Author: Hassan El-Zayyat

  • المزيد من خطة الحكومة ضد الوفد | Crackdown in the Provinces and Abroad

    إقدام
    ولكنه إقدام خطر ، قد يجرّ إلى الشر ، وينتهي إلى ما لا يحبه المُقدِمون أنفسهم ، وقد لا تحتمله أيضًا صحة هذه الوزارة التي أخذتها العلل من أطرافها المختلفة فأعجزتها عن النهوض بجلائل الأعمال ، سواء أكانت هذه الأعمال نافعة أم ضارة .
    نعم ، إقدام خطر مريب معيب ، هذا الذي أخذت تظهر آثاره وبوادره على أعمال الإدارة في الصعيد؛ فقد كانت الإدارة هادئة في أسوان ، وكانت مستقرة ، تسمع وترى ، وتتألم وتغضب ، ولكنها لا تضطرب ولا تسرف في الاضطراب ، بل تُخلي بين الناس وبين أنفسهم ، يحسون ويشعرون ، ثم يعبّرون عما يجدون من حسٍّ وشعور ، فيحتفلون ويصفقون ويهتفون ، وكل شيء هادئ ، والنظام مستقر ، إلا أن يكون إظهار الشعور والاستمتاع بالحرية الطبيعية التي يكفلها الدستور خروجًا على النظام ، وتكديرًا للصفو والهدوء .
    كانت الإدارة هادئة مطمئنة في أسوان حين زارها الرئيس الجليل ، فلم يحدث أو لم يكد يحدث شيء ذو بال ، ولكن أشد الأحلام رزانة قد يخف ، وأعظم الأحلام ثقلًا قد يطيش . ويظهر أن صبر الإدارة محدود مهما يطل ، وأن حلمها ضيق مهما يتسع ، وأنها قد ترى ما تكره هي ، وإن لم يكرهه الدستور ولا القانون ولا النظام ، فتحتمله ساعة أو ساعات ، وتصبر عليه يومًا أو أيامًا ، ثم لا تلبث أن تتنكر له وتثور به ، وتعرض للناس تأخذهم بكظم الحس ، وكتمان الشعور ، والتنزّل عن حقهم الطبيعي في أن يغدوا ويروحوا ، ويأتوا من الأمر ما يحبون لتكريم من يحبون .
    يظهر أن الإدارة لا تستطيع أن تمضي في الصبر والاحتمال إلى مدى بعيد ، وهي بذلك تقيم أوضح الأدلة وأقواها على أن كفايتها للنهوض بما تنهض به من الأعمال عُرضة للشك وموضع للريب .
    فليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وليس الحكم تحدّيًا ولا تصدّيًا ، وليس الحكم إظهار القوة والبأس ، وإنما الحكم صبر واحتمال ، والحكم احتياط للطوارئ ، واستعداد للحوادث ، لا تعجّل لها ولا إثارة للناس إلى أحداثها .
    نعم ، ليس الحكم بطشًا ولا عسفًا ، وإنما الحكم هو هذه القدرة التي تمكّنك من أن تلاحظ وتراقب ، وأنت هادئ مطمئن ، وأنت قوي مستعد لدفع الشر إن وقع أو خفت وقوعه .
    وكل شيء يدل على أن الإدارة لو أخذت بأصول الحكم هذه ، فهدأت واستقرت ، واكتفت بالاستعداد للطوارئ ، ولم تتورط في إثارتها ، لم يحدث شيء ، ولم يتعرض فرد أو جماعة لمكروه . ولكن هذا — كما قلت — شيء ليس باليسير فيما يظهر ، وهو لا يكون يسيرًا ولا ممكنًا إلا يوم تحيا الأمة والحكومة حياة واحدة ، وتشعران شعورًا واحدًا ، وتشتركان اشتراكًا صحيحًا في المنافع والآمال والمثل العليا .
    هنالك تستطيع الأمة أن تعيش حرة ، وتستطيع الحكومة أن تحمي هذه العيشة الحرة ، مؤيدة لها ، مقوية لما فيها من أسباب الحياة وعناصر الحرية .
    ولكن الأمر في مصر على غير هذا من كل الوجوه؛ فللأمة حياتها وآمالها ، وللحكومة حياتها وآمالها ، وبين هذين النوعين من الحياة والآمال آماد بعيدة لا سبيل إلى تقصيرها أو تقريبها .
    تريد الأمة أن تحيا حرة ، وتأبى الوزارة إلا أن تقصّ من جناح هذه الحرية . تحب الأمة من تحب من الزعماء ، فتلقاهم فرحة بهم ، مستبشرة بلقائهم ، مؤمِّلة فيهم ، وتكره الوزارة هؤلاء الزعماء الذين تحبهم الأمة وتعقد بهم الآمال . تكرههم الوزارة فتحول بينهم وبين الحركة والانتقال إن وجدت من نفسها القوة على ذلك ، وتدعهم وما يريدون إن عجزت عن أن تحبسهم في بيوتهم ، ولكنها تتنكر وتتنمّر وتتحدى وتتصدى ، وتظهر من ألوان الشدة ومظاهر القوة والبأس ما يثير ويغري بالشر ، حتى إذا وقع الشر أو كاد ، اتخذت من هذا سبيلًا إلى مصادرة حرية الزعماء والناس ، وحجة على أن استقرار النظام في حاجة إلى أن تستقر الأمة فلا تحس ولا تشعر ولا تعيش !
    ما هكذا يكون الحكم ، وما هكذا يكون إقرار النظام . ما هذه الأنباء التي أخذت ترد من الصعيد بالاصطدام بين الناس والشرطة في الأقصر ، وبتحطيم سيارات وإصابة أفراد من الناس والشرطة بجراحات ، ومن محاصرة بيوت واقتحام أخرى ، ومن استصدار أوامر من النيابة بالقبض على بعض الناس ؟ ما هذا كله ؟ وفيم هذا كله ؟ ولأي خطر تتعرض البلاد لتقف الإدارة من الناس هذا الموقف ، وتثير شعورهم على هذا النحو ؟
    ما وضع المحطات تحت الحصار ؟ وما مرافقة الرئيس الجليل وصاحبه في القطار ؟ أتريد الحكومة أن يشعر الناس أنها قوية ، وأن لديها شرطة مسلحة بالبنادق والعصي ، وأن هذه الشرطة قادرة على تفريق المجتمعين وتبديد المحتفلين وإسكات الهاتفين ؟ فإن أحدًا لم يشك في أن للحكومة شرطة وجيشًا ، وفي أن عندها بنادق وعصيًّا ، وفي أن من وراء هذه الشرطة وهذا الجيش جيشًا آخر قويًّا أجنبيًّا مستعدًّا للنصر والتأييد ، ولكن عمل الشرطة والجيش إنما هو أن يجيبا إذا دُعيا؛ فمن الذي دعاهما ؟ ومن الذي طلب إليهما أن يعرضا للناس وهم آمنون ؟
    لم يشك أحد في أن الحكومة قادرة إن أرادت على أن تبطش بالناس ، وقد أرادت ذلك غير مرة فبطشت بالناس وأذاقتهم ألوانًا من المكروه ، ولكن الشيء الذي نشك فيه جميعًا — بل لا نشك فيه وإنما نوقن به — هو أن هذا البطش لا خير فيه ، وإنما هو الشر كل الشر ، والخطر كل الخطر .
    لقد بطشت الحكومة بالناس غير مرة ، فكان القتلى وكان الجرحى ، وكانت الخطوب والأهوال ، ولم تظفر الحكومة بعد هذا كله ورغم هذا كله بشيء مما كانت تريد؛ فلا هي جذبت إليها قلوب الناس ، ولا هي هدأت عن نفسها سخط الناس ، ولا هي صرفت الناس عمن يحبون ، ولا هي زهّدت الناس فيما يحبون ، وإنما انتهت بها سياسة التحدي والتحرّش إلى عكس ما كانت تريد .
    فما أحبّ الناس حريتهم كما يحبونها اليوم ، ولا حرص الناس على استقلالهم كما هم حريصون عليه اليوم ، ولا تعلقت قلوب الناس بدستورهم القديم كما تتعلق به اليوم ، ولا وثق الناس بزعمائهم وقادتهم كما يثقون بهم اليوم ، ولا يئس الإنجليز من سياسة اللعب والدوران والعسف والبطش كما ييأسون منها اليوم ، ولا فشل حكم الإرهاب والإرهاق كما يفشل اليوم .
    تستطيع الحكومة أن تنظر وأن تسمع حيث شاءت ومتى شاءت ، فلن ترى ولن تسمع إلا جبالًا من الحرية لا يشبهها حب ، ولا كلفًا بالديمقراطية الصحيحة لا يشبهه كلف ، وازدراءً للخطوب ، واستخفافًا بالصروف ، واستعدادًا للصبر واحتمال المكروه .
    لم يصل اليأس بعد ، ولن يصل إلى قلوب الناس . فما تعلق الحكومة بما لا سبيل إليه ؟ وما تهالك الحكومة على ما لا خير فيه ؟ هذه الأمة تحيا حياتها هادئة مطمئنة ، تنظر إلى الحوادث صابرة عليها ، معتصمة بإيمانها ، واثقة بالمستقبل ، معرضة عن الحكومة ، تاركة لها تسلك طريقها المعوج . فما للحكومة لا تحيا هي الأخرى حياتها ، ولا تدع الأمة وما تريد ؟
    نعم ، في مصر حياتان مختلفتان: إحداهما حياة أمة كلها أمل ، فهي تصبر وتبتسم؛ والأخرى حياة وزارة كلها يأس ، فهي تغضب وتتنكّر ، وهي تهيج وتثير الناس . وأي غرابة في أن يضيق من يملأ قلبه اليأس بمن يملأ قلبه الرجاء ؟
    إقدام خطر هذا الذي تظهر آثاره في الصعيد ، خير منه الإحجام . ما أشد حاجة الوزارة إلى أن تفكر في نفسها ، وتعنى بصحتها ، وتعالج هذا الشلل الذي أصاب أطرافها ، وتفرغ لهذا المرض الذي دبّ في أجزائها؛ فإن في هذا كله ما يشغلها عن زيارة الرئيس الجليل وصاحبه للصعيد .
    لتتفرغ الحكومة لشؤونها الصغيرة والكبيرة ، ولتطمئن ، فلن يتعرض النظام ولا الأمن للخطر ، ولا لما يشبه الخطر ، إذا أخذت هي رجال الإدارة بالهدوء ، وكفّت هي يد الإدارة عن الناس .
    إن استقرار النظام رهين باستقرار الإدارة ، فإذا لم يكن بدّ من أن تعمل الحكومة شيئًا ، فلتجذب إليها بشدة لجم الإدارة ، فقد يظهر أن في خيل الإدارة ميلًا إلى الجموح .

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣

    عناء
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة فيما تحاول من إزهاق الروح الوطني وإخماد هذه الجذوة التي كان يجب على كل وزارة أن تتعهدها وترعاها، وتحرص ما وسعها الحرص على ألا يزيدها مر الأيام إلا قوة واضطرابًا.
    عناء ثقيل مضن هذا الذي تلقاه الوزارة القائمة في إزهاق هذا الروح وإخماد هذه الجذوة، ولعل ثقله يزداد من حين إلى حين، ويشتد من يوم إلى يوم، ولعله أن يبلغ الازدياد والشدة أن ينوء بالوزارة كما ناء بغيرها من الوزارات، وأن يضطرها كما اضطر غيرها من الوزارات إلى الإذعان والتسليم. فقد حورب هذا الروح وحوربت هذه الجذوة وسلك الإنجليز وسلكت الوزارات المؤيدة للإنجليز في حربها كل طريق. واتخذ الإنجليز واتخذت الوزارات المؤيدة لهم إلى القضاء عليهما كل وسيلة، فلم يفلح الإنجليز ولم تفلح الوزارات التي أيدتهم، وظل هذا الروح قائمًا قويًا، تشتد أيده، ويعظم بأسه، وينبسط سلطانه، ويستأثر بالقلوب والنفوس كلما طال الكيد له، وكلما اشتدت الحرب عليه. وظلت هذه الجذوة مضطرمة تبعث لهبها الخالد إلى القلوب المريضة فيطهرها، وإلى النفوس الضعيفة فيقويها، وإلى الضمائر المرتابة فيمحو منها كل شك، ويزيل منها كل ريب. لو أن الوزارة القائمة اعتبرت بالحوادث واتعظت بما أصاب الوزارات من قبلها لما قامت، ولو أنها إذ أهملت الحوادث ولم تنتفع بما خلا قبلها من المثلات فنهضت بأعباء الحكم، عرفت كيف تبتكر من أساليب الحرب لهذا الروح الوطني، ووسائل الإخماد لهذه الجذوة الوطنية ما لم تسبق إليه، لكان من الممكن أن تريح نفسها من هذا العناء الثقيل الطويل الذي تلقاه، وتشقى به دون أن تستفيد منه خيرًا قليلًا ولا كثيرًا. ولكن الإنسان ضعيف وسلطان الغرور على النفوس عظيم، وعبث الآمال الكاذبة بالقلوب والعقول لا حد له، وحب الحكم والتسلط يغري وينسي ويصرف عن العبر والعظات.

    لقد نهضت هذه الوزارة منذ ثلاثة أعوام، قوية شديدة القوة، نشيطة موفورة النشاط. وقد تهيأ لها من البأس والسلطان ما لم يتهيأ لأحد من قبلها، ومد لها الأمل وطول البقاء ما لم يمد لأحد من قبلها، وأطلقت يدها في أمور هذا البلد كما لم تطلق يد أحد من قبلها. فإذا برلمان يصرف، ودستور يغير، ونظام جديد يقام، وبأس عظيم ينفق لتأييد هذا النظام، وطغيان يصطنع في غير تحرج ولا احتياط، لإكراه الناس على أن يذعنوا للوزارة القائمة ويؤمنوا لها. وإغراء لا حد له يسلط على النفوس، وتنتهز به الفرص، ويتلمس مواضع الحاجات من الناس، ويتعرف مواقع الضرورات من المأزومين. وإذا خروج على النظام الجديد نفسه، وتجاوز لقواعده وأصوله، وتضييق على الناس فيما وسع لهم فيه. يريدون أن ينتقلوا فإذا هم يكرهون على البقاء، ويريدون أن يتكلموا فإذا هم يكرهون على الصمت، يريدون أن يكتبوا فإذا أقلامهم تعقل وصحفهم تعطل. ويريدون أن يعيشوا فإذا عيشهم نفسه تؤخذ عليه السبل وتقام من دونه العقاب.
    كان كل هذا ليس له إلا غاية واحدة، وهي أن يتحول الناس عن هذا الروح الوطني الذي أحيا نفوسهم وقلوبهم، وجرى مع دمائهم وأصبح مقومًا لحياتهم. فلم توفق الوزارة إلى شيء مما أرادت، ولم تظفر الوزارة بشيء مما أحبت، ولم تستطع الوزارة أن تقنع أصدقاءها الإنجليز بأن الأمر قد تم لها ولهم، وبأن الرؤى قد طابت لها ولهم، وبأن سفينتها وسفينتهم تستطيع أن تجري بها وبهم على بحر هادئ مطمئن، بها وبهم يومًا ما، إلى ما تبتغي وما يبتغون من المفاوضات، وإمضاء المعاهدة التي يريدون أن يأخذوا بها مصر أخذًا، ويفرضوها على مصر فرضًا.
    نعم، ما زال الروح الوطني اليوم كما كان يوم نهضت الوزارة بأعباء الحكم. لم يمسسه ضعف ولم يصبه وهن، ولم ينقبض سلطانه، نستغفر الله، بل لقد اشتدت قوته، وازداد سلطانه انبساطًا، وظله امتداد. وآية ذلك أن الوزارة لم تستطع ولن تستطيع أن تغير أساليبها في الحكم، ولا أن تأخذ الناس بغير ما تعودت أن تأخذهم به من العنف، ولا أن تنفذ الدستور على وجهه، وتجري أحكامه في غير مخالفة لها، ولا خروج عليها. فما زال خصومها السياسيون يعاملون معاملات شاذة لا تلائم الحياة الهادئة في بلد هادئ، بيوتهم يطوف بها الجند، وأشخاصهم يبث من حولهم الأرصاد والعيون، وانتقالهم يخفق له قلب الوزارة وتضطرب له نفسها، ويختل له حسابها. وكلامهم ممنوع، واتصالهم بالناس أمر يجب أن تأخذ عليه الوزارة كل سبيل. ماذا؟ بل إن الوزارة لا تتحرج، لا نقول من مخالفة القانون والنظام، بل من مخالفة المألوف، والتورط فيما يضحك ويدعو إلى هز الرءوس ورفع الأكتاف. فمن خطف في القطار السريع، إلى تسليح للقطر، وتعبئة للجند، وتسوير للمدن، واحتفار للخنادق، ونصب للمتاريس، إلى ما شئت مما تتخذه البلاد الجادة حين تتعرض الأوطان للخطر الداهم يأتيها من الخارج أو يصيبها من ثورة داخلية مهلكة.
    ومصر – والحمد لله – آمنة، لا يغير عليها عدو أجنبي، ولا تشب فيها حرب أهلية. ولكن وزارتها قامت على أن تزهق هذا الروح الوطني، فهي تتخذ هذا الروح عدوًا تنصب له الحرب، وتعبئ له الجند، وتدبر له ألوان الكيد، ولا توفق مما تريد إلى شيء، لأن الروح الوطني لا يحارب بالعدد والعدة، ولا يقاوم بالبأس والسلاح، ولا يؤخذ بالإغواء والإغراء، وإنما الوزارة الحازمة الموفقة هي التي تجاريه ولا تقاومه، وتؤيده ولا تحاربه، وتقويه ولا تحاول له إضعافًا ولا إخمادًا.
    لقد جرب رئيس الوزراء، حين كان وزيرًا للداخلية، نصب الحرب لهذا الروح الوطني، فلم تغن عنه كفايته وبراعته وبأسه شيئًا، بل قوي هذا الروح الوطني، وضعف رئيس الوزراء، وما زال الروح الوطني يقوى، ورئيس الوزراء يضعف، حتى انتهى أمر رئيس الوزراء إلى المرض فلزم الفراش، وأقام على هذه الحرب وزيرًا آخر، وكانت أنباء الصراع بين الوزير الجديد وهذا الروح الوطني تلقى إلى رئيس الوزراء في سرير مرضه، فلا ترد إليه قوته ولا تدنيه من الشفاء. وما زال الروح الوطني يقوى، ومقاومة الوزارة له تضعف، حتى مضى رئيس الوزراء إلى أوروبا ليستريح ويستشفي، وبقي وزير الداخلية الجديد في مصر على حرب هذا الروح، يبذل من الجهد ما كان يبذله صاحبه، وينفق من الحيلة ما كان ينفقه صاحبه، ويحتمل من العناء ما كان يحتمله صاحبه. والله وحده قادر على ألا يلقي وزير الداخلية من الأعباء في هذه الحرب مثل ما لقيه صاحبه. والله وحده قادر على أن يلهم الوزارة التسليم للروح الوطني، والانصراف عن حربه والكيد له، قبل أن ينتهي الجهد بوزير الداخلية الجديد إلى مثل ما انتهى إليه وزير الداخلية القديم، فإن قوة الأمم لا تغلب، وليس إلى قهرها من سبيل. وإن الروح الوطني يُفني الناس ويعجز عن إفنائه الناس. ذلك بأنه لا يقوم على منفعة عاجلة، ولا على أمل كاذب، ولا على حب للجاه، ولا على كلف بالسلطان، بل لا يقوم على حب للحياة، وإنما يقوم على إيمان خالص قوامه الصبر والاحتمال والتضحية.
    لقد أنفق وزير الداخلية جهدًا عظيمًا يوم السبت ويوم الأحد، فزج بالناس من أهل الإسكندرية في السجن، لا لشيء إلا لأنه أشفق على هؤلاء الناس أن يلقوا رئيس الوفد وصاحبه حين يذهبان إلى الإسكندرية، وحشد ما استطاع حشده من قوة الدولة وجنودها في هذا الثغر الذي كان أمينًا سلمًا، فأصبح مخوفًا حربًا. ولكن وزير الداخلية لم يظفر بشيء، ولم ينتهِ إلى شيء، فوصل رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية، واستقبلهما الشعب، وأي شعب! ومتى استطاع الوزراء أن يسجنوا شعبًا كاملًا؟ هنالك وقف الجند يراقبون، ومضى الجند يطاردون، وعملت عصي الجنود وسياطهم في الأجسام، ولكن وزير الداخلية رغم هذا كله لم يصنع شيئًا ولم يمنع شيئًا. فقد دخل رئيس الوفد الإسكندرية، ولقي رئيس الوفد أهل الإسكندرية، وتحدث رئيس الوفد بعد ذلك في الناس جميعًا، وخيل إلى وزير الداخلية وزملائه بعد ذلك أن الصراع قد انتهى، وأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن الله قد كتب لهم النصر، وضمن لهم الفوز، لأن حدثًا منكرًا لم يحدث، ولأن الأمن والنظام لم يتعرضا لخطر، ولم يلحقهما أذى.
    ومن الذي كان يريد أن يحدث حدثًا منكرًا، أو أن يفسد الأمن والنظام؟ إنما هي أوهام وأحلام تخيف قومًا يخافون من كل شيء، وتفزع قومًا يفزعون من كل شيء.
    لقد ترك الوزراء جميعًا مدينة الإسكندرية إلا وزير التقاليد. أقلوا هم إلى القاهرة ليحتفلوا فيها بالمولد النبوي، وكأنهم تركوا وزير التقاليد في الإسكندرية لينبئهم بما سيكون. وإن عند وزير التقاليد لأنباء سيقصها على زملائه الوزراء، أنباء هذا اللقاء الذي كان بين الشعب وزعيمه أمس أثناء الاحتفال بالمولد في ثغر الإسكندرية. لقد همت الشرطة أن تمنع هذا اللقاء، وجدّت في ذلك، وحشدت له، ولكنها لم تمنع شيئًا، ولم توفق إلى شيء. وتستطيع أن تقرأ أنباء هذا اللقاء في غير هذا المكان، فسترى أنه كان أروع وأبدع مما كانت تقدر الوزارة، ومما كانت تقدر الشرطة. وسترى مع ذلك أن الأمن لم يضطرب، وأن النظام لم يتعرض لخطر، وأن الوزارة مسؤولة حقًا عن هذه الجهود التي تنفقها في غير حاجة إلى إنفاقها، وعن هذه الجنود التي تحشدها في غير حاجة إلى حشدها. فهو عناء ضائع، وتعب لا خير فيه، يكلف مالًا ويحمل مشقة، ويضحك الأجانب ويلهيهم. وهو لا يدفع شرًا، فليس في الأمر شر، ولا يرد خطرًا فليس في الأمر خطر، ولا يدل إلا على شيء واحد، وهو أن كل هذه الجهود التي بذلت منذ أعوام قد ضاعت في غير طائل، كما ضاعت الجهود التي بذلت من قبل. وأن هذا الروح الوطني الذي يراد إزهاقه أو إضعافه لم يزهق ولم يضعف، وإنما قوي واشتد وعظم أمره، حتى أصبح لا يلقى ما ينصب له من الحرب إلا بالضحك والابتسام.
    ما أجدر الوزارة أن تريح نفسها وتريح الناس، وأن تذعن لقضاء الله فيها، وتكف عن هذا الجهد الضائع، وتلقي عن نفسها هذا العناء الطويل الثقيل، وتكتفي بتصريف الأمور حتى يأذن الله لها في أن تستقيل.
    كوكب الشرق ٥ – ٧ – ١٩٣٣

    شجاعة
    بارعة رائعة. شجاعة فائقة رائقة. شجاعة ساحقة ماحقة هذه التي يظهرها بعض النواب من حين إلى حين.
    شجاعة لا أدري كيف يحتملها أصحابها، وكيف يثبتون لأثقالها الثقيلة، وأهوالها الهائلة مع أنها مخيفة حقًا، مروعة حقًا، ومزعجة حقًا للآمنين والخائفين على السواء.
    شجاعة نادرة باهرة، هذه التي يتخذها بعض النواب إذا تحدثوا عن خصومهم أفرادًا وجماعات تحت قبة البرلمان، فهم يطلقون ألسنتهم في هؤلاء الخصوم بالحق والباطل، وبالخطأ والصواب، وبالجد والهزل لا يقدرون شيئًا، ولا يحسبون حسابًا، وإنما ينطلقون وكأنما خُلِّيَ بينهم وبين الحركة، فليس إلى تسكينهم ولا إلى تهدئتهم من سبيل.
    هذا أحدهم وقف أول أمس فأطلق لسانه في الصحف وكتاب الصحف، واستعدى على الصحف وكتاب الصحف وزير الداخلية، ووزير الحقانية، والنيابة العامة.. ولو أن طاقته البشرية ما لا تسع طاقة الناس لطلب أن تعطل الصحف كلها إلا صحف الوزارة، وأن يسجن الكتاب كلهم إلا كتاب الوزارة، وأن تشتد الوزارة في التعطيل والمصادرة، وأن تسرف الوزارة في إرهاق المسجونين من الكتاب والصحفيين، ومن النقد والناقدين، وتركت له الجو طلقًا يقول فلا يسأل عما قال، ويفعل فلا يسأل عما فعل، ويأتي ما شاء من الأمر فلا يرتفع صوت إنكار، ولا ينطلق لسان باحتجاج.
    ومصدر هذه الثورة الثائرة الذي أقحم فيها هذا النائب نفسه أن رجلًا فيما يقال حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء، فيجب أن يسأل خصوم رئيس الوزراء جميعًا عن محاولة هذا الرجل!! ويجب أن تؤخذ صحف المعارضة كلها بمحاولة هذا الرجل!! ويجب أن تشتد الوزارة على هذه الصحف حتى تبلغ أقصى الشدة وتنتهي إلى غاية العقاب!!
    ولكن هذا النائب وأمثاله خليقون أن يعلموا أن الإسراف في النذير قد يتجاوز غايته، وينتهي إلى عكس ما يراد به، فيضحك بدل أن يحزن، ويسري عن النفوس بدل أن يبعث فيها الخوف والإشفاق. ذلك أن الإسراف مضحك بطبعه، فهو لا يصدر إلا عن تقصير في التفكير، وتفريط في ذات المنطق والعقل.
    وقد كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يكونوا نماذج للقصد والاعتدال، لا نماذج للغلو وتجاوز الحدود. وقد كنا نحب أيضًا أن يسيطر هؤلاء النواب على أنفسهم ويأخذوها بشيء ولو قليل من العدل، فلا يستأسدوا على الأمة وحدها، ولا يضعفوا أمام الوزارة وحدها.
    قد كنا نحب لهم أن يظهروا هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء هذه الحوادث المخزية المزرية التي لا تؤذي النفوس فحسب، ولكنها تشين كل وزارة تقع في ظلها، وتمس شرف الدولة التي تحدث تحت أجنحتها.
    نعم كنا نحب أن يصول هذا النائب وأمثاله ويجولوا وأن يخطب هذا النائب وأمثاله ويقولوا، وأن يقذف هذا النائب وأمثاله صواعق النذير على هؤلاء الموظفين الذين يقترفون الآثام، ويجترحون الجرائم، ويأتون المنكر من الأمر جهرة تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، لا يشفقون ولا يفرقون، بل لا يتعرضون لما يدعوهم إلى الفرق أو الإشفاق.
    نعم كنا نحب لهذا النائب وأمثاله أن يسألوا وزير الداخلية ويلحوا في السؤال، بل أن يستجوبوا وزير الداخلية ويلحوا في الاستجواب عن هذه الحوادث التي أثبتها حكم القضاء على ضابط طغى ومن أعانه من رجال الشرطة الذين أقيموا ليمنعوا الإجرام، فإذا هم يغرقون في الإجرام إلى آذانهم! الذين أقيموا ليحموا النظام فإذا هم أعداء النظام، الذين أقيموا ليعصموا أجسام الناس من العذاب، فإذا هم يصبون عليها العذاب، الذين أقيموا ليحفظوا للناس كرامتهم، فإذا هم يطأون كرامة الناس بأقدامهم. الذين أقيموا ليثبتوا للأجنبي أن في مصر حكومة منظمة محضرة يمكن أن يطمئن الناس إليها، ويستمتعوا بالأمن في ظلها دون حاجة إلى نظام الامتيازات، فإذا هم يثبتون للأجنبي أنهم لا يؤمنون على شيء! لا يؤمنون على نظام، ولا عرض ولا كرامة!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب ليعلم مجلس النواب كيف استباحت وزارة الداخلية لنفسها أن تبقى ضابطًا في عمله بعد أن اقترف ما اقترف من الجرائم، وارتكب ما ارتكب من الآثام حتى ملأ قلوب الناس روعًا وهولًا، وحتى أيأسهم من الرحمة، وعقد ألسنتهم عن أن تجهر بالشكوى، وعقل أيديهم عن أن تكتب حتى الاستعطاف!!
    نعم كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة، وأن يسأل وزير الداخلية بل يستجوب: ماذا صنع بالمدير الذي حمى هذا الضابط وأقره في عمله، وتركه يجرد الناس من ثيابهم، ويأمر الجند فيعبثوا بهم، ثم يأمر الجند فيلقوهم في مجتمع البول، ثم يأمرهم ليغسلوا بهذا البول وجوههم وأعناقهم، ثم يأمرهم ليتمضمضوا بهذا البول ويستنشقوه!!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة فيسأل هذا النائب وأمثاله وزير الداخلية، بل رئيس الوزراء عن هذه الحوادث التي سجلها القضاء، أين حدثت؟ أحدثت في مصر التي هي جزء من أوربا؟ أحدثت في مصر التي يقال إن فيها قوانين؟ أحدثت في مصر التي نص الدستور على أن دينها الرسمي هو الإسلام؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي هي جزء من أوربا، ففي أي جزء من أجزاء أوربا يغمس الناس في البول ويؤمرون بأن يغسلوا منه الوجوه والأعناق، وأن يملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي يقال إن لها قوانين، ففي أي مادة من مواد القانون يباح للضباط والجند أن يغمسوا الناس في البول، وأن يأمروهم بأن يغسلوا به الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟!
    وإذا كانت هذه الحوادث قد وقعت بالفعل في مصر التي دينها الرسمي هو الإسلام، ففي أي نص من نصوص القرآن الكريم، وفي أي نص من نصوص الحديث الشريف، وفي أي نص من نصوص الفقه يباح للضباط والجنود أن يغمسوا عباد الله في البول، وأن يأمروهم ليغسلوا منه الوجوه والأعناق، ويملأوا منه الأفواه والأنوف؟؟
    أي غسل هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي وضوء هذا الذي أمر به المسلمون؟ أي منكر هذا الذي اقترف تحت ضوء الشمس المشرقة المحرقة، وللإسلام شيوخه وعلماؤه، وللإسلام وزارته ووزراؤه، وللإسلام جنوده وأولياؤه، وللإسلام حاميه وراعيه، هذا الذي يزور الأضرحة، ويتبرك بقبور الأولياء؟!
    كنا نحب أن تظهر هذه الشجاعة الرائعة البارعة في مجلس النواب، وأن يغضب النواب للحق، لا للباطل، وأن يدافع النواب عن كرامة الناس وأعراضهم ودينهم. فهذا كله خير من أن يتجنى النواب على الصحف ويحملوها إثم هذا الرجل الذي حاول أن يعتدي على رئيس الوزراء.
    إن مجالس النواب لم تنشأ لتتهم الأبرياء، ولم تنشأ لتأخذ الناس بالظن، ولم تنشأ لتقذف الناس بغير الحق، وإنما أنشئت لتدافع عن حقوق الأمم وترعى حرمات الناس، وتصون كرامات الأفراد والجماعات، وتأخذ الوزارة بحماية الحق والعدل والقانون.
    نعم لم تنشأ مجالس النواب لتستأسد على الخصوم، وتؤثر الأولياء والأنصار بالمودة والعطف واللين. كنا نحب أن يصطنع هذا النائب وأمثاله هذه الشجاعة الرائعة البارعة بإزاء أنفسهم فيسألوها: ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في النواب الذين يمنحون ثقتهم وزارة تقع في ظلها هذه الآثام، وتقترف في ظلها هذه الجرائم، فلا تغضب ولا تثور ولا تتحرك حتى تكره على ذلك إكراهًا فتتحرك متثاقلة وهي تود لو استطاعت السكون؟
    ما حكم الله، وما حكم القانون، وما حكم الدستور في نواب يقرون صدقي باشا في الحكم، وهم يعلمون أن حوادث البداري قد وقعت، وأنه أبى أن يمضي التحقيق فيها كما كان يريد شريكه في الحكم، فأخرج شريكه هذا من الحكم! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد وقعت في أسيوط فلم يعاقب صدقي باشا مدير أسيوط، بل حماه ورقاه!! وهم يعلمون أن جرائم أخرى قد اقترفت في الفيوم فلم يعاقب صدقي باشا مدير الفيوم.
    نعم ما حكم الله في هؤلاء النواب الذين يرون هذا كله فلا ينكرونه على الوزارة، ولا يجرؤون على إسقاط هذه الوزارة، فضلًا عن أخذ جماعة من أشخاصها بحكم القانون!
    إلى مثل هذه الأشياء يجب أن تتجه شجاعة النواب، لا إلى الصحف وكتاب الصحف فمهما يكن من أمر الصحف فلن تسئ إلى العدل في مصر بمقدار ما أساءت الوزارة، ولن تشين كرامة مصر بمقدار ما شانتها الوزارة، ولن تثير حفائظ الناس بقدر ما أثارتها تصرفات الوزارة.
    ولكن النواب سيستأسدون دائمًا على الصحف، وسيرفقون دائمًا بالوزارة، وسيستعدون وزير الداخلية ووزير الحقانية والنيابة العامة على الصحف، وسيكفون دائمًا عن أن يستعدوا أنفسهم على الوزارة، لأن قضاء الله قد جرى بأن تمتحن مصر، ويجرب صبرها واحتمالها، وسيثبت قضاء الله أن مصر صابرة على الأذى، محتملة للمكروه، محتفظة على ذلك بإبائها وحرصها على الحرية.
    نعم سيثبت قضاء الله أن الامتحان كان عسيرًا طويلًا، وأن مصر قد نجحت فيه.
    كوكب الشرق ١٨ – ٥ – ١٩٣٣

  • العبء غير المتكافئ | The Uneven Burden: Privilege, Rest, and Injustice

    امتياز
    إذا شكا المصريون من امتيازات الأجانب ، وطلبوا إلغاءها ، وذلك شيء لا ينازعهم فيه أحد ، ولا ينكره عليهم أحد ، فمن الحق عليهم لأنفسهم ألا يمتاز بعضهم من بعض ، وألا يتفوق في الأعمال العامة بعضهم على بعض ، وألا ينزل بينهم من التمايز إلا هذا الذي تقضي به الطبيعة ، ولا يجد الناس إلى إلغائه سبيلاً .
    وكل شيء في حياتنا الآن يدل على أننا لا نسعى إلى المساواة ولا إلى إلغاء الفروق ، وإنما نسعى مسرعين متعمدين إلى نظام الطبقات ، وإلى نظام الطبقات العنيف الذي يثير السخط ويملأ الصدور حرجاً ، ويزهد الناس في الحق والعدل ، ويوئس الإنسان من إنصاف القانون .
    الأصل أن الموظفين يجب أن يكونوا سواء أمام الحكومة في الفوز بالترقيات والعلاوات لا يستثنى منهم إلا الذي تظهر كفايته النادرة فتفرض استثناءه فرضاً ، وفي هذا الاستثناء نفسه تشجيع لغيره من الموظفين على أن يجدوا ويكدوا ويصلحوا من أنفسهم وأعمالهم ، لعلهم أن يبلغوا ما يجعلهم خليقين بالاستثناء . ولكن الحكومة تستثني كبار الموظفين وتؤثرهم دون غيرهم بالمودة والبر . وتستثني من كبار الموظفين هؤلاء أقربهم إلى الوزارة ، وأقدرهم على تنفيذ سياستها ، فتنشئ بذلك فروقاً بين الموظفين ، ليس مصدرها الكفاية الخالصة ، وليس مصدرها حسن البلاء في خدمة المنفعة العامة . والحكومة تؤثر بين صغار الموظفين جماعة من الأصفياء والأولياء ، ومن المحسوبين والمقربين فتختصهم بالعلاوات والترقيات ، دون زملائهم الآخرين وتختصهم بألوان أخرى من المنافع والمزايا تميزهم تمييزاً ظاهراً جلياً . وهي بهذا تشعر عامة الموظفين بأن العدل ليس هو المقياس الذي يقاس به رقيهم ، أو توزن به حظوظهم في العلاوات وعطف الرؤساء ، وهي بهذا تشعر قلوب هؤلاء الموظفين شكاً في الرؤساء ، ثم سخطاً على الرؤساء ، ثم بغضاً لهؤلاء الممتازين ، ثم حقداً على هؤلاء الممتازين ، ثم حسرة على ما أصابهم من سوء الحظ ، ثم استخفافاً بالنظام الذي لا يقوم على العدل والإنصاف ، ولا يكافئ الناس بمقدار كفاياتهم وأعمالهم ، بل بمقدار قربهم أو بعدهم من الرؤساء الذين يقدرون على المكافأة . وماذا تريد من صغار الموظفين ، بل من صغارهم وكبارهم أن يفعلوا ، وكيف تريدهم على أن يطمئنوا أو يثقوا ، أو يخلصوا لأعمالهم ورؤسائهم ، وهم لا يرون الامتياز في العلاوات والترقيات وحدها ، بل يرونه في أشياء ما كانت تخطر لهم على بال ! هذان موظفان صغيران في مكتب وزير الداخلية ، تضع الدولة تحت تصرف كل واحد منهما كما يقولون سيارة من سيارات الدولة ، ينفق عليها من أموال الدولة ، ويقودها رجل تأجره الدولة ، ويزينها جندي تأجره الدولة أيضاً . فمن حق كبار الموظفين وصغارهم أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن حق الناس جميعاً أن يتساءلوا : فيم هذا الامتياز ؟ ومن الحق على البرلمان أن يسأل الوزير عن هذا الامتياز ، وأن يأخذه بإحداثه ويلومه عليه ، ويكلفه إلغاءه أو أن يستقيل . وأنت إذا تركت الموظفين وما يخضعون له من هذه التصرفات التي تُحدث بينهم نظام الطبقات ، رأيت نظام الطبقات هذا يحدث ويقوى في الريف ، حيث الدعايات لسياسة الوزارة ، وحيث اكتساب الأنصار لها بألوان المحاباة وضروب التشجيع . خصوم الحكومة يُضطهدون ، وتُؤخذ عليهم سبل الحياة ، وأنصار الحكومة يُقربون ويُؤثرون بالخير ، وتوسَّع لهم أبواب الرزق ، وتُفرَّج عنهم مضايق الأزمة . ويشعر المصريون على اختلافهم بأنهم ليسوا سواء أمام عدل السلطان ، وبأن مصريتهم ليست في المقياس الذي يجعل من حقهم أن يظفروا بهذا العدل ، ويستظلوا بظله ، وإنما هي مقاييس أخرى تبيح النعمة لقوم ، وتفرض النقمة على قوم ، وتخلق بين أولئك وهؤلاء من ألوان العداوة والبغضاء ما لا يعلم عواقبه المنكرة إلا الله .
    فإذا تركت الشعب في الريف ونظرت إلى الشعب في المدن فلن ترى حاله خيراً من حال أهل الريف . فالطبقة العاملة من شعب المدن تشقى بالحياة ، وتلقى صنوفاً من الضر ، مصدرها شدة الشركات عليها ، وإسرافها في هذه الشدة ، وعجز الحكومة أو تكلفها العجز عن أن تأخذ لها بالحق ، وترد أمورها إلى العدل والإنصاف . مصريون يُحرمون ويجوعون ، ويذوقون مرارة الشقاء إذا أصبحوا ، ويتجرعون هذه المرارة إذا أمسوا ، وأجانب يربحون ويدخرون ، ويرسلون أرباحهم إلى حيث يسعد بها قوم آخرون من وراء البحر . ودع الشعب كله في المدن والريف ، ودع الموظفين أيضاً ، وانظر إلى الطلاب أنفسهم في مدارسهم . ماذا يُراد بهم ، وكيف تجد الحكومة في أن تنشئ بينهم نظام الطبقات ؟ وزير المعارف منذ أسابيع يعلن أن التعليم العالي ، والتعليم الثانوي يجب أن يضيقا على غير القادرين على دفع النفقات الدراسية ، ويقره مجلس النواب على هذا الإعلان ، فيتفق البرلمان والحكومة إذن على أن التعليم الثانوي والعالي يجب أن يكون من حق الأغنياء دون الفقراء . وما هي إلا أن يعجز بعض الطلاب — وهم كثيرون — عن أداء النفقات الدراسية فإذا هم يُطردون من المدارس ويُحال بينهم وبين الامتحان . ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فهؤلاء نظار المدارس العالية وعمداء الكليات في الجامعة ، نعم عمداء الكليات في الجامعة يجتمعون أمس عند وكيل المعارف ، نعم عند وكيل المعارف ليتفقوا على تضييق التعليم العالي ما وجدوا إلى هذا التضييق سبيلاً . فكل طالب لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح في الشهادة الثانوية أُغلقت في وجهه أبواب الجامعة وأبواب المدارس العالية . وكل طالب فُصل من مدرسة عالية لا ينبغي أن يُقبل في مدرسة أخرى . وكل طالب لم يظفر بأربعين في المائة من درجات النجاح في امتحان الانتقال من السنة الأولى في مدرسة التجارة ، فُصل من هذه المدرسة . وكل طالب لم يحمل الشهادة الثانوية العلمية فليس له أمل في مدرسة التجارة العليا هذه . ومعنى ذلك أن عدداً ضخماً من حملة الشهادة الثانوية سيُصد بإذن الله عن التعليم العالي ، وسيُرد بإذن الله إلى الشوارع والقهوات . على ذلك اتفق عمداء الكليات ونظار المدارس العليا برياسة الباشا الوكيل . ولم يبق إلا أن يُقر الوزير هذا التعليم ليصبح أمراً لا منصرف عنه . وإذن فسيتألف في مصر جيش من العاطلين الساخطين ، وسيكون هذا الجيش ضخماً جداً ، وسيكون مختلفاً جداً ، سيكون فيه الفلاح الذي مزق ظهره السوط ، وحرق أحشاءه الجوع . وسيكون فيه العامل الذي سُدت عليه أبواب العمل ، وأرهقته الشركات . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لعجزه عن دفع نفقات الدرس . وسيكون فيه الطالب الذي صُد عن المدرسة لأنه لم يظفر بخمسين في المائة من درجات النجاح . وسيكون فيه الشبان الذين تخرجوا من الكليات ومن المدارس العليا ، ثم لم يجدوا أعمالاً ، إما لأن الأزمة تسد في وجوههم أبواب العمل ، وإما لأن أبناء الأغنياء والأقوياء يحتكرون من دونهم مناصب الدولة والبلديات كهذا المنصب الذي أُعطي لابن رئيس الوزراء في بلدية الإسكندرية ، وهو عنه غني ، ولعل غيره أن يكون أحق به منه ، ولعل غيره أن يكون أشد احتياجاً منه إليه . سيتألف هذا الجيش العاطل الساخط من هؤلاء الناس جميعاً ، وسيكون له رديف ضخم أيضاً ليس عاطلاً ولكنه شديد السخط ، شديد الامتعاض يتألف من هؤلاء الموظفين الساخطين الذين يشكون كل يوم من سوء الحال ، وضيق ذات اليد ، وإيثار قلتهم على كثرتهم بالعلاوات والترقيات والامتيازات ، ويتألف من رجال التعليم الأوَّلى الذين يعدون بالألوف ، والذين لا يجدون ما ينفقون ليعيشوا ، والذين يُكاد لهم الكيد ، ويُكال لهم الشتم ، ويُدبَّر لهم المكروه ، ويُراد أن يُردوا عن هذا القليل الذي في أيديهم ليظفر به قوم آخرون تريد السياسة أن تؤثرهم بالبر والمعروف في هذه الأيام . على هذا النحو تجد حكومتنا في تأليف هذين الجيشين اللذين يملأ قلوبهما السخط ، وقد تهيئهما سوء الحال لمنكر من الأمر لا يستطيع دفعه عن مصر إلا الله وحده . أَفَلو أنشئت في مصر جماعة من هذه الجماعات التي تهيِّئ للثورة وتدبر الفتنة وتجد في تغيير النظام ، أتراها تستطيع أن تعمل لهذه الأغراض أكثر مما تعمل الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن تهيِّئ لتحقيق هذه الأغراض أكثر مما تهيِّئ الحكومة ؟ أتراها تستطيع أن توفق إلى تحقيق هذه الأغراض أكثر مما توفق الحكومة ؟ كلا ، إن هذه الوزارة التي تزعم لنفسها أنها تقر النظام وتثبته لا تستطيع أن تعمل أكثر مما تعمل لتهديد هذا النظام وتعريضه لخطر الفساد والاضطراب ! إن الذين يعنيهم أمر هذا البلد ، والذين يحرصون على أن يسلك سبيله إلى الرقي في دعة وهدوء ، وفي أمن واطمئنان ، وفي بعد عن العنف خليقون أن يفكروا في هذه الحال التي انتهت إليها مصر . فإن ترك مصر تسلك هذه الطريق التي تُدفع إليها في هذه الأيام دفعاً يُخشى أن يضرم فيها ناراً منكرة قد لا تحرقها وحدها بل توشك أن تحرق معها بلاداً أخرى . فليفكر من يعنيهم أمر مصر في هذه الهوة التي تشرف عليها مصر ، وليفكر من يعنيهم أمر النظام في هذا الخطر الذي يتعرض له النظام ، وليفكر من يعنيهم أمر السلام في هذه العاصفة التي توشك أن تجتاح السلام .

    شكوى
    كأنما كنا ملهمين أمس حين كنا نصور حال الموظفين، وما يعبث بنفوس بعضهم من اليأس، وما يلعب بنفوس بعضهم الآخر من الأمل، وما يملأ قلوب بعضهم من الحزن، وما يغمر أفئدة بعضهم من الفرح، وما يخيم على بيوت بعضهم من البؤس، وما يرفرف على بيوت بعضهم الآخر من النعيم، وما يحدث هذا كله بينهم من تنافس يدعو إلى الفرقة، وتحاسد يدعو إلى البغض والكيد، وما يحدثه هذا كله من تأثير في أخلاق الموظفين وإفساد لميولهم وأمزجتهم، وما يستتبعه هذا كله من اضطرار للموظفين إلى الإهمال في تصريف الأعمال، أولئك ينصرفون إلى الكآبة والحزن، ثم إلى اليأس والقنوط، وهؤلاء ينصرفون إلى العبث واللهو، ثم إلى الفكاهة والدعابة، وتضيع مصالح الدولة بين اليأس والأمل، وبين البائس والناعم، وبين الشقي والسعيد.
    كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المحزنة المؤلمة التي لا ينبغي أن توجد في بلد متحضر، والتي لا تشرف مصر، ولا ترفع من قدرها، ولا تشهد لوزارتها بما كان ينبغي أن تمتاز به من العدل والقصد والنزاهة والإنصاف.
    نعم، كأنما كنا ملهمين حين حاولنا أن نعرض على الناس هذه الصورة المؤذية المخزية لحياة الموظفين في ظل الإيثار والمحاباة، وفي ظل التحيز للمنافع والتتبع للأهواء. فما كنا نقدر – ونحن نعرض هذه الصورة – أن نفوس هؤلاء شؤون الموظفين البائسين كانت متصلة بنفسنا تشكو إلينا، وتملي علينا، وتستعيننا على أن نرفع شكواها إلى الشعب، ونعرض ظلامتها على الأمة، ونثير في قلوب الناس شيئًا من الرثاء لهم، والعطف عليهم، لعل ذلك يسليهم عن ظلم الحكومة لهم، وإعراض الحكومة عنهم، وتحكيم الوزارة فيهم أصولًا وقواعد هي أبعد الأصول عن العدل، وأشد القواعد انحرافًا عن الإنصاف.
    نعم، بينما كنا نحن نعرض هذه الصورة أمس، كان هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يطوف بعضهم ببعض، ويقف بعضهم على بعض، ويمضي بعضهم من بعض عرائض فيها شكوى، وفيها استعطاف، وفيها دعاء إلى العدل، وفيها مطالبة بالحق، وفيها تصوير لما يحتملون من بؤس، وما يلقون من جور، حتى إذا أتموا عرائضهم هذه وأمضوها، رفعوها إلى رؤسائهم وانتظروا، فالله وحده يعلم كم ينتظرون، والله وحده يعلم ماذا ينتظرون. أيطول انتظارهم أم يقصر؟ أيظفرون بالإنصاف أم يظفرون بالإجحاف وخيبة الأمل؟ أتسمع لهم الحكومة أم تضع أصابعها في آذانها كأنها لم تسمع شيئًا؟!
    إن صوت الضعيف البائس قوي يهز القلوب، ولكن إذا كان في القلوب استعداد للعدل والنزول عند الحق. فأما صوت الأقوياء والسعداء فليس في حاجة إلى أن يرتفع، بل ليس في حاجة إلى أن يتجاوز الحناجر والشفاه، لأن بين قلوب أصحابه وقلوب الوزراء والرؤساء أسلاكًا خفية حساسة سريعة النبض، تنقل ما في القلوب إلى القلوب، فإذا هؤلاء الأقوياء السعداء يرقون ولم يطلبوا رقيًا، ويزادون ولم يطلبوا زيادة، وإذا هم يسعدون لا لشيء إلا لأنهم سعداء، وينعمون لا لشيء إلا لأنهم ناعمون!!
    نعم، هؤلاء البائسون من صغار الموظفين يألمون ويغرقون في التألم، ويشكون ويلحون في الشكوى، ويستعطفون ويغلون في الاستعطاف، فلا يسمع لهم أحد، ولا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد إلا أن تظهر الحاجة إلى الاقتصاد، أو يراد التمويه بالاقتصاد، وحينئذ يفصل منهم من يفصل، وينقص منهم من ينقص، وتفصل مصلحة المباني من ملاحظيها مثلًا خمسين ومائة. فأما كبار الموظفين فليسوا في حاجة إلى أن يطلبوا، بل لعلهم ليسوا في حاجة إلى أن يفكروا في الطلب، ولكن الحكومة تستثنيهم من كل قاعدة، وتعفيهم من كل قيد، وترقيهم وتزيدهم بغير حساب لأنهم أكفاء، وهم أكفاء لأنهم من كبار الموظفين!!
    وهناك طائفة من الموظفين صغيرة أو كبيرة في وقت واحد، قد جمعت النقيضين، ولاءمت بين الضدين، أعضاؤها صغار في مناصبهم ودرجاتهم ومرتباتهم، ولكنهم مقربون من الوزراء والرؤساء، فلهم من عطف الوزراء والرؤساء أجنحة تحلق بهم في الجو، وتطير بهم في السماء، وترقى بهم في سرعة سريعة إلى حيث يصبحون كبارًا بين الكبار، وأكفاء بين الأكفاء!
    هذا سكرتير الوزير، وهذا سكرتير الوكيل، وهذا يعمل في مكتب فلان، وهذا ينمو في ظل فلان، فويل له إذا لم تمكنه هذه الفرصة من أن ينتهب الأرض، ويبلغ في أقصر مدة ممكنة أقصر شوط للسباق!
    هذا رئيس الوزراء يضطره المرض إلى السفر ليستشفى ويستريح، فيسافر ويستصحب معه نفرًا من صغار الموظفين، يعملون معه حين لا يعمل، ويتعبون معه حين يستريح، والدولة تنفق على سفرهم من أموالها ذاهبين وآيبين، وتمنح كل واحد منهم جنيهين في كل يوم، أي ستين جنيهًا في الشهر، لا لشيء إلا لأنهم يرافقون رئيس الوزراء أثناء راحته واستشفائه.
    وبينما يسعد هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة والنعيم والاستمتاع بتغيير الجو، يشقى صغار الموظفين بياض النهار، ثم يعودون إلى أهليهم وكثير منهم لا يدرون: أيجدون أم لا يجدون ما يأكلون!
    نعم، وبينما ينعم هؤلاء الموظفون المرافقون لرئيس الوزراء بالراحة واللذة وطيب الإقليم على حساب الدولة، تتفطر أكباد وتتحرق أفئدة، وتسفح دموع لأن هذه الدولة التي تنفق عن سعة على راحة رئيس الوزراء وأتباعه تضيق مدارسها بالمئات من الصبيان والشبان فيقصون عنها ويشردون في الشوارع، وأهلهم عاجزون، لا يجدون ما يمكنهم به من العودة إلى مدارسهم وإتمام عامهم الدراسي بأداء الامتحان، فإذا سئل وزير المعارف في مجلس النواب عن أمر هؤلاء الطلاب قال للمجلس غير الحق، وغر المجلس بالأماني، فإذا نبهته الصحف إلى موقفه هذا، وطلبت إليه أن يلائم بين قوله وعمله، وضع أصابعه في أذنيه، وسيجارته بين شفتيه، وأعرض وأصر واستكبر استكبارًا!!
    نعم، وبينما يستمتع رئيس الوزراء وأتباعه بالراحة، وبينما يستمتع كبار الموظفين بهذه المنح الجديدة التي أهديت إليهم يوم الخميس، وبعد يوم الخميس، يستمتع صغار الموظفين بالحرمان وبالأمل في أن حالهم قد يتحسن، فينتظرون، والله يعلم كم ينتظرون، وماذا ينتظرون.
    أما الفلاح فيجب أن يكون أحسن الناس حالًا، وأنعم الناس بالًا، وأوسع الناس آمالًا. يجب أن يقيم الزينات ويدق الطبول، يجب أن يرقص وإن كره وزير التقاليد الرقص، يجب أن يطرب وإن لم يكن في الحياة شيء يدعو إلى الطرب، يجب أن يبتهج لأن رئيس الوزراء لم يرد أن يسافر حتى يسوق إليه بشرى ستخرجه من الظلمة إلى النور، ومن البؤس إلى النعيم، ستنزل الدولة للفلاح عن مليون من الجنيهات، نصفه يخفف من عبء ضريبة الخفر، ونصفه يحسن حال الحاصلات.
    ولكن كيف ومتى وأين؟ ومن ينتفع بهذه الهبة؟ ومن يراها ولا ينتفع بها؟ هذه أسئلة لا بد لها من جواب، ولكن الجواب لن يأتي حتى تنتظر، والله أعلم كم تنتظر، والله يعلم ماذا تنتظر، والله يعلم أين يقع هذا المليون من حاجات الملايين من الفلاحين، والله يعلم أيذهب هذا المليون كما ذهبت غيره من الملايين؟ أم يكون له حظ من بركة الشيخ الإنبابي، والقديسة تريز، فيفرجوا شيئًا ولو قليلًا من بؤس البائسين وهمِّ المكروبين…
    يا لها من حياة تحياها مصر في هذه الأيام، تقسم فيها حظوظ الناس بينهم قسمة قوامها الجور.
    كوكب الشرق ١٦ – ٥ – ١٩٣٣

    ذكرى

    رئيس الوزراء ووزير المالية يستشفيان في أوربا ويستريحان. ووكيل المالية يتروض في أوربا ويشهد المؤتمر الاقتصادي، ووزير المعارف يتأهب لرحلة إلى أوربا كرحلة العام الماضي، فيها راحة بعد أن تعب في تشييد بناء التعليم. وفيها اجتناء لثمرة هذا التعب من أوسمة وألقاب. وكيل المعارف قد سبقه إلى إنجلترا ليستريح وسكرتير المعارف سيذهب إلى لبنان بعد أيام ليستريح. وأحد وكيلي الداخلية سيسافر إلى أوربا ليستريح، والوكيل الآخر سيعمل في الإسكندرية وإن كان قرار الوزراء يقضي بأن يبقى وكلاء الوزراء في وزاراتهم من حين إلى حين، ولكن وكيل الداخلية قد تفضل على الدولة بأن يعمل أثناء غيبة صاحبه فلا بد من أن يجمع بين العمل والاصطياف على حساب الدولة، لأنه هو أيضًا في حاجة إلى أن يستريح. ومدير الأمن العام قد ذهب إلى رودس ليستريح، ووكيل الأمن العام قد طلب إجازة، وأذن له فيها وزير الداخلية ليستريح. ومدير المطبوعات سافر إلى قسطنطينية ليستريح. ووكيل المطبوعات قد أذن له هو أيضًا في إجازة ليستريح. وهؤلاء الوزراء جميعًا يصطافون في الإسكندرية على حساب الدولة ليستريحوا أثناء العمل. وأمر الوزارات الأخرى كأمر هذه الوزارات الثلاث التي أشرنا إليها آنفًا إن لم يكن رجالها أشد حاجة إلى الراحة وأعظم حظًا من الإجازات. وأمر المصالح كأمر الوزارات، رؤساؤها ووكلاؤها وموظفوها في حاجة إلى الراحة ولهم الحق كل الحق أن يطلبوا الإجازات وعلى الحكومة أن تستجيب لهم وتمتعهم من هذه الإجازات بما يريدون. وللحكومة إن شاءت وكانت ظريفة خفيفة الروح، حريصة على أن تصطنع المجاملة وحسن المعاملة أن تنتهز فرصة هذه الإجازات لتكلف بعض الموظفين الأكفاء القيام ببعض المهمات في أقطار أوربا، وتدفع بإزاء هذا التكليف نفقات السفر والإقامة أو نفقات السفر دون الإقامة أو ما شئت من مقدار ضخم أو نحيف يعين على السفر والإقامة.

    وخلاصة هذا كله وما يشبهه مما نعلمه ونسكت عنه، ونجهله ولا نشير إليه، أن في مصر ظاهرتين خليقتين بالتفكير والتقدير، خليقتين بأن يكثر فيهما الحديث، وتذاع فيهما دعوة لمصر لا تشبهها دعوة، وإعلان عن مصر لا يقاربه إعلان. فأما الظاهرة الأولى فهي أن أمور مصر مستقرة كأحسن ما تستقر الأمور في حكومة، وتدبر أمورها بغير مدير، وتسير أعمالها بغير مسير. فهي إذن بصورة المثل الأعلى للبلاد التي تتخذ الحكومة زينة وترفًا وفضلاً عن لهو الحياة حتى لا يقال إنها دون غيرها من البلاد.

    وآية ذلك أن هذا العدد الضخم من الوزراء والوكلاء ومن الرؤساء والمديرين، ومن أعمدة الدولة وأساطينها قد سافر أو قد يسافر، واستراح أو قد يستريح واصطاف أو قد يصطاف، وأن الإدارات والمصالح لا تزال في طريقها إلى أمام تسير سيرًا مستقيمًا، لا عوج فيه. فلو قد كانت مصر بلدًا مضطربًا أو كالمضطرب، ولو قد كانت مصر في حاجة ملحة وضرورة ماسة إلى هؤلاء العمد والأساطين لم يستطيعوا أن يستريحوا ولا أن يطلبوا الراحة أو يفكروا فيها. وأنا زعيم لك بأنك لن تجد في أي بلد من بلاد الأرض عددًا كهذا العدد الضخم من الموظفين يستريح أو يتهيأ للراحة ويسافر أو يتأهب للسفر. وأنا أعلم أن بعض المكرة الذين لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب سيقولون: وما يدريك؟ لعل أمور الدولة تضطرب أشد الاضطراب وتفسد أعظم الفساد لتخلي هؤلاء السادة عن مناصبهم أوقات طوالًا أو قصارًا، ولكن أحدًا لا يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، والناس يعلمون ذلك ولا يشعرون به. سيقول فريق من الناس هذا أو شيئًا يشبهه، ولكنهم مسرفون فلا ينبغي أن تسمع لهم، ولا أن تقف عندما يقولون، لأن وزراءنا ووكلاءنا ورؤساءنا أحرص على مصالح الدولة وأرفق بمنافع الناس من أن يتورطوا في هذا العبث أو أن يهملوا حياتنا العامة هذا الإهمال. ولهم ضمائر حية وقلوب ذكية، وحرص على الأمانة شديد. فلولا أنهم يعلمون حق العلم أن سفينة الدولة تستطيع أن تجري هادئة مطمئنة من دونهم لما تركوها ولم يأذنوا لأنفسهم بهذه الراحة التي هم في حاجة إليها من غير شك.

    هذه إحدى الظاهرتين. فأما الظاهرة الثانية فهي أن مصر غنية مثرية توشك أن تصيبها التخمة لكثرة ما عندها من الغنى والثراء. وآية ذلك أنها تحتمل كل هذه الإجازات وتؤجر كل هؤلاء الموظفين الذين تستطيع أن تستغني عنهم أشهر الصيف، وتنفق على جماعة منهم يصطافون في الإسكندرية وعلى جماعة آخرين يتنزهون في أوربا. فلو كانت فقيرة أو متوسطة الحال كإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا لاقتصرت في ذلك بعض الاقتصاد فاستغنت عن بعض هؤلاء الموظفين الذين لا تحتاج إليهم في الصيف لأنها من غير شك لا تحتاج إليهم في الشتاء، ولأبت على بعضهم الآخر أن يصطافوا على حسابها. لأنها هي لا تصطاف. ولأبت على فريق آخر أن يستمتع بحياة أوربا على حسابها لأنها لا تستمتع إلا بالبؤس والشقاء. وفي هذا القيظ الذي يميط النفوس ويصهر الجلود، ولكن مصر غنية مثرية فلها أن تنفق عن سعة وتبدد في غير حساب، وتمتع أغنياءها على حساب فقرائها وسادتها على حساب سوقتها. ومصر حرة تستطيع أن تصنع في أموالها ما تشاء، تستطيع أن تلقيها من النوافذ وترسلها مع الرياح، وليس لأحد أن يسألها في ذلك ولا أن يحاسبها عليه. وقد شاءت فهي تنفق باليمين وبالشمال، وهي تمتع الوزراء وأشباه الوزراء بألوان النعيم. فمن أعجبه هذا فذاك، ومن لم يعجبه هذا فليشرب ماء النيل إذا لم تسمح له الظروف بأن يشرب ماء البحر.

    فأنت توافقني على أن من مصلحة مصر أن يكثر الحديث في أمر هاتين الظاهرتين ليعلم الناس جميعًا أننا سعداء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا نعرف البؤس ولا الفقر، ولا الشقاء، وليعلم الناس جميعًا أننا قوم لا يجد الخوف إلى نفوسنا سبيلًا، وليس بين قلوبنا زبائن الإشفاق من غد أو الاستعداد لغد سبب ما. ومالنا وللتفكير في غد وأمورنا ميسرة والحمد لله، وسادتنا أعلم منا بمنافعنا وأقدر منا على حمايتنا من النوائب والأحداث. وهم راضون فيجب أن نرضى، وهم مطمئنون فيجب أن نطمئن، وهم مبتسمون فيجب ألا يفارق ثغورنا الابتسام.

    وتسألني عن هاتين الظاهرتين: ما مصدرهما؟ ولم امتازت مصر من بلاد الله جميعًا فسعدت والعالم شقي، وأثرت والعالم فقير؟ واطمأنت والعالم مضطرب؟ وابتهجت والعالم محزون؟

    والجواب على هذا السؤال يسير، لا يحتاج إلى مراجعة التاريخ ولا إلى استشارة الاقتصاد، وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو أن نذكر اليوم الذي نحن فيه، فهو اليوم الذي أغار الإنجليز فيه على مدينة الإسكندرية ودخل الإنجليز من بعده في مصر.

    هذا اليوم الذي مضى عليه نصف قرن أو أكثر من ذلك قليلًا هو مصدر سعادتنا التي نمتاز بها الآن من بلاد الأرض كلها. كنا بائسين فذقنا الغنى منذ ذلك اليوم. وكانت أمورنا كلها إلى غيرنا فأصبحت أمورنا كلها إلينا، منذ ذلك اليوم. ولم يكن لنا وزراء ولا وكلاء ولا موظفون يستطيعون أن يستريحوا ويسرفوا في الراحة، أو يصطافوا على حسابنا أو يتنزهوا في أوربا على حسابنا لأننا في تلك الأيام لم يكن لنا حساب. أما منذ الاحتلال فقد غنينا وأثرينا واكتظت المصارف بأموالنا، فمن حقنا أن ننفق منها في غير تقدير كما نشاء وعلى من نشاء.

    ألست ترى معي أن الحكومة موفقة كل التوفيق إلى الصواب حين تأبى على الناس أن يحتجوا على ضرب الإسكندرية أو يحزنوا لذكرى الاحتلال. إنما تنشأ الحكومات بين الناس لتعلمهم الوفاء والاعتراف بالجميل ولتزجرهم عن العقوق وكفر النعمة. والمصريون في هذه الأيام عاقون جاحدون، ينكرون فضل الإنجليز عليهم، ويحزنون لمقام الإنجليز فيهم، فيجب أن تؤدبهم الحكومة فتحسن تأديبهم، وتأخذهم بأن يصطنعوا شيئًا من الحياء فيكتموا عقوقهم إذا لم يكن بد من العقوق ويضمروا جحودهم إذ لم يكن بد من الجحود، ويحزنوا فيما بينهم وبين أنفسهم إذ لم يكن بد من الحزن. فليس يليق بمصر أن يقول الناس عنها إنها حزينة كئيبة في هذا اليوم الذي كان يجب أن تظهر فيه الفرح والمرح والابتهاج.

    أما أنا فقد أردت أن أكون كغيري من الكتاب الذين كتبوا في ذكرى هذا اليوم، فوعظوا وأحسنوا العظة، وصوروا وأجادوا التصوير، ولكني لم أجد عظة أبلغ ولا عبرة أوقع في النفوس ولا تصويرًا أدق لآثار الاحتلال في نفوس المصريين وقلوبهم في حياتهم العامة والخاصة، وفي منافعهم ومرافقهم وفي عزتهم وكرامتهم، وفي آمالهم ومثلهم العليا من هذه الصورة التي نحن فيها الآن في ظل هذا العهد السعيد. فهذا العهد السعيد أثر من آثار الاحتلال وصورة من أصدق صوره، ومرآة تمثله كما هو بما فيه مما نحب وما لا نحب، ومما نرضى وما لا نرضى. فمن كان يعجبه هذا العهد فليعجبه الاحتلال ويتمنى بقاءه. ومن كان يؤذيه هذا العهد في نفسه وكرامته وعزته ومنافعه فليؤذه الاحتلال، ويتمنى على الله أن يجلو غمرته، ويزيل كربته، وليعمل ما استطاع ليخلص من أذاه المتصل وشره المقيم.

    كوكب الشرق ١١-٧-١٩٣٣

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

    من لغو الصيف إلى جد الشتاء

    كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجدَّ أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف؟ وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين؛ غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة، ولا تذكر الموسيقى والغناء؛ فمَن للموسيقيين أو المغنين بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة والأيدي؟ جو ثقيل يستتبع فتوراً ثقيلاً، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض؛ فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير حتى يسرعوا إليه، ويلقوا بأنفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئاً جامداً خامداً لا حركة فيه ولا حياة، إلا هذه اليقظة الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلمّ بهم من حين إلى حين؛ حين يثقل عليهم الحر، ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالإفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى الغرق فيه.
    ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة، ويقبل الليل متثائباً، يبعث في الجو أنفاساً حارة كأنها أنفاس العاشق الولهان المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه ناراً مضطرمة قوية اللظى؛ فلا تكاد أطراف هذا الليل الكسلان تمسّ الأرض حتى تبعث في الناس نشاطاً كسِلاً يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكاناً نضراً لعلهم يجدون فيه فضلاً من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئاً من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة والهدوء. هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم، فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن يعتدل، ولعل الجو أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض هذا اللظى الذي يجدونه في نفوسهم وفي أجسامهم فتنطلق الألسنة من عقلها بعض الشيء، وتستطيع النفوس أن تحرك أجنحتها قليلاً وأن تصعِّد في الجو بعض التصعيد، ويستطيع المرح الهادئ أن يبعث في القلوب شيئاً من الراحة والابتهاج. ثم يتقدم الليل ويذكر الناس أن الصبح سيشرق بعد حين ومعه الأعمال والأثقال، والتكاليف والحر والضيق، وإذا هم مضطرون إلى أن يعودوا إلى بيوتهم ويسعوا إلى مضاجعهم كارهين.
    كذلك نقضي الصيف في بلادنا إن لم نكن من المترفين الذين لا يكادون يحسون الصيف حتى ليعبروا البحر إلى حيث يحيون حياة أخرى، أو لا يكادون يحسبون الصيف حتى يسرعوا إلى ساحل البحر، فيحيون حياة خير منها ما نحن فيه من كسل وفتور، ومن تقصير وقصور؛ فلغو الصيف شيء طبيعي ملائم أشد الملاءمة لحياة الصيف.
    أما الشتاء فشيء آخر كله فرح ومرح، وكله حركة ونشاط، وكله حياة خصبة عذبة منتجة؛ تجد فيه النفوس أقصى لذاتها، وتجد فيه الأجسام أقصى قدرتها على الاستمتاع. أكل كثير، وشرب كثير، واضطراب في الأرض كثير، وإقبال على العمل، ونسيان للكسل، وحياة مملوءة إلى حافتها تفيض أو تكاد تفيض بما يفعمها من الآمال والأعمال. ثم ضيق بالحياة؛ لأن الحياة تضيق بما نريد، وتعجز عن أن تسع كل ما تسعه آمالنا ورغباتنا وشهواتنا، وقد كدت أنسى واجباتنا. وهل للواجبات مكان في حياة الشتاء هذه التي يفعمها الجنون؟ مسكينة هذه الواجبات! يطاردها فتور الصيف ويطاردها نشاط الشتاء فحظها من عنايتنا قليل دائماً.
    ولعمري إنّا لمعذورون؛ أما عذرنا في الصيف فلا يقبل جدالاً ولا مراء، ومَن ذا الذي يستطيع أن يكلف الناس أن يعملوا وهم عاجزون عن العمل، أو يكدّوا وهم مصروفون عن الكد؟ والله ﷿ لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يحمل الناس ما لا طاقة لهم به. وأما في الشتاء فعذرنا أبلغ منه في الصيف؛ وكيف تريدنا على أن نفرغ للعمل، ونخلص للإنتاج، ونؤدي واجباتنا مشغوفين بها، مقبلين عليها، وحولنا من المغريات ما لا تقاومه إلا نفس سقراط أو أشباه سقراط؟ ومن يدري لعل سقراط لو عاش في أيامنا، واضطرب في بيئتنا، لكان رجلاً مثلنا تصرفه المغريات عن أن يعرف نفسه بنفسه، وعن أن يولّد نفوس محاوريه ويخرج منها كل ما احتوت من حقائق العلم والحكمة، وفنون المعرفة وألوان الخير.
    وقد زعموا أن امرأة سقراط كانت مسلطة عليه، وأنه كان يخافها خوفاً شديداً، ويشفق منها إشفاقاً لا حد له؛ فلو عاشت امرأة سقراط في مدينة القاهرة وفي القرن العشرين لاتخذت لها يوماً في كل أسبوع تستقبل فيه الزائرين والزائرات، فلا تكاد تطلع الشمس حتى تهيئ وتضطر زوجها إلى أن يهيئ معها غرف البيت لاستقبال الزائرين والزائرات، وحتى تسعى وتضطر زوجها إلى أن يسعى معها إلى حيث تشتري ألوان الحلوى وفنون الزهر وصنوف الفاكهة. حتى إذا تقدم النهار ودنت الساعة ٤ قامت واضطرت زوجها إلى أن يقوم معها لاستقبال الأصدقاء وغير الأصدقاء من هؤلاء الذين يغشون غرف الاستقبال لأنهم يَكْلَفُونَ بغشيانها، أو لأنهم يكرهون غشيانها؛ تكرههم عليه امرأة سقراط وأمثالها. لأن امرأة سقراط لا تغفر لفلان وفلان من العلماء والأدباء وأصحاب الفن أن يهملوها، أو ينصرفوا عن غرفة استقبالها، وهي تصرّ أشد الإصرار على أن يظهروا في بيتها مرة في كل أسبوع حتى لا تقول صديقاتها أن غرفتها ليست حافلة بأعلام الفن وأفذاذ الأدب، ورجال المال والأعمال.
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ زوجها من الاستقبال وما فيه من حديث مختلف مؤتلف، معوج مستقيم، واضح غامض، خصب جدب، خطر بريء، فلم تنتهِ امرأة سقراط ولم ينتهِ سقراط من كل شيء، وإنما ابتدأ شيئاً لا سبيل إلى أن ينتهي؛ فهؤلاء الزائرون والزائرات لا بد أن تُرَدّ لهم الزيارات، لأنهم كسقراط وامرأة سقراط مضطرون إلى أن يستقبلوا كما كانوا مضطرين إلى أن يزوروا. وكذلك تقضي امرأة سقراط ويقضي معها سقراط مساء كل يوم متنقلين من دار إلى دار، ومن غرفة استقبال، يقولان كلاماً ويسمعان كلاماً، يصدِّقان ويكذِبان. وويل لسقراط إن أدركه الكسل أو أصابه الملل أو شغلته الفلسفة أو صرفه عن زيارة من هذه الزيارات حوار مهما تكن قيمته ومهما يكن المحاورون؛ فأفلاطون وكسنوفون، وفيدون، وفيدر، كل هؤلاء يستطيعون أن يلقوه في داره يوم استقباله، أو في دار من هذه الدور التي تستقبل من الساعة الرابعة والثامنة من كل يوم. وإذا لم يكن بد من الحوار في الطبيعة أو في أي شيء من هذه الأشياء التي تنجم من الأرض أو تهبط من السماء، فليدبّر لهم سقراط وقتاً من هذه الأوقات التي يمكن فيها اللقاء دون أن تصرفه عن واجباته الاجتماعية وتعرّضه للغضب؛ وأي غضب؟ غضب السيدات!
    فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها سقراط من الاستقبال والزيارة وأقبل الليل، فالويل كل الويل للفيلسوف العظيم إن دعته نفسه إلى أن يعرفها، أو يحقق ما كان مكتوباً على معبد دلف (اعرف نفسك بنفسك). وأين يجد سقراط الوقت الذي يخلو فيه إلى نفسه إذا جنه الليل؟ فالليل لا يلقي على الأرض أستاره المظلمة ليأوي الناس إلى بيوتهم بل ليخرجوا منها. وكيف تريد أن يأوي سقراط إلى بيته أو يخلو سقراط إلى نفسه، وهذه الأوبرا قد فتحت أبوابها ومدت أسبابها، وأقبل عليها الممثلون والمغنون يعرضون بدائع التمثيل وآيات الغناء؟
    وهذه دور السينما تعرض في كل يوم جديداً، وهذه قاعة (يورت) يوقع فيها فلان، وقاعة (الليسيه) يوقع فيها فلان؛ وقد يجمع سقراط شجاعته كلها ويقول بقلب متردد ولسان متلعثم إنه لا يحب ما يُمثّل الليلة، أو ما يوقّع، أو ما يُغنّى، وأنه يؤثر الراحة أو الانقطاع لبعض العمل، ولكن ويل لسقراط من هذه المقالة! فمَن زعم له أنه سيشهد التمثيل أو يسمع الغناء لأنه يحب أو لا يحب، ولأنه متعب أو مستريح؟ إنما يشهد التمثيل ويسمع الغناء ويختلف إلى دور السينما لأن الناس يجب أن يروه في هذه المشاهد كلها، وإلا فليس هو من أهل القاهرة، ولا من ذوي المكانة فيها.
    وقد تظن أن سقراط حين يذهب إلى الملعب أو إلى دار من دور السينما أو إلى قاعة من قاعات الغناء يستطيع أن يفرغ للفن أو يستمتع به، فاطرد عن نفسك هذا الظن، واذكر أن هناك (الانتراكت) ومقابلات الانتراكت، وأحاديث النظارة والمستمعين عما رأوا وما سمعوا. ويا لها من أحاديث تبغض الفن إلى أحب الناس للفن! يجب أن يكون لكل واحد من هؤلاء النظارة والمستمعين رأي يراه، وكلمة يقولها فيما رأى وما سمع، وقد يكون هذا الرأي سخفاً، وقد تكون هذه الكلمة جهلاً، وهما كذلك في أكثر الأوقات، ولكن سقراط مضطر إلى أن يسمعهما ويقرهما، أو يجادل فيهما مجادلة المقر الذي لا ينكر. وهناك ما هو أثقل من ذلك، فيجب أن يكون لسقراط رأي يقوله وكلمة يقولها وإن لم يرَ شيئاً، وإن لم يرد أن يقول شيئاً؛ ذلك أنه إذا لم يقل كلمته اتُّهم بالجهل، أو وُصف بالكبرياء، وكلاهما لا يليق بالحيوان الاجتماعي الذي ذكره أرسططاليس في كتاب السياسة، والذي يتألف منه ومن أمثاله سكان مدينة القاهرة، كما يتألف منه ومن أمثاله سكان باريس.
    حتى إذا تقدم الليل عاد سقراط إلى بيته متعباً مكدوداً فأوى إلى مضجعه ولم يلبث أن يأسره النوم. ولعلك تظن أن تكاليف سقراط تقف عند هذا الحد، فما أشد إغراقك في الوهم! وأين أنت من المحاضرات؟ وما أدراك ما المحاضرات؟ محاضرات الجمعية الجغرافية، وأخرى في الجمعية الاقتصادية، وأخرى في قاعة يورت التذكارية، وأخرى عند جروبي، وأخرى في الكونتننتال. ولا بد لأسرة سقراط من أن تشهد هذه المحاضرات لتكون ظريفة متلطفة، مجاملة للمحاضرين والمحاضرات، ثم لتظهر أيضاً، أو لتظهر قبل كل شيء.
    المحاضرون قوم قساة لا يحفلون بالناس ولا يحفلون بأنفسهم، وإنما يحفلون بالمحاضرات؛ فهم يحاضرون في غير رفق، وهم يحاضرون في غير حساب، وهم يتنافسون في المحاضرات وقيمتها وحظها من الجودة، بل في عدد المحاضرات وعدد المستمعين، والإعلان في الصحف. وقد تسوء الحال فيلقي محاضران محاضرتيهما في وقت واحد وفي مكانين مختلفين طبعاً، ويومئذ يضطر سقراط إلى أن يشهد إحداهما، وتضطر امرأته إلى أن تشهد الأخرى؛ فلا بد من ظهور أسرة سقراط في المحاضرتين جميعاً، فإذا انتهى كل من المحاضرين تقدم إليه نصف الأسرة فهنأه وحياه واعتذر له عن النصف الآخر لأنه مشغول بمحاضرة فلان.
    يا لهذا الفصل: فصل الشتاء! إنه يشغل الوقت، ويصرف الناس حتى عن الحياة. وقد تعطف الظروف على سقراط وتؤثره الأيام بخير ما عندها من اللذات والمتاع، وإذا هو مضطر إلى أن يستمتع رغم أنفه بتناول الشاي عند فلان، ثم بالاستماع لمحاضرة يلقيها فلان في الساعة ٦، وأخرى يلقيها فلان في الساعة ٧، ثم يخطف عشاءه خطفاً، ويلقي ملابس النهار ويتخذ ملابس الليل ليسرع إلى الأوبرا. ويل لسقراط إن لم يكن من أصحاب السيارات! وويل للسيارة وسائقها إن كانت لسقراط سيارة من هذه الأيام العذاب الكذاب أيام الشتاء!
    ثم حدثني بعد ذلك كيف يستطيع سقراط أن يفرغ لفلسفته ومعرفة نفسه وحوار تلاميذه إذا كان الصباح؟ وأين له القوة التي تمكنه من أن يفلسف أو يفتش عن نفسه أو يحاور أصدقاءه بعد هذا الجهد العنيف الذي أنفقه أو الذي احتمله منذ أقبل المساء إلى أن انقضى الليل أو كاد ينقضي؟ ومع ذلك فلا بد لسقراط من أن يُعنى بفلسفته، ويبحث عن نفسه، ويحاور أصدقاءه؛ لأنه بذلك يعيش، ولذلك يعيش، ومِن أجل ذلك يعيش.
    أرأيت أن سقراط لم تظلمه الأيام حين جعلت حياته في القرن ٥ قبل المسيح؛ في ذلك الوقت الذي لم تنشأ فيه الصالونات، ولم تكثر فيه المحاضرات، ولم تتعدد فيه ملاعب التمثيل وقاعات الغناء، ولم تظهر فيه دور السينما؟ لقد كان سقراط سعيداً حقاً؛ كان يشهد التمثيل أياماً في العام، مرة في الربيع حين يكون فصل التراجيديا، ومرة في الخريف حين يكون فصل الكوميديا. وكان يختلف إلى بعض الدور: إلى دار بيركليس مثلاً ليسمع بعض السفسطائية، وليحاور أو ليستمتع بجوار هذه المرأة الجميلة زوج بيركليس. وكان ينفق ما تبقى من وقته – وهو أكثره من غير شك – متنقلاً بفلسفته في شوارع أثينا، أو باحثاً عن نفسه في حمام أثينا وملاعب الرياضة فيها. وأنا واثق بأن سقراط لو خُيّر بين حياتنا الحلوة العذبة، وبين سجنه الثقيل وما تناول فيه من السم لآثر السجن والسم على هذه اللذات الطوال الثقال التي نتحملها نحن في فصل الشتاء.
    أرأيت أن الصيف هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وأن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا الجد، ولا يمكن فيه إلا الجد؟ ولعلك تظن أن ما حدثتك به هو كل ما في الشتاء من جد، فَذُد عن نفسك هذا الوهم؛ ففي الشتاء جد آخر مر كله لا حلاوة فيه، فأنت توافقني على أن الزيارة والاستقبال، والاختلاف إلى المحاضرات، وشهود التمثيل والاستماع للمغنين والموقعين، كل ذلك يحتاج إلى نفقات، فثياب الشاي غير ثياب التمثيل.
    ولكن ماذا أريد أن أقول؟ ومالي أدخل بك في هذا الحديث الذي لا فكاهة فيه ولا متاع؟ أهذا كل ما يحمل إلينا الشتاء من الجد؟ كلا، ففي الشتاء جد آخر، جد خصب حقاً، جد نافع حقاً، جد نعيش منه ونلهو به، ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونة وشظف وحرمان، هو جد هؤلاء الفلاحين الذين يعملون في الأرض لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد.
    وفي الشتاء جد آخر؛ جد يمزق القلوب، ويعذب النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة واللين، ويذكرون حين يلهون أن في الأرض قوماً آخرين يعذبهم الجوع، ويلحّ عليهم البرد، فيقضون ليالي خير منها ظلمة القبور. في الشتاء هذا الجو المظلم القاتم، المرهق المحرق الذي تصوره أجمل تصوير وأبلغه تلك الأغنية المشهورة، أغنية الإحسان، التي ما استطعتُ أن أستقبل الشتاء منذ عرفتها دون أن أسمعها مرة ومرة:
    “هذا الشتاء يقبل، ومعه حاشيته الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيراً في الشتاء، إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد لشديد في دورهم المقفرة!”.
    الرسالة ١٨ – ١٢ – ١٩٣٣

  • إهمال وزارة المعارف المزمن | The Ministry of Education’s Chronic Mismanagement

    حديث اليوم
    سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.

    حديث الوادي
    عبث…

    تغلو في وزارة المعارف حتى تتجاوز حدود الغلو والإسراف، إذا كان من الممكن تجاوز هذه الحدود، ووزارة المعارف بطبعها أحق الوزارات بأن تكون بعيدة عن العبث، منزهة عن الخطأ، متخلية لكل عمل غير معقول. فالمفروض في رجال هذه الوزارة أنهم علماء أو مثقفون، وأنهم أصحاب تجارب واسعة عميقة في كل ما يمس شؤون التعليم على اختلاف أنواعه وفروعه، أي في كل ما يمس شؤون الحياة كلها؛ لأن التعليم على اختلاف فروعه يتناول كل هذه الشؤون.

    ولكن وزارة المعارف المصرية على هذا كله غارقة في العبث إلى أذنيها، تقول في مصر وفي غير مصر كلامًا كثيرًا لا يخدع أحدًا، فإذا نظرت إلى أعمالها، لم ترَ إلا ما يحزن ويسوء؛ لأنها أعمال لا تدل على شيء كما تدل على العبث والغلو فيه.

    ولعل أغرب مظهر من مظاهر هذا العبث الذي يضحك ويبكي في وقت واحد أمر معهد التربية، هذا الذي أنشئ منذ أعوام، وكان الناس ينتظرون من إنشائه خيرًا كثيرًا، وكانت الدولة تعقد به آمالًا جسامًا، فانتهى أمره إلى الإفلاس، أو إلى ما شر من الإفلاس، وأصبح حديثًا من الأحاديث التي يتفكه بها رجال التعليم، إذا لقي بعضهم بعضًا، أو تحدث بعضهم إلى بعض.

    كانت وزارة المعارف ضيقة أشد الضيق بمدرسة المعلمين العليا، تبدئ وتعيد في أنها أصبحت بعيدة كل البعد عن أن تلائم ما ينبغي لمصر من الرقي في التعليم الثانوي وفي التعليم الابتدائي، وكان وزراء المعارف لا يتحدثون إلا بمدرسة المعلمين وقصور مدرسة المعلمين، ووجوب الإصلاح السريع في مدرسة المعلمين. وزاد سخط وزارة المعارف في مدرسة المعلمين حين أنشئت الجامعة وقامت فيها كلية الآداب وكلية العلوم، وأصبح من الممكن أن تنشأ مدرسة المعلمين، يكون طلابها من أصحاب الليسانس الذين أتموا درسهم في هاتين الكليتين، لا من أصحاب البكالوريا الذين لم يتجاوزوا التعليم الثانوي.

    هنالك جدت وزارة المعارف وألحت في الجد، فألفت اللجان، وهيأت المشروعات، واستدعت الخبراء، وطبعت التقارير، وأنفقت الأموال، وطلبت إلى الجامعة أن تغير بعض نظامها، وانتهى الأمر بها إلى إنشاء مدرسة لم ترد أن تسميها مدرسة المعلمين العليا، ضيقًا منها بهذا الاسم، وحرصًا منها على نسيانه، ورغبة منها في ألا يبقى لهذه المدرسة المسكينة ذكر ما، فسمت مدرستها الجديدة معهد التربية، تقليدًا لما يوجد في سويسرا، وجعلت هذا المعهد قسمين، أحدهما يدرس فيه أصحاب الليسانس ليشتغلوا بالتعليم الثانوي، والآخر يدرس فيه أصحاب البكالوريا ليشتغلوا بالتعليم الابتدائي.

    وكان ظاهر الأمر يدل على أن الوزارة قد خطت خطوات بعيدة في سبيل إصلاح التعليم، وما رأيك في مدرسة يتعلم فيها الذين تخرجوا في الجامعة ليعلموا الشباب في المدارس الثانوية، والذين ظفروا بالبكالوريا ليعلموا الأطفال في المدارس الابتدائية؟

    ولكن التجربة أظهرت صدق المثل القديم: «إنك لا تجني من الشوك العنب».

    فما كان ينبغي لوزارة المعارف، وهي بحيث نعلم من الضعف، وضآلة الثقافة، وقصور التفكير، وتحديد الأفق، أن تنشئ مدرسة عالية حقًّا، أو تفهم التعليم العالي على وجهه الصحيح، لذلك لم يكد طلاب الجامعة يعملون في هذا المعهد حتى ضجوا وعجوا، وشكوا إلى الأرض والسماء، وأعلنوا أنهم يردون إلى الجهل بعد العلم، وإلى اللعب بعد الجد، وإلى الجهد الضائع بعد العمل المفيد.

    وكان الخلاف بين الجامعة ووزارة المعارف حول معهد التربية من أهم الأسباب التي دعت إلى ما ألم بالجامعة من خطوب، ولكن معهد التربية قد بقي على كل حال، وأخذت وزارة المعارف تنفق عليه الأموال الضخمة، وما زالت تنفق هذه الأموال، والمعهد يمضي في الطريق العوجاء التي رسمت له، ولكنه يمضي على كل حال، والشبان ينفقون فيه من أعمارهم حظًّا لا بأس به، ثم يؤدون الامتحانات، ثم يظفرون بالإجازات، ثم… وهنا نستطيع أن نسأل وزارة المعارف عن أمر هؤلاء الشبان الذين ينفقون أربعة أعوام من أعمارهم في الجامعة، ثم عامين في معهد التربية يتهيأون للتعليم، وتنفق عليهم الدولة ما تنفق من مال لتهيئهم للتعليم. تستطيع أن تسأل وزارة المعارف عن هؤلاء الشبان أين يذهبون، وماذا يصنعون، فستجيبك وزارة المعارف راغمة أنهم يذهبون إلى الشارع، وأنهم يضطربون بين الأندية والقهوات، وأنهم ينفقون وقتهم في انتظار المنصب الذي تهيأوا له والذي لا يجدون السبيل إليه، وأنهم كانوا يعيشون في المعهد، عيشة هادئة فيها الراحة المادية على أقل تقدير، فأصبحوا يعيشون خارج المعهد عيشة منكرة فيها الحزن الطويل، والهم الثقيل، واليأس الذي يميت القلوب، ويفسد النفوس، ويذهب بنضرة الشباب، ويسوء الظن بالحياة والأحياء.

    نعم، فوزارة المعارف لم تسند مناصب التعليم الثانوي إلا إلى ثلاثة من الذين أخرجهم هذا المعهد منذ بدأ المعهد يخرج الذين أتموا الدرس فيه، وظفروا بالإجازات، أي منذ سنة ١٩٣١.

    وتعليل هذا الإهمال غامض؛ إن سألت عنه، فهؤلاء الشبان لا يصلحون للتعليم الثانوي، في رأي رجال الوزارة حينًا، لأنهم مروا بالجامعة التي تفسد الشباب، وإذن فلم لا تُلغى الجامعة، ولم لا يُلغى هذا المعهد؟ ومناصب التعليم مشغولة كلها، في رأي رجال الوزارة ـ حينًا آخر؟ وإذن فلم لا يغلق المعهد أعوامًا حتى لا يخرج شبابًا عاطلين؟

    ذلك أن المعهد مدرسة فنية، لا تدرس من العلم للعلم، وإنما تدرسه للحاجة العملية، فلا ينبغي أن تقبل الشبان إلا إذا كان من المحقق أنهم سيعملون، بل لا ينبغي أن تفتح أبوابها إلا إذا كان من المحقق أن الدولة في حاجة إلى طلابها جميعًا. ووزارة المعارف تعلم من غير شك أن الذين يدخلون مدرسة المعلمين العليا في فرنسا يأخذون على الدولة الفرنسية عهدًا بأنها ستكفل لهم العمل متى أتموا الدرس، فإذا ظفروا بالإجازة العليا فالدولة ملزمة بأن تجد لهم عملًا في التعليم، فإن لم يوجد هذا العمل، فالدولة ملزمة بأن تجري عليهم أجورهم حتى يوجد هذا العمل؛ لأن المعلم لا يستطيع أن يعمل كاتبًا في الدواوين، ولا بائعًا في دور التجارة، ولا سائقًا للسيارات.

    ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يلتفت إلى هذا العبث الذي تغلو فيه وزارته، وأن يحاول إصلاحه إن كان قادرًا على الإصلاح؟ ألم يأنِ لوزير التقاليد أن يفرق بين الجامعة التي يدرس فيها العلم للعلم، والتي يجب أن تفتح أبوابها للطلاب جميعًا، والتي لا ينبغي لطلابها أن يتعلقوا على الدولة بشيء، وبين المدارس الفنية الخاصة، التي لا ينبغي أن تقبل الطلاب، ولا أن تخرجهم إلا بقدر الحاجة؟

    إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا المعهد نافعًا، فالذين يخرجون منه يجب أن يعملوا جميعًا، فيما أُعدوا له، وإما أن يكون هذا المعهد غير نافع، فإلغاؤه واجب، واقتصاد الأموال التي تنفق عليه فرض، وصرف الشبان الذين يدرسون فيه إلى وجوه أخرى من وجوه النشاط أمر لا بد منه.

    ليفق وزير التقاليد، وليعنَ بأمر وزارته بعض الشيء، ولينظر في هذا العبث لعله يستطيع أن يصلح منه بعض الشيء.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/١٥.

    حديث الوادي
    عيسويات…
    نوم

    نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

    النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.

    وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.

    ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

    ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

    فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

    ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.

    ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

    فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.

    طه حسين
    جريدة الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥.

    إبطاء
    ماذا صنع الله بالموظفين؟ وعلاوة الموظفين؟ والاعتداد لهذه العلاوة؟ فقد زعموا أن بابا عظيما من أبواب الاستثناء فتح على مصراعيه قبل أن يبرح رئيس الوزراء أرض مصر، وأن قوما من الأصفياء والأولياء والمقربين والمحسوبين قد مستهم أجنحة الرحمة فزيد في أرزاقهم وارتقوا درجات فوق درجاتهم، وزعموا أن المساكين من صغار الموظفين شكوا من هذا الاستثناء، وتبرموا به، وألحوا في أن تمسهم هم أيضا أجنحة الرحمة هذه، وزعموا أن الحكومة رقت لهم وعطفت عليهم، وطلبت إلى الوزارات أن تقدم كل واحدة منها ثبتا بأسماء الذين يستحقون أن تنالهم رحمة الله ورحمة الوزارة لطول ما صبروا على البؤس واحتملوا ثقل الحرمان، وزعموا أن الوزارة فكرت في أن ترصد أو أرصدت بالفعل عشرة آلاف من الجنيهات ترد بها على هؤلاء الموظفين بعض ما يستحقون من رحمة وعطف، ومن بر وإشفاق. ثم زعموا أن الوزارة ألفت لجنة للنظر في هذه العلاوات كيف توزع، وفي هؤلاء الموظفين كيف يرقون ويزدادون، وتحدثوا بعد ذلك بأن هذه اللجنة اجتمعت وتفرقت مرة أو مرتين، لا أدري، ثم انقطع الحديث وشغل الناس عن أمر هؤلاء الموظفين وعلاواتهم وترقياتهم فلم يفكر فيهم أحد، ولم يتحدث عنهم أحد، إما لأن الحوادث في مصر يسرع بعضها إثر بعض فيمحو بعضها بعضا، أو ينسى بعضها بعضا. وإما لأن الأمور في مصر لا تحب السرعة، وإنما تحب الأناة والهدوء، ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى السرعة وتمس إليها الضرورة الملحة. وإما للأمرين جميعا. ومع ذلك فلا يزال البؤس ملحا على هؤلاء الموظفين، ولعل الحاجة تزداد من يوم إلى يوم. ولعل حظهم وحظ أبنائهم من الحرمان يعظم بين شروق الشمس وغروبها، ولعل ضيقهم بذلك الاستثناء وسخطهم على إيثار غيرهم بالخير من دونهم يشتدان من حين إلى حين، ولعل من المنفعة للحكومة وللموظفين الذين مسهم الاستثناء وللموظفين الذين ينتظرون الخير، ألا يكون وعد الوزارة بهذه العلاوات أفلاطونيا كسحاب الصيف لا يكاد يظهر في الجو ويحيي الأمل حتى يتفرق ويعقبه اليأس.
    فالحكومة من غير شك حريصة ونحن حريصون معها على أن يحسن ظن الموظفين بها ورأيهم فيها، وعلى أن يصدقها الموظفون إن قالت، ويؤمنوا لها إذا وعدت، وينتظرون صدق القول وتحقيق الوعد فلا يطول بهم الانتظار. والموظفون الذين مسهم الاستثناء قد يرضيهم أن يمتازوا، وقد يسرهم أن يظهروا امتيازهم هذا، وقد يعجبهم أن تؤثرهم الوزارة من دون غيرهم بالبر والعطف والتمييز، ولكنهم مصريون على كل حال، فما نظن رضاهم بهذا الامتياز إلا موقوتا، يهدأ ويستقر إذا مضت عليه الأيام والأسابيع، وهم من الناس على كل حال، فما نظن أنهم يحبون أن يسيء إخوانهم بهم الظن، ويضمروا لهم الحقد، ويطيلوا حسدهم على ما أولتهم الوزارة من فضل، فهم قد فرحوا وهم قد ظفروا، وهم قد رضوا بالامتياز واقتحام الصفوف، ولكنهم لا يكرهون أن يفرح غيرهم ويظفر، ولا يكرهون أن يصيب غيرهم بعض ما أصابهم من هذا الغيث.
    وهؤلاء الموظفون الذين لم يترددوا في التضحية حين طلبت التضحية، ولا في احتمال الحرمان حين طلب إليهم احتمال الحرمان، ولم يجزعوا حين أعلن إليهم أن قد حيل بين مرتباتهم وبين الزيادة، ولم يفزعوا حين أعلن إليهم أن مرتباتهم على ضآلتها ستنقص بعض الشيء، هؤلاء الموظفون ابتهجوا حين سمعوا أن الوزارة تريد أن تنالهم بشيء من العطف وأن ترفع مرتباتهم قليلا، ابتهجوا وعادوا إلى أهلهم باسمين ينبئونهم بأن شيئا من الضر قد يرفع عنهم، وأن شيئا من اليسر قد يلم بهم، وأخذوا يمنون أنفسهم وأهلهم الأماني، وأخذوا ينتظرون وأهلهم ينتظرون معهم، فليس من الخير أن يظفروا باليأس ويغنموا خيبة الأمل. وليس من الخير أن يطول انتظارهم كما يطول ليل الشتاء أو كما يطول شهر الصوم فيما كان يقول القدماء. وإنما الخير أن تتعجل الحكومة فتبر بوعدها وتفي بعهدها، وتريح هؤلاء الناس من بعض ما يجدون.
    ولقد نحاول أن نتبين سر هذا الإبطاء فلا نجد إلى هذا سبيلا، فأي شيء أيسر من عمل هذه اللجنة التي ألفتها الوزارة منذ سافر رئيس الوزراء.
    إن أمور هؤلاء الموظفين واضحة بينة، وحاجتهم إلى العلاوة والترقية أوضح وأجلى، واستحقاقهم لهذه العلاوة والترقية أشد وضوحا وأكثر جلاء. وكل وزارة أو مصلحة قادرة على أن تهيئ ما عندها من ذلك في أسرع وقت وأقصره. واللجنة قادرة على أن تقضي فيه دون إسراف في التمهل والتريث، ولكن في الأمر عسر فيما يظهر. فأين تقع العشرة آلاف من هؤلاء الموظفين الكثيرين الذين يحتاجون إلى العلاوة ويستحقونها وينتظرونها، وكيف يكون التمييز العدل بين من ينبغي أن يمسه جناح من رحمة، ومن ينبغي أن ينتظر الآن؟
    هذه مشكلة حقا، وكان من اليسير أن تحل لو أن الحكومة طابت نفسها عن مقدار أوسع وأضخم من هذه العشرة الآلاف. وما زال من حق الحكومة أن تزيد المقدار ما دامت خزانتها تسمح بالإنفاق على جبل الأولياء، وعلى بحيرة تسانا، وعلى المؤتمرات التي تعقد في القاهرة أو يشهدها المصريون في غير القاهرة دون أن تدعو إليها حاجة أو تمس إليها ضرورة. ومن الحق الذي لا يقبل شكا ولا نزاعا أن الموظفين الصغار أجدر بأن تنفق عليهم هذه الآلاف التي أرصدت أو يراد أن ترصد لمؤتمر الطيران، فقد نكون في حاجة إلى أشياء كثيرة قبل أن نحتاج إلى مؤتمر الطيران هذا. ومن الحق الذي لا يقبل شك ولا نزاعا أن هؤلاء الموظفين كانوا أجدر بأن تنفق عليهم هذه الألوف التي أنفقت على مؤتمر السكك الحديدية، فلأن يستريح صغار الموظفين المصريين في حياتهم ويقبلوا على أعمالهم محبين لها، مخلصين في النهوض بها خير ألف مرة ومرة من أن يستمتع الأجانب من أعضاء هذا المؤتمر بضيافتنا الواسعة العريضة وما تستتبعه من اللذة والنعيم في أقطار مصر، وعلى ضفاف النيل.
    ومهما يكن من شيء فإنا نريد أن نذكر الحكومة بأمر هؤلاء الموظفين إن كانت قد نسيته، وأن نتعجلها فيه إن كانت لا تزال تذكره، وأن نطلب إليها ألا تتخذ الصبر لها قاعدة كما يتخذ رئيس الوزراء الصبر له قاعدة في أمر المفاوضات والامتيازات والدين وغيرها من المسائل السياسية العامة، فقد يكون من اليسير كما قلنا أمس أن يصبر المكتظ على جوع الجائع، والموسر على عسر المعسر، والصحيح على مرض المريض، ولكن الشيء العسير حقا الشاق حقا هو أن يصبر الجائع على الجوع، والمعسر على العسر، والمريض على المرض، والمحروم على الحرمان. وقد صبر هؤلاء الموظفون فأحسنوا الصبر، آن لهم أن يجنوا ثمرته. وما دامت الحكومة قد خرجت عن منع العلاوات، ووعدت بالترقية على هؤلاء الموظفين، فمن الخير أن تسرع إلى البر في غير مماطلة ولا التواء، وقديما قال الناس إن خير البر عاجله.
    كوكب الشرق ٢٣\٦\١٩٣٣

  • مراقبة لندن | Watching London: The Long Anglo-Egyptian Standoff

    دائرة
    حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
    والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
    ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
    والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
    والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
    فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
    فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
    فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
    والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
    وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
    لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
    وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
    ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
    فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
    كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣

    الحديث المعاد…
    بقلم الدكتور طه حسين
    إني لأعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يملوا المفاوضات، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب. وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.
    أني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد. وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء. وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون، فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول؟ فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملت أقلامنا. وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل. وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها. وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشؤوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض. فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نبين لهم في وضوح لا يحتمل شكًا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقي منا الآن إلا شعبًا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما في تحقيق الجلاء الذي لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًا وصدقًا. والتي تشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.
    فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء. فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالثة لهما: منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة. إنما تكتسب بأقصى غاية الجود، وهو بذل النفوس لها ثمنًا. ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم، كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا، ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.
    إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة، ولا يطمع فيها الطامع، ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذي يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يقام للقائهم أم لم يشهده.
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب. يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًا كريمًا.
    وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد، حديث المفاوضات.
    طه حسين
    الأهرام، ١٠\٥\١٩٥٣

    تبعة
    زعموا أن المقاومة في مصر للسلطان الأجنبي قد أصابها الضعف، ومشى فيها الفتور، ودبّ إليها نوع من الخمود حال بينها وبين أن تُنتج في تحقيق الآمال القومية ما كان يُنتظر منها، فلم تتقدم مصر في سبيل استقلالها كثيرًا منذ كانت الحركة الوطنية سنة ١٩١٩، بل ما زالت الامتيازات قائمة لا تستطيع مصر أن تلغيها إلا أن تتولى إنجلترا رعاية المصالح الأجنبية، وإلغاء الامتيازات بنفسها، لأن مصر أعجز من أن تثبت لأوربا وللإنجليز، وأقصر باعًا من أن تقدم على إلغاء الامتيازات بنفسها كما فعل الفرس والترك … !
    وقد أخذ بعض أصدقائنا يعلل ضعف المقاومة هذا، ويرده إلى مصادره، ويبحث عن الذين يحتملون تبعته، فاهتدى إلى العلة الصحيحة لهذا الضعف، ووضع يده على الداء الذي كان يجب أن يُستأصل منذ ظهرت أعراضه، والذي أصبح استئصاله الآن ضرورة وطنية لا مندوحة عنها، إذا كان قادة الرأي في هذا البلد — كما نعتقد — لا يزالون يؤمنون بأن الاستقلال حق لمصر، وبأن الواجب عليهم أن ينتهوا بها إليه.
    وهذا الداء الذي انتهى إليه صديقنا، ووضع يده عليه، هو تشعب الأحزاب في غير داعٍ إلى تشعب الأحزاب. فالمصريون جميعًا يطلبون الاستقلال، ويسعون إليه ويلحّون فيه، ويتمنون لو أُتيحت لهم الفرص التي تمكنهم من تحقيقه، بل من التضحية الكبرى في سبيل تحقيقه. وقد أقاموا على ذلك أدلة واضحة لا تقبل الشك يوم نهضوا سنة ١٩١٩ يطالبون بالاستقلال ويثورون، بالحماية حتى ألغوها.
    المصريون جميعًا إذن يطالبون بالاستقلال ويلحّون فيه، لا تختلف أحزابهم في ذلك، ولم ينشأ من أسباب الخلاف ما يدعو إلى أن تتشعب الأحزاب وتفترق، وإنما هي — كما يقول صديقنا — الأهواء والأمزجة والمنافع تُنشئ الأحزاب وتنقل الأشخاص فيما بينها. وليس في ذلك شك ولا ريب، فالحكم وحده هو الذي أنشأ الأحزاب في مصر بعد أن كانت كلمة المصريين مجتمعة على المطالبة بالاستقلال والإلحاح فيه والتضحية في سبيله.
    وتستطيع أن تتبع تاريخ الأحزاب التي أُنشئت في مصر بعد أن تألف الوفد للمطالبة بالاستقلال وأيدته الأمة المصرية كلها، لم يشذّ منها شاذ، ولم يخرج عليها خارج، فسترى أن الأمل في الوصول إلى الحكم، والسيطرة على الأمور، وتحقيق المنافع لبعض الجماعات وبعض الأفراد، هو الذي ألّف هذه الأحزاب واحدًا إثر واحد، وهو الذي جعل في مصر هيئات سياسية مختلفة تحترب فيما بينها، وتقتتل، ويسيء بعضها إلى بعض، ويُغري بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، وهي كلها تسعى إلى تحقيق غرض واحد، هو الاستقلال.
    وهذه الأحزاب وإن تشعبت ليست كثيرة، وليس تاريخها بعيدًا يحتاج إلى الجهد والتعب في درسه وتحقيقه. فأنت تستطيع أن تحصي ما نشأ منها بعد الحركة الوطنية، وتستقصي الأسباب التي دعت إلى نشوئه، وتستقصي كذلك الأسباب التي دعت إلى تطوره، وتستقصي كذلك الأسباب التي دفعته حينًا إلى الشمال حتى اتصل بالوفد وكاد يندمج فيه، ودفعته حينًا إلى اليمين حتى انفصل عن الوفد ونصب له الحرب. تستطيع أن تستقصي هذا كله، فلن تحتاج إلى مشقة ولا إلى جهد لتنتهي بهذا الاستقصاء إلى شيء واحد، هو أن الطموح إلى الحكم قد أنشأ الأحزاب، وأن الطموح إلى الحكم قد ترجّح بالأحزاب فمال بها إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى.
    ومادام الأمر كذلك فلابد للأشخاص أن يتنقلوا بين الأحزاب: منهم من تغريه المنفعة فيميل من شمال إلى يمين، ومنهم من يضيق صدره بالمداورات والمناورات، وتقديم المنافع الخاصة على المنافع العامة، واتخاذ الشعب وسيلة إلى الحكم حين يجب أن يُتخذ الحكم وسيلة إلى تحرير الشعب، فيميل من يمين إلى شمال.
    نعم، سبب واحد أنشأ الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد دعا إلى تطور الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد رغب في الائتلاف ورغب عن الائتلاف هو الحكم. فما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعاود تاريخها الحديث في وقت واحد متذكرة، فإن الذكرى تنفع أحيانًا. وما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية أن تعود إلى الفكرة الصالحة التي يجب أن تقوم عليها الأحزاب، وهي أن الحكم وسيلة لا غاية، وأن سعادة الشعب غاية لا وسيلة، وأن جهود الأفراد والجماعات يجب أن تخلص لتحرير الشعب إن كان مستذلًا، وتعليم الشعب إن كان جاهلًا، وإغناء الشعب إن كان فقيرًا. وإن من الإثم أن يُتخذ خداع الشعب وتضليله وسيلة إلى الاستمتاع بالحكم، والاستئثار بالثروة والجاه والسلطان.
    لقد لاحظ صديقنا الذي استكشف هذا الداء، ووضع يده عليه، أن الإنجليز اضطروا أن يقمعوا الحركة الوطنية بقوتهم الإنجليزية بعد أن نشأ الوفد، وقبل أن تنشأ الأحزاب. فلما نشأت الأحزاب استغنى الإنجليز عن قوتهم، واستعانوا بالمصريين على إذلال المصريين، ووجدوا أحزابًا تصل إلى الحكم عن طريق الإنجليز، حتى إذا اطمأنت في المناصب سخّرت جنود الدولة وأموال الدولة لإضعاف المقاومة المصرية، والتمكين لسلطان الإنجليز، وهذا — مع الأسف الشديد — حق لا شك فيه.
    ولكن استكشاف الحق شيء، والانتفاع بهذا الاستكشاف شيء آخر. وإذا كان من الخير أن تعرف الداء، فإن من الواجب أن تحسمه وتُشفى منه المريض. وأي حسم لهذا الداء الذي استكشفه صديقنا ووضع يده عليه أحسن من أن تعود وحدة الأمة إلى ما كانت عليه قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تجتمع كلمة الأمة كما كانت مجتمعة قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تنحل هذه الأحزاب ويعود أفرادها إلى العمل للشعب ومع الشعب، لا فضل لأحد منهم على صاحبه إلا بالكفاية، وصدق الجهاد، وحسن البلاء في سبيل الاستقلال؟
    هذا هو الدواء بعد أن استُكشف الداء. ولكن الانتفاع بهذا الدواء، مع أنه واجب وطني، لا سبيل إليه فيما يظهر، لأن الإنجليز ما زالوا يلوّحون بالحكم، ولأن نفوسًا ما زالت تهفو إلى الحكم. وما دام الإنجليز يلوّحون، وما دامت النفوس تهفو وتصبو، فقد يكون انحلال الأحزاب مستحيلًا، بل قد يكون ائتلاف الأحزاب على ما يحقق المنفعة الوطنية الخالصة عسيرًا. وإذن فلابد من أن تمتحن الأمة في أبنائها كما تمتحن في حياتها كلها، ولابد من أن تنهض الأمة بجهادين: فتجاهد الإنجليز من جهة، وتجاهد أصدقاء الإنجليز من أبنائها من جهة أخرى.
    ولابد من أن تصبر للإنجليز حتى يعجزهم صبرها، ولابد من أن تحتمل المحنة في أبنائها حتى ينقطع أمل هؤلاء الأبناء في الحكم، أو تردّهم ضمائرهم الحية إلى الصفوف. وإذا كان هناك واجب يحسن أن تنهض به الشعوب في شجاعة وكرامة لتصل إلى الحياة الكريمة المستقلة، فهو ألا تخدع هذه الشعوب نفسها عن نفسها، ولا تتعمد الجهل بمواطن الضعف فيها. وإذن فالواجب على الشعب المصري إن كان يريد أن يعيش حرًّا كريمًا أن يعترف أمام نفسه بأن فيه موطنًا للضعف، هي هذه الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية، والتي تيامن حينًا، وتياسر حينًا آخر، وتأبى أن تسير في طريق مستقيمة، لأن الطريق المستقيمة طويلة شاقة، لا توصل إلى الحكم إلا بعد جهد ثقيل وعناء شديد.
    لتكن تبعة ذلك بعد هذا على من تكون؛ لتكن على المصريين، لتكن على الإنجليز، لتكن على فريق من المصريين دون فريق، فإن الذي يعني من هذا كله هو أن تعرف الأمة موضع الضعف فيها فتجدّ في حقها، وتشتد في المحافظة على وحدتها، وتوسع صدرها للذين يريدون أن يعودوا إلى هذه الوحدة، وتتنكر في رحمة وإشفاق للذين يأبون إلا أن يتخلفوا عن الصفوف.
    كوكب الشرق ١٩ – ٤ – ١٩٣٣

    بغي
    لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

    توفيق
    لا أعرف وزارة وفقت إلى إسخاط الشعب وإثارة الحفيظة والموجدة في نفسه كما وفقت وزارتنا القائمة. فأنت لا تكاد تنظر في ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا رأيت الشعب يسلك طريقًا، والوزارة تسلك طريقًا أخرى؛ هذا إلى اليمين، وهذه إلى الشمال، هذا إلى الشمال، وهذه إلى الغرب. كانت القاعدة الأساسية التي اتخذتها الوزارة أصلًا لحياتها وسيرتها إنما هي أن تضاد أعمال الشعب وميوله وأهواءه ومنافعه، وكأن الغرض الأساسي الذي وقفت الوزارة جهودها على تحقيقه والوصول إليه إنما هو إحراج الشعب وتسليط السخط والحنق عليه.
    وهذه الأيام التي نشهدها تقدم أوضح الأدلة وأجلاها على هذا التناقض الشنيع بين حياة الشعب وحياة الوزارة، وبين آمال الشعب وآمال الوزارة. ولسنا نذكر جوع الشعب وإسراف الوزارة، ولسنا نذكر تهالك الشعب على الحرية وكلف الوزارة بالبأس والبطش، ولسنا نذكر طموح الشعب إلى الاستقلال وإذعان الوزارة لسلطان الأجنبي؛ فقد كثر الحديث في ذلك وطال حتى لم تبقَ حاجة إلى تكراره ولا إلى تذكير الناس به، لأنه أصبح قوام حياتهم في جميع أوقاتهم. وإنما نذكر نشاط الشعب في هذه الأيام، ونشاط الوزارة؛ فإن في المقارنة بين هذين النوعين من النشاط عبرة وعظة. الشعب ثائر مضطرب، لما يلقى أبناؤه وبناته من كيد المبشرين وعبثهم بالدين وطغيانهم على الأخلاق والأعراض، فالشعب يسخط ويشكو، والشعب يلح في السخط ويغرق في الشكوى، والشعب لا يستريح ولا يريح الصحف كأنه يعتقد أن قد أصبح الأمر إلى الصحف، فهي قادرة على أن تجلي المبشرين عن مصر، وتغلق معاهدهم وملاجئهم، وترد عدوانهم على أبناء المسلمين وبناتهم، وتصد طغيانهم على الدين والأخلاق والأعراض.
    أما الوزارة فشديدة النشاط، مسرفة فيه، لا تكاد تقف منه عند حد. وقد استغرق نشاطها مدينة القاهرة، ومدينة الإسكندرية، ومدينة بورسعيد، وأقطار الدلتا كلها. فإذا سألت عن موضوع هذا النشاط فثق بأنه شيء آخر غير حماية الدين والأخلاق والأعراض. وإذا سألت عن الذين يوجه إليهم هذا النشاط فثق أنهم قوم آخرون غير المبشرين. فالوزارة لا تنشط لحماية الدين والأخلاق والأعراض، وإنما تنشط لحماية نفسها، وهي لا تحمي من شر تخافه أو خطر تخشاه، وإنما تحمي نفسها من أوهام تفزعها في اليقظة وتروعها في النوم. والوزارة لا توجه قواها الهائلة إلى المبشرين، وإنما توجهها إلى الشعب. نعم، إلى هذا الشعب الذي يستغيثها ويستعين بها وينتظر منها أن تحميه من عدوان الأجنبي. الوزارة شديدة النشاط في الإسكندرية لأن رئيس الوفد وصاحبه أقاما فيها أيامًا، ثم سافرا منها صباح اليوم، والوزارة تخاف من رئيس الوفد وصاحبه أينما كانا وحيثما أقاما، وإلى أي وجهة قصدا، وفي أي مكان نزلا. والوزارة تجند الجنود وتنشر البنود وتزلزل الأرض لتحول بين الناس وبين الاتصال برئيس الوفد وصاحبه. فأما المبشرون الذين يعتدون على الدين والأخلاق والأعراض في الإسكندرية فالوزارة عنهم في مشغل، ولم لا؟ أليس الدفاع عن النفس، حتى من الوهم والخيال، واجبًا قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء؟ فلتوجد الوزارة أولًا، ولتحم وجودها من الخطر، ثم لتفكر بعد ذلك في وجود الشعب وحمايته!!!
    والوزارة شديدة النشاط في بورسعيد، قد ملأت جنودها الشوارع، وأخذت على الناس كل طريق، لا لأن مبشرة أجنبية تكيد للدين والأخلاق والأعراض وتتحدى سلطان الدولة وتعطل أحكام القضاء، بل لأن الأستاذ النقراشي ذهب إلى هذه المدينة يستقبل عضوًا من أعضاء الوفد قادمًا من أوروبا.
    فالوزارة مشفقة من الأستاذ النقراشي وصاحبه، تخاف أن يتصل بهما الناس أو يلتفوا حولهما، ولم لا؟ أليس من الحق عليها أن تدافع عن وجودها أولًا، ثم تفكر بعد ذلك إن سمحت لها الظروف في حماية الدين والأخلاق والأعراض، وسلطان الدولة وأحكام القضاء؟
    أما الدلتا فنشاط الوزارة فيها لا حد له، قد أجلبت الوزارة عليها بخيلها ورجلها، ونشرت فيها شيئًا يشبه الأحكام العرفية؛ فالجند يحتلون المدن احتلالًا، وهم يقطعون الطرق فيها ومن حولها بما يبنون من عقبات، وما يقيمون من حواجز وحصون. وهم يحاصرون المحطات ويحيطون بالدور، والقطار المسلح مرابط فيما يقال بين محطة سعد زغلول، ورجال الإدارة لا ينامون الليل ولا يهدأون في النهار. لماذا؟ لا لأن المبشرين يكيدون للدين والأخلاق والأعراض، ولكن لأن رئيس الوفد وصاحبه سينزلان في طنطا وسيذهبان منها بالسيارة إلى حيث يزوران أم المصريين، ولعلهما أن يزورا في طريقهما بعض الوفديين.
    وإذن فحياة الوزارة في خطر، والدفاع عن الحياة أول الواجبات وأشدها لزومًا، فلتنفق الجهود، ولتحشد الجنود، ولتنشر البنود، ولتضطرب الأرض، وليقتنع الشعب بأن الوزارة القائمة حية قوية عظيمة الحظ من القوة والحياة!
    أما القاهرة فأمرها عجب منذ أيام؛ قد شهدت منذ يوم السبت ما نسيته منذ أشهر، فانتشر فيها الجند، وكثر فيها ذهابهم ومجيئهم، وظهرت فيها قوة الحكومة كأروع ما تكون وكأشد ما تكون مما عرفها الناس، وفتحت فيها أبواب السجون، وصرف فيها رجال الإدارة عن الراحة والاستمتاع بلذة العيش، كأنما نحن في أيام الانتخاب منذ عامين! فإذا سألت فيم هذا كله فالجواب يسير، وهو أن عمال ثورنيكروفت مصريون، وأن شركة ثورنيكروفت تريد أن تتبختر سياراتها في الشوارع، وأن الوزارة مضطرة لحماية هذه السيارات، وإذن فيجب أن تنفق جهودها كلها في مدينة القاهرة لتمكن هذه الشركة من أن ترسل سياراتها مختالة في الشوارع، ويجب أن يحصر هؤلاء العمال في بيوتهم، وأن يصرف عنهم ما قد يصل إليهم من إعانة المحسنين، لأن شبع هؤلاء العمال لا يخلو من خطر على هذه السيارات.
    وكذلك يريد الله أن يظهر التناقض بين حياة الشعب وحياة الوزارة في أشنع صوره وأبشع مظاهره: شعب يستغيث بالوزارة لتحمي دينه وأخلاقه وأعراضه من عدوان المبشرين، فإذا الوزارة تنصب له الحرب، وتغري به الجند، وتحظر عليه الاتصال بمن يحب. جماعة من الشعب يضربون فلا تحميهم الحكومة، ولكن تحمي الشركة منهم، وتسرف في هذه الحماية حتى تسخر الجند وتفتح السجون وتمنع الإعانة وتدع هؤلاء المضربين نهبًا للجوع.
    أفتظن أن من الممكن أن توفق وزارة من الوزارات إلى مثل ما وفقت له هذه الوزارة من إسخاط الشعب وإحراجه وإنارة الحفائظ والضغائن فيه؟ إن من المضحك المؤلم حقًا أن يستعين الشعب بالوزارة فإذا هي تعين عليه. إن من المضحك المؤلم حقًا أن يلوذ الشعب بالوزارة فإذا هي تبسط عليه يدها بالقهر والعسف. ولكن أي غرابة في ذلك، فإن مصالح هذا الشعب المصري لم توكل حمايتها إلى المستر «كين بويد»، وإنما وكلت إلى وزارة تريد قبل كل شيء أن تعيش. فإذا استوثقت من العيش واطمأنت إلى البقاء في مناصب الحكم فكرت بعد ذلك فيما يمكن أن تلهي به هذا الشعب من الأماني والوعود. وقد أثبتت الحوادث أن إرضاء الأجانب يطيل بقاء الوزارات ويمكن لها في الأرض، وأن إرضاء الشعب لا يقدم ولا يؤخر، فإذا لم توفق الوزارة إلى إرضاء هذا الشعب وموافقة آماله ومثله العليا فقد وفقت إلى ما هو خير من ذلك، وفقت إلى إرضاء الأجانب، وحسبك بإرضاء الأجانب وسيلة إلى طول البقاء.
    كوكب الشرق ١٩ – ٦ – ١٩٣٣

    قلق
    لست أدري: أقلقٌ هذا يعبث بنفس رئيس الوزراء وزملائه، أم هو شيء آخر أكثر من القلق، وأشد منه هزًّا للنفوس، وخلعًا للقلوب، وتشريدًا للعقول والألباب؟ ولست أدري: أيصدر هذا القلق، أو هذا الفزع، أو هذا الجزع، عن ضعف في أعصاب الوزراء بعد أن ألحّت عليهم الحوادث المضنية، وتعاقبت عليهم الأنباء المخيفة؟ أم هو يصدر عن تقدير صحيح لموقف الوزارة واضطرامها المنكر بين اليأس والرجاء؟ ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الوزارة في هذه الأيام شديدة القلق إلى حدّ اليأس، وأن الوزراء في هذه الأيام لا يبتسمون للحياة، كما أن الحياة السياسية لا تبتسم لهم. ولا ينظرون إلى المستقبل القريب مطمئنين، كما أن المستقبل لا يبتسم بقدومهم عليه ودخولهم فيه، وإنما هو يغلق أبوابه في وجوههم قليلًا قليلًا، ويوشك أن يحكم إغلاقها حتى لا ينفذ منها النسيم.
    أخطأت الأهرام منذ أيام فنشرت رسالة برقية كانت موجهة للبلاغ، وفسرتها بما تعلم من حقائق الأشياء، وبما تأمل من ألوان الخيال. ولم تكد تظهر الأهرام بالرسالة وتفسيرها حتى اضطرب الوزراء والمستوزرون: أولئك هدّهم الخوف، وهؤلاء أحياهم الرجاء! أولئك رأوا بيوتهم تستقبلهم عابسة مقطبة، وقد خيّم عليها حزن كاسف كثيف. وهؤلاء رأوا دواوين الوزارة تستقبلهم فرحة مرحة، راضية مبتسمة لهم، هذه الابتسامة الصفراء التي تبتسمها دائمًا مكاتب الوزراء للوزراء حين يقبلون عليها لأول عهدهم بالحكم، وتدل بها على معانٍ كثيرة، أظهرها وأوضحها هذا المعنى الذي لا يفطن له وزير، والذي يجب أن يفطن له الوزراء جميعًا، وهو أن البلوغ بالحكم ليس تخليدًا فيه، وأن الابتسام للحكم إنما هو مقدمة سيتبعها العبوس للاستقالة. ولكن الإنسان مغرور، وغروره يلهيه عن واجبه، ويورطه في كثير من الشر، كان يستطيع أن يبرأ منه لو قدر أنه حين يدخل مكتبه زائر لا مقيم.
    جزع الوزراء لنبأ الأهرام، وكان رئيسهم أشدهم جزعًا، فلم يكد يتصل به النبأ حتى خفّ وكأن ثقلًا، وحتى نشط وكان فاترا، وحتى أسرع إلى التليفون فهزّ الهواء بين القاهرة ولندن هزًّا كهربائيًّا عنيفًا يلائم هذه الهزات التي أحدثها نبأ الأهرام في نفسه! وأزعج وزيرنا في لندن، وكلفه حركة ونشاطًا، وسعيًا واضطرابًا، وبحثًا واستقصاء. فتحرك وزيرنا واضطرب، وسعى وزيرنا ونشط، وبحث وزيرنا واستقصى، ثم عاد إلى التليفون فهزّ الهواء مرة أخرى بين لندن والقاهرة هزًّا فيه شيء من السخرية، وفيه شيء من اليأس الحزين.
    وتحدث رئيس وزرائنا بعد ذلك إلى الصحف يهدئ الناس، ويؤمن الأنصار، فنشرت «الشعب» حديثه وجلة مذعورة، ونشرت الأهرام حديثه متحدية متصدية. وأحس الناس وجلّ «الشعب»، وذاق الناس تحدي الأهرام. فألحّ الخائفون في الخوف، وألحّ الراجون في الرجاء. والظاهر أن الوزراء لا يملكون أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يقروا قلوبهم في صدورهم، فسألوا رئيسهم حين اجتمعوا إليه يوم الخميس، وتحدث إليهم رئيسهم في هذا الاجتماع — كما تقول الأهرام صباح اليوم — حديثًا لعله هدّأ من روعهم بعض الشيء، وسرى عن نفوسهم بعض التسرية. ثم لم ينقضِ ليل ويطلع نهار حتى جاءت الأنباء البرقية إلى الصحف عامة بنصيحة «المورننج بوست» إلى رئيس الوزراء، وإلحاحها عليه في أن يستريح! فاشتد خوف الخائفين، وعظم رجاء الراجين، ولم يبقَ بدٌّ من إذاعة الحديث الذي كان بين الوزراء ورئيسهم في اجتماع الخميس، لعله يخفف لوعة الملتاعين من الأنصار، ويلقي شيئًا من الكآبة على آمال المؤملين من عشاق الحكم والمتلهفين على المناصب.
    ولكننا نؤكد للذين أذاعوا هذا الحديث في الأهرام، أو أوعزوا بإذاعته، أنه لم يخفف لوعة، ولم يهدئ روعة، وأنه لم يبعث على آمال المؤملين كآبة ولا تقطيبًا؛ ذلك أن هذا الحديث كما نشرته الأهرام أشبه شيء بهذه التعلات التي تقدم إلى الجائع ليصبر على الجوع، وإلى الظمآن ليحتمل الظمأ، وإلى الخائف ليأمن بعض الأمن، ولكنها على كل حال لا تُشبع جائعًا، ولا تنقع صاديًا، ولا تؤمّن خائفًا مذعورًا.
    زعم رئيس الوزراء لزملائه أن الأنباء التي أنبأه بها وزيرنا في لندن تدل على أن المندوب السامي عائد إلى مصر فيقيم فيها غير منقول منها. وأكبر الظن أن هذا النبأ لم يكد يقع في قلوب الوزراء حتى برقت أساريرهم، وانبعثت من صدورهم تنهدات مريحة، ولكنهم لم يفكروا في أن بقاء المندوب السامي — إن صح — لا يستلزم بقاء الوزارات، فصداقة المندوبين الساميين في السياسة ليست ثابتة ولا مطمئنة. ولم يفكروا في أن تغيير الأعوان الذين يعمل معهم المندوب السامي في القاهرة يجب أن يدل على شيء، ومن الراجح جدًا أن هذا الشيء ليس مما يحب الوزراء، وليس مما يطيق الوزراء أن يفكروا فيه.
    وزعم رئيس الوزراء لزملائه أن اللجنة الإنجليزية المصرية لم تنجح فيما أرادت أن تحمل الحكومة الإنجليزية عليه من تغيير السياسة البريطانية في مصر، ومن توجيه هذه السياسة إلى تغيير النظام القائم؛ لأنه لم يحقق ما كان ينتظر من العدل والإنصاف، ولم يظفر بتأييد الكثرة المصرية له، أو ميلها إليه.
    ولكن رئيس الوزراء وزملاءه لم يفكروا في أن الأهرام ستنشر لهم هذا الكلام، وستضيف إليه تعليقًا ظريفًا، وتفسيرًا طريفًا، وهو أن اللجنة قد ألفت وفدًا منها ليلقى وزير الخارجية البريطانية، ويرفع إليه رأيها في شؤون مصر، وأن هذا الوفد لم يلق وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك عند الأذكياء والأغبياء جميعًا أن من التسرع وتعجل الأمور أن يقال إن هذه اللجنة لم تنجح، وإنما يقال ذلك بعد أن يتم اللقاء بين الوفد والوزير، وتظهر نتيجة هذا اللقاء.
    ولم يقدر رئيس الوزراء وزملاؤه أن الأهرام ستضيف إلى هذا التعليق الظريف تعليقًا آخر ليس أقل منه ظرفًا، وهو أن المندوب السامي نفسه لم يظفر بلقاء وزير الخارجية بعد. ومعنى ذلك أن كل تنبؤ بنجاح خطة سياسية دون خطة سابق لأوانه، كما يقولون. ومعنى ذلك أن شبح الخوف يجب أن يظل قائمًا أمام الوزارة وأنصارها، وأن وجه الأمل يجب أن يظل مشرقًا أمام المستوزرين.
    أما المفاوضات والمحادثات، وأما الاتفاق والمعاهدة، فقد أبت الأهرام إلا أن تعرض لها تطوعًا منها واحتسابًا لوجه اللّٰه عز وجل. فأنبأتنا بأن الحكومة البريطانية كانت قد أذنت في أول الشتاء بالحديث بين رئيس الوزراء ودار المندوب السامي، حتى إذا انتهى إلى خير بدأت المفاوضات، وبأن هذا الحديث كان قد بدأ بالفعل، ولكن ما أصاب الوزارة من أزمة بعد قصة البدارى لم يمكن من المضي فيه.
    ونتيجة هذا كله لا تسر ولا ترضي، ولا تلائم ما يحب المصريون أن يشعروا به من أنهم كرام على أنفسهم. نبأ يأتي من إنجلترا فتخلع له قلوب، وتبتهج له نفوس، ويختلف أولئك وهؤلاء فيما يذهبون إليه من تعليل وتأويل. أولئك يخافون على ما في أيديهم، وهؤلاء يطمحون إلى ما ليس في أيديهم. أولئك يرتقبون المعونة من الإنجليز، وهؤلاء يلتمسون الأمل عند الإنجليز. أولئك وهؤلاء يلعبون بالورق، وموضوع لعبهم هو مصر، وأسهم ربحهم النظر إلى مصر على أنها وسيلة لا غاية، وعلى أنها تكأة لا أكثر ولا أقل.
    ليس هذا مما يسر، وليس هذا مما يشعر المصريين بكرامتهم وعزتهم، وليس هذا مما يقرب الأمد بين المصريين وبين الاستقلال الصحيح.
    فأجدر الذين يخافون أن يخافوا من مصر، وما أجدر الذين يرجون أن يرجوا الخير من مصر. وما أجدر أولئك وهؤلاء أن يعتمدوا على مصر وحدها، وأن ينفقوا ما ينفقون من جهد لتمكين مصر العزيزة الكريمة من أن تظفر بحقها من الإنجليز الغاصبين. وما أجدر هذا القلق الذي يعبث بنفوس اليائسين والطامعين أن يكون قلقًا على منفعة مصر واستقلالها، لا على الاحتفاظ بالحكم والوثوب إليه.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٤ – ١٩٣٣

  • طقوس البرلمان الفارغة | Parliament’s Empty Rituals: Law and Institutions Without Meaning

    ضرورة
    يجب أن تكون قاسية ملحة. هذه الضرورة التي ألجأت الوزارة أمس إلى أن ترد مجلس النواب إلى أجمل عهود الاضطراب بعد أن كان قد ألف الهدوء والاستقرار منذ أيام. فقد يبحث الإنسان ويمعن في البحث، وقد يفكر الإنسان ويطيل التفكير ليلتمس تفسيرًا لموقف الوزراء أمس من رئيس مجلس النواب فلا يجد إلا شيئًا واحدًا، وهو أن ضرورة قاسية ملحة كانت تلزم الوزراء أن يخلصوا من هذا المشروع الذي طال الكلام فيه، وكان يريد فيما يظهر أن يستمر في الطول، وقد أمضى مجلس النواب للوزارة مشروعات إن لم تكن أعظم خطرًا وأبعد في حياته المالية أثرًا من مشروع بحيرة تانا، فليست أقل منه ولا أيسر شأنًا. أمضى لها مشروع جبل الأولياء، وهو يكلفنا الملايين وأعرض لها عن رأي وكيل المالية، وكان قاطعًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع الآن وأعرض لها عن رأي المستشار المالي، ولم يكن أقل من رأي الوكيل إلحاحًا في وجوب الإعراض عن هذا المشروع، وأجاز لها تصرفات مالية مختلفة كان من الخير ألا يجيزها أو أن يخذلها إلا بعد درس وتمحيص. فتعودت الوزارة إذن من البرلمان عامة ولمجلس النواب خاصة ضروبًا من المجاملة وألوانًا من التسامح لم يكن من اليسير عليها أن تحرمها أمس، أو أن يخيل إليها أن المجلس سيضن بها عليها. والظاهر أن مشروع « تانا » هذا يعني الوزارة عناية خاصة، وأنها تحرص عليه حرصًا أقل ما يوصف به أنه شديد، وأنه غير مفهوم. فلم يكد يظهر هذا المشروع في الأفق حتى ضاق به الناس، ولجوا في إنكاره، وألحوا على الحكومة أن تصطنع فيه الآناة، وانتظروا من البرلمان أن يرفضه. وجاء رئيس الوزراء فاصطنع اللباقة والمهارة، وقال كلامًا طويلًا واضحًا خيل إلى الناس أن الحكومة لن تمضي في المشروع ولن تذهب فيه أبعد من أن تعرف رأي الحبشة، ثم كانت مفاوضات يظهر أنها لم تخلُ من الحدة، وتحدث الناس أن رئيس الوزراء ضاق بها في بعض
    الأيام، وتحدث الناس أيضًا أنه اصطحب وزير الأشغال إلى دار المندوب السامي ليتحدث فيه أو ليسمع ما تقول الدار فيه. ثم تكشفت الأيام عن اتفاق بين مصر وبين الشركة الأمريكية يلزمنا بأن ننفق منذ الآن خمسين ألفًا من الجنيهات. ثم مضى هذا الاتفاق في طريقه بسرعة غريبة مدهشة، وتحدث الناس أن وكيل المالية الذي أنكر خزان جبل الأولياء لم يوافق على هذا المشروع الأخير، وأن مجلس الوزراء أمضاه على كل حال. فلما انتهى إلى اللجنة المالية في مجلس النواب صرح وزير الأشغال لهذه اللجنة تصريحًا سجل في محضرها بأن تأجيل هذا المشروع لا يضر، ومع ذلك أمضى المشروع في هذه اللجنة وجاء إلى مجلس النواب فألح قوم في تأجيله وأبى عليهم المجلس هذا التأجيل.
    ولم يكد ينظر المشروع أمس حتى ظهر أن قومًا من الذين يضمرون المودة للحكومة ويظهرونها، يكرهون إقراره ويلحون في رفضه الآن، وطال الحوار وكثر الجدال وأظهر بعض النواب ما تعودوا إظهاره في مثل هذه المواقف من براعة خطابية ومهارة بيانية تجعلان لنا زعامة الكلام في هذه الأيام.
    ولأمر ما أراد الرئيس رفع الجلسة وأكبر الظن أنه تعب وأنه أشفق على نفسه وعلى زملائه، وكان الخطباء الذين يريدون أن يصولوا ويجولوا، وأن يظهروا حظوظهم المختلفة من البراعة البيانية كثيرين. فلم يرَ الرئيس بأسًا بأن يؤجلهم إلى غد، وأكبر الظن أن رئيس النواب قد استعذب هذا البيان فأراد أن يطول، وأي بأس على رجل أديب يستعذب لذة فنية فيضن بها أن تقصر أو تنقضي، ويريد لها أن تمتد وتطول. ولم يكن رئيس النواب وحده يستعذب هذا البيان ويحرص على أن يطول، بل كان زملاؤه يشاركونه في هذه اللذة العليا ويطلبون منها المزيد! ولم يكن رئيس النواب وحده يشفق على نفسه من التخمة البيانية إن اتصلت خطابة الخطباء، بل كان زملاؤه أيضًا يحسون امتلاء أجوافهم بهذا الحوار الدسم، ويخشون الكظة على أنفسهم، لذلك لم يعرض الرئيس رفع الجلسة حتى رضي النواب، وهموا أن يتفرقوا ولكن الوزراء قوم شرهون، لا يشبعون ولا تخشى عليهم كظة ولا تخمة في البيان فهم كانوا كإخوانهم يستعذبون الحديث ولكنهم لم يكونوا قد شبعوا منه بعد، فلما أحسوا رفع المائدة وتنظيف الخوان، ساءوا بذلك وضاقوا به ذرعًا وقالوا هذا يوم عصيب وأي يوم أعصب من هذا اليوم الذي تنزع فيه اللقمة من فم الجائع، ويرد فيه الماء العذب عن شفتي الظمآن!!
    هنالك اشتد النزاع بين الشباع والجياع، وطال العناء بالرواء والظمأ، وصدرت عن الوزارة شرارة من كهرباء، لم تكد تتجاوزهم حتى اتصلت بالصفوف القريبة منهم فشبت فيها نارًا وأذكت أوارًا، وإذا المجلس لم يكن كله قد شبع ولم يكن كله قد جاع. وإنما خيل إلى قوم أنهم شباع وخيل إلى قوم أنهم جياع. أو قل إن جوع الوزراء أزال شبع النواب فشاركوهم في الجوع. وهنا ظهر الخلاف بين رئيس المجلس وكثرته. يريد الرئيس أن ينصرف، ويريد النواب أن يبقوا مجاملة للوزراء. فلما طال الأمر بالرئيس انصرف ومضت كثرة الحاضرين من النواب فيما كانت فيه من عمل. والظريف الطريف أن الرئيس لم ينصرف وحده وإنما انصرف معه بعض أعوانه من النواب. فلم تضق الكثرة بذلك، بل أقامت الوكيل مقام الرئيس وانتخبت سكرتيرًا مؤقتًا بدلًا من سكرتير دائم، وخطب بعض الخطباء وتكلم رئيس الوزارة بالنيابة ثم أجل المجلس ليقضي في الأمر مساء اليوم.
    هذا تأويل، وهناك تأويل آخر لموقف الوزراء، ذهب إليه الناس في موقف الوزراء هذا. وقد كان غريبًا عسير الفهم.
    زعم فريق من الناس أن الوزراء لم يكونوا جياعًا إلى خطابة الخطباء وإنما كانوا مكتظين بفضل من قوة يريدون بذله وبقية من نشاط يريدون إنفاقها، ووابل من كلام يريدون إرساله. قال هؤلاء الناس، وكان رئيس الوزراء بالنيابة قد أعد بيانًا طويلًا عريضًا عميقًا صبر عليه أول أمس، وعجز عن حمله أمس، فلم يكن له بد أن يلقيه ليهدأ ويقضي ليلًا مريحًا. وكان تأجيل الرئيس للمجلس مؤذيًا له، لأنه كان يريد أن يضطره إلى أن يحتفظ بهذا البيان الطويل العريض العميق يومًا آخر، وأنت تعلم أن ليس أشق ولا أمضى من كلام يريد أن يقال فيضطر إلى أن يظل محتجزًا مكتومًا.
    ومهما يكن من شيء فقد حدثت في مجلس النواب أمس ظاهرة جديدة، ثار فيها الوزراء وفريق من النواب برئيس المجلس ومكتبه وخرج فيها الوزراء وكثرة النواب على التقاليد التي تقضي برفع الجلسة إذا رفعها الرئيس إلا أن ينصرف معتذرًا ويقيم الوكيل مقامه. ولهذه الثورة خطرها ففيها استهانة ما برئاسة المجلس وفيها تحكم من الوزارة، لا في أمر الرئيس وحده، بل في أمره وأمر جماعة من النواب كانوا يريدون أن يتكلموا فلما انصرف الرئيس انصرفوا معه وأبوا أن يعودوا وأن يأخذوا بحظهم من الاعتداء على مقام الرئيس ونشأ عن هذا كله أن أصبح موقف الرئيس حرجًا حقًا. فهو إن أذعن أدخل في الحياة النيابية تقليدًا خطرًا، وهو إن أبى أن يذعن أحدث خلافًا عنيفًا بينه وبين الوزراء، وكل شيء يدل على أن الكثرة ستؤيد الوزارة اليوم كما أيدتها أمس. وإذن فسيضطر الرئيس إما إلى الإذعان فيسيء إلى الحياة النيابية. وإما إلى الاستقالة من الرئاسة. وأكبر الظن أن قد كانت أحاديث ومقابلات وأن الجو البرلماني سيصفو مساء اليوم كل الصفاء، ولكن هذا كله لن يمنع من أن حقيقة واقعة قد كانت أمس، وهي أن مجلس النواب قد اجتمع بإرادة الوزراء رغم إرادة الرئيس وأن فريقًا من النواب قد أرادوا أن يؤيدوا الرئيس ويدافعوا عن آرائهم في مشروع من المشروعات ذوات الخطر.
    وقد يكون هذا غريبًا وقد يكون هذا شاذًا، ولكن مصر قد ألفت كل شيء حتى لم يبقَ فيها غرابة ولا شذوذ.
    على أن هناك أمرًا أجلّ من هذا كله خطرًا وأبعد من هذا كله أثرًا، وهو أن الإنجليز كانوا يزعمون أن الوزارة القائمة لا رأسَ لها بعد مرض صدقي باشا وانتقاله إلى باريس أو إلى فرساي فقد ظهر الآن أن هذه الوزارة الحاضرة ليس لها رأسٌ واحدةٌ بل لها رؤوس. وأي دليل على ذلك أقوى مما كان أمس فقد جمعت مجلس النواب رغم رئيس المجلس وعدد غير قليل من أعضائه، أفهذه الوزارة التي تبلي هذا البلاء وتفني هذا الفناء لا رأسَ لها؟؟
    قال صاحبي: إنك لساذجٍ طيب القلب ومتى احتاج الوزراء إلى جهد أو عناء ليبلغوا من كثرة النواب ما يشاءون؟
    كوكب الشرق ١٤ – ٦ – ١٩٣٣

    موقعة

    رئيس وزرائنا مريض، نرجو أن يسرع إليه الشفاء، ولكن مرضه ليس مقصورًا عليه، بل هو يتجاوزه إلى الوزارة كلها التي لم تستطع أن تنشط، ولا أن تظهر أن لها حظًا من حياة قوية رغم ما أصابها من الوصل والترقيع، ويتجاوزه في رأي الأهرام على الأقل إلى البرلمان الذي يظهر بمظهر المريض المقعد. وقد قيل إن لمرض البرلمان، وهذا الشلل الذي جعله – كما تقول الأهرام – مقعدًا، مظاهر لا تخلو من عبرة وعظة. فهو يمهل حتى تكلف المراقبة لعمل السلطة التنفيذية، وهو يعجز عن مقاومة هذا الفتور الذي يصيبه ويملك أعضاءه كلهم أن ينهض بعمله التشريعي الخاص.

    زعموا أن الحكومة دفعت إلى السودان ثلاثة أرباع المليون تعويضًا لمن سيصيبهم الضرر من إقامة الخزان قبل أن تصدر الميزانية، بل قبل أن يقرها البرلمان، ودون استئذان للبرلمان في دفع هذا المقدار الضخم من المال لحكومة السودان.

    فإن لم يكن هذا حقًا فلا تفسير له إلا إحدى اثنتين. فإما أن يكون البرلمان مستعدًا أحسن الاستعداد للنزول عن حقوقه الدستورية للحكومة اعترافًا بجميلها عنده وفضلها عليه.

    وأنا أنكر هذا، وأراه بعيدًا، لأن البرلمان حفيظ على الدستور، لا ينزل عنه كله أو بعضه لإنسان كائنًا من كان، ومهما يكن له عليه من فضل أو جميل.

    وإما لأن مرض رئيس الوزراء قد أعدى البرلمان بعض الشيء، فأصابه هذا الفتور الشامل الذي يصيب المرضى والمقعدين، فتقصر ذاكرتهم، ويقل حظهم من الملاحظة والمراقبة لما يجري حولهم من الحوادث، وما هو بين أيديهم من المشكلات.

    وأكبر الظن إن صح هذا الخبر أن البرلمان لم يتعمد الإعراض عن هذا العمل الغريب من أعمال الحكومة، وإنما اضطره النسيان والضعف إلى هذا الإعراض والتقصير، فلعله ذاكر ما نسي، ومقبل على ما أعرض عنه، ومعنٍ بما فرط منه.

    ومن المحقق الذي لا شك فيه أن مجلس النواب قد أقر أمس قانونًا ينظم تعيين الأساتذة والمدرسين في الجامعة وتأديبهم، وأقر هذا القانون في جلسة واحدة، بل في جزء يسير جدًا من جلسة واحدة، وأقره فيما يظهر فاترًا عنه، مزدريًا له، كما يقر أيسر الأمور وأقلها خطرًا، مع أن هذا القانون هو قوام حياة الجامعة، وقد عنيت به الجامعة منذ اليوم الأول من أيامها، وعنيت به الحكومات المختلفة التي تعاقبت منذ أنشئت الجامعة، وثارت فيه مشكلات بين الجامعة والحكومات، لأنه المقياس الصحيح الدقيق الذي يحدد موقف الجامعة المستقلة من الدولة التي تحب أن تسيطر على كل شيء من الشؤون العامة.

    أقر مجلس النواب هذا القانون كما أرادت الحكومة القائمة أن يكون، في غير مناقشة ذات بال.

    ومعنى هذا أن مجلس النواب لم يحفل بهذا القانون، إما لأنه لا يحفل بأمر الجامعة، ولا يقدره، ولا يراه خليقًا بالدرس والتفكير، وإنه مستيقن أن الدرس والتفكير لا خير فيهما ولا نتيجة لهما، لأن الحكومة تريد شيئًا فيجب أن يكون ما تريد، والبرلمان مكلف أن يجيز ما تريد الحكومة في غير مناقشة ولا حساب.

    وأكبر الظن أن مجلس النواب بريء من هاتين الخصلتين؛ فهو يحب الجامعة ويرعاها، ويتتبع أمورها بدقة لا تعدلها دقة، ويدرس شؤونها بعناية لا تشبهها عناية، ولكنه يثق كذلك بالحكومة ثقة ليس مثلها ثقة. وإذن ففيم المناقشة؟ وفيم المحاسبة؟ وفيم إضاعة الوقت في المناقشة والحساب؟

    والمجلس مطمئن إلى أن الحكومة معصومة من الخطأ، معصومة من أن تريد بالبلاد إلا الخير، تحب الجامعة كما يحبها، وترعى الجامعة كما يرعاها، وتفهم الجامعة كما يفهمها. وإذن فأي معنى للحساب العسير أو اليسير بين قوم يتفقون في كل شيء ولا يختلفون في شيء؟

    ويقول بعض الذين لا يستطيعون أن يعيشوا إلا إذا ظنوا فأساؤوا الظن، وأولوا فأساؤوا التأويل، إن مجلس النواب قد شغل بانتخاب الوكيلين فأنفق فيه نشاطه كله، ولم يحتفظ لجدول الأعمال إلا بنشاط فاتر جدًا، فمر هذا الجدول أمام المجلس كما مر شريط السينما أمام جماعة ليسوا بالمستيقظين ولا النائمين، ولكنهم في منزلة حلوة لذيذة بين هذا وذاك.

    ويقول هؤلاء الناس الذين يسرفون في سوء الظن وفساد الرأي وقبح التأويل إن مرض رئيس الوزراء قد أصاب البرلمان فجعل نشاطه محدودًا، ويقظته محدودة. فمن الحق على رئيسي المجلسين أن يلاحظا هذه الحال في وضع جدول الأعمال، فلا يسرفا في إطالة هذا الجدول، ولا يلحا في استنفاده كله إذا طال.

    ويقول هؤلاء الناس أيضًا إن الأهرام تحدثت بأن رغبة أملتها بعض الجهات إملاءً على الهيئة الشعبية البرلمانية في انتخاب الوكيلين. وكان كثير من أعضاء الهيئة الشعبية فيما يظهر يريد أن يرد هذه الرغبة على صاحبها، ولكن صاحب هذه الرغبة فيما يظهر أيضًا لا يحب أن ترد عليه رغباته، ولا يريد أن يتردد أحد، ولو كان من حزب الشعب، في إنفاذ هذه الرغبات كما تنفذ الأوامر التي لا سبيل إلى مخالفتها أو الخروج عليها.

    ويقال إن أعضاء الهيئة الشعبية قد أنفقوا نشاطهم كله في المناقشة والجدال حول هذه الرغبة التي أذعنوا لها آخر الأمر، وضحوا في سبيلها بزعيم من زعمائهم هو الأستاذ وهيب دوس بك، ثم وصل الشعبيون إلى مجلس النواب متعبين مكدودين، فلم يستطيعوا أن يفرغوا لأمور الجامعة كما ينبغي، ولا سيما وقد كانت هذه الرغبة لا تكتفي بانتخاب الوكيلين من الحزبين، بل تريد أن يكون هذا الانتخاب في يوم معين هو أمس، وفي جلسة معينة هي جلسة أمس، وإن لم يكن هذا الانتخاب في جدول الأعمال، فقدم اقتراح وقبل وأنفذ، وأخذ المستقلون والمعارضون على غرة، وأخذت الجامعة على غرة أيضًا، فمر قانونها بسلام.

    ويقال إن الشعبيين الذين شغلوا بإكراههم على ما لم يكونوا يحبون، لم يفكروا في قانون الجامعة، ولن يفكروا فيه الآن، لأنهم عنه في شغل. أما الاتحاديون فقد سرهم أن يفوزوا بمنصب من منصبين، وسرهم أيضًا – بل سرهم بنوع خاص – أن يمر هذا القانون الاتحادي دون أن يحتاج وزير التقاليد أن يطيل عنه الدفاع.

    فمن يدري، لعله لو احتاج إلى ذلك لأثار حول الجامعة خصومة تشبه تلك الخصومة التي ثارت حول إعانة الأوبرا. ولمَ لا؟ إن إعانة الأوبرا وإنفاقها ونظام الأوبرا حق من حقوق السلطة التنفيذية في رأي وزير التقاليد، فلا ينبغي لمجلس النواب أن يعرض لها أو يدخل فيها. وكذلك أمر الجامعة؛ فتعيين الأساتذة والمدرسين وأعضاء هيئة التدريس وتأديبهم حق كذلك من حقوق السلطة التنفيذية.

    فلو قد ناقش أمس الأستاذ وهيب بك دوس لقيل له كما قيل له في قصة الأوبرا: هذا حق السلطة التنفيذية، فلا تعرض له ولا تخض فيه.

    ومن يدري، لعل الأستاذ وهيب دوس بك لم يكن يرضى هذا الجواب من وزير التقاليد، ولا سيما أمس وهو مغيظ محنق، وقد استقال من حزب الشعب مغاضبًا فيما يظهر على حزب الاتحاد، إذن لأثار الأستاذ في المجلس ثورة لا يعلم إلا اللّٰه إلى أين كانت تنتهي.

    وإذن فقد انتصرت الحكومة أمس في مجلس النواب انتصارًا لا فخر فيه ولا مجد، لأنه لم يحتج إلى دفاع ولا نضال، بل كان يسيرًا كجميع ما تناله الحكومة من ألوان النصر في البرلمان. وانتصر حزب الاتحاد انتصارين، ففاز بوكيل اتحادي، وأمضى قانونًا اتحاديًا. وأظهر حزب الشعب – إلا الأستاذ وهيب دوس بك – شيئًا من الجلد وضبط النفس، وانتظر فرصة أخرى لعلها تكون قريبة يظفر فيها بمنصب، ويمضي فيها قانونًا.

    وانجلت هذه المعركة الطويلة العنيفة عن وفاق ووئام وصلح وسلام بين الحزبين المؤتلفين. وأحصيت الخسائر فكانت يسيرة: خسر حزب الاتحاد أحد المنصبين، وخسر حزب الشعب أحدهما أيضًا، وخسر حزب الشعب فوق ذلك خسارة أخرى مشكوكًا فيها، وهي الأستاذ وهيب دوس بك، فقد يتوسل إليه في أن يسترد استقالته فيفعل.

    أما مصر فلم تخسر شيئًا يذكر، وإنما فرض عليها نظام للجامعة أقل ما يوصف به أنه يجعل الجامعة مدرسة من المدارس العادية. ويجب على مصر أن تحمد اللّٰه على أن لم تتجاوز خسارتها هذا الحد.

    كوكب الشرق ٢٢ – ٣ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    درس…

    درس قيم ممتع، فيه جد وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بد من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقوه، بعد أن فسدت قلوب، وساءت نفوس، واختلطت الأمور على بعض الناس، فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.

    والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له. ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه، فالحوادث تحسن إليهم حين تذكرهم من حين إلى حين بما نسوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًا ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًا ولا خيرًا.

    نعم كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي ألقي أول أمس، ولم يكن بد من إلقائه، لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه، وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون، ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه ألقي في مجلس الشيوخ، ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به، والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.

    شق عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شق عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجوا من هذه الشدة، ولجأوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير، ولجأوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجأوا إلى النواب فأظهروا ميلًا إليهم، وعطفًا عليهم، ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدوا في التحمس، وهيأوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية، ولكن كثرة من النواب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع، لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.

    فلما أمضي القانون في مجلس النواب فرح الطلاب وابتهجوا، وظنوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا، ولم لا؟ قانون يمضيه مجلس النواب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له، وإن كرهت إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النواب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط، كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف، ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكن الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النواب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعرض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره، لأنها لم تجتمع، أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًا أثير، فنام له القانون نومًا عميقًا، وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك، فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدوا فيه. وتفرق الطلاب أمس، وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضى، والرجاء ينعم نفوسهم غبطة وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنًا لا يكاد يفكر في الطلاب، ولا في النواب، ولا في القانون. وألقي الستار، وهدأ كل شيء، إلا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يغاثون.

    كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا، ولكن كل هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشؤون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها، لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا، كما قضى مسرعًا في أمر القناطر، التي يراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غد، ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان، كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص، لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير، هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا. هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا. هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد، والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون، ويقال إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.

    ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير، ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصا على ارضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم لا يريدون على أن يقولوا لكم كلامًا، قد يحسن موقعه في النفوس ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.

    لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنة متصلة وبلاء مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر، واحتمالًا لا يعرف الضعف، وإيثارًا للوطن وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.

    قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النواب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا أنها تغلق في وجوهكم إغلاقًا.

    عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير، حتى يبدل الله عهدًا بعهد، ويأتي قوم مكان قوم، وينقل الحكم من أيد إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيز علينا أن يحزن الطلاب وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يفرض عليهم الجهد الثقيل سنة أخرى، ولكن رب حزن يحمل في طياته العزاء، ورب يأس مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء. فليصبر الطلبة وليتعظوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.

    طه حسين
    الوادى، ٣٠ يونية ١٩٣٤.

    جهد
    جهد ضائع هذا الذي تنفقه الوزارات والبرلمانات في وضع القوانين ودرسها وتمحيصها في مكاتب الوزراء، وفي اللجان الوزارية، ثم في هيئات الفقهاء، فمجلس الوزراء، فالمجالس النيابية، مادام احترام هذه القوانين والنزول عند ما تريد أمرا ليس مقطوعا به، بل ليس مرغوبا فيه. فالرجل العاقل لا يأتي ما يأتي من الأمر عبثا، وإنما يعمد إليه لأنه يريده وهو يريده لأنه يلتمس من ورائه تحقيق غرض والانتهاء إلى غاية. فأما أن توضع القوانين وتشرع لا لشيء إلا أنها توضع وتشرع، فهذا لون من ألوان العبث لا أفهم كيف يقصد إليه العقلاء، وكيف يتورطون فيه. والأمر في القوانين التي تشرع ثم لا تحترم ليس مقصورا على العبث السخيف وحده، بل هو يتجاوز ذلك إلى أشياء أخرى خطيرة قبيحة، ألا ترى في حياة الناس شديدة الخطر على ما بينهم وبين حكوماتهم من صلة؟ فليس أشد خطرا على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وليس أقبح أثرا في الصلة بين الوزارات والشعوب من أن تؤمن الأمم بأن الحكومات تعبث بها، وتهزأ بمرافقها، وتشرع القوانين، ثم لا ترعى لها حرمة، ولا تنزل لها عند إرادة أو حكم.

    نحب أن نعلم فيمَ غُيِّر قانون الجامعة، وفيمَ تكلفت الوزارة والبرلمان ما تكلفا فيه من جهد، وفيمَ اتفقت الوزارة والبرلمان ما اتفقا فيه من وقت إذا لم يكن الغرض الأول من شرع هذا القانون إنما هو تنفيذه وتسيير أمور الجامعة على مقتضاه؟ لقد كنا ننكر تغيير القانون القديم، ونرى فيه هدما لاستقلال الجامعة، ومحوا لحقها في الحرية، وقضاء على شخصيتها العلمية. وكنا نلوم الوزارة على هذا التغيير، ونشتد في اللوم، وكنا نلوم البرلمان على إقرار هذا التغيير. وكنا نلوم الجامعيين في السكوت على هذا التغيير ونشتد في اللوم. فقد ظهر الآن أننا كنا مخطئين أشد الخطأ، لأن القانون الجديد بعيد كل البعد عن أن يرضي حاجة الوزير إلى العبث بالجامعة. فلابد من تغييره هو أيضا، وظهر أن هذا القانون يضيق من سلطان الوزير على الجامعة، ويضطره إلى مواقف يحسن ألا يضطره إليها. فلم يغير الوزير إذاً قانون الجامعة كما ينبغي، ولم يوفق البرلمان حين أقر هذا التغيير، بل كان ينبغي أن يطلب منه المزيد حرصا على حق الوزير وسلطانه. ولم يوفق الجامعيون حين سكتوا على هذا التغيير لأنه لا يبلغ من إذلالهم ومحو حريتهم مقدار ما يطيقون. فهم يطيقون أكثر مما أطاقوا إلى اليوم وهم يحتملون أكثر مما احتملوا إلى اليوم. وقد قام الدليل على هذا كله في هذه القصة الطريفة الظريفة، قصة اختيار العميد لكلية العلوم!!

    كان القانون القديم يجعل للوزير حق اختيار العميد بين الأساتذة ذوي الكراسي بعد أن يستشير مجالس الكليات، وكان رأي مجالس الكليات لا يقيد الوزير، فكان من حقه أن ترشح له الكلية زيدا فيختار هو عمرا. ولكن وزراء المعارف لم يستمتعوا قط بهذه الحرية، بل نزلوا دائما عند اختيار مجالس الكليات فعينوا من اختارتهم هذه المجالس. لم يشذ منهم أحد في ذلك.

    فلما كان وزير التقليد وأراد أن يغير نظام الجامعة، خيل إليه أن تغيير هذا القانون فيما يمس انتخاب العميد بسطا لسلطانه، فجعل لمجالس الكليات الحق في أن ترشح له ثلاثة من الأساتذة ذوي الكراسي، على أن يختار هو من بين هؤلاء الثلاثة واحدا ليس له أن يعدوهم في الاختيار. وأُنفِذ القانون في كليات الطب والحقوق والآداب، فرشحت كل واحدة منها ثلاثة واختار الوزير العمداء لهذه الكليات بين هؤلاء المرشحين.

    فلما كان انتخاب العميد لكلية العلوم، ظهرت مشكلة لم يصبر لها الوزير ولم يخلص منها إلا بمخالفة القانون، ولما يمض على صدوره شهر. اجتمع مجلس كلية العلوم ورشح ثلاثته، فكانت نتيجة الانتخاب السري أن أقصي العميد الإنجليزي السابق وقدمت الكلية ثلاثة من المصريين. ولم يشك الجامعيون حين ظهرت هذه النتيجة في أن الوزير سيضيق بها، ولكنهم لم يقدروا أنه سيضعف عن احتمالها، وسيتجاوز حدود القانون الذي وضعه هو ودافع عنه هو أمام البرلمان، وزعم أنه يحقق استقلال الجامعة، ويرعى حرمتها، ويحفظ لها الكرامة التي ينبغي أن تُحفَظَ للجامعات. ولكن عمل الوزير أثبت أن الجامعيين كانوا واهمين أشد الوهم، مخطئين كل الخطأ. فقد ضاق الوزير بنتيجة الترشيح كما قدروا، ولكن ثقل هذه النتيجة ناء به، وناء بالجامعة معه أيضا. زعموا أنه كلف مدير الجامعة بالنيابة أن يُقْنِعَ هؤلاء المرشحين المصريين بأن ينزلوا كلهم أو بعضهم عن هذا الترشيح ليعاد الانتخاب ويُنفَّذَ العميد السابق بين المرشحين. وقبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف لأنه يلائم القانون، ويلائم كرامة الجامعة وحرمة الجامعيين، ويحقق للجامعة استقلالا لا شك فيه. قبل مدير الجامعة بالنيابة هذا التكليف، وأنفذ مدير الجامعة بالنيابة هذا الأمر فيما يقال، ودعا إليه هؤلاء المرشحين فحاورهم، وجادلهم، ولكنه لم يبلغ منهم شيئا. هنالك دعاهم الوزير فيما يقال أيضا، فحاور وجادل واشتد في الحوار والجدال، وزعم الزاعمون أن الأمر انتهى به إلى الوعيد والتهديد، وذكر النقل والتشريد. ولست أدري كيف انتهى الحوار، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الانتخاب الأول أُلغي وأعيد مكانه انتخاب جديد نُفِّذَ فيه العميد الإنجليزي السابق. ولم تكد نتيجة الانتخاب الثاني تُرفَع إلى الوزير حتى اختار العميد الإنجليزي السابق فعينه عميدا جديدا لكلية العلوم وجعل إليه أمور هذه الكلية لثلاثة أعوام تبدأ منذ أمس.

    في هذه القصة عبر كثيرة فيها تجاوز هذا القانون الذي وضعه الوزير نفسه ودافع عنه. وليس لهذا التجاوز مصدرًا إلا إرضاء الإنجليز أو اتقاء غضب الإنجليز. وفي هذا دليل لا يقبل الشك ولا يحتمل الريب على أن وزارتنا مستقلة لا تحفل بالإنجليز ولا تؤبه لهم ولا تحسب لهم حسابا.
    أليس رئيسها هو الذي رد على ماكدونالد ذلك الرد التاريخي الخالد؟ وفيها أن مدير الجامعة بالنيابة قبل أن ينفذ أمر الوزير، فطلب إلى المصريين أن يتخلوا عن ترشيحهم لزميل إنجليزي، وألح عليهم في هذا إن صح ما قال الرواة. فكان هذا دليلا ساطعا ناصعا على أن الجامعة تحرص على حقها وتحتفظ بكرامتها وترعى حرمة قانونها، وهي بذلك تكره الوزراء على أن يكبروها ويحترموها ويحرصوا لها على الاستقلال!!
    وقام الدليل الساطع الناصع أيضا على أن الجامعة تشعر بالقومية المصرية شعورا قويا رهيبا يضطرها إلى أن تطلب إلى الأساتذة المصريين أن يتنحوا عن منصب العميد للأساتذة الإنجليز…. وفيها عبرة ثالثة هي أن الأساتذة المصريين ليسوا أقل احتراما لقوانين الجامعة واستقلالها، ولا أقل شعورا بالقومية المصرية وكرامتها، من مدير الجامعة بالنيابة، ومن وزير المعارف، فقد قبلوا أن يخالف القانون، وقبلوا أن يتنحوا للإنجليز وقبلوا أن يعاد الانتخاب، وقنع مرشحهم الأول لمنصب العميد بأن يكون وكيلا لهذا العميد الإنجليزي.

    ثم يُتَّهم المصريون بعد ذلك بأنهم متعصبون يضيقون بالأجانب ويؤثرون أنفسهم بالخير من دونهم. وفيها عبرة أخرى وهي أن المصريين لن يفوزوا بشيء، ولن يصلوا إلى شيء مادام وزراؤهم يقدرونهم على هذا النحو، وماداموا هم يقدرون أنفسهم على هذا النحو، ومادام خاصتهم وهم الجامعيون أشبه شيء بالعجينة المرنة يصورهم أصحاب السلطان كما يشاءون.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ١ يونيو ١٩٣٣.

    تجربة
    ليس في نجاحها شك ولا ريب، فيجب أن تستغل إلى أقصاها، وهي هذه التجربة التي عمد إليها رئيس الوزراء ليتبين ويتبين الذين يؤيدونه: أيمكن أن تجري الأمور في مصر على وجه من الوجوه دون أن تكون فيها وزارة قائمة؟ عمد رئيس الوزراء إلى هذه التجربة فنجحت نجاحًا باهرًا، لا مراء فيه! سافر في الصيف الماضي وسافر بعده بقليل جماعة من زملائه الوزراء، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تزدد الأزمة الوزارية تعقداً، ثم عاد وعاد معه زملاؤه الوزراء، فلم يزدد الأمن استقراراً، ولم يزدد النظام ثباتاً، ولم تتقدم الأزمة الاقتصادية خطوة قصيرة أو غير قصيرة في سبيل الانفراج. ثم أرسل رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا رئيس الوزراء جماعة من أصفيائه ومن أصدقائه إلى مكاتب الوزراء فلم يتغير من أمر مصر شيء.
    ثم مرض رئيس الوزراء، وأعجزه المرض عن النهوض بأعباء الحكم والاستقلال بأثقاله، بل عن التفكير فيه، فلم يضطرب أمن، ولم يفسد نظام، ولم تشتد أزمة، ولم يتغير من أمر مصر شيء. ثم رد رئيس الوزراء جماعة من زملائه إلى بيوتهم ودعا مكانهم جماعة من أوليائه وأصفيائه، فلم يتغير من أمر مصر شيء، ثم ظل المرض ثقيل الوطأة على رئيس الوزراء يمنعه من تصريف الأمور كما ينبغي، وألمَّ المرض بوزير الخارجية فلم يتغير من أمر مصر شيء. ثم يسافر رئيس الوزراء بعد غد إلى أوروبا ليستشفي، ويسافر ثلاثة من الوزراء إلى أوروبا ليلهوا ويتروضوا، ويسافر وكيل المالية وكبير المستشارين الملكيين ليشتركا في المؤتمر الاقتصادي، ولن يتغير من أمر مصر شيء.
    وإذن فقد نجحت التجربة نجاحاً باهراً، لا سبيل إلى المراء فيه، وإذن فيجب أن تكون لنا عقول تعي، وقلوب تشعر، وشجاعة تمكننا من إعلان ما نرى، والدعوة إلى ما نعتقد، والجهر بأن هذه التجربة لا ينبغي أن تذهب عبثاً، بل لا بد أن نعتبر بها ونستفيد منها. ونقترح في جرأة وحزم أن تستغني مصر عن الوزارات، وأن تقتصد ما تنفقه على هذه المناصب والذين يشغلونها من نفقات أساسية وإضافية، ومن نفقات ظاهرة وأخرى خفية، فإن الرجل العاقل، والشعب العاقل لا ينبغي أن ينفقا أموالهما إلا إذا لم يكن من إنفاقها بد، أو إذا كان في إنفاقها شيء من اللذة والنفع له خطره الذي يدعو إلى أن ينفق المال عليه.
    وقد أقام رئيس الوزراء ووزارته الدليل على أن أمور مصر تستطيع أن تجري دون أن ينهض بها الوزراء! فليست الوزارة إذن أمراً لا بد منه في مصر، فلا ينبغي أن تنفق في سبيله الأموال! وما نظن أن مصر تجد لذة قوية، أو منفعة ظاهرة في أن تكون لها وزارة كما لغيرها من البلاد وزارات! وإذن فليست الوزارة ترفاً خليقاً أن نطمع فيه، أو نتهالك عليه، أو تنفق في سبيله الأموال، وما نظن أن مصر شديدة الحرص على أن تمنح وزراءها ما تمنحهم من المرتبات لينعموا هم ويشقى أبناؤها. وما نظن أن مصر شديدة الحب لوزرائها هؤلاء، تؤثرهم بالعطف والبر، وتصفيهم بالمودة والخير، وتنفق عليهم هذه الأموال الضخمة التي تستطيع أن تنفقها على آلاف من الجياع وأشباه الجياع الذين يتفرقون في أقطار الأرض، وتلم بهم الكوارث وتعبث بهم الخطوب، ويزورهم المرض المهلك، ولعله لا ينصرف عنهم حتى يصطحبهم معه ليقدمهم هدية أو قربانًا إلى الموت!
    وأنت تستطيع أن تمضي بهذا التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فمصر لا تستطيع أن تستغني عن الوزراء وحدهم، ولكنها تستطيع أن تستغني عن عدد ضخم من الرؤساء وكبار الموظفين، هؤلاء الذين يغيبون فلا يفسد شيء، ويحضرون فلا يصلح شيء. هؤلاء الذين يلم بهم المرض فتستقيم الأمور، ثم تعود إليهم العافية فتستقيم الأمور. هؤلاء الذين يختلفون إلى دواوينهم إذا ارتفع الضحى، وينصرفون عنها إذا أقبل الظهر، ويجلسون في مكاتبهم باسمين، يتحدثون إلى الأصدقاء من قريب ومن بعيد، ويظهرون سلطانهم على طائفة من الموظفين، وعلى طائفة أخرى من الخدم، ويدبرون بالتليفون مرة وبالمناقشة مرة أخرى. وهم إذا أقبل المساء، أو تقدم الليل! تستطيع مصر أن تستغني عن الوزارة أو أن تستغني عن عدد ضخم من هؤلاء الرؤساء وكبار الموظفين.
    بل أنت تستطيع أن تمضي في التفكير إلى أبعد من هذا المدى، فقد عاشت مصر من غير وزارة إلى آخر القرن الماضي، وعاشت من غير هذا العدد الضخم من كبار الموظفين إلى أواخر القرن الماضي أيضاً، وعاشت من غير برلمان إلى أن تقدم هذا القرن الذي نحن فيه والمصريون إذا سألتهم عن رأيهم في حياتهم الحاضرة، وفي حياتهم بعد تأليف الوزارات، وبعد إنشاء المناصب الكبرى، وبعد إنشاء البرلمان، أجابوك بأن الفرق بين هاتين الحياتين ليس عظيماً، ولعله إلى الشر أقرب منه إلى الخير، فقد كانوا في حياتهم الأولى أشقياء وهم يعلمون أنهم أشقياء، مستعبدين وهم يعلمون أنهم مستعبدون. أما الآن فهم أشقياء ويقال لهم إنهم سعداء، وهم مستذلون ويقال لهم إنهم أحرار.
    فمحنتهم الآن مضاعفة، لأنها تمس حياتهم، وتمس تقديرهم لهذه الحياة، وشقوتهم الآن مضاعفة لأنهم كانوا في العصور الماضية يشقون وليس لهم في السعادة أمل، أما الآن فهم يشقون ويأملون، ولا يجدون إلى تحقيق آمالهم سبيلاً.
    وفيمَ إنشاء الوزارات والمناصب والبرلمانات إذا لم تكن هذه الوزارات والمناصب والبرلمانات وسائل إلى إسعاد الشعب وإصلاح أمره، وإشعاره بأنه كان شقياً فسعد، وكان ذليلاً فعز، وكان عبدًا فأصبح حراً، ومن ذا الذي زعم أن الوزارات تنشأ ليستمتع بها الوزراء فيقيموا مترفين، ويسافروا مترفين؟! ومن الذي زعم أن المناصب الكبرى تنشأ ليتخذها أصحابها وسيلة إلى الترف والنعيم؟! ومن ذا الذي زعم أن البرلمانات تنشأ ليسود النواب والشيوخ، ويخطب النواب والشيوخ، ويقبض النواب والشيوخ مكافآتهم آخر الشهر، ويظل الشعب من الذلة والشقاء وسوء الحال حيث كان؟!
    كلا ليست مناصب الحكم غايات، وإنما هي وسائل، فإذا استحالت إلى غايات وجب أن تزول، وإذا استحال أكثرها أو أقلها إلى أشياء لا تنفع ولا تفيد وجب أن تزول، وليست المسألة في حقيقة الأمر أن يقال إن في مصر مناصب أو ليس فيها مناصب وإنما المسألة أن يقال إن هذه المناصب نافعة للشعب فتبقى، أو غير نافعة للشعب فتزول.
    في هذا الاقتراح شيء من الجرأة، ولكني أتحدى كل مصري منصف له ضمير حسَّاس، وقلب زكي، وأسأله أيَتحدث بهذا كله إذا خلا إلى نفسه أم لا؟ أيشكو من هذا كله إذا خلا إلى أصفيائه أم لا؟ وأنا واثق بأنه لن يستطيع أن يجيب: لا، بل هو مضطر إلى أن يجيب نعم، وإذن فنحن نُكرَه على هذا اللون…؟ من ألوان الحضارة الأوروبية إكراهاً. ولسنا أعداء لهذه الحضارة الأوروبية، بل نحن نحب منها الشيء الكثير، ونحرص منها على الشيء الكثير، ولكن بشرط أن نختاره نحن، لا أن يختار لنا، وأن نسيره نحن، لا أن نسير فيه، وأن نلائم بينه وبين حاجتنا ومنافعنا، لا أن تضيع في سبيله حاجتنا ومنافعنا.
    وإذن فليخط رئيس الوزراء خطوة أخرى جريئة صريحة، يردنا بها إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الوزارات والمناصب والبرلمانات. إنه إن يفعل يحفظ علينا كثيراً من أموالنا الضائعة، وهو إن يفعل يرحنا من كثير من هذه الآمال المتعبة، وهو إن يفعل يزل عن مصر شراً كثيراً، شر التنافس حول المناصب، والتهالك على الوظائف، والتضحية بالمنفعة العامة في سبيل المرتب والمكافأة، وفي سبيل الجاه والسلطان، وهو إن يفعل يجنبنا كثيراً من مواطن الفساد الخلقي والسياسي الذي كدنا ننتهي منه إلى ما لم ينته إليه غيرنا من الشعوب!
    ولكن رئيس الوزراء لن يفعل من هذا شيئاً، لأنه لن يلغي منصبه بيده، ولن يمحو سلطانه بيده، ولن يرد نفسه رجلاً من الناس بعد أن أصبح عظيماً يقيم فترزقه الدولة، ويرحل فترزقه الدولة، ويمرض فترزقه الدولة! لن يفعل رئيس الوزراء شيئاً مما تطلب إليه، فلا بد إذن من أن تحتمل كما احتملنا، ومن أن تصبر كما صبرنا، ومن أن تؤمن بأن لنا وزارة وإن لم نكن في حاجة إليها حتى يأذن الله بأمر من عنده.
    ومن يدري لعل هذا الأمر أن يرد كل شيء إلى نصابه، وأن يعطي مصر وزارات تثبت أن لها نفعاً وغناءً، ووزراء يؤمنون بأنهم لم يتولوا المناصب لينعموا بها، بل ليحتملوا فيها الجهد والعناء في سبيل هؤلاء الذين رفعوهم إلى هذه المناصب، وألقوا عليهم أمانتها الثقيلة.
    من يدري؟ لعل هواء أوروبا لا يمس رئيس الوزراء حتى يشعره بأن من العسير عليه أن يجمع بين الراحة التي يحتاج إليها، والتعب الذي لا يقدر عليه، فيريح نفسه حقاً، وإن في راحته الصحيحة لراحة لمصر..!
    كوكب الشرق ١٤ — ٥ — ١٩٣٣

    جنون
    هو فنون من غير شك، فمنه الهادي المطمئن، ومنه الهائج الحاد. ومنه الوادع الأنيس ومنه النافع الجامح. ومنه ما يكون في الصمت ومنه ما يكون في الكلام. ومنه ما يكون في السكون والاستقرار، ومنه ما يكون في الحركة والاضطراب. ومنه ما يكون ضحكا، ومنه ما يكون بكاء. ومنه ما يكون فنونا أخرى لا سبيل إلى إحصائها إلا أن تقرأ كتب الأطباء، أو تسأل القائمين على المجانين في سراي العباسية، تلك التي ذكرها أحد النواب أمس والتي زعم أنها تخرج لمصر سادتها وقادتها الذين يشرفون على أمورها، ويدبرون مرافقها هذه الأيام.
    لا يعجب القراء، ولا يغضب النواب، ولا تسخط الحكومة، ولا تنشط النيابة. فأقسم ما ذكرت الجنون ولا فكرت فيه، وما كنت لأذكره الآن أو أفكر فيه لولا أني قرأت صحف الصباح فإذا بطل من أبطال النواب يخطب في الاستجواب، فيشدد الحساب، ويدخل من كل باب حتى إذا انتهى إلى الأزمة وما تحتمل مصر من أثقالها وتلقى من أهوالها. وذكر الصيارف وأمر الصيارف، وذكر شدة الحكومة في جباية الضرائب، وتجشم الفلاح للخطوب، واحتماله للكروب، وصبره على المكتوب، لم يشك في أن الذين يخضعونه لهذه المحن ويبتلونه بهذه الفتن، إنما هم من خريجي سراي العباسية، ثم استنزل رحمة الله وعفوه ورضاه على سيده ومولاه قراقوش. فلست أنا الذي ذكر الجنون وفنونه. ولست أنا الذي ذكر قصر العباسية وأضيافه ولكن من حقي فيما أظن إذا جرت ألسنة النواب بمثل هذا الكلام أن أقف عنده، وأتبين معناه وأدل الناس على خفاياه، وإلا فليحظر على الصحف أن تشهد المجلس وتنشر أخباره، وتذيع أسراره، ولتجعل مضابط المجلس أمورا مكتومة وكتبا مختومة، لا يظهر عليها إلا الأصفياء، ولا ينظر فيها إلا الأولياء. ومهما يكن من شيء فإن نائبا من
    النواب قد وصف نفسه وزملاءه ووصف الوزراء وأعوان الوزراء بهذا الوصف الذي أكبره وأنكره، وهو الجنون!
    ومهما يكن من شيءٍ، فالنائب بين أمرين، كلاهما شر، وأحلاهما مر. فهو إن يصدق، وأعوذ بالله من أن يصدق، كانت أمور مصر إلى قوم لا ينبغي أن تكون إليهم. وهو إن يقل غير الحق، وأرجو أن يكون قد قال غير الحق، جعل أمور مصر إلى قوم يسرفون في سوء الظن بأنفسهم حتى يصفوها بالجنون، ويقولوا فيها ما لو قاله خصومهم لتفتحت لهم أبواب السجون. وما كنت أحسب أن لهب الخطابة ولظى البيان يشتدان حتى يدمرا كل شيء، ويلتهما كل شيء، ويطوعا لنائب من النواب أن يصف الدولة ورجالها بالجنون من أعلى المنبر في مجلس النواب!
    والغريب الطريف أن الصحف لم تصور لنا مجلس النواب هائجا مائجا، ولا ثائرا فائرا لهذا الوصف، وإنما صورته هادئا مطمئنا، يسمع وكأنه لا يسمع، ويفهم وكأنه لا يفهم، ويمر بكلام هذا النائب، أو يمر به كلام هذا النائب فلا يفكر فيه، ولا يقف عنده، ولا يلتفت إليه مع أنه قد هاج وماج، وثار وفار، وقر ثم دار حين ذكر نائب آخر منذ أيام كلمة «الهمج» فلنسجل لمجلس النواب أنه قد عرف الحلم بعد الغضب، وآثر الأناة على الثورة والاضطراب، واصطنع العفو والصفح في مواضع كان قد تعود أن يصطنع فيها حب البطش، والرغبة في الانتقام. أفتراه قد استمع لنا، وانتفع بما قدمنا إليه وإلى غيره من موعظة فتجنب ضيق النفس وحرج الصدر، وصبر حتى على وصفه بالجنون؟! على أن من إنصاف المجلس أن تلاحظ أنه لم يصطنع هذا الصبر طوال جلسة أمس، فقد ضج وعج، وهم أن يثور حقا، ولكن لا غضبا لنفسه، بل غضبا للحكومة، ولا دفاعا عن نفسه، بل دفاعا عن الحكومة. فقد ضج المجلس حين ذكر بعض الخطباء أن الذين أدوا ما طلب إليهم من الضرائب إنما فعلوا تخلصا من هذه السياط التي كانت تعمل في ظهورهم، فقد أشفق النواب على الحكومة أن توصف بتعذيب الناس، وأخذهم بالسوط والعصا ليؤدوا إليها ما تقتضيه من الأموال. وكثير أن يكون للمعارضة صدى في مجلس النواب، وكثير أن يقول النواب أمس للحكومة ما تقوله صحف المعارضة
    في كل يوم من أنها تعمل السياط في الظهور، وتتخذ العذاب وسيلة إلى جمع الضرائب، وكثير أن يسجل هذا في محضر الجلسة، وليس غريبا أن يضج له النواب، وإنما الغريب أن يقفوا عند الضجيج، وألا يهموا بإسكات الخطيب، أو إخراجه، أو حذف كلامه من المحضر، وأغرب منه ألا يثور الوزراء، ولا يقول قائلهم للخطيب: اسكت، ولا يعلن معلنهم إلى المجلس أن الحكومة غاضبة فمحتجة فمنسحبة من الجلسة، إلا أن يكون الاعتذار.
    لم يحدث شيءٍ من هذا، بل أغضى المجلس عن وصفه بالجنون، وغضب المجلس للحكومة في اعتدال، وأغضت الحكومة عن اتهامها بالتعذيب. وكل هذا دليل واضح على أن صدر المجلس قد أخذ يتسع، وحدة المجلس قد أخذت تلين، وأكثر من هذا كله أن النائب الذي وصف الدولة ورجالها بالجنون قد التفت إلى الأمة فدعاها إلى الثورة، ولامها على الهدوء، وأنبها أشد التأنيب على الإخلاد إلى الدعة، والحرص على استقرار النظام مع هذه الشدة التي تلقاها، والنار التي تصلاها، فسكت له المجلس، وسكت له الوزراء، ومضى النائب حتى أنذر بالداهية، والنار الحامية، والثورة التي إن هبت لم تدع شيئا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وخوف النواب والوزراء من هذا الخطر الداهم، والشر المنكر، ومن يقظة الفلاح الذي ينام الآن ويوشك أن ينفجر كأنه البركان، ويوشك أن يزحف حتى إذا بلغ نوافذ النواب والوزراء صاح بهم كما كان يصيح الباريسيون في أول الثورة الفرنسية «الخبز، الخبز».
    كل هذا قيل أمس، وقاله نائب، وقاله في مجلس النواب، وسمعوا له النواب والوزراء فسكتوا له وصبروا عليه، ونشر في الصحف صباح اليوم، ولن ينقضي النهار حتى تبثه الصحف في أرجاء مصر كلها فيقرأه هؤلاء الفلاحون الذين يلامون على الهدوء، ويدعون إلى الثورة. والله وحده قادر على ألا يثيرهم هذا الكلام فيبعثهم على ما يدعوهم إليه النائب، ويغريهم به من خروج على النظام، وزحف على القاهرة، وتجمهر تحت نوافذ مجلس النواب يطالبون بالخبز الذي يحتاجون إليه ويستعدون على الجوع الذي يحرقهم تحريقا.
    كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن أغضوا عن شدة النائب وحدته، وأن صبروا على وصفه إياهم بالجنون، وعلى دعائه الشعب إلى الثورة وتخويفه إياهم عواقب هذه الثورة. كان حسنا جدا من النواب والوزراء أن يسمعوا هذا كله فيصبروا عليه ويغضوا عنه، ولكن هناك شيئا آخر كان خيرا من هذا الإغضاء، وأنفع للشعب، وأجدى عليه من هذا الصبر، وهو أن يشعر النواب والوزراء شعورا صحيحا بحاجة الشعب إلى الرحمة له والرفق به، والترفيه عليه، فيقبلوا الاستجواب، ويحققوا ما كان يطلب المستجوبون، ويخفضوا الضرائب، ويرفعوا عن الشعب بعض ما يحتمل من الأثقال. كان هذا خير ألف مرة ومرة من الصفح والإغضاء، ومن الصبر والإعراض لأنه هو الذي يفيد حقا، وهو الذي يشعر الناس حقا بأن النواب والوزراء يرعون مصالحهم ويرثون لآلامهم، ويريدون أن يخففوا عنهم بعض ما يجدون من الآلام.
    نعم كان هذا خير ألف مرة ومرة من هذا الحلم الذي أظهره النواب والوزراء أمس، فإن الناس خليقون ألا يقدروا لهم هذا الحلم، ولا يسجلوا لهم فضله، فهم إنما يحلم بعضهم على بعض، ويعفو بعضهم عن بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، وماذا يعني الشعب التعس البائس أن يرفق النواب بالنواب، ويبر النواب بالنواب، وهو جائع يضنيه الجوع، وبائس ينهكه البؤس، ومريض يوشك المرض أن يقضي عليه.
    كان خيرا ألف مرة ومرة للشعب ألا يؤثر النواب حلما ولا صفحا، وأن ينتهي هذا الاستجواب بتخفيف شيءٍ من أعباء الحياة عن هؤلاء الناس الذين عجزوا عن احتمال الحياة، ولكن النواب والوزراء لم يفكروا في هذا، ولكن النواب والوزراء لم يقدروا هذا، وإنما كان الأمر بينهم حربا كلامية، اشتد فيها العنف الصادق أو المتكلف حتى بلغ أقصاه، ثم انتهى بانتصار الحكومة، وشكر النواب لها، وبقاء الشعب حيث هو كما هو، ترهقه الضرائب وتثقل عليه أعباؤها، وتسعى إليه جيوش المرض والجوع والحرمان. وتظلم في وجهه الحياة، وتتقطع به أسباب الأمل.
    فليهنأ النواب والوزراء بانتصار المنتصر، وانهزام المنهزم، وبراعة الخطباء، وحلم الحلماء، وصبر الصابرين. وليتعز الشعب البائس التعس، فلم ترفع عنه
    هذه الحرب ثقلا، ولم تحط عنه هذه الحرب عبئا، ولم تبسط له هذه الحرب أملا.
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس فستجبى منه الضرائب هذا العام كما جبيت منه في العام الماضي، وسيلقى في أدائها هذا العام أضعاف ما لقيها في العام الماضي، لأن عسره في هذا العام أضعاف عسره في العام الماضي.
    ليتعز هذا الشعب التعس البائس فما زالت المحنة محدقة به، ملحة عليه، والله يعلم أتُستخدم السياط هذا العام كما استخدمتها في العام الماضي. والله يعلم أتُفتح السجون هذا العام كما فتحتها في العام الماضي؟ والله يعلم أبقي في طاقة الشعب ما يمكنه من الصبر ويعينه على الاحتمال؟..
    ليتعز هذا الشعب البائس التعس، أو ليعرض عن العزاء، ليصبر هذا الشعب البائس التعس أو ليعجز عن الصبر، فليس للشعب خطر حين يتعزى وحين يجزع، وليس للشعب خطر حين يصبر وحين يبلغ منه اليأس ما دام النواب يخطبون فيبرعون في الخطابة، ويختصمون فيتفوقون في الخصام، وينتهي الأمر إلى أن تظفر الحكومة بالشكر، وتنصرف الحكومة، وإن لواء الانتصار ليخفق على رؤوس الوزراء!!
    كوكب الشرق ٦ — ٦ — ١٩٣٣

  • ضعف فى ثوب القوة | Weakness Dressed as Strength: The Sidqi Cabinet’s Survival Tactics

    ذوق

    للظروف السياسية ذوق كثير جداً، دقيق جداً، شديد الحس، شديد التأثر، شديد التفكير في غد، شديد الملاحظة لما قد يقال، شديد الخوف مما قد يقال، شديد الحرص ألا يظن بأصحابه إلا الخير، ولا يقال فيهم إلا الخير، وهذا الذوق فيما يظهر يجب أن يعتبر بين المؤثرات القوية في حياتنا السياسية، ولعله أشد المؤثرات عملاً في بقاء الوزارة القائمة إلى الآن، ولعلنا لا نغلو ولا نسرف ولا نجانب الصواب إن قلنا إن هذا الذوق هو الذي أبقى الوزارة القائمة بعد حوادث البداري حين فسد من حول هذه الوزارة كل شيء، وتحلل من حولها كل شيء، وساء بها ظن الأصدقاء، وقبح فيها رأي الأولياء، وتنكر لها حتى أقطابها ودعائمها، وزلزلت بها الأرض، وأظلمت في وجهها السماء، وقال القائلون إنما هو يوم أو بعض يوم حتى يكشف الضر، وتنجلي الغمرة، ويقر الحق في نصابه، ويرد الأمر إلى أهله، ويزول عن مصر هذا السلطان الذي سجل عليه القضاء اتخاذ العذاب وسيلة من وسائل الحكم، وما كان أحد يقدر أن رئيس الوزراء سيستقل بأعباء الحكم بعد أن تخفف من ماهر باشا ودوس باشا وعبد الفتاح باشا يحيى، لولا الذوق، هذا الذوق الكثير الدقيق الحساس الذي أبى أن تختم التجربة بمأساة البداري، وأن تنتهي الحياة السياسية لرجل كصدقي باشا بهذه القصة المزرية المخزية، فأعيد تأليف الوزارة، وأقر رئيس الوزراء في منصبه وانتظرت به الأحداث فرصة أنقى وأنصع من هذه الفرصة يخرج فيها من الحكم بادي النقاء، بادي الصفاء. وما هي إلا أسابيع حتى يلم المرض برئيس الوزراء، وتقوم الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على أن الرجل لم يعد قادراً على احتمال أثقال الحكم والنهوض بأعباء السلطان.

    ويقول الناس في شيء من الرحمة والإشفاق أن الرجل سيستقيل إيثاراً لنفسه بالخير وإن أبى فسيقال إيثاراً له بالعافية، ولكن الذوق هذا الذوق الدقيق الحساس يرى أن ليس من الملائم أن يقصى الرجل عن الحكم وهو مريض، لم تخف عليه وطأة المرض بعد، وقد يكون من الخير أن يمهل حتى يستطيع التفكير والتقدير، وحتى يرى هو أن صلاحه وصلاح وطنه في أن يستقيل، فإذا خفت وطأة المرض عليه سعى إلى الشفاء سعياً بطيئاً؛ لم يستقل ولم يجرؤ الذوق الدقيق الحساس على أن يذكره بالاستقالة أو على أن يجعل إقالته موضوعاً للتفكير.

    وإذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد الذين يطمعون فيه، ويسرفون في استغلاله، ويتوسلون إلى هذا الاستغلال بالوسائل المتباينة، ويسلكون إليه السبل المتباينة، وقد أحسَّ رئيس الوزراء في نفسه عجزاً عن بعض شيء من أثقاله، ولم يتخفف من أثقاله كلها، أعاد ترقيع الوزارة ونزل عن وزارة الداخلية، ورأى أن هذا يكفي، ولم يستطع الذوق الرقيق الحساس أن يتجاوز معه هذه الخطوة القصيرة، أو أن يدفعه إلى أبعد من هذه المسافة التي قطعها ووقف عند غايتها، فاستقلت الوزارة المرقعة بأعباء الحكم في شيء من الظلع والعرج ظاهر محسوس، وكانت المصالح العامة في أثناء هذا كله تلقى الضروب من الشر، فمنها ما يهمل، ومنها ما يعضل، ومنها ما تجري الأمور فيه على غير ما ينبغي.

    حتى اضطرب الأمر، وضج الناس، وقال المصريون والإنجليز إن من غير المفهوم أن تترك أمور بلد كمصر إلى وزارة لا قدرة لها على النهوض بهذه الأمور، لأنها خالية من الكفايات، ليس فيها إلا رئيسها وهو مريض، وكان كل شيء يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة أو تلفت إلى الاستقالة، أو تقال.

    ولكن استقالة الوزارة عسيرة ما أقام البرلمان، فهو لا يستطيع أن يعيش بدونها، وهو ذاهب إن ذهبت، ومقيم إن أقامت. والبرلمان هادئ مطمئن، يعقد جلساته في أمن وهدوء، وينصرف عنها في سلام وطمأنينة. لم يحدث حدثاً، ولم يغير شيئاً، ولم يأت ما ينكر منه أو يلام عليه، فمن العسير على الذوق، هذا الذوق الرقيق الحساس أن تستقيل الوزارة ويتبع استقالتها حل البرلمان. وإذن فمما يلائم الذوق الدقيق الحساس أن تبقى الوزارة حتى يتم البرلمان دورته، وأمد البرلمان قريب، فقد وقّت الدستور لها خمسة أشهر، وستنتهي هذه الأشهر الخمسة في شهر مايو، فليكن كل تغيير بعد تفرق البرلمان.

    ولكني قلت لك إنه إذا وجد الذوق الدقيق الحساس، وجد من يطمع فيه، ويسرف في استغلاله، والظاهر أن هذا الحديث الذي يتردد في الصحف منذ أيام بامتداد الدورة البرلمانية إلى أجل أبعد من الأجل الذي رسمه الدستور، ليس إلا مظهراً من مظاهر الاستغلال لهذا الذوق الدقيق الحساس. فما دام البرلمان عاملاً فيجب أن تظل الوزارة قائمة، وإذن فليعمل البرلمان، وليعمل، ولتمتد به أسباب العمل إلى أقصى أجل ممكن، وأبعد أمد ميسور. وفي خطبة العرش التي افتتحت بها الدورة البرلمانية فسحة للعمل والأمل معاً، فقد كثرت فيها الوعود، وسميت فيها قوانين ومشروعات لا تكاد تحصى، فلتمتد الدورة البرلمانية حتى تتحقق الوعود، وتعرض القوانين والمشروعات، ويدرسها البرلمان، ويتخذ فيها قراراً، وتربح الوزارة بهذا الاستعداد شهراً أو شهرين أو أكثر من شهر أو من شهرين. ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تنساها وتعرض عنها فتبقى في حماية النسيان والإعراض، ومن يدري لعل الأقدار في أثناء ذلك تثير من الأحداث والخطوب ما يغير طريق السياسة، ويضيف إلى أجل الوزارة أجلاً جديداً، ويمد لها في البقاء ولو وقتاً قصيراً. وعلى كل حال فستربح الوزارة حظاً من البقاء توشك أن تخسره وإن وقفت بالدورة البرلمانية عندما رسم الدستور، ومن ذا الذي تتاح له الفرصة فيصد عنها، وتمد له الحياة فيزهد فيها؟ ومن ذا الذي لا يستعذب قول الشاعر القديم:

    ألمَّا بمي قبل أن تطرح النوى ٭ بها مطرحاً أو قبل بينٍ يزيلها
    فإلا يكن إلا تزود ساعةً ٭ قليلٌ فإني نافعٌ لي قليلها

    نعم لتمتد الدورة البرلمانية، ولتبق الوزارة حتى لا يدع القدر لهادي البقاء سبيلاً. فإن قال القائلون: كيف يعمل البرلمان ورئيس الوزراء مسافر للاستشفاء؟ أجيب في سهولة: لقد عمل البرلمان ورئيس الوزراء مريض، وقد ألغيت المسافات في هذه الأيام، فرئيس الوزراء قادر على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في أوربا، كما كان قادراً على أن يمد البرلمان بروح منه وهو في الزمالك! وإذن فليس ما يمنع أن تمد الدورة البرلمانية، وأن تستمتع الوزارة بشيء من الحياة.

    كذلك قدّر المقدرون، وكذلك فكّر المفكرون في أكبر الظن، وكذلك أثّر الذوق الدقيق الحساس في حياتنا السياسية، وكذلك يراد أن يؤثر هذا الذوق في حياتنا السياسية مرة أخرى، ولكن الغريب من أمر هذا الذوق أنه دقيق حساس فيما يمس الوزارة ورئيسها، وفيما يمس البرلمان وأعضاءه، ولكن أحداً لا يشعر برقته ولا بحسه فيما يتصل بحياة هذا الشعب نفسه، فلم يسأل أحد عن آلام هذا الشعب متى تنتهي؟ ولم يحفل أحد بسخط هذا الشعب في قصة البداري؟ ولم يلتفت أحد إلى مصالح هذا الشعب التي عطلها مرض رئيس الوزراء، والتي سيعطلها سفر رئيس الوزراء، وقد كان حقاً على هذا الذوق أن يكون عدلاً في دقته، وفي حسه، وأن يحرص على حسن النظر للشعب ومصالحه، كما يحرص على حسن النظر للوزارة والبرلمان، إذا لم يكن من الميسور أن تكون العناية بالشعب ومصالحه أشد من العناية بالوزارة وبقائها.

    غير أن الأيام أقوى من الذوق مهما دق، ومهما اشتد حسه، وهي أقوى من الوزارة مهما أحبت الحياة ورغبت في البقاء، فجائز، بل راجح أن تبتسم الأيام لهذا الذوق ودقته وحسه، وجائز أن تبتسم الأيام للوزارة واستغلالها لهذا الذوق، كل هذا جائز، بل كل هذا راجح، ولا سيما إذا كان للأيام حليف أمين، له قوتها وله قدرتها على السخرية والابتسام، وهذا الحليف الأمين القوي هو صبر الشعب على المحن، واستهزاؤه بالخطوب.

    كوكب الشرق ٧-٥-١٩٣٣

    صبر
    هو فضيلة من غير شك، بل قل فضيلة من أرقّ الفضائل وأزكاها ولعله أرقّ الفضائل وأزكاها. فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمّت له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه، ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجاً كأنما يصَّعّد في السماء. وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب. وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظراً هادئاً مطمئناً، لا يفسده خوف ولا رجاء؛ وإنما هو مستقيم معتدل قوامه حكم العقل وصواب الرأي. ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرأوا من الطيش ويأمنوا من العثار. ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال؛ فهناك صبر ثقيل جداً، ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضاً ثقل الأعباء وشدة الحرمان. وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء وتجعلها محتملة بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس. وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرّق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها؛ فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم وأصلاً من أصول السياسة. ورئيس الوزراء كان موفقاً كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجعله أساساً لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة. فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هو الصبر، والصبر وحده. وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه، إن أنكرتَ على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض ولكنه يرجو أن يفاوض، فلما دخل في العام الثاني همّ بالمفاوضة، وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان، فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم. ومضى صيف جاء بعده صيف، جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع. وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمّ رئيس الوزراء بالمفاوضة، ودعا إليها وألحّ في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردّوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه. أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة – كما يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله – أو تصبيرة كما يقول مثلك ومثلي من الناس! وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة؛ فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومسّ معه طرفاً من السياسة في طرف من حديث. وعاد رئيس الوزراء وقد تبلّغ بهذا الطعام اليسير فتعلّل به وصبر عليه. ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيره من زملائه، ولكن شيئاً من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض. فما زال واثقاً بالمفاوضات، راغباً فيها، ملحّاً في الثقة والرغبة، مستعيناً عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات. هو إذن صابر مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصوراً على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه. فهو كالأمة المصرية، يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص جداً على السيادة القومية، واذكر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز. هو إذن يريد إلغاء الامتيازات ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات: بالصبر وطول البال وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز. ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يُستهلك الدين ولا يُؤدّى فوائده إلا ورقاً، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى المهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار. ورئيس وزرائنا خير من يتمهل وخير من يستأني، وخير من يحتال وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومادام رئيس وزرائنا صابراً مصابراً، مرابطاً في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار. وكذلك يلقي رئيس الوزراء على المصريين درساً في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن بقاء الامتيازات يؤذي مصر كلها في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء. ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء. فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبراً على أذى يصيبه أو ضرر يلمّ به، وإنما هو صبر على أذى يصيب غيره وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولاسيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء؛ فمهما يكن مرّاً فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترف ونعيم في مصر حيناً، وفي أوروبا حيناً آخر. كان صبر رئيس الوزراء لوناً من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعاً ولكنه لا يُتاح للناس جميعاً. هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرّ خالص لا تشوبه حلاوة ولا يخففه لين ولا نعيم. فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله وأشد من هذا كله: فيه شعور الناس بأنهم قد خُلقوا كراماً أحراراً، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المرّ الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلاً من الناس يُقال لهم المصريون. والله – عز وجل – قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويردّ عليهم ما امتحنهم فيه؛ فإذا هم كرام وإذا هم أحرار. فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر؛ فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقّاً. كوكب الشرق في ٢٣ – ٦ – ١٩٣٣.

    عجز
    لو أنه ظهر على أي وزارة من الوزارات في أي بلد من البلاد الحرة لما استطاعت أن تبقى ولا أن تسيطر على تصريف الأمور، ولكنه في مصر سبب من الأسباب التي تمد حياة الوزارة القائمة، وتطيل بقاءها. ولعله أن يكون السبب الأول لما تستمتع به الوزارة من حياة متصلة، وبقاء طويل. فلو قد كان لهذه الوزارة حظ من قوة أو نصيب من قدرة أو استعداد للحزم ومضاء العزم ومقاومة الأجنبي والذود الصحيح عن المنافع المصرية لضاق بها مؤيدوها من الإنجليز وأصدقاؤها من الأجانب ولتألب عليها أولئك وهؤلاء، ولخلقوا لها المصاعب وبثوا أمامها العقاب، واضطروها إلى أن تستقيل. ولكنهم – والحمد لله على الخير والشر – راضون عنها كل الرضا، مغتبطون بها كل الاغتباط. فمن الطبيعي أن يحرصوا عليها كل الحرص، وأن يحوطوها بالعناية والرعاية ويقرأوا عليها العزائم ويهيئوا لها التمائم كلما اشتد بها الضعف أو تعرضت لخطر السقوط. وماذا يكرهون من وزارة نهضت فيما يقال لحماية مصر وتحقيق منافعها، والذود عن مرافقها بإزاء الأجانب قبل كل إنسان فلم تستطع أن تحتفظ لها من دون الأجانب بشيء، ولم تستطع أن ترد عنها عادية ولا أن تصرف عنها مطمعا. وإنما حققت للأجانب وما زالت تحقق لهم ما أرادوا وعجزت كل العجز عن أن تحقق لمصر مصلحة ما عند الأجانب هؤلاء.
    دارت وأطالت الدوران حول وزارة الخارجية البريطانية لتظفر بالمفاوضة فلم تجد إلا ردا كان رفيقا أول الأمر، ثم أخذ يشتد شيئا فشيئا حتى انتهى إلى العنف وأصبح أشبه شيء بإغلاق الأبواب في الوجوه. وثارت بعض المسائل بينها وبين الإنجليز فلم تستطع فيها إلا التسليم المطلق، والإذعان الذي لا حظ فيه لمقاومة أو ثبات. وثارت بعض المسائل بينها وبين غير الإنجليز من الأجانب فلم يكن موقفها منهم خيرا من موقفها من الإنجليز، وهي مع ذلك فيما تزعم وزارة العزة والكرامة، ووزارة الإباء والاستقلال. وإن المصريين ليشهدون موقفها من مسألة الدين منذ ثارت فيستحون لها ويستحون لأنفسهم من هذا الضعف الذي لا يليق بوزارة تشعر لنفسها بشيء من الكرامة في هذا العصر الحديث.
    أعلنت منذ ثارت مسألة الدين أنها لن تؤدي إلا ورقا، وكان من الحق عليها لنفسها ولمنفعة البلاد التي جعلت الظروف أمرها إليها أن تتبع هذا القول بالعمل، وأن تجعل الأداء بالورق أمرا واقعا لا يحتمل جدالا ولا نزاعا. ولكنها لم تصنع شيئا وما كان لها أن تصنع شيئا وليس لها حظ من قوة ولا نصيب من قدرة على المقاومة والثبات للأجنبي.
    لم تصنع شيئا – نستغفر الله – بل صنعت ما يجعل إعلانها عبثا من العبث، وكلامها لغوا، لا يخيف ولا يفيد. قبلت الخصومة أمام المحاكم المختلطة وهي تعلم حق العلم، وتصيح ما وسعها الصياح أن هذه المسألة لا تصلح موضوعا للخصومة أمام المحاكم ولكنها على ذلك قبلت هذه الخصومة ومضت فيها. والغريب أنها مضت في هذه الخصومة ومضت في الوقت نفسه في مفاوضات سياسية فأتاحت للدول أن تقول لها: لم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ثم قضت عليها المحاكم فمضت في الخصومة واستأنفت ومضت أثناء ذلك في المفاوضات وأتاحت للدول أن تقول لها مرة أخرى ولم لا تنتظرين حكم القضاء؟ ولا سيما وقد ظهر الحكم الابتدائي مؤيدا لرأينا مغنيا لنا على ما نريد.
    كذلك أوحت إليها الكفاية الخارقة والمهارة البالغة والبراعة الفائقة في تصريف أمور السياسة والمال جميعا أن تقول ولا تفعل، وأن تعد ولا تفي، وأن تخاصم أمام القضاء وتزعم أنها لن تنفذ أحكام القضاء، وأن تذهب إلى المحكمة وتذهب في الوقت نفسه إلى وزارات الخارجية. مواقف أقل ما توصف به أنها متناقضة مضطربة لم تصدر عن خطة مستقيمة واضحة وإنما صدرت عن حيرة وتردد وعجز.
    وهذه المفاوضات لقد طالت ويظهر أنها ستطول وستسرف في الطول. بدئت في مصر واستمرت في أوروبا حين سافر رئيس الوزراء في العام الماضي للرياضة والراحة، ثم اتصلت في مصر، ثم استمرت في أوروبا حين وفد كبير المستشارين الملكيين إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، ثم اتصلت في مصر واستمرت في باريس حين سافر مدير البنك العقاري إليها ثم اتصلت في باريس حين ذهب رئيس وزرائنا ليستشفى ويستريح، ثم استؤنفت في لندن والله يعلم متى تنتهي وإلى أي نتيجة تنتهي، ولكن الشيء الذي لا يقبل شكا ولا جدالا هو أنها لن تنتهي إلى ما يحقق المنفعة المصرية أو يحفظ الكرامة المصرية. فإن المفاوضة في هذه المسألة معناها المساومة، معناها الأخذ والعطاء، معناها أن تنزل مصر عن بعض حقها وينزل الأجانب عن بعض ما يزعمون لأنفسهم من حق فيلتقي المختصمون في وسط الطريق، وقد كان يجب ألا تنزل لهم عن شيء.
    كان يجب ذلك لو أن في مصر وزارة قوية قادرة على أن تقول فتعمل وتعد فتفي، وتريد فتنفذ ما تريد. ولكن في مصر – والحمد لله على الخير والشر – وزارة قوية مسرفة في القوة بالقياس إلى المصريين، ضعيفة مسرفة في الضعف أمام الأجانب. ولذلك لا تريد هذه الوزارة من المصريين شيئا إلا جدت في تنفيذه، وأنفقت من الجهد ما يطاق وما لا يطاق، وانتهت أحيانا إلى أن تثير الضحك والابتسام. فإذا أرادت من الأجانب شيئا فسل عن اللين والرفق، وسل عن الظرف واللطف، وسل عن الخفة والمجاملة، ثم سل بعد ذلك عن الإذعان والتسليم.
    ولو أن وزارتنا اصطنعت مع المصريين بعض ما تصطنع مع الأجانب من الظرف والمجاملة لهان احتمالها بعض الشيء ولكن أنى لها ذلك، وهي إن فعلته عرضت نفسها للفشل وخطر الاستقالة. لو أنها صبرت وصابرت في أمر جبل الأولياء، لو أنها تمهلت واصطنعت الأناة في أمر بحيرة تانا، لو أنها فكرت وتروت في غير هذين الأمرين من أمور الشركات، لو أنها تريثت في أمر التعليم لأمكن احتمالها بعض الشيء ولكنها متعجلة شديدة التعجل حين تطلب إلى المصريين شيئا وهذا معقول فليس للمصريين من القوة والبأس مثل ما للأجانب وليس المصريون قادرين قدرة الأجانب على إحراج الوزارة واضطرارها إلى ترك الحكم. فمن الحق على الوزارة أن تحاسن الأجانب وتخاشن المصريين. والإنصاف يقضي بأن نسجل لها أنها قد بلغت من ذلك أقصى ما تريد، وظفرت للأجانب من المصريين بكل شيء، ولم تظفر للمصريين من الأجانب بشيء. وستنتهي مسألة الدين هذه إن مدت للوزارة أسباب الحياة إلى ما لا يحب المصريون. وستؤدي مصر ذهبا أو ستؤدي مصر ورقا بشرط أن ترفع الفوائد ويعوض على الأجانب بعض ما يخسرون من العدول عن الذهب في الأداء.
    وليس للمصريين أن يقولوا شيئا ولا أن ينكروا شيئا فقد أنعم الله – عز وجل – عليهم بأعظم الوزارات حظا من القوة والكفاية وأوفرها نصيبا من الرفق بهم والعطف عليهم والرعاية لمصالحهم. فمن قال غير هذا فقد ألغى عقله وتعلق بالأماني والآمال.
    وأي غرابة في هذا؟ أليس من الواجب على المصريين أن يؤمنوا بأن لهم وزارة تدبر أمورهم وتشرف على منافعهم وإن كان رئيسها عاجزا عن تصريف الأمور وتدبيرها منذ أشهر طوال، وسيظل عاجزا عن تصريف الأمور أشهرا أخرى، وهو يستشفى في القاهرة، ويستشفى في فرنسا، ويستشفى في سويسرا دون أن يجد أحد بذلك بأسا، لأن الأمور تجري هادئة مطمئنة، لا عوج فيها ولا اضطرابا. وإذا كان العجز السياسي المطلق لم يضطر رئيس وزرائنا إلى أن يستقيل، ولم يضطره العجز المادي إلى أن يستقيل؟ ومن يدري؟ لعل قوما يرون من الخير ألا تكون لمصر إلا وزارة صورية يختلف فيها الوزراء إلى الدواوين ويجلسون إلى المكاتب ولا يعملون شيئا. من يدري؟ لعل قوما يرون في هذا خيرا لأنه يقضي لهم المآرب ويحقق لهم المنافع ولا يكلفهم احتمال التبعات ولكن هذه التبعات قد تكون ثقيلة خطيرة في يوم من الأيام حين يفسد كل شيء ولا بد من أن يفسد كل شيء إذا حكمت مصر على هذا النحو الذي تحكم عليه الآن، وأهملت مرافقها على النحو الذي تهمل عليه الآن، وظل العجز السياسي والمادي قواما لحياة وزرائها كما هو الآن.
    يومئذ يفكر الذين يرضون عن حالنا الحاضرة فلا يجدون فائدة للتفكير. ويومئذ يقدرون فلا يجدون نفعا للتقدير. ويومئذ يلتمسون الإصلاح فلا يجدون إليه سبيلا. والله وحده قادر على أن يعصم مصر من أن تصل من السوء إلى هذه المنزلة فيلهم رئيس الوزراء، أو يلهم من ينصح لرئيس الوزراء بأن يستقيل قبل أن يأتي يوم لا تنفع فيه استقالة ولا إقالة.
    كوكب الشرق ٨ – ٧ – ١٩٣٣

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

    مذهبان
    أحدهما يذهب إليه الناس في البلاد المتحضرة كافة منذ ابتدأ عصر الديمقراطية، على أقل تقدير. والآخر يذهب إليه فريق من الناس في هذا البلد العزيز السعيد، ويتباينان أشد التباين.
    ومذهب المصريين أصحهما من غير شك، وأدناهما إلى الصواب من غير جدال، لأن مصر قد أصبحت منذ ثلاثة أعوام أقوى بلاد الأرض، وأرقاها، وأحقها أن تتولى زعامة الرقي، وقيادة الشعوب إلى تحقيق المثل العليا في الحرية والكرامة والاستقلال.
    وقد أصبح حقًّا على كل شعب يحب الرقي ويطمع فيه أن ينظر إلى مصر، فيتأثرها ويسير على نهجها، وهو إن فعل بلغ ما يريد من الكمال بإذن الله.
    فأما المذهب الأول الخاطئ الذي يأخذ به الناس في أقطار الأرض، وفي أقطار الأرض المتأثرة بفلسفة الفلاسفة وأصول الثورة الفرنسية، فهو أن الحكومة إنما توجد لإقرار الأمن في البلد الذي توجد فيه.
    والأمن عند هؤلاء الناس الخاطئين، الذين يملأون أقطار الأرض غير مصر، إنما هو أمن الشعب جملة: على حياته، ومرافقه، واطمئنانه إلى أن شعبًا أجنبيًّا، مهما يكن، لن يغير عليه، ولن يمسه بأذى، ولن ينتقص من أرضه، ولن يعتدي على حقه، ولن يغض من كرامته، ولن يناله بمكروه في أي نحو من أنحاء حياته.
    وأمن الأفراد على أنفسهم، وأموالهم، وعلى كرامتهم، وحرماتهم، وعلى عقائدهم، وآرائهم، وعلى أخلاقهم، وأعراضهم.
    وثقة هؤلاء الأفراد، مهما تكن منازلهم، ومهما تكن مذاهبهم في السياسة والدين، بأن نفوسهم معصومة بحكم القانون وقوته، إلا أن يجرموا فيجعلوا للقانون عليهم سبيلًا، وأن حريتهم مكفولة بحكم القانون وقوته، إلا أن يأثموا فيجعلوا للقانون على حريتهم سبيلًا، وبأن أموالهم محفوظة عليهم، لا يؤخذ منها إلا بالحق، ولا تمس إلا بما يأمر به القانون.
    هذا هو مذهب الناس عامة في فهم الحكومات، وفهم واجبها، وفهم الصلة بينها وبين الشعب.
    ولكن المذهب الآخر، الذي يراه فريق من المصريين، والذي هو أقرب إلى الحق، وأدنى إلى الصواب، ينحو نحوًا غير هذا النحو في الحكم والفهم والتقدير.
    فالحكومة عند هؤلاء المصريين وجدت لإقرار الأمن، ولكن لإقرار أمنها هي قبل أمن الشعب. ووجدت لحماية النفس والأموال، ولكن لحماية نفسها هي وأموالها من قبل أنفس الشعب وأمواله.
    وهي لا تكره أن تؤمن الشعب، ولكن تأمين الشعب نافلة لا فريضة، أو هو فرض ثانوي يأتي بعد الفرض الأول، وتتفرغ له الحكومة بعد أن تتفرغ من هذا الفرض الأول.
    وهي لا تكره أن تحمي أنفس الشعب وأمواله، ولكن بعد أن تحمي نفسها ومالها، وتطمئن أشد الاطمئنان إلى أنها لا تخاف بأسًا، ولا تخشى مكروهًا.
    ولعلك لن تفطن بعد إلى الفرق العظيم بين هذا المذهب الخاطئ الذي يمعن فيه العالم المتحضر كله، وهذا المذهب المصيب الذي يحبه فريق من المصريين.
    فأما في غير مصر، فإن الناس يرون أن الوزارة إذا أحست بالحاجة الشديدة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها أن تستقيل؛ لأن الوزارات لم تنشأ لحماية نفسها، وإنما أنشئت لحماية الشعب، وهي لم تخلق لخدمة نفسها، وإنما خلقت لخدمة الشعب.
    وهي إذا أحست حاجة إلى الحماية، فمعنى ذلك أن الشعب لا يحميها بحبه لها، وثقته بها، واطمئنانه إليها. وإذن فهي لا تريد أن تخدم الشعب رغم أنفه، وإذن فهي مضطرة إلى أن تستقيل، ليوجد الشعب لنفسه الوزارة التي يرضاها، ويثق بها، ويحميها بحبه وعطفه وثقته.
    أما أصحاب المذهب المصري الحديث، فهم يرون أن الوزارة إذا أحست حاجة إلى أن تحمي نفسها، وجب عليها ألا تستقيل، بل أن تتعلق بالحكم أشد التعلق، وأن تشد نفسها إلى كراسيها بالحبال والأمراس، وأن تسخر جند الدولة وبأسها، وقوة الدولة وبطشها، ومال الدولة وثروتها، لحماية نفسها حتى من الوهم الطارئ، والخيال الذي يلم في الأحلام.
    وجائز عند أصحاب المذهب المصري الحديث، بل واجب، أن تقدم الوزارة حماية نفسها على حماية الشعب. فإذا أحست من خصومها السياسيين خطرًا على نفسها، وأحست من خصوم النظام الاجتماعي، وأعداء الأمن العام، والمجرمين الذين يفسدون في الأرض، خطرًا على حياة الأفراد والجماعات، وحماية أنفسهم وأموالهم، كان من حقها، بل من الحق عليها، أن تقدم حماية نفسها، والتفكير فيها، وقهر خصومها السياسيين، على حماية الشعب، وقهر المجرمين.
    وعلى ذلك يفسر أصحاب المذهب المصري الحديث كثرة الجرائم واتصالها في مصر، وهذه الألوان من العدوان التي تقع على النفوس والأموال، وتعجز الوزارة القائمة، لا نقول عن منعها قبل وقوعها، بل نقول عن أخذ المقترفين لها، والمتورطين فيها؛ لأن الوزارة مشغولة بمخاصمة الوفد، ومطاردته، ومراقبة رئيسه وأعضائه، وبث الأرصاد والعيون عليهم، عن مراقبة المجرمين، وأخذهم، والضرب على أيديهم.
    وعلى هذا النحو أيضًا يمضي أصحاب المذهب المصري الحديث حين يطالبون الوزارة بأن تشرع القوانين الاستثنائية الصارمة لإرهاق خصومها السياسيين، وإفحامهم، وأخذهم بالصمت والهدوء؛ لأن حماية الوزارة لنفسها من هؤلاء الخصوم أوجب من حماية الوزارة للشعب من أعداء الأمن والنظام.
    ولذلك يطلب أصحاب المذهب المصري الحديث إلى الوزارة أن تشرع هذه القوانين الصارمة الاستثنائية لتعقبهم، والقضاء عليهم، في غير إمهال ولا أناة.
    وقد نحب أن نعرف مذهب وزارتنا في هذه المسألة ذات الخطر: أهو مذهب العالم المتحضر، أم هو مذهب المبتكرين من المصريين؟
    فإن تكن الأولى، فإنا نرى وزارتنا تسرف في العناية بنفسها، وتغلو في وقف جهودها على ما تنصب لخصومها من الحرب.
    وإن تكن الثانية، فإنا نحب أن تلائم الوزارة بين ما لها من مذهب وسيرة، وما يلقى إلى الشباب في المدارس، وفي كلية الحقوق، حتى إذا أخرجت هذه الكلية من طلابها من سيكون إليهم الحكم في يوم من الأيام، أخرجتهم وهم يعلمون ما يجب عليهم أن يعملوا.
    والأمر ليس مقصورًا على الأمن الداخلي، فمن المحقق أن وزارتنا تعنى بما تكتبه الصحف الأجنبية عن بقائها الطويل أو القصير أكثر مما تعنى بمسائل لها أبعد الأثر في حياة مصر.
    فلم يخطب وزراؤنا في مسألة الدين كما خطبوا في مسألة «الديلي تلغراف»، ولم يجزع وزراؤنا لحبوط المفاوضات في مسألة الدين كما جزعوا لرسالة الديلي تلغراف، ولم ينشط وزراؤنا في مسألة التبشير والمبشرين كما نشطوا في رسالة الديلي تلغراف.
    فهم إذن أسرع إلى التفكير في حماية الوزارة من خصومها السياسيين المصريين، ومن الذين قد يخاصمونها بين الأجانب، منهم إلى التفكير فيما يصيب الأمن والنظام من الفساد والاضطراب، وفيما يصيب منافع الناس ومرافقها، وحرية مصر وكرامتها، من العدوان الخارجي، أو إسراف الدول الأجنبية في الاستهانة بالحقوق المصرية.
    أفنستطيع أن نفهم من هذا أن المذهب المصري الحديث قد وفق إلى الفوز الرسمي، فأصبحت وزارتنا تؤمن به، وتطمئن إليه، وتتخذه لها مذهبًا، وترى أنها وجدت لنفسها قبل أن توجد للشعب؟
    سؤال يحتمل جوابين:
    أحدهما يراه الناس، ويحسونه، ويشهدونه في كل يوم، وهو: نعم.
    والآخر يكتب في الصحف، ويقال في الأحاديث الرسمية، والشبيهة بالرسمية، وهو: لا.
    والناس أحرار في أن يقبلوا ما شاءوا من هذين الجوابين.
    أما أنا فأقبلهما معًا، وأصدق وزراءنا إذا ساروا سيرة المؤمن بالمذهب الحديث، وأصدقهم إذا قالوا مقال المؤمن بالمذهب القديم.
    وأرى أن الوزارة من المهارة والكفاية، ومن البراعة والنبوغ، بحيث تستطيع الجمع بين المتناقضات، والتوفيق بين المتباينات، وبحيث تستطيع أن تؤثر نفسها على الشعب حين تعمل، وأن تؤثر الشعب على نفسها حين تقول.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٧ – ١٩٣٣

    وهْمٌ
    الوزارة آمنة على كل شيء، آمنة على الحياة الداخلية لأن النظام مستقر، ولأن الناس يحبونها، ولأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولكن نبأ كاذبا يأتيها من المنوفية بأن قوما يعملون في صنع القنابل فتنزعج حتى يذهب عنها الرشد، ويغيب عنها الصواب. وإذا شرطة الأقاليم كلها وضباط الإقليم جميعا يجتمعون ويحشدون ويرسلون إلى حيث زعم منبئ الوزارة أن القنابل تصنع، وإذا حصار منظم للمدينة وتفتيش منظم لمنازلها، وتضييق شديد على أهلها ومضارة مسرفة للخارجين منها والداخلين فيها. ثم ينجلي الأمر عن أن رجلا أراد أن يعبث بالوزارة فكذب عليها وهزئ منها واضطرها إلى أن تتكلف ما تكلفت من نفقات، وتحدث ما أحدثت من اضطراب وتخلى الإقليم من حراسه وحفظة الأمن فيه، وتعرض عشرات من الناس للخطر المنكر في الأنفس والأموال. والوزارة آمنة على كل شيء، لأن خصومها قد خسروا كل شيء، وأخفقوا في كل شيء، ولأنها قد وثقت بحب الناس لها وثقتهم بها، واطمئنانهم إليها.
    ولكن نبأ كاذبا يأتيها بأن رئيس الوفد سيصلي الجمعة في حي من أحياء القاهرة، فإذا شرطة تحشد، وجنود ترصد، واستعداد عسكري في هذا الحي، وتضييق على الذاهبين للصلاة والمنصرفين إلى أعمالهم، وتأهب لمعركة حاسمة ككل هذه المعارك التي تتأهب لها الوزارة، ثم ينجلي الأمر فإذا هو خيال في خيال، وإذا الرئيس لم يزر هذا الحي، ولم يفكر في زيارته، وإنما أدى الصلاة في حي آخر من أحياء المدينة.
    ومع هذا كله فالوزارة آمنة على كل شيء، لأن النظام مستقر، والأمن موفور. هذا رئيس الوزراء يستريح في مزارعه، وهذا وزير التقاليد يزور المنصورة. وهذا وزير الزراعة يغزو الصعيد، فلو لم يكن كل شيء هادئا مطمئنا لما تفرق الوزراء على هذا النحو. وليس بأس بأن يتفرق الوزراء ما دام وزير الداخلية قابعا في القاهرة يستطيع أن يجمع الشرطة ويفرقها، ويستطيع أن يقذف بوحدات الجند متى شاء في القرى والمدن والأحياء.
    كل شيء هادئ وإن كانت أكذوبة رجل مجهول تكفي لإزعاج الحكومة! وكل شيء مطمئن وإن كان خيال مصطفى النحاس يكفي لإقلاق الدولة وحشد الجند وغزو الأحياء الآمنة الساكنة! وكذلك يريد الله أن تجتمع النقائض في هذا البلد فيهدأ فيه كل شيء، ويطمئن فيه كل شيء، وتذعر الحكومة فيه لكل شيء، وتفزع الحكومة فيه حتى من الخيال! وتعلن الوزارة وصحفها أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن! وتعتقد الوزارة أن الناس يصدقونها، ويؤمنون لها بالقوة والبأس والاطمئنان والهدوء. والوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الخارجية، أمورها وأمور الدولة تجري كلها على ما تحب وتهوى. فقد أذعنت فرنسا وإيطاليا وأقسمتا جهد أيمانهما على أنهما ستقبلان أن يؤدى إليهما الدين ورقا، لا ذهبا. وآية ذلك أن الوزراء يتفرقون، وأن رئيسهم يقضي آخر الأسبوع في الريف، وإن كان كل شيء يدل على أن فرنسا متمسكة برأيها، لم تعدل عنه قيد شعرة، ولم تغير منه حرفا، وعلى أن إيطاليا لن تحدث في الأمر شيئا إلا أن تعدل فرنسا عن موقفها.
    وعطاءات جبل الأولياء قد تم درسها في وزارة الأشغال، ورأى وزير الأشغال فيها رأيه حرا مستقلا، وسيعرض هذا الرأي على مجلس الوزراء ليقره حرا مستقلا، وإن قالت الصحف إن الأمر ليس كما يقال، وإن مصير هذه العطاءات سيقرر على غير ما تشتهي الوزارة، وإن الوزارة ستذعن لغير ما تحب، لأنها لا تريد أن تحدث أزمة بمخالفة الإنجليز. وإذن فستمضي إرادة الإنجليز في هذه العطاءات رغم مجلس الوزراء، ورغم ما يشتهي مجلس الوزراء،
    وسيذعن مجلس الوزراء لهذه الإرادة مسرعا متعجلا قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية وزارة الأشغال وإقرار ما فيها من اعتماد لجبل الأولياء، وسيتورط المجلسان جميعا! ذلك ينزل على رأي الأجنبي، وهذا يقبل أن يوضع أمام الأمر الواقع.
    ولكن الوزارة آمنة على كل شيء في حياتها الداخلية والخارجية، لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها الآن! ألم يتحدث رئيسها إلى زملائه في مجلسهم بأن صديقه المندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك، وبأن اللجنة الإنجليزية المصرية قد فشلت كل الفشل، وأخفقت كل الإخفاق فيما حاولت من تغيير الموقف السياسي في مصر؟ بلى تحدث الرئيس إلى زملائه بهذا وإن زعم أنه لم يتحدث لأن الأهرام أكدت أخبارها وتحدت رئيس الوزراء فلم يحرج جوابا، ولم يصنع شيئا! إذن فالمندوب السامي عائد إلى مصر من غير شك، ومقيم فيها من غير شك وإن أعلن رسميا أن عودته تأخرت إلى أجل غير معروف، وأن عقيلته لاحقة به، واللجنة الإنجليزية المصرية قد أخفقت في سعيها لتغيير الموقف، وإن اتصلت أحاديث الناس في القاهرة وفي لندن بأن هذه اللجنة لم تتم سعيها بعد، وبأن استقالة الوزارة في أجل قريب جدا أمر لا منصرف عنه، وإن سئل وزير الخارجية عن أمور مصر في مجلس النواب الإنجليزي منذ أيام فلم يقل شيئا، لأن الوقت لم يحن بعد ليقول وزير الخارجية البريطانية ما ينبغي أن يقول.
    كل شيء هادئ حول الوزارة في داخل مصر وخارجها، وكل شيء مطمئن ولكنه هدوء موهوم، واطمئنان يتحدث به الخيال فأما الحق الذي يدل عليه كل شيء، فهو أن أسباب بقاء الوزارة قد رقت حتى أصبح أيسر الأشياء خليقا أن يقطعها. قوتها في داخل مصر وهمية، ولولا ذلك لما عبثت بها الأكاذيب، ولما لعب بها الخيال، وقوتها في خارج مصر وهمية ولولا ذلك لما تحدتها الأهرام غير حافلة بقوتها، ولا ملتفتة إلى سطوتها، ولا خائفة منها بأسا، لأن البأس الصحيح الذي يخاف إنما هو الذي يعتمد على الحق. والوزارة في موقفها لا تعتمد على الحق، والوزارة في موقفها لا تعتمد على الواقع وإنما تعتمد على الوهم وتتعلق بأهداب الخيال، ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو وصلت إليها البلاغات الكاذبة من أطراف مصر في كل يوم، أتتعب الشرطة في الأقاليم جميعا، وتدور بالضباط والجنود في كل مكان، وتخيل إلى الناس أن الأمن الموفور قد ذهب، وأن النظام المستقر قد اضطرب؟!
    ولسنا ندري ما يكون شأن الوزارة لو أن الأهرام صدمتها في كل يوم بالتحدي كما فعلت في الأيام الأخيرة الماضية، أتصدر البلاغات الرسمية؟ فإذا أصرت الأهرام على ما تقول هانت الوزارة على نفسها، واستكانت الوزارة للأهرام كما فعلت في الأسبوع الماضي حتى يؤمن الناس إن لم يكونوا قد آمنوا بالفعل بأن بلاغات الحكومة تحترم، ولكن تصديقها شيء واحترامها شيء آخر.
    وهذه الأهرام تتحدث اليوم بعد أن تحدثت أمس، وتلح اليوم بعد أن ألحت أمس، وتؤكد اليوم بعد أن أكدت أمس أن الوزارة تتعجل البت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يتم مجلس الشيوخ نظر ميزانية الأشغال.
    وهذه السياسة تقول اليوم إن أمر هذه العطاءات سيتم على غير ما تريد الحكومة المصرية، والناس يتحدثون ويلحون في الحديث بأن مسألة الدين تزداد تعقيدا من يوم إلى يوم، وأن الحرج يستحكم حول الوزارة من حين إلى حين وإن تفرق الوزراء في الأقاليم واستراح رئيسهم في الريف، أفترى الوزارة مصدرة بلاغات رسمية تكذب بها الأهرام والسياسة؟ فما عسى أن تصنع إذا احترمت الأهرام والسياسة بلاغات الحكومة وأصرتا بعد ذلك على ما تقولان؟
    ليس الغريب أن تزعم الوزارة لنفسها القوة، وأن تؤمن الوزارة لنفسها بطول البقاء، فكل إنسان عرضة للأمل، وكل إنسان عرضة لأن يخدعه الخيال، وإنما الغريب أن تترك أمور بلد كمصر على ما لها من خطر، وعلى أنها أمور شعب كامل خاضعة لوزارة كل قوتها تعتمد على الوهم وتستمد من الخيال!
    كوكب الشرق ٦ – ٥ – ١٩٣٣ .

    وداع
    لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا، وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء.
    وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب، مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين لقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه، لا ليعملوا معه. وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس. ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!
    فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء حتى انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين، فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا، يظهر فيه الجهد والإعياء. فانظر إلى رئيس الوزراء، وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء، لا في الصباح.
    وقد كان يذهب إلى مكتبه مع الصبح، ولا يدعه حتى يتقدم الليل، وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم، وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام…!
    وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين…!
    ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوربا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء، أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى. ثم تضيف «الشعب» أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين، متى سمحت له الظروف…!
    كل هذا يحزن، وكل هذا يسوء! فمهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة. وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا بغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع.
    كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله، كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.
    وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة، ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير. وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال ويأبوا إلا إنكارها، وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم كأن شيئًا لم يعرض لهم، وكأن حدثًا لم ينزل بهم، وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!
    أمختار رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم، والنهوض بأعبائه الثقال، رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة، يأخذ منها بحظ موفور.
    أم كره رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقساها، وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية، لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!
    وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح!
    وسواء أكان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس.
    حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقي بأعنتها إلا إلى الذين يقدرون على تصريفها حقًا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم. وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل، وأطال التفكير، وقدر، وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة. وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوربا، على أن تكون هذه الأعمال خفافًا، لا مشقة فيها ولا عناء.
    هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به. وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة. وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور، أو يستقر له نظام؟
    ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها، لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريضًا إلى هذا الحد. فكيف والناس جميعًا مؤمنون، وأولهم الإنجليز، بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يستقلوا بأثقاله؟ فهم قد وضعوا في مناصبهم ليعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.
    كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر؛ لا أقول مصلحتها الحقيقية، فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة، ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ، إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء، من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.
    ما أجدر رئيس الوزراء، والذين يؤيدونه في منصبه، أن يقرؤوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك، وباطنها كله عظة، وهي قصة «المحامي» التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي تذكرنا بما نحن فيه الآن…!!
    كوكب الشرق ١٢ — ٤ — ١٩٣٣

    خاتمة
    ورُفع الستار فإذا مشهد مهيب رهيب، يملأ النفوس روعة ويمزق الأفئدة حزنًا وأسى؛ هوة بعيدة الغور، لا يكاد يظهر لها قرار، تسعى إليها في وجل واضطراب وزارة مثقلة قصيرة الخطو، لا تكاد تنهض حتى تكبو، وقد تفتحت أبواب السماء وامتلأ الجو بينها وبين الأرض بأرواح يصعد بعضها ويهبط بعضها الآخر، ولها كلها دويٌّ مختلط قد ملأ الفضاء كله، بعضه عذب كل العذوبة، وبعضه مرٌّ كل المرارة. فأما تلك الأرواح التي كانت تهبط من السماء فإنما هي ملائكة تحمل إلى الناس نسيم الرحمة والراحة، وضوء الأمل والرجاء، وتنادي الناس في أصوات حلوة أخاذة: «لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
    وأما الأرواح التي كانت تصعد في السماء فملائكة تحمل شكاية الشاكين، وبكاء الباكين، وحزن المحزونين، وبؤس البائسين، وألم الذين نكبتهم الخطوب ودهمتهم الحوادث، وامتحنهم الله في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأخلاقهم وكرامتهم؛ وكانت هذه الأرواح ترتفع إلى السماء رفيقة شفيقة، تستزيد رحمة الله للناس، وتستمطر عدل الله على القساة الظالمين.
    وكانت هذه الهوة العميقة التي لا يكاد يظهر لها قرار ممتلئة بأشباح بشعة منكرة، تضطرب فيما بينها أشد اضطراب، وتختلط أصواتها المنكرة أشد اختلاط. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة كلها أوزارًا وأوضارًا وآثامًا وسيئات، قد كُتبت عليها أسماؤها بأحرف من نار تخلب الأبصار؛ فبعضها يسمى ازدراء الشعب، وبعضها يسمى قهر الشعب، وبعضها يسمى تبذير أموال الشعب، وبعضها تسليط الأجنبي على الشعب، إلى ذلك من الأسماء التي لا تُحصى. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة تدور في هوتها العميقة الواسعة دورانًا عنيفًا، وكان لها هدير قوي مخيف.
    وكان النظارة ينظرون في الجو فيرون هذه الأرواح الهابطة وتلك الأرواح الصاعدة، فتمتلئ قلوبهم خوفًا وأمنًا، ثم ينظرون فإذا وزارة مثقلة مكدودة تسعى سعي المقيد، تريد أن تقف فتُدفع، وتريد أن تتأخر فتُرد، وهي تدنو من حافة الهوة، وحافة الهوة تدنو منها. وقد تعلقت قلوب النظارة ونفوسهم بهذا المنظر العجيب، وبهذا الصراع الرائع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين الإنصاف والإجحاف، وبين الرحمة والقسوة، وبين النعماء والبأساء. ثم ترتفع أصوات النظارة فجأة فإذا صيحة قد ملأت ما بين الأرض والسماء، كلها رضا، وكلها ابتهاج، وكلها تفدية للوطن، ثم يلقي النظارة بأبصارهم نحو الهوة فإذا هي قد أطبقت كأنها لم تكن، وإذا الأرض أمام أعينهم سواء.
    الله أكبر من كل كبير، والله أعظم من كل عظيم، والله أعز قوة وأعلى سلطانًا من أن يقاومه أصحاب القوة والسلطان، والله أشد حولًا وأعظم طولًا من أن يتحداه طاغية مهما يكن، أو يتصدى لأمره عظيم مهما يبلغ من شأنه الارتفاع.
    عفا الله عن «رئيس الوزراء» المستقيل؛ لقد جمع جموعه، وألبَّ قواه، وتأهب ثم وثب، حتى إذا استقر على كرسي الحكم رفع طرفه في الجو مطاولًا، وخفض طرفه إلى الأرض مستكبرًا، ونظر إلى من حوله وما حوله مزدريًا، ثم أعلن في ثقة وحزم: «ألا إنه عشر سنين، لن تنقص وقد تزيد». ثم مضى يصرف الأمر تصريف الواثق المطمئن الذي لا يخاف الأيام ولا يحسب للأحداث حسابًا. وما له يخاف الأيام ويحسب للأحداث حسابًا، وقد فرض نفسه على الأيام والأحداث عشر سنين لن تنقص وقد تزيد؟ فليمضِ أمامه إذن لا يلوي على شيء، ليتقدم شهرًا وشهرًا، وليتقدم عامًا وعامًا، وليمضِ آمنًا مطمئنًا حتى ينفق من سنينه العشر تسعًا أو أكثر من تسع، ويومئذ يستطيع أن يفكر في الحساب، ويومئذ يستطيع أن يقدر خطر الأيام وعادية الأحداث؛ فأما قبل ذلك فالطريق ممهَّدة مبسوطة، والرياح مواتية مسالمة، والجو صفو صحو، والبحر هادئ مطمئن.
    أما هذه الأصوات التي ترتفع من حوله ومن حول صديقه «المندوب السامي» بالاحتجاج والإنكار، وبالشكاة والأنين والتحذير والتخويف، فإنما هي نقيق الضفادع. ومتى تعود الساسة العظماء والقادة والزعماء والمسيطرون على الناس والأشياء أن يحسبوا لنقيق الضفادع حسابًا، أو يلقوا إلى نقيق الضفادع بالًا؟
    ويمضي «رئيس الوزراء» المستقيل أمامه البأس والبطش، ويتبعه القهر والعنف، ويحيط به الاستخفاف بالناس والاستكبار على الناس، والسخرية من أمر الناس، ويرمقه صديقه «المندوب السامي» بعين ملؤها الحنان والعطف، والتشجيع والتأييد، ونقيق الضفادع على ذلك متصل لا ينقطع، مستمر لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. وإذ هو قد طال حتى ثقل على الأسماع، وحتى ضاقت به نفوس، وتبرمت به قلوب، وإذن فلا بد من أن تسكت هذه الضفادع. وأي شيء أيسر من أن يفرض على الضفادع السكوت؟ إشارة يسيرة إلى الجند والشرطة فإذا الألسنة معقودة، والأفواه مكمومة، والجو من حول «رئيس الوزراء» هادئ، لا يسمع فيه إلا أناشيد النصر والفوز. وتعدو الشرطة، ويبطش الجند، وتسفك دماء، وتزهق أرواح، ويلجأ الناس إلى غير ما يحبون، ويُغرى الناس بأن يبيعوا ضمائرهم بيعًا، حتى إذا تمت الصفقة، وبِيعت الضمائر، أُذلَّ البائعون وقبضوا ثمن ضمائرهم استكانة وهوانًا.
    ويفتح «رئيس الوزراء» وأعوانه آذانهم يلتمسون في الجو أناشيد الفوز والانتصار، فلا يسمعون إلا نقيق الضفادع متصلًا، لا ينقطع، مستمرًا لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. هنالك يصدر الأمر إلى الشرطة والجند أن أمعنوا في البأس والبطش، هنالك يضع السادة القادة، الزعماء العظماء أصابعهم في آذانهم، هنالك يلقي السادة القادة والزعماء العظماء حجبًا كثيفة بينهم وبين من حولهم وما حولهم من الناس والأشياء. وإذا نقيق الضفادع يصل إلى الأسماع مهما تُسد الآذان، وإذا اضطراب الضفادع يصل إلى العيون مهما تُلقى الحجب والأستار، وإذ نقيق الضفادع واضطرابها يطغيان على كل شيء، ويغمران كل شيء، ويكتسحان كل شيء. وإذا مقاومة السادة القادة والزعماء العظماء لهذا النقيق والاضطراب تضعف شيئًا فشيئًا، وتفتر قليلًا قليلًا، وترق حتى تعجز عن الاحتمال.
    وإذا «رئيس الوزراء» المستقيل مريض لا يقوى على العمل، وإذا «المندوب السامي» مضطر إلى أن يعبر البحر إلى بلاد الإنجليز، وإذا الذين كادوا لمصر ومكروا بها يدبرون أمرهم بينهم ويجيلون الرأي في أنديتهم سرًّا وجهرًا: كيف يخرجون من هذا المأزق؟ وكيف يخلصون من هذا الضيق؟
    إيه أيتها الضفادع، ارفعي أصواتك بهذا النقيق؛ فهؤلاء الإنجليز الذين كانوا يرونكِ ضفادع قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم، ويشعرون بأنكِ لستِ من الضفادع في شيء، وإنما أنتِ الأمة المصرية الخالدة التي لن يقهرها وزير وإن كان «صدقي باشا»، ولن تذلها دولة وإن كانت دولة الإنجليز. إيه أيتها الضفادع، ارفعي صوتكِ بهذا النقيق، فإن فيه عظة لمن أراد أن يتعظ، وعبرة لمن أراد أن يعتبر. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنه يصدع آذانًا قليلة، ولكنه يحيي الملايين من الأبناء المخلصين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنما هو نشيد الحرية والإيمان بها، نشيد الاستقلال والجد فيه، نشيد العزة والحرص عليها، نشيد الثبات والإباء مهما يعظم ظلم الظالمين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق؛ فإنه صوت الأمل الذي يمحو من قلوب الضعفاء والمستضعفين ظلمة اليأس والقنوط.
    ليس مصريًّا من أشفق من ظلم الظالم، ليس مصريًّا من خاف من عدوان المعتدي، ليس مصريًّا من يئس من قدرة مصر على الحياة والعزة والفوز.
    تبارك الله، لم تتم خمسة عشر يومًا منذ أعلن «رئيس الوزراء» المستقيل أنه قد استشار أطباءه فرأى أنه قادر على البقاء في الحكم، وقد استشار ضميره فرأى أنه سيضحي بصحته في سبيل بلاده. نعم، ولم يتم أسبوع واحد على هذا الشاي الذي تساقاه الأصدقاء عند «وزير الداخلية»، فصفا ما بينهم من الأمر، ثم يمسي الناس أمس فإذا الأنباء تنتشر بينهم بأن مشورة الأطباء لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» المستقيل من أن يحتمل أعباء الحكم أكثر من أسبوعين، وبأن مشورة الضمير لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» من أن يمضي في تضحيته الأخيرة أكثر من أسبوعين، وبأن شاي الصلح لم يكن يمكن «رئيس الوزراء» من أن يبتسم للحكم أكثر من أسبوع، وبأن «رئيس الوزراء» يرفع استقالته أمس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، وبأن حضرة صاحب الجلالة الملك يرفق بشعبه ويعطف عليه فيقبل استقالة هذه الوزارة التي أذاقت مصر من الهم والغم، ومن الحزن واليأس ألوانًا، ويرحم «رئيس الوزراء» فيريحه من عناء الحكم.
    تبارك الله، لقد كُتب لمصر الفوز ما آمنت بحقها، ووقفت له، وصبرت على ما يصيبها في سبيله من الخطوب والأحوال. تبارك الله، لقد أمدَّ مصر من عزها القديم ونهضتها الحديثة بهذه القوة التي تمكنها من الوفاء، وتعينها على الثبات، وتكفل لها الفوز في الجهاد.
    ابتسموا أيها المصريون لحياتكم المقبلة، واعتزوا أيها المصريون بمجدكم القديم، واحذروا أيها المصريون أن تؤيسكم الخطوب، واحذروا أيها المصريون أن يبطركم الفوز، واعلموا أيها المصريون أن أموركم راجعة إليكم مهما تكن الظروف؛ لأنكم تريدون ذلك وتصممون عليه. سيقولون لكم إن المحنة لم تنتهِ بعد، ولعلها أن تطول، ولكنكم قد احتملتم أثقل أعبائها، وبلَوتم أمر قسوتها، وخرجتم بعد ذلك ظافرين. ومهما تتنكر لكم الخطوب فلن تلقوا شرًّا مما لقيتم، ولن تلقوا مثل ما لقيتم، ولن تجدوا من خصومكم بعد اليوم إلا كيد الضعيف ومكر المخفق المشفق.
    فثقوا بالله وانتظروا منه التأييد، وأوفوا بعهد الوطن، وأحسنوا في سبيله الجهاد، وأخلصوا الحب لصاحب العرش، وانتظروا منه العناية الرشيدة، والرعاية الحكيمة، والعطف الكريم.
    [1] كوكب الشرق في ٢٢-٩-١٩٣٣.

  • حرب الحكومة على الفكر الحر | The Government’s War on Free Thought and Free Assembly

    عهد
    أعترف بأنني لا أهاب شيئًا كما أهاب رضا الناس عني، ولا أشفق من شيء كما أشفق من حسن ظنهم بي. فأنا — شهد اللّٰه — قلما أرضى عن نفسي أو أحسن الظن بها، وما أذكر أني كتبت شيئًا أو أتيت شيئًا من الأمر إلا وأنا مؤمن بأنه دون ما كان ينبغي أن أكتب، ودون ما كان ينبغي أن آتي من الأمر، ودون ما ينبغي أن يرضي هؤلاء الأصدقاء الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، والذين يتفضلون عليّ فيرضون عني ويحسنون الرأي فيّ، وأعجز أنا عن تصديق هذا الرأي أو تصويب هذا الرضا.
    كذلك كنت منذ بدأت أكتب، ومنذ بدأت أنهض بشيء من أعباء الحياة العامة، ويظهر أني سأظل كذلك أبدًا. فقد جاوزت من أطوار الحياة هذا الطور الذي يستطيع الناس أن يغيروا فيه آراءهم في أنفسهم، ويحسنوا بها الظن، وينتظروا لها النمو والرقي والتقدم نحو الكمال.
    لذلك لا أدري كيف ألقى هؤلاء الأصدقاء الذين عرفوا أني سأكتب في «الكوكب» فأحبوا ذلك، ورضوا عنه، وغلا بعضهم فاغتبط به وابتهج له. نعم، ولا أدري كيف ألقى هؤلاء الذين تفضلوا فدعوني إلى الكتابة في «الكوكب»، وألحوا عليّ في ذلك إلحاحًا ملؤه المودة والبر، والرغبة في الخير لي، وللقراء مما سأكتبه.
    نعم، لا أدري كيف ألقى أولئك وهؤلاء، لأني شديد الإشفاق من العجز عن تصديق أولئك وهؤلاء، وتحقيق القليل أو الكثير مما ينتظرون. ومع ذلك فقد أجبت شاكرًا دعوة الداعين، وقبلت مغتبطًا رضا الراضين، وأقبلت إلى أولئك وهؤلاء، وأنا واثق مطمئن إلى أني لم أبلغ ما يأملون فيّ ويرجون مني. فلن أقصر عن الإخلاص الذي ليس فوقه إخلاص، ولن أفتر عن النصح الذي ليس بعده نصح، ولن أضن بقوة أملكها أو جهد أقدر عليه، وإنما أبذل هذا كله صادق الرأي، ماضي العزم، قوي الأمل، كأحسن ما يكون الرجل استعدادًا لاستقبال الخطوب، واحتمال الآلام في خدمة هذا البلد الحزين.
    وما أظن أن المصري يملك في هذه الأيام شيئًا يستطيع أن يقدمه لوطنه خيرًا من الإخلاص والنصح وصدق العزيمة، وحسن الاستعداد لاستقبال الخطوب. فإن كان هذا هو الذي ينتظره مني أصحاب «الكوكب» وقراؤه، فهم واثقون منذ الآن بأنهم سيبلغون منه ما يريدون، وإن كانوا ينتظرون مني غير هذا فليعذروني إذا لم أعدهم بشيء.
    وأي شيء يستطيع العاملون أن يقدموه إلى مصر في هذه الأيام التي قصت فيها الأجنحة، وشدت فيها الألسنة فلا تقول إلا بحساب، وعقلت فيها الأقلام فلا تجري إلا بمقدار، وضيق فيها على الناس فهم مضطرون إلى أن يفكروا ويطيلوا التفكير قبل أن يقولوا أو يكتبوا، وإلى أن يقدروا فيطيلوا التقدير قبل أن ينشطوا لأمر من الأمور؟ كل شيء ضيق من حولنا، فقد استكشفت الوزارة منذ نهضت بالحكم — أو منذ همت أن تنهض بالحكم — أن الدستور أوسع مما ينبغي، فضيقته وبالغت في تضييقه. ولم تكد تعلن إلينا هذا التضييق، وتأخذنا بتصغير عقولنا، وتقصير ألسنتنا، والكبح من أقلامنا، والحجر على آمالنا لتلائم حياتنا الدستور الجديد، حتى استكشفت أن هذا الدستور الجديد نفسه يكفل لنا حريات أكثر مما ينبغي، وإذا هي تضيق هذه الحريات بألوان التشريع مرة، وبسلطانها الإداري مرة أخرى. وإذا هي قد اتخذت موازين دقيقة شديدة الدقة، رقيقة مسرفة الرقة، حساسة حادة الحس، تقيس بها ما نرى وما نقول وما نفعل، وتأخذنا بما تنكر هي من ذلك كله، لا بما ينكر العرف، ولا بما ينكر الدستور، ولا بما تنكره الديمقراطية الغالية في الضيق. وإذا انتقالنا في الغدو والرواح يرصد ويرقب ويقدر، فيباح أو يحظر. وإذا كلامنا يؤول على وجهه حينًا، وعلى غير وجهه أحيانًا. وإذا تفكيرنا يتهم، وإذا كل شيء نأتيه مرغوب عنه، وكل شيء نأباه مرغوب فيه. وتمضي الأسابيع والأشهر، وإذا الوزارة تستكشف أن هذا السياج الضيق الذي أحاطتنا به وحصرتنا فيه لا يكفي، لأن عقولنا لا تزال واسعة أوسع من هذا السياج، وإرادتنا لا تزال قوية أقوى من سلطان الوزارة. فلابد إذن من أن تضيق العقول، وتضعف الإرادة، وتنحل العزائم. وأي وسيلة أدنى إلى تحقيق هذا من تضييق التعليم ومراقبته، والسيطرة الشديدة المحرجة عليه في جميع فروعه وألوانه؟ وإذن فلتبسط الوزارة سلطانها — وقد فعلت — على التعليم، ولتجمعه كله إليها، ولتحصره كله في يدها، ولتضغطه ما وسعها الضغط، ولتقبضه ما وجدت إلى قبضه سبيلًا.
    هذه مدارس لم يكن لها عليها سلطان، فيجب أن تظلها بجناحها، وهذه مدارس حرة قد يجد التعليم فيها من السعة ما لا تحب، فلتشرع لها القوانين التي تردها إلى حيث تريد هي من الضيق. وهؤلاء أبناء الشعب يقبلون على التعليم أفواجًا، فلتتخذ العدة لمقاومة هذا الإقبال الخطر. وأي شيء أخطر على مثل هذا السلطان الذي لا يريد أن يكون له حد من إقبال الناس على فروع التعليم الراقي؟
    هذا وزير المعارف يعلن في مجلس النواب أنه لابد من تضييق التعليم الثانوي والعالي لأنهما يخرجان لمصر من الشبان المثقفين أكثر مما ينبغي. فلنتوسع في التعليم الأولي لنحارب الأمية، ولنتشدد في التعليم الثانوي والعالي لنقلل من عدد العاطلين في ظاهر الأمر، ولنضعف الخطر على السلطان الذي لا حد له في حقيقة الأمر، ولندع التفكير في أن التعليم على اختلاف ألوانه حق للناس جميعًا، يريدونه متى شاءوا وما استطاعوا أن يريدوه، لا يقيدهم في ذلك إلا الامتحان والقدرة على النهوض بأثقاله.
    نعم، ولندع التفكير في أن الرقي الصحيح لأمة من الأمم رهين بانتشار الثقافة الصحيحة التي يجدها الشبان في المدارس الثانوية والعالية وفي الجامعة، وأن الخطر المنكر على النظام الاجتماعي والسياسي معًا إنما يأتي من الغلو في نشر التعليم الإلزامي والتقصير في نشر التعليم الراقي، لأنه يجيء في البلاد بجيش من أنصاف المتعلمين أو أثلاث المتعلمين أو أرباع المتعلمين، الذين لا يرون الأشياء كما هي ولا يقدرونها كما ينبغي أن تقدر، ثم لا يهيأ لهذا الجيش الخطر من المثقفين قادة مهرة يردونه عن الشطط، ويقودونه إلى الرقي والخير.
    لندع التفكير في هذا كله، فهناك ما هو أهم من هذا كله وأجل خطرًا، وهو أن يستطيع السلطان الذي لا حد له أن يستغرق كل شيء، ويستأثر بكل شيء، ويوجه الأمة إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تريد آمالها ومنافعها ومثلها العليا في الحياة.
    كل شيء ضيق من حولنا، وليس الغريب أننا لم نرق في هذا العصر الذي خضعنا فيه لهذا السلطان، وإنما الغريب أننا لم نتأخر، بل ثبتنا حيث كنا حين أنعم اللّٰه علينا بالوزارة القائمة. وليس الغريب أن عقولنا لم تزدد سعة، وأن إرادتنا لم تزدد قوة، وأننا لم نشق لأنفسنا طرقًا جديدة في العلم والسياسة وغيرها من فروع الحياة، وإنما الغريب أن عقولنا وإراداتنا ما تزال حيث كانت من السعة والقوة، وأننا ما زلنا نقاوم ظافرين هذه العوادي المختلفة التي سلطت علينا من كل ناحية، وأخذت علينا كل سبيل.
    نعم، خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه. فإن الصراع بيننا وبين الحوادث التي تدهمنا مهما يطل أو يقصر، فإنما الفوز فيه لصاحب الإرادة القوية، والعزيمة الماضية، والقوة على المقاومة.
    وأنا أعاهد الذين سيقرؤونني أني سأكون من هذا كله حيث يحبون، وما أظن أني أستطيع أن أشكر لهم ترحيبهم بي، وحسن لقائهم لي بأحسن من أن أعطيهم على نفسي هذا العهد.
    كوكب الشرق ٩ – ٣ – ١٩٣٣

    حديث الوادي
    تضليل…

    يريد قوم أن يفرضوه على مصر فرضًا، وأن يجعلوه من الأعمال التي يثاب من أقدم عليها بالراحة والأمن والهدوء، ويعاقب من أحجم عنها بالأذى في نفسه وماله وأهله، على حين تريد الحضارة، ويريد الرقي، وتريد الأخلاق، ويريد الدين، أن يكون التضليل إثمًا من الآثام، يعاقب المقدمون عليه والداعون إليه والمتورطون فيه.

    ذلك أن حاكمًا من الحكام إن مات، فلا ينبغي فيما يقال إن الوزارة تريد أن تشرع من قانون للصحافيين والمؤرخين، أن تكتب فيه كلمة الحق صريحة، ولا أن يصدر عليه حكم التاريخ واضحًا، ولا أن يصور للأجيال الحاضرة، والأجيال المقبلة، تصويرًا صادقًا، ويبين للناس ما قدم من خير ليحمدوه ويتأثروه، وما قدم من شر ليكرهوه ويتجنبوه.

    وإنما ينبغي أن تعامل الموتى كما يعامل الأحياء، وأن يتأثر الكتاب والمؤرخون حين يكتبون عنهم بما يتأثرون به حين يكتبون عن الأحياء من ألوان المجاملة والمصانعة، ورعاية المنافع، واتقاء الخوف، واجتناب التعرض للعقوبات.

    فالقانون الذي يراد إصداره، إن أتيح له الصدور، سيدخل إذن بين الكتاب والمؤرخين، وبين ضمائرهم، وسيكره إذن هذه الضمائر على ما لا تحب، وسيلزم إذن كل كاتب، وكل مؤرخ يعرض للموتى، بأن يتحرى ما يمكن وما لا يمكن، ويتبين ما يساغ وما لا يساغ، ويبحث عما يرضى وما لا يرضى، ولا يقول من ذلك كله إلا ما لا يعرضه لتحقيق النيابة، ثم لموقف القضاء، ثم للغرامة أو السجن أو لهما جميعًا.

    وإذن فسيفرض على الكتاب والمؤرخين، حين يعرضون لسير الموتى، ألا يقولوا الحق كاملًا، وأن يذيعوا في الناس غير الصواب، وأن يكونوا أدوات للتضليل، – وأي تضليل؟ – لتضليل أجيال كاملة، وللتضليل فيما لم يعرف الناس قط أن التضليل فرض فيه على أحد.

    والغريب أن هذه الأوليات التي يكفي أن يفكر فيها رجل متحضر، ليضيق بها، وينفر منها، ويعافها كما يعاف أشد الأشياء إيذاء للنفس، تجد بين المثقفين المصريين من يطمئن إليها، ويقدم عليها، ويريد أن تصبح قانونًا يؤخذ به الناس كهذا.

    والغريب أن في مصر قومًا يتخذون التاريخ صناعة، يجد بعضهم فيه لذة، ويجد بعضهم فيه منفعة، وأولئك وهؤلاء، يحرصون أو يظهرون الحرص على أن يكونوا مؤرخين حقًا، أي مذعنين لما تقتضيه صناعة التاريخ، من إيثار الحق على كل شيء، ومن إيثار مناهج البحث الحر على كل شيء، ومن إباء الخضوع لأي قيد من شأنه أن يفسد التاريخ، أو الحرية البحث التاريخي، مهما تكن الظروف.

    الغريب أن في مصر نقرأ من هؤلاء، وأنهم يقرأون ويسمعون ما يذاع من الأنباء عن هذا الكيد الذي يدبر للتاريخ، فلا يؤذيهم ذلك، أو لا يظهر للناس أن ذلك يؤذيهم، وإنما هم خاضعون، مذعنون، لا يقولون حرفًا، ولا يظهرون إنكارًا، ولا يذودون عن كرامة العلم، ولا يدفعون عن هذه الأمانة المقدسة، التي لا قيمة لعالم إذا لم يدفع عنها بكل ما أوتي من قوة وجهد، وقدرة على الدفاع.
    والغريب أن الوزارة حين تفكر في هذا القانون لا تستقصي آثاره ونتائجه، ولا تهيئ العدة لتنفيذه، كما ينبغي أن ينفذ، ولا تتخذ الوسائل إلى فرض الرقابة على الجامعة، وعلى المدارس الثانوية والابتدائية. فالتاريخ يدرس في هذه الجامعة وفي هذه المدارس، ودرسه في الجامعة حر إلى الآن، فلابد من تقييد هذه الحرية، ولابد من تعيين مراقبين يرون دروس الأساتذة قبل أن تلقى، ويسمعونها أثناء الإلقاء، حماية لمن فارق هذه الدار، أو يفارقها من الحكام. ودرس التاريخ في المدارس الثانوية والابتدائية يكون طبقًا لكتب رسمية قد وضعت له، حين كان التاريخ حرًا، فلابد من أن تؤلف اللجان لتنقي هذه الكتب تنقية من جراثيم الحرية والحق، ولابد من أن يعاد تأليف هذه الكتب، ليرد التاريخ إلى ما يراد له من إرضاء الأهواء والشهوات، لا من تصوير الحق والصواب. ولابد مع ذلك من تعيين المراقبين، لأن أساتذة التاريخ في المدارس لا يقيدون أنفسهم بالكتب الرسمية دائمًا، وإنما يتبسطون، ويستطردون، ولعلهم أن يمسوا ميتًا بغير ما تحب الوزارة أن يمسوه به، فيجب أن يردهم المراقبون عن ذلك ردًّا، حماية للموتى، وتنفيذًا لهذا القانون الغريب!

    والغريب أن للتاريخ مؤتمرًا عالميًّا يجتمع كل ثلاثة أعوام، وأن لهذا المؤتمر لجنة دائمة تتبع الدراسات التاريخية، وما ينالها من رقي، وما يعرض لها من ضعف، وأن لمصر شعبة تمثلها في هذه اللجنة، وأن أعضاء هذه الشعبة يختارون من رجال التاريخ في وزارة المعارف وفي الجامعة، وأن وزارتنا لم تفكر في هذا المؤتمر ولا في هذه اللجنة، ولا في هذه الشعبة التي تمثل مصر فيها. وقد ينبغى أن تفكر الوزارة في هذا كله، وأن تكلف شعبتنا المصرية بأن تعرض على اللجنة الدائمة، ثم على المؤتمر، هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ وكتابته، وفي حماية الموتى من أحكامه وآراء كتابه، ومن الحق والصدق بوجه عام.

    فمن يدري؟ لعل هذا المذهب أن يوافق رضى المؤرخين في الأرض كلها، فيصبح تزييف التاريخ أصلًا جديدًا من أصول العلم، وقاعدة حديثة من قواعد البحث، ويسجل للوزارة المصرية الفضل في هذا التجديد!

    والغريب أن عصبة الأمم قد أنشأت شيئًا يقال له معهد التعاون العقلي، وأن الدول كلها قد اشتركت في هذا المعهد، ومنها مصر، وأن مصر تدفع لهذا المعهد مقدارًا من المال في كل عام، وأن أهم ما يعنى به هذا المعهد حماية البحث العلمي عامة، والتاريخي خاصة، من كل عدوان. فمن الحق على وزارتنا أن تكلف وزيرنا المفوض في باريس أن يعرض هذا المذهب الجديد في فهم التاريخ، وفي رعاية حرمات العلم، على معهد التعاون العقلي، لعله أن يقر هذا المذهب، ثم يعرضه على عصبة الأمم المتحدة فتقره أيضًا، ثم تقترح مشروع معاهدة دولية قوامها فرض التضليل التاريخي على المؤرخين في أقطار الأرض كلها…

    وزارتنا مهملة لهذا النحو من الدعاية، مقصرة في ذات نفسها، فيجب على أقل تقدير أن يقوم الصحافيون بما لم تقم به الوزارة، ولم يقم به المؤرخون.

    وقد قرر الصحافيون أن يبلغوا إنكارهم لعمل الوزارة إلى النقابات الصحفية وإلى أندية القلم في أقطار الأرض، فيجب عليهم أن يبلغوا هذا الإنكار إلى اللجنة الدائمة الدولية للدراسات التاريخية، وإلى المؤتمر العام للتاريخ، وإلى معهد التعاون العقلي، ثم إلى عصبة الأمم، ليعلم الناس في أقطار الأرض كلها أن على الأرض وزارة تريد أن تقيد حرية البحث التاريخي، وأن تخضع العلم الحر لما تقتضيه المنافع السياسية من الأهواء والشهوات.

    ثم ليعلم الناس أن مصر بحمد الله، ليست نائمة، ولا راكدة، ولا مقصرة، وإنما هي يقظة نشيطة، جادة، تستحدث من الأمر ما لم يسبقها إليه أحد من الإنس ولا من الجن، فتعاقب المؤرخين حين يعلنون ما يعتقدون أنه الصواب…

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/١

    إغراء
    كانت المسيحية تنتشر في أقطار الأرض انتشارا سريعا منذ ثمانية عشر قرنا. وكان اعتناق المسيحية في ذلك الوقت جريمة يعاقب عليها القانون الروماني بالموت. وكان الناس يدخلون في هذا الدين سرا، ويخفون إيمانهم به وإقامتهم لشعائره. وكان يسعى بعضهم لبعض، ويكيد بعضهم لبعض، ويدل بعضهم على بعض. فارتفعت إلى حاكم من حكام الأقاليم في آسيا سعايات كثيرة بقوم كثيرين دخلوا في هذا الدين الجديد، ووقف هذا الحاكم موقف التردد والحيرة من هذه السعايات: أيصغي إليها أم يعرض عنها؟ فكتب إلى روما يستفتيها وأجابته روما بهذا الجواب البديع: من سعى بغير فليس منا، وما ينبغي أن تكون السعاية وسيلة من وسائلنا إلى الحكم، فإن ارتفعت إليك الدعوى على أحد أنه دخل في هذا الدين وقامت عليه البينة لديك فأنفذ فيه حكم القانون. وإلا فلا تجعل لنفسك على الناس في هذا سبيلا.
    وأمضى الحاكم هذا الأمر فلم يأخذ بالسعاية ولم يسمع لوشاية الواشين ولم يبث على الناس عيونا ولا أرصادا، ولا جواسيس ليتبين من أمرهم ما كان يجب أن يتبين، فقد كان الدخول في الدين الجديد خروجا على قوانين الدولة، وإهدارا لما كان للإمبراطور في أعناق الناس من واجب العبادة والتقديس، وتحللا من واجب آخر لم يكن أقل من هذا الواجب خطرا، واجب النهوض بالدفاع عن سلامة الإمبراطورية.
    كان ذلك في عهد تراجانوس الإمبراطور، وكان الحاكم كلينيوس الصغير، وكان تاريخ القصة أول القرن الثاني للمسيح. وكان الإمبراطور وحاكمه وثنيين. ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي والحضارة ما بلغه الآن بفضل نمو العقل، وانبساط سلطانه على حياة الناس وعلى الأشياء، ولم يكن العالم قد بلغ من الرقي الديني والخلقي ما بلغه في هذه الأيام بفضل انتشار الديانات السماوية وسيطرتها على العقول والقلوب، وتأثيرها في سيرة الناس وتفكيرهم وفي سياستهم العامة والخاصة معا.
    وفي هذا القرن الذي نعيش فيه بعد أن بلغ العقل ما بلغ من الرقي، وبعد أن انتشر نور الديانات السماوية بين الناس فأحيا القلوب والنفوس، وبين سبيل الخير وسبيل الشر وأوضح للناس طريق المعروف ليسلكوها، وطريق المنكر ليجتنبوها.
    في هذا القرن العشرين كثرت طائفة بعينها من الجرائم في بلد بعينه من البلاد، وعجزت حكومة بعينها من الحكومات عن قمع هذه الجرائم، لأنها عجزت عن استكشاف المجرمين. فلما ضاق بها الأمر، وأعيتها الحيلة وسدت عليها السبل، رأت أن أوضح السبل إلى أخذ المجرمين وتقديمهم إلى القضاء ليلقوا جزاءهم على ما اقترفوا من إثم، واجترحوا من سيئة إنما هو تشجيع الساعين أن يسعوا والواشين على أن يشوا، والكائدين على أن يكيدوا، والمفسدين على أن يفسدوا، والعابثين بالأخلاق على أن يعبثوا بالأخلاق.
    وكانت هذه الحكومة قد ظفرت في وقت من الأوقات بطائفة من الآثمين سعى بعضهم ببعض فقدمتهم إلى القضاء، وأجرى فيهم القضاء أمر القانون حازما صارما، ليست فيه هوادة ولا لين. فراع هذا الحكم غير هؤلاء الآثمين من الناس فانقطعت السعاية ووقفت الوشاية، وأمن الأبرياء من أن يزجوا في أعماق السجون أشهرا حتى يظهر القضاء براءتهم، وعمي أمر المجرمين على الشرطة، ولم تمكنها وسائلها الخاصة من أن تستكشف هؤلاء المجرمين بنفسها فسعت وألحت في السعي، وطلبت وألحت في الطلب حتى صدر العفو عن أشد هؤلاء الآثمين إثما، وأكثرهم إغراقا في السعاية والوشاية والكيد فحُطِّمت عنه الأغلال وانحلت عنه السلاسل، وانفرجت عنه أبواب السجون وانطلق حرا يستمتع بما يستمتع به الناس من الحياة والضوء والهواء الطلق ومُنح حظه من مكافأة كانت قد أُرصدت لمن يدل الشرطة على الآثمين.
    كان مقضيا عليه بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، فقضى فيها أحد عشر شهرا، وخرج فإذا بألف من الجنيهات تنتظره على باب السجن أو في مكتب من مكاتب الإدارة ليذوق لين العيش بعد خشونته، ولذة الحياة بعد آلامها، وليكون غنيا بعد فقر، ناعما بعد بؤس، سعيدا بعد شقاء. والعفو فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروها ولا سيما إن آثروها وهم قادرون على البأس والبطش. فمن الحق أن يُحمد لهذه الحكومة التماسها العفو عن هذا السجين، وقد كانت قادرة على أن تبقيه في السجن. والجود فضيلة من الفضائل يحمد الناس إن آثروه، ولا سيما إن آثروه وقت الحاجة إليه. فمن الحق أن تُحمد الحكومة حين تمنح هذا البائس ألفا من الجنيهات، وقد كان محروما لا يجد ما ينفق بعد أن انفرجت عنه أبواب السجون.
    ولكن العفو فضيلة حين يُقصد لنفسه، وحين يُراد به وجه الله. والجود مأثرة حين يُقصد لنفسه وحين يُراد به رفع الكرب عن المكروبين، ورد الحرب عن المحروبين. فأما إذا طلبت العفو لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي طلبت العفو عنه من سعاية ووشاية وكيد، فأما إن أنعمت لتغري بمثل ما تورط فيه هذا الذي أنعمت عليه من سعاية ووشاية وكيد، فأنت لم تؤثر عفوا، ولم تصطنع جودا، وإنما عرضت الأخلاق لشر عظيم، ووضعت ضمائر الناس في الأسواق للبيع والشراء، وفتحت على الأبرياء الآمنين أبوابا من الشر منكرة، لا سبيل إلى أن تُغلق إلا بعد الكد والجهد، وبعد المشقة والعناء، وبعد أن يُبلى عدل القضاء في ذلك بلاء حسنا عظيما معقدا أشد التعقيد. واتخذت الفضيلة وسيلة إلى غير الفضيلة، والمعروف وسيلة إلى غير المعروف. وأفسدت على الناس قيم الأشياء، وشككت الناس في الخير والشر، وجعلتهم خليقين أن يزدروا الاستقامة، ويؤثروا عليها الاعوجاج، وأن يعافوا البر ويؤثروا عليه النكر، وأن يسألوا أنفسهم: أيهما ينبغي أن نصدق؟ أهو ما تنبئنا به كتب الدين والأخلاق من أن البر والخير والمعروف وحسن السيرة واستقامة المسعى أمور تليق بكرامة الناس وأتقيائهم، وتضمن لهم رضا الله ومثوبته؟ أم هو ما يغرينا به مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من إيثار السعاية والوشاية وحب الدس والكيد، ونصب الحبائل للأبرياء؟ أيهما ينبغي أن نسمع له ونصغي إليه؟ أهو هذا الذي يقال من أن الحكومة في البلاد المستنيرة المؤمنة إنما أُنشئت لتقيم العدل بين الناس بالعدل، لا بالجور، ولتكشف شر الناس عن الناس بالقسط لا بالظلم، ولترغب الناس في الخير وتعينهم عليه وتمكنهم منه؟ أم هو هذا الذي يلقيه في روعنا مثل هذا الحلم ومثل هذا الجود من أن الغاية تبيح الوسيلة، ومن أن الحلم يمكن أن يُبذل ثمنا للكيد، ومن أن الجود يمكن أن تُشترى به السعاية والوشاية والشر.
    كل هذه الخواطر تضطرب بها نفوس المصريين جميعا منذ أمس، وتخفق لها قلوب المصريين جميعا منذ أمس، وتتحدث بها ألسنة المصريين جميعا منذ أمس. فإن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة حين استصدرت العفو عن هذا السجين البائس قد تفيد — على شك كثير في ذلك — في إعانة الشرطة على استكشاف من أعجزها استكشافه من الآثمين، ولكنها ستضر أكثر مما تنفع، وستفسد أكثر مما تصلح، وستغري الناس بالشر أكثر مما تنهاهم عنه، وسترغب الناس في الإثم أكثر مما تنفرهم منه. ويكفي أنها ستشكك الناس تشكيكا فظيعا مخيفا في هذا الذي تجري به ألسنة الوعاظ والأتقياء والمعلمين والمؤدبين من صنع الخير والثناء عليه، ومن الإشادة بحسن السيرة، ونقاء الضمير. وكم كنا نحب أن تفكر الوزارة فتحسن التفكير، وأن تروي الوزارة فتحسن التروية، وأن تسأل الوزارة نفسها أيهما أحق بالعناية وأولى بالرعاية؟ أهو استقامة الأخلاق العامة، وطهارة ضمائر الناس، أم هو إعانة الشرطة من طريق معوجة ملتوية على ما عجزت عن الوصول إليه.
    أما نحن فنعتقد اعتقادا لا يشوبه الشك أنه قد كان على الوزارة واجب قصرت فيه، وهو أن تتبين الأسباب التي دعت إلى عجز الشرطة فتغيرها. وأكبر الظن أن هذه الأسباب موجودة في الشرطة نفسها وفيما تجري عليه من نظام، فلو قد غيرت الوزارة من نظام الشرطة ما ظهر أنه سبيل إلى هذا العجز لكان هذا خيرا للأمة والحكومة معا، ولكان هذا أبقى على دين الناس وأخلاقهم ورأيهم في قيمة الدين والأخلاق.
    ما كان أجدر الوزارة بأن تعرض عن نصح هؤلاء الناصحين الذين يخيلون إليها أنها وُجدت لنفسها لا للناس، وأن كل وسيلة مهما تكن فهي مشروعة ما دامت تمكنها من الحياة وطول البقاء. إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة تضيق بشيء، فهي تريد أن تخلص من هذا الضيق دون أن تفكر في قيمة الوسائل التي تتخذها للخلاص من هذا الضيق.
    إن هذه الخطوة التي خطتها الوزارة أمس دليل واضح على أنها تؤثر بقاء نفسها وراحتها على أمن الناس وراحتهم واطمئنانهم إلى ما يأمر به الدين، وما تأمر به الأخلاق.
    أما وقد فتحت الوزارة هذا الباب فتستطيع أن تثق منذ الآن بأنها فتحت بابا عظيما من أبواب الشر، وبأن كثيرا من الأبرياء الوادعين سيلقون من صروف الكيد وصنوف الدس ما ينغص عليهم الحياة، وبأن القضاء نفسه سيلقى من الجهد والمشقة ضروبا وألوانا ليستنقذ الأبرياء من حبائل الساعين والواشين، وليفرق بين هؤلاء الذين قد يُقدَّمون إليه ظلما، وقد يذوقون عذاب السجن ظلما، وبين هؤلاء الذين سيُقدَّمون إليه وهم أهل لما أرصد القانون من عقاب الآثمين.
    كوكب الشرق في ٥ – ٨ – ١٩٣٣

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣

  • بقايا أزمة التبشير | Missionary Crisis, Loose Threads

    عدوان

    زعموا أن الروم اعتدوا على امرأة مسلمة من أهل الحدود بينهم وبين المسلمين، فاستغاثت بأمير المؤمنين المعتصم، فلم يكد يبلغ الخليفة دعاؤها إياه، واستغاثتها به، حتى قال: لبيك، لبيك، ونهض من فوره، فغزا بلاد الروم، وأمعن في غزوها، ودمر فيها مدنًا ضخمة، وحصونًا عزيزة، وعاد مظفرًا، موفور الكرامة، قد حمى الإسلام والمسلمين، وانتصف من الظالم للمظلومين، وأنطق أبا تمام ببائيته الخالدة:

    السيف أصدق أنباءً من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب

    وشهد الله ما نريد حربًا ولا قتالًا، وشهد الله ما نريد ضربًا ولا نزالًا، فقد مضت فيما يظهر أيام الحرب، أو يقال إنها تريد أن تمضي، وقد أقبلت فيما يظهر أيام السلم، أو يقال إنها تريد أن تقبل. وقد أصبحت الحياة الجديدة حريصة كل الحرص على أن تزال الخصومات بين الناس بالمودة والمعروف، وبالصلح والتحكيم، لا بالعنف والشدة، ولا بالإغارة والهجوم.

    الله يشهد ما نريد شرًا، ولا ندعو إليه، والله يشهد ما نريد عنفًا، ولا نغري به، ولكننا نريد أن نكون آمنين في دورنا، مطمئنين في بلادنا، لا نعتدي على أحد، ولا يعتدي علينا أحد. نريد ألا نكون أذلة في بلادنا، والأجنبي فيها عزيز، وألا نكون مستضعفين في بلادنا، والأجنبي فيها قوي، وألا نكون محرومين في بلادنا، والأجنبي فيها غني موفور.

    نريد أن نأمن على أنفسنا وحريتنا، وأن نأمن على آرائنا وعقائدنا، وأن نأمن على ديننا وشعائرنا. وهذا أيسر ما يطلبه الناس، وهذا أيسر ما تنهض به الحكومات في أي بلد من بلاد الأرض.

    نحن لا نكره غير المسلمين على أن يسلموا، ولو قد حاول أحد منا شيئًا من ذلك لبطشت به حكومتنا، فاشتدت في البطش، ولنكلت به حكومتنا، فألحت في التنكيل. أستغفر الله، بل إن رجال الدين عندنا لا يدعون غير المسلمين إلى الدين، ولا يفكرون في دعوتهم إليه، ولو قد فعلوا ذلك، أو هموا أن يفعلوه، لعج الأجانب وضجوا، ولأنكر الوزراء المفوضون واحتجوا، ولتقدمت حكومتنا إلى رجال الدين بأن يكفوا عن هذه الدعوة، ويكتفوا بوعظ المسلمين وإرشادهم إلى الخير.

    نحن إذن لا نكره غير المسلمين على الدخول في الإسلام، بل لا ندعوهم إلى الدخول في الإسلام. فمن أراد منهم أن يدخل في ديننا، لم نقبل ذلك منه إلا بعد احتياط وتشدد في الاحتياط، وإلا بعد تحفظ وغلو في التحفظ، وإلا بعد تثبت قاطع من أنه لم يقبل على الإسلام إلا طائعًا، راضيًا، راغبًا فيه، لا مكرهًا عليه إكراهًا، ولا مدفوعًا إليه دفعًا.

    هذه حالنا، فما بال الأجانب عندنا لا يرعون حرمة الضيافة والجوار؟ وما بالهم لا يرعون الحق الذي يفرضه القانون؟ وما بالهم لا يرعون الواجب الذي يفرضه الجوار؟ وما بالهم يلحون في إكراه المسلمين على أن يخرجوا من دينهم، ويستبدلوا منه دينًا آخر؟ ما بالهم يحتالون في ذلك ويكيدون له؟ فإن أعيتهم الحيلة، وأعجزهم الكيد، التمسوا إليه سبل الشدة والحدة، فعذبوا الناس تعذيبًا، ونكلوا بهم تنكيلًا، حتى يرفضوا دين آبائهم، ويدخلوا في دين لا يحبونه، ولا يريدون الدخول فيه.

    هؤلاء المسلمون تتصل شكواهم من عبث المبشرين بدين الفتيان والفتيات، ومن فتنة المبشرين للشباب في دينهم، باللين حينًا، وبالشدة حينًا، بالحيلة مرة، وبالقهر مرة أخرى.

    هؤلاء المسلمون يشكون من ذلك، لا في مدينة واحدة، بل في مدن عدة، ولا في وقت واحد، بل في أوقات مختلفة. وهؤلاء الأجانب يسمعون شكوى المسلمين، فلا يحفلون بها، ولا يلتفتون إليها، ولا يكفون سفهاءهم عن هذا الإثم والعدوان.

    وهم يعلمون حق العلم أن لو ذهب المبشرون المسلمون إلى بلادهم يدعون فيها إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا عنيفًا. وهم يعلمون حق العلم أن لو أخذ المبشرون المسلمون يدعون الأجانب في مصر إلى الإسلام، لردوا عن ذلك ردًا شديدًا.
    أفيريد الأجانب أن نفهم أنهم يأبون أن يعرفوا لنا حقًا، أو يرعوا لنا حرمة، أو يؤمنوا لنا بكرامة؟ أفيريد الأجانب أن يستقر هذا الرأي في نفوسنا؟ وهل يقدر الأجانب نتيجة هذا الرأي إن استقر في نفوسنا بالقياس إليهم؟ وهل يأمن الأجانب نتيجة هذا الرأي على مصالحهم ومرافقهم عندنا؟ وهل يؤثر الأجانب عداوتنا على مودتنا، وبغضنا على حبنا؟ وهل يريد الأجانب أن يسوء ظننا بهم، وأن نتهمهم في كل ما يقولون، وفي كل ما يعملون، وألا ننظر إليهم ولا نسمع لهم إلا كما ننظر إلى العدو المخوف، وكما نسمع للخصم المريب؟

    إن كانوا يريدون ذلك، ويحرصون عليه، فما أيسر أن يبلغوه بالمضي فيما هم فيه من تشجيع السفهاء، وحماية هؤلاء الذين يعتدون على المسلمين في آثر الأشياء عندهم، وأعز الأشياء عليهم، وهو الدين.

    ووزارتنا القائمة، ماذا تصنع؟ وبرلماننا القائم، ماذا يصنع؟ وأزهرنا الشريف، ماذا يصنع؟ ألم ترتفع إليهم جميعًا شكوى المسلمين من هذا العدوان المتصل على الإسلام، في القاهرة حينًا، وفي الإسكندرية حينًا، وفي بورسعيد حينًا آخر؟

    بلى، لقد ارتفعت إليهم هذه الشكوى، فأظهروا أول الأمر شيئًا من العناية بها، والالتفات إليها، وقال رئيس الوزراء في مجلس النواب إنه لن يسمح بالاعتداء على الدين.

    وخيل إلى الناس أن عناية الشيخ الأكبر، والبرلمان، والوزارة فيها شيء من الجد، وأنها سترد الأمر إلى نصابه، وتحمي الإسلام من عدوان المعتدين، وتؤمن الآباء على أبنائهم وبناتهم أن يفتنوا في الدين، ويصرفوا عنه إلى الكفر به، والخروج عليه.

    ولكن ما أسرع ما أظهرت الأيام أن الأمر لم يكن إلا كلامًا في كلام! وأن ما ظهر من نشاط في الأزهر، وفي مكاتب الوزارات، وتحت قبة البرلمان، لم يكن إلا ضربًا من التلهية، وفنًا من تهدئة الخواطر، وإسكات الناس!
    فهذا عدوان المبشرين ما زال متصلًا. وهذه أنباء هذا العدوان تأتينا من أنحاء القطر، والصحف تذيعها، وتلح في إذاعتها، وتستنهض الحكومة، وتلح في استنهاضها، وتنبه الشيخ الأكبر، وتلح في تنبيهه، فإذا الحكومة معرضة، وإذا البرلمان لاهٍ، وإذا الشيخ الأكبر في نوم عميق، والمبشرون يعتدون ويغلون في العدوان!!!

    وهذه أنباء بورسعيد تحدثنا منذ أمس بأنهم قد أسرفوا في هذا العدوان، حتى أكرهوا صبية لم تتجاوز الخامسة عشرة على الكفر، فلما أبت عليهم أعملوا في جسمها السياط، وسلطوا عليها العذاب. ولولا أن انتهى أمرها إلى المسلمين من أهل المدينة، فاستعانوا بالشرطة لاستنقاذ هذه الصبية، لاضطرت هذه البائسة إلى الكفر أو إلى الموت!!

    يجب أن تبين الحكومة للناس جلية الأمر في هذه القصة: أصحيحة هي أم غير صحيحة؟ فإن تكن غير صحيحة فلتعاقب الذين اخترعوها؛ لأنهم يذيعون الشر بين الناس، ويعرضون الأمن للخطر. وإن تكن صحيحة فلتعاقب الذين اقترفوا هذا الإثم، وأتوا هذا المنكر في وضح النهار، تحت سمع الحكومة وبصرها كما يقولون، وفي بلد إسلامي يجب أن يعز فيه الإسلام ولا يذل، ويجب ألا تكون حرية أهله عرضة للعبث الأجنبي وعدوانه.

    والمسلمون لن يرضوا بالوعود والأماني، فقد كثرت الوعود، واتصلت الأماني، ولم يكف المعتدون عن عدوانهم، ولم يعرض الآثمون عن آثامهم.

    يجب أن تغلق كل مدرسة يعمد أصحابها إلى غير التعليم، ويجب أن ينفى عن أرض مصر كل مبشر يحاول أن يفتن الناس في دينهم، ويجب أن تصطنع الحكومة في ذلك الحزم كل الحزم، والشدة كل الشدة. فإن الذي يبيح للحكومة أن تنفي عن أرض مصر من يعتدي على الأنفس والأموال، يبيح لها أن تنفي عن هذه الأرض هذا الأجنبي الذي يعتدي على الدين.

    ولكن الحكومة، فيما يظهر، لا تريد، أو لا تستطيع أن تفعل شيئًا، ولو قد أرادت أو استطاعت لما اتصل هذا العدوان، رغم إجماع المسلمين على الشكوى منه بكل طريق من طرق الشكوى.

    وقد أحس المسلمون ذلك، واستيأسوا من الحكومة فيما يظهر، فهم يفزعون الآن إلى جلالة الملك، لعله أن يتفضل فيأمر الحكومة بشيء من الجد في ذلك، والعناية به. فلعل أمر جلالته السامي، إن صدر إلى الحكومة، أن يمدها بروح من القوة، وأن يشد عزمها، ويمنحها الشجاعة الكافية لتنهض بحماية الحق، والكرامة، والحرية، والدين.

    أما بعد، فما أجدر شيخ الأزهر أن يسأل نفسه: أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لمثل هذه الصبية التي تفتن في دينها بأنواع العذاب، أم أن يحمي ذلك الشيخ المفتش الذي يقال إنه احتجز مال المسلمين، فسافر في الدرجة الثانية، وأخذ أجرة السفر في الدرجة الأولى؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يخرج سبعين من علماء المسلمين من الأزهر، ويضطرهم إلى البؤس والحرمان، لا لشيء إلا لأنه لا يحبهم ولا يرضى عنهم؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري برجال التعليم الأولي ليفرض عليهم العمامة، ويصرفهم عن الطربوش؟

    أيهما ألزم له وأوجب عليه: أن يغار لهذه الصبية المسلمة البائسة التي تفتن في دينها بألوان العذاب، أم أن يغري سفهاءه ومأجوريه بالمسلمين، يكذبون عليهم، ويذيعون عنهم الكفر، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا، ويكسبون من ذلك مالًا كله حرام، وشهرة كلها معصية!!

    ألا إن محنة المسلمين بالمبشرين عظيمة منكرة، ولكن محنتهم برجال الدين الذين يتخذون دين الله تجارة أعظم وأشد نكرًا.

    ألا إن المسلمين يفزعون إلى جلالة الملك أن يحميهم من اعتداء المبشرين على فتيانهم وفتياتهم، ويفزعون إلى جلالته أيضًا أن يحميهم من هؤلاء الناس الذين ينصبون أنفسهم للدفاع عن الدين، وهم حرب عليه.

    كوكب الشرق ١٠-٦-١٩٣٣

    فتنة
    لم يكن من الخير أن تثار، ولم يثرها أحد من المصريين، وإنما أثارها قوم من هؤلاء الذين تغريهم المنفعة بالشر، ويفسد عليهم التعصب كل شيء، فلا يتحرجون من اقتراف الجرائم، ولا يترددون في اجتراح الآثام ما داموا يجدون في ذلك تحقيقًا لمنفعة أو إرضاء لحاجة، أو شفاء لغل. هؤلاء الذين أقبلوا إلى هذه البلاد ضيوفًا فلم يرعوا لها حرمة، ولم يحفظوا لها عهدًا، وإنما اعتدوا على أهلها جميعًا سواء منهم المسلمون وغير المسلمين، يفتنونهم في دينهم ويصرفونهم عنه بألوان الغواية وضروب الإكراه.
    هؤلاء هم الذين أثاروا الفتنة، وقد أثاروها مرة ومرة. وقد ثبت المصريون لهم وصبروا عليهم، وطلبوا إلى حكومتهم أن تقر الأمر في نصابه وأن ترد هؤلاء الناس إلى حيث يجب أن يكونوا من رعاية القانون والخضوع للنظام. وكانت الصحف المصرية وما زالت لا تعرض لهذا الموضوع إلا محتاطة، ولا تتكلم فيه إلا متحفظة لأنها كانت وما زالت تقدر أن إثارة العواطف الدينية خطر يجب الاحتياط فيه والتحفظ منه، ولكن هؤلاء الناس مضوا فيما قصدوا إليه، وألحوا فيما عمدوا إليه من فساد، وقصرت الحكومة أو عجزت عن النهوض بواجبها فلم تحم دين المصريين ولا كرامتهم ولا عزتهم القومية حتى انتهى الشر إلى غايته وبلغ عدوان هؤلاء الناس أقصاه، فإذا الصبيان ينصرون جهرة، ويصرفون عن دينهم في وضح النهار، وإذا أحكام القضاء تعطل وتعجز الحكومة عن إنفاذها، وإذا أوامر الحكومة تهمل وتعجز الحكومة عن أخذ هؤلاء الناس باحترامها، وإذا ضروب الكيد للمصريين تكثر وتنتشر حتى تتناول كل شيء، فالفتيات يسلط عليهن الحب حتى إذا تورطن فيه دفعهن إلى الردة، وجعل لغير المسلمين سلطانًا عليهن. فلما انتهى الأمر إلى هذا النكر وضج الناس من شره، همت الحكومة بشيء من الحزم ولكنها لم تبلغ به شيئًا، فهذه مبشرة أخرى في بورسعيد سافرت ولكنها توشك أن تعود، وهذه مبشرة أخرى في بورسعيد تتحدى الحكومة فتأبى أن تسلم لها الفتيات المسلمات. وهذا حكم من أحكام القضاء بالفرقة بين مسلمة ومسيحي لا تجد الحكومة إلى إنفاذه سبيلًا. وأخبار هذا كله تنشر في الصحف مفصلة مطولة، والناس يستكشفون في كل يوم شرًّا، ويفضحون في كل يوم سرًّا، والرسائل تبلغ الصحف كثيرة متصلة ملحة مستنهضة للهمم، مستثيرة للعواطف، مستقلة ما تبذله الصحف من جهد، منكرة صمت الصحف الصامتة وفتور الصحف الفاترة. ونحن نلقى هذا كله صابرين متحفظين، مبالغين في الصبر والتحفظ، لأننا ما نزال نعتقد أن هذا الأمر فتنة لم يكن ينبغي أن تثار، وأن هذه الفتنة بعد أن أثيرت يجب أن تخمد وأن يرد شرها عن الناس.
    لذلك لا نزال نلح على الحكومة في أن تبحث عن نصيب آخر من الشجاعة غير هذا النصيب الذي ظفرت به في الأسبوع الماضي، فقد ظهر أن شجاعة الأسبوع الماضي لا تكفي، وأن حزم الأسبوع الماضي أضعف من أن يفي بالحاجة ويبسط سلطان الحكومة، لا أقول على المبشرين، بل أقول على هؤلاء الفتيات المصريات اللاتي يغتصبهن المبشرون اغتصابًا.
    يجب أن تبحث الحكومة عن نصيب جديد من الشجاعة والحزم لعل الله أن يفتح به عليها، فتشعر هؤلاء المبشرين بأنهم يقيمون في بلد متحضر، فيه دولة قائمة، ولهذه الدولة نظم يجب أن تحترم، وحرمات يجب أن ترعى، وقوة يجب أن تطاع. فمن تعدى حدود هذه النظم وهذه الحرمات وهذه القوة فإن هذه الدولة قادرة على أن تأخذه بالحق في ذلك أخذًا عنيفًا.
    ومن الأشياء التي لا تقبل شكًّا ولا نزاعًا أن لمصر دستورًا، فمن أنكر ذلك عاقبه القانون، وأن هذا الدستور قد أنشأ في مصر برلمانًا، فمن أنكر ذلك ساقته النيابة إلى القضاء، وأن في هذا البرلمان شيوخًا ونوابًا قد رزقهم الله قوة وبأسًا، وآتاهم بسطة من العلم والجسم، ومنحهم ألسنة تقول فتكثر القول، ومنحهم أيديًا لا تمتنع عن الحركة ولا تتردد في الامتداد بالبطش أحيانًا. ومن المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا أن هذا البرلمان قد أظهر غير مرة حرصًا على الدين وغضبًا للإسلام، وطالب الحكومة غير مرة بحماية هذا الدين والذود عن الإسلام. ومن الحق الذي لا شك فيه أن من أعضاء هذا البرلمان من ثار وفار، وقر ثم دار، وسكن ثم طار، وأسرف في التبشير والإنذار، ولم يتحرج من التجني على المسلمين واتهامهم بغير الحق وإثارة الحفائظ عليهم وإغراء العامة بهم، وما زال بزملائه النواب حتى كان الاستجواب، وكثر فيه الكلام، واشتد فيه الخصام، وانتصر فيه الإسلام، وأصبح رئيس الوزراء له راعيًا، ولحوزته حاميًا، واضطربت له الأرض وزلزلت زلزالها. كل هذا محقق لا شك فيه، وكل هذا يفرض على البرلمان اليوم حقوقًا إن قصر فيها أو نكل عنها أثبت على نفسه أنه لم يكن مخلصًا لله ولا للدين يوم ثار تلك الثورة ويوم هاج وماج وأثار ذلك العجاج.
    ومن المحقق أن في هذا البرلمان شيخًا يسميه الناس شيخ الإسلام، وإن لم يكن للإسلام شيخ. ومن المحقق أن شيخ الإسلام هذا قد أظهر الغضب للأمة في غير حاجة إلى هذا الغضب، وقد اتهم المسلمين بالكفر، وأغرى بهم سلطان الدولة، وقد اعتدى على كتب المسلمين السابقين وطلب إلى الدولة مصادرتها، وأذعنت له الدولة فصادرتها وقتًا ما. فعلى هذا الشيخ الذي يغضب في غير موضع للغضب، ويثور في غير داعٍ إلى الثورة، ويظهر الآن غيرته على الدين وذوده عنه وقيامه دونه، أن يطالب البرلمان الذي هو عضو من أعضائه بأن يتخذ في هذا الأمر موقفًا حازمًا أشد حزمًا من موقف الحكومة، حتى لا يقال إنه لم يغضب للإسلام يوم غضب، وإنما غضب للسياسة ومنافعها العاجلة، ولم يثر للإسلام يوم ثار، وإنما ثار للمنصب والمرتب.
    ومهما يكن من شيء فقد أظهرت سيرة المبشرين أن تصريح وزير الداخلية لم يصنع شيئًا، ولم يكفهم عن إثمهم، بل أغراهم به وحببه إليهم، فلا بد إذن من أن يجد وزير الداخلية لنفسه وسيلة أخرى تجعل تصريحه قاطعًا مقنعًا محدثًا لأثره عند المبشرين. لا بد من أن يعلم البرلمان إن كان حريصًا على العلم من أين يعلم المسلمون أن هذه المبشرة التي تكايد الحكومة في بورسعيد قد أذعنت للحكومة وأسلمت إليها الفتيات، وأن حكم القضاء قد أنفذ. ولا بد من أن يصبح هذا المقدار الذي تريد الوزارة أن ترصده للملاجئ والمدارس شيئًا مقررًا، ومن أن يصدر القانون بإقراره قبل أن تنتهي الدورة البرلمانية. ونحن نؤكد للوزارة والبرلمان أن أمر هذه المدارس والملاجئ أنفع للأمة وأجدى عليها من هذه المشروعات التي تعجلتها الحكومة فأصدرت لها الملايين ومئات الألوف وعشرات الألوف. ونحن نؤكد أنه قد تنقضي الدورة ولم يصبح أمر هذا الاعتماد حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها أو الالتواء بها. ولو أنا نستطيع أن نطمئن إلى أن البرلمان سيسمع لدعوة الداعين وسيصور حقًّا رغبة الأمة في الدفاع عن كرامتها والذود عن دينها لطلبنا إليه ألا ينفض حتى يصدر من القوانين ما تقتضيه حياتنا في هذه الأيام مع هؤلاء المبشرين الذين لا تزيدهم هذه الفتنة إلا إلحاحًا في الشر وإسرافًا في الطغيان.
    لو أننا نعلم أن البرلمان سيحرص حقًّا على أن يصور ميول الأمة ويرضي حاجاتها لطمعنا منه في استجواب كذلك الاستجواب الذي أثير في العام الماضي حول أكذوبة من الأكاذيب، وضلالة من الأضاليل، ومكيدة من هذا الكيد السياسي الذي أفسد في مصر كل شيء.
    نعم، من الحق على البرلمان لنفسه ولدين الدولة ولكرامة حامي الإسلام وراعيه، ذلك الذي يقيم الآن في فرساي، من الحق على البرلمان أن لا يختم دورته هذه دون استجواب تظهر فيه الحكومة ما تريد أن تفعل، وتأخذ فيه الحكومة عهدًا على نفسها بالسعي الملح في إصدار القانون الذي يمكنها من مراقبة التعليم الحر كله.
    هذا الاستجواب — إن كان — يزيل عن البرلمان وصمة لا نحب أن يوصم بها، وهي أنه لا يستجوب إلا حين لا يكون على الحكومة من الاستجواب بأس.
    فليتوكل البرلمان على الله، وليسع خطيبه الفذ وبطله المغوار إلى شيخ الأزهر حيث يقال إنه سعى في العام الماضي، وليكتب أو ليستكتب فيها استجوابًا كذلك الاستجواب الذي كتبه أو استكتبه في العام الماضي كما يقال، وليخطب فيبدع فإن الموضوع خليق بالخطابة والإبداع. وهو لن يحتاج في هذه المرة إلى من يختلق له الأكاذيب ويلفق له الأباطيل كما احتاج في العام الماضي، وسيسعى الناس إلى مجلس النواب ليسمعوه طائعين لا كارهين، ومختارين لا مدفوعين؛ فقد كان يقال في العام الماضي إنهم كانوا يجذبون جذبًا إلى مجلس النواب، وكانوا يدفعون دفعًا إلى مجلس النواب ليسمعوا ثم يهتفوا. وقد سمعوا وهتفوا، ونحن نؤكد للخطيب البطل أنهم في هذه المرة لن يترددوا في الذهاب إلى المجلس، ولن يترددوا في الإعجاب بالمجلس والوزارة إن استطاعا أن يدفعا عنهم شر المبشرين.
    أما بعد، فلسنا نحب هزلًا، ولا نقصد إلى دعابة، وإنما ننبه الوزارة والبرلمان إلى أن أمر المبشرين إن ترك كما هو فسينتهي بالبلاد إلى فتنة منكرة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، ولكنها تصيب الآثم والبريء، وإن أول واجب على الوزارة والبرلمان اللذين يحرصان على إقرار النظام وتثبيت الأمن أن يدفعا شر هذه الفتنة عن الناس، ويدفعاها في أسرع وقت.
    كوكب الشرق ١٨ – ٦ – ١٩٣٣

    نظام
    كره الحكماء في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل تجاوز الحد، وضاق الحكام في كل وقت وفي كل مكان وفي كل جيل بالغلو والإسراف، وأحبوا دائمًا أن يكون القصد والاعتدال قوام ما يأتي الناس من عمل، وما ينهجون من نهج في الحياة. ويخيل إلينا أن علماء الدين هم أحق الناس برعاية القصد والحرص على الاعتدال، وهم أحق الناس بتجنب الإفراط وتجنب التفريط معًا.
    فإذا كان الإسراف عيبًا فالتقصير عيب آخر. وعلماء الدين أجدر الناس أن يتجنبوا كل عيب، وأن يتجنبوا بنوع خاص عيب الإفراط وعيب التفريط لأنهم مصدر كثير من الرذائل وسبيل كثير من الآثام. وقد قصر علماء الدين في ذات الدين تقصيرًا شديدًا آخذهم به الناس ولاموهم عليه. فوقفوا صامتين جامدين من أمور ما كان ينبغي لهم فيها الصمت ولا الجمود. وتركوا غيرهم من الذين لم يتخذوا حماية الدين صناعة ولا الذود عن الدين مهنة، ولم يتقاضوا على ذلك من الدولة أجرًا، ولم ينالوا في ذلك من الدولة والناس ضروب التشريف والتعظيم، تركوا غيرهم من هؤلاء الناس يعملون ويقولون، ويدفعون ويذودون، ومهما يقل القائلون فإن بلاء غير الأزهريين في حماية الدين والذود عنه أعظم ألف مرة ومرة في هذه الأعوام الأخيرة من بلاء الأزهريين.
    ولم ينس الناس بعد موقف الأزهريين من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في بيت المقدس، ولا موقفهم من هذه الأحداث التي ألمت بالمسلمين في بلاد العرب من مراكش إلى طرابلس ففتنت جماعة منهم عن دينهم، وآذت جماعة منهم في أموالهم وأنفسهم وحرماتهم. ولا موقفهم من مقتل الشهيد الطرابلسي، ولا من مرض الإمام السنوسي ووفاته وصلاة الغائب عليه.
    لم ينس الناس مواقف الشيوخ الأزهريين من هذه الأحداث كلها، ولا من هذا الحدث الأخير الذي أصاب المسلمين في كرامتهم ودينهم كما أصاب المصريين جميعًا في كرامتهم ودياناتهم بما كان من اعتداء المبشرين الظاهر والخفي على الفتيان والفتيات، والبائسين والضعفاء. فقد صمت شيوخ الأزهر فأطالوا الصمت، وهدأ شيوخ الأزهر فأطالوا الهدوء، واضطربت نفوس المسلمين والمصريين من حولهم أشد الاضطراب ونفوسهم هادئة، وخفقت قلوب المسلمين والمصريين أشد الخفقان وقلوبهم مطمئنة مستقرة في الصدور. وضج الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس من صمت الشيوخ، وضاق الناس بجمود الشيوخ، وألح الناس في الصحف المصرية الإسلامية على الشيوخ في أن يغضبوا للإسلام ويظهروا شيئًا من الاستعداد للذود عنه والقيام عليه. وظل الشيوخ صامتين، هادئين حتى نهض غيرهم فقال ونهض غيرهم فعمل. ثم أذن الله للشيوخ فاجتمعوا وقرروا، ثم قالوا ومضوا يقولون، وعملوا ومضوا يعملون، ولم نتردد نحن حين أخذ الشيوخ في القول والعمل في أن نعرف لهم ذلك ونثني عليهم ونشجعهم على المضي فيه، وندعو الناس إلى أن يثقوا بهم ويطمئنوا إليهم ويغتبطوا بأنهم قد أخذوا يقومون بما هيئوا للقيام به. فكان صمت الشيوخ العميق، وسكون الشيوخ الطويل تورطًا في التقصير الذي يعاب به علماء الدين بنوع خاص إن آثروه وقصدوا إليه في غير تورط ولا اضطرار، ولكنا مع ذلك نسينا للشيوخ هذا التقصير وألححنا على الناس في نسيانه وقلنا إن الحركة المتأخرة خير من السكون الدائم والجمود المقيم.
    ولكن الشيوخ فيما يظهر محتاجون إلى شيء من التجربة حين يقصدون إلى الأعمال العامة، أو يندفعون إليها لأنهم لم يجربوا هذه الأعمال كما ينبغي ولم يأخذوا بحظهم من ممارستها. فهم مضطرون بحكم هذا الإهمال وهذا البعد من مشاركة الناس في حياتهم العامة إلى أن يتورطوا في أحد العيبين: فإن سكتوا أغرقوا في السكون، وإن عملوا أسرفوا في العمل، واندفعوا فيه إلى غير حد، أو إلى حد كان يحسن ألا يبلغوه. فالذي كان يطلبه المسلمون من الشيخ الأكبر وأصحابه لم يكن عسيرًا، ولا شاقًا ولا معقدًا. إنما كانوا يطلبون إليهم أن يغضبوا لدينهم ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويوجهوا أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر إلى الأمة والحكومة معًا فيطلبوا – وقد فعلوا – إلى الأمة أن تفطن لكيد المبشرين، وتصرف صبيانها وضعفاءها عن معاهدهم، وتنشئ ما يغني عن هذه المعاهد الخطرة. ويطلبوا إلى الحكومة – ويقال إنهم قد فعلوا – أن تنهض بواجبها على أحسن وجه فتكف المعتدي عن عدوانه، وتحمي المصري من هذا العدوان. وتتخذ إلى ذلك سبلها السياسية والإدارية والمالية والقضائية فتنشئ الملاجئ وتغلق معاهد العدوان وتنفي الآثمين من الأرض.
    ولم يكن المسلمون يطلبون إلى شيوخ الأزهر أكثر من أن يدعوا إلى ذلك ويلحوا في الدعاء حتى تستجيب لهم الأمة وتستجيب لهم الحكومة، ولكن شيوخ الأزهر اندفعوا فيما يظهر إلى أبعد مما كان يطلب منهم، بل إلى أكثر وأثقل مما يطيقون حتى وإن أيدتهم الوزارة وشدت أزرهم وحمت أظهرهم، واحتكرت لهم وحدهم في غير موافقة للدين أمر حماية الدين، والدعاء إليه.
    فها هم أولاء ينظمون الجماعات ويؤلفون اللجان الخاصة والعامة، ويحاولون أن يبثوا لجانًا فرعية في أقطار مصر، ويجعلوا أنفسهم لا حماة للدين، وذادة عنه فحسب، بل جباة للمال، ومدبرين له أيضًا. وهذا نظامهم الذي أذاعوه يدل دلالة واضحة على أنهم لا يكتفون بالدعاء إلى الله، والهداية إلى سبيل الله بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وإنما يريدون أن يكونوا قوة عاملة منظمة أصلها في الأزهر وفرعها في أطراف الأرض لها مجالس ولجان وخزانة وخزان، ولها أسرار وأمناء أسرار، ولها محفوظات وأمناء على هذه المحفوظات، وفيها آمر ومأمور، وفيها مقترحون ومنفذون إلى آخر هذا النظام المعقد الذي نشرته الصحف منذ أمس والذي هو أشبه بنظم الجماعات والأحزاب منه بما تحتمله الهيئة الموقرة من رجال الدين.
    نعم إن الهيئة حظرت على نفسها العمل في السياسة أو التعرض لها، ولكن يقال – وكنا نحب أن يكذب هذا الذي يقال – إن الهيئة لم تستطع أن تخلص من السياسة أو مما يشبه السياسة، فقد اجتمعت واجتمعت ولم تدع بعض أعضائها إلى شهود هذه الاجتماعات والاشتراك فيها. والناس يتأولون هذا الإهمال ويذهبون فيه المذاهب. ويقال – ولا سبيل إلى تكذيب هذا الذي يقال – إن الهيئة قد قبلت من الحكومة هذا الاحتكار الذي وقف عليها وحدها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قصة المبشرين. وكان الحق عليها للدين ولنفسها ألا تقبل هذا الاحتكار المعيب، فالأمر بالمعروف حق المسلمين جميعًا، وواجب على المسلمين جميعًا. وقبول الهيئة هذا الاحتكار ممالأة للحكومة عما لم يكن ينبغي أن تمالئها عليه أو هو على كل حال إذعان للحكومة فيما لم يكن ينبغي أن تذعن لها فيه. وسواء أكان الأمر ممالأة أو إذعانًا فهو مجاراة للسياسة وتورط فيها.
    ويقال – ونظام الهيئة هو الذي يقول ذلك – إن الهيئة قد اتخذت لنفسها لجنة تنفيذية تتألف من أعضاء قليلين لا يتجاوزون الخمسة، فيهم الشيخ الأكبر ووكيله ومفتي الديار. وجعلت لهذه اللجنة سلطانًا طويلًا، عريضًا عميقًا، لا يفلت منه شيء ولا يشذ عنه شيء وليس لشيء عليه سبيل. فلجنة العلماء لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا أن تنشر إلا إذا أذنت لها لجنة الخمسة. وكذلك لجنة المال وكل أعمال الهيئة مهما يكن موضوعها وأغراضها رهينة بلجنة الخمسة. فلجنة الخمسة هذه مسيطرة على رجال الدين جميعًا فيما يعملون ويقولون للدعوة إلى سبيل الله. وهذا أيضًا نوع من الاحتكار غريب، وضرب من الاستئثار يذكر بنظم الأحزاب التي تريد أن تكون قوية واسعة السلطان، بعيدة الأثر في الحياة.
    كل هذا كثير، وكل هذا معقد، وكل هذا يدعو إلى التفكير في أن الهيئة تسير في طريق قد لا يرضاها المسلمون، لأنها لا تلائم طبيعة الحياة الإسلامية، ولأنها أقرب إلى تنظيم حزب للأكليروس لا يحتمله الإسلام، لأنه ينافي طبيعته السهلة اليسيرة.
    ولعل الهيئة تحسن الظن بنفسها وبالناس وتحسن النصح لنفسها وللناس إن عدلت عن كل هذا التعقيد الذي لا حاجة إليه والذي لا يحتمل البقاء الطويل، ولا يستطيع أن يثبت لتغيرات الأيام والظروف فاكتفت بالدعوة إلى الخير توجهها إلى الأمة والحكومة، وتلح فيها، وتركت العمل للقادرين عليه. فهي إذا جمعت من أموال العلماء مقدارًا ضخمًا أو نحيفًا خليقة أن تدفعه إلى الحكومة أو إلى جماعة من جماعات الخير لتدبره وتنفق منه في الوجوه التي جمع لها، وهي غنية عن تنظيم اللجان وبثها في القرى والمدن والأقاليم. فهذا نوع من النشاط غريب بالقياس إلى هيئة الشيوخ، لا يستطيع الناس أن يفهموه ولا أن يألفوه، ولا أن يطمئنوا إليه. ونحب مخلصين أن يطمئن الناس إلى ما يصدر عن رجال الدين، إن التقصير عيب، والإسراف عيب. وقد تورطت الهيئة في العيبين فيما يظهر. فهل لها أن تخرج من الإسراف كما خرجت من التقصير، وأن تؤثر ما يأمر الله به من القصد والاعتدال؟
    كوكب الشرق ٢٧ – ٧ – ١٩٣٣

  • حال الحياة الفكرية في مصر | The State of Egypt’s Intellectual Life

    أحاديث الأسبوع
    كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
    وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
    لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
    وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
    على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
    فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
    وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
    والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
    أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
    لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
    فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
    ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
    طه حسين
    الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤

    ثورتان
    كانت إحداهما في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، وكانت الثانية في العراق أثناء القرن الثالث للهجرة، وقد عرَّضت أولاهما الجمهورية الرومانية كلها لخطر عظيم، وعرَّضت ثانيتهما الخلافة الإسلامية كلها لخطر عظيم، وقد كانت لكل واحدة منهما أعقاب كثيرة خطيرة ظهرت آثارها فيما بعد، كما كانت لكل واحدة منهما خصائص أظهرت أبطالاً من المختصمين يستحقون الدرس والبحث، ويستوجبون العناية، ويدعون إلى كثير من التفكير.
    فأما أولاهما فهي ثورة الرقيق في إيطاليا، تلك التي قادها سبرتاكوس، وأما ثانيتهما فهي ثورة الزنج في البصرة، تلك التي قادها عبد الله بن محمد المعروف بصاحب الزنج.
    وقد يسأل القارئ فيمَ تعرضي لهذا الموضوع وقد ذهب الرق وانتهت أيام الأرقاء، وليس في حياة الناَّس الآن ما يدعو إلى التفكير في مثل هذا الموضوع والعناية به، وأحب أن ألاحظ قبل كل شيء أن من الجائز أن يكون الرق الفردي قد ذهب وانقضى عصره، وإن كنت لا أثق بذلك ولا أطمئن إليه، ولكن الرق الاجتماعي لم يذهب بعد ولم ينقضِ عصره، ولست أدري متى يذهب ومتى تنقضي أيامه، فهناك شعوب تسترقُّ شعوبًا، وهناك طبقات من الناَّس تسترق طبقات من الناس، ومع ذلك، فأنا لم أختر هذا الموضوع لأتحدث عن استرقاق الشعوب واستغلال طبقات الناَّس لطبقات الناس، وإنما اخترت هذا الموضوع لسبب آخر سيعرفه القارئ بعد حين، وأحب أن ألاحظ بعد ذلك أن ثورة الزنج في البصرة لم تكن في حقيقة الأمر بدعًا من حياة المسلمين؛ فقد عرف المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة سخط الساخطين على النظام السياسي والاجتماعي، وثورة الثائرين بالنظام السياسي والاجتماعي، ولقيت دولة بني أمية كما لقيت دولة بني العباس من طلاب العدل السياسي والاجتماعي ألوانا من العناء يعرفها الذين يدرسون تاريخ الخوارج، ويتتبعون تطور مذاهبهم منذ كانت نظرية التحكيم، فليست ثورة الزنج، في حقيقة الأمر إلا مظهرًا من مظاهر المطالبة بالعدل الاجتماعي، قد اعتمد على مذهب الخوارج أكثر مما اعتمد على أي شيء آخر، ويكفي أن نلاحظ أن صاحب الزنج قد كتب على رايته بالخضرة والحمرة الآية الكريمة: ﴿إنَِّ الله اشْترََ ٰىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنَفُسَهُمْ وَأمَْوَالَهُم بِأنََّ لَهُمُ الْجَنةََّ ۚ يقَُاتِلُونَ فيِ سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتلُوُنَ وَيقُْتلَُونَ﴾ إلى آخر الآية، فالثورة في مظهرها خارجية، قد باع الثائرون فيها أنفسهم لله يقاتلون في سبيله فَيَقْتلُوُنَ ويقُْتلَُونَ، كما كان الخوارج يصنعون من قبل، وكما كانوا يصنعون من بعد، وكما كان خارجي آخر يصنع في الوقت نفسه، فيكلف الدولة عناءً ثقيلاً، يقاتل ومعه أصحابه كما كان يزعم في سبيل الله فَيقَْتلُُونَ ويقُْتلَُونَ، وهو مساور الذي خرج على الدولة في أعماق إيران.
    وأحب أن ألاحظ آخر الأمر أن ثورة الرقيق على الجمهورية الرومانية في إيطاليا قد أثارت كثيراً من القول، فكتب فيها المؤرخون القدماء وكتب فيها المحدثون، بل تأثر بها بعض المحدثين في آرائهم الاجتماعية والسياسية، وما زالت تلُهِم الكتَّاب الأوروبيين إلى الآن، وهذا هو الذي دفعني إلى أن أعرض لهذا الموضوع في هذا الحديث.
    فقد قرأت في هذه الأيام الأخيرة قصة رائعة للكاتب المجري أرتور كوسلر، موضوعها «سبارتاكوس وثورة الرقيق على روما» فسألت نفسي: ما بال ثورة الزنج لم تحدث في حياتنا الأدبية مثل ما أحدثته هذه الثورة الإيطالية القديمة؟ لقد سجل المؤرخون أحداثها كما سجل المؤرخون الرومانيون أحداث الثورة الإيطالية، وقال الشعراء المعاصرون في الثورة كثيراً من الشعر، كما تحدث الأدباء الرومانيون من قبل في اللاتينية واليونانية عن ثورة سبارتاكوس، ولكن الأوروبيين لم ينسوا تاريخ روما وأحداثه، ولم ينظروا إليه على أنه تاريخ ليس غير، وإنما جعلوه جزءًا من حياتهم ومن حياتهم الواقعة التي يحيونها بالفعل؛ فهم يستلهمونه كما يستلهمون التاريخ اليوناني وكما يستلهمون أساطير اليونان والرومان، وكما يستلهمون التوراة فيما يكتبون من نثر وما يقرضون من شعر، فأما نحن فنعرض عن التاريخ العربي إعراضًا يوشك أن يكون تامٍّا، لا نكاد نحفل منه إلا بعصر البطولة الذي نجتمع كلنا على حبه والإعجاب به، فنحن نتحدث عن عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين، ونحن نذكر دمشق عاصمة بني أمية، ونذكر بغداد عاصمة بني العباس، ونذكر القاهرة عاصمة الفاطميين، نذكر هذا كله نلتمس فيه الفخر بالقديم ونلتمس فيه العبرة والعظة أيضاً، وقد نلتمس فيه ما يدفعنا إلى الجد ويثير فينا النشاط، ويعزينا عن بعض ما نلقى مما لا يلائم كرامتنا ولا يوافق مجدنا القديم، وكل هذا حسن من غير شك، ولكن من الخير أيضًا أن ننظر إلى تاريخنا على أنه مصدر من مصادر الإلهام الأدبي، وعلى أنه جزء من حياتنا الواقعة لم تنقطع بيننا وبينه الأسباب، فنحن ما نزال نشارك القدماء فيما شعروا وفيما أحسوا، لا يفرق بيننا وبينهم إلا هذا التطور الذي لا بد منه للأحياء.
    وربما كان من الطريف أن نلاحظ أن كثيراً منا يفكرون في العدل الاجتماعي، ويحسون حاجة الجماعات إليه، ولكنهم ينظرون إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط، ليلتمسوا في أوروبا مصادر هذا الشعور بالحاجة إلى العدل الاجتماعي، ومظاهر المطالبة به والسعي إليه، ينظرون إلى الديمقراطية المعتدلة وينظرون إلى الاشتراكية الدولية وإلى الاشتراكية الوطنية وقد ينظرون إلى الشيوعية في كثير من التردد والاستحياء، ولكنهم لا ينظرون أو لا يكادون ينظرون إلى فكرة المطالبة بالعدل الاجتماعي، كما وجدها المسلمون قبل أن ينتصف القرن الأول للهجرة، وقليل منهم بل أقل من القليل أولئك الذين يحاولون أن يتابعوا نشأة هذه الفكرة وتطورها في البيئات الإسلامية الثائرة، وما أنتجت من ألوان الأدب، قبل أن تتأثر بالثقافات الأجنبية وبعد أن تأثرت بهذه الثقافات، وما كان لها من أثر في حياتنا العقلية المعقدة في الفلسفة والكلام وفي الفقه والأصول، فضلاً عن أن يفكروا في استلهام هذا اللون من ألوان الحياة الإسلامية حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر، ومع ذلك فقد كان للمطالبة بتحقيق العدل الاجتماعي أبطال من حقهم أن يدُرَّسوا، ومن حقهم أن يلهموا الكتاب والشعراء، كما جرت المطالبة بالعدل الاجتماعي على المسلمين في جميع أقطار الأرض الإسلامية خطوبًا هائلة من حقها أن ي تت ي ت. اكيكي . . تدرَّس وتجلى، ومن حقها أن تلهم الكتاب والشعراء حين يكتبون وينظمون.
    وأنا بالطبع لا أريد في هذا الحديث أن أدعو إلى إحياء حركات الخوارج والزنج والقرامطة، كما أني لا أريد أن أدعو إلى أن نستعير من أوروبا هذا المذهب أو ذاك من مذاهب المطالبين بتحقيق العدل الاجتماعي، وإنما أحب أن ألفت أدباءنا إلى أن لنا في المطالبة بالعدل الاجتماعي تاريخًا حافلاً عظيم الغناء يستحق أن نرجع إليه بين حين وحين، فلعلَّنا إن فعلنا عرفنا أن المتطرفين من قدمائنا قد سبقوا إلى طائفة من الأصول في تنظيم الحياة الاجتماعية لم تسُتكشَف في أوروبا إلا أثناء القرن التاسع عشر أو في عصر الثورة الفرنسية الكبرى.
    فنحن إذن لسنا عيالا ولا يمكن أن نكون عيالا على المطالبين بتحقيق العدل والثائرين على الظلم الاجتماعي من الأوروبيين، وإنما نحن أبعد منهم عهدًا وأشد منهم ممارسة لهذا النحو من محاولة الإصلاح. مِنْ قدمائنا مَنْ طلب الإصلاح الاجتماعي في رفق ولين، ومنهم من طلبه في ثورة وعنف، ومنهم من أثارها حرباً شعواء على النظم القائمة فعرضها للخطر، وكاد يمحو سلطانها محوًا.
    والثورتان اللتان أريد أن ألم بهما في هذا الحديث تصوران لوناً من ألوان السخط يستحق أن يطيل الأدباء التفكير فيه، فقد نشأت ثورة الرقيق على روما من عادة بشعة كان الرومانيون قد ألفوها، ولكنها لم تلبث أن تجاوزت مصدرها الضيق وأصبحت ثورة شاملة على النظام الاجتماعي كله في إيطاليا. هذه العادة البشعة التي أنشأت هذه الثورة هي عادة الاستمتاع بمنظر الرقيق المصطرعين، فقد ألف الرومان أن يشتروا الرقيق ويثقفوهم في فنون الصراع الذي ينتهي إلى الموت، حتى إذا برعوا في هذه الفنون عرضوهم على النظارة في الملاعب وأغروا بعضهم ببعض، وجعل النظارة يستمتعون بما يكون بينهم من كَرٍّ وفرٍّ ومن إقدام وإحجام، وبما يسُفَك بينهم من دماء، وبما يزُهَق بينهم من نفوس، وكان الرومانيون يؤثرون هذه اللذة الآثمة على كل شيء، ينعمون حين يصرع الإنسان الإنسان، وينعمون حين يصرع الحيوان الحيوان، وينعمون حين يكون الصراع بين الإنسان والحيوان، وكانوا في أعقاب الجمهورية وفي أيام الإمبراطورية يطلبون إلى سادتهم وقادتهم، كما هو معروف، شيئين اثنين: الخبز واللعب.
    ففي مدينة من المدن الإيطالية كان رجل من أصحاب الملاعب قد جمع طائفة من الرقيق يثقفهم هذه الثقافة البغيضة، ويعرض صراعهم على النظارة بين حين وحين، فهربت جماعة الرقيق من مدرسة هذا الرجل في مدينة كابو، وكان عددها ينيف على السبعين، وانطلقت أمامها لا تلوي على شيء، واستعان صاحبها بالشرطة فلم تقدر على ردهم، ولكنهم لم يكادوا يتقدمون في هربهم حتى انضمت إليهم أعداد أخرى من الرقيق، لم تكن تتخذ للصراع وإنما كانت تتخذ للخدمة على اختلاف ألوانها، وما هي إلا أن ينتشر النبأ ويتسامع به الناَّس حتى ينتشر معه هرب الرقيق وانضمامهم إلى هؤلاء الآبقين، ثم لا يقف الأمر عند الرقيق وإنما يتجاوزهم إلى أشباه الرقيق من الفقراء والبائسين الذين يعملون في الأرض والذين لا يعملون، والذين يحتملون من ألوان البؤس ما يطاق وما لا يطاق، وإذا الجماعة تضخم شيئا فشيئا حتى تصبح خطرًا تحسب له الجمهورية حسابًا، ثم يتجاوز الأمر هؤلاء جميعًا إلى ألوان من الناَّس لم يكونوا رقيقا ولم يكونوا أحرارًا فقراء، وإنما كانوا ساخطين على النظام الاجتماعي، يرون فيه ظلمًا يجب أن يرُفَع ويطمحون إلى مثل عليا يجب أن تتحقق. من هؤلاء من كان معنياٍّ بالأدب والبيان ومنهم من كان معنيا بالقضاء والمحاماة، وكل هؤلاء قد نسوا مدرسة الصراع وهرب المصارعين، وأصبحوا لا يفكرون إلا في النظام الاجتماعي السيئ الذي كانوا يحاولون تغييره، ولست في حاجة إلى أن أصور سوء النظام الذي كان هؤلاء الناَّس يثورون به ويسخطون عليه، وإنما يكفي أن ألاحظ أن الثروة الرومانية الضخمة كانت قد انحصرت في أيدي طائفة قليلة من الناَّس يمكن إحصاؤهم؛ فهم الذين يملكون الأرض ويسخرون فيها الرقيق ويقصون عنها الأحرار، وهم الذين يحتكرون التجارة داخل إيطاليا من وراء البحار، وهم الذين يحتكرون الحكم في جميع أرجاء الإمبراطورية ويستغلونه لا للشعب، وهم بحكم هذه الثروة الضخمة التي صارت إليهم يستطيعون أن ينشئوا الجيوش على نفقاتهم الخاصة، ينشئونها في الأرض الإيطالية، وينشئونها في أقاليم الإمبراطورية ويستعينون بها على تحقيق ما يريدون من المآرب والآمال.
    في ذلك الوقت كانت كثرة الأحرار من أهل إيطاليا متعطلة قد فقدت ما كانت تملك من الأرض وأصبحت عالة على الأغنياء، تعيش لهم وبهم، تتلقى منهم رزقها وتمنحهم أصواتها في الانتخاب، كما تمنحهم سواعدها حين يجد الجد وتثار الحرب، وفي هذا الوقت كانت الثورات في الأقاليم منتشرة عنيفة: فثورة في إسبانيا، وأمر مضطرب في آسيا، وفي هذا الوقت كان البحر ثائرًا على روما، قد استبد به جماعة من القرصان فتحكموا في المواصلات كما تحكموا في التجارة، وقضوا على سلطان أساطيل الدولة قضاءً يوشك أن يكون تامٍّا، فلا غرابة أن يضطرب مجلس الشيوخ الروماني أشد الاضطراب حين يثور الرقيق وتعظم جماعة الثائرين منهم، وينضم إليهم عدد ضخم من الأحرار، ويتعرض النظام كله لهذا الخطر العظيم، وقد أرسل مجلس الشيوخ جيشًا لقهر هؤلاء الثائرين وردهم إلى مواليهم، فمضى الجيش حتى ألجأ الثائرين إلى قمة جبل لاذوا بها، وحاصرهم الجيش هناك وقطع عنهم الميرة، وأقام واثقًا بأنهم سينزلون على حكمه في يوم من الأيام، ولكن الثائرين احتالوا حتى انحدروا من الجبل إلى مكان أمين وداروا حول الجبل حتى أخذوا الجيش على غرة، فهزموه هزيمة منكرة وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وغنموا ما كان في المعسكر من سلاح ومؤنة وأداة، فاشتد بذلك بأسهم وعظمت قوتهم، واشتد خوف مجلس الشيوخ في روما فأرسل إليهم جيشًا آخر لم يكن حظه خيراً من حظ الجيش الأول، ثم أرسل جيشًا آخر يقوده القنصلان، فلم يصنع هذا الجيش شيئاً، وإنما انهزم كما انهزم الجيشان اللذان سبقاه، وكان انتصار الثائرين في كل مرة ينشر لهم الدعوة في إيطاليا نشرًا هائلاً، ويحرض الرقيق أن يأبقوا ليلحقوا بهم، ويحرض البؤساء على أن ينضموا إليهم، حتى كثف جمعهم، وحتى فقدت المدن الإيطالية الأمن أمام الخطر الداهم الذي يأتيها من خارج من هذا الجيش الضخم، والذي يأتيها من داخل من هؤلاء الرقيق الذين يعملون في الدور والقصور والأرض ودور التجارة؛ ولذلك اهتمت روما لهذا الأمر اهتمامًا خاصٍّا، فاختارت لقتال هؤلاء الثائرين رجلاً ممتازًا من رجالها، ممتازًا بشيئين: بالثروة الضخمة التي لم تكن ثروة أخرى تعدلها في روما، والتي أتاحت له أن يتحكم في الأغنياء والفقراء جميعًا، وبالطموح الهائل الذي لم يكن يعدله إلا عجز الرجل وقصوره عن النهوض بجلائل الأعمال، وهو مع ذلك قد كان يرى أصحابه وأترابه يشغلون المناصب العليا ويدبرون شئون الدولة ويحكمون الأقاليم، وكلهم كان مديناً له بالمال القليل أو الكثير.
    هذا هو ماركوس كراسوس الذي اختارته روما لقتال الثائرين، وأرسلت معه جيشا ضخمًا حسن العدة، فما زال يتتبع الثائرين يقهرهم حيناً ويقهرونه حيناً حتى ألجأهم إلى شبه الجزيرة، يأخذهم البحر من أكثر أقطاره ويأخذهم هو من قطره الأخير، وهناك حصر الثائرين، فاحتفر بينه وبينهم خندقًا وأقام على هذا الخندق سورًا منيعًا وانتظر أن يلقوا إليه بأيديهم، وقد تعرض الثائرون لجهد هائل، فقد انقطعت عنهم الميرة حتى ألح عليهم الجوع والظمأ والمرض، وهمَّ زعيمهم سبارتاكوس أن يستعين بالقرصان على تموينهم، فعبثوا به وأخذوا منه ماله ولم يمنحوه إلا المواعيد، وهمَّ أن يصالح القائد الروماني على أن يترك للناس حريتهم يصنعون بها ما يشاءون، ويأخذ القادة ليصنع بهم ما يشاء، ولكن كراسوس أبى إلا التسليم بلا قيد ولا شرط، كما يقول الناَّس في هذه الأيام، وقد استيأس سبارتاكوس واستيأس أصحابه وأبوا أن يلقوا بأيديهم، فاحتالوا حتى عبروا الخندق وتقدموا للموقعة اليائسة. هنالك تقدم سبارتاكوس بين الصفين فنحر فرسه وقال لأصحابه: إن أقُْتلَْ فلست في حاجة إليه وإن أنتصر فلن أعدم فرسًا مكانه، ثم كانت الموقعة وقُتِلَ سبارتاكوس وقُتِلَ أكثر أصحابه وأسر سائرهم، وعاد كراسوس وقد جعل من هؤلاء الأسارى نكالاً للذين يحاولون الثورة على النظام الاجتماعي، فأقام الصلبان على طول الطريق بين ساحل البحر وروما، وجعل كلما تقدم أميالاً صلب جماعة من الأسارى، حتى امتلأت الطريق بين البحر وروما صياحًا وعويلاً ودماءً، وكان كراسوس يظن أن هذا الفوز على الثائرين سيكفل له التسلط على روما، ولكن الشيوخ لم يقدروا هذا الفوز إلا تقديرًا متواضعًا لأنه كان فوزًا على العبيد لا على الجيوش ذات العدة، وقد استطاع كراسوس مع ذلك بفضل ثروته الضخمة وغناه العريض أن يحالف قيصر ويومبيوس، وأن يفرض الثلاثة أنفسهم على روما، وأن يقتسموا الإمبراطورية بينهم، وكانت آسيا نصيب كراسوس، فذهب إليها ومعه جيشه الضخم، ولكنه لم يعد منها كما لم يعد منها جيشه. اندفع إلى حرب البارتيين وغرته قوته ولم تسعفه مهارة ولا سياسة ولا علم بفنون الحرب ولا استماع لنصح الناصحين، فقُتِلَ ابنه أولاً وقُتِلَ هو بعد ذلك ومُحِق جيشه محقا.
    وقد نستطيع أن ننظر من أمر هذه الثورة إلى بطلين من أبطالها: أحدهما سبارتاكوس قائد الثورة، والآخر كراسوس ماحق الثورة، فأما أولهما فقد كان راعياً للقطعان في تراقيا، وقد جُلِب منها فيمن كان يجُلَب من العبيد، فتنقل به الرق من مكان إلى مكان ومن يد إلى يد، حتى انتهى إلى صاحب اللعب المصارعين في تلك المدينة الإيطالية، وكان رجلاً سمح النفس، طيب القلب، ساذج الطبع، كان راعيًا من رعاة القطعان بأوضح ما لهذه الكلمة من معنى، لا يحب قتلا ولا قتالا، ولا يريد شرٍّا ولا خصومة، وإنما يؤثر هذه الحياة السهلة الراضية على خشونتها، يتبع قطعانه في مراعيها، كل همه أن يرد عنها الشر ويصد عنها العدوان، ولكنه لم يستطع أن يرد عنها ولا عن نفسه شرٍّا، ولا أن يصد عنها ولا عن نفسه عدوانا، فأخذ في بعض الغنائم كما أخِذت قطعانه، وبِيع في بعض الأسواق كما بيعت قطعانه أيضًا، وهمَّ سيد من سادته أن يقدِّمه إلى الموت كما كانت قطعانه تقُدَّم إلى الموت، فهرب فيمن هرب من المصارعين، لا يريد بغياً ولا اعتداءً، وإنما يريد أن ينجو بنفسه من أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، وأن ينجو بنفسه كذلك من أن يكون سلعة تباع وتشترى، وأداة تسخر لغير ما تريد، مع أن لها قلبًا يشعر، وعقلاً يفكر، وإرادة تعرف ما تقصد إليه.
    وكان سبارتاكوس رجلاً قوي الجسم، مرتفعًا في السماء، عريضًا في الفضاء، شجاعًا لا يعرف الخوف، مصممًا لا يحب التردد، قانعًا لا يطمع إلا في أن يعيش حرٍّا، ولا يتمنى إلا أن يعود إلى وطنه في تراقيا ويستأنف حياته تلك مع قطعانه ينتقل بها في الرياض والمروج، ولو أطاعه أصحابه لكان من الممكن أن يبلغ من ذلك ما أراد، وقد كان ينصح لهم دائمًا ويلح عليهم في النصح أن يخرجوا من هذه الأرض الظالم أهلها، وأن يعبروا الألب ويفترقوا بعد ذلك فيمضي كل واحد منهم إلى وطنه، ويستأنف حياته الهادئة التي كان يحياها قبل أن يبسط الرق عليه يده الظالمة، ولكن أصحابه لم يطيعوه ولم يسمعوا له، كانوا قلة ضئيلة ثم أصبحوا كثرة عظيمة، فأعجبتهم كثرتهم ولكنها لم تغنِ عنهم من الموت شيئا.
    ولم يكن سبارتاكوس يبغض شيئا كما كان يبغض النهب والسلب والإغارة على المدن الآمنة، ولو سمع له أصحابه بعد أن رفضوا العودة إلى أوطانهم لاستقروا في هذه الناحية أو تلك من نواحي إيطاليا وعاشوا من كسب أيديهم، ولانتشرت دعوتهم في هدوء وسلم، ولكان من الممكن أن ينعموا بحياة مطمئنة، وأن يدافعوا عن هذه الحياة إن احتاجوا إلى الدفاع عنها، ولكن أصحابه لم يسمعوا له؛ فقد كانت قلوبهم مغيظة محنقة، وكانت نفوسهم ساخطة واجدة، وكانوا مظلومين، فلم يكفهم أن يخرجوا أنفسهم من الظلم، وإنما أرادوا أن يظلموا الناَّس كما ظلمهم الناس، وأن يذيقوا سادتهم مثل ما أذاقهم سادتهم من الذل والهوان؛ ولذلك اعتدوا على المدن، فحرقوا وخربوا وقتلوا ومثلوا وملأوا أيديهم مما لا يحل لهم من أموال الوادعين الهادئين، فأحفظوا الناَّس على أنفسهم من جهة وأغروا الضعفاء وأصحاب المطامع باتباعهم من جهة أخرى، وكانوا لا يمر بهم يوم إلا ازداد إقبال الناَّس عليهم وبغض الناَّس لهم، فكانوا يستكثرون في كل يوم من الأعداء والأولياء جميعًا، وقد هم سبارتاكوس أن يأخذ أصحابه بالحزم ويحملهم على الجادة ويمنعهم من اقتراف الآثام، فأبى بعضهم أن يسمع له وفارقوه إلى حيث لقوا حتفهم، وسمع له الآخرون وقتًا ما ثم لم يلبثوا أن ضاقوا بهذه الحياة الهادئة التي يعُتدَى عليهم فيها ولا يعتدون على أحد، فعادوا إلى سيرتهم وملأوا الأرض من حولهم شرٍّا حتى انتهوا إلى تلك العاقبة التي صورتها آنفًا.
    وأما قامع الثورة كراسوس فقد كان — كما رأيت — رجلاً لا حدَّ لثرائه ولا حد لمطامعه ولا حد مع ذلك لعجزه وقصوره، ولم يكن ماهرًا إلا في شيء واحد هو جمع المال يأخذه بحقه قليلاً ويأخذه بغير حقه كثيراً، كان مرابياً مفحشًا في الربا، ولكنه يشتط على الضعفاء وييسر الأمر تيسيراً للأغنياء وأصحاب الجاه، يأخذ من أولئك أموالهم لأنه لا ينتظر أن يأخذ منهم شيئا آخر، أما هؤلاء فيعطيهم ماله، ولا يأخذ منهم ربحًا مالياٍّ؛ لأنه ينتظر أن يأخذ منهم الجاه والسلطان، فلما ارتفع أمره واحتاج إلى جاه الأغنياء وسواعد الفقراء، طابت نفسه عن المال لأولئك وهؤلاء جميعًا، فكان يولم الولائم لأهل روما كافة، كان يقيم الوليمة التي تشتمل على ألف مائدة، وكان يتلقى الناَّس على اختلاف طبقاتهم في كثير من البشاشة والإيناس، كان كما يقول أبو نواس:
    فتى يشتري حسن الثناء بماله
    ويعلم أن الدائرات تدور
    ولكنه لم يكن يشتري حسن الثناء وحده بالمال، وإنما كان يشتري معه سوء القالة وبغض البائسين، فقد كان يتتبع المحتاجين يشتري منهم ما يملكون بأبخس الأثمان، ولعله كان يدفع الناَّس إلى الحاجة ويضطرهم إلى أن يبيعوه ما يملكون، كان يتتبع الحريق هنا وهناك ويشتري الدور التي تشب فيها النار، وكان قد احتكر إطفاء الحريق، وألف لذلك فرقة منظمة قوية؛ فكان إذا شبت النار في دار من الدور فاوض المالك في بيعها، ولم يرسل فرقة المطافئ لإطفاء النار حتى يتم البيع، وكان قد احتكر مواد البناء على اختلافها وصناعة البناء على تنوعها، واتخذ من الرقيق والأحرار فرقًا تعمل في هذا كله؛ فكانت مدينة روما كلها أو أكثرها ملكًا له وكانت له أملاك واسعة في مدن كثيرة أخرى، وكانت له أرض زراعية لا يكاد يبلغها الإحصاء، وكانت غلات هذا كله تئول إلى خزائنه فينفق منها عن سعة ويشتري بها ما يشاء مما يباع وما لا يباع، وكانت هذه الثروة على ضخامتها لا ترضيه ولا تقنعه؛ فقد كان يطمع في السلطان، يريد أن يكون قنصلاً وحاكمًا من حكام الأقاليم وقائدًا للجيوش ومنتصرًا على الأعداء ومتحكمًا في الأولياء، وكان يرى أن ثروته يجب أن تبلغه من هذا كله ما يريد، ولم يكن مخطئاً؛ فقد كان النظام السياسي والاجتماعي من الفساد بحيث بلغته ثروته من هذا كله ما أراد. اشترى بومبيوس واشترى قيصر واشترى أعضاء مجلس الشيوخ واشترى أصوات الناخبين، وارتقى إلى أعلى مناصب الدولة، وسيطر على آسيا وتحكم في ملوكها، وسعى في كثير من الطغيان والجبروت حتى لقي الموت كما يلقاه غيره من الناس، كأنه لم يملك من الثروة ما ملك، ولم يبلغ من السلطان ما بلغ، ولم يتحكم في أشراف روما وملوك آسيا ما تحكم.
    وكذلك قتِل زعيم الثورة سبارتاكوس، كما قتِل قامع الثورة كراسوس. جاهد أولهما في سبيل حريته وحرية أصحابه وفي سبيل العدل، فظفر بالحرية التي انتهت به وبأصحابه إلى الموت، ولم يظفر من العدل لنفسه ولا لغيره بشيء، بل لم يستطع أن يحقق العدل في معسكره، ولا أن يمنع أصحابه الذين كانوا يطلبون العدل من أن يملأوا الأرض جورًا وظلمًا، وجاهد ثانيهما في سبيل نفسه، فأذل نفوسًا لا تحصى وأزهق نفوسًا لا تحصى، وأهان الفضيلة في سبيل المطامع وازدرى الحق والواجب في سبيل الشهوات، وخدع الشعب واستذل سلطانه وأكرهه على ما لم يكن يريد، ثم قاد الجيوش لا إلى النصر ولا إلى الهزيمة، بل إلى الموت الساحق الماحق الذي لا يبقي ولا يذر. كل هذا كان في إيطاليا أثناء القرن الأول قبل المسيح، فأما أحداث العراق فقد كانت تشبه هذا كله من وجوه كثيرة وتخالفه من وجوه كثيرة أيضًا، ولم تكن أقل منه هولاً على كل حال.
    لم يكن عبد الله بن محمد صاحب الزنج غنيٍّا ولا شيئاً يشبه الغنى، وأكبر الظن أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، ولولا هذه الثورة لجهله التاريخ كما يجهل الملايين التي لا تحصى من الناَّس في كل جيل، ولكنه كان — فيما يظهر — ذكي القلب بعيد الأمل دقيق الحس حاد المزاج، ضابطًا لأمره مالكًا لإرادته، يصبر نفسه على المكروه في غير مشقة ولا جهد.
    كان يعيش — فيما يقول المؤرخون — ببغداد متصلا ببعض الخدم المعروفين في قصر الخلافة، يرى الفساد يملأ الأرض من حوله، كان يرى فساد السياسة وفساد النظام الاجتماعي وفساد الأخلاق، وعبادة اللذة هنا وعبادة المطامع هناك، كان يرى الحياة من حوله مغامرات لا تنقضي؛ رفيع يتضع ووضيع يرتفع، فقير تنهض به المغامرة إلى الثروة العريضة وغني تنحط به المغامرة إلى البؤس الضيق، وأغمار يأتون من هنا وهناك فإذا هم يرقون إلى أعلى المناصب ويستأثرون بشئون الخلافة ويتحكمون في حياة الخلفاء، كان يرى ذلك من قرب فتنكره نفسه أشد الإنكار. أكانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا كريمة تحب الخير وتكره الشر وتطمع في العدل وتؤثر المعروف، أم كانت نفسه تنكر هذا لأنها كانت نفسًا طموحًا تريد أن تشارك فما يشارك فيه المغامرون وأن تأخذ نصيبها من الدنيا؟ مسألة فيها نظر. يرى المؤرخون أنه لم يكن إلا مغامرًا شريرًا، آثر نفسه بالخير وطمع لها في الرياسة واقترف في سبيل ذلك آثامًا يشيب لها الولدان، والمؤرخون لا يسمونه إلا الخبيث واللعين، ولا يصفونه إلا بأنه عدو الله وعدو المسلمين، ولكن بماذا كان المؤرخون يسمونه لو أنه انتصر؟ وبماذا كان المؤرخون يصفونه لو أتيح له الفوز؟
    فالناس من يلق خيراً قائلون له
    ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل
    مهما يكن من شيء فقد كره عبد الله بن محمد ما رأى في بغداد، وكره ما كان يحُمَل إلى بغداد من أخبار الأقطار الإسلامية، فقد كان عرش الخلافة يضطرب أشد الاضطراب، يعبث الأتراك به في الحضرة ويستبدون من دون الخلافة بالأمر ويسومون الخلفاء من الذل والهون ما يريدون، وكان الأمراء والعمال والناجمون في الأطراف يستبدون بما في أيديهم وينشئون الدول المستقلة في الشرق والغرب، يصانعون السلطة المركزية حيناً ويبادونها بالعدوان والحرب في أكثر الأحيان، وكان لكل قوي ضعفاء يستذلهم، ولكل غني فقراء يستغلهم، فأي غرابة في أن ينكر عبد الله بن محمد هذا كله، وفي أن يتحدث بهذا كله أو ببعضه إلى نفر من أصحابه، وفي أن يؤامرهم على أن يغامروا كما غامر الناَّس ويحاولوا تغيير هذا الشر كما حاول الناَّس من قبل، وكما كانوا يحاولون في أيامه تغيير هذا كله؛ وقد ارتحل بنيته هذه من بغداد إلى هَجَر فحاول أن يحدث فيها حدثاً، وكاد ينجح لولا أن أثِيرت حوله العصبية وكثر القتل بين أصحابه وخصومه، فكرهه الناَّس وضاقت به هَجَر، فانتقل منها إلى الأحساء، ثم ضاقت به الأحساء، فانتقل منها إلى البادية، وجعل يطوف بأحياء العرب يدعوهم إلى مذهبه، والعرب يستجيبون له حينا، ويمتنعون عليه حيناً آخر حتى ضاقت به البادية أيضًا، وجعل يفكر في وجه يقصد إليه ليبدأ مغامرته ولينتهي بها إلى غايتها.
    وهنا يتحدث المؤرخون عنه بالأعاجيب فيزعمون أنه أطال التفكير ذات يوم فإذا سحاب يظهر في السماء ثم يبرق ويرعد، وإذا هو يسمع في صوت الرعد، أو ينبئ أصحابه أنه سمع في صوت الرعد أن وجهته يجب أن تكون البصرة، وقد زعم المؤرخون أنه كان يتحدث إلى أصحابه ألواناً من الحديث يزعم أنها من ألوان الغيب، فقد ظهرت له آيات فيما يقول على إمامته، فحفظ سورًا من القرآن ألقِيت في روعه فجاءة ولم يكن يحفظها من قبل، وكُتِب له على الحائط كتاب كان يقرأ فيه، يراه هو ولا يراه أحد من أصحابه، وعُرِضت عليه النبوة فيما قال — أو فيما زعم المؤرخون أنه قال — فأباها، واكتفى بالإمامة؛ لأن أعباء النبوة أثقل من أن يستطيع النهوض بها.
    ومن الجائز أن يكون عبد الله بن محمد قد زعم هذا كله أو بعضه لأصحابه؛ فقد كان هذا النحو مذهبًا من مذاهب نشر الدعوة ووسيلة إلى إثارة الجماهير، ومن الجائز كذلك أنه لم يقل من ذلك شيئاً، وإنما تكلف المؤرخون ذلك غضٍّا منه وتشهيراً به وزراية عليه؛ لأن النجاح لم يكُتَب له، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه قصد إلى البصرة، وهمَّ أن يثير فيها الفتنة، فنذر به السلطان، وأخذ بعض أصحابه وهرب هو، فعاد إلى بغداد وأقام فيها مع جماعة من رفاقه يحكمون أمرهم، حتى إذا عُزِل عامل البصرة قصد قصدها، وهناك بدأ مغامرته الخطيرة سنة خمس وخمسين ومائتين بعد أن أنفق في التدبير والتمهيد والتجربة ست سنين.
    بدأ مغامرته الخطيرة في رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين؛ اتصل بالرقيق الذين كانوا يعملون حول البصرة في كسح السباخ وفي إصلاح الأرض، وفي استخراج الملح وفي غير ذلك من هذه الأعمال التي سخر أهل البصرة لها عشرات الألوف من الرقيق السود، والظاهر أن أصحاب رءوس الأموال كانوا قساة على هؤلاء العبيد، يسومونهم الخسف ويعنفون عليهم في السيرة ويقترون عليهم في الرزق ويكلفونهم من العمل أكثر مما يطيقون، وآية ذلك أن عبد الله بن محمد لم يكد يتصل بهم حتى استجابوا له مسرعين وحتى تكاثروا حوله، وإذا هو يعدهم ويمنيهم، ويمنحهم الحرية، ويحلف لهم جهد أيمانه أنه سيملكهم الأرض وسيجعلهم سادة يملكون الرقيق، بعد أن كانوا رقيقا يملكهم السادة، وسيملكهم سادتهم، والرقيق يسمعون له ويحفون به، ويفنون في طاعته، وهو يبر لهم بما وعد، ويعطيهم ما مناَّهم، أليس قد حكمهم ذات يوم في بعض وكلائهم ومواليهم، فأباح لهم أن يطرحوا هؤلاء الوكلاء والموالي وأن يضربوهم بالسياط؟ ثم هو يتخذ من هؤلاء السود قادة ويؤمِّرهم على الجند ويسوِّي بينهم وبين البِيض الأحرار، يغُِير بهم على القرى ويغُِير بهم على السفن، فإذا أحرزوا ما في القرى والسفن، قسمه بينهم لم يفرق بين عبد وحر، فقد أصبحوا جميعًا أحرارًا، ولم يفرق بين أسود وأبيض، فليس لإنسان على إنسان فضل إلا بالطاعة وحسن البلاء.
    وكذلك انتشرت الدعوة بين الرقيق، فتكاثفوا وضخم عددهم، وقلق السادة فأرسلوا إليه يفاوضونه ويخوفونه غدر هؤلاء السود وفرارهم، ويعرضون عليه خمسة دنانير عن كل واحد منهم، فلا يحفل بشيء من ذلك ولا يلتفت إليه، وإنما يمضي في نشر دعوته وتحرير الرقيق من السود، وتأليب الأحرار من الفقراء والبائسين، وإذا هو صاحب جيش ضخم يهتم له السلطان فيرسل إليه الحملة إثر الحملة، وهو ينتصر على ما يرُسَل إليه من الجيوش، وهو يقهر القائد إثر القائد ويهزم الوالي إثر الوالي، ويزعج أهل البصرة إزعاجًا شديدًا بعد أن ألقى في روعهم أنهم أصبحوا في متناول يده، ليس عليه إلا أن يبسطها ليأخذهم متى شاء وكيف شاء، والسلطان المركزي في بغداد يرسل الوالي إثر الوالي والجيش بعد الجيش فلا يظفر بشيء أو لا يكاد يظفر بشيء، حتى أخاف صاحب الزنج هذا القسم من العراق، فأفزع البصرة والأبلة والأهواز، ونشر الرعب حتى اضطر الناَّس إلى الهجرة والهرب، وهو متنقل بجيشه من مكان إلى مكان، مغير بهذا الجيش على مدينة بعد مدينة، يغير بنفسه حيناً، ويرسل أصحابه إلى الغارة حيناً آخر، حتى إذا استيقن القدرة على اقتحام البصرة دفع إليها أصحابه دفعًا فخربها تخريبًا وقتل أهلها تقتيلا منكرًا، واستصفى ما كان عندهم من المال، واضطر من بقي منهم إلى الفرار، وأخذ الأسرى من أحرار العرب والعجم من خيار الرجال وكرائم النساء، فوزعهم على أصحابه رقيقًا بعد أن كانوا سادة، وعرضهم في الأسواق للبيع والشراء كما كانوا يعرضون الزنج في الأسواق للبيع والشراء، وقد جزع الخليفة المعتمد لهذا الأمر جزعًا شديدًا، فكلَّف أخاه الموفق إدارة هذه الحرب، وأعد له جيشًا لم ترَ بغداد مثله منذ عهد بعيد، وذهب الموفق فلقيت جيوشه صاحب الزنج مرة ومرة ومرة دون أن تبلغ منها شيئاً، وإنما كانت الهزيمة تدركها في أكثر الأحيان، واضطر الموفق إلى اعتزال هذه الحرب إما يأسًا من الفوز وإما لأن الخلافة كانت في حاجة إليه لحرب أخرى في الشرق لم تكن أهون من حرب الزنج شأناً ولا أقل منها خطرًا، والمهم أن صاحب الزنج استأثر بالأمر كله في هذا القطر من أقطار الدولة الإسلامية، وملأ العراق رعبًا وفرقًا ونغَّص الحياة على أهل بغداد، وسلَّمت له كور وأقاليم جعل يجبي خراجها وينفق منه على تدبير أمره وتقوية جيشه، وكان هذا القطر من أقطار العراق قد نظُِّم الري فيه أحسن تنظيم وأكمله، فجرت فيه الأقنية والأنهار من كل وجه واتخذت فيه هذه الأقنية والأنهار وسائل للري ووسائل للمواصلات، ثم اتخذت وسائل للحرب أيضًا فكانت هذه الأقنية والأنهار دروعًا يتُقَّى بها العدو حين تتحارب الجيوش على الأرض، كما كانت هذه الأنهار والأقنية ميادين للقتال حين تتحارب الجيوش على ظهر الماء، وقد اتخذت الأساطيل النهرية من صغار السفن وكبارها، وكانت جيوش السلطان وجيوش صاحب الزنج تلتقي وتقتتل، على ظهر الأرض وعلى وجه الماء.
    ولما عظم أمر صاحب الزنج وأصبح خطرًا لا على ما يليه من الكور والأقاليم فحسب، بل على عاصمة الخلافة وسلطان الدولة كله، أعاد المعتمد إلى أخيه تدبير أمر الحرب وأطلق يده في أموال الدولة يدبرها كما يشاء وينفق منها كما يشاء، وأطلق يده في جيوش الدولة أيضًا يوجهها حيث يشاء ويكلفها من الأمر ما يشاء، ونهض الموفق لهذه الحرب مصممًا هذه المرة على ألا يعود حتى يمحق الفتنة محقًا، وقد أتيح له ما أراد، ولكن بعد أن بذل أي جهد، وبعد أن احتمل أيَّ عناء، وبعد أن أنفق أي مال، وبعد أن ضحى بعشرات الألوف من الجند وبعد أن عرض نفسه وابنه وقواده لأي مخاطرة، يكفي أن تعلم أنه أنفق في هذه الحملة الأخيرة أعوامًا متصلة غير قليلة لم يرح فيها ولم يسترح، ولم ينفذ فيها أحكامه وأوامره حسب العرف المألوف، وإنما فرضها دكتاتورية عنيفة شملت أكثر أقطار الخلافة واستغرقت أكثر مرافقها، وينظر الموفق ذات يوم وإذا أخوه أمير المؤمنين قد ضاق بهذه الدكتاتورية ولم يطق صبراً على ما تفرض عليه وعلى جنده من الضيق، وإذا هو يخرج ذات يوم من بغداد قاصدًا إلى الغرب، يريد أن يأوي إلى مصر ليعيش في ظل ابن طولون مغاضبًا لأخيه، ولكن الموفق كان أحزم من ذلك وأمضى رأياً وأوسع حيلة، فيأمر بعض قواده في الأقاليم أن يتلقى الخليفة ووزراءه وقادته، وأن يقبض عليهم ويردهم إلى بغداد كارهين إن لم يعودوا إليها راضين، والقائد يطيع أمر مولاه، ويرد أمير المؤمنين وأصحابه إلى العاصمة، وقد ضبط الموفق الأمر وأحكمه في الأقاليم التي كانت خاضعة لسلطان الخلافة، ومضى في الحرب لا يعرف هوادة ولا رفقًا ولا ليناً، يقدم ابنه أبا العباس بين يديه وينتظر منه أن يخاطر بنفسه ليخاطر القواد بأنفسهم وليخاطر الجنود بأنفسهم أيضًا، أليس هو يخاطر بنفسه كلما سنحت الفرصة؟!
    وكان أمر صاحب الزنج قد بلغ من العلو والارتفاع أن اتخذ لنفسه ولقواده المدن الجديدة، ينشئها إنشاءً، ويحصنها تحصينا هائلا؛ فهو يقيم في المدينة المختارة، وقائد آخر يقيم في المدينة المنيعة، وقائد ثالث يقيم في المدينة المنصورة، وقد ملئت الأرض من حول هذه المدن بالجند وأداة الحرب، وملئت الأنهار والأقنية بالسفن، فينشئ الموفق لنفسه مدينة يتخذها قاعدة للحرب يسميها الموفقية، ويجمع فيها كل ما يجتمع في العواصم الكبيرة من المرافق والصناعات التي يحتاج الناَّس إليها في السلم والحرب، ولا يزال بجيوش صاحب الزنج الأشهر والأشهر، ثم العام بعد العام، حتى يضطرها إلى أن تترك خطة الهجوم وتلتزم خطة الدفاع في مدنها وحصونها، ثم لا يزال بهذه المدن والحصون حتى يستخلصها مدينة مدينة وحصناً حصناً، وحتى يضطر الفلول المنهزمة إلى المدينة المختارة حيث يقيم صاحب الزنج، وإذا الناَّس يكثرون في هذه المدينة حتى تضيق بهم، وحتى تقصر مرافقها عن إرضاء حاجاتهم، ولكن الموفق يتقدم حتى يضرب حولها الحصار، ويقطع عنها الميرة، وهنا يظهر الموفق من النبوغ والامتياز ما لم يمكن أن يظهره كراسوس في حرب سبارتاكوس، فقوة الموفق هائلة لا تقُهَر، وهو قادر على أن يأخذ المدينة بالحصار، يضَُيقِّ عليها حتى يلقي أهلها بأيديهم، وهو قادر على أن يقتحم المدينة وإن كلفه ذلك خسائر هائلة، ولكنه يبدأ فيعرض الأمان على صاحب الزنج، فإذا رفض التسليم مضى في حرب غريبة حقا، فحارب بالرهبة التي لا تعدلها رهبة، وبالرغبة التي لا تشبهها رغبة؛ فهو يبذل الأمان والعفو والخلع السنية لمن شاء من قواد صاحب الزنج وجنوده لا يبخل من ذلك بشيء، فإذا استأمن إليه بعض الناَّس تلقاه فعفا عنه وأحسن إليه وخلع عليه وكرمه أجمل تكريم، ثم عرضه في سفينة من السفن في هيئته الجديدة ليراه المشرفون من السور فيطمعوا في مثل ما أتيح له من النعيم، وما أكثر ما كان هذا المنظر يطمع ويغري! وما أكثر ما كان قواد صاحب الزنج يتأثرون بهذا الإطماع والإغراء، ويستأمنون للموفق ويصبحون له على قائدهم ورئيسهم ظهيراً!
    وإذا أخذ أصحاب الموفق بعض الأسرى وأبوا أن يستأمنوا ضرب أعناقهم، ثم يجمع رءوسهم إلى رءوس الذين يقُتلون في الموقعة، ثم ينصب هذه الرءوس على السفن ليراها المشرفون من السور فتمتلئ قلوبهم فزعًا وروعًا، وقد يقُتلَ القائد الوجيه فيحُتزَ رأسه ثم يرُمَى به من وراء السور، ومع المنشور من منشورات الموفق قد ملأه الترغيب والترهيب، وكذلك أخاف الموفق كثيراً من الناس، وأطمع كثيراً من الناس، واجتذب إلى نفسه كثيراً من الناس، حتى إذا آن له وقت الهجوم أمر بهدم الأسوار واقتحام المدينة وتهديم الحصون حصناً حصناً، والدور دارًا دارًا، وجدَّ في ذلك حتى بلغ منه ما أراد بعد مشقة شاقة وجهد عنيف.
    كل ذلك وعبد الله بن محمد صاحب الزنج يقاوم كأحسن ما تكون المقاومة، ويدافع كأعنف ما يكون الدفاع، لا تفل عزمه خيانة الصديق ولا يثبط همه قتل الأنصار، وإنما – ٠يم ا ي.اات يا فاي يي ي م مام: يا هو يقاوم في مدينته ما وسعته المقاومة، ثم يقاوم في داره حتى تقتحَم عليه، ثم يقاوم في كل شبر من الأرض حتى يتفرق عنه أنصاره، منهم من قُتِل ومنهم من أخُِذ ومنهم من لاذ بالفرار، وهو قائم يدافع لا يتزحزح عن مكان إلا ليثبت في مكان آخر، حتى إذا أحُِيط به لم يستسلم ولم يلُق السلاح، وإنما قاتل حتى قُتِل، وحتى احتزَُّ رأسه وحُمِل مممم
    إلى الموفق، وقد ثبت معه جماعة من قواده دافعوا كما دافع، وأبلوا كما أبلى، قُتِل بعضهم في الميدان، وأخُِذ بعضهم إلى بغداد، فقُتِلوا وصُلِبوا على شاطئ النهر.
    وظن الناَّس أن ثورة الزنج قد انتهت، ولكنها أعوام تمضي، وإذا ثورة أخرى تظهر في العراق فتملأ الأرض هولاً، لا في العراق وحده ولكن في جزيرة العرب وفي الشام، وقد تصل أطراف منها إلى مصر؛ كانت البصرة ضحية ثورة الزنج، ثم صارت الكوفة ضحية ثورة القرامطة. ألم يكن هناك سبب بين هاتين الثورتين؟ بلى قد كان هناك سبب أي سبب؛ طابعهما واحد، هو الخروج على النظام السياسي والاجتماعي والانتساب إلى آل علي، وغايتهما واحدة هي تحقيق العدل في الأرض بعد أن أفسدها الظلم والجور، ونتيجتهما واحدة هي هذا الروع الذي ملأ القلوب وهذا الهول الذي سفك الدماء، وأزهق النفوس ودمر الأمصار، وهذا الجهد الضائع الذي لم يزل ظلمًا إلا ليقيم مكانه ظلمًا آخر، والذي يحاول أن ينصف الناَّس فلا يبلغ من الإنصاف شيئاً. أكُتِبَ على الإنسانية إذن أن تكون الجهود التي تبذلها في سبيل الإصلاح مضيعة، وأن يصبح الذين يحاولون إزالة الظلم وإقرار العدل أنصارًا للظلم وأعداء للعدل؟ كانوا يريدون أن ينقذوا أنفسهم وينقذوا الناَّس من ظلم الظالمين، فلم يكتفوا بالإنقاذ، وإنما جزوا السادة ظلمًا بظلم، فكان هذا أول الشر، ثم تجاوزوا ظلم الظالمين من الأعداء إلى ظلم الأنصار والأتباع، فأصبحت الحرية استبدادًا، وأصبحت المساواة استئثارًا، وأصبح الإنصاف بغياً وعدواناً، ومضت كلمة القضاء في الناس: سعيٌ متصل إلى المُثلُ العليا، وعجزٌ متصل عن تحقيق هذه المُثلُ أو الوصول إليها، وظلم متصل في أثناء ذلك للظالمين وغير الظالمين.
    وقد أظهرت ثورة سبارتاكوس رجلين اثنين هما قائد الثورة وقامعها، أما ثورة الزنج فقد أظهرت رجالاً كثيرين لا أستطيع بالطبع أن أتحدث عنهم، وإنما ألاحظ مسرعًا أنها أظهرت رجلين اثنين من رجال الدولة المحافظين على النظام، وأظهرت طائفة من الناس كلهم ممتاز خليق أن يحفظ التاريخ اسمه من ناحية الثورة، فلم ينهض بالثورة عبد الله بن محمد وحده، ولم يعتمد فيها على الزنج وحدهم، وإنما نهض معه قوم من أصحابه كانوا في مثل سنه، منهم من خرج من غمار الناَّس لم تكن له سابقة ولا لأسرته ذكر، كهذا البحراني الذي كان كيالاً في وطنه قبل أن تتصل أسبابه بصاحب الزنج، فأصبح بعد ذلك قائدًا مجربًا، وسياسياٍّ لبقًا، ومدبرًا داهية، ومنهم من كان من أهل البيوتات، ومن الأسر الأرستقراطية العريقة، كعلي بن أبان المهلبي، هذا الذي ينتسب إلى قامع ثورة الخوارج أيام بني أمية والذي أصبح خارجياٍّ مع صاحب الزنج، والذي أظهر براعة في الحرب ودهاءً في السياسة وصبراً على المكروه لا يشبهه فيها إلا أبو العباس ابن الموفق، ومنهم آخرون جاء بعضهم من عرض الطريق فكشفت الأحداث منهم عن رجال أفذاذ حقٍّا ليسوا أقل استعدادًا للنهوض بجلائل الأعمال وعظائم الأمور من هذه الأرستقراطية التي احتكرت شئون الحكم احتكارًا، فإذا دل هذا كله على شيء فإنما يدل أولاً على أن روح المغامرة قد كان شائعًا منتشرًا في جميع الطبقات، وعلى أن انتشار الثقافة قد فتح للناس وللمغامرين منهم خاصة أبوابًا لم تكن تفُتحَ لهم من قبل، وأشعرهم بأن ما يفُرَض عليهم من نظم الحكم تلك التي اشتملها الفساد، وما يفُرَض عليهم من نظم الاجتماع تلك التي قامت على الظلم والجور، كل هذا خليق أن يغُيرَّ، فحاولوا تغييره ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. نجحوا أول الأمر هنا وهناك، ثم أدركهم الإخفاق في كل مكان؛ لأن تقدم العقل لم يكن قد بلغ طوره الذي يمكنه من أن يسيطر على الإرادة والغريزة، وأظنك توافقني على أن تقدم العقل لم يبلغ هذا الطور إلى الآن، فما أكثر الثورات التي قامت في العصر الحديث لتغير النظم السياسية والاجتماعية وترد الناَّس إلى العدل والمساواة، فلم تبلغ من ذلك إلا أقله، وما زال أكثره أملاً يرُقَب ولا يتُاح الوصول إليه!
    ولنقف وقفة قصيرة جدٍّا عند قائد ثورة الزنج عبد الله بن محمد، وقامع هذه الثورة أبي أحمد الموفق بن المتوكل، فأما أولهما فقد كان رجلاً من غمار الناَّس حقٍّا، زعم
    المؤرخون أنه انتسب إلى آل علي ولم يكن منهم في شيء، وأنه تردد في سلسلة نسبه إلى زيد بن علي بن الحسين، وزعم المؤرخون أيضًا أن نسبه في عبد القيس، وجائز أن يكون نسبه في عبد القيس، وجائز أيضًا ألا يكون له نسب في قبيلة من قبائل العرب، وأكبر الظن أنه لم يكن يحفل بشيء من ذلك فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين أصحابه، وإنما كان يتكلف بعض ذلك ليستهوي قلوب العامة ويجمعهم حوله، فقد كانت العامة في العراق وبلاد العرب وأجزاء من بلاد الفرس مؤمنة بأن تغيير النظم السياسية إن قُدِّر له أن يكون فلن يقع إلا على يدٍ علوية تتصل بأهل البيت.
    والشيء المحقق هو أن عبد الله بن محمد قد كان رجل حزم وجلد كما كان رجل طمع وطموح. كل شيء في سيرته يدل على صلابة الرأي ومضاء العزم والثبات على المبدأ، والشجاعة التي لا تعرف ضعفًا ولا فتورًا، والمرونة التي لا تعرف ترددًا ولا حيرة أمام المشكلات، وقد يضيف المؤرخون إليه سيئات كثيرة منكرة، وأكبر الظن أنه قد اقترف كثيراً من هذه السيئات، فأسرف في القتل والتدمير، وأنهب أصحابه الأموال، ورد الأحرار إلى الرق كما رد الرقيق إلى الحرية، ولكن كثيراً من سيئاته هذه لا ينبغي أن يحُمَل عليه وحده، وإنما ينبغي أن يحُمَل على عصره وعلى الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر، سواء منهم من حافظ على النظام القديم ومن أراد تغييره، وكل ثورة خطيرة على النظم السياسية والاجتماعية تستتبع ألوانا من الهول لا يسيغها الخلق ولا يقرها العقل ولا يرضاها الدين، ولكنها تقع مع ذلك لأن الغريزة هي التي تدفع إليها، ولأن الغريزة هي التي تثور، وإذا ثارت، فقلَّ أن تعرف لنفسها حدٍّا تنتهي إليه. والناس يعرفون أهوال الثورة الفرنسية كما يعرفون أهوال الثورة الشيوعية، والناس لا يكرهون الثورة عبثاً، وإنما يكرهونها لما تدفع إليه من هول وما تورط فيه من إثم، وما يقترف الناَّس فيها من المنكرات، ومع ذلك فقد يخطئ المؤرخون، وينسون أنهم يكتبون عن عدو الله الخبيث اللعين صاحب الزنج، قد يخطئ المؤرخون وقد ينسون هذا كله، فيذكرون أمورًا تدل على الصدق والرفق، ولا تصدر عن خائن خبيث يتعمد الشر ويتخذ الشيطان له إمامًا، فهو يأبى مثلاً أن يأذن بالإغارة على قرية لأن رجلاً من أهلها قتل رجلاً من أصحابه، يريد قبل الإيقاع بهذه القرية أن يتبين ويتثبت لعل أهل القرية أبرياء لم يعينوا صاحبهم ولم يشاركوا في إثمه، وهو يلقى بعض أهل القرى وقد أقبلوا يعرضون عليه أموالهم لينصرف عنهم، فيجزيهم خيراً ويترك لهم أموالهم ولا يلقاهم بكيد، وهو يحس أن الزنج يشفقون من أن يتركهم أو يسلمهم لكثرة ما كان يوجه إليه من إغراء، فيجمعهم ويؤمنهم ويطلب إليهم أن يحيطوه بجماعة منهم ترقب سيرته، فإن رأت منه انحرافًا عن العهد أو ميلاً إلى الإغراء، فتكت به، وهو يوفي عهده، ويثبت على مبدئه، فلا يستأمن حين يعُرَض عليه الأمان، ولا يستسلم حين يستيئس من الفوز، ولا يحاول أن ينجو بنفسه بعد أن فقد الأمل، وإنما يقاتل حتى يقُتَل.
    أما خصمه أبو أحمد فلم يكن كما رأيت من عامة الناس، وإنما هو من سلالة الخلفاء، أبوه المتوكل بن الرشيد، وقد كانت سلالة الخلفاء من حوله قد أدركها الضعف، وانتشر فيها الخمول، وأترفت حتى تحكمت فيها اللذة، ثم تحكم فيها الرقيق من الخدم في القصور والجند خارج القصور، فظهور أبي أحمد في هذه البيئة المترفة التي أفسدها الترف حتى غلبت على أمرها، وتفوقه هذا الرائع في إدارة السياسة والاقتصاد والحرب، كل ذلك آية على أنه قد كان رجلاً نابغة كأكمل ما يكون الرجل النابغة، وقد نظلمه أقبح الظلم إذا وازنا بينه وبين كراسوس قامع الثورة الإيطالية. قد كان أبو أحمد مناقضًا لهذا الروماني المترف العاجز الذي أفسده الثراء، فلم يبقِ له شجاعة ولا خلقا ولا دينا كل المناقضة؛ كان أبو أحمد أشجع بني العباس في عصره، وأشجع من كان يعمل لبني العباس من قادة الترك والموالي عامة، وكان يملك الشجاعة بأروع معانيها وأرفعها، فهو قوي على نفسه، ثم هو قوي على أهله وذوي قرابته قبل أن يكون قوياٍّ على غيره من الناس، يخاطر بنفسه في المواقع، ويحمد من ابنه مخاطرته بنفسه في المواقع، فإذا أحس من أخيه أمير المؤمنين ترددًا أو ضعفًا أو اضطرابًا، أخذه بالحزم ورده إلى القصد، وأكرهه على الاعتدال، وإذا رأى من ابنه نفسه بعد الفوز إسرافًا في الجموح أو الطموح، قسا عليه أشد القسوة، وألقاه في غيابات السجن، لم يحفل بحبه له وعطفه عليه، والناس يثورون غضبًا للأمير الشاب، ولكن أبا أحمد يلقى الثائرين ويردهم إلى الهدوء ويسألهم: أترون أنكم أحب له وأحدب عليه من أبيه؟ وأبو أحمد لا يعرف الهدوء ولا الاستقرار. كانت شئون الدولة مضطربة أشد الاضطراب، فكان مضطربًا مثلها، يدافع الشر حيث ينجم الشر، يحاول أن يقهر ابن طولون في الغرب، ويقمع الثورة في العراق كما يقمعها في شرق الدولة، وحين يعجز عن الحركة، ويضطر إلى لزوم الفراش، فهو يدبر الأمر من سريره، ثم يعاد إلى بغداد، وقد عجز عن الركوب، فيحُمَل في سرير، يتناوب نقله أربعون رجلاً، وهو يحس أن حامليه يشفقون بحمله فيقول لهم في بعض الطريق: وددت لو أني كنت واحدًا منكم، أسعى كما تسعون، وأشقى كما تشقون، ولا ألقى من الألم والعجز ما ألقى، ولكنه على ألمه وعجزه، يدبر أمور الدولة إلى آخر لحظة من لحظات حياته، ويفرضها دكتاتورية حازمة لا يعفي من سلطانها ابنه ولا أخاه.
    أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن في أحداث التاريخ العربي القديم ما يستطيع أن يلهمهم حين يكتبون النثر أو ينظمون الشعر؟ أليس يرى كتابنا وشعراؤنا أن من حق هذه الأحداث عليهم أن ينظروا فيها بين حين وحين، كما ينظرون إلى أحداث أخرى وإلى ألوان أخرى من التاريخ؟
    الكاتب المصري مايو ١٩٤٦

    الفئة الضائعة
    بقلم الدكتور طه حسين
    هي هذه الفئة التي تفكر بعقولها وتهدي الناس بتفكيرها والتي تشعر بقلوبها وتفيض من حولها رقة الشعور والتي تصفي الحياة بأذواقها وتهديها إلى الناس شائقة رائقة ونقية صافية، تزكي في نفوسهم جذوة الجمال وتملأ قلوبهم طموحا ورقيا وشوقا إلى الحق والخير والجمال. هي فرقة الأدباء والعلماء والذين يتخذون ألسنتهم وأقلامهم وسائل للاتصال بالناس يعلمونهم بها ما لم يعلموا ويبصرونهم بها ما لم يبصروا ويذوقونهم بها ما لم يذوقوا، ويحببون بها إليهم أشياء لم تكن لتخطر لهم على بال.
    هذه الفئة التي تجعل الناس ناسا وتفتح لهم من الآفاق وتمد لهم من الأسباب وتهيء لهم من الوسائل ما يلقى في روعهم أنهم خلقوا ليسودوا لا ليستعبدوا وليكرموا لا ليهونوا، وليعزوا لا ليذلوا وليضطربوا في الأرض عن علم بها وقدرة على السير في مناكبها والانتفاع بما أودعها الله مما ينفع الناس، ويستقبلوا ظروف الحياة عن علم بحقائقها وفهم لدقائقها وقدرة على حل مشكلاتها، وتيسير مصاعبها، وتذليل ما يثور فيها من الملمات والمعضلات والعقاب.
    هذه الفئة ضائعة مضيعة لا يحفل بها ولا يكاد يحفل بها أحد.. في أقرب حقوقها إليها، وأهمها وهو قانون حقوق المؤلفين.
    وما أكتب هذا شاكيا من أحد أو شاكيا إلى أحد فما أحببت قط أن أشكو من الناس ولا أن أشكو إليهم، وإنما أكتبه مشعرا للعلماء والأدباء بمكانهم راجيا أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث وضعهم الناس أو أن يضعوا أنفسهم حيث يحبون أن يكونوا، فهم بين هاتين المنزلتين لا يستطيعون إلا أن يضطربوا بينها دون أن يجدوا منزلة ثالثة يلوذون بها أو يفزعون إليها.
    هم مخيرون بين أن يضيعوا ويضاعوا كما هم الآن، لا يحفل بهم أحد، ولا يلتفت إليهم أحد، ولا يرجو لهم أحد وقارا، وبين أن يحزموا أمرهم، ويجمعوا كلمتهم ويشعروا الناس بمكانهم لترعى حقوقهم كما ترعى حقوق غيرهم ولا يقضى في أمورهم وهم غائبون دون أن يدعوا ليسألوا ولا يقضى في أمورهم وهم حاضرون دون أن يسألوا عما يرون أو عما يحبون كأنهم أولئك الذين يقول فيهم الشاعر القديم:
    ويقضى الأمر حين تغيب سعد ولا يستأمرون وهم شهود
    لقد كثر الكلام في قانون حقوق المؤلفين هذا، منذ وقت طويل وعسى أن يكون أحد الأدباء هو الذي مهد طريقه إلى البرلمان في العهد القديم. ثم قيل. إنه بعث في العهد الجديد بعد أن أغرق في النوم، ثم قيل إنه نشط وعظم حظه من النشاط حتى رفع إلى مجلس الوزراء وأوشك أن يستوي قانونا مسموع الكلمة نافذ الحكم. ثم قيل إن شيئا من الفتور قد أدركه فرد إلى البحث والاستقصاء.
    وتكلم الأدباء في شأنه من بعيد، من بعيد جدا، دون أن يسألهم عنه سائل، أو يؤامرهم فيه مؤامر، ثم قيل في هذه الأيام أن نشاطه قد عاد إليه وإنه يسعى في طريقه إلى مجلس الوزراء مرة لا أدري أهي الثانية أم الثالثة كل ذلك والأدباء لا يسألون ولا يستأمرون. لم يسعوا إلى الحكومة مبتدئين لأنهم لم يألفوا مثل هذا السعي ولم تدعهم الحكومة إليها لتسألهم لأنها لم تألف دعاءهم ولا سؤالهم ولأنها إن أرادت ذلك أو فكرت فيه لم تعرف أيهم تسأل أو أيهم تدعو فهم والحمد لله كثير. ولكن أهواءهم مفترقة ومن حقهم أن تفترق أهواؤهم ومذاهبهم متباعدة ومن حقهم أن تتباعد مذاهبهم ونظامهم مشتت، وليس من حقهم أن يتشتت نظامهم في هذه الحياة الحديثة التي لا تستقيم للأفراد دون أن يجتمعوا ولا تتهيأ وسائلها للأشخاص دون أن يسلكهم نظام، إنما الذين سألتهم الحكومة وشاورتهم هم رجال القانون أولا لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يسألوا ويستأمروا، ثم أصحاب الموسيقى والغناء سعوا إلى الحكومة فدعتهم الحكومة إليها لتسألهم وتشاورهم فهم أقوى من الأدباء والعلماء قوة وأقدر منهم على أن يحفل بهم الناس وعلى ألا يقضى في أمرهم دون مشورة منهم، وأعوذ بالله إن أنكر ذلك أو أضيق به أو أجعله موضوعا لشك أو ريب. فلأصحاب الموسيقى والغناء حقوق يجب أن يدافعوا عنها، ويجب أن تحفظها عليهم الدولة بكل ما تملك من قوة وسلطان وإنما الذي أنكره على الأدباء والعلماء لا على الحكومة هو أنهم أهملوا أنفسهم فأهملهم الناس.
    شغلوا بالأدب عن حماية الأدب وشغلوا بالعلم عن حماية العلم وحماهم سلطان الحكومة على غير مشورة منهم كما يحمي غيرهم من عامة الناس.
    وهم بذلك قانعون وإليه مطمئنون لم يسع منهم إلى الحكومة ساع ليبين لها رأيهم في هذا القانون الذي يعرفون منه وينكرون ولم تدع الحكومة منهم أحدا لأنها لا تعرف أيهم تدعو فإذا صدر هذا القانون وفيه شيء ينكرونه فلا ينبغي لهم إلا أن يلوموا أنفسهم فهم لم يجتمعوا قط ليتشاروا في أمر هذا القانون ولم يفرغ لدرسه واحد منهم، كأنه لا يعنيهم من قريب ولا من بعيد، أثيرت بعض مشكلاته في الصحف فقال فيه بعضهم ما قال في هذه الصحيفة أو تلك كما تعودوا أن يقولوا فيما يثار من المشكلات. لم ينظروا إليه ولم يفكروا فيه من حيث إنه يمس حقوقهم القريبة وحقوق من يعولون.
    ومن يدري لعل كثيرين منهم لا يحفلون به ولا يعرفون له خطره ولا يقدرون أنه يعنيهم أو يحمي آثارهم من العبث والضياع فهم ما زالوا أو ما زال أكثرهم كما كان الأدباء في العصور القديمة يرون أن الأدب كلام يقال وحسب أصحابه أن يضاف إليهم وحسبهم إن عدا عليهم عاد أو سطا عليهم سارق أن يدلوا على ذلك بكلام يقال وألفاظ تسجل كما كان الشعراء ينبهون فيما مضى على أن فلانا قد سرق هذا المعنى أو هذا اللفظ من فلان.
    أدبائنا وعلمائنا مشغولون بأدبهم وعلمهم عن حقوقهم وعسى أن يسأل بعضهم بعضا فيما تعني الحكومة بحماية هذه الحقوق… لقد تعود الأدباء حماية أدبهم من قبل، فما بال الحكومة تدخل فيما ليس لها أن تدخل فيه، إنما هو كلام يقال ويحمي بكلام مثله إذا احتاج إلى الحماية. فأما أن لهذا الكلام قيمة يقدرها القانون ويقرر لها حقوقا تتعلق بها فهذا شيء جديد لم يكن يخطر لهم ببال. وهم يظنون – وما أكثر ما يظنون – أنهم حين يهملون من ذلك ما يهملون إنما يرفعون أنفسهم عن الصغائر وينزهونها عما يجب أن يتنزه عنه الأديب من العناية بالمنافع القريبة العاجلة.
    فالأديب صاحب فن، والفن جمال يجب أن يشغل صاحبه عن كل شيء، كأن الموسيقى ليست فنا، وكأن الغناء ليس فنا، كأنهما حرفتان يحترفهما أصحابهما للكسب لا لشيء آخر، كذلك يفكر كثير من أدبائنا وعلمائنا.
    هم يعيشون في العصور القديمة، ولا يكادون يفطنون إلى أن الدنيا قد تغيرت من حولهم، وإلى أن حياة الأديب نفسها قد تغيرت أيضا أشد التغير وأعظمه. فللأدباء والعلماء في البلاد الغربية جماعات بعضها يتعاون على تحقيق الأدب والعلم ونشرهما وتوثيق الصلات بين الأدباء والعلماء في أقطار الأرض، على تباعدها وتنائيها، وبعضها يتعاون على حماية العلم والأدب من العدوان والسرقة ومن عبث الذين ليسوا من الأدب والعلم في شيء.
    وقد تغيرت حياة الأديب في الشرق كما تغيرت حياة الأديب في الغرب، فليس في الشرق ولا في الغرب الآن أولئك السادة والأشراف والأغنياء الذين كانوا يحمون الأدب والعلم حبا لهما أو غرورا وتفاخرا بحمايتهما. وقد وكل الأديب والعالم إلى نفسيهما وأصبحا كل منهما مكلفا أن يكسب قوته ويكدح في سبيله ويجد في الوقت نفسه من الفراغ ما يتيح له أن ينتج الأدب والعلم.
    والأدب الآن كالعلم لا ينتجه صاحبه لنفسه وحدها ولا لبيئته وحدها، وإنما ينتجه للإنسانية كلها، وإن كان من الحق عليه مع ذلك ألا يهينهما فيتخذهما وسيلة إلى المال وينتجهما مبتغيا بهما الكسب أو الغنى. ينتجهما لنفسهما أولا ثم لا يقصر في حمايتهما بعد ذلك، ولا يقصر في الانتفاع بما قد يغلان له من مال إن أتيح لهما أن يغلا له مالا.
    وكثير من الأدباء ينتجون أدبهم فلا يلبث هذا الأدب أن يترجم إلى لغات أخرى، ولا يلبث أن يستغل على أنحاء مختلفة من الاستغلال بالنشر والإذاعة والسينما، ولا يلبث أن يخضع لذلك القانون الاقتصادي المشهور؛ قانون العرض والطلب، فتنشأ عنه منافع يجب أن تحمى وحقوق يجب أن تصان.
    ولا سبيل إلى حماية هذه المنافع في بيئة العالم والأديب إلا بالقانون، ولا سبيل إلى حمايتها في البيئات الأجنبية إلا بحماية ما تنتجه البيئات الأخرى لتحمي تلك البيئات ما ينقل إليها من أدبنا وعلمنا.
    كل هذه أوليات استقرت في نفوس الأجانب منذ أواخر القرن الثامن عشر، ولكن أدبائنا وعلمائنا يجهلونها، فإن عرفوها لم يحفلوا بها ولم يلتفتوا إليها، ثم هم بعد ذلك يشكون إن عبث بهم الناشرون أو المذيعون وأصحاب السينما.. ويشكون إن أصابهم الفقر أو ألحت عليهم الحاجة أو حال كسب القوت بينهم وبين ما يحبون من إنتاج الأدب والعلم يشكون الزمان أولا، وقديما شكا الأدباء الزمان ووصفوا حرفتهم بأنها حرفة بؤس وشؤم لا تجر على أصحابها إلا شرا. ثم يشكون الحكومة بعد ذلك لأنها لا تعني بهم ولا ترعاهم ولا تحميهم من خطوب الحياة. وأجدر بهم أن يشكوا أنفسهم وأن يلوموها، فمن الحق عليهم أن يكرموا أنفسهم ليكرمها الناس، وأن يعنوا بها لتعني بها الحكومة، ولا عليهم إذا أكرموا أنفسهم ودافعوا عن حقوقهم وأتاحوا للحكومة بذلك أن تحميهم وترعاهم، من أن يشكوا الزمان بالحق وبغير الحق. فشكوى الزمان فن من حق الأدباء أن يقولوا فيه كما يقولون في غيره من الفنون.
    والزمان لا يحفل بشكواهم، ولكن شكواهم هذه تبلغ القلوب فتؤثر فيها وتبلغ الأذواق فـتحيي فيها ألوانا من الجمال. وقديما قيل: «أعن نفسك تعنك السماء».
    فليحزم الأدباء أمرهم وليجمعوا كلمتهم ولينظموا منهم من ينطق بلسانهم، ويذود عن حقوقهم ويحميهم من أن يكونوا هذه الفئة الضائعة التي إن صدق فيها شيء فإنما يصدق فيها قول الشاعر القديم:
    صرت كأني ذبالة نصبت تضيء للناس وهي تحترق
    طه حسين
    الجمهورية، ١٨/١/١٩٥٤

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • طه حسين الحكواتي | Taha Hussein the Storyteller: Fiction, Dialogue, and Legend

    الخيال الطارق
    للدكتور طه حسين
    أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
    أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
    وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
    وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
    قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
    “إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال”.
    قلت:
    “ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟”.
    قال:
    “مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران”.
    قلت:
    “لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك”.
    قال:
    “ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة”.
    قلت:
    “ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك”.
    قال:
    “أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
    ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
    لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
    قلت:
    “هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها”.
    قال:
    “أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
    وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
    وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
    وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
    وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
    أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ”.
    ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
    قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟”
    قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
    وقلت مداعباً:
    “ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات”.
    قال مغضباً:
    “أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟”
    قلت:
    “فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟”
    هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
    “ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!”.
    ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
    الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤

    مدينة سبأ
    للدكتور طه حسين

    كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئاً من الغرابة؛ فنوم الأدباء البارعين يقظة؛ لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم؛ لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.
    كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة؛ أحدهما مختلط مضطرب شاحب وهو لون الحياة الواقعة، والآخر واضح جلي ناصع وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وإنه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم يرَ مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس وفاتنات غير باريس من المدن الأوروبية التي زارها، بل لم يرَ مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن.
    وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد؛ فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفاً لم يحسّ مثلهما قط فيما أحسّ من الأعطار المصنوعة ومن الأعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات؛ وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق.
    ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة – فيما يظهر – تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي يُنيم الأيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين؛ فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين: مملكة اليقظة ومملكة النوم، مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء.
    وظل في مكانه يرى هذه الجنية ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقي من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه؛ وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان! ولكن الأديب الفرنسي ملرو كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار.
    وأكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما أجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، وإلى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى؛ وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالاً جداً ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.
    ظل الكاتب الأديب ملرو في حالته هذه بين الحالين، وفي مقامه هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدّقت فيه تحديقاً طويلاً لو حدّقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعباً ولدفعته إلى الجنون دفعاً، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل وتحديقها الطويل، مبتسماً في هدوء ينظر إليها ولا يقول لها شيئاً.
    وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجيّ، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط، ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تُلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة وفي ابتسام ليس أقل منها غرابة قائلة:
    “مَن تكون؟ لقد عرضتُ لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون فروّعتهم ترويعاً على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذتُ ترويع الناس لذة من أهون اللذات إذا فرغتُ مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيراً من الألم والعناء. حدثني مَن تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها واستنباط قواعدها وأصولها مشقة. حدثني مَن تكون أيها الفتى الذي عجزتُ عن ترويعه والعبث به؟”.
    قال الأديب الفرنسي ملرو وهو ينظر هادئاً مبتسماً إلى هذه الجنية:
    “بل حدثيني أنتِ مَن تكونين؟ فإني لم أعرض لكِ وإنما عرضتِ لي، وإني لم أحفل بكِ وإنما حفلتِ بي، وإني لم أدنُ منكِ وإنما دنوتِ مني، وإني لم أحاول سحركِ بلحظ ولا لفظ ولا حركة ولا عبير؛ فما ينبغي لكِ أن تسأليني وإنما ينبغي لي أن أسألكِ. ومع ذلك فإني لم أسألكِ حتى بدأتِني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيكِ من الجواب وعلى أن أدعكِ تمضين في طريقكِ؛ فما أكثر مَن يعرض لي من أمثالكِ، وما أكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ! ولئن فاتني أن أعرفكِ وأسمع من أنبائكِ فقد عرفتُ من قبلكِ خيالات أخرى أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئتُ، وأن أقصّ عليها من أنباء الأحياء وتقصّ عليّ من أنباء الأموات”.
    قالت الجنية أو قال الخيال:
    “ما أشد طغيانكم أيها الناس! إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علماً. حدثني يا فتى مَن تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك”.
    قال:
    “بل حدثيني أنتِ مَن تكونين، واستيقني أنكِ لا تقدرين من الإساءة إليّ على شيء، بل أنا قادر إن شئتُ على أن أغلق بيني وبينكِ الباب، وأقطع بيني وبينكِ الأسباب. وأي شيء أيسر من أن أمضي إلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيها ولا خيال، وإلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلاً”.
    قالت:
    “فإني أراكَ على قوتك ذكياً ماهراً، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى إلا أنك جني قد اتخذتَ شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق فنعبث بالناس جميعاً، ونكيد لهم جميعاً، ونخدعهم جميعاً ساعة من نهار أو يوما من أسبوع”.
    قال:
    “بل أشهراً كاملة من عام كامل، بل عاماً كاملاً من أعوام طوال؛ فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون. واعلمي منذ الآن إني أكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فإن الرجل الممتاز حقاً هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فإن استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم فهو الرجل العبقري حقاً. فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون؛ فقد يُخيَّل إليّ أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن”.
    قالت وهي تبتسم ابتساماً عريضاً:
    “وأنا أيضاً أرى هذا. فهل سمعتَ شيئاً من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟”.
    قال:
    “أي مملكة تريدين؟ فما أكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ”.
    قالت في شيء من الدل:
    “وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك لولا أنك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلاً، ألا يدلك على شيء؟”.
    قال:
    “بلى! إنه يدلني على أنكِ قد سريتِ من الشرق؛ فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلتِ من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟”.
    قالت:
    “قد عرفتَني، فأنا جنية من أرض اليمن، أقبلتُ أعبث ببعض أهل الغرب، وأبحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس فظفرتُ بكَ”.
    قال:
    “بل وقعتِ في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلتِ؟”.
    قالت:
    “من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة”.
    قال:
    “ملكة سبأ؟”.
    قالت:
    “هي هي!”.
    قال:
    “وعلامَ نستطيع أن نتفق؟”.
    قالت:
    “على أن نعبث بالناس شيئاً، ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث أحسن تعويض”.
    ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم أصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أُنشئت له، فيقيم في القاهرة يوماً وبعض يوم ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في أقل من تسع ساعات! طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعداً في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسماً دقيقاً صادقاً.
    فلما انتهى إلى موعده صوّر من المدينة ما صوّر؛ لم يهبط إلى الأرض ولكن جنيته صعدت إليه ودلته على أجمل المناظر وأجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من أمره بين الشك واليقين؛ فكتب المقالات وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور؛ فأما العلماء فأنكروا – وأي شيء أيسر على العلماء من الإنكار؟ – وأما غير العلماء فصدقوا – وأي شيء أيسر على غير العلماء من التصديق؟
    ثم تنتقل الأنباء من أوروبا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطراباً، وإذا البرنامج كله قد تحقق؛ دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال، ثم بالأيدي، ثم بالجيوب. فإذا كان شهر نوفمبر فإن البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضاً، ثم تمضي في الصحراء. وما أكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها.
    ومن يدري! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو أن تبرّ بالوعد وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضاً حسناً.
    لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم؛ فإن هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة؛ تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه، وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.
    الرسالة ٢١ – ٥ – ١٩٣٤

    راحة
    لم يكن غنيًا يتدحرج على الذهب، ولا معدمًا ينام على القش، وإنما كان رجلًا من أوساط الريف، يأكل حتى يشبع، ويشرب حتى يروى، وينام ملء جفونه إذا جنه الليل. ولم يتكلف في كسب هذا العيش المطمئن الفارغ مشقة ولا جهدًا، إنما تركت له أسرته، التي كانت حسنة الحال فيما مضى من الزمان، بقية من أرض كثر عليها الدين، وتنازعها الغرماء، ولكنها كانت، على ذلك، تقيه وتقي أهله شر الجوع والحرمان.

    ولم يكن مثقفًا ولا قريبًا من المثقف، وإنما تركت له أيام النعيم بقية من علم بالقراءة، كانت تتيح له أن ينظر فيما يصل إلى القرية من الصحف بين حين وحين، وكانت تمكنه من أن يقرأ في بعض هذه الكتب التي يمر بها الطوافون على أهل الريف، فيحملون إليهم قصصًا وطنيًا يجدون في قراءته والاستماع له لذة ومتاعًا.

    وكان راضيًا عن حاله، مطمئنًا إليها، مغتبطًا بها، لا يفكر في أن يغيرها أو ينتقل إلى حال خير منها. بل كان يضيق صدره كلما أحس من أهله رغبة في سعة، أو تمنيًا لخلاص أرضه من الدين والغرماء.

    وكان عقله نائمًا أو كالنائم، لا يكاد يفكر في غير ما يحيط به من أمور أهل القرية. وكان أهل القرية ينظرون إليه في شيء من الإكبار والازدراء والإشفاق معًا. يكبرون أسرته القديمة ذات المجد التليد، ويزدرون فتوره وخموده، وما انتهت إليه حاله من الخمول، ويشفقون عليه مما اضطر إليه من ضيق بعد سعة، وضعة بعد ارتفاع.

    وكان كل شيء من حوله مضطربًا شديد الاضطراب. فالأحزاب تختصم في غير هدنة ولا أمل في الهدنة، والانتخابات النيابية يتبع بعضها بعضًا في سرعة غير مألوفة، لا يكاد يسفر انتخاب عن مجلس من مجالس النواب حتى يحل ويتفرق أعضاؤه، ثم يستأنف الجهاد، وتشب الحرب، ويكون انتخاب جديد، ومجلس جديد، لا يكاد يفتتح ويبدأ عمله حتى يرد أعضاؤه إلى حيث كانوا، فإذا هم يتفرقون مرة أخرى في مدنهم وقراهم، ليستأنفوا الجهاد، ويعيدوا حرب الانتخاب جذعة كما كانت قبل أشهر أو قبل أسابيع.
    ولم يكن صاحبنا يحفل بهذا كله، بل قل إنه لم يكن يفهم من هذا كله شيئًا. قيل له ذات يوم: لا بد من أن تثبت اسمك في جدول الانتخاب، ففعل. ثم قيل له: لا بد من أن تذهب إلى حيث الانتخابات، ومن أن تختار نائبًا أو ناخبًا لنائب، ففعل.

    ويجب أن ننصفه، فنؤكد أنه كان شديد الثقة بالعمدة، لا يأتي في الانتخاب وما يتصل به من الأعمال أمر إلا بعد أن يشيره. فإذا أشار عليه استمع له، ولم يخالف عن أمره مهما تكن الظروف، ومهما تكن المغريات بالخلاف.

    ولم تكن ثقته بالعمدة رهينة بشخص العمدة، وإنما كانت رهينة بمنصبه، فقد كان العمد يغيرون ويبدلون في سرعة ملائمة لسرعة الانتخابات وتتابعها بين حين وحين. وكان صاحبنا دائمًا رهينًا بمشورة العمدة القائم، مطيعًا لأمره في ثقة وتسليم وإذعان.

    وأشرقت الشمس ذات يوم على ما يحيط بالقرية من البراري، وما يطوقها من الحدائق والحقول. واستفاق صاحبنا من نومه سعيدًا راضيًا، كدأبه في كل يوم. فلما خرج من فراشه أكل كعادته فأكثر الأكل، وشرب كعادته فأكثر الشرب، وأخذ يشعل السيجارة في إثر السيجارة حتى أحرق منها خمسًا، كدأبه كل يوم إذا امتلأ من طعام الصباح وقهوته، حتى إذا استقرت معدته في جوفه، وقلبه في صدره، وعقله في رأسه، عمد إلى عصاه الغليظة فأخذها، وخرج يعبث بها حينًا، ويعتمد عليها حينًا آخر، في شيء من الخيلاء لم يكن يقدم عليه أحد من غير هذه الأسرة الخاملة بعد علو الذكر ونباهة الشأن.

    ولم يكد يتجاوز باب الدار قليلًا حتى لقيه العمدة، ومعه من يمثل الإدارة، فسلم عليه العمدة في شيء من الإكبار لم يعهده من قبل، وهو يقول:

    — أين تذهب؟ لقد كنا نريد أن نزورك.

    قال صاحبنا في شيء من الدهشة والعجب:

    — تفضلوا، على الرحب والسعة.

    ثم التفت إلى العمدة وقال:

    — ولكن هلا بعثت إلي ولم تتكلف مشقة هذا السعي؟

    قال العمدة:

    — وإذا لم يسع إلى ابن فلان وحفيد فلان، فإلى من يكون السعي؟

    ثم كانت الزيارة، وكان حديث لست أدري أفهمه صاحبنا أول الأمر حين فهمه، ولكنه أكبره ودهش له على كل حال.

    ومنذ ذلك اليوم كثر تردده على دار العمدة، وتردد العمدة على داره، وكثر انتقاله من القرية إلى حيث تقيم الإدارة، وكثر تردد رجال الإدارة على القرية. وتحول صاحبنا نشيطًا بعد فتور، يقظًا بعد غفلة، ذكيًا بعد غباء.

    وما هي إلا أسابيع حتى كان صاحبنا عضوًا في البرلمان، لا يقيم في قريته البعيدة النائية في أقصى الريف، وإنما يقيم في باريس أكثر العام.

    وكان في أول أمره صامتًا في المجلس، طويل الصمت، ثم أخذ يتكلم قليلًا، ينطق بالجمل القصار، ثم الجمل الطوال، ثم أصبح خطيبًا يسهب ويطنب، ويفصح ويبين!

    تغير في شكله وهيئته كل شيء، وانقطع عنه إلحاح الغرماء، وخلصت له أرض أبيه، وأصبح العمدة يكبره، لا عن تكلف، ولا عن خضوع لأمر الحكام.

    ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه، وهو أنه لم يصدر فيما يأتي من الأمر، أو يلقي من الخطب، إلا عن رأي رجل قام في حياته الجديدة مقام العمدة في حياته القديمة. وهذا الرجل هو الوزير، فقد ارتفع صاحبنا عن منزلته الأولى بين أهل الريف، حيث كان يذعن للعمدة، إلى منزلة جديدة في العاصمة، فأصبح يذعن للوزير.
    وطالت به هذه الحال، فانقضى عام وجاء بعده عام، ولكن صاحبنا أخذ يستفيق بعض الشيء في العام الثاني. وحياة العواصم قوية خصبة، تذكي الشعور الخامد، وتنبه العقل النائم، وتفتح البصائر المغلقة.

    فما أيسر ما تنبه صاحبنا إلى موقفه، وشعر بمكانته، وعرف أنه قد أصبح قوة لا يستهان بها، ولا يستغنى عنها، فكبر في نفسه، وأراد أن يكبر في نفوس الناس. وهنا وجد صاحبنا المشقة، والعناء كل العناء. نظر فإذا زملاؤه ووزراؤه ورفاقه السياسيون لا يزالون ينظرون إليه اليوم كما كانوا ينظرون إليه من قبل، ولا يكبرونه ولا يشعرون بجلال خطره. وكلما هم بأن يتقاضاهم شيئًا من الإعظام والإكبار ابتسموا له، ونغضوا إليه رؤوسهم ساخرين، فإذا ألح ذكروا له بيئته الأولى، وحياته الأولى، وأنبأوه بأن طريق العودة إلى هذه البيئة وتلك الحياة ليست بالشاقة ولا بالطويلة.

    ونظر فإذا كثرة الناس من أهل العاصمة، أولئك الذين لا يظفرون بشرف السياسة ومغانمها، ولكنهم يحتملون أثقالها ومغارمها، ينظرون إليه شزرًا، ولا يقبلون عليه إلا بمقدار ما تدعو إليه الحاجة الماسة إلى الحديث. فضاقت به العاصمة على سعتها، وضاق هو بالعاصمة على حبه لها، وأعرض عن أنديتها ومجالسها، وأعرض عن ملاعبها وملاهيها، وآثر أن يلزم ناديه السياسي، ويكثر الاختلاف إلى اللجان البرلمانية في الصباح، وإلى الجلسات البرلمانية في المساء.

    حتى إذا كان آخر الدورة، وطلب إلى النواب والشيوخ أن يتفرقوا ليستريحوا من عناء العمل، ويريحوا الوزارة من طول الحديث وكثرة الكلام، تنفس صاحبنا كالمبتهج السعيد، فقد آن له أن يدع زملاءه الذين يزدرونه، وأن يدع أهل العاصمة الذين ينكرونه، وأن يذهب إلى الريف، هنالك حيث الهواء الطلق، والبراري الجميلة، وحيث الجبال الشاهقة تحيط بالقرية من بعيد، وقد اتخذت على قممها عمائم من الثلج الناصع النقي، وحيث أهل الريف وطباعهم السمحة، ونفوسهم الساذجة، وقلوبهم الطاهرة التي لا تعرف إسرافًا في الحقد والبغض، ولا غلوًا في الحسد والمنافسة، والتي لا تجحد فضل الأسر القديمة، ولا تعرض عن أبنائها، ولا سيما حين يكون هؤلاء الأبناء قد أعادوا المجد القديم، وارتفعوا إلى حيث أصبحوا من أولي الحل والعقد، ومن الذين يرجع إليهم في تصريف الأمور.

    وبلغ صاحبنا قريته مع الصباح، بعد سفر أنفق فيه ليالي طوالًا، وكان يقدر أنه لن يدع العربة حتى يلقاه أهل القرية جميعًا مكبرين له، مبتهجين بلقائه. أليس قد بلغ رسالتهم، وأبلى في الدفاع عنهم ما أقام في العاصمة؟

    ولكنه ترك العربة، فلم يجد أحدًا إلا خادمه الشيخ قد أقبل ينتظره، فلما رآه حياه، ثم شغل عنه بما كان يصطحب من متاع. وتقدم النائب خطوات، وأبى أن يركب العربة التي كانت تنتظره، وآثر أن يبلغ داره ماشيًا، وكان من غير شك يقدر أن هؤلاء الجاحدين الذين لم يخرجوا للقائه سيرونه رغم أنوفهم وهو يسعى في الطريق، وسيحيونه كارهين.

    ولكنه مضى في الطريق يمر أمام المتاجر، وأمام الدور، ويمر به الناس ذاهبين وجائين، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يشعر به منهم أحد. وهو يتكلف من الأشكال والصور ما يظهره للناس، ولكنهم يمرون وكأنهم لا يرونه. فإذا تلقاه أحد منهم بالتحية رد عليه تحيته، ومضى مسرعًا لا يلوي على شيء.

    ولم يبلغ الرجل داره حتى كان ضيقه بالقرية وأهلها كضيقه بالعاصمة ومن ترك فيها من الناس.

    على أن أهله كانوا قد تهيأوا للقائه فرحين مبتهجين به، ولكنه لم يكد يراهم، ويرى ابتهاجهم به، والتفافهم من حوله، حتى أظهر من الفتور والانقباض ما رد فرحهم إلى شيء، إن لم يكن حزنًا فهو قريب من الحزن.

    ومضت ساعة وساعة، والصمت طويل بين الرجل ومن يحيط به من أهله وذوي قرباه. فلما أذن الله لهم بالحديث، أظهر صاحبنا بعض العجب لفتور أهل القرية في استقباله، وإعراضهم عنه حين كانوا يلقونه في الطريق.

    فابتسمت زوجته، وكانت ذكية فطنة، وقالت في رفق:

    — أكنت تنتظر منهم غير ذلك؟ وقد ذهبت إلى العاصمة، وعدت منها، وأقمت فيها ما أقمت، وأبليت في العاصمة ما أبليت، فلم ينجل عنهم هم، ولا رد عنهم بأس، ولا فرج عنهم كرب.

    لقد كنت أظن أنك قد أقدمت على ما أقدمت عليه، وأنت تعلم حق العلم أنك معرض لدفع ثمنه، احتمالًا لتجهم الناس لك، وتنكر المتنكرين منهم، وسخط الساخطين فيهم.
    منذ ذلك اليوم أقام صاحبنا في الريف كما كان يقيم في العاصمة، لا يرى الناس ولا يراه الناس. وإنما يلزم داره أكثر النهار، فإذا لم يكن بد من خروج، فإلى دار العمدة في القرية، وإلى مستقر الإدارة في المدينة.

    حتى إذا انقضى الصيف، ورجع إلى العاصمة ليستأنف حياته العامة، لقي زملاءه مبتهجًا، راضيًا، مسرورًا. وكان يقول كلما لقي منهم أحدًا:

    — هلم إلى العمل، ما أكثر ما ينتظرنا من الجهد هذا العام! لقد لقينا الناس، وتحدثنا إلى الناخبين، وعرفنا حاجاتهم، فقد آن لنا أن نقضي هذه الحاجات، ونحقق هذه الآمال، وإلا فما نحن عنهم بنواب، وما نحن لهم بممثلين.

    كان ذلك في فرنسا في أوائل القرن الماضي.

    كوكب الشرق ١٤ — ٧ — ١٩٣٣

    في منزل الدكتور طه حسين
    للدكتور زكي مبارك
    في مطلع الصيف كنت على موعد مع الأستاذ الكبير الدكتور طه بك حسين لأقدم إليه نسخة من كتاب (ليلى المريضة في العراق) ولأقرأ معه صفحات من ذلك الكتاب، ولكني حين وصلت في الموعد المحدد لم أجده في البيت، فسلمت الكتاب لجندي يرابط هناك وانصرفت. ولم يعزّني عن إخلاف الدكتور طه حسين إلا لحظات عذاب قضيتُها في منزل الآنسة أم كلثوم، وبينه وبين منزل الدكتور طه بضع خطوات.
    وفي اليوم التالي سألت عنه بالتليفون لأعرف كيف أخلف الموعد، فاعتذر بلطف وأكّد أنه نسي ذلك الموعد كل النسيان، ودعاني إلى تجديد الموعد، فقلت: إني أتأهب للسفر إلى بغداد للاشتراك في تأبين الملك غازي، وسأحرص على التشرف بمقابلتك حين أعود. وكنت أحب أن آنس بلقائه بعد أن رجعتُ من بغداد، ولكني خشيت أن يكون أخلف الموعد الأول عن عمد؛ لأن أولاد الحلال لا يزالون (يصلحون) ما بيني وبينه من صلات.
    ثم سافر الدكتور طه إلى باريس، وسارت الأخبار بأنه سيعتذر عن الحضور في العام المقبل ليستريح من عناء المشكلات الجامعية وليؤلف كتاباً عن تاريخ الشعر العربي. وكنت في تلك المدة شرعت في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين، وندّ القلم فوقعت منه غمزات تمسّ الدكتور طه حسين بدون موجب؛ وكذلك استوحشت من المضيِّ للتسليم عليه حين عرفت أنه رجع من باريس. ثم عدت فقررت أن أؤدي الواجب في تحية الدكتور طه، راجياً أن يكون في تأدية هذه التحية تبديد للظلمات التي يخلقها من يأكلون العيش بحياكة الأقاويل والأراجيف.
    كان ذلك في مساء اليوم ١٣ من شعبان، والقمر يقدِّم إلى الوجود أفانين من الرفق والحنان، ويذكِّر القلوب الخوامد بماضيها الجميل في مقارعة الصبوة والفتون؛ فنزلت من السيارة عند جسر فؤاد لأمتع القلب والروح بمشاهدة النيل وهو يواجه القمر في أيام الطغيان، ولأستقبل الزمالك بأدب وخشوع؛ فما كان ثراها الغالي إلا نثائر أكباد وقلوب. وأخذت أجتاز الزمالك من حَرَم إلى حَرَم إلى أن بلغت منزل الدكتور طه حسين. وكنت أرجو أن أجده وحده لأني وصلت بعد الساعة ٩، وهو عنده وقت هدوء؛ ولكن يظهر أن قدومه من السفر رفع الحجاب فكان منزله في أنس بجماعة من أهل الفضل هم الأساتذة: شفيق غربال، وعبد الواحد خلاف، ومنصور فهمي، وعلي عبد الرزاق، وسعيد لطفي، وأمين الخولي، وتوفيق الحكيم، وعبد الوهاب عزام، وإبراهيم مصطفى، وعبد الحميد العبادي.
    سلّمتُ على الدكتور طه تسليم المحب المشتاق، وسألته عن باريس وعن السوربون، فأجاب إجابات موجزة دلتْ على أنه يريد أن يكتم عني أشياء. فهل آذت الحرب بعض أصدقائي هناك؟ لا قدر الله ولا سمح! وبعد لحظة حضر الأستاذ أحمد أمين فنهضت واقفاً لمصافحته، ولكنه زوى وجهه وتجاهل وجودي، ورأيت المقام لا يتسع لمحاسبته على ما صنع، فتكلفتُ الابتسام وأنا مَغِيظ. والخاطر في البال أن حضوري قد يعكر المجلس، وأن من الخير أن أنصرف؛ ثم تذكرت أنني أحق الناس بمودة الدكتور طه حسين وإن حالت بيننا الدسائس حيناً من الزمان، فقد كنت صديقه الحق قبل أن يعرف أصدقاء اليوم؛ كنت صديقه الحميم في ظروف لا يسأل فيها الشقيق عن الشقيق، فكيف أخرج من منزله ليخلو الجوّ لصديق مثل أحمد أمين؟ يجب أن أقضي السهرة كاملة، وعلى من يؤذيه حضوري أن يتفضل بالانصراف!
    وبعد أن دارت السجائر على الزائرين شرع الأستاذ أمين الخولي في الحديث:
    أمين الخولي: يا زكي، ما تترك أبداً أخلاق المنوفية؟
    طه حسين: وما أخلاق المنوفية؟
    أمين الخولي: هي المشاغبة واللجاجة والعناد.
    طه حسين: وزكي مبارك مشاغب؟ قل كلاماً غير هذا يا أمين، فما عرف الناس زكياً إلا مثال اللطف والأدب والذوق. الدكتور زكي حقيقة رجل لطيف؛ ومن آيات لطفه أنه ينظر فيرى الناس قد ضجروا من الهدوء والسكون فيسلط عليهم القذائف القلمية ليتذوقوا نعمة الحركة والجدَل والنضال.
    علي عبد الرزاق: يظهر أنك راض عن الدكتور زكي مبارك.
    طه حسين: وهل أملك غير ذلك؟
    زكي مبارك: تملك كلمة النصح يا سيدي الدكتور، إن رأيت ما يوجب كلمة النصح.
    طه حسين: لا يا عم، يفتح الله!
    زكي مبارك: يظهر يا سيدي الدكتور أنك غضبان.
    طه حسين: لست بغضبان، ولكن يحق لي أن أنزعج من بعض ما أقرأ لك.
    عبد الواحد خلاف: لعل الدكتور يشير إلى مقالاته في مهاجمة الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا أحتج على إثارة هذا الموضوع في هذا المجلس.
    خلاف: الخطب سهل، ونحن نحاول تصفية القلوب.
    أحمد أمين: أنا أحتمل كل شيء إلا التعرض لنبالتي.
    طه حسين: وهل تعرض زكي مبارك لنبالتك بشيء؟ إن هذا لو صحّ لكان خروجاً على شِرعة العقل!
    أحمد أمين: لقد تعرض لنبالتي بأشياء.
    إبراهيم مصطفى: إن الدكتور زكي لم يتعرض لنبالتك يا حضرة الأستاذ.
    زكي مبارك: أنتم تخوضون في شجون من الأحاديث لا عهد لي بها قبل اليوم، فما كنت أعرف أن الأستاذ أحمد أمين فوق النقد، ولا كنت أظن أن التعرض لتفنيد آرائه يعد هجوماً على قدسيته الذاتية! فهل تعتقد يا أستاذ أني تجنيت عليك؟
    أحمد أمين: ليس لي معك كلام، ولا أقبل الدخول معك في نقاش، وأنت حرٌّ فيما تنشر من زور وبهتان.
    زكي مبارك: زور وبهتان؟ وهل النبالة أن تنطق بهذه الكلمات في هذا المجلس؟
    منصور فهمي: لاحظ يا زكي أنك جرّحت الأستاذ أحمد أمين وأن من حقه أن يعلن غضبه عليك، والنفس الإنسانية معرضة للرضا والغضب، والفرح والترح، والرجاء والقنوط. فالأستاذ أحمد أمين يعبر تعبيراً طبيعياً عن السريرة الإنسانية.
    زكي مبارك: وكيف يكون الحال لو استبحتُ من التعبير ما استباح؟
    أحمد أمين: وهل تورعت عن شيء؟ إن مقالاتك عني هي الشاهد الحيُّ على مبلغ أدبك!
    زكي مبارك: وأنا راض عما قلت فيك، وما قلت إلا الحق والصدق، وأنا أنتظر أن يغضب الله عليك فيجازيك على سوء ما صنعت في تحقير ماضي الأدب العربي.
    طه حسين: إيه الحكاية؟
    أحمد أمين: الحكاية أن زكي مبارك يقول إن طه حسين جاهل، وإن أحمد أمين جهول!
    طه حسين: خبر أسود!
    سعيد لطفي: أنا كنت أظن أن المسألة مزاح في مزاح. وأين نشر الدكتور زكي هذا الكلام المزعج؟!
    أحمد أمين: نشره في مجلة الرسالة وعند الزيات. الرسالة التي خلقتها بقلمي.
    زكي مبارك: والزيات الذي سويته بيديك!
    طه حسين: لقد قرأت المقالة الأولى قبل السفر، وأوصيت الأستاذ عبده عزام بحفظ المجموعة لأقرأها يوم أعود، وسأقرأها في هذه الأيام، فإن رأيت فيها أني جاهل وأن أحمد أمين جهول فستكون وقعتك يا زكي زيْ الزفت!
    أحمد أمين: وما ذنب لطفي باشا حتى يتعرض له زكي مبارك بسوء؟
    إبراهيم مصطفى: لقد قرأت تلك المقالات مرات…
    طه حسين: قرأتها بالقراءات السَّبع؟
    إبراهيم مصطفى: أريد أن أقول إني قرأتها بعناية ولم أجد فيها أية إشارة لسعادة لطفي باشا.
    علي عبد الرزاق: لطفي باشا لا يُغضبه أن يكون في بال الناقدين والباحثين.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا أهجم عليه من وقت إلى وقت.
    سعيد لطفي: هذا أسلوب طريف في البر والوفاء!
    طه حسين: طبعاً طبعاً، فصاحبنا زكي مبارك يتوهم أن الخلود لن يكون إلا من نصيب من يتعرض لهم في مقالاته ومؤلفاته بالقبيح أو الجميل. وأشهد أنه سَلَّ سخائم صدري يوم قال إنه لا يهجم علي إلا وهو يعتقد أن الهجوم معناه (بونجور).
    أحمد أمين: وأنا لا أريد منه بونجور ولا بونسوار!
    زكي مبارك: ولكني لن أتركك بعافية أو تكف شرك عن الأدب العربي.
    أحمد أمين: وما شأنك بالأدب العربي؟ وما هي خدماتك لهذا الأدب الذي تقول إنك تغار عليه كما تغار على عِرضك؟
    زكي مبارك: يكفي أني من تلامذة طه حسين.
    طه حسين: العفو! العفو! إني والله راض بأن تكون من أساتذة طه حسين!
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: تقتلني حين تقول (سيدي الدكتور) وأنت ترى أني جاهل وأن أحمد أمين جهول.
    علي عبد الرزاق: لم أشهد في حياتي أروع من هذا الحوار، وهو يستحق التسجيل.
    إبراهيم مصطفى: بشرط ألا يذكر فيه اسمي.
    علي عبد الرزاق: وما المانع من أن يذكر اسمك في هذا الحوار؟
    إبراهيم مصطفى: لا تعرف ما المانع. إن هذا الحديث يوم يسجَّل لن يسجله غير زكي مبارك الذي ابتدع فن الأسمار والأحاديث.
    علي عبد الرزاق: وهل تخشى أن يتزيد عليك؟
    إبراهيم مصطفى: أنا لا أخاف التزيد ولا أهاب الافتراء لأني أملك تكذيب المفتريات وأستطيع دحض الأباطيل؛ ولو كان زكي مبارك يفتري على الناس لكان أمره أخفُّ وأسهل، ولكنه مع الأسف يبرع في تصوير الصدق.
    منصور فهمي: وما الخطر من تصوير الصدق؟
    إبراهيم مصطفى: الخطر عظيم جداً. وإليك توضيح هذه المعضلة: زكي مبارك يحرص على أن يصورك في أحسن أحوالك، وأحسن أحوال المؤمن حال الصلاة. فهل تعرف كيف يصورك وأنت في صلاتك؟ يصورك وأنت راكع أو ساجد! فهل يرضيك أن تصوّر في حال الركوع أو السجود؟
    توفيق الحكيم: هذه أخيلة باريسية، وهي تشهد بروعة ذكائك يا أستاذ إبراهيم.
    إبراهيم مصطفى: العفو يا أستاذ توفيق، فتلك وثبة من الخيال ساقها هذا الحوار الطريف.
    أحمد أمين: أرجو أن تعفوني من هذه المطايبات، فلولا مراعاة المقام لانصرفت.
    طه حسين: أؤكد لك أن الدكتور زكي لم يقصد إيذاءك فيما كتب عنك. ألم تر كيف احتملته سنين وهو يلحُّ في اتهامي بالجهل؟
    زكي مبارك: لم أتهم سيدي الدكتور بالجهل المطلق، معاذ الله، وإنما اتهمته بالجهل بالقياس إلى المسيو برونو والمسيو دي لاكروا، وقد توليا عمادة كلية الآداب في باريس.
    أمين الخولي: كلام طيب يا فتوة المنوفية، فلا مانع عند الدكتور طه من أن يكون في باريس من هو أعلم منه، فقد تخرَّج في مدينة النور وهو يثني على أساتذتها في كل حين، ولكنك اتهمت الأستاذ أحمد أمين بالعاميّة الفكرية، فما هو المخرج من هذا الاتهام الفظيع؟
    زكي مبارك: لم أتهم الأستاذ أحمد أمين بالعامية المطلقة، ولكن بالقياس إلى الشيخ خربوش.
    طه حسين: ومن الشيخ خربوش؟
    زكي مبارك: الشيخ خربوش عالم علامّة لا يقاس إليه الأستاذ أحمد أمين.
    علي عبد الرزاق: ألم أقل لكم إن هذا الحوار يستحق التدوين؟
    عبد الواحد خلاف: هذا الحوار ينفع في تهدئة أعصاب الأستاذ أحمد أمين، وقد بدأ يبتسم، ولكن المهم هو الاستفادة من هذا المجلس في تغيير المذهب الأدبي للدكتور زكي مبارك، فهو أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولا أدري كيف رجع سليماً من العراق…
    توفيق الحكيم: كنت تنتظر أن يلقى حتفه هناك؟
    طه حسين: كان يستريح ويريح، كما قال أحد الكتّاب.
    زكي مبارك:
    لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ … ـت لكم خالداً خلود الجبال
    أحمد أمين: أي جبال وأي خلود؟ أليست لنا أقلام تفل قلمك بأيسر جهد؟
    عبد الواحد خلاف: أرجو أن تسمعوا بقية كلامي. إن زكي مبارك أقدر أدبائنا جميعاً على إحداث الضجات الأدبية، ولكنه لا يوجِّه نشاطه إلى ما يفيد.
    زكي مبارك: وبماذا تشير أيها السيد؟
    عبد الواحد خلاف: أشير بأن تعود سيرتك يوم كنت تؤلف في النثر الفني والتصوف الإسلامي، فتوجه مجادلاتك ومصاولاتك إلى القدماء.
    طه حسين: الأمل بعيد في توجيه الدكتور زكي مبارك إلى ما يفيد وينفع.
    زكي مبارك: يا سيدي الدكتور…
    طه حسين: فلقتني يا أخي بعبارة (سيدي الدكتور) وقد تحيرت في أمرك، فأنت في المجلس رجل لطيف، ولكنك حين تخلو إلى قلمك تنقلب إلى شيطان مَريد.
    أمين الخولي: دافع عن نفسك يا زكي فإني أخشى أن ينهزم فتوة المنوفية.
    زكي مبارك: لي كلمة يا سيدي الدكتور، ولا تؤاخذني بالحرص على هذه العبارة، فقد حضرت دروسك بضع سنين ولا أستبيح الهجوم عليك.
    طه حسين: ألم أقل لكم إن زكي مبارك رجل…
    زكي مبارك: أشكر لك هذا اللطف يا سيدي الدكتور، ثم أقول إني تلقيت عنك مبادئ الظلم والاعتساف.
    عبد الوهاب عزام: إيوه يا عم زكي، هات ما عندك هات.
    زكي مبارك: تذكرون المناوشة التي قامت بين الدكتور طه والدكتور منصور على صفحات الأهرام في سنة ١٩٢١؟
    منصور فهمي: أية مناوشة؟ ذَكِّرني فقد نسيت.
    زكي مبارك: كنت يا سيدي الدكتور أثنيت على أسلوب المنفلوطي، فهاج أستاذنا الدكتور طه وماج، ودعاك إلى أن تسمي الجمل جَملاً والأرنب أرنباً، أو كما قال، ومعنى ذلك أن المنفلوطي ليس بكاتب ولا أديب.
    طه حسين: ثم؟
    زكي مبارك: ثم جاء الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين الذي أنكر أن يكون المنفلوطي كاتباً أو أديباً فاعترف بأن الأستاذ أحمد أمين كاتب وأديب وسمح بأن يدرس أسلوبه على طلبة السنة الأولى بكلية الآداب.
    طه حسين: ما هذا الحشيش؟
    زكي مبارك: أنا لم أذق الحشيش أبداً، ولكني أؤكد أن أسلوب أحمد أمين يدرس في كلية الآداب.
    طه حسين: هذا مستحيل.
    أحمد أمين: الكلية تدرس أساليب المعاصرين جميعاً.
    زكي مبارك: وأنت كاتب ولك أسلوب؟
    منصور فهمي: احترس يا زكي من الخروج على أدب الخطاب.
    أحمد أمين: ليتكم صدقتموني حين قلت إن زكي مبارك لا ينقد الباحث نقد العالم للعالم وإنما ينقده نقد المصارع للعالم.
    زكي مبارك: وأنت عالم يا أستاذ؟ وهل يكال العلم أيضاً بمكيال؟
    أحمد أمين: العلم كله عندك، ونحن تلاميذ مبتدئون!
    علي عبد الرزاق: هذا الحوار لا يستحق التسجيل!
    عبد الحميد العبادي: هو على كل حال صورة من صور التاريخ!
    توفيق الحكيم: أنا والله شديد الحسرة على ما وصلنا إليه؛ فقد كنت أحب أن تكون بين الأدباء صداقات عظيمة كالذي يعرفه الأدباء العظماء في باريس ولندن وبرلين.
    عبد الوهاب عزام: وكالذي شهدناه بين زكي مبارك وأحمد أمين!
    طه حسين: إن ذهني لا يسيغ القول بأن النقد يفسد ما بين الأصدقاء.
    شفيق غربال: أعتقد أن الدكتور زكي رجل طيب القلب. وقد قرأت مقالاته عن الأستاذ أحمد أمين بارتياح، وجنيت منها كثيراً من الفوائد الأدبية. ولو أنه نزه قلمه عن بعض العبارات التي جرت مجرى السخرية من الأستاذ أحمد أمين لما استطاع أحد أن يوجه إليه أي ملام.
    توفيق الحكيم: ولهذه المقالات مزية أخرى غير الفوائد الأدبية، فقد بغَّضتني في الجو الأدبي عندنا وحببّت إليّ قضاء الصيف في أوروبا، ولم أرجع إلا بعد أن ظننت أنها انتهت؛ ثم كانت حسرتي شديدة حين رأيت أن زكي مبارك لا يزال يبدي ويعيد في شرح جنايات أحمد أمين. ولولا الحرب لرجعت من حيث أتيت، فمن أين يجد زكي مبارك كل هذا الكلام الطويل العريض؟
    شفيق غربال: المسئول عن هذه المتاعب هو الأستاذ أحمد أمين.
    أحمد أمين: أنا المسئول؟
    شفيق غربال: بالتأكيد أنت المسئول؛ لأنك مضيت في بحثك طول الصيف، وهيأت المجال للدكتور زكي مبارك. والذي يقدِّم الوقود للنار لا ينكر عليها الاشتعال.
    طه حسين: هل أفهم من هذا أن الجوّ الأدبي عرف الحياة في هذا الصيف؟
    زكي مبارك: يكفي يا سيدي الدكتور أن تعرف أن الأستاذ أحمد أمين نقل مكتبته إلى الإسكندرية في هذا الصيف ليجد الشواهد تحت يديه وهو يردّ عليّ.
    أحمد أمين: أنا رددت عليك؟ وهل قلتَ كلاماً يُرَدّ عليه؟
    زكي مبارك: الله يعلم كيف شغلت قلبك وعقلك، وكيف قهرتك على مراجعة المؤلفات الأدبية والمصنفات الفقهية. وهل تستطيع يا أستاذ أن تقول إنك تجهل منزلتي الأدبية؟
    أحمد أمين: إن مقالاتك في الهجوم عليّ زهدت القراء في علمك وأدبك.
    شفيق غربال: سمعت غير هذا. سمعت أن مقالات الدكتور زكي مبارك في الهجوم على الأستاذ أحمد أمين دلتْ على اطلاع فائق وتفكير عميق، وسمعت من يقول إنه لم يعرف قيمة زكي مبارك إلا بفضل هذه المقالات.
    منصور فهمي: وهذا يشرح جانباً من عقلية المجتمع، فالجمهور يعرف زكي مبارك الناقد ولا يعرف زكي مبارك المؤلف؛ لأنه ينقد وهو ثائر ويؤلف وهو هادئ.
    طه حسين: زكي مبارك يصطنع الثورة في كل شيء حتى التأليف، ولكن ثورته في مؤلفاته لا تلفت نظر الجمهور لأنها في الأغلب متصلة بالقدماء، والهجوم على القدماء لا يثير تطلُّع الناس إلا حين يمس العقائد من قرب أو من بعد، كالذي وقع يوم ظهر كتاب الشعر الجاهلي.
    زكي مبارك: ومن أجل هذا حرص سيدي الدكتور على تغليظ بعض الألفاظ ليوجه الأنظار إلى كتابه النفيس!
    طه حسين: وبعدين لك يا دكتور زكي؟
    زكي مبارك: لا بَعْدين ولا قَبْلين، ولكني أحب أن أعرف كيف تكون الصراحة حلالاً في وقت وحراماً في وقت؟ وكيف يحلُّ لسيدي الدكتور ما يحرُم على سائر الناس؟
    طه حسين: يظهر أنك تحب أن تتمتع بالحرية الكاملة في حياتك العقلية، ويظهر مع الأسف أنك لم تعتبر بما عاناه أحرار الفكر في هذه البلاد، فما تحسدني عليه حلال لك حين تشاء. وإني أرجو أن يبعد اليوم الذي ترجع فيه عن شططك وجموحك، اليوم الذي تيئس فيه من إنصاف الناس كما يئستُ من إنصاف الناس.
    منصور فهمي: ولكن ما الموجب للتعرض لما يمس العقائد؟
    طه حسين: اسأل نفسك يا منصور فلك مع العقائد تاريخ.
    منصور فهمي: كان ذلك في عهد الشباب.
    طه حسين: وكان مني ما كان في عهد الشباب، وإن لم يمضِ عليه غير عشر سنين، والحسرة تلذع قلبي كلما تذكرت أني لا أملك مكايدة الجماهير من جديد. وهل نكايد الجماهير إلا بفضل ما يثور في دمائنا من ثورة وطغيان؟
    عبد الواحد خلاف: ومعنى ذلك أن الدكتور زكي مبارك يكايد جماهير الأدباء لأنه لا يزال في عنفوان الشباب؟
    طه حسين: الذي أعرفه أن زكي مبارك صار من طبقة الكهول، بحكم السن على الأقل، فقد شهدت مشاغبته بدروس الأستاذ علي عبد الرزاق في الأزهر سنة ١٩١٢.
    زكي مبارك: وأنا شهدت مشاغبتك يا سيدي الدكتور بدروس الشيخ محمد المهدي في الجامعة المصرية سنة ١٩١٣.
    أحمد أمين: ومع هذه السن العالية لا يزال زكي مبارك يمعن في الغزل والتشبيب كأنه في سن العشرين.
    شفيق غربال: هذه الدعابة تدل على أن الأستاذ أحمد أمين صفت نفسه وطابت.
    طه حسين: فهل نرجو أن يكف زكي مبارك عن العدوان بعد هذا الصفاء؟
    زكي مبارك: هل تصافينا حقيقة؟
    أحمد أمين: لن نتصافى أبداً بعد الذي كان.
    زكي مبارك: يظهر أنك تستروح بالهجوم عليك، وسأخيِّب ظنك فأسكت عنك بعد ثلاث أو أربع مقالات… مساء الخير يا سيدي الدكتور، والحمد لله الذي أرجعك إلينا بخير وعافية.
    (مصر الجديدة)
    زكي مبارك
    الرسالة ٩ – ١٠ – ١٩٣٩

    من دار إلى دار
    للدكتور طه حسين
    قال أستاذ البيان لتلميذه:
    “زعموا أن البيان يعين صاحبه على أن يؤدي المعنى بعبارات مختلفة فيها الحقيقة والمجاز، وفيها التشبيه والاستعارة، وفيها الكناية والتمثيل، وفيها ما نعلم وما لا نعلم من ألوان الجمال اللفظي؛ هذه التي تأتي عن قصد، وتأتي على غير عمد، كأنما يوحى بها إلى الكاتب المبين. ولكنك تعلم أنَّا لا نذهب في فهم البيان هذا المذهب، ولا نقصد به إلى هذا النحو، وإنما نذهب به مذهبًا أعم من هذا وأشمل، كان يذهب إليه القدماء حين كانوا يتخذون البيان وسيلة إلى أداء ما يعرض للكاتب من الأغراض والمعاني في أشد الألفاظ ملاءمةً لأغراضه ومعانيه. ولعلك تذكر أنهم كانوا يذهبون في تعليم الطلاب فن البيان مذهبًا طريفًا كثيرًا ما كان يضيق به المتكلفون من أصحاب الأخلاق والذين لا يعلمون إلا ظاهرًا من الفلسفة”.
    قال التلميذ:
    “نعم، هو هذا المذهب الذي كان يحمل الأستاذ على أن يطرق أمام تلاميذه ويحمل تلاميذه على أن يطرقوا أشد الموضوعات تناقضًا وأعظمها اختلافًا فيؤدوها كأنهم يؤمنون بها أقوى الإيمانِ، ويقتنعون بها أشدَّ الاقتناعِ. وكانت هذه بدعة استحدثها السوفسطائية ثم ورثها عنهم أصحاب البيان فلم يغيروها، وإنما أمعنوا فيها إمعانًا؛ وكتاب أرسططاليس في الخطابة حافل بذلك. وقد أبلى الجاحظ في هذا النحو من تعليم البيان بلاءً حسنًا، وقد ألّف أساتذة اللغة والبيان في هذا النحو من الأدب كتبًا لا تخلو من لذة ومتاع؛ فيها مدح الشيء الواحد وذمه، وفيها مدح النقيضين وذم النقيضين، وفيها…”.
    قال الأستاذ:
    “حسبك، فقد أرى أنَّ أشهر الصيف وما كان فيها من ارتحال وطواف، ومن اختلاف البيئات عليك وترامي أطراف الأرض بك لم تُنسِكَ ما أنفقنا فيه من أشهر الربيع من الدرس والبحث؛ فأنَّا نريد الآن أن نبتدئ من حيث انتهينا، ونمضي من حيث وقفنا، ونعود إلى ما كنا فيه من التمرين. فاختر لنا موضوعًا واحدًا يثير الضحك ويثير الرثاء، يثير الشماتة ويثير الرحمة، يبعث في النفوس مرحًا وابتهاجًا ويملأ القلوب كآبة وحزنًا، وهو على ذلك كله واحد لا يتغير، وإنما تتغير وجهة النظر إليه ونحو التفكير فيه؛ وأن الشيء الواحد قد يخالف نفسه ويباينها باختلاف الجهات التي تنظر إليه منها، والطرق التي تسلكها إلى فهمه والوصول إليه”.
    قال التلميذ:
    “فإني لستُ في حاجة إلى أن أجدَّ وأكِّد، أو ألتمس وأختار؛ لأن الموضوع ماثل أمامي شهدته أمس فأثار في نفسي هذه العواطف المختلفة، وبعث في قلبي هذه الألوان المتباينة من الشعور. وكان المتعمقون في البيان يسرفون على أنفسهم وعلى تلاميذهم وعلى الفن حين كانوا يجتنبون ما يحدث بين أيديهم من الحوادث، ويختلف عليهم وعلى أمثالهم من الخطوب، ويلتمسون الموضوعات من عند أنفسهم يخلقونها خلقًا؛ فيصيبون حينًا ويخطئون أحيانًا، ويعيشون في عالم الخيال على كل حال. مع أنهم لو نظروا فيما حولهم من الأحياء والأشياء لما احتاجوا إلى هذا الكد والجد، ولما بعدوا بأنفسهم وتلاميذهم عن مواضع الحق والصدق والصواب، ولما نقلوا الأدب من هذا العالم المعروف الذي يضطرب فيه إلا الوهم، ولما قطعوا الصلة بين الأدب الذي يجب أن يكون صورة الحياة وبين الناس الذين يجب أن يتخذوه مرآة يرون فيها أنفسهم وحياتهم كما هي أو كما يحبون أن تكون، أو كما يكرهون أن تكون”.
    قال الأستاذ:
    “هاتِ موضوعك ولا تمعن في الاستطراد؛ فقد علمتُ وقد أنبأتك بأني علمتُ أن أشهر الصيف لم تُنسِكَ دروس الربيع”.
    قال التلميذ:
    “فإن الموضوع الذي شهدته أمس موضوع يثير من المعاني ما لم تشأْ، ويلهم ما أحببتَ من الخواطر ما لا تحبُّ؛ يبعث الابتسام إن شئتَ أن تبتسم، ويبعث العبوس إن أحببتَ أن تعبس. وقد يكرهك على الابتسام وأنت عابس، وقد يكرهك على العبوس وأنت مبتسم، وقد لا يقف بك عند الابتسام بل يغرقك في الضحك إغراقًا، وقد لا يقف بك عند العبوس بل يدفعك إلى البكاء دفعًا. وقد يقفك من الابتسام والعبوس ومن الضحك والبكاء موقفًا بين ذلك؛ فيه هدوء وعجب، وفيه رضا وسخط يضطربان في النفس ولا تظهر آثارهما على الوجه”.
    قال الأستاذ:
    “كفكف من هذا السيل اللفظي المتدفقِ، واقصد بنا إلى ما نريد؛ فقد علمتُ أن أشهر الصيف لم تُنسِكَ دروس الربيع في المعاني، وقد علمتُ أيضًا أنها لم تُنسِكَ دروس الربيع في الألفاظ، وقد علمتُ أنك ما زلت قادرًا على أن تجيد هذا الفن الذي يمكن الكاتبَ أو المتكلمَ من أن يقول فيُطيلَ دون أن يؤدي معنى أو يدل على شيء”.
    قال التلميذ:
    “وكأنك تنكر هذا الفن أو تسخر منه أو تزعم أن جمال الكلام لا يأتي من الكلام نفسه، وأن الألفاظ ليست على حظ من الجمال الذاتي الذي يأتي من اتساقها والتئامها وانسجامها”.
    قال الأستاذ:
    “دعنا من كل هذا العبث واقصد بنا إلى ما نريد؛ فقد نعود في يوم آخر إلى حديث الألفاظ والمعاني وما يجب أن يكون بينهما من صلة، وما يجب أن يُقسمَ بينهما من الجمال. ولكن اذكر إن كنتَ نسيتَ أنك شهدتَ أمس موضوعًا واحدًا يثير الضحك ويثير الرثاء فحدثني عن هذا الموضوع؛ كيف أثار الضحك؟ وكيف أثار الرثاء؟”.
    قال التلميذ:
    “وكيف أنسى موضوعًا لا يمكن أن يعدو عليه النسيان؟ وما رأيك في أديب خُلق ليكتب ويقول فيُقضى عليه فجأة ألا يكتب ولا يقول؟ خُلق ليفكر ويرقى بتفكيره إلى السماء فيُجذب إلى الأرض جذبًا، ويُكره على البقاء فيها إكراهًا، ويُؤخذ بالحياة مع أهلها أخذًا؛ خُلق ليقرأ فيُقضى عليه فجأة ألا يقرأ، خُلق أطول الناس بالكلام لسانًا، وأجرأهم بالقلم يدًا، وأسرعهم إلى المعاني نفسًا، وأخصبهم بالخواطر ذهنًا، فيُعقد لسانه وتُغلّ يده وتُقيّد نفسه ويُجدب ذهنه. خُلق واضح الجبين باسم الثغر مبسوط الأسارير، تضطرب في نفسه الغنية معانٍ غزيرة فيظهر اضطراب هذه المعاني على وجهه، فإذا هو متحرك الهيئة دائمًا لا تكاد تنظر إلى محياه حتى ترى له شكلًا جديدًا يصور معنى جديدًا يضطرب في تلك النفس التي لا تهدأ ولا تستقر، فيُقضى على هيئته أن تسكن، وعلى وجهه أن يتخذ صورة بعينها جامدة مستقرة لازمة لا تتحرك ولا تنتقل ولا تزول”.
    قال الأستاذ:
    “وماذا تنكر من أمر هذا الأديب؟ إنما هو صورة من صور بروميثيوس الذي كان حركة متصلة منتجة خصبة، سريعة لبقة، تعلم الناس في غير انقطاع، وتسلك إلى تعليمهم كل السبل، وتبتغي إليه كل وسيلة، حتى لم تتحرج من أن تختلس نار الآلهة اختلاسًا فتهديها إلى الناس وتمنحهم بذلك الحضارة والعلم والفن وتغنيهم أو تكاد تغنيهم عن (زوس) وأصحابه من سكان الأولمب. فغضب عليه زوس وضاق به وأزمع أن يعاقبه على ما جنى، فشده إلى صخرته تلك في القوقاز وقضى عليه أن يظل طوال الدهر مغلولًا. وقد كانت الحركة جوهره فأصبح عاجزًا، وقد كانت القدرة حقيقته فأصبح لا يملك لنفسه ولا للناس شيئًا، لا يدفع عن نفسه ولا عن الناس شيئًا؛ يزوره النسر الذي وُكل به من حين إلى حين فينهش كبده نهشًا، وهو يرى ذلك ويألم له أشد الألم ولا يستطيع له دفعًا؛ يدعو الحرية فلا تستجيب له لأن زوس قد كفها عنه، يدعو الموت فلا يستجيب له لأن الأقدار قد كتبت له الخلود. وقد صور إيسكيلوس حال بروميثيوس هذا تصويرًا بديعًا ألهم مَن جاء بعده من الكتاب والشعراء، والمثالين والمصورين والموسيقيين. وقد أثار إيسكيلوس في تصويره ضحك الذين قست قلوبهم، ورثاء الذين رقت نفوسهم، كما أثار معاني أخرى أقوم وأخصب وأبقى من الضحك والرثاء”.
    قال التلميذ:
    “لم أقصد إلى بروميثيوس ولم أفكر فيه، وهل تظن أني رأيته أمس؟ ولم أذهب إلى القوقاز وإنما أنا معك في القاهرة، ولعلي إن ذهبتُ إلى القوقاز فلا أرى الصخرة ولا قرينها فلم يحدثنا عنهما أحد من الذين زاروا تلك البلاد بعد إيسكيلوس”.
    قال الأستاذ:
    “فهي صورة من صور بروميثيوس قصدتَ إليها واتخذتها نموذجًا لهذا النحو من البيان كما كان يفعل القدماء”.
    قال التلميذ:
    “لم أفكر في بروميثيوس ولم أقصد إلى تقليد إيسكيلوس، وإنما هو شيء شهدته أمس”.
    قال الأستاذ:
    “وماذا شهدتَ؟”.
    قال التلميذ:
    “شهدتُ صديقنا فلانًا وقد أرادت له ظروف الحياة أن ينتقل من دار إلى دار”.
    قال الأستاذ وقد أغرق في الضحك:
    “ما أبعد هذه الصورة التي تحدثني عنها من تلك الصورة التي كنتُ أذكرك بها! وأين يكون صديقنا فلان حين تنقله الظروف من دار إلى دار، من بروميثيوس حين يشده كبير الآلهة إلى صخرة القوقاز؟”.
    قال التلميذ:
    “فقد أثار صديقنا فلان في نفسك الضحك لأن صورته ذكرتك بتلك الصورة الضخمة العظيمة التي نصبها أبو التراجيديا للناس؛ فلما انحدرتَ منها إلى هذا الشخص الضئيل النحيل الذي كان يقيم في طرف من أطراف القاهرة فانتقل إلى طرف آخر، لم تملك نفسك أن أغرقتَ في الضحك إغراقًا. ومع ذلك فلو قد رأيته أمس كاسف البال، كئيب الوجه، محزون القلب، معقود اللسان، مقيد الرجل، مغلول اليد، محصورًا بين طائفة من الأثاث وأدوات البيت، مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، فيها الكبير والصغير، فيها الأنيق والدميم، قد جُمعت حوله تجميعًا، وكُدست حوله تكديسًا، وقد وُضع هو بينها وضعًا على كرسي أو شيء يشبه الكرسي، وقيل له: أقم لا ترم حتى يأذن الله أو يأذن العمال لك بالانتقال؛ وهو مقيم لا يريم، لا يستطيع أن يقول شيئًا، ولا ينبغي أن يقول شيئًا لأنه لا يفهم مما حوله شيئًا. يريد أن يخلو إلى نفسه ويعيش مع خواطره، وإذا هو مصروف عن ضميره صرفًا بهذه الأصوات العنيفة المختلفة التي تأتي من كل مكان، والتي تؤلف من حوله نوعًا فجًّا فظًّا غليظًا من الموسيقى؛ فيه أصوات العمال على اختلافها، واصطدام الأثاث ووقعه على الأرض، وهذا الصوت الذي يغيظ ويهيج الأعصاب ويأتي من جر الأشياء على الخشب حينًا وعلى الحجر حينًا آخر، وخفق الأقدام وتداعي الخدم، وتناهي الحمالين وما شئت مما يُحصر وما لا يُحصر من هذه الضوضاء الغريبة التي يمتلئ بها البيت حين تفارقه الحياة، ويمتلئ بها البيت حين تدخله الحياة”.
    قال الأستاذ محزونًا مشفقًا:
    “وكم قضى المسكين من وقت على هذه الحال؟”.
    قال التلميذ:
    “يومًا كاملًا؛ نصفه في ذلك البيت الذي كان يخلو، ونصفه في هذا البيت الذي كان يعمر. ولقد هممتُ أن أتحدث إليه في الانتقال من دار إلى دار، وأن أذهب معه مذهب الأدباء في هذا الحديث، فأخذتُ أذكر له وقوف الشعراء على الأطلال وإحيائهم لما يثير هذا الوقوف في نفوسهم من الذكرى وما يسفح على خدودهم من العبرات، وجعلتُ أروي له: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)… وأنشده: (لخولة أطلال ببرقة ثهمد)… وأتغنى له بدمنة أم أوفى… وأروي له ما قال ذو الرمة في ربع مية، واستطردتُ به إلى ما قال أبو تمام في عمورية بعد أن دمرها المعتصم تدميرًا. فلم أجد منه نشاطًا ولا انبساطًا، وإنما قال في صوت المحزون ولهجة المتعب المكدود: وما أنا وذاك؟ لقد تنقلتُ في حياتي بين دور كثيرة؛ من حوش عطى، إلى درب الجماميز، إلى شق الثعبان، إلى مونبلييه، إلى باريس، إلى السكاكيني، إلى الحوياتي، إلى هليوبوليس، إلى الزمالك؛ فأقسم ما وجدتُ ساعة الانتقال لحظة من هذه اللحظات الحلوة التي يغنيها الشعراء غناءً جميلًا في شعر جميل أودع فيها دارًا أحببتها وبلوتُ فيها الحلو والمر من ألوان الحياة، وأستقبل فيها دارًا لا أعرفها ولا أعرف ما ستتكشف لي فيها الأيام عنه من الأحداث والخطوب. إنما هو الضجيج والعجيج وازدحام الأدوات والأثاث، وصياح العمال والحمالين وخفق الأقدام، وجر الأثقال، ومجلس ضيق كهذا المجلس الذي ترى، وساعات طوال ثقال كهذه الساعات التي رأيت، ثم وصلٌ لما انقطع من الحياة، وسعيٌ فيما أُهمل من العيش، وانغماسٌ في هذه الحركات العنيفة التي لا موضع فيها للشعر ولا مكان فيها للغناء. هنالك عدلتُ به عن هذا النحو من الأدب إلى نحو آخر، فأخذتُ أتحدث إليه عن قول أبي تمام:
    نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى … مَا الحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ
    كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى … وَحَنِينُهُ أَبَداً لأَوَّلِ مَنْزِلِ

    وأخذتُ أسأله عن أحب منازله إليه وآثرها عنده، فلم يحتج إلى تفكير ولا تقدير، وإنما قال في صوت حزين يشوبه الابتسام: أحب دار وآثرها عندي إنما هي تلك التي درجتُ فيها طفلًا في قرية من قرى الريف، وهذه الدار التي نشأتُ فيها شابًا في حوش عطى، ثم هذه الدار التي أقمتُ فيها طالبًا للعلم في شارع من شوارع الحي اللاتيني في باريس. ولكن بشرط ألا أعود إلى الإقامة والحياة في واحدة منها؛ هي حبيبة إليّ كريمة أثيرة عندي حين أذكرها وحين ألمّ بها الإلمامة القصيرة اليسيرة. فأما أحب الدور إليّ وآثرها عندي الآن فهي هذه التي تراها مضطربة مختلطة مملوءة بالضجيج والعجيج والصياح من كل نوع، وتراني فيها أسيرًا سجينًا بين هذه الأدوات المختلطة المكدسة حولي لا أستطيع حركة ولا انتقالًا لأنها ستستقيم لي بعد أيام، وستحمل إليّ فيها ساعات الحياة من ألوان العيش ما لم أذُقْ بعد. ويكفي أن أذكر تلك الدور كلها وكيف انتقلتُ من إحداها إلى تلك التي تليها حتى انتهيتُ إلى هذه الدار، لتعلم أني كغيري من الناس خليق ألا أمنح تلك الدور من نفسي إلا هذا القدر الذي يقترن بالذكرى. ومن يدري لعلي أن أنتقل من هذه الدار التي تراها إلى دار أخرى أوثرها عليها وأختصها بالتفضيل؛ إنما نترك في كل دار نسكنها قطعة من قلوبنا، ولكنك تعلم أن قلوبنا لا تنقص بما نُفرّقُ من أجزائها بين الدور، وإنما تكمل وتستكثر من الثروة بهذه الذكريات التي نحملها معنا إلى أن يأتي هذا اليوم الذي ننتقل فيه إلى منزل آخر لا نؤثره ولا يؤثرنا، لا نحبه ولا يحبنا، لا نسعى إليه ولا يسعى إلينا، وإنما نُكره عليه إكراهًا، ويُكره هو علينا إكراهًا…”.
    هنالك أحسستُ مرارة الحديث فهممتُ أن أتحول بصاحبي إلى حديث آخر، ولكن أمور الدار وترتيبها كفتني مؤونة هذا الانتقال؛ فقد أقبل المقبلون يرفعون هذا وذاك، يتصايحون ويتبادلون بينهم الأمر والنهي.
    قال الأستاذ:
    “لا بأس بهذا الموضوع، ولكن على أن تعالجه علاجًا آخر وتعرضه عرضًا فنيًا يثير الضحك ويثير الرثاء؛ وإنما يأتي ذلك حين تقصد إليه قصد صاحب الفن وتبث فيه جزءًا من أجزاء نفسك يمنحه شيئًا من الحياة”.
    الرسالة ٨ – ١ – ١٩٣٤