون للشرطة الاعتداء على المصريين وتهشيم رؤوسهم بالعصى، وتمزيق أجسامهم بالسياط، فهل يعرف الوزراء أن هذا الذي يقدمون عليه كريه وهل يقدر رئيس الوزراء وصديقه القيسي باشا ثقل ما يحتملان من التبعات؟.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١٠/١١.

  • ضريبة الحق: أزمة تحصيل الضرائب | The Tax Reckoning: The Finance Minister’s Crackdown

    حديث الوادي
    حظوظ . . .
    لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.

    هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.

    لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.

    فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:

    صدّت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!

    فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.

    أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.

    أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
    ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.

    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إقناع…
    ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
    وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
    ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
    والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
    جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
    وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
    ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
    وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
    وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
    هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
    ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رضى . . .
    أما مجلس النواب، فقد أقر أمس خطة الوزارة في أزمة المحاكم المختلطة بعد ذلك الاستجواب الطويل العريض، ومعنى ذلك أن كانت لنا عقول تفهم، أنه لا يرى من حقه أن يعرض لهذه الأزمة، إلا حين تطلب الوزارة إليه ذلك. فأمرها إذن مقصور على السلطة التنفيذية، لا ينبغي للمجلس أن يقترح في حلها شيئاً. ولا تقل للنواب أن مسألة المحاكم المختلطة مسألة مصرية خالصة، ما دام قد قالوا أن من حق مصر أن تلغي هذه المحاكم بقانون تصدره، لا تفاوض في وضعه، ولا في إهداره. وما دام الأمر موقوفاً على إصدار حق كل مصري، فمن حق مجلس النواب أو من حق البرلمان، أن يقترح إصدار هذا القانون، بل أن يضع هذا القانون ويسلك ما ينبغي لإصداره من طريق. لا تقل هذا للنواب. فقد قيل لهم فأعرضوا عنه ولم يحفلوا به، وما ينبغي لك أن تكون نائباً أكثر من النواب، ولا حريصاً على حق البرلمان أكثر من أعضاء البرلمان، وإن كان البرلمان لا يملك حقوقه إلا لأنها حقوق الشعب، فقد أنابه عن نفسه في حمايتها وصيانتها، بل في توسيعها وزيادتها، ما وسعه ذلك في حدود الدستور.
    ولكن هذا كلام كان يقال أمس، فأما قوله اليوم، فلا ينبغي ولا سبيل إليه، لأنه يوصف بالغلو والإسراف، وبالميل إلى التحدي وتجاوز الحدود. وما دام النواب قد رضوا، واطمأنوا، فكل شيء حسن، وكل شيء يجري على أحسن ما تجري عليه الأمور، وأما مجلس الشيوخ فقد رضي حتى تعب من الرضى، واطمأن حتى سئم الاطمئنان، وزهد في الاجتماع وآية ذلك أن كثرته تخلفت عن جلسة أمس، ولم تقبل عليها إلا قلة ظلت تنتظر مع الرئيس والمكتب، أكثر من نصف ساعة، ثم طال عليها الانتظار، فتفرقت بعد أن أعلن الرئيس أن المجلس لم يجتمع لأن العدد القانوني لم يكتمل، وبعد أن أعلن الرئيس أن الاجتماع المقبل سيعقد يوم الاثنين.
    والله يعلم أيعقد الاجتماع يوم الاثنين أم تتخلف عنه الكثرة التي تخلفت أمس؟ فقد أكثر مجلس الشيوخ من الاجتماع حتى شبع منه، وانصرف عنه، وأقبل الصيف الذي يحب الراحة والنزهة والسفر والاستمتاع بالهواء الطلق والنسيم العليل. ولولا أن مجلس الشيوخ مطمئن إلى أن مصالح الأمة لا تتعرض لخطر، ولا يخشى عليها بأس، لما تخلفت من أعضائه كثرة ولا قلة، ولما تردد في الاجتماع كل يوم، آناء الليل وأطراف النهار، ليرعى الحقوق ويصون المصالح، ويحفظ المنافع من الضياع. فأما وأمور مصر إلى وزارة حزم وعزم، فلا بأس على المجلس من أن يجتمع أو يتفرق، ولا جناح على المجلس في أن يتعب أو يستريح.
    النواب إذن، راضون مطمئنون، والشيوخ كذلك مطمئنون راضون. وقد كان الأجانب ساخطين فرضوا، وكانوا غاضبين فسكت عنهم الغضب، وكانوا خائفين فأمنوا، وكانوا يائسين فابتسم لهم الأمل، وغمرهم الرجاء. هم راضون في مصر، وهم راضون في أوربا، بعد أن ألقى رئيس الوزراء رده على الاستجواب أول أمس، فبين للنواب أنه لا ينبغي لهم أن يعرضوا لأزمة المحاكم المختلطة، إلا حين تريدهم الحكومة على ذلك. وأهدى إلى الأجانب طاقة من الزهر الجميل، قد نسقت تنسيقاً جميلاً. وما لهم لا يرضون، وقد كان رئيس محكمة الاستئناف المختلطة ينكر على مجلس النواب تعرضه لهذه المحاكم. وكان وزير الحقانية، يمانع الرئيس في هذا الرأي، ويبيح للنواب أن يتعرضوا من شؤون مصر، لكل ما يشاءون، وكان الأجانب يشفقون أن يكون الوزراء جميعاً متضامنين مع وزير الحقانية، في هذا الرأي، فظهر أول أمس أن الوزراء يرون رأياً غير رأي وزير الحقانية، ويوافقون رئيس محكمة الاستئناف، على أن البرلمان لا ينبغي له أن يخوض في أمر المحاكم المختلطة، إلا حين تطلب الحكومة إليه ذلك، لأنه أمر دوليّ يمس السلطة التنفيذية وحدها.
    والإنسان يخطئ ويصيب، وأكبر الظن أن وزير الحقانية، رأى أنه كان مخطئاً. فعدل عن الخطأ، وثاب إلى الصواب. وتضامن مع الوزراء، بعد أن أبى الوزراء أن يتضامنوا معه. وقد قبل النواب رأي الوزراء، ورأي رئيس محكمة الاستئناف المختلطة، ورأي الأجانب. فمن حق الأجانب إذن أن يرضوا. وقد فعلوا. أعلنوا رضاهم في مصر، فنشرت صحفهم كلاماً كثيراً فيه تحية لرئيس الوزراء، وشكر له، وإعجاب به، وثناء عليه. وتستطيع أن تقرأ البورص التي صدرت مساء أمس. وأعلنوا ذلك في أوربا، فرضيت الأوطان واغتبطت، وأثنت الأوطان وحمدت، وتستطيع أن تقرأ ذلك في برقيات الأهرام التي صدرت صباح اليوم.
    كل شيء حسن إذن. النواب راضون، الشيوخ راضون، والأجانب راضون، والإنجليز راضون. أليس الوزراء سيتناولون الغذاء على مائدة المندوب السامي ظهر اليوم! أليس هذا آية على الرضى والوفاق؟ يجب إذن أن نحمد الله، ما دام كل شيء حسناً، وما دام سادتنا وموالينا من المصريين والأجانب راضين مبتهجين.
