Category: Uncategorized

  • الخصومات الأدبية وشرف الكاتب | Literary Feuds and Personal Honor

    بغي
    لم يخطئ «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
    ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
    فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
    ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
    وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
    ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
    وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
    فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
    ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
    وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
    وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
    ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
    أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
    [1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣.

    كثير
    كثير جدا ما تكلفتْ «السياسة» من العناء، وما احتملتْ «السياسة» من الجهد، وما أضاعت «السياسة» من الوقت لترد على مقال واحد لم يكن يستحق كل هذه العناية، ولا يستوجب كل هذه الجهود. وكان يكفي إذا لم يكن بد من المضي في المناقشة أن تكتب فيه فصلاً أو بعض فصل، وأن تفرغ لغيره من المسائل ذات الخطر التي يُعنى بها الناس في هذه الأيام، والتي قد تفيد الكتابة فيها بعض الشيء. فأما أن تكتب «السياسة» في هذا الموضوع اليسير فصلين، وتشغل به مكانين، وتتحدث به في يوم واحد مرتين، فنظنها توافقنا على أنه كثير ولا سيما إذا كان أحد الفصلين وهو الذي كتبه صديقي هيكل يكفي لإذاعة ما تريد «السياسة» أن تذيع من المناقشة والجدال، وكان الفصل الثاني الذي كتبه فيما يظهر كاتب لا يملك نفسه كما ينبغي للذين يريدون أن يخوضوا غمار الكتابة في السياسة ويصفوا بنوع خاص آراء الأحرار الدستوريين الذين عرفناهم في قديم الزمان، لا يحبون همزًا ولا غمزًا، ولا يؤثرون شتمًا ولا سبًّا، موقوفًا على الهمز واللمز، وعلى التعريض السخيف والتلميح الذي كنت أحب أن أُجلَّ «السياسة» عنه. ومهما يكن من شيء فإني أنصح صديقي هيكل أن يعلم كاتبه فن الكتابة السياسية على مذهب الأحرار الدستوريين خاصة، وعلى مذهب المثقفين عامة، فقد يظهر أنه حديث عهد بهذا الفن. وأحب أن أبدأ بملاحظتين اثنتين، أمر بهما مرورًا سريعًا، لأنهما تتصلان بشخصي أكثر مما تتصلان بالموضوع الذي يختصم فيه.
    فأما أولاهما فهي أن صديقي هيكل يذكرني بأني قد استعديت القضاء على الأستاذين: عبد القادر حمزة، وعبد الله حبيب، وأحب أن أذكر الصديق بأن هذين الأستاذين لم يهاجماني في صحيفة هازلة، وإنما هاجماني في صحيفة جادة، كانت يومئذ من صحف الوفد. وأحب أن أذكر الصديق بأني لم أمضِ في تلك القضية إلى غايتها، وإنما اعتذر إليّ الأستاذ عبد الله حبيب أمام المحكمة فعفوت، لأني كرهت وما زلت أكره أن ألجأ إلى القضاء فيما يكتب الناس عني.
    ولعل صديقي يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة هازلة قديمًا أو حديثًا، ولعله يستكشف قضية أخرى رفعتها على صحيفة جادة على كثرة ما أساءت به إلى صحف الهزل والجد من صحف الوفد، ومن صحف الأحرار الدستوريين أحيانًا !!
    أما الملاحظة الثانية فهي أن صديقي هيكل يلمح في ظرف إلى مكاني من الطلاب، فقد كنت لهم أستاذًا، وكانوا يحبونني ويعجبون بي، وهيكل يخاف أن يصدق هؤلاء الطلاب ما أقوله في صحف الهزل. وكان الكاتب الثاني الذي لا أعرفه أو الذي أكاد أعرفه أدنى إلى الصراحة، فذكر المعهد الأدبي الكبير الذي كنت أهيمن عليه، وأنكر أن يجتمع لي رأي في صحف الهزل وإشرافي على ذلك المعهد الأدبي الكبير. فأحب أن أهنئ «السياسة» بأنها قد استكشفت فيَّ عيبًا خطيرًا من هذه العيوب التي تخفى على الناس حتى على أشدهم ذكاء، وأعظمهم حظًا من الفطنة، فالآن وقد عرفت هذا العيب وكشفته وتبينتْ حظه من الخطر على الطلاب خاصة، وعلى الشباب عامة، يحسن بها وهي صحيفة الشجاعة في الحق! والدفاع عن الرأي! أن تغير موقفها مني، وأن تهنئ وزير التقاليد بهذه الخطة الحازمة التي اتخذها حين نقلني من الجامعة، وحال بيني وبين الطلاب والشباب! وتهنئ الحكومة كلها بهذه الخطة الحازمة التي اتخذتها حين حالت بيني وبين أعمال الدولة بقرار من مجلس الوزراء !!
    ومن الحق على «السياسة» ونحن اليوم في شهر يونيو أن تسجل هذا العيب الذي استكشفته، وأن تكتب في مذكرة من المذكرات أني خطر على الشباب والطلاب، فلا يجب بحال من الأحوال أن توصل بينهم وبيني الأسباب إذا نضج ما ينضجه الصيف من ثمرات !!
    أما بعد فلندع شخصي تبلغ منه «السياسة» ما تشاء ولننتقل إلى الموضوع الذي نختصم فيه.
    أحب أن يطمئن صديقي هيكل، فهو إن كان يكره لي أن أدافع عن الصحف الهزلية لا لشيء إلا لأنها تدافع عن الوفد بالذي أدافع أنا عنه، فأنا أكره له أن يصور الأشياء تصويرًا تنقصه الدقة إلى هذا الحد، فأنا لم أدافع بعد عن الصحف الهازلة، وإنما ذكرت ضيق النفوس وحرج الصدور، وطلبت إلى الذين ينهضون بأعباء الجهاد السياسي أن يعرضوا عن الجاهلين، وأن يمروا باللغو كرامًا كما توصي بذلك الفضيلة الخالصة، وكما يوصي بذلك القرآن الكريم، وكما فعل ذلك محمد ﷺ الذي يفصل هيكل حياته للناس تفصيلاً في هذه الأيام. وما أظن القرآن دافع عن جهل الجاهلين حين أمر بالإعراض عنه، وما أظن القرآن دافع عن لغو اللاغين حين أوصى عباد الرحمن أن يمروا به كرامًا. وما أظن النبي أقر الجهل واللغو والأذى، ودافع عنها حين احتملها وصبر عليها. وما أظن مخاصمًا صادقًا في الخصام يُدعى إلى أن يحتمل الأذى ويصبر عليه فيقول لمن يدعوه إنك تدافع عن من يؤذيني وتغريه بالمضي في الأذى، وإن هذا غريب منك، وإن هذا موقف لا أرضاه لك، فأنا لم أزد حين دعوت ساستنا إلى سعة الصدر، ورجاحة الحلم وإيثار العفو والأمر بالعرف على أن ذكرتهم بأن الله – عز وجل – يقول ﴿ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ وبأنه – عز وجل – يقول: ﴿خذ العفو، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
    ليطمئن صديقي هيكل، فإني أرضى لنفسي هذا الموقف الذي وقفته كل الرضا، وأحرص عليه كل الحرص، وأريد مُلِحًّا في الإرادة أن يفهمه الطلاب ويقبله الشباب، وسأدعوهم إليه الآن وغدًا وبعد غد. فمن كان حريصًا على ألا تبلغهم دعوتي هذه إلى الحق والخير والفضيلة فليتخذ نفقًا في الأرض أو سلمًا في الجو أو فليبتغ وسيلة من الوسائل الظاهرة أو الخفية ليحول بيني وبين هؤلاء الطلاب.
    فقد كانت تبلغهم دعوتي في الجامعة، وهي الآن تبلغهم وأنا بعيد عن الجامعة، وإني لأرجو صادقًا أن تقع هذه الدعوة من قلوبهم موقع الرضا فيعرضوا عن هزل الهازل، ويصفحوا عن جهل الجاهل، ويزهدوا في استعداء القضاء.
    وكان صديقي هيكل يظن حين كتب فصله الأول أني قد اقتنعت به فسكت عنه، فلما رآني عدت إليه أخذني عجب شديد، تبارك الله، ولكن صديقي هيكل ينسى أن رده الأول قد ظهر يوم تحدث الناس بأن آثمًا أراد الشر بمنزل صاحب الدولة رئيس الأحرار الدستوريين، فلم يطاوعني ذوقي المتواضع أن أصل حوارًا مع «السياسة» في هذا اليوم، فأرجأت ذلك إلى غد، ولولا هذا لما سكت عن مقال الصديق يومًا، فلم يكن يمكن السكوت عليه. ويعيد هيكل عليّ أن الصحف الهازلة تذكر البنات والأبناء، وتذكر الأزواج والزوجات، فقد علمنا ذلك وسمعناه، وقد علم هيكل أن كتاب الصحف الهازلة، وأن بعض النواب والوزراء قد ذكروا ابني وذكروا زوجتي فلم أبدِ لهم صفحة، ولم أكشف لهم قناعًا، ولو قد سقتهم إلى القضاء لنالهم منه الجزاء.
    أريد هيكل أن يصدقني، إني أنكره اليوم أشد الإنكار، وأرى فيه حقًّا للمغالطة أو تورطًا فيها وكنت أعرفه قبل اليوم يكرهها ويتجنبها، لماذا؟ أنا ذكرت «السياسة» بأن الجهاد السياسي ليس هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر والجور الصارخ، والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات، والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عنه إلى ما يليق بالرجل الكريم، دهش وأنكر، وأخذه عجب لا ينقضي. وأي شيء في هذا يثير الدهش؟ وأي شيء في هذا يدعو إلى الإنكار؟ وأي شيء في هذا يثير العجب القليل أو الكثير؟ وهل فعل المصلحون غير هذا؟ وهل فعل النبي الذي يكتب هيكل حياته غير هذا؟ لقد كان يجاهد فيدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن. وكان يؤذى فيحتمل الأذى، وكان يُعتدى عليه فيصبر على العدوان.
    فكان جهاده إيجابيًّا، وكان جهاده سلبيًّا، وكان جهاده منتجًا فيما أظن وفيما يظن هيكل. فليس من الحق إذن أن الجهاد السلبي لا خير فيه، ولا سيما حين يكون هذا الجهاد ترفعًا عن جهل الجاهل، وإغضاء عن اعتداء المعتدين. وهل يعرف هيكل أن رؤساء الأحرار الدستوريين، وأن حضرة صاحب الدولة رئيسهم الآن قد استعدوا القضاء قبل هذه الأيام على الصحف الهازلة لأنها كانت تعبث بهم، وتعتدي عليهم. أفإن لاحظنا خروج الأحرار الدستوريين على تقاليدهم التي يجب أن تكون تقاليد الساسة حقًّا. أفإن عجبنا أن يخرج حضرة صاحب الدولة محمد باشا محمود عما عرف عنه من الأناة والرزانة ورجاحة الحلم، أفإن كرهنا لأصدقائنا أن يخرجوا عن أطوار الزعماء السياسيين حقًّا، أفإن حرصنا على أن يمر أصدقاؤنا باللغو كرامًا كما فعلوا قبل الآن، كان هذا منا إساءة إليهم، ودعوة لهم إلى قبول الضيم.
    أليس يرى هيكل أنه يفكر في هذه المرة تفكيرًا أقل ما يوصف به أنه غريب!. ومن الذي يستطيع أن يزعم أني دعوت الساسة إلى أن يكون جهادهم سلبيًّا ليس غير؟ وإني أنكرت عليهم أن يجاهدوا جهادًا إيجابيًّا حين يكون هذا الجهاد مجديًا، وحين يكون لائقًا بالرجل الكريم؟ ومن الذي يزعم أني أنهى الساسة عن أن يستعدوا القضاء على الوزارة ما وسعهم ذلك؟ وأين الوزارة من الصحف الهازلة؟ وهل نسي هيكل أني أنا استعديت القضاء على الوزارة؟
    أليس من الحق لهيكل على نفسه أن يصلح آراءه هذه، وأن يردها إلى القصد والصواب؟
    بقيت مسألة كنت أكره وما زلت أكره أن يطول فيها الجدال، وهي مسألة الصلة بين الأحزاب والصحف الهازلة التي تؤيدها وتدعو لها، فأظن هيكل يوافقني على أن التعمق في هذه المسألة لا ينفع أحدًا، فليس من الحق في شيء أن الأحرار الدستوريين أعرضوا دائمًا عن الصحف الهازلة، أو كفوا عنها من تأييدهم وتشجيعهم حين كانت تناصرهم وتدعو لهم. وليس من الحق أنهم لم يسعوا إليها ولم يزوروا أصحابها كما زار رئيس الوفد من قضى عليهم أخيرًا. وإذا كان رؤساؤهم لم يزوروا فكثيرًا ما استزاروا وغيرهم قد زار. وإذا كان رؤساؤهم لم يكتبوا فقد قالوا وقد فعلوا. وإني لأرجو من هيكل أن يدع هذا الحديث، لا لأني أعجز عن تفصيله وتطويله، ولكن لأني أكره تفصيله وتطويله. وما زلت أرى أن البقاء خير وأجدى فإذا أبى هيكل إلا أن نفصل ونطيل فقد أكون عندما يحب.
    أما بعد فإني ما زلت عندما رأيت حين بدأت الكتابة في هذا الموضوع من أن المصريين خليقون أن يترفعوا عن الصغائر، وينزهوا أنفسهم عن ضيق النفوس وحرج الصدور، وأن يصبروا بنوع خاص لنقد الناقدين حتى حين يشتطون فيه، وحين يتجاوزون فيه القصد، فإن هذه طبيعة الحياة الديمقراطية، وليس من المنطق في شيء «ما دام أصدقاؤنا الأحرار الدستوريون يحبون المنطق» أن تطلب الديمقراطية لتذوق ثمارها الحلوة ليس غير، فإن في الديمقراطية عنبًا وتينًا، وفيها كذلك صاب وعلقم. ومن أراد العنب والتين فليصبر على العلقم والصاب. ومن أراد الشهد فليصبر على إبر النحل. ومن أراد الورد فليصبر على الشوك. فإذا لم يكن بد من الإصلاح فليكن الإصلاح بالأناة والحلم، لا بالعجلة والعنف. وليكن بالهدوء واللين، وليكن بالدعوة الصالحة إلى الحكمة والموعظة الحسنة وقديما صبر سقراط على أرسطوفان، وقديما صبر محمد ﷺ على أبي جهل، وقديمًا صبر الأحرار الدستوريون على روز اليوسف، فما لهم يخرجون اليوم عن هذا الصبر، ويغضبون حين يدعون إليه؟
    كوكب الشرق ١ – ٦ – ١٩٣٣