    ستقول: ولكن الشعب المصري ليس راضياً ولا مبتهجاً، وليس آمناً ولا مطمئناً، ولكنه ساخط كل السخط، مكتئب كل الاكتئاب، خائف كل الخوف، قلق أشد القلق. وقد يكون هذا حقاً، ولكن الشعب المصري حر، إن شاء أذعن واستكان فأراح واستراح، وإن شاء غضب وسخط، وحينئذ فلينظر الشعب المصري، فماء النيل غزير، والبحر أغزر ماء من النيل. فليشرب من هذا أو ذاك، فقد يجد في هذا أو ذاك ما يخفف سخطه وغضبه، ويرده إلى الأمن والاطمئنان.!
    لا بأس على مصر، ما دام الوزراء والشيوخ والنواب والأجانب والإنجليز راضين.
    طه حسين
    حديث الوادي، ٦ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تفاؤل . . .
    الحق مر، وإن نطق به أعذب الناس حديثاً، وأحلاهم لهجة، وأطيبهم نفساً، وأسمحهم خلقاً. والحق مر، وإن كان لفظه يؤذن بالخير كله، ويدعو إلى الخير كله، ويفتح أبواب الآمال، كأوسع ما تفتح الأبواب، وآية ذلك، هذه الكلمة التي قالها نائب من النواب أمس، فصور بها الحق أجمل تصوير، ولكنها لم تكد تقع في أسماع النواب، حتى ثار لها فريق منهم، فاضطرب الأمر، وعظم الخطب، وارتفعت الأصوات، واشتد الضجيج، واضطر رئيس المجلس إلى أن يقف الجلسة، ويخلي بين النواب وبين الراحة، ويهيئ لرئيس الوزراء وقتاً يلتمس فيه مخرجاً من المأزق الذي دفع إليه.
    وكانت هذه الكلمة التي صورت الحق أجمل تصوير فأغضبت النواب أشد الغضب: «إن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة، تصرفها حسب المصلحة».
    ثار النواب لهذه الكلمة وفاروا، وهاج النواب لهذه الكلمة وماجوا، وصاح صائحهم: «وإذن فما فائدة مجلس النواب؟» والغريب أن هذه الثورة لم تغن شيئاً، وأن هذا الاحتجاج لم يغن شيئاً، وأن مجلس النواب آمن آخر الأمر بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن الخير أن تترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة. فترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة لأنه واثق بها، مطمئن إليها، مؤمن بأنها رشيدة حقاً، ولكنك تسأل: إذن ففيم ثار المجلس بهذا النائب الذي زعم له أن التفاؤل خير من التشاؤم، وأن الخير أن يترك مسألة الدين العام لحكومتنا الرشيدة؟ والجواب على هذا السؤال واضح، فقد ثار المجلس لأنه لم يكن له بد من أن يثور، فهو يريد أن يكون التفاؤل خيراً من التشاؤم، ولكنه لا يريد أن يعلن ذلك إعلاناً، ويسجله تسجيلاً، وهو يريد أن يدع الأمر لحكومتنا الرشيدة، ولكن بعد مناقشة يشتد فيها الحوار، وترتفع فيها الأصوات، يكثر لها الاضطراب.
    والإنسان مفطور على أن يؤمن لنفسه بالقوة، وإن كان ضعيفاً، وعلى أن يقنع نفسه بالحرية، وإن كان مجبوراً، فلابد من أن يؤمن الناس للنواب بأنهم يحاورون ويجادلون،
    ولابد من أن يؤمن النواب لأنفسهم بأنهم يحاورون ويجادلون أيضاً. وقد حاور النواب وجادلوا أمس، فأحسنوا البلاء في الحوار والجدال، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العام يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك قد حاوروا وجادلوا يوم الاثنين، ثم اقتنعوا بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة المحاكم المختلطة يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. وهم كذلك سيحاورون ويجادلون، ثم يقتنعون إن شاء الله بأن التفاؤل خير من التشاؤم، وبأن مسألة الدين العقاري يجب أن تترك لحكومتنا الرشيدة. ومادامت الحكومة رشيدة، فيجب أن يترك لها كل شيء. وليس المهم أن تعمل الحكومة شيئاً، وإنما المهم أن يقال في مجلس النواب إنها حكومة رشيدة، وأن يترك لها مجلس النواب كل شيء. فقد كانت حكومة صدقي باشا رشيدة، وكان النواب يؤمنون لها بالرشد، لم ينزعوا منها الثقة يوماً من الأيام، ولم يسقطوها كلها أو بعضها في يوم من الأيام، ولكن رشدها طار على غير انتظار، فسقطت والنواب غائبون، ثم اجتمع النواب بعد ذلك فتبين لهم أنها لم تكن رشيدة في يوم من الأيام، ولا ملهمة للتفاؤل، ولا خليقة بالثقة في وقت من الأوقات، ولا في عمل من الأعمال. أما الوزارة القائمة فرشدها والحمد لله ما زال مستقراً، وإذن فيجب أن نترك لها مسألة الدين العام ومسألة الدين العقاري، ومسألة المحاكم المختلطة. وهي تعمل في علاج هذه المسائل بالضبط ما كانت تعمله وزارة صدقي باشا، أي أنها لا تعمل شيئاً! ولكنها مع ذلك رشيدة يجب أن يثق بها النواب وأن يتفاءلوا ويطمئنوا، ويتركوا لها كل شيء. وقد فعلوا وما زالوا يفعلون، وقد اطمأنوا وما زالوا يطمئنون، إلى أن مسألة المحاكم المختلطة موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام، وإلى أن مسألة الدين العام موضوع مفاوضة فلا يحسن فيها الكلام. فأما مسألة الدين العقاري فعسى أن يكون أمرها كأمر هاتين المسألتين إن شاء الله. والأمور مرهونة بأوقاتها. والظريف أن رئيس الوزارة أراد أن يؤكد للنواب ما لا شك فيه من أن وزارته رشيدة ترعى المصلحة، فسأله بعضهم عن تصريح وزير المالية الذي كان يزعم للناس أنه لن يدفع إلا ورقاً، وأنه لن يفاوض في ذلك، فلم يرد رئيس الوزراء أن يرد على هذا السؤال، وإنما تخلص منه، وأفلت من السائل إفلاتاً. وكيف يرد على هذا السؤال، وهو إن فعل دفع وزير المالية إلى الاستقالة دفعاً. وأعلن ذلك إلى النواب إعلاناً. فوزير المالية لا يريد أن يفاوض في مسألة الدين العام، ولكن
    مندوب الوزارة قد وصل إلى باريس أو كاد، وهو يتهيأ للمفاوضة في هذه المسألة التي لا يريد وزير المالية أن يفاوض فيها، ووزير المالية يقبل لنفسه هذا الوضع ولا يستقيل ولكن بشرط أن لا يعلن إعلاناً في مجلس النواب، وألا يصرح به رئيس الوزراء تصريحاً يسمعه الناس، وتذيعه الصحف. فالحق مر وإن صدر عن رئيس الوزراء.
    أما الشعب المصري، فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد، أمتفائل هو أم متشائم، أمطمئن هو إلى الحكومة الرشيدة أم غير مطمئن؟ لن يسأله أحد، لأن أحداً لا يحفل بسؤاله، ومادام النواب والشيوخ راضين، فالشعب راضٍ بإذن الله. ولا نصدق الشعب، إن أعلن وألح في الإعلان، أنه ساخط، فإنما هو كلام يقال، لا ينبغي أن يصغى إليه العقلاء، الذين قضى الله لهم بالرشد، والكفاية والمهارة، حتى يزول عنهم الحكم، فيصيروا إلى مثل ما صار إليه صدقي باشا من الإخفاق والخذلان.
    أما بعد فهل يحب النواب والوزراء أن يسمعوا كلمة مرة من هذه الكلمات المرة التي يسمعونها فيغضبون لها ثم يطمئنون إليها، فليعلموا إذن أن التفاؤل خير من التشاؤم، كما قال لهم صاحبهم أمس، وأن الخير كل الخير، في ألا يجادلوا ولا يحاوروا، ولا يكلفوا الحكومة مشقة الرد والجواب، فإن الرجل الحكيم خليق أن لا يضيع وقته وجهده في غير طائل. ومادامت الحكومة رشيدة، ومادام الأمر ينتهي بالإيمان لها دائماً بالرشد والثقة بها في كل شيء، فقد يكون الحزم في أن تفوض تفويضاً تاماً في تصريف الأمور دون أخذ ولا رد، في هذا الصيف المهلك الثقيل!!
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٧ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صبريات . . .
    وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
    فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
    الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
    وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
    ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
    ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
    فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
    المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صبريات. . .
    نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
    ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
    هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
    ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
    أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    تسوية…
    تمت أمس في غرفة من غرفات البرلمان، ولكنها تمت بين أحد الفريقين المختصمين بالأصالة، وبين أحدهما الآخر بالنيابة. فقد شهدها وقبلها واطمأن إليها النواب الغاضبون، وقد سكت عنهم الغضب، وشملهم الهدوء، ولم يسحبوا إعذارهم وإنذارهم، ولكنهم أهملوهما إهمالًا. وأعرضوا عنهما إعراضًا. أما وزير المالية فلم يشهد جلسة التسوية هذه، ولم يشترك فيها يقول ولا يفعل، وإنما ترك لرئيس الوزراء، ووزيرين آخرين، أن يهدئوا النواب ويعينوهم على ابتلاع هذه الحبة المرة. وقد أعانوهم بالفعل، فأهدوا إليهم جملًا عذبة، وألفاظًا حلوة رائقة، كهذه الأشربة الحلوة التي تقدم إلى المريض، ليمحو بها ما يبقى في فمه من مرارة الدواء. وانصرف النواب راضين أو مظهرين للرضى، وأرسل رئيس الوزراء نفسًا طويلًا حارًا، كمن زال عن كتفيه عبء ثقيل، وانجلت هذه السماء الصغيرة الضئيلة الضيقة. سماء السياسة الرسمية، من تلك السحب التي كانت تبدو كثيفة صفيقة، وإن كانت في حقيقة الأمر رقيقة شفافة، لا تحجب شيئًا، ولا تكدر صفوًا، ولا تخيف إلا الذين يخافون من الأوهام والخيالات. ولبث وزير المالية حيث كان مستقرًا هادئًا في حديثه المنشور الذي أذاعه في الأقاليم، وفي شماله الرد الذي كان قد هيأه ليلقي به خصومه إن عرضوا له في مجلس النواب، وأكبر الظن أن أنباء الصلح قد انتهت إليه، فرد المنشور إلى مكانه، وحفظ الرد في حرز أمين، لأنه قد يحتاج إليه. ثم استقر كل شيء، واطمأن كل إنسان، ولعب النسيم بسطح البحيرة مداعبًا ملاطفًا، ولكن هذا النسيم على رفقه، ولينه، ورقته، أطار بعض الأوراق من مكانها، وحملها مداعبًا، ملاعبًا، إلى مكان آخر. ثم أشرق الصباح، وأضاء بنوره ولاح، وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح، ولكن الأهرام تكلمت مكان شهرزاد. فقصت على الناس أنباء التسوية، ثم روت للناس نص المنشور الذي أغضب النواب، وأملى الاستجواب، وأثار الوزير، إلى الكتابة والتحرير. فإذا هو منشور له ما بعده حقًا، منشور تتمثل فيه البطولة، ويقطر من أطرافه النبوغ، وتتجلى في جمله القصار معانٍ كثيرة، وأغراض سياسية خطيرة. منشور من شأنه أن يغضب النواب حقًا، وإن أعلنوا إلى رئيس الوزراء أنهم لم يغضبوا منه، وإنما غضبوا مما أشيع عن تعليمات أخرى سرية، يقال إنها سبقته، ولحقته، وأحاطت به. وقل ما شئت، فالمنشور نفسه مغضب للنواب،
    ولا سيما في هذه الظروف التي نعيش فيها. ولو كنت نائبًا وأذيع هذا المنشور لغضبت منه فإن كان صادقًا غضبت من نفسي وكرهت لها البقاء في مجلس النواب، لأن الذين يلتوون بالضرائب، ويستفيدون من الاستثناء الذي لا يسمح به ليؤخروا أموال الدولة، لا ينبغي أن ينوبوا عن الشعب، وإن لم يكن صادقًا غضبت لنفسي وأنكرت على الوزير أن يهين النواب بغير حق، ويبسط عليهم قلمه ولسانه في غير مقتضى لبسط القلم واللسان. فالوزير يزعم أن للدولة عند جماعة من كبار الممولين وأعضاء الهيئات النيابية خاصةً مقدارًا من المال، يبلغ أربعمائة ألف من الجنيهات. تأخر بها أصحابها عن وقت الأداء. والوزير يزعم أن صغار الملاك قد أدوا دينهم إلى الدولة، كأحسن ما تكون التأدية، وإن كبار الملاك وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية، هم الذين أبطأوا وتلكأوا، والوزير يزعم أن تأخر هذه الأموال عند كبار الملاك وعند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية لم ينشأ عن قصور في القانون ولا عن قصور في النظم والتعليمات. وإنما نشأ عن استثناء لا يبيحه القانون، ولا تسمح به النظم والتعليمات. فالوزير يسجل إذن تسجيلًا صريحًا قاطعًا أن كبار الممولين وجماعة من أعضاء الهيئات النيابية. قد ميزوا أنفسهم أو ميزتهم الإدارة بشيء من الاستثناء الذي لا يباح. فهذا مغضب للنواب من أنفسهم إن كان حقًا. ومغضب للنواب من الوزير إذا لم يكن حقًا. ولكن النواب يقولون أنهم لم يغضبوا، وهم بالطبع أحرار فيما يريدون لأنفسهم من الغضب والرضى. على أن الوزير لم يقف بمنشوره عند هذا الحد الإخباري، كما يقول أصحاب البيان، وإنما تجاوزه إلى الإنشاء، فأصدر أوامر لحكام الأقاليم، وهذه الأوامر نفسها حازمة ملائمة للعدل، ولكن من طبعها أن تغضب الذين تعودوا أن يؤذيهم خطرات النسيم، ويؤلمهم مس الحرير. فالوزير يأمر في نفس هذا المنشور الذي لم يغضب منه النواب بأن يؤخذ الناس جميعًا بأداء الضرائب في غير تفرقة بينهم وبأن يوقع الحجز عليهم جميعًا من غير تفرقةً أيضًا بين الصغار والكبار وبين النواب وغير النواب، إن هم قصروا في الأداء. وأن ترفع أمورهم كلهم إلى النيابة، من غير تفريق، كذلك بين الصغار والكبار، وبين النواب وغير النواب إن وقع منهم التبديد. ثم يأمر الوزير بأن تراعى النظم والتعليمات، بالعدل والقسط والمساواة في تحصيل الضرائب التي آن أوانها. أرأيت إلى هذه الأوامر الحازمة الصارمة التي أصدرها وزير المالية وهو هادئ مطمئن، والتي لم يغضب منها النواب، وما ينبغي لهم أن يغضبوا منها، وهم الذين ينبغي أن يلوموا الوزير ويسقطوه إن لم يصدرها ولم يقم على تنفيذها بالدقة والحزم والمضاء.
    لم يغضب النواب فيما قالوا لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يلتووا بالضرائب، أو يفروا من التكاليف العامة، أو يغضبوا من كلمة الحق، حين تقال، فلم يبق لنا إلا أن نتمنى لهم حلمًا إلى حلم، ورضى إلى رضى، ونتمنى للوزير حزمًا إلى حزم، وشجاعة إلى شجاعة، ونبوغًا إلى نبوغ، ونتمنى لرئيس الوزراء، دهاء إلى دهاء، وكياسة إلى كياسة، ونتمنى للمنشورات أن يظل ورقها خفيفًا لطيفًا، يحب أن يحمله النسيم إلى دور الصحف، لتذاع هذه المنشورات بين الناس، فيرى المصريون كيف تؤدى الضرائب من الصغار، وتبقى عند الكبار، وكيف يجد الوزراء في الحزم، ويذعن النواب للحق، وتجرى الأمور بين النواب والوزراء على ما يقول البحتري:
    أغتدي راضيًا وقد بت غضبان وأمسى مولى وأصبح عبدًا
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٣ يونية ١٩٣٤.

  • المهادنة أم القناعة | Compromise or Conviction: How to Face an Uncertain Egypt

    الثعبان
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
    وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
    وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
    قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

    تأديب…

    ليس من شك في أن أظهر ما يمتاز به الإنسان من العيب والنقص، إن صح أن يمتاز بالعيب والنقص، هو أنه لا يحسن قراءة الغيب، ولا التنبؤ بما يستتر في ضمير الأيام والليالي من الحوادث والخطوب. فلو قد برئ الإنسان من هذا العيب، ولو قد ارتفع الإنسان عن هذا النقص، ولو قد أتيح له أن لا يتم يومًا إلا وهو عالم بما سيستقبله به الغد، لتجنب شرًا كثيرًا، ولتقى من الأهوال والكوارث أشكالًا وألوانًا.

    وأنا أملي هذه المقدمة الموجزة لهذا الفصل الموجز رثاء لإخواننا وأصدقائنا وأساتذتنا، فهم خليقون بالرثاء، وهم خليقون بالعطف، وهم خليقون بالرحمة تفيض بها عليهم قلوب الأخيار.

    وليس من الضروري أن يكون الناس جميعًا قضاة يلومون المسيء إذا أساء، ويعاقبون المسرف إذا أسرف على نفسه أو على الناس، بل من الخير أن يكون منهم القضاة الذين يحملون كتب الأخلاق، فيقيسون أعمال الناس بهذه المقاييس الخلقية، يحمدون منها ما يستحق الحمد، ويذمون منها ما يستحق الذم، وأن يكون منهم الرحماء الأخيار الذين يرحمون المسيء ويعطفون عليه، ويعزونه لا عن إساءته وحدها، بل عن آثارها أيضًا.

    وأنا أريد أن أكون من هؤلاء، وأن أعزي إخواننا وأصدقاءنا وأساتذتنا المحامين عن هذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وعن هذه الآثار الخطيرة التي يتعرضون لها، فهم قد اقترفوا ذنبًا عظيمًا، وهم معرضون لعقاب عظيم. ولولا أنهم لم يمنحوا القدرة على التنبؤ بالغيب، والقراءة في ضمير الأيام، لما اقترفوا هذا الذنب، ولما تعرضوا لهذا العقاب.

    فأما الذنب فهو انتخابهم للأستاذ مكرم نقيبًا لهم، وأما العقاب فهو هذه الأهوال التي تصب عليهم صبًا منذ أشهر. ولو أن الله فتح عليهم، وألهمهم العلم بما سيكون، لثابوا إلى رشدهم، ولآثروا القصد والاعتدال، ولكرهوا أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الأسود. والأسود بالطبع هم الوزراء، الذين يريدون فيما يظهر أن يأكلوا هؤلاء المحامين المساكين أكلًا، ويهضموهم هضمًا، ويردوهم إلى ما ينبغي لهم من التواضع، ويصرفوهم عما أمعنوا فيه من الكبرياء.

    لو أن المحامين قرؤوا في ضمير الأيام، لأعرضوا عن مكرم، بل لو أن مكرمًا نفسه قرأ في ضمير الأيام، لأعرض عن نفسه، ولضن بها وبزملائه على هذه الأهوال الجسام التي لا طاقة لهم بها، ولا قدرة لهم على احتمالها.

    انظر إليهم، لم يكادوا يفكرون في انتخاب مكرم حتى جاءهم النذير، وأي نذير! وحتى انتهى إليهم التحذير، وأي تحذير! ولكنهم غرتهم أنفسهم، وظنوا بالوزارة الظنون، وقدروا أن تنديد الوزارة ليس إلا تخويفًا، وأن تحذير الوزارة ليس إلا إرهابًا، وأنهم يستطيعون أن ينهوا ما بدأوا فيه دون أن ينالهم مكروه.

    فمضوا إلى ما أرادوا، وأتموا ما بدأوا، ولكنهم لم يكادوا يفرغون من الانتخاب حتى زلزلت تحتهم الأرض، واضطربت فوقهم السماء، وعصفت من حولهم الريح، وإذا قانون يهيأ، ثم يقدم، ثم يدرس، ثم يصدر، كل ذلك في أقصر وقت وأسرعه.

    والغريب أن هؤلاء المحامين، الذين لا يقرؤون الغيب ولا يتنبؤون بما في ضمير الأيام، لم يخافوا من هذا الزلزال، ولم يراعوا من هذا الاضطراب، ولم يضطربوا من هذه العواصف، ولم يزيدوا على أن اعتقدوا أن الوزارة تداعبهم وتلاعبهم، وتصطنع معهم فنًا من هذه الفنون التي يستعان بها على إنفاق الوقت، وتسرية الهم، وتسلية النفوس.

    فاجتمعوا ـ ويا ليتهم ما اجتمعوا ـ وقرروا ـ ويا ليتهم ما قرروا ـ أن القانون الذي صدر لا يلزمهم، لأنه مخالف للدستور، وأنهم لذلك لا يذعنون له، ولا ينفذونه، لأنهم حماة العدل، والذادة عنه، فلا ينبغي لهم أن يذعنوا للجور.

    ثم اتفقوا ـ ويا ليتهم لم يتفقوا ـ على أن انتخابهم الأول صحيح، وعلى أنهم ليسوا في حاجة إلى انتخاب جديد، وعلى أن مكرمًا ما زال لهم نقيبًا، بعد صدور القانون، كما كان لهم نقيبًا قبل صدور القانون.

    هنالك زلزلت الأرض زلزالًا مضاعفًا، واضطربت السماء اضطرابًا مضاعفًا، وعصفت الريح عصفًا مضاعفًا.

    ولست في هذا مازحًا ولا مسرفًا، فإذا كان قانون واحد تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتعصف له الريح مرة، فإن قانونين اثنين تزلزل لهما الأرض، وتضطرب لهما السماء، وتعصف لهما الريح مرتين.
    وكانت وزارة الحقانية قد هيأت قانونين، أحدهما يحل النقابة فورًا، والآخر ينظم أمور المحامين إلى أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فلا غرابة في أن تضاعف زلزلة الأرض، واضطراب السماء، وزعزعة الريح.

    وكانت هذه الحوادث الجسام خطيرة مروعة، حتى شغلت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر، وحتى خدعت الوزارة نفسها عن كثير من الأمر أيضًا. فظنت الوزارة أنها حلت أزمة المحاكم المختلطة، مع أنها لم تحلها، وأنها زادتها تعقيدًا، وليس لهذا مصدر إلا هذه العواصف والزلازل التي أثيرت حول المحامين.

    ثم ينتهي القانونان إلى مجلس الوزراء، فتبارك الله الذي يستطيع أن يرد المغضب إلى الحلم، والقادر إلى العفو، والقاسي إلى الرحمة. وتبارك الله الذي ألهم مجلس الوزراء أن يهمل أحد القانونين، ويكتفي بقانون واحد يدرسه، ويقره، ويتهيأ لتقديمه إلى البرلمان. ومع ذلك، فلو عرف المحامون ما كانت تضمره لهم الأيام لما تعرضوا لهول هذا القانون الجديد.

    فالقانون الجديد هائل حقًا، مروع حقًا، لست أدري كيف ينام المحامون ليلهم أو بعض ليلهم، وكيف يفرغ المحامون لقضاياهم بعد أن عرفوا بعض ما جاء فيه.

    وما ظنك بقانون يريد أن يحظر على المحامين أن يشتغلوا بالصحافة؟ يريد أن يحظر عليهم أن يكونوا رؤساء تحرير، أو محررين مأجورين في الصحف السياسية. أتظن أن مثل هذا القانون يمكن الصبر عليه، أو يمكن أن تنام معه الجفون؟ المحامون يقصون عن الصحافة السياسية في القرن العشرين! أليس هذا من أطرف وأظرف ما عرف الناس؟ بلى. وظرفه وطرافته هما اللذان دفعا وزارتنا إليه.

    فوزارتنا لا تحب أن تكون كغيرها من الوزارات، ولا أن تكون مصر كغيرها من البلاد، وإنما هي وزارة ممتازة، لبلد ممتاز، وإذن فكل ما يصدر عنها يجب أن يمتاز.

    أما في البلاد الأخرى، فالناس يحرصون على أن يكون الصحفيون من المحامين، لأنهم يعرفون الفقه والقانون، ويستطيعون بهذه المعرفة أن يجنبوا الصحف مواطن الزلل فيما تأتي وما تقول. وأما في مصر، فيجب أن يبعد المحامون عن الصحافة، لأن الصحافة يجب أن تزل دائمًا، وهي إذا زلت تعرضت للعقاب، وما قيمة الصحافة إذا لم تتعرض للعقاب؟ والصحفيون قوم يريدون أن يمتازوا، وأي امتياز يشبه العقاب والتعرض له في الصباح والمساء؟

    وأمر هذا القانون أظرف من هذا كله وأطرف، فهو لا يحظر الصحافة وحدها على المحامين، وإنما يكاد يحظر معها السياسة نفسها، فليس ينبغي أن تعنى نقابة المحامين بالسياسة، فإن فعلت عوقبت بالحل. وأي حل؟ حل سيهبط عليها من مجلس الوزراء!

    ومعنى ذلك أن مجلس الوزراء، وهو هيئة سياسية قبل كل شيء، هو الذي يقضي في أن النقابة قد اشتغلت أو لم تشتغل بالسياسة. يقضي في ذلك لا مرد لقضائه، ويحكم في ذلك لا معقب لحكمه. ويكفي أن تأتي النقابة عملًا يخالف ميل مجلس الوزراء لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل، ويكفي أن تنتخب النقابة رجلًا لا يعجب مجلس الوزراء، كمكرم مثلًا، لتكون مشتغلة بالسياسة فتحل.

    ويستتبع ذلك، في أغلب الظن، أن يخصص للمحامين ونقابتهم مكتب، أو قلم، أو مصلحة في وزارة الحقانية أو في مجلس الوزراء، لتتبين الوزارة دائمًا أن النقابة مشتغلة بالسياسة أو غير مشتغلة بالسياسة.

    أرأيت أن المحامين لم يكونوا يقدرون ما كان ينتظرهم من الشر حين خالفوا أمر الوزارة، وأبوا أن يقدموا لها الطاعة والإذعان؟ فليذوقوا الآن هذه الثمرات الحلوة لتلك الكرامة المرة التي آثروها وحرصوا عليها. كأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا كرامًا، وكأن الناس لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا كانوا أعزاء!

    ما أشد حرص المحامين على القديم، وميلهم إلى المحافظة، وزهدهم في التجديد! الكرامة، والعزة، وإباء الضيم، وحرية الرأي، واستقلال الضمير، كل هذا كلام يكثر المحامون منه، ويسرف المحامون فيه، كأنهم لا يعلمون أنه أصبح من حق التاريخ، وأنه أصبح لا يلائم ظروف الزمان والمكان، كما يقول النحويون.

    فليستمتعوا الآن بكرامتهم، فسيصبحون، إن شاء الله، بعد صدور القانون، أشبه الناس بالطلاب والتلاميذ، يبعدون عن الصحافة، ويحمون من شر السياسة، وتشتد الرقابة عليهم فيما يقولون وما يعملون. ومن يدري، لعل الله يرزقهم بوزير تقاليد يغلق لهم ناديهم، ويختمه بالشمع الأحمر، كما فعل وزير التقاليد بطلاب الجامعة ونادي طلاب الجامعة.

    ليت المحامين استشاروني قبل أن يقدموا على ما أقدموا عليه، إذن لنصحت لهم بالإذعان المطلق، والطاعة التي لا حد لها. فنحن نعيش في أيام لا تستقيم فيها الحياة، ولا تطمئن فيها النفوس، ولا تستقر فيها القلوب بين الجنوب، إلا إذا اتخذنا الإذعان المطلق والطاعة التي لا حد لها قاعدة، لا أقول للقول والعمل وحدهما، بل للتفكير أيضًا.

    ولكن المحامين لم يستشيروني، فليس لهم مني إلا ما أملك، وهو أن أرحمهم، وأرثي لهم، وأعطف عليهم، وأتمنى أن يوفقوا منذ اليوم إلى ما لم يوفقوا إليه من قبل، إلى هذه النعمة التي لا تشبهها نعمة، وهي نعمة الطاعة والإذعان.

    طه حسين

    (*) كوكب الشرق، ١٩ إبريل سنة ١٩٣٤.

    خطأ
    يظهر أن بُعد الدار يؤثر في تصور الناس الأشياء وحكمهم عليها ، وإن كانوا من أعلم الناس بها ، وأفهمهم لدخائلها ، كما أن بُعد أدوات الحس عن المحسوسات يضعف أثر الحواس بالأشياء .
    فصديقنا محمود عزمي من أعلم الناس بمصر ، وبما يحدث فيها من الحوادث ، ومن يضطرب فيها من الناس . وهو كذلك عالم حق العلم بطبيعة الحياة والأحياء في هذا البلد ، ولكن عهده بوطنه بعيد ، وداره عن وطنه نازحة ، فهو يتصور الأشياء من بعد ، وينتظر من الناس أكثر مما كان ينتظر منهم لو أنه حديث العهد بهم ، مقيم فيهم ، يراهم كل يوم ويتحدث إليهم كل يوم ، ويرى وقع الحوادث في نفوسهم ، ويسمع تعبير ألسنتهم عن وقع هذه الحوادث ، واضطراب أصواتهم بما تجد نفوسهم من لذة وألم ، ومن نعيم وبؤس ، ومن سرور وحزن . ويحس في أثناء هذا كله ما تخفيه الضمائر الخفية من غيظ وسخط ، ومن رجاء ويأس . إذن لانتظر من الناس غير ما ينتظر منهم الآن ، ولطلب إلى طبيعة الأشياء غير ما يطلب إليها الآن .
    فقد ابتسمت — كما تبتسم اليوم ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق — حين رأيته ينتظر أن تكون الصحف الموالية للوزارة أشد من صحف المعارضة إلحاحًا على الحكومة في تغيير نظام السجون بالقياس إلى جرائم الرأي ، والإسراع إلى تحسين حال صديقنا توفيق دياب في سجنه .
    ابتسمت ابتسامة كلها مرارة وحزن عميق؛ لأني عرفت أن عزمي بعيد عن مصر: لا يرى الناس فيها ، ولا يرى تأثر الناس بما حدث من الحوادث ، ولا فهمهم لهذه الحوادث ، ولا حكمهم عليها . وهو مع ذلك شديد التأثر ، كما كان دائمًا محبًّا للمثل الأعلى في التعاون والتضامن ، والطموح إلى الخير ، واحتمال التبعات في سبيله . فهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ما ينتظر الناس من الصحف الموالية للوزارات في أوربا: أن تذكر قبل كل شيء أنها صحف ، وأن الصحف إنما أنشئت لتدعو إلى الخير وتلح فيه ، فتسارع إلى الإلحاح على الحكومة في أن تقدر كرامة الرأي ، وتعامل توفيق دياب كما يعامل أمثاله في البلاد التي تقدر الحرية وكرامة العقل .
    وهو إذن ينتظر من الصحف الموالية للوزارة ألا تتردد في الاستفادة من موالاتها للوزارة لتستغل قربها من الحكومة ، فتوجهه في سبيل الخير ، وتتخذه وسيلة لتحقيق العدل والبر والإنصاف الذي لا يختلف الناس فيه ، سواء كانوا من أنصار الحكومة أو من خصومها ومعارضيها .
    هو ينتظر هذا كله ، ومن حقه أن ينتظر هذا كله ، لأن طبيعة الأشياء إذا استقامت وجرت على منهج معتدل من حب الحق والخير ، تقضي على الصحف الموالية للحكومة أن تقف من توفيق دياب ومن نظام السجون هذا الموقف الذي ينتظره منها صديقنا عزمي . ولكن طبيعة الأشياء قد التوت في مصر ، والمنهج الذي تجري عليه قد فسد واعوج . وصحف الوزارة لا تستطيع أن تكون أسرع من صحف المعارضة إلى المطالبة بتغيير نظام السجون ، والإصلاح من أمر توفيق دياب؛ لأنها قبل أن تفكر في الخير لنفسه مضطرة إلى أن تفكر فيما يمكن وما لا يمكن ، فيما يراد وما لا يراد ، ثم فيما يقال وما لا يقال .
    هي مضطرة إلى هذا ، فليس من اليسير عليها أن تصارح الحكومة بالحق ، أو تلح على الحكومة فيما لا تحب . ولو قد فعلت لما لقيت من الحكومة خيرًا ، ولأعرضت عنها وجوه تحب أن تقبل عليها ، ولنزرت عنها أشخاص تحب أن يلقوها بالبشاشة والإيناس .
    هي إذن مضطرة أن ترضي الحكومة قبل أن ترضي نفسها ، وقبل أن ترضي فكرة الصحافة . أتُلام في ذلك أم تُعذر عليه ؟ أما أصحاب الأخلاق الذين لا يريدون إلا الفضيلة والفضيلة وحدها فيلومون ، لأن الحق والخير يجب أن يتقدما على كل شيء ، حتى على رضى الحكومة عن صحف المعارضة . وأما العمليون ، والذين يريدون أن يلائموا بين المنفعة والخلق بهذه الأوضاع الاجتماعية التي نسميها مجاملة ، فهم يعذرون ، ويكتفون من صحف الحكومة بأن تختار لنفسها مكانًا وسطًا ، فتجامل صحف المعارضة ، وترفق بالحكومة فلا تسرف عليها بالإلحاح والإلحاف .
    ولعلك لم تنس أن وزيرًا قائمًا اليوم كان صحفيًا أمس ، فكره أن يشارك الصحفيين فيما كانوا يطالبون به ، ولم يتحرج من إعلان ذلك والجهر به ، لأنه يؤثر أهواء الأحزاب على الخير من حيث هو خير ، والحق من حيث هو حق ، وعلى هذا العدل الذي يرتفع فوق خصومة الأحزاب كما يرتفع فوق المنافع كلها .
    لو كان عزمي حاضرًا أمر القوم وهم يجتمعون ويتجادلون ، لعرف أنه يسرف حين يطلب إلى الناس أكثر مما يستطيعون . نعم ، إن المنفعة المحققة لصحف الحكومة تقضي عليها بأن تبذل ما تملك من قوة وجهد لإصلاح نظام السجن ، والترفيه عن توفيق دياب ، لأنها موالية اليوم للحكومة ، ظافرة بعطفها ، آمنة بطشها . ولكن من قصر النظر أن تؤمن لهذه الوزارة بالخلود ، فستزول هذه الوزارة من غير شك ، وستؤول أمور الحكم إلى المعارضة ، وستصبح صحف الوزارة القائمة صحفًا معارضة ، ومن يدري لعلها تحيد عن القانون ، ولعلها تضطر إلى السجن .
    أفليس من الكياسة أن تهيئ لنفسها منذ الآن سجنًا رفيقًا لا تشقى به إذا اضطرت إليه ؟ ولكنك تستطيع أن تقنع صحف الحكومة بكل شيء إلا بأن وزارتها ستزول ، وأنها قد تتعرض لما تتعرض له الآن الصحف المحاصِمة للحكومة .
    وليس يقف خطأ عزمي في تصور الأشياء والحكم عليها عند هذا الحد ، فهو يذكر أن إدارة السجون في إنجلترا تهتم لمرأى صحيفة للمجرمين ، وكأنه يتمنى أن تقرب حياة المجرمين السياسيين في سجون مصر من حياتهم في سجون البلاد الأخرى . ولو كان عزمي في مصر ، ورأى الوزراء وسيرتهم ، واستمع لأحاديثهم ولما يتحدث الناس به عنهم ، ورأى شجاعة النواب واستأسادهم على الصحف المعارضة حين تقع بعض الجرائم ، ثم فتورهم وتخاذلهم حين يطلب إليهم إصلاح نظام السجون ، لعرف أن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:
    ومكلفُ الأيامِ ضدَّ طباعِها
    متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ
    كلا أيها الصديق ، لم تسرع صحف الوزارة ، ولن تسرع إلى ما أردت أن تسرع إليه من الخير ، ولم تظهر الحكومة والبرلمان ما تمنيت أن يظهرا من رغبة في نظام إصلاح السجون ، والترفيه عن المسجونين في سبيل الرأي . وأكبر الظن أن الأمر سيبقى كما هو الآن حتى يبدل اللّٰه من أحزاب أحزابًا ، وحتى يولّي القوم أمور هذه الأمة قومًا لا يتخذون الحكم وسيلة إلى التسلط والبطش ، ولا يرون السجن أسلوبًا من أساليب الانتقام ، ولا يفرقون في المعاملة بين الأولياء والخصوم ، ولا يعلنون في غير تورع ولا احتياط أن مصر قد بلغت من الرقي والحضارة ما بلغته غيرها من الدول الراقية المتحضرة ، ثم يرون في الوقت نفسه في معاملة المصريين ، والمصريين وحدهم ، أساليب هي أبعد ما تكون عن أساليب الحكم من الرقي والحضارة .
    نعم ، وأكبر الظن أن توفيق دياب سيلقى ما يلقى في سجنه صابرًا كما عرفته ، جلدًا كما عرفته ، باسمًا للخطوب كما عرفته ، حتى يغير اللّٰه حالًا بحال ، ويجعل اللّٰه قومًا مكان قوم . فإذا لم يكن لك بد من أن تأمل وترجو وتنتظر الخير ، فاجعل أملك ورجاءك في اللّٰه وفي الأمة ، فإليهما وحدهما يكون الأمل والرجاء ، ومنهما وحدهما ينتظر الخير .
    كوكب الشرق ١٨ – ٣ – ١٩٣٣

    يأس…

    لا بأس على المصريين من أن يجوعوا، فقد تعودوا الجوع، وإن كانت أرضهم خصبة، كثيرة الثمرات. ولا بأس على المصريين من أن يظمؤوا، فقد تعودوا الظمأ، وإن كان نيلهم غزيرًا عذب الماء. ولا بأس على المصريين من أن يشقوا، فقد تعودوا الشقاء، وإن كانت بلادهم خليقة أن تجعلهم أسعد الناس.

    لا بأس على المصريين من الجوع والظمأ والشقاء، فهم قد تعودوا هذا كله وألفوه، وهم قوم عقلاء، يحسنون الصبر، ويتقنون الاحتمال، ويعرفون كيف يلتمسون العذر لسادتهم ومواليهم، إن لم يهيئوا لهم حياة سعيدة ناعمة، أو حياة تكفل لهم شيئًا من راحة وسعة، وقليلًا من نعمة ورخاء.

    وليس الرجل العاقل من يضيق بالخطب إذا نزل، ويجزع للكارثة إذا ألمت، فإن الضيق بالخطوب لا يدفعها، والجزع للكوارث لا يردها، إنما الرجل العاقل من يصبر ويحتمل، وينحني أمام الكوارث والملمات. وله أن ينتظر الموت صامتًا حتى يدركه الموت، وله أن يبعث من صدره المحزون أنات أليمة، يحملها الهواء فيملأ بها الفضاء، أو تحملها أشعة الشمس والقمر والنجوم فتملأ بها أجواء الكون، فمن يدري لعل هذا الأنين، إن عجز عن أن يؤثر في نفوس الناس من سكان الأرض، أن يؤثر في قلوب غير الناس من سكان الكواكب والنجوم.

    ولقد تعود المصريون أن يشقوا، ولقد تعودوا أن يشكوا، ولقد تعود الزمان أن يروي عنهم شكواهم الأليمة المرة، فيحملها أمس إلى اليوم، ويحملها اليوم إلى غد، وتتناقلها الأجيال فيما بينها، ويتعلم منها الأبناء كيف يرثون للآباء، وكيف يشفقون على الأحفاد.

    هذه الصحف تتحدث إلينا صباح اليوم بأن مجلس الوزراء قد اجتمع ثم اجتمع، وطار ثم وقع، وانتهى به الأمر إلى اليأس المريح من أن يجد الحل الحاسم، الذي طالما تمناه وزير المالية، ومني به الناس. فستظل إذن مشكلة الدين العقاري قائمة، لا تنفرج أزمتها، ولا تنجلي غمتها، ولا يكشف ضرها عن المصريين.

    ومع هذا، فما أكثر ما وعد وزير المالية، وأسرف في الوعد، وما أكثر ما تحدث رئيس الوزراء فأطال الحديث، وما أكثر ما تشدق الأنصار والأولياء، وما أكثر ما جلا أولئك وهؤلاء أمام الشعب آمالًا عذابًا، ظهر الآن أنها كانت كذابًا.

    كان وزير المالية يقول إنه سيحدث ما لم يحدث أحد من قبل، وهو لا يرضى أرباع الحلول، ولا أنصافها، وإنما يريد الحلول الكاملة الشاملة، التي ترضي المصريين وتريحهم، وتجدد نشاطهم وابتسامهم للحياة.
    وكان رئيس الوزراء يتعالى، في شيء من التواضع الغريب عن السياسة وأحاديثها، ويفاخر، في شيء من الكبرياء الظريفة، بحرصه على الاقتصاد، ورغبته في حل مشكلاته. وكان يمزج التواضع بالكبرياء، فيعلن أنه لا يستطيع أن يأتي بالمعجزات، وأنه سيبذل ما يملك، ويفعل ما يستطيع لإصلاح ما ليس من إصلاحه بد.

    وكان رئيس الوزراء يرتفع حتى يبلغ النجم، ثم يلقي من هناك نظرة ملؤها الازدراء والاحتقار على تلك الحلول العوجاء العرجاء التي استكشفها صدقي باشا، أو تكلفها، لمشكلات الدين العقاري، ويعلن في أناة تليق بعظماء الرجال، وفي هدوء يليق بالذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يصدرون إلا عن يقين، يعلن أنه لا يريد الحلول المضطربة التي لا تحل شيئًا، وإنما يريد الحلول الحاسمة، التي لا تدع شكًا ولا لبسًا، ولا خلافًا ولا خوفًا.

    ثم يمضي شهر، يتبعه شهر، ويتبعهما شهر وأشهر، والحلول الحاسمة الحازمة تلتمس. يغوص لها وزير المالية في البحر، ويهبط لها وزير المالية في أعماق الأرض، ويطير لها وزير المالية في أجواء السماء، ورئيس الوزراء ينتظر، والمصريون ينتظرون، والدائنون يلحون، والمدينون يستغيثون، والأيام تمضي، والأسابيع تتعاقب، والشهور يتبع بعضها بعضًا، والهموم تلح على المصريين، والخطوب تأخذهم من كل مكان، وأنينهم يتصل، وشكواهم يردد أصداءها الزمان.

    حتى إذا حان الحين، وآن الأوان، تمخض الجبل فولد فأرًا، وانجلت هذه الجهود الجبارة عن تقرير يقدمه وزير المالية إلى مجلس الوزراء، فلا يكاد المجلس ينظر فيه حتى يختلف في أجزائه، وفي تفصيلاته. ثم يكثر الحوار، ويشتد الخلاف، وتمطر السماء اقتراحات متضاربة متناقضة، وتنبع من الأرض اقتراحات أخرى، ويحمل الهواء اقتراحات جاء بعضها من المريخ، وبعضها من زحل، وتختلط هذه الاقتراحات كلها، ويضطرب الأمر، ويشتد الجدال.

    وفي أثناء ذلك يسافر من يسافر من رجال المال، ويتهيأ من بقي منهم للسفر، ويقبل الصيف، وتتهيأ الوزارة للراحة في الإسكندرية، ويتهيأ أعضاء البرلمان الحاضر للتفرق في أقطار الأرض، يستريحون من التعب، ويبتغون من فضل الله.

    وتظهر الحقيقة منكرة بشعة، مخيفة كريهة المنظر، مرة المذاق، ثقيلة الاحتمال، تظهر في أقبح مظهر، وأسمج منظر، وتبعث هذا الصوت المخيف العنيف:

    لا أمل في الحل الحاسم هذا العام، فانتظروا أيها المصريون، فقد يفتح الله على وزرائكم به في العام المقبل!

    ثم تستقر الأمور على اليأس، وتطمئن القلوب إلى القنوط، ويتهيأ مجلس الوزراء في دعة، وأمن ورضى، ليدرس حلًا من هذه الحلول المؤقتة التي كان يحبها صدقي باشا، على قاعدة من هذه القواعد المضطربة التي كان يؤثرها صدقي باشا.

    وإذن فأين نحن، وأين كنا، وإلى أين انتهينا، وإلى أين ندفع؟

    هل يستطيع رئيس الوزراء أن يحدثنا: فيم سقطت وزارة، وقامت وزارة؟ هل يستطيع رئيس الوزراء أن ينبئنا: فيم هوى صدقي باشا، وقام عبد الفتاح يحيى باشا؟

    لم تحل المشكلة السياسية، ولم تحل مشكلة الدين العام، ولم تحل مشكلة الدين العقاري، ولم تتغير خطة الوزارة بإزاء واحدة من هذه المشكلات. ثم نشأت مشكلات أخرى عالجتها الوزارة بنفس الخطط التي كان يعالج بها صدقي باشا ما كان يعرض له من المشكلات: الانتظار، والوعد، ثم الإسراف في الانتظار، والإسراف في الوعد، ثم الاعتماد على النسيان، وفعل الزمان!

    تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن ينظر سادته ومواليه إلى أموره نظرة الجد والنصح؟ تبارك الله! ألم يأن لهذا الشعب البائس التعس أن يقدم إليه سادته ومواليه عملًا لا قولًا، وطحينًا لا جعجعة؟

    تبارك الله! لن تحل مشكلة من مشكلات هذا الشعب إلا أن يكون هذا الشعب سيد نفسه، يعالج مشكلاته عن علم بها، واحتمال لتبعاتها، لا يعتمد في ذلك على قوم معصومين، ولا يلتمس في ذلك معونة قوم مستعمرين، يريدون به الشر، ويدبرون له الكيد، ويتربصون به الدوائر.

    تبارك الله! متى تنكشف الأيام لهذا الشعب عن حريته، وعزته، واستقلاله؟ فإنه لم يخلق ليكون عبدًا ذليلًا مستغلًا، وإنما خلق ليكون حرًا عزيزًا، مستقلًا، يريد فينفذ ما يريد، ويقول فيتم ما يقول.

    طه حسين

    (حديث الوادي، ٤ يونيه ١٩٣٤)