    ولا هذا أيضًا
    وكما أجاد «الفرزدق» في تصوير صديقي «عبد الرحمن عزام» في قوله:
    أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
    فقد أجاد «الحارث بن عباد» تصوير صديقي «المازني» حين قال:
    لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ … وَإِنِّي لِحَرِّهَا اليَوْمَ صَالٍ
    فصديقي «المازني» لم يثر هذه الفتنة حول تلك الجملة القصيرة التي اقتطعها صديقي «عزام» من فصل طويل، ولم يجلب في هذه الحرب أول الأمر بخيل ولا رجل، حتى إذا شبّت النار، وارتفع الغبار، ثار ثم طار، وإذا هو في الميدان يطلب الضرب والطعان.
    وقد ثار «المازني» للدفاع عن حرية الرأي، ولكنه أخطأ طريق هذا الدفاع، فرمى صديقه بالزلل والخطأ اللذين ليس فيهما شك، ثم أخذ يدور حول هذا الزلل وهذا الخطأ، يلتمس الهفوة. فلست معصومًا من الخطأ، ولا مبرأ من الزلل، وما كان لأحد من الناس أن يرى العصمة لنفسه، ولكن ما ذنبي إذا كنت لم أخطئ في هذه المرة ولم أزل؟ وإنما صورت الحق الذي لا يقبل شكًّا ولا يحتمل جدالًا، ولا يغفل عنه إلا قوم ليس لهم عشر ما لـ«المازني» من العلم والثقافة، أو قوم آخرون يعلمون ثم ينكرون، ويرون الحق ثم يعرضون عنه؛ لأن لهم حاجة من وراء هذا، لا يستطيعون أن يسلكوا إليها صراطها المستقيم.
    وأحب أن أؤكد لـ«المازني» مخلصًا أني أرفع ما بينه وبيني من الصداقة عن جِيد الخصومات وهزلها، وعما كان منها صريحًا واضحًا، وما كان منها ملتويًا غامضًا، وإنه مهما يقل فيَّ مُصَرِّحًا أو مُلَمِّحًا فلن يبلغ ذلك من مودتنا شيئًا؛ فأنا أعرف — والحمد لله — كيف أقدّر ضعف الناس.
    وقد كنت أحب وما زلت أحب لصديقي «المازني» ألا يخلط بين من يقول له إني لم أخطئ، ومن يقول له ليس بيني وبين الخطأ سبب ولا سبيل؛ ذلك يقرر الحق، وهذا يدّعي لنفسه من العصمة ما ليس للناس. فليعلم «المازني»، وليعلم «عزام»، وليعلم من يظاهرهما من المصريين، وليعلم «السوريون» أيضًا أني ما زلت عند رأيي الأول، لا أغيره، ولن أغيره؛ لأني لا أحب، ولا أستطيع، ولا يستطيع أحد تغيير الحق مهما تكن الظروف.
    وأخرى أضحكتني من «البلاغ»، وأريد أن أعتقد أنها لم تصدر عن «المازني»، فهو عندي أكبر منها؛ فقد زعمت «البلاغ» أمس أني أخذت منها ما كتبت به إلى «السوريين» دفاعًا عن حرية الرأي. وكنت أحسب أن أعترف لـ«البلاغ» بأني أخذت منها واستعنت بها على هذه القضية المعضلة، قضية الرأي وحريته، فإني لا أكره أن أسرّ «البلاغ» إن وجدت إلى ذلك سبيلًا شريفة معقولة، ولا أتحرج أن أستعين بكاتب بارع كصديقي «المازني» إن وجدت حاجة إلى معونته، ولكني آسف أشد الأسف لأني كتبت إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء قبل أن تكتب «البلاغ» ما كتبت، وأخرت نشر الكتاب يومين أو ثلاثة أيام حتى يصل الكتاب إلى «دمشق»، ثم ينشر في مصر بعد ذلك. فإذا كانت «البلاغ» في حاجة إلى من يشهد لها بذلك، فإن الشهود أحياء يرزقون، وهم قادرون على تأدية الشهادة، لا يترددون في ذلك قليلًا ولا كثيرًا.
    وبعد، فلم أقل في كتابي إلى «فتى العرب» يوم الأربعاء، ولم تقل «البلاغ» فيما كتبت يوم الخميس شيئًا طريفًا فذًّا، يحسن الاختصام فيه: أينا سبق إليه. وإنما قلت يوم الأربعاء، وقالت «البلاغ» يوم الخميس، أوليات شائعة بين الناس، من المحزن أن نحتاج إلى تقريرها، فضلًا عن أن نزعم لأنفسنا ابتكارها واستكشافها.
    فلتطمئن «البلاغ»، ولتخفف من غلوائها ومن اعتدادها بنفسها؛ فإن الله — عز وجل — لم يقصر عليها العلم بالبسائط والأوليات. وخير لـ«البلاغ» أن تمضي في سبيلها، لا تنحرف إلى يمين أو إلى شمال، ولا تقف عند أشياء تعلم حق العلم أن الوقوف عندها لا يقدم ولا يؤخر، ولا يرضي الحق ولا المنفعة، ولا الضمير على أية حال.
    [1] كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    “قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…”.
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    “أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين”.
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: “ظهر كاتب روسيا الأعظم!”؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: “هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!”؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: “أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد”، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

  • صدقي باشا ولغة الفاشية | Sidqi Pasha and the Language of Fascism

    أمثلة
    حديث اليوم
    لم أكن إذا مخطئاً ولا مسرفاً حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم إيطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الأستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها أستاذه قبل أن يفارق أرض إيطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن أنه معجب أشد الإعجاب بما بلغته إيطاليا من الرقي المادي (والأدبي) بهمة موسوليني وعبقريته ، وأنه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو إذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الإعجاب ؛ وكل إنسان حر فيما يحب ويكره ، وهو إذاً يلتمس في أعمال العظيم الإيطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل إنسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدي بها ، والأسوة التي يريد أن يتأسّاها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعاً ، وهو لا يسألنا عن رأينا في هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعي من تمثيله إيانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك أني إن تهمته بأنه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت أني أثق به وأطمئن إليه ؛ فأمر السياسة وأمري إلى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم في غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقي باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا إذاً تلميذ لعظيم إيطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والأيام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرأون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغي أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الأيام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون بأي كلام آخر يفهمونه فهماً يسيراً ناقصاً ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدي المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ وإذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الأدلة على هذا ، فقف معي وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر إلى عظيم إيطاليا ؛ فسترى أن فيه أسراراً خطيرة ؛ ونذراً مخيفة مزعجة . وأن من الحق على المصريين لأنفسهم أن يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الأيام إن مُدّت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الأعمال التي سيلتمس فيها صدقي باشا أمثلة صالحة؟ أما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن أنه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذي يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة في الديموقراطية . وأما المعارضون فقد أخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم إليه . وأما الإدارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالاً ستتأثره الأمم الراقية التي تطمع في أن تكون لها إدارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدي الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . إذن فماذا يريد صدقي باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقي باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معي أن كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج إلى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل إلا لأضع أمامك بعض الأمثلة التي سيلتمسها صدقي باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة عليه سبيلاً . فأنا لا أذكر الجند الأجنبي الإنجليزي ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند إلى حراب الإنجليز . وإنما أقول أن النظام الذي استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصري ؛ وواضح أن الجيش والشرطة إنما أُنشِئا للدفاع عن الوطن وإقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء إذن محتاج إلى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصي الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحاً ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخياً . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وإنما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد إذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فناً جديداً من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالاً وصبياناً وفتياناً ؛ يجندهم نوعاً من التجنيد ؛ ويعلمهم فنوناً من التعليم ، ويمرنهم ضروباً من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله إلى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الإيطالية . وقد أصبحت إيطاليا بفضل هذا النظام الجديد أشبه شيء بإسبرطة في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الأجيال الناشئة بعد أن لم يستطع أن يكسب له إلا أجسام الأجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج إلى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعاً بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الإخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائماً له ؛ وخيّرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فاختار منهم فريق بقي في مناصب الدولة ؛ وامتنع منهم فريق فُصلوا من مناصب الدولة فصلاً . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الأولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضاً . فهذا مثل آخر من الأمثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به إيماناً صادقاً قوياً ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذاً ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى إذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلاً ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلاً ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين إلى حين ؛ لا سخطاً عليهم ، ولكن تعليماً لهم وتأديباً . فهذا مثل آخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريباً من الأمر أن يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود إلى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوماً آخرين ، ويفصل منهم من يرى أن ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوي بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الأجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يبلغ هذا من خصوم إيطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف في السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيراً ، وأخذ يلقي خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقي باشا أن يقتدي بموسوليني في هذه الناحية . ولكن إذا لم نستطع أن نخيف الإنجليز جهراً بالخطب والجيوش والأساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقاً في رسالته إلى عظيم إيطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة إلى روما ليتعلم على الأستاذ الأعظم فن الحكم وإقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وإنما ينبغي أن يحلل ويمحص ويقلّب على جميع وجوهه ، فإن في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادي النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسين
    السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ .

    مدرسة

    أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون، وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يُشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعًا ونقرّه جميعًا، وهو ألا يكونوا من المعارضة أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهورًا واضحًا استعدادٌ حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.

    وطُلاب عاملون، وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه الباهر، وفي ظل سياسته الحكيمة.

    وطُلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين يُنقلون أو يُقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته، وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردّهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدرّبهم ويمرّنهم مرة أخرى.

    وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع اللّٰه فيه أفرادًا، وشخص واحد ألّفه اللّٰه من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها اللّٰه من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة، هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضًا. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.

    وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولًا وقصرًا، ويختلف عرضًا وضيقًا باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهرًا ثم يُنقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عامًا ثم يُوكَل إليه عمل آخر، ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد اللّٰه لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني.

    فقد لاحظ الناس جميعًا، وتحدثت الصحف الأوربية المختلفة، أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يُهيّئ فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد؛ فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يُقرّهم ويُقلقهم، وهو يريد أن يهيئ للفاشزم أجيالًا من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر.

    ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم!

    أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان: يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعًا، فكلاهما خليق أن يعلّم فيُحسن التعلّم.

    ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أُحدِث في الوزارة صباح أمس. ليعلّله بعضهم بنسيم يهبّ من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلّم الحكام ويُخرجهم من ناحية أخرى!

    ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثًا، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثًا، ولم يُثنِ على أساليبه في الحكم عبثًا، ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثًا. فلم يكد يعود من أوربا ويستقر في مصر أشهرًا حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضمّ إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى، رغم ما ألمّ به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم.

    هي إذن خطة خطّها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن اللّٰه لها فتستريح وتُريح.

    وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتّاب فأجدّ في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن أكره نفسي عليه؟ وكيف تريدني على أن أكتب جادًا في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة، وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عمّا يحب، والإقبال على ما يكره، والانصراف عمّا يريد، والتهالك على ما يأبى؟

    وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة، ورئيس وزرائنا لا يتحرّج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟

    أحقٌّ إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقرّ النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيرًا، كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنّأت، ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب؟

    لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يُقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تُستشار الهيئات البرلمانية، ولا يُقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.

    فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية، فتضطرنا إلى أن نجدّ في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجّت، وتوجيهها إن انحرفت، إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.

    ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين.

    كوكب الشرق ١٤-١-١٩٣٣

    إذلال
    يظهر أن العقل يتعرض في هذه الأيام لمحنة منكرة لم يتعرض لمثلها منذ زمن بعيد في هذا العصر الحديث. والسياسة مصدر هذه المحنة. فقد أبت إلا أن تتسلط فتجور في السلطان، وتظلم فتسرف في الظلم، وتخضع لأهوائها وشهواتها كل شيء حتى هذه الجذوة المقدسة التي جعل الله بها الإنسان إنسانا، والتي جعل الله بها للناس كرامة تحفظ، وحرمة تُرعى، والتي جعل الله بها الإنسان سيدًا لهذه الطبيعة التي تحيط بنا، وملكًا لهذا العالم الصغير الذي نعيش فيه.
    وقد عرفت الأمم في هذا العصر الحديث ضروبًا من الظلم، وألوانًا من الطغيان، ولكنها لم تتعرض من إهانة العقل وازدراء كرامته وإخضاعه لعدوان السياسة وطغيانها، وتحكيم الجهل فيه بمثل ما تتعرض له في هذه الأيام في بعض البلاد.
    أما في ألمانيا فيجتمع الشباب والطلاب مئات من الألوف، وقد حملوا الكتب وتأبطوا الأسفار حتى إذا ما انتهوا إلى ميدان أو ميادين؛ جمعوا لهذه الكتب والأسفار التي جاهد العقل حتى أنتجها ثم أضرموا فيها النار فحرقوها تحريقا، وهم في أثناء ذلك فرحون مبتهجون. وقد عبثت بهم نشوة تشبه نشوة السكر، وتملأ قلوبهم هياما بهذا اللهب المنكر الذي يحرق العقل وآثاره ونتائجه الخصبة القيمة.
    يقع ذلك في برلين، ويقع ذلك في غير برلين، وتقرّه حكومة منظمة تعد نفسها بين الحكومات المتحضرة، وتريد وتصر على ما تريد أن تكون في الصف الأول بين الحكومات الكبرى في هذه الأرض.
    نعم، وتنفض المجامع العلمية والأدبية والفنية فيُقصى عنها رجال كانوا مصدر الفخر والعزة لألمانيا وللإنسانية كلها في العلم والفن والأدب فإن لم يُقصوا عمدًا، سلطت عليهم ظروف قاسية تضطرهم إلى أن يُقصوا أنفسهم من هذه المجامع، ثم إذا خلت منهم أماكنهم فيها؛ أقيم مكانهم قوم آخرون لم يمتازوا، ولم تُعرف لهم آثار خصبة قيمة، ولكنهم رسل السياسة وأتباعها وأعوانها يقدمونها على كل شيء، ويتوسلون إليها بكل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء حتى بالعلم والفن والأدب.
    نعم، وفي أثناء هذا كله تُحْظَر كتب مطبوعة على القراء، فلا يجوز أن تباع ولا أن تُشترى، وتعلن أسماء طائفة من المؤلفين قد محي حقهم في التحدث إلى الناس محوا، فلا ينبغي للألمانيين أن يقرؤوهم ولا ينبغي للمكاتب الألمانية أن تبيع كتبهم أو تعرضها للبيع.
    نعم، ولا يتحرج وزير ألماني أن يخطب ويذيع خطبته في ملايين الألمان ويقول في هذه الخطبة: «لقد آن الوقت الذي تطهر فيه ألمانيا قاذورات العقل».
    تبارك الله، لقد آمن الناس منذ قرون وقرون أن جذوة العقل هي التي طهرت الإنسانية من آثام الأهواء والشهوات، ومن رجس العواطف والغرائز، فأصبح العقل الآن عند بعض الألمان ينتج القاذورات، ويجب أن تطهر ألمانيا من آثاره! فإذا بحثت عن هذه الثورة المنكرة بالعقل في ألمانيا، فلن ترى إلا شيئًا واحدًا، هو السياسة. سخط على اليهود مصدره السياسة. سخط على الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية مصدره السياسة. سخط على العلم والأدب والفن مصدره السياسة.
    ويل للناس من السياسة، لقد طغت عليهم وبغت فيهم حتى اضطرتهم أن ينكروا أنفسهم وتاريخهم ومجدهم القديم.
    ومن قبل ذلك أُذل العقل في روسيا، فشُرد العلماء والكتاب، وأُذيقوا ألوان الذل والعذاب، ولم تزل بهم سياسة البلاشفة حتى أخضعتهم لسلطانها، واضطرتهم إلى أن يكونوا لها أعوانًا وأبواقًا، وإذا لم تصل حال العلماء والمؤلفين في إيطاليا إلى ما وصلت إليه في روسيا أو في ألمانيا، فإن حال هؤلاء الناس ليست من الحسن والرقي، ولا من الأمن والدعة بحيث يُغبطون عليها أو يُهنَّؤون بها، فيجب أن يخضع العقل وما ينتج من علم وأدب وفن لسلطان الفاشية وإلا أصابه الإذلال وتعرض لضروب من الشدة وصنوف من الحرمان!
    يجب أن يُقسم الأساتذة والمعلمون يمين الولاء للنظام الجديد في حياتهم السياسية وحدها بل في التعليم أيضا، يجب أن ينزل العقل عن شخصيته وأن يكون مرنًا رخوًا، وأن يتشكل بالأشكال التي تريده السياسة أن يتشكل بها، فأما كثرة هؤلاء الأساتذة والمعلمين فقد أقسمت، وأما قلتها فقد آثرت ما جاءها به النذير ففُصلت من الجامعات والمدارس وتفرقت في أقطار الأرض، تفِرُّ بكرامة العقل من الفتنة والإذلال.
    ولقد قرأت منذ عام، ثم منذ أشهر كتبًا لرجل من أكبر العلماء الإيطاليين، رفع اسم وطنه في البيئات العلمية منذ أعوام طوال، فإذا هو قد رفض هذه اليمين التي طلبت إليه، وإذا حياته بين المشقة والعناء بحيث لا تشرف بها الحضارة العصرية.
    ولا بد لمصر من أن يُمتحن فيها العقل كما يُمتحن في هذه البلاد الأوروبية الراقية، ولا بد للسياسة من أن تذل العقل لا في مصر، كما أذلت العقل في ألمانيا، وكما أذلته في روسيا، وكما أذلته في إيطاليا، لأن مصدر طغيان السياسة واحد في هذه البلاد كلها مهما تختلف عصوره وأشكاله، هو سخط على الديمقراطية وإنكار لها، وتبرّم بها، ومحاولة لتطهير الشعوب منها، قوم يريدون أن يبسطوا سلطان العمال على غيرهم من الطبقات فيحققون طغيان العمال، وقوم يريدون أن يحاربوا الشيوعية ويمكنوا الطبقات الوسطى من القضاء عليها فيحققون طغيان هذه الطبقات، وقوم لا يجدون أمامهم عمالا يطمعون في التسلط، ولا يجدون أمامهم طبقات وسطى تحتاج إلى أن تقاوم وتدافع عن نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم وأطماعهم وأهواءهم وشهواتهم وإيمانهم لأنفسهم بالعصمة فيريدون أن يخضعوا لأنفسهم أمة كاملة، وشعبًا بأسره. وأولئك وهؤلاء يخشون العقل فيحاربونه! ويحتاجون إلى العقل فيتملقونه! وأولئك وهؤلاء يتخذون وسائل القوة المادية العنيفة بإذلال العقل وإخضاعه لما يريدون!
    ما كان أحرصنا على أن ندع ألمانيا وإيطاليا وروسيا في ثورتها وانقلاباتها لولا أن هذه البلاد تضرب الناس أمثالا خطيرة، وتغري الناس بما أُغريت به هي بمحاربة العقل وإخضاعه لألوان الطغيان.
    ليس لأحد أن يتحكم في سياسة أمة أجنبية، أو يدخل في أمورها، ولكن من الذي يزعم أن العقل ملك لأمة دون أمة؟ أو وقف على شعب دون شعب؟ من الذي يزعم أن الكتاب الألماني إذا أخرجه مؤلفه للناس وأذاعته فيهم المطبعة ملك لألمانيا دون غيرها من البلاد؟ كلا ليس العقل ملكًا للألمانيين وحدهم، إنما هو ملك للناس جميعا، والاعتداء عليه اعتداء على الناس جميعا، والتعرض له بالإذلال والتمزيق طغيان على الناس جميعا، فمن حق الناس جميعا أن يضيقوا بذلك وينكروه، فكيف إذا كان هذا الطغيان مغريًا بالتقليد، داعيًا إلى الاقتداء والتأسي.
    ما أظن أن هذه الحركة العنيفة التي تحدث في ألمانيا الآن، والتي تفتن العقل وتضطهده وتتجاوز في فتنته واضطهاده كل حد، قد حرمت ألمانيا مودة الأمم الأوروبية الراقية وحدها، بل هي خليقة أن تحرم ألمانيا حب الأمم الشرقية التي تطمح إلى الحرية، وإلى حرية العقل خاصة، والتي تجاهد في سبيل هذه الحرية، وتلقى في جهادها هذا عناء شديدًا.
    يجب أن يكون لمصر حظها من فتنة العقل واضطهاده، فمصر جزء من أوروبا، ويجب أن تأخذ بحظ من كل ما يقع في أوروبا!
    ظهرت الثورة الديمقراطية في أوروبا فثار بها بعضنا في مصر! ظهرت بدعة الدكتاتورية في أوروبا فشغف بها بعضنا في مصر! ظهر إذلال العقل في أوروبا فجدّت فيه حكومتنا في مصر! وهل يقع في الجامعة المصرية الآن إلا هذا؟ إنما حياة الحكومة والجامعة حرب متصلة بين السياسة والعقل، قد انتصرت فيه السياسة على العقل انتصارًا مؤزرًا، لا يُعزَى الناس عنه إلا أنه موقوت، يزول بزوال مصدره، وهو الوزارة القائمة.
    لقد غيرت نظم الجامعة وقوانينها، وأشرنا نحن إلى خطر هذا التغيير وما فيه من مكر بالعقل، وإذلال له، وتحكيم للسياسة فيه. وقد أخذت الجامعة تخضع للنظام الجديد، وتظهر فيها آثاره السيئة، فيا له من شر، ويا له من نكر، ويا له من ذل لا تبيض له الوجوه!
    هذا مجلس الجامعة الجديد، يجتمع في شكله الأرستقراطي منذ أيام فتُقصى عنه كثرة الجامعيين، ويقال لها انتظري حتى يبلغك الدعاء، فتنتظر صاغرة، ويقضي هذا المجلس الأرستقراطي في شؤون الجامعة وأهلها غائبون، ويا شر ما يقضي، حتى إذا فرغ من أمره دعا الكثرة الجامعية فجاءت طائعة، واشتركت فيما لا غناء فيه.
    عُرض على مجلس الجامعة الأرستقراطي هذا أن يُرقّى جماعة من الأساتذة المساعدين إلى كراسي الأساتذة فأبى لأن هؤلاء الأساتذة لم يظفروا بدرجة الدكتوراه، ولكنه رأى لبعضهم عليه حقًا فاستثناه، لا بالترقية العلمية ولكن بالمال. رقاه درجة الأستاذية ومنحه علاوتين بالاستثناء، كأن الجهود العلمية إنما تقوم بالدرجات والعلاوات في معهد يجب أن تقوم فيه بالألقاب العلمية قبل كل شيء.
    هلمَّ أيها الجامعيون، تنافسوا في الدرجات وازدحموا على العلاوات، وضعوا جهودكم العلمية للبيع والشراء، فهذا أقصى ما تستطيعون أن تطمعوا فيه الآن!
    ومحنة أخرى للعقل في الجامعة، هذه التي تريد أن تُقصى عن مجالس الكليات كما أقصت عن مجلس الجامعة طائفة من الأساتذة المساعدين، هم الذين قامت عليهم الجامعة، سيصبحون منذ اليوم وليس لهم إلا إلقاء الدروس، وسيقضي فيهم الأجانب وكبار الموظفين وهم صاغرون.
    ما هكذا يحترم العقل المصري، ولا هكذا تنشأ الكفاية المصرية، ولا هكذا تهيأ مصر لاحتمال التبعات، ولقاء الخطوب، ولكن لماذا نطمع فيما لا يطمع فيه كثير من الأوروبيين. هؤلاء علماء ألمانيا يستذلون، وهؤلاء علماء إيطاليا يستذلون، فلِمَ لا يستذل علماء مصر؟ هناك فرق لم تفطن له الحكومة، أو فطنت له وتعمدت الإعراض عنه، وهو أن علماء الألمان والإيطاليين يستذلهم الألمان والإيطاليون، فأما علماء مصر فيستذلهم الأجنبي برضى حكومتهم المصرية.
    صنع الله لهذا البلد الشقي، فقد أبى حظه السيئ إلا أن يجعله خاضعًا دائمًا لوصاية المعصومين من الأوصياء!
    أما أنا فأقدم إلى الوزارة القائمة أصدق التهنئة لما وُفِّقت إليه من إذلال المصريين، فما ينبغي لها وقد أذلت أساتذة الجامعة إلى هذا الحد أن تطمع في مزيد من السلطان! وأقدم أصدق التهنئة إلى الجامعيين، فما ينبغي لهم وقد انتهوا إلى هذا الحد من الذل أن يخافوا بعد اليوم ضيمًا، وأي ضيم شر مما هم فيه؟!
    كوكب الشرق ١٨\٥\١٩٣٣

    غرور
    إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحّ في الدعوة لما ترى. وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلّهم على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
    هذه أوليات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا، لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئمها القائلون والسامعون. لكنها على ذلك ما زالت غامضة، وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب.
    فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ، وهذا الإسراف، إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورط في الاعتداء.
    نقتنع بالرأي فيغرّنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية، وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا، وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدّس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.
    ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه، لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
    ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرٌّ، لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزال، وأن تقرّ مكانها أصول أخرى. رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكن من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه، وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصّ من جناحه. وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألحّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان.
    وكان الإعراض عن معاونتهم والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يُدعون فلا يستجيبون، ويُلَحّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون. وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم وثقة بها، فألحّوا فيها وأصرّوا عليها. وما هي إلا أن أُغروا بهذه الآراء وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر. ثم أخذوا يفكرون ويقدّرون، وجعلوا يجيئون ويذهبون ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع ولم يواسهم الدعاء الهادئ المطمئن.
    هنالك أُحكم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم، في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو.
    وكانت في أوربا حركات إصلاحية ظاهرها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد، وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه بهتلر في ألمانيا. ومع ذلك فلم يكن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخذ به الجماعات وهي كارهة له معرضة عنه، ولا أن تُرغم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمصلح أن يمسّ الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى، قليل أو كثير، حين يعرضون عما يحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بد من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المصلحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرض للمكروه، بل للموت أحيانًا، في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.
    وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم، حافلة بالعبر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم. ولقيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا. وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة اللّٰه، وانتشر نوره، وعزّ دينه، فآمن به الثائرون عليه والمتنكرون له.
    والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم ويسير سيرتهم لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده. فلم يصل موسوليني إلى الحكم في إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفّت حوله كثرة إيطالية مكنته من أن يطلب الحكم ويظفر به، ويخلق لإيطاليا خلقًا جديدًا.
    ولم يصل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه، وأقنع به، والتفّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب، فاضطر رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أزمة الحكم، وكان يأباها عليه ويذود عنها في شدة وإصرار.
    بعيدٌ جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف. فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يُلحّ في الدعوة إليه، ولم يلقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرض في ذلك لشيء من المكروه. وإنما هيئت له الأسباب، ودُبّرت له الأمور، ثم أُجلس على كرسي، وأُعطي أعنّة الحكم، وقيل له: انطلق، فانطلق، لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث. وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تهيّأت له الأمور من غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أمته بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا.
    ولهذا لم يوفَّق رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة التي تصور ما صبّ على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر. فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان، ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن تكون لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يقنع الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.
    سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله.
    أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم قويًّا بعدهم واتسع سلطانه، لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه.
    فما أجدر الذين يفكرون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكره على الخير إكراهًا، وإنما تُقنع به إقناعًا، وتُرغّب فيه ترغيبًا. وإن اللّٰه — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكره الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.
    أفيؤثر اللّٰه الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟
    كوكب الشرق ٨ – ٤ – ١٩٣٣

  • خطة الحكومة في مواجهة الوفد | The Government’s Playbook Against the Wafd

    احتياط
    كان رئيس «الوفد» وصاحبه في «القاهرة» أمس، لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير «الإسكندرية»، ويعنيان بما يعني به المقيمون في «القاهرة» من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
    ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس، ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويلهى قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض: في مصر «وفد» خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر «الوفد» تنبه حذر الوزارة، وإذا تحرك رئيس «الوفد»[2] أو أحد من أعضائه نشط «وزير الداخلية»، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
    وكذلك لم تكد تعلم «وزارة الداخلية» أن رئيس «الوفد» وصاحبه يريدان السفر إلى «الإسكندرية» ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها؛ فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل «الإسكندرية»، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس «الوفد» ومن صاحب رئيس «الوفد». فـ«وزارة الداخلية» تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم؛ فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعواناً وأنصاراً، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
    نعم، و«وزارة الداخلية» لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على «الإسكندرية»[3] كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل «الإسكندرية» جميعاً؛ فهم جميعاً يحبون رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يحرصون على أن يلقوا رئيس «الوفد» وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل «الإسكندرية» وأيديهم بأقل حظاً من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في «الإسكندرية» وأيديهم.
    وأخص ما تمتاز به الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل «الإسكندرية» وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقاً دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل «الإسكندرية» إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم، وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجناً منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضى بذلك حاجة «الإسكندريين» إلى العدل، ورغبة «الإسكندريين» في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضى كثيراً من المصريين الذين سيذهبون إلى «الإسكندرية» ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم، فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
    والغريب أن رئيس «الوفد» وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر «القاهرة» إلى هواء «الإسكندرية» الطلق ونسيم «الإسكندرية» العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته، فهم لا يريدون أن ينعم أهل «القاهرة» وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم، وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة، أهل «القاهرة»، في غيره من فصول العام؟!!
    أليس من الممكن أن يكون الله — عز وجل — قد جمع كلمة «الوفد» والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين «الوفد» والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رقي الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك «الوفد» فتنشط الحكومة، وأن ينتقل «الوفد» فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس «الوفد» في مكان إلا سجن فيه وسجن معه الناس.
    كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام؛ وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة، ولا نتكلم إلا إذا أذن لنا في الكلام، ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقاً فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضاً أن «الوفد» يحب السجن لنفسه وللناس؟ وما الذي يمنع أن يكون «الوفد» قد أمضى مع الحكومة اتفاقاً خفياً على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
    كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام؛ فكن ذكياً ما وسعك الذكاء، وكن فطناً ما أتيحت لك الفطنة، فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون، والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون، وبين معارضة «الوفد» للوزارة واتفاق «الوفد» مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
    لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت من حياة الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين. وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية، أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها — مصر من دون الشعوب جميعاً — هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
    لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس «الوفد» وصاحبه إلى «الإسكندرية» لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند؛ ووفق رئيس «الوفد» وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجناً منذ اليوم، فإن «الوفد» ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة «الإسكندرية» سجناً منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس «الوفد» وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا لـ«الوفد» والوفديين؟
    كوكب الشرق في ٢٤ – ٧ – ١٩٣٣


    درس

    رئيسُ وزرائنا أستاذ، تلاميذه الوزراء، يعلّمهم كيف يحكمون، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه، ومن قصّر منهم أقصاه.

    ووزير داخليتنا أستاذ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا، ووجّه إليهم أسئلة. فمن فهم الدروس وأحسن الجواب، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها، رقّاه. ومن لم يظهر منه سبق الفهم، ولا مهارة في الجواب، ولا نشاط في السيرة العملية، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه.

    ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم.

    وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية، فسمعوا منه، وتحدّثوا إليه، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها. وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك، ولكن من المرجّح، إن لم يكن من المحقّق، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا، وعلى وزراء العالم كله، ورجال الإدارة فيه، كان موضوع الحديث في درس أمس.

    ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد.

    زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما، والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع، وطبق آفاق الدنيا، وتردّد في أجواء السماء، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له، ويفديه بالأمهات والآباء، وبالبنات والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء. فكيف التخلّص من هذه المظاهرة؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها؟

    فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه، فهو بهم كَلِف، ولهم مستجيب.

    هذه هي المشكلة التي كانت موضوعًا للتمرين يوم السبت. وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية! وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه. وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات، يأباها الدستور، وينكرها القانون، ويتحرّج منها النظام. تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم. تبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق. تبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب. تبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون.

    كانوا يعلمون هذا، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة، وربما تهالكوا عليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم، وإكباره لكفاياتهم، ما يريدون. وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة، ولون من ألوان السلطان، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم. والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب، ويعيد ذكرى الماضي، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم.

    فالخطف مظهر من مظاهر الضعف. والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر. وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق. والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها. والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام. فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة «الغاية تبيح الوسيلة» تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات.

    فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه، اضطربت نفوس المديرين، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم؟ أنخطف أم لا نخطف؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم؟ حتى كان درس أمس. وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات، ولكنه يُباح للحكومات، والحكومات الدستورية خاصة.

    ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت، فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل. والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل، لا بالمسرفين في الذكاء، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه!

    فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها. فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم. وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور، فساءت حالها، واضطربت أمورها، وأوشكت الفوضى أن تفسدها، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون، ويكلفون به، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر!!

    أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا. ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزعت منه انتزاعًا.

    فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف. وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف.

    هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها، وما تزال نفوسهم مضطربة، وآراؤهم مختلفة؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص.

    وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا، وحيثما توجّهوا. ولكن الحاجة تفتق الحيلة، كما قال القدماء. وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم، فمن يدري؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا، وأن يسير بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطير، ولا يؤمَن منها الضرر.

    كوكب الشرق ٢٧-٣-١٩٣٣

    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجَزَوْهُمْ على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لا حظّ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر ما زالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويرَيا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

    قوة
    قوة بالغة تمثل عظمة الدولة وجلالها، وعز الدولة وإقبالها، ومجد الدولة واستقلالها في مدينة الإسكندرية حين انتهى إليها أمس رئيس الوفد وصاحبه، وضعف بالغ في بورسعيد يمثل حلم الدولة ورضا الدولة وامتثالها، وصبر الدولة واحتمالها إذ طغى المبشرون واحتال المحتالون، واعتدى المعتدون على الدين والأخلاق، وعلى الكرامة والأعراض.
    أما في الإسكندرية فيضرب الحصار حول المحطة ويحشر الجند والشرطة من داخل المحطة، ولا يؤذن للناس باستقبال زعيمهم إلا بمقدار. فإذا خرج رئيس الوفد وصاحبه من المحطة فحدث عن الجند والشرطة، وحدث عن القوة والبأس، وحدث عن العدد والعدة، وحدث عن أخذ الطرق واحتلال المواقع وصد الجماهير ورد المستقبلين، وحدث عن العصي والسياط، وحدث عما شئت مما يمثل البأس والسلطان والقوة التي لا تشبهها قوة، ولا تبلغ بالجنود مائة ولا مئات، ولا ترتفع بها إلى الألف ولكن ارفع بها إلى الآلاف. ولم يكن في الإسكندرية مع ذلك عدوان على دين ولا اقتراف ولا اجتراح لسيئة، ولا ارتكاب لمنكر، ولا خروج على أمن، ولا إفساد لنظام، وإنما كان زعيمان من زعماء مصر يقصدان إلى مدينة من مدن مصر فيستقبلهما فيها الناس من أهل مصر، ليس في الأمر أكثر من ذلك.
    وأما في بورسعيد فتظهر السياسة والكياسة، ويظهر الهدوء والأناة، ويظهر ضبط النفس وأخذها بالصبر والانتهاء بها من الاحتمال إلى أقصى ما يصل إليه الاحتمال أمام قوم من الأجانب أقبلوا علينا ضيوفاً فأحسنا لقاءهم، وأكرمنا ضيافتهم ومنحناهم الحماية ومنحناهم المعونة، ويسرنا لهم كل شيء، ومهدنا لهم كل سبيل فكافأونا أحسن مكافأة، وجزونا أجمل جزاء، وعمدوا إلى فتياتنا وفتياننا، وإلى رجالنا ونسائنا يغوونهم ويغرونهم ويفتنونهم في دينهم ويكرهونهم على الخروج منه والارتداد عنه إن دعت الحاجة إلى الإكراه.
    ونحس نحن ذلك ونألم له ونشكو نحن من ذلك ونضيق به، ونلجأ نحن في ذلك إلى حكومتنا القوية ذات الحد والجد، وذات العدد والعدة، وذات البأس والسلطان، وذات الحرص الشديد على الاحتفاظ بالكرامة، وحماية الأنفس والأموال وصيانة العقائد والأخلاق والأغراض، نلجأ نحن إلى حكومتنا هذه فنستعديها على ضيوفنا هؤلاء فلا تبلغها أصواتنا إلا بعد الجهد والمشقة ولا تحركها شكاتنا إلا بعد الإلحاح وطول العناء، فإذا بلغتها الأصوات وحركتها الشكوى أظهرت من الاقتصاد في الجهد والاحتفاظ بالرزانة والحلم ما يضرب به المثل وتحسن به القدوة لهذه الأمم الجامحة التي تسمى نفسها أمماً حرة مستقلة.
    هناك تطاول الحكومة وتماطل وتصبر الحكومة وتصابر، وتتكشف الحكومة عن فنون من الذكاء وألوان من سعة الحيلة، لا لتصد هؤلاء المبشرين عن عدوانهم، ولا لتردهم عن طغيانهم، فذلك شيء فوق طاقة المطيق، بل لتنقذ منهم ما يمكن إنقاذه من ديننا وكرامتنا وأخلاقنا وأعراضنا وحريتنا ولنخلص منهم من يمكن تخليصه من أبنائنا وبناتنا في هدوء كامل وسلم شامل ومجاملة موفورة وابتسام حلو جميل. ولا يقف أمر حكومتنا في الهدوء والدعة وفي حب السلم وفي مجاملة المبشرين وملاطفتهم عند هذا الحد فتدع مدارسهم ومعاهدهم قائمة مفتوحة الأبواب، مبسوطة الرحاب لمن يجرهم إليها الإغراء والإغواء، ولكنها تملي لهم وتمد لهم في أسباب العدوان والطغيان حتى يداوروها ويحاوروها وحتى يستأنفوا السعي في استرجاع بعض من أفلت منهم وخرج عن سلطانهم، وحتى يحاولوا تعطيل أحكام القضاء ويعطلوها وقتاً طويلاً أو قصيراً، لا يقف الأمر بحكومتنا عند هذا الحد ولكنه يتجاوزه إلى ما هو أدل على الاتساع وسعة الصدر ورجاحة الحلم، والحرص على مجاملة الأجانب والتلطف لهم، وعلى مصانعة الأجانب والرفق بهم. فقد كتب إلينا كاتب من بورسعيد ينبئنا بأن الحكومة تراقب نفسها بنفسها وتعطل أمرها بأمرها وتغل يدها بيدها. نعم كتب إلينا كاتب ينبئنا بأن الحكومة تأتي هذا في بورسعيد مبالغة في مجاملة الأجانب وغلواً في الاحتياط أن يصيبهم من الحكومة أذى أو ينالهم من الحكومة مكروه.
    زعموا أن وزارة الأوقاف وهي فيما نعلم وزارة من وزارات الحكومة أعدت خطبة منبرية في أمر المبشرين، وأذاعتها على أئمة المساجد لتلقى على المسلمين يوم الجمعة. وفي هذه الخطبة دعوة معتدلة إلى الله، ودعوة مسرفة إلى الحكومة، وتهوين لأمر المبشرين. قالوا: وانتهت الخطبة إلى بورسعيد ووقعت إلى إمام من أئمة المساجد، واستعد الرجل لإلقائها، واستعد المسلمون لاستماعها، ولكن يداً حكومية أخذت في عنف ما أرسلته يد حكومة أخرى، وامتدت يد وزارة الداخلية فأخذت ما أعطته يد وزارة الأوقاف. ولم يستطع الإمام الرسمي أن يلقي الخطبة الرسمية بأمر رسمي، فألقى خطبة ما وسعها الناس وتساءلوا وأكثروا من التساؤل وألحّوا فيه. فلما قُضيت الصلاة ومضى على قضائها وقت طويل رُدّت الخطبة إلى الإمام ليلقيها إن أراد بعد أن فات موعد إلقائها.
    قالوا: وكان الذي مثل وزارة الداخلية في الحجر على وزارة الأوقاف هو الحكمدار الإنجليزي لا المحافظ المصري. قالوا: وأكبر الظن أن هذا الحكمدار الإنجليزي متصل بوزارة الداخلية وبإدارة الأمن العام الأوروبية، ولعل اتصاله بها أن يكون أشد وأمتن من اتصاله بإدارة الأمن العام المصرية. قالوا: ومعنى ذلك أن إدارة الأمن العام الأوروبية هي التي راقبت مسجداً من مساجد المسلمين، وحجرت على إمام من أئمة المسلمين، وتدخلت في أمر من أمور المسلمين، وغُلّت يد وزارة هي أشد الوزارات اتصالاً بحياة المسلمين وشعائر الإسلام.
    قالوا هذا كله وكتبوا إلينا بهذا كله، وأشرنا إلى هذا كله يوم السبت، وسألنا الحكومة أن تكذبه أو تنفيه، فمضى مساء السبت وليله، ومضى نهار الأحد وليله، وانتصف يوم الاثنين ولم تقل الحكومة في ذلك حرفاً، ولم تنف الحكومة من ذلك شيئاً. إما لأن الوزارة كانت مشغولة برئيس الوفد وصاحبه ورحلتهما إلى الإسكندرية واحتشاد الناس لاستقبالهما فيها، وصرف الناس عن هذا الاحتشاد ومراقبتهم حين عجزت عن أن تصرفهم، ومراقبة رئيس الوفد وصاحبه فيما يأتيان من حركة وما يلقيان من خطب. وإما لأن الوزارة نفسها كانت متنقلة إلى الإسكندرية تبدأ عملها في العاصمة الثانية، فكان الوزراء مشغولين عن التبشير والمبشرين، وعن الأئمة والمصلين، وعن الخطباء والحكمدار، بالنظر في مكاتبهم وإصلاح أمرها وترتيب أثاثها ووضع مجالسهم من حيث يقبل الهواء أو يدبر، وبما يتبع ذلك من النظر في بيوتهم ومنازلهم من الفنادق وملاءمة هذا كله لحاجتهم وراحتهم. وأي غرابة في هذا؟ فحاجة الوزراء هي حاجة الدولة، وراحة الوزراء هي راحة الدولة. ومن المعقول أن يُشغل الوزراء ببعض أمور الدولة عن بعضها الآخر. وإما لأن الحكومة لا تجد ما تقول.
    والأنباء التي انتهت إلينا من بورسعيد صحيحة ليس إلى تكذيبها أو نفيها من سبيل. وهذا هو الذي نخافه، وهو الذي نتمنى على الله ألا يكون، فكثيراً جداً على وزارة الداخلية أن تغل يد وزارة الأوقاف إلى هذا الحد، وكان من اليسير، بل كان من اللازم، أن تتفق وزارة الداخلية ووزارة الأوقاف على نص هذه الخطبة قبل أن تُذاع. وأكثر منه أن يكون الحكمدار الإنجليزي قد أتى هذا الأمر من عند نفسه، فراقب وزارة الأوقاف وغَلّ يداً من أيدي الدولة، وتدخل في أمر الدين والحكومة لا تعلم شيئاً من هذا ولا تسمع به. وأكثر من هذا وذاك أن تصح هذه الأنباء وتسكت عليها الحكومة كأنها لم تكن، أو كأنها لا تخالف ما يجب للدولة من كرامة، وما يجب للدين من الصيانة، وما يجب للشعائر من الاحترام. إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا النبأ صحيحاً فيجب أن تتخذ فيه الحكومة إجراءً يلائم الكرامة والعزة القومية، أو يجب أن تفسر لنا موقفها منه على كل حال. وإما أن يكون هذا النبأ غير صحيح فيجب على الحكومة أن تكذبه تكذيباً قاطعاً وتنفيه نفياً لا يدع سبيلاً إلى الشك والريب.
    وما نظن الحكومة ترضى أن يعلم الناس عنها بمثل هذا التسليم والإذعان، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يعلم الناس عنه أن موظفاً من موظفيه يأتي مثل هذا الأمر دون أن يرجع فيه إلى الوزير، وما نظن وزير الداخلية يرضى أن يظن الناس به أنه أذن لحكمدار بورسعيد في أن يأتي مثل هذا الأمر، وما نظن وزير الأوقاف يرضى أن تصبح خطب المساجد خاضعة هي أيضاً لمراقبة الإنجليز، ولا سيما حين تكون هذه الخطب صادرة عن الحكومة، لا عن الشعب، ولا عن زعماء الشعب. ومهما يكن من شيء فإنا نستطيع أن نؤكد للحكومة أن قصة هذه الخطبة وغيرها من قصص المبشرين أحق بعنايتها وأولى برعايتها وأجدر أن تشغلها في النهار وتؤرقها في الليل، وأحرى أن تُظهر قوتها وسلطانها من رحلة رئيس الوفد وصاحبه إلى الإسكندرية ومن لقاء الناس لهما بما هما أهل له من تحية تصور حبهم الصادق وإجلالهم العظيم.
    كوكب الشرق، ٣ – ٧ – ١٩٣٣

  • كلية الآداب تحت الحصار: نظرة عن قرب | The Faculty of Arts Under Siege: A Closer Look

    توسل
    حديث المساء
    أما المتسولون فهم الجامعيون، وأما الذي تبتغي إليه الوسيلة فهو وزير التقاليد! وأما الوسيلة نفسها فمجلس الجامعة! ولست أدري أهو مجلس الجامعة كاملاً، أم هو مجلس الجامعة مختصراً. ولكن الذي أعلمه أنَّ فريقاً من الجامعيين يتوسل بمجلس الجامعة كله أو بعضه إلى وزير التقاليد، ليرفع عنهم ثقلاً يجدون ألمه في نفوسهم، ويودون لو استطاعوا أن يخلصوا منه، وهم في أكبر الظن مضطرون إلى احتماله إذا لم يرفع عنهم ما يلقون فيه من ألم الضمير.
    زعموا أن النظام الجديد في الجامعة يخرج الأساتذة المساعدين من مجالس الكليات، ومن مجلس الجامعة أيضاً، ولا يأذن لهم بالبقاء في مجالس الكليات، إلا أن ينهضوا بتعليم مادة لا أستاذ لها، فهم حينئذٍ يقومون مقام الأساتذة ذوي الكراسي، فيحتلون أماكنهم في مجلس الكلية، حتى إذا عُيِّن لمادة من هذه المواد أستاذ، أخذ مكانه في المجلس، وأخرج الأستاذ المساعد منه مشكوراً أو غير مشكوراً. قالوا وأُريد تنفيذ هذا النظام في إحدى الكليات، فإذا كثرة المجلس مصرية، وكلها تتألف من أساتذة مساعدين، وإذا الأجانب الذين يشغلون مناصب الأساتذة ذوي الكراسي قد انقضت آجال أعمالهم، وزهدوا في تجديد عقودهم، وإذا مجلس الكلية سيتألف من ثلاثة أساتذة، أحدهم مصري، والآخران أجنبيان. قالوا: ففكرت الجامعة وقدرت، وأرادت أن تفسر القانون تفسيراً معقولاً فيه شيء من السعة، ووجدت عند قلم القضايا ما سوغ لها هذا التفسير وظهر أن أكثر هؤلاء الأساتذة المساعدين يعلمون مواد الأساتذة لها، وإن كان فهم يستطيعون أن يأخذوا، أو أن يحتفظوا بأماكنهم في مجلس الكلية، وأن مجلس الجامعة محرم عليهم.
    ولكن هذا التفسير الذي وسع الأساتذة المساعدين كلهم في هذه الكلية، ضاق باثنين، وباثْنَيْنِ ليس غير، فَرُدَّ هذان الأستاذان إلى حيث يريد لهما النظام الجديد، ونزلا في الواقع إلى طبقة المدرسين الذين يعلمون، ولكنهم لا يقضون ولا يستشارون في أمور الكلية، وشق هذا على إخوانهما وأكبر الظن أنه لم يشق عليهما هما، ففكر الإخوان أيضاً وقدروا، وانتهى بهم التفكير والتقدير إلى أن يتخذوا مجلس الجامعة وسيلة عند الوزير، لعله يستعمل حقه القانوني، فيأذن لهذين الأستاذين في أن يبقيا حيث كانا، ويرفع عنهما وعن إخوانهما ثقل هذه الفرقة التي لا تلائم كرامة العلم، ولا تلائم ما يحسن أن يكون بين الزملاء من شعور واضح جلي بالتكافؤ في الحقوق والواجبات.
    قالوا، وسيعرض الأمر على مجلس الجامعة، والمرجو أن يرى مجلس الجامعة فيه رأي مجلس الكلية، والمرجو ألا يرى رئيس الجامعة الأعلى فيه خروجاً على التقاليد، ولا شذوذاً على النظام، ولا مخالفة لأصل من أصول الدين، وأن يتفضل فينزل للجامعيين على ما يريدون.
    وقد لاحظنا من قبل ذلك أن هذا التعديل الذي أُدخل على نظام الجامعة، كان بعيداً كل البعد عن أن يلائم منفعة الجامعة، وعن أن يلائم كرامتها، وعن أن يلائم الكرامة التي تجب المصريين أنفسهم في بلادهم، فكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية، والذين شرعوا النظام القديم للجامعة تعمدوا أن يجعلوا هؤلاء الأساتذة المساعدين أعضاء في مجالس الكليات، وأن يبيحوا لهم تمثيل كلياتهم في مجالس الجامعة، وأن يبيحوا لهم النهوض بأعمال الوكلاء في الكليات. وكان الذي دفعهم إلى ذلك أمرين: أحدهما أن المصري أعلم بحاجات بلاده في التعليم، وأعلم بمناهج بلاده في الإدارة من الأجنبي الطارئ الذي لا يقيم فيها إلا قليلاً ثم يعود إلى جامعته التي جاء منها، فلابد إذًا لمنفعة الجامعة من الناحيتين التعليمية والإدارية، من أن يشترك الأساتذة المساعدون في مجالس الكليات، ومجلس الجامعة، ليشرفوا بعض الشيء على أعمال الجامعة وليبصروا زملاءهم الأجانب بما يحتاجون إلى أن يبصروا به من الشؤون المصرية الخالصة، ثم ليأخذوا عن هؤلاء الأساتذة من التقاليد الجامعية الأجنبية ما قد يكون الخير في أن يأخذوه عنه، ودلت التجربة على أن الذين شرعوا النظام القديم، كانوا موفقين كل التوفيق، فلولا هؤلاء الأساتذة المساعدون، لما استطاعت الجامعة أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام.
    وما رأيك في جماعة من الأساتذة الأجانب لا عهد لهم بمصر، ولا علم لهم بشؤونها، ولا حظ لهم من لغة أهلها، ولا قدرة لهم على فهم نظمها الإدارية المعقدة، ما رأيك في هؤلاء الناس يؤتى بهم من أوروبا ثم يقال لهم فجأة هلم تلقوا هذه الجامعة، فانهضوا فيها بأمور التعليم والإدارة والمال جميعاً، لقد هم هؤلاء الأساتذة أول الأمر أن يشغلوا أنفسهم بالأمور الإدارية والمالية، فضج مدير الجامعة، وضج وزير المعارف، واضطربت الأمور اضطراباً شديداً وساءت الصلة بين الأساتذة والإدارة، وأخذ سوء الصلة هذا يشتد حتى كان ما كان في بعض الكليات من إلغاء بعض العقود، وصرف بعض العمداء إلى آخر ما لا حاجة إلى إعادة ذكره الآن.
    والأمر الثاني الذي فكر فيه الشارعون للنظام القديم، هو أن الجامعة مصرية، وأن مصر تسعى إلى الاستقلال، وأن طبيعة الاستقلال تقتضي أن يشترك المصريون بالفعل في إدارة شؤونهم، فكانت الكرامة المصرية إذا تريد أن يشترك المصريون اشتراكاً قوياً في تدبير أمور الجامعة على اختلافها، وأعود فأؤكد أن الجامعة لم تجن من اشتراك المصريين في إداراتها إلا خيراً، بل إن الجامعة إن كانت قد ارتقت حقاً في هذه الأعوام الأخيرة الماضية، وأثبتت لنفسها شخصية جامعية، وتقدمت واسعة في تمصير التعليم العالي، فذلك بفضل هؤلاء الأساتذة المساعدين وبفضلهم وحدهم في أكثر الكليات، فكيف خطر لسادة اليوم، أن يجزوا هؤلاء الأساتذة بهذا الجحود والمنكر.
    نعلم أن كلية الطب شكت من أن مجلسها كان ضخم العدد جداً، لكثرة الأساتذة المساعدين فيها، وأن عميد هذه الكلية صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم، جَدَّ في أن يقلل عدد الأساتذة المساعدين في مجلس كليته، ولكنه لم يوفق، لأن القانون القديم لم يكن يحتمل في هذا تأويلاً، ولأن الجامعة كانت ترفض أن يمس هذا القانون بمثل هذا التعديل، فهل لنا أن نفهم أن ميل كلية الطب إلى أن يتخفف مجلسها من الأساتذة المساعدين كلهم أو أكثرهم، هو الذي أبعد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات؟ ونعلم أن الأساتذة الأجانب كانوا يضيقون بزملائهم المصريين، بل كان منهم من ذهب في هذا الضيق إلى حد الشكوى، فهل نفهم أن ضيق الأجانب بالمصريين كان من الأسباب التي أبعدت الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات، وكثرة هؤلاء الأساتذة المساعدين مصرية بالمعنى الحديث، أي مصرية تحرص على الكرامة المصرية، والعزة المصرية، وتكره كل شيء يغلو في بسط السلطان الأجنبي وهي ديمقراطية تنكر كل شيء يضيق حدود الديمقراطية في الجامعة، وهي لهذا كله كانت تقف مواقف لا يرضى عنها الأجانب ولا سادة اليوم، فهل نفهم أن لهذه الميول الاستقلالية الديمقراطية التي يمتاز بها الجامعيون والمصريون أثراً في إبعاد الأساتذة المساعدين عن مجالس الكليات.
    يظهر أن هذه الأسباب كلها مجتمعة، هي التي دفعت وزير التقاليد إلى أن يحدث في قانون الجامعة هذا التعديل الذي يكف اليد المصرية قليلاً أو كثيراً عن شؤون الجامعة، والذي يبسط على الجامعة سلطان الحكومة من جهة، وسلطان الأجانب من جهة أخرى، والذي يلقي على طائفة من شباب العلماء المصريين شيئاً من الذلة، كان ينبغي ألا يلقى عليهم لأن حياتهم كلها تجعلهم خليقين أن يكونوا أعزاء، والذي انتهى بمجلس الكلية من الكليات إلى أن يتوسل بمجلس الجامعة عند وزير التقاليد ليرد عليه عضوين أُخرجا منه. وهما من خير أعضائه، ومن المحقق أن الكليات الأخرى تود لو استطاعت أن تسير سيرة هذه الكلية، فتتوسل إلى الوزير في أن يبقى أعضاءها المصريين، وأنا واثق كل الثقة بأن التجربة ستثبت من طريق لا تقبل الشك، أن تعديل القانون من هذه الناحية، كان إسرافاً في الخطأ، وستضطر الجامعة إلى أن تلح في أن يرد القانون إلى ما كان عليه، ولكن من الذي يضمن أن تتصل التجربة، حتى يظهر فساد هذا التعديل، ونظام الجامعة الجديد كله رهين ببقاء الوزارة القائمة؟ وهل الوزارة القائمة منذ الآن إلا سحابة صيف؟
    ما كان أجدر الجامعيين أن يريحوا أنفسهم من هذا التوسل الذي لا حاجة إليه.
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٧ مايو ١٩٣٣.

    عِزَّة
    اضحك إن شئت فالأمر يحتمل الضحك، واحزن إن شئت فالأمر يحتمل الحزن، ولكن ثق بأنك ستضحك وحدك، وستحزن وحدك على كل حال؛ لأن الأمر الذي سأحدثك عنه قد أصبح لا يعني أحدًا، أو لا يكاد يعني أحدًا من الناس، إنما نكتب لنسجل ونحصي، لا لنصلح ولا لنقوِّم. فقد أصبح الأمر لا يحتمل إصلاحًا ولا تقويمًا. أتعرف فيم أريد أن أحدثك؟ أتعرف مم أريد أن تضحك؟ أتعرف علام تريد أن تحزن؟
    أريد أن أحدثك عن الجامعة والجامعيين، وأريد أن تضحك مما صار إليه أمر الجامعة والجامعيين، وأن تحزن لما انتهت إليه حال الجامعة والجامعيين. فما زال لنا معهد يسمى جامعة، أُنشِئَ بقانون ونظم بقوانين وصدرت هذه القوانين، لا نقول منذ أعوام، ولا منذ أشهر، بل منذ أسابيع. وكنا نراها ضيقة وكنا نراها مرهقة، وكنا نراها هادمة لاستقلال الجامعة، فظهر الآن أنها واسعة مسرفة في السعة، وأنها حرة مسرفة في الحرية، وأنها مؤيدة لاستقلال الجامعة، مسرفة في تأييده، وأنها لهذا كله أوسع مما ينبغي وأكثر مما يحتمل المصريون. لم تكد تصدر هذه القوانين حتى عهد وزير التقاليد ورئيس الجامعة الأعلى إلى قانونها الأساسي فهدمه هدمًا، وأرغم كلية العلوم على عميد لم تنتخبه، ولكن وزير التقاليد استطاع أن يرغمها على أن تنتخبه فأذعنت وأطاعت وصدعت بالأمر، وشاركت الوزير في مخالفة القانون.
    ولم تمض على هذه القصة أسابيع حتى كانت النوبة على كلية الآداب، فهي تكره هي الأخرى على مخالفة القانون الذي لم يصدر إلا منذ أسابيع فتذعن وتطيع وتشارك الوزير في مخالفة القانون.
    زعموا أن في كلية الآداب كرسيًّا خاليًا منذ أكثر من سنة حين نقل أستاذ من أساتذة الجامعة إلى وزارة المعارف في قصة يذكرها الناس. وزعموا أن هذا الكرسي ليس هو الكرسي الوحيد الخالي في كلية الآداب، ولكن الحكومة حريصة كل الحرص على أن تشغله لأمر ما، فمن يدري؟ لعل الوزارة أن تستقيل ولعل وزارة أخرى أن تخلفها ولا يصح بحال من الأحوال أن يظل هذا الكرسي خاليًا حتى يشغل وزارة المعارف وزير غير وزير التقاليد.
    وزعموا أن جماعة من الأساتذة المساعدين في كلية الآداب رشحتهم الكلية لبعض هذه الكراسي الخالية، ومن بين هؤلاء الأساتذة أستاذ مساعد رشح لهذا الكرسي المعروف. وهذا الأستاذ المساعد فيما يقول الناس رجل كفء من غير شك، يُؤمَن له بالكفاية والامتياز أهل العلم بالأدب العربي، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق العربي وحده، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بيئات المستشرقين الأوروبيين عامة. وتستطيع أن تسأل عن هذه البيئات في روما فسيجيبك نالينو، وليفي دلافيدا، وتستطيع أن تسأل هذه البيئات في باريس فسيجيبك ماسينيون ومارسيه وتستطيع أن تسأل عنه هذه البيئات في لندرة وكامبردج وأكسفورد فسيجيبك نيكلسن وجيب ومرجوليوث. وتستطيع أن تسألها في ألمانيا فسيجيبك ليتمن وبرجشتراسر، سيجيبك هؤلاء جميعًا بأن هذا الأستاذ كفء حقًّا، ممتاز، وبأن الكلية قد وفقت كل التوفيق حين رشحته منذ عام لهذا الكرسي.
    ولكن مجلس الجامعة لم يرد أن يقضي في هذا الترشيح وفي ترشيحات أخرى في العام الماضي لأسباب لعل الوقت لم يؤن بعد لتفصيلها. ثم عادت الكلية هذا العام فرشحت هذا الأستاذ وأصحابه مرة أخرى، وكانت القوانين الجديدة قد صدرت وقضى مجلس الجامعة هذه المرة في الترشيحات فكان حنبليًّا متشددًا في احترام القوانين، رفض الترشيحات كلها؛ لأن المرشحين لا يحملون درجة الدكتوراه، والقانون يحتم ذلك ويلح فيه وأصبح من الحق على هؤلاء الأساتذة المساعدين أن يكتفوا بمناصبهم أو يظفروا بدرجة الدكتوراه إن كانوا يريدون أن يكونوا أساتذة ذوي كراسي. ولكن شيئًا حدث منذ أيام، فقد استكشف أولو الأمر في وزارة المعارف والجامعة أن هذا الكرسي لا يزال خاليًا، وسألوا الكلية عن هذا فأجابت الكلية بما أجابت، ومضت أيام قليلة وإذا مجلس الكلية يُدعى إلى الاجتماع فيجتمع أمس ويطول اجتماعه ويكون فيه حوار طويل ثقيل وينتهي الاجتماع بأن يرشح أستاذًا في إحدى المدارس العليا، ليس من الذين يحملون درجة الدكتوراه، ولا لقب دكتور. وكانت الفكرة أن يرشح هذا الأستاذ لشغل هذا الكرسي فأبى أعضاء الكلية وألحوا في الإباء، ولكن الحوار الطويل وتدبر العواقب والتفكير في المستقبل انتهى بأعضاء المجلس إلى أن يقبلوا ترشيح الأستاذ لمنصب الأستاذ المساعد وإن كان القانون الذي لم يجف حبره بعد لا يبيح هذا الترشيح لأنه اشترط درجة الدكتوراه في الذين يرشحون لمنصب المدرس فضلًا عن منصب الأستاذ ذي الكرسي.
    وسيعرض هذا الترشيح – من غير شك – على مجلس الجامعة رغم الإجازة والصيف، كما دُعي مجلس الكلية رغم الإجازة والصيف وسيحضر اجتماع مجلس الجامعة عدد قليل جدًّا من الأعضاء كما حضر مجلس الكلية أمس خمسة أو ستة من الأعضاء؛ لأن الناس في هذه الأيام متفرقون. والله يعلم كيف يقضي مجلس الجامعة في هذا الترشيح الذي اضطرت إليه كلية الآداب إلى أن تخالف فيه القانون، كما خالفته الكلية أم يرده كما رد ترشيحات أخرى من قبل فيلقي على الكلية درسًا فيه قسوة ولكن فيه عدلًا، ويعلم الكلية أن القوانين لا تصدر اليوم لتخالف غدًا.
    علم هذا كله عند الله، ولكن الشيء الذي لا شك فيه والذي يضحك من أراد الضحك، ويحزن من أراد الحزن، ويجب تسجيله على كل حال هو أن كلية الآداب أُرغمت على مخالفة القانون فخالفته أيضًا. وإذا كانت هذه حال الجامعيين فماذا تريد من عامة الناس؟
    أما وزير التقاليد فإنا نهنئه بسلطانه العريض، ونتمنى له سفرًا سعيدًا، وظفرًا بطائفة من الأوسمة، فهو معز العلم والعلماء، وحامي الجامعة والجامعيين من غير شك.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٧ – ١٩٣٣.

    معضلة
    هي معضلة فلسفية لا تمس السياسة، ولا الاقتصاد، ولا التعليم، ولا شيئًا من هذه المرافق التي يعني بها الناس، ويريدون الصحف اليومية أن تتحدث إليهم فيها. لا تمس شيئًا من هذا، وإنما تمس فرعًا من فروع الفلسفة العليا، هو ما بعد الطبيعة أو ما وراء المادة كما يسميه الفلاسفة. وأنا أريد أن أتحدث إليك في هذه المعضلة الفلسفية العليا، وأنا ألح عليك في ألا تخاف ولا تفزع ولا تنصرف عن هذا الحديث مخافة أن تجد فيه من العسر والمشقة ما لا تحب أن تجد حين تقرأ في الصحف أحاديث الصباح وأحاديث المساء؛ فلن تجد مشقة ولا عسرًا. ولعلك أن تجد فكاهة ولهوًا، لأن وزير التقاليد هو بطل هذه المعضلة الفلسفية العليا، ومجلس الشيوخ هو المدرسة التي عرضت فيها هذه المعضلة، وحاول الفيلسوف العظيم أن يحلها فظفر من التوفيق بما لم يظفر به أفلاطون في الأكاديمية، ولا أرسطاطاليس في الليسيه، ولا ديكارت في مدفأته، ولا أحد من الفلاسفة المعاصرين في مدرسة من المدارس، أو مجمع من المجامع، أو رواق من الأروقة. وكل ما أطلبه إليك هو أن تمنح هذه المعضلة شيئًا من عنايتك، وقسطًا من التفاتك وفراغ بالك، فسأيسرها لك، ولكن يحسن أن تعينني أنت على هذا التيسير.
    المعضلة هي أن الحكومة تريد أن تشرف على الجامعة، فكيف يكون هذا الإشراف؟ وإلى من يكون هذا الإشراف؟ أيكون لوزارة المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف؟ وبعبارة أوضح: أيكون لوزير المعارف من حيث هو وزير المعارف؟ أم يكون لوزير المعارف من حيث هو الرئيس الأعلى للجامعة؟
    هذه هي المعضلة، وأظنك توافقني على أنها خليقة بالعناية والتفكير، خليقة بالخطابة والتحبير، خليقة بالكتابة والتحرير، خليقة بالجدال والنضال، خليقة بقيل وقال، خليقة بأن ينفق فيها مجلس الشيوخ جهدًا عظيمًا، وبأن يقف عليها وزير التقاليد قوته الهائلة، وبراعتها الرائعة، وبلاغته التي لا تطاق.
    وقد حقق مجلس الشيوخ أملنا فيه، فقلب المعضلة ظهرًا لبطن، وجاءها من حيث تجاء ومن حيث لا تجاء. وقال وزير المعارف فيها فأبدع، وانصرف القوم بعد جدال طويل. وأكبر الظن أنهم لم يتفقوا، وأكبر الظن أن بعضهم لم يفهم بعضًا، وأكبر الظن أن تبعة هذه المعضلة تقع على أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد بك، لأنه هو الذي أثار هذه المعضلة أثناء وضع قانون من قوانين الجامعة، فزعم أن لوزير المعارف صفتين: بإحداهما يشرف على وزارة المعارف، وبالأخرى يشرف على الجامعة.
    وفهم الجامعيون عن مديرهم هذا الكلام، لأن لهم بالفلسفة إلمامًا، قد يكون قليلاً، ولكنه يمكنهم من فهمها أحيانًا. فلما انتقل هذا الكلام من الجامعة إلى الوزارة ثم إلى مجلسي البرلمان، ضاقت به الوزارة، وأعرض عنه مجلس النواب، وحاول أن يفهمه مجلس الشيوخ.
    أما وزير المعارف فقد وجد هذه المعضلة خصبة، تمكنه من الكلام وهو يحب الكلام، وتمكنه من الفلسفة وهو كلف بالفلسفة، وتمكنه من الخطابة وهو يتهالك على الخطابة، وتجعله هو مشكلة من مشاكل الفلسفة ومعضلة من معضلات ما بعد الطبيعة وما وراء المادة. فقبل المعضلة واعتنقها، وضمها بين ذراعيه، وما هي إلا أن تمتزج به ويمتزج بها، فأصبح هو المعضلة، وأصبحت المعضلة هي وزير المعارف، ويعجز الشيوخ عن فهم الوزير المعضلة أو المعضلة الوزير!
    ويجد وزير التقاليد أن يفسر نفسه لمجلس الشيوخ، فيقول ويقول، ويطيل ويطيل، ويردد على الشيوخ المحترمين أن له صفتين: فهو وزير المعارف ورئيس الجامعة. فيجيبه أحد الأعضاء: ولكنك وزير المعارف في الحالين. فيقول الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف ورئيس الجامعة. ويقول بعض الأعضاء الآخرين: ولكنك وزير المعارف حين تكون رئيس الجامعة. فيجيب الوزير: نعم، ولكن لي صفتين، فأنا وزير المعارف وأنا رئيس الجامعة.
    ويدور الوزير، ويدور معه الشيوخ، حتى يأخذ الجميع شيء من الدوار المخيف، فيصيح شيخ من الشيوخ: لست أدري ما عناية وزير المعارف بهذه القشور؟
    وهي في حقيقة الأمر قشور منذ خرجت من الجامعة ووصلت إلى الوزارة والبرلمان. فالفكرة الأولى في هذه المعضلة هي ألا تكون بين الجامعة ومكاتب وزارة المعارف صلة ما، وأن تكون الصلة بين الجامعة وشخص الوزير.
    وقد خطر للجامعة في يوم من الأيام، في أيام العز، أن تتخذ للوزير مكتبًا في دارها حتى لا تذهب أعمال الجامعة إلى ديوان الوزارة. فالفكرة كما ترى فكرة عملية، تقوم على حقيقة واقعة، وهي أن وزارة المعارف أعجز من أن تفهم المسائل الجامعية، وأضيق عقلاً من أن تصرفها، فيجب أن تقطع الصلة بينها وبين الجامعة. ولما كانت الجامعة معهدًا من معاهد الدولة، لا بد أن يشرف عليه البرلمان، والوزراء هم أداة البرلمان في الإشراف على أعمال الدولة ومصالحها، فقد جعل وزير المعارف رئيسًا أعلى للجامعة يتكلم باسمها في مجلس الوزراء، ويتكلم باسمها في مجلسي البرلمان.
    هذه هي الفكرة الأولى، وهي كما ترى يسيرة سهلة لا غبار عليها ولا عسر فيها. ولكنها لم تكد تنتقل من الجامعة حتى عجز غير الجامعيين عن فهمها، فألغوا معناها واحتفظوا بألفاظها. ورأى وزير التقاليد أن في هذه الفكرة مجدًا وفخرًا يميزه من زملائه الوزراء، ويقربه من رئيس الوزراء، فهو ذو صفتين وغيره من الوزراء ذو صفة واحدة! وهو ذو لسانين، وغيره من الوزراء ذو لسان واحد! ورئيس الوزراء وحده هو الذي يشبهه في ذلك بأن له صفتين، فهو وزير ورئيس وزارة!
    لذلك حرص وزير التقاليد على هذه الفكرة الجامعية في ظاهر الأمر، ولم ينفذها في حقيقة الأمر. وليس أوضح دليل على ذلك من أن مضبطة مجلس الشيوخ تنص في صراحة على أن الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة أمام لجنة المعارف فيه لم يكن جامعيًا: لم يكن مدير الجامعة أصالة، لأن الجامعة لا مدير لها الآن، ولا نيابة، لأن مدير الجامعة بالنيابة مشغول عن هذا السخف في أكبر الظن، ولا سكرتيرها العام، لأن سكرتيرها العام كان في توشكى أو في الغردقة ليزور حفائر الجامعة في الصعيد، أو محطة الأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، أو ليفتش على أعمال الأساتذة الجامعيين هنا وهناك.
    إنما الذي تولى الدفاع عن قوانين الجامعة هو السكرتير العام لوزارة المعارف، الذي ليس بينه وبين الجامعة صلة، ولا ينبغي أن تكون بينه وبين الجامعة صلة، لأنه من أعوان الوزير من إحدى ناحيتيه، لا من هاتين الناحيتين جميعًا.
    لوزير المعارف إذن صفتان في اللفظ، وليس له في حقيقة الأمر إلا صفة واحدة، هي أنه عضو في مجلس الوزراء، أي وزير المعارف.
    وأظنك تراني قد أطلت في هذا الحديث، ولكني معذور في هذه الإطالة؛ فقد أطال مجلس الشيوخ، وأطال وزير المعارف في هذه المعضلة، وأقام كلاهما الدليل للمرة الثانية بعد الألف على أن في مصر أمور ألفاظ وأشكال أكثر من أي شيء آخر.
    فقد وافق مجلس الشيوخ بعد أن وافق مجلس النواب على قانونين من قوانين الجامعة في غير مشقة ولا جهد إلا في الألفاظ. ومع ذلك فقد وقف بعض الشيوخ وقفة لا بد من إنصافها حين أبوا على وزير المعارف أن ينقل أعضاء هيئة التدريس دون تقيد برأي مجلس الجامعة. وقد أطال الرجل في ذلك وألح، وذهب في الإطالة والإلحاح مذاهب مختلفة قيمة، ولكن الأمر كان مقضيًا، فلم يجد الرجل إلا شيخين أو ثلاثة وافقوه على هذا الموقف، وتم لوزير المعارف ما أراد من طغيان.
    فأصبح رأي مجلس الجامعة استشاريًا في نقل الجامعيين، لأن هذا المجلس الذي يتألف من عشرين عضوًا، منهم وكيلان من وكلاء الوزارات، ومنهم خمسة تعينهم الحكومة، ومنهم أربعة من عمداء الكليات، وأربعة من وكلائهم، وأربعة من أساتذة الكليات ذوي الكراسي، هذا المجلس كله لا يمكن أن يؤتمن على مصالح الجامعة، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    هذا المجلس كله لا يمكن أن يأمن من محاباة الجامعيين، فلا بد من إشراف الوزير عليه! هذا المجلس كله قاصر محتاج إلى الوصاية، فلا بد من إشراف الوزير عليه!
    ولست أنا الذي أقول هذا الكلام، وإنما هو كلام قيل كله في مجلس الشيوخ، وأثبت كله في مضبطة المجلس، وسمعه كله مدير الجامعة بالنيابة، وعميد كلية الحقوق، وأقره كله مجلس الشيوخ، وسيقبله كله الجامعيون راضين أو كارهين، بعد أن قبله كله مدير الجامعة بالنيابة صاحب السعادة الدكتور علي باشا إبراهيم!
    يجب أن يهنأ الجامعيون الذين تكل إليهم مصر تعليمها العالي، أي نقل الشاب من طور الشباب إلى طور الرجولة وتحمل التبعات، ويقرر فيهم مجلس الشيوخ أنهم عرضة للمحاباة، فهم محتاجون إلى المراقبة، وأنهم قصر ضعفاء، فهم محتاجون إلى الوصاية. وأي وصاية؟ وصاية رجل واحد، هو وزير المعارف!
    فيهم أساتذة الطب، وأساتذة الحقوق، وأساتذة الآداب، وأساتذة العلوم، وفيهم موظفون غير جامعيين، وكلهم يفترض فيه أن يكون مجربًا، قد انتفع بالتجربة، وكلهم يفترض فيه أن يكون حسن الخلق، رضي النفس، نقي الضمير، شريف السيرة. ولكنهم على هذا كله، بل لهذا كله، عرضة للمحاباة، فيجب أن يراقبوا! وهم على هذا كله قصر، فيجب أن يقام عليهم وصي، وهذا الوصي هو وزير قد يكون عالمًا وقد يكون جاهلاً، قد يكون ذكيًا وقد يكون غبيًا، قد يكون مستقيم السيرة وقد يكون معوج الحياة، لأن مصادفات الظروف السياسية هي التي تضعه في كرسي الوزارة.
    فالدولة لم تضع بعد قانونًا كقانون الجامعة تبين فيه الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الوزارة، كما بينت الشروط التي يجب أن تتوفر لمن يشغل منصب الأستاذ. ووزير المعارف يعلم حق العلم أنه قد استطاع أن يكون وزيرًا، وأنه لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة إذا نفذ قانون الجامعة على وجهه. ومع ذلك فوزير المعارف الذي لا يستطيع أن يكون أستاذًا في الجامعة وصي على الجامعيين، والجامعيون يقبلون هذه الوصاية، ويبتسم لها اثنان من عمدائهم في مجلس الشيوخ! ما أشد تأثير المناصب في النفوس!
    وأجمل من هذا أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن اعتداء الحكومة على الجامعة، فاستدل بما يحدث في أوروبا، ولم يفطن مجلس الشيوخ إلى أن الدليل لم يكن للوزير، وإنما كان عليه.
    زعم الوزير أن القانون الفرنسي لا يسمح بنقل أحد من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات إلا بعد أخذ رأي الوزير. فإذا كان هذا حقًا فهو الذي يراد لجامعتنا، لأن رأي الوزير فيه استشاري لا قطعي، والرأي القاطع للجامعة لا للوزير. أما عندنا فقد أقر البرلمان للوزير أن ينقل بعد أخذ رأي مجلس الجامعة، فجعل رأي الجامعة استشاريًا، ورأي الوزير قاطعًا، على عكس ما هو واقع في فرنسا بالضبط.
    وأكبر الظن أن المجلس لم يفطن إلى هذا التورط الذي اضطر إليه وزير المعارف في صفتيه المعضلتين! وكذلك تم لوزير المعارف محو استقلال الجامعة حتى في أشد أعمالها اتصالاً بحياتها الداخلية، فكل عضو من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة خاضع لسلطان الوزير، أو لسلطان الذين يصرفون الوزير. ويكفي أن يغضب الوزير، أو أن يغضب المسيطرون على الوزير، لينقل الأستاذ من الجامعة إلى حيث تريد له الحكومة. وقد تجرؤ الجامعة على الكلام فتأبى، ولكن الوزير قادر على ألا يحفل بما تقول الجامعة.
    وأجمل من هذا كله وأبدعه أن وزير المعارف أراد أن يدافع عن سلطانه هذا بالمنطق لأنه فيلسوف، فتورط في سخف لم يفطن له مجلس الشيوخ أيضًا.
    زعم الوزير أن بعض الأساتذة قد يتهم بالتحريض على الإضراب ويثبت عليه ذلك، أو قد يتهم بإذاعة آراء خطرة ويثبت عليه ذلك، وإذن فيجب أن يترك للوزير الحق في نقله! ولكن لِمَ أنشئ مجلس التأديب إذا لم يكن إليه محاكمة الذين يحرضون على الإضراب أو يفسدون آراء الشباب؟
    يجب أن نفهم من هذا أنه سيكون في الجامعة منذ اليوم مجلس للتأديب ترفع إليه الأمور الواضحة الجلية التي يقال فيها نعم أو لا، والتي يمكن أن يقام عليها الدليل، وسلطة أخرى هي سلطة الوزير تقضي فيما لا يقوم عليه الدليل، وإنما يسعى به الوشاة والجواسيس. فإذا سئل الوزير عنه تسلح بإحدى صفتيه، وبأنه مسؤول أمام البرلمان وأمام الوطن وأمام الضمير!
    والجامعيون يقبلون هذا ويرضونه، ويبتسم له مديرهم بالنيابة أمام مجلس الشيوخ! ما أكثر ما تحتمل النفوس من الضيم لتتمكن من أكل العيش!
    كوكب الشرق في ٢١ – ٤ – ١٩٣٣

    مسكينة . . .
    هي كلية الآداب ، وإن شئت فقل هي الجامعة ، وإن شئت فقل كل مصلحة من مصالح مصر في هذا العهد السعيد ، الذي يشرف على أمورنا فيه وزراء يرعون مصالح البلاد حقا ، ويعنون بآمالها ومستقبلها حقا ، ولا يبخلون على مرافقها بجهد ولا قوة ، ولا يضنون على رقيها من المال بقليل ولا كثير .
    مسكينة كلية الآداب فقد قص جناحها حتى لم يبقَ فيه ريش ! وقد ثُقِّلت عليها الأغلال والقيود حتى ما تستطيع حركة ! وقد أخذت عليها منافذ الضوء والهواء حتى ما تستطيع تنفسا ولا حياة صالحة ، ولولا أن مصر لا تعرف اليأس ، وأن الأيام السود مهما يشتد سوادها ، فهي ماضية منقضية مع طلوع الشمس وغروبها ، وأن ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ، لولا هذا كله لقلنا للمصريين : أعظم الله أجركم في كلية الآداب !
    لقد أفكر فأطيل التفكير ، وأروي فأنعم في التروية ، وأؤول فأذهب في التأويل مذاهب شتى ، ولكني لا أستطيع أن أفهم هذه الحرب المنكرة ، التي ما تزال تشب على كلية الآداب من الجامعة ، ومن وزارة المعارف ، ومن الحكومة ، ومن البرلمان .
    كان في كلية الآداب رجل كرهته الحكومة فأقصته عنها ، وزعمت أنها بذلك قد خدمت الجامعة ونصحت لها ولكلية الآداب ، فكان من المعقول بعد أن أُقصي هذا الرجل عن كلية الآداب ، وعن الجامعة ، أن لا تلقى كلية الآداب من الجامعة ، ومن الحكومة نكرا ولا شرا ، وأن لا تصل كلية الآداب من الجامعة والحكومة نارا ولا عذابا ، ولكن النكر ما يزال يصب على كلية الآداب ، ولكن الحرب مازالت تشب على كلية الآداب ، فماذا جنت هذه الكلية البائسة ، وما هذا الحقد الذي يملأ عليها قلوبا ، ويؤجج حولها لهيبا ، ويجعلها عرضا للسهام ، وهدفا للأحداث .
    إلى أين نمضي ؟ إلى أمام أم إلى وراء ؟ لقد استكثروا علينا الحرية فضيقوها ، واستكثروا علينا الديمقراطية فقيدوها ، واستكثروا على الجامعة الاستقلال فمحوه وأتوا عليه ، أفهم يستكثرون علينا العلم أيضا ؟ أفهم يستكثرون علينا حتى الثقافة الخالصة ؟
    أفهم يأبون علينا إلا أن نرد إلى الجهل بعد العلم ، وإلى الظلمة بعد النور ؟ أفهم يأبون أن يحكموا إلا شعبا جاهلا لا يستطيع أن يفهم ، ولا أن يفقه ، ولا أن يقدر ما يراد به ؟ وكيف يبيح المصريون لأنفسهم أن يعينوا على هذا الشر ، ويغمسوا أيديهم في هذا الإثم العظيم ؟ لقد أنشئت كلية الآداب واسعة شديدة العناية للدرس العلمي ، فلم تكد تنشأ حتى جدت في توسيع أفقها ، وتعميق الدرس العلمي فيها ، وفتح أبواب للثقافة لم تكن قد فتحت في مصر من قبل ، ومضى المصريون معها في طريقها هذه فرحين مستبشرين ، يدفعهم الأمل إلى أمام ، ويشجعهم الفوز على المضي ، فما بالهم يردونها اليوم عن طريقها ردا عنيفا ؟ وما بالهم يغلقون هذه الأبواب التي كانت مصر تنتظر منها الخير كل الخير ، والتي كانت وحدها سبيلنا إلى أن تمن معونتهم لنا ، ونستقل بعد ذلك ونداني الغربيين فيما انتهوا إليه من رقي ، ونستغني بعد ذلك بأمور التعليم فينا ، ونرفع بعد ذلك أدبنا العربي إلى حيث ينزل منزلة الكرامة بين الآداب . أهذا كله ليس شيئا إلى جانب خمسة آلاف من الجنيهات تقتصد في خزانة الجامعة أو في خزانة الدولة ؟ فما بالهم لا يقتصدون هذا المبلغ من إعانة الأجانب الممثلين والراقصين ، أيهما أهون على مصر : إلغاء التمثيل في الأوبرا ، أم تعطيل الدراسة في كلية الآداب ؟ أيهما أهون على البرلمان : أن تغلق دار للرقص والغناء ، أم أن تضيق دار العلم والتعليم وأي علم وأي تعليم؟ أمس أنواع العلم بقديمها وحديثها ، وأشد أنواع التعليم اتصالا بقوميتنا ؟
    بين يدي الآن هذا القانون الذي أقره البرلمان ، والذي أُلحق به ثبت بالكراسي التي أقرها القانون في الجامعة ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتحزن وتأسى ، ويكفي أن تنظر في هذا الثبت لتتكلف جهدا شديدا تتقي به ما يهاجمك من الجزع ، ويغمرك من اليأس حين ترى إساءة المصريين إلى المصريين .
    كانت كراسي كلية الآداب أربعة عشر أو خمسة عشر فردت في القانون الجديد إلى تسعة ، وهل تدري أي الكراسي أُلغي ؟ كرسي فقه اللغة العربية فستدرس إذا آداب اللغة العربية في كلية الآداب دون أن تدرس فيها اللغة أو فقهها ، وأُلغي كرسي اللغات السامية فستصبح إذا دراسة اللغات السامية في كلية الآداب دراسة ثانوية إضافية ، ستصبح تكميلا بعد أن كانت أساسا ، ستصبح فرعا بعد أن كانت أصلا ، وستظل لغتنا مجهولة في كلية الآداب كما هي مجهولة في غيرها من معاهد العلم ، وسيظل علمنا باللغات السامية محدودا في كلية الآداب كما هو محدود في دار العلوم ، وستظل قوميتنا العربية ناقصة أبشع النقص من هذه الناحية ، وسنظل عيالا على المستشرقين الأوروبيين كما كنا من قبل في لغتنا العربية وفي لغاتنا السامية الأخرى . وأُلغي كرسيان من كراسي التاريخ ، فلم يبقَ لهذا العلم إلا كرسي واحد يكون مرة للتاريخ القديم كما هو الآن ، وأخرى للتاريخ الحديث ، وثالثة لتاريخ القرون الوسطى ، وسيعود درس التاريخ في كلية الآداب مشوها ممسوخا سطحيا كما كان في مدرسة المعلمين . وأُلغي كرسي الدراسات اليونانية واللاتينية ، وأصبحت دراسة هاتين اللغتين صورة من الصور وشكلا من الأشكال ومظهرا من المظاهر ، يخدع الأبصار ولا يدل على شيء ، وسيظل المتحف المصري محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار المصرية اليونانية ، وسيظل متحف الإسكندرية محتاجا دائما إلى الأجانب يدرسون فيه الآثار اليونانية الرومانية ، وسيظل تاريخنا في أيام اليونان والرومان وفي أول العصر الإسلامي مقصورا دائما على الأجانب ، يدرسونه ويؤلفون فيه ، وسنظل عيالا على الأجانب في هذا كله ، وسيظل علمنا بالآداب الأوروبية الحديثة محدودا مقصورا على الظواهر والقشور ، لأن حكومتنا أرادت أن تقتصد ألف جنيه في كل عام .
    أُلغيت هذه الكراسي كلها من كلية الآداب في القانون الجديد ، ولابد من أن يُعدل نظام الدرس وبرنامجه تعديلا يلائم هذا الإلغاء ، ولابد من أن يُهدم هذا البناء الذي أقامته مصر فتعنت في إقامته ، والذي بدأ يؤتي ثماره طيبة ناضجة ، ولابد من أن نرد كلية الآداب مدرسة كغيرها من المدارس التي ألفتها وزارة المعارف ، والتي يستطيع الإنجليز أن يرضوا عنها دون غيرها . ولقد يكون من الحق عليّ أن أسجل أن هذا الإلغاء ليس أمرا طارئا في هذه الأيام ، وإنما هو أمر دُبِّر من عهد بعيد ، وكانت لي فيه مشادات مع جماعة من كبار الموظفين لا أحب أن أذكرهم الآن . وكانت لأستاذنا الجليل لطفي السيد بك فيه مواقف مع هؤلاء الموظفين ، ولكني كنت أعتقد أن خروج الأستاذ لطفي من الجامعة ، وخروجي من كلية الآداب ، سيردان الأمر إلى نصابه ، وسيصرفان الشر عن هذه الكلية البائسة . وكنت أظن أن محاولة العبث بهذه الكراسي قد كان فنا من فنون سياسة الإحراج تلك التي كان يراد بها اضطرار مدير الجامعة السابق ، وعميد كلية الآداب إلى الاعتزال ، فإذا الأمر أشد من هذا كله خطرا ، وإذا الأمر مكر بالتعليم العالي في مصر ، وإذا الأمر كيد قد دُبِّر لكلية الآداب من الذين يعجزون عن أن يفهموا كلية الآداب ، ومن الذين يشفقون من تأثير كلية الآداب في تكوين الشباب ، وإذاعة الثقافة العالية فيه .
    على أني إن لمت في ذلك أحدا فلن ألوم وزير التقاليد ولا رجال وزارته ، فهم أعجز من أن يفهموا كلية الآداب ما هي وكيف تكون ، ولا ألوم الإنجليز فهم أمهر من أن يدعوا في مصر كلية الآداب تفتح للشباب أبواب الأمل ، وتسلك بالشباب طريق الحرية والاستقلال ، وإنما ألوم الجامعيين الذين يدعون الحكومة تقص أجنحتهم بعد ما نبت فيها الريش ونما ، دون أن يبصروها بمواضع الخطر في هذا الأمر . كيف يستبيح الجامعيون لأنفسهم أن يروا كلية من كليات الجامعة يُمكر بها هذا المكر ، ويُكاد لها الكيد ، فينظروا ثم لا يقولوا ؟ أترضى كلية الطب بأن الحكومة لم تبخل عليها بما أرادت من الكراسي فمنحتها منها ما شاءت ، وكلية الآداب يُلغى ثلث كراسيها إلغاء ؟ أترضى كلية الحقوق بأن الحكومة قد منحتها ما أحبت من الكراسي فجعلت فيها ستة عشر كرسيا ، منها أربعة للقانون المدني وثلاثة للاقتصاد السياسي ، ولم تجعل في كلية الآداب إلا تسعا من أربعة عشر ، بينها كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أترضى كلية العلوم أن يكون فيها كرسيان للكيمياء ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها كرسيان للرياضة ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ؟ وأن يكون فيها ثلاثة كراسي لعلم الحيوان ، وفي كلية الآداب كرسي واحد للغة العربية ، وكرسي واحد للتاريخ ؟ أين التضامن الجامعي ؟ أيجب علينا أن نسجل أن هذا العهد السعيد قد محا التضامن الجامعي ، فاكتفت كل واحدة من الكليات بما أصابت من الكراسي وتركت كلية الآداب للحكومة تضطهدها كما تشاء ؟ أيجب أن نسجل أن الجامعة قد فقدت تضامنها فتركت كلية الآداب نهبا للعابثين ، كما أن الصحافة قد فقدت تضامنها فخلت بين توفيق دياب وبين ما يلقى من معاملة اللصوص وقطاع الطريق ؟ ولكن لكلية الآداب حاميا هو فوق الحماة ، وكافيا هو فوق الكفاة ، أنشأها وتعهدها برعايته السامية ، فمن الذي يبلغ جلالة الملك أن كليته تلقى في الجامعة ألوان الضيم ؟
    طه حسين
    كوكب الشرق ، ٢٢ أبريل ١٩٣٣

    استقلال
    ولست أريد الاستقلال السياسي، فحديث الاستقلال السياسي لا ينقضي، ونحن فيه كل يوم حتى يتحقق هذا الاستقلال بالفعل، وحتى تصبح أمور مصر إليها حقا…
    إنما أريد استقلال الجامعة، فقد يظهر أنه غير مفهوم على وجهه، إما لأن كثيرا من الناس حديثو عهد بالجامعات، وهم لا يكادون يعرفون من أمرها شيئا، وإما لأن فريقا من الناس يسرفون في خداع الجمهور وتضليله، ويصورون له الأمر على غير صورته الواقعة التي ترى في كل بلد له حظ من النظام الجامعي الصحيح. وإن شئت فقل إن هذين الأمرين جميعا هما العلة في أن الناس لا يفهمون استقلال الجامعة كما ينبغي أن يُفهم.
    وهؤلاء الناس أكثر جدا مما تظن، فهم لا يقفون عند قراء الصحف وجماعة المثقفين الذين يستطيعون أن يتحدثوا في الأمور العامة، بل يتجاوزونهم إلى هؤلاء الذين جعلت إليهم الظروف أمور السلطة التشريعية في هذا البلد. فقد ظهر من الجدل اليسير الذي أثير حول الجامعة في مجلس النواب أن علم المشرعين بأمور الجامعة والنظم الجامعية ليس أصح ولا أوسع ولا أعمق من علم عامة الناس.
    وظهر أن نوابنا أنفسهم ينقسمون إلى قسمين: فريق لا يعرف من أمر الجامعة شيئا، ولا يستطيع أن يعرف من أمرها شيئا، لأن حياته وتربيته وحظه من الثقافة لا تسمح له بأن يعرف من أمرها شيئا ذا بال. وفريق آخر قد يعلم أو يستطيع أن يعلم من أمر الجامعة شيئا، ولكن السياسة قد اضطرته إلى أن يُخفيَ علمه ويصوره تصويرا خاصا لزملائه النواب.
    فمسألة الجامعة في مصر الآن كغيرها من المسائل سياسية قبل أن تكون علمية، وهي لا تقوم على النظر إلى العلم من حيث هو، وإنما تقوم على النظر إلى المنفعة السياسية للذين يشرفون على الأمور عندنا في هذه الأيام. وما دامت المسألة سياسية فالأمر فيها واضح جلِيّ، لا لبس فيه ولا غموض.
    فأنت تعلم أن هناك مذهبين في السياسة يتنازعان السلطان في مصر: أحدهما مذهب الذين يحكمون الشعب للشعب، وآخر مذهب الذين يحكمون الشعب لأنفسهم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. وأنت تعلم أن الذين يريدون أن يحكم الشعب لشعب بعيدون الآن عن السلطان، وأن الذين يحكمون الشعب لأنفسهم هم الذين قد جُعلت إليهم أمور الحكم. فمن الطبيعي إذن أن ينظروا إلى كل أمر من الأمور من حيث إنه يلائم مذهبهم في السياسة أو لا يلائمه.
    وهم إذا نظروا إلى استقلال الجامعة من هذه الناحية لم يترددوا في أن كل استقلال يُترك للجامعة خطر عليهم، يقص من أجنحتهم، ويقلم من أظفارهم، ويقبض سلطانهم قليلا أو كثيرا. فلا بد إذن من أن يُضَيَّقَ حظ الجامعة من الاستقلال ما كان إلى التضييق سبيل. وكذلك فعلت الحكومة حين عدلت قانون الجامعة الذي أصدره البرلمان القديم، وكذلك فعل مجلس النواب حين أقر هذا التعديل منذ يومين أو ثلاثة كما كان يريد الوزير.
    وأغرب ما في أمر هذا التعديل أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب درست هذا التعديل، ووضعت عنه تقريرا رفعته إلى المجلس، فخدعت نفسها، أو خدعها ممثل الوزارة أمامها عن نظام الجامعات في أوروبا. ونشأ عن هذا أنها خدعت مجلس النواب نفسه. وأكبر الظن أن كثيرا من أعضاء المجلس لم يقرأوا التقرير. ولم يقرأوه؟ وهم يثقون باللجنة، ويعلمون أنها لن تخدعهم ولن تخدع نفسها، ويثقون بالوزير ويعلمون أنه لن يطلب إليهم إلا ما ينبغي أن يُطلب، ولن يقول لهم إلا ما ينبغي أن يُقال، ولن يأتي من الأمر إلا ما يوصل إلى تحقيق السياسة التي ينبغي أن نخضع لها في هذه الأيام، وهي سياسة استئثار القلة الممتازة المعصومة بحقوق الكثرة الجاهلة الغافلة التي خُلقت للطاعة لا للحكم.
    زعمت اللجنة في تقريرها، أو زُعم لها من ممثل وزارة المعارف، أن الجامعات الأوروبية إذا استمتعت بحظ عظيم من الاستقلال لا تستمتع به جامعاتنا، فذلك لأن هذه الجامعات غنية، لا تنفق عليها الحكومات، ولا تستمد أموالها من ميزانية الدول، فليس ينبغي أن يكون للحكومات عليها سبيل. وهذا (مع الأسف) غير صحيح إلا في بلاد الإنجليز.
    فما لا شك فيه أن الجامعات الفرنسية مثلا تقوم على أموال الدولة، وقد توهب لها الأموال، ولكن هذه الهبات ليست شيئا بإزاء ما تنفق عليها الدولة في كل عام. وهي إذا ظفرت باستقلالها العظيم فإنما تستمده من السنن والتقاليد، وتستمده من فهم الحكومات بحاجة العلم الصحيح إلى الاستقلال، ولسمو الجامعات فوق الأهواء والشهوات الحزبية.
    ومهما يكن من شيء فقد خيلت اللجنة إلى مجلس النواب أن الحكومة تنفق على الجامعة فيجب أن تسيطر عليها. ولم تفكر اللجنة ولم يفكر معها المجلس أن الحكومة تنفق على القضاء أيضا، وأنها لا تستطيع مع ذلك أن تشرع قانونا يمكنها من السيطرة عليه. فالحكومة لا تنفق على الجامعة ولا على القضاء من أموالها الخاصة، لأن الحكومة لا تملك مالا خاصا، وإنما تنفق على الجامعة والقضاء من أموال الأمة التي تملك وحدها أن تسيطر على كل شيء.
    ونشأ عن هذا التصور الغريب أن الحكومة صاغت للجامعة قيدا مكرًا عبقًا ثقيلا، لم يلتفت إليه مجلس النواب، أو التفت إليه ولم يحفل به، ولن نجد له شبيها في بلد من بلاد الأرض. ولن تستحق الجامعة معه أن تسمى جامعة، ولا أن تكون جامعة مصرية وطنية، ولا أن تؤدي أمانة العلم الخالص الصحيح كما ينبغي أن تؤدي. وهذا القيد هو مجلس الجامعة كما يؤلفه القانون الجديد، وكما يوزع عليه الاختصاص والسلطان.
    كانت الكثرة العظيمة في مجلس الجامعة، حسب القانون الذي أصدره البرلمان، تتألف من الجامعيين. فقد كان لكل كلية فيه ثلاثة: العميد وعضوان ينتخبهما مجلس الكلية انتخابا حرا لا يتقيد بشرط. فكان عدد الجامعيين في المجلس اثني عشر عضوا، يضاف إليهم المدير، وهو جامعي أو ينبغي أن يكون جامعيًّا على كل حال. فكان للجامعة ثلثا أعضاء المجلس، وكان هذا المجلس يقضي في أمور الجامعة كلها، لا راد لقضائه في كثير من الأشياء، وللوزير حق الاعتراض في بعضها، ولم يكن للوزير على كل حال أن ينفرد بالقضاء في أمر من أمور الجامعة.
    أما الآن فلم يتغير عدد الجامعيين في المجلس ظاهرا، ولكنه في حقيقة الأمر قد أصابه تغيير خطر. فقد أصبح وكيل العميد عضوا في المجلس بحكم منصبه، وقد أخذ الوزير لنفسه حق تعيين الوكيل، فأصبح خاضعا للوزير خضوعا مباشرا، وأصبح عضوا في المجلس بالتعيين لا بالانتخاب. وأصبح العضو الآخر الذي يمثل الكلية مع العميد والوكيل في المجلس يشترط فيه أن يكون أستاذا ذا كرسيٍّ، وأن يؤخذ في المجلس حسب الأقدمية، فهو أيضا عضو معين.
    ومعنى هذا أن أساتذة الجامعة قد حُرموا حق الانتخاب لمجلس الجامعة، أو ضُيِّقَ عليهم فيه، كما ضُيِّقَ على كثرة الشعب في انتخاب النواب. فالفكرة السياسية التي أشرفت على تعديل قانون الجامعة هي أن الانتخاب سلاح خطر، يجب أَلّا يُوضع في أيدي المصريين إلا بحساب، وفي ظل مراقبة شديدة، لأن المصريين، سواء منهم العلماء وعامة الشعب، أطفال لم يبلغوا سن الرشد بعد، فيجب أن تقوم الحكومة منهم مقام الوصي.
    ولم يقف الأمر عند تأليف المجلس بالقياس إلى الجامعيين، بل تجاوزه إلى اختصاص هذا المجلس وتصرفه في أمور الجامعة، وهنا موضع الخطر السياسي المنكر الذي يفقد الجامعة كل قيمة علمية إذا صدر هذا القانون.
    ذلك أن هذا المجلس يؤلف مجلسين: أحدهما جامعي مقيَّد، والآخر حكومي مطلق. فأما الأول فهو المجلس الذي أشرت إليه آنفا، وهو يقضي في الأمور التعليمية الخاصة كبرامج الدرس ونظم الامتحان، وقضاؤه خاضع لسلطان الوزير. فإذا جد الجد، وكانت المسائل التي تحتاج فيها الجامعة إلى الحرية والاستقلال، جاء المجلس الثاني، وهو يتألف من موظفين، وموظفين ليس غير: سبعة تختارهم الحكومة، يضاف إليهم مدير الجامعة الذي تعينه الحكومة، ويضاف إليهم عمداء الكليات الذين يعينهم الوزير، والذين يُؤجَرون على قيامهم بعمل العميد.
    فأما وكلاء الكليات الذين يعينهم الوزير ولكنهم لا يُؤجَرون على وكالتهم، وأما الأعضاء الآخرون الذين يصلون إلى المجلس بحكم كراسيهم، فأولئك يُقصون عن المجلس حين تُعرَض المسائل ذات الخطر. وعلى هذا النحو تضمن الحكومة أن تسير الأمور في هذا المجلس على ما تشْتَهِي.
    وأي أمور هي التي لا وجود للجامعة بدونها؟ هي ميزانية الجامعة، وهي التصرف في أموال الجامعة، وهي تعيين الأساتذة والمدرسين ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم. أرأيت أن السلطة الحقيقية في الجامعة قد جعلت إلى هذا المجلس الحكومي؟
    فالحكومة هي التي تقضي وحدها في ميزانية الجامعة، والحكومة هي التي تختار الأستاذ أو تُرقّيه أو تُؤدّبه. فالأستاذ خاضع في حياته الجامعية كلها لسلطان الحكومة، لا شيء يضمن له الحرية العلمية، ولا شيء يعصمه من بأس الحكومة وبطشها. فإذا استطاع مع هذا أن يكون حرا في الرأي أو في البحث العلمي، فويل له من سلطة الحكومة وتأديب الحكومة.
    على هذا النحو عُدل تأليف مجلس الجامعة، وعُدلت اختصاصات مجلس الجامعة. ولعلك توافقني على أن أظهر شيء في هذا التعديل إنما هو استئثار الحكومة بالسلطان. وهذا شيء لا غرابة فيه ما دامت قاعدة السياسة المصرية الآن هي أن الحكومة إنما تحكم الشعب لنفسها لا للشعب، فليس سلطانها أداة شعبية توجه إلى خدمة المصالح العامة، وإنما هو أداة حكومية توجه إلى تمكين الحكومة من السيطرة على كل شيء.
    أَفَهِمْتَ الآن سر هذا الكيد الذي يدبر للجامعة منذ تغير في مصر نظام الحكم؟ كانت الجامعة واسعة على مصر كما كان الدستور واسعا على مصر، وقد ضُيِّقَ الدستور، فَلْيُضَيَّقْ نظام الجامعة.
    إن الذين يبتسمون حين يذكرون وزير التقاليد، لأنهم يعرفون أنه رجل طيب القلب، يسير التفكير، قد لا ينفذ عقله إلى هذه السياسة العميقة، خليقون أن يفكروا في أن أطيب الناس قلبا، وأيسرهم تفكيرا، وأقلهم نفاذ بصيرة، قد يستطيع أن يكون أداة للسياسة الخطرة على النظم الديمقراطية وعلى حرية الشعوب، إذا وجد الرجل الذكي الذي يسيره فيحسن تسييره، ويوجهه فيحسن توجيهه إلى ما يريد.
    وقد وُجد هذا الرجل الذكي الذي استكثر الدستور فضَيَّقَه، واستكثر الجامعة فضَيَّقَ نظامها، وأحسن تسيير وزير التقاليد لما أراد، وأصبحت الجامعة كما ترى شيئا يُنتفع باسمه في الإعلان ونشر الدعوة، ولكنه عاجز كل العجز عن أن يؤدي أمانته العلمية كما تؤديها الجامعات.
    نعم، وُجد الرجل الذكي الذي أحسن توجيه وزير التقاليد، ومن الذي يستطيع أن يشك في ذكاء رئيس الوزراء؟ ومن يعين رئيس الوزراء؟
    كوكب الشرق – ١٧ – ٣ – ١٩٣٣

  • صور لزعماء الاستقلال ورفاقه | Portraits of Independence’s Leaders and Loyalists

    ثروت
    انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه.
    وليس مصدر ذلك أنه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقًا في السياسة. فقد اجتمعت له كل هذه الخصال وخصال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين إلى حين وفي مختلف البيئات والأوطان، ثم يمضي هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين.
    وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم. ولكن الناس تعودوا الاطمئنان إلى أنهم قد مضوا إلى حيث لا يعودون ولكن قليلًا من هؤلاء تركوا في نفوس أصدقائهم آثارًا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارًا لا تزيدها الأيام إلا اضطرامًا ذاك لأنهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع بينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها. من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت.
    قاسم أمين وثروت باشا
    وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسمًا وأحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله أقرب إلى الذكرى القوية منه إلى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة.
    نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لأن قاسمًا كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبدًا.
    أما ثروت فإن أصدقاءه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه دائمًا هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبدًا.
    ولئن لم أكن أعرف قاسمًا إلا من طريق آثاره وأحاديث أصدقائه فقد عرفت ثروت واتصلت به وأستطيع أن أتحدث عنه لو أن لي إلى هذا الحديث سبيلًا.
    ***
    يقولون أن ثروت ظُلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما أنه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه. أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضًا، ولكن أي تاريخ؟
    لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف، وكيف السبيل إلى ذلك وليس بين المصريين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل أثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرًا عميقًا بعيد المدى كثروت. نعم ليس بين المصريين في هذا العصر الحديث من أعطى أمته الدستور، وليس بين المصريين في العصر الحديث من كسب لأمته الاستقلال، وليس بين المصريين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت. فهو الذي فعل هذا كله. وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهودًا وتجشم إليه أهوالًا واتصل في سبيله بأصحاب السلطان هنا وهناك، وكان بينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يُعرف منها شيء ولن يُعرف منها شيء، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده.
    لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة، فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء. ولم تنتهِ تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة: فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولًا شطرًا طويلًا من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن.
    رحم الله ثروت ورحم الله قاسمًا إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي أنفق حياته السياسية عاملًا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل! لم يتكلم حيًا ولن يستطيع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتًا، فهو بهذا أصدق مثال وأقوى هذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم.
    وهو كقاسم عمل حيًا وأوذي في حياته.
    وهو كقاسم يعمل ميتًا دون أن ينصفه الأحياء.
    ولكن قاسمًا عمل ويعمل للمرأة. أما ثروت فعمل لمصر كلها. قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكل لم يخطئ حين قدر أنه يحرر الشرق كله.
    ثروت باشا صديقًا
    غير إني لم أكتب لأتحدث عن ثروت زعيمًا إنما كتبت لأتحدث عنه صديقًا. ولعل خير حديث عن ثروت صديقًا إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملأ نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس. ولعل أصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان. كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يغشون داره صباحًا ومساء ما دام إليه الأمر حتى إذا اعتزل أنكروه وجهلوا الطريق إلى داره. وكان من حضر جماعة الحاضرين في الازدراء على هؤلاء وتنقصهم وأخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه إلى أن يُظهر رأيه، فقال مبتسمًا: من أخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى.
    فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس بها أو حكمهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت بها وحكمك أنت عليها. فأنت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلانًا يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نفسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئًا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية.
    كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة. ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة. ولقد كان مزاجه رحمه الله صفوًا كله. ولقد كان طبعه – رحمه الله – نقاءً كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها. فليس غريبًا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلًا إلى تكديرها أو النيل منها. ذلك لأن صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين بعض الناس حتى تنتهي إلى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كريمة خالصة. ويكفي أن ترجع إلى أحاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها هؤلاء الخصوم فسترى أنه يذكرهم دائمًا – ولاسيما الذين كان يختصهم بالمودة قبل الفتنة – بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك أشد التأثير.
    ولقد أذكر أني كنت عنده ذات يوم فأنبأني أنه كتب إلى سعد – رحمهما الله – كتابًا يقترح فيه عليه الاحتكام إلى جماعة من صفوة المصريين فيما شجر بينهما من خصومة. وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعًا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى إذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أثني عليه بل قال: وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة إلى لحظة. وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فأسرع إليه ثم عاد مبتسمًا وقال: تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف. ولبثت أنتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد. فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب أسطرًا حتى نهض وأخذ يمشي في الحجرة ذاهبًا جائيًا لا يكاد يمسك عن الكلام إلا مضطرًا… ولكني أشهد أنه ما ظهر على ثروت – رحمه الله – غيظ ولا حفيظة ولا موجدة، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفّق إلى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق… وتبينت يومئذ أنه كان لا يزال يحبه ويبر به.
    وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له. كما أنه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق إلى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وثروت.
    ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد – رحمه الله – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله.
    يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت وخياله ولحظاته وعن تصوير هذا كله ما يضطرب في نفسه من العواطف والميول. أما أنا فأستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت وأشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢. في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي أبلغ هذا الإثم إلى ثروت في الإسكندرية بالتلفون. فلما وقع في مسمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين… فسمعت منه آهة فيها كل شيء: فيها الحزن العميق. وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني: هل قبض على الآثمين؟ قلت: لا. قال يكفي. وانصرف.
    إني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلبي لينقطع أسىً وأن نفسي لتتفرق لوعة وأن شطرًا غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وأن كثيرًا من هذا الخير الذي أتمثله متصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت.
    ***
    سمعت صوت ثروت لأول مرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد أقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قرارًا لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة إلى الصحف. وكان صوته حازمًا وكان صوته عذبًا، فأحببته وملت إليه. ولكني لم أتصل به. ومضت الأعوام وأنا لا أعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعًا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة، وكنت قد عدت من أوروبا، وكنت أتأهب لاستئناف السفر، وكنت قد كتبت مقالًا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ حمد المهدي وشكاني إلى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة. واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا إلى الجامعة فرآني الأستاذ أحمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمَنِي إلى معالي ثروت باشا وزير الحقانية. فأخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب إليَّ فيها الرفق حين أكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد. ففهمت أني لم أفصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفًا زادني بالرجل حبًا، وعرفت بعد ذلك بساعات قصار أني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة إلى أوروبا ومضت أيام البعثة كلها لم ألق فيها ثروت ولم أسمع من أمره بشيء.
    ثم عدت إلى مصر فلقيته وخرجت من عنده أشد الناس حبًا له وإعجابًا به وشكرًا لحسن لقائه.
    وكان هو الذي قدمَنِي إلى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة. وما كان أشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني إلى الجمهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجدّ واختلف رحمه الله إلى درسي أيامًا يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى إذا كان آخر الدرس أقبل إليَّ فصافحني في ظرف ودعة وعرّفني بنفسه.
    ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه الله أعطف أهل الجامعة عليّ وأرفقهم بي وأشدهم إلحاحًا عليّ في ألا أخلط بين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفًا لي عما أنا فيه من الدرس والجدّ.
    وكانت لثروت – رحمه الله – قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان إذا جادلك لم يلبث أن يتسلط عليك ولا سيما حين يجادلك في أمر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا تحس منه في غير شكٍّ أنه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه. كنت أعرف منه هذا فكنت أحبه وكنت أخشاه وكنت إذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه. أذكر أني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة خلاف كان بيني وبينه رحمه الله في مادة من مواد لائحة الجامعة. واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن أسترد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: لا أطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما أطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت: فإني أخشى أن نتكلم قال: فإني آبى أن تستقيل. قلت: إن كان الأمر على هذا النحو فإني مذعن لما تريد. قال: أنا لا أحب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن. أفتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلًا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث؟
    ثروت «والشعر الجاهلي»
    رحم الله ثروت… كانت الخصومة بيني وبينه في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل. وكان – رحمه الله – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة (ولم يكن فيها) بشيء من الحق، وأن يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة. وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر «الجاهلي» وأرجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم. وأقبل عليّ بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت أنه كان يأسف أشد الأسف لأنه لم يكن يقدر أني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة.
    زرته بعد ذلك، فلقيني ضاحكًا ثم وضع يده على كتفي وقال: إن حرية الرأي أكرم من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثق بأن أول أثر ما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وبينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا. ولكني أطلب إليك أن تثبت للعاصفة وألا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف. فأنت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات.
    ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر.
    رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدًا وما لن أستطيع أن أتحدث عنه الآن. ولكني أذكر يوم ظهر تقرير النيابة في أمر هذا الكتاب فاستقلت. وطلب هو إلى وزير المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت. فطلب إلى مدير الجامعة أن يطلب إليّ أن أزوره. فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسمًا وما هي إلا دقائق حتى أقنعني بأن استقالتي خطأ. ولكنه كان أظرف وأكرم من أن يطلب إليّ استردادها فأمر بالإعراض عنها. طلبت إليه ذلك اليوم أن أدع الجامعة وأن أنتقل إلى عمل آخر إذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة. فقال: قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك عليّ أن أجيبك إليه، ولكن للجامعة عليّ حقًا آخر.
    كيف تريد أن تقاوم رجلًا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة؟
    ثم مضت أشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في أثرها أن أنتقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت. وكُلفت أن أزور رئيس الوزراء، وكنت مصرًا، وكنت أعلم أني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت أن أجيب دعوته. وأنكر عليّ الناس جميعًا هذا الإباء ولكني طلبت إلى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء أني لن أراه ما دام إليه الأمرُ، فإذا ترك الحكم فسيراني. فسكت وسكت. وانتهى كل شيء واستقالت وزارته. وذهبت إليه أزوره. وكنت أقدر أني سأجد منه عتبًا ولومًا. ولكني لم أجد منه إلا ظرفًا وعطفًا، ولم ألق منه إلا هذه البشاشة التي أعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعًا وخصومه جميعًا والذين لا يحفظون له ودًا ولا يضمرون عليه حقدًا. لقيته ذلك اليوم وأطلت المجلس عنده، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة. وانصرفت من عنده وأنا أقدر أني سأراه بعد قليل… ولكني لم أره منذ ذلك اليوم ولن أراه.
    لم أتحدث إليك ما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء الممكن في أكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لأن الرجل كان وفيًا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطورًا على المودة والوفاء فيها.
    وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف عليّ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
    ماذا كنت أكون من ثروت رجلًا كغيري من الناس؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من أخلص فلنفسه. وقد أحسّ ثروت مني إخلاصًا في حبه، وما أرى إلا أنه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف عليّ ورفق بي وأخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى ملأني على أن أحبه فأحببته ولم أقف ولن أقف في حبه عند حد.
    وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكرته أني حين عدت من أوروبا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي. ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب إلى الحب. وأذكر أنه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه الله فقال: لو عرفتهم لأحببتهم حبًا لا يقل عن إعجابك بهم. وقد عرفتهم فأحببتهم. ولكني عرفت ثروت معرفة لم أعرفها أحدًا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبًا لا حد له كما قلت:
    رحم الله ثروت… كيف أستطيع أن أنساه أو أن أقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يومًا ما وأنا لا أكاد أذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من أوروبا إلا ذكرت ثروت وأثره فيها. لقد كنت أركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء. ولقد كنت أجد منه في هذا كله عطفًا لا يشبهه عطفٌ. وودًا لا يشبهه ودٌ. ولقد كان يزيد من أثر هذا الود والعطف في نفسي ما كنت أشعر به من أنه كان عطفًا خالصًا وودًا لا تشوبه شائبة. ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به.
    إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفًا. ولكني أعتقد أن ثروت كان أعظم هؤلاء الزعماء جميعًا حظًا من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته وأكثر ما يظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة.
    نعم. إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع إلى التصفيق والصياح. ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية. وأقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خُيّر في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه ما تردد، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت، بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه.
    رحم الله ثروت. لقد انقطعت بيننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات وما أرى أننا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينهيها ضعف أو خمود وأن الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة، وأن ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدًا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء.
    رحم الله ثروت. لئن كان رهين قبر في الصحراء فإن شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدًا.
    هليوبوليس
    طه حسين
    المقتطف — ١ ديسمبر ١٩٢٨

    عدلي…
    يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
    كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
    وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
    كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
    هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
    كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
    وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
    وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
    وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
    كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
    وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
    والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
    ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
    الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟

    طه حسين
    الرسالة – 1/11/1933

    عظيم
    كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار.
    وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث.
    وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا.
    أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية.
    وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا.
    ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا.
    وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ.
    ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا.
    وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم.
    إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام.
    فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام.
    وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان.
    ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال.

    فقيد

    كان جريئًا لا يعرف الخوف، صبورًا يستعذب الألم، وكان مفطورًا على حب التضحية واحتمال الأذى. لا يعرف الناس عنه أنه أذعن لجور، أو أشفق من بطش، أو تردد في أداء واجب. وكان وفيًّا لأصدقائه، لا يفهم الحياة بغير الوفاء، ولا يقدر الرجولة بغير وفاء، ولا يضن بالنفس في سبيل الوفاء. وكانت كل هذه الخصال سجية فيه، لا يتكلفها، ولا يأخذ نفسه بها أخذًا، وإنما تصدر عن نفس آثارها طبيعية حرة كما يصدر الضوء عن الشمس.

    فكان لهذا كله مثلًا من أصدق الأمثال وأرقاها لحياة الرجل الكامل في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واشتدت فيه المحن، وابتليت فيه أخلاق الناس، وظهرت فيه الحاجة إلى الرجال الذين يستحقون هذا الاسم.

    لم يكد يعمل في الحياة العامة حتى ظهرت فيه هذه الخصال كأوضح ما يمكن أن تظهر الخصال فعرفها الناس له وأحبوها فيه ولقبوه «النائب الجريء»، وكأنه قد عرف لشعور الناس هذا حقه، وأنزل ثقة الناس فيه منزلتها فوضع شجاعته وجرأته، ووضع احتماله وصبره وحبه للتضحية وحرصه على الوفاء موضع الامتحان.

    توالى عليه الابتلاء، وتعاقبت عليه الخطوب، وازدحمت عليه الأحداث، وأخذته الأهوال من كل مكان، وخرج منها منيعًا كما دخل فيها جريئًا صبورًا صادق العزم، حسن البلاء، وفيًّا للأصدقاء.

    لم يرعه النفي وآلامه، ولم يخفه البطش وأهواله، ولم يفتنه الإغراء ولم تخدعه الحياة بما فيها من ألوان الغرور، ولم يتردد في أن يستقبل الموت من دون صديقه ورئيسه، ولم يتردد في أن يصبر لألوان البأس التي عجز كثير من الناس عن أن يصبر لها في هذه الأعوام الأخيرة.

    وكان فيما حدثني عنه المحدثون الصادقون يألم أشد الألم في أيامه الأخيرة، لا لأن المرض يؤذيه ويضنيه، بل لأن المرض يحول بينه وبين مشاركة أصدقائه وزملائه في احتمال أثقال الحياة والجهاد. وكان يشكو من ذلك قليلًا ويألم لذلك كثيرًا. وها هو ذا الآن قد قضى ولما يبلغ مع أصدقائه أقصى الطريق، ولما ينته مع أصدقائه إلى غايات الجهاد، ولما ير مع أصدقائه حرية مصر وقد ردت إلى مصر، واستقلال مصر وقد خلص لمصر.

    فهو أحد هؤلاء الذين يختارون لاحتمال أثقال المحن وآلامها واقتحام خطوبها وأهوالها، فيلقون من ذلك أشد ما يلقاه الناس ثم يصرعون ولما يحققوا الأمل ويسقطون في الميدان ولما يبلغوا الأمد. هؤلاء الأصفياء أحق الناس بالحب وأجدرهم بالبر، وأولاهم بالإكبار، لأنهم جاهدوا ولم يروا من الجهاد إلا آلامه، ولم يذوقوا من ثمرات الصبر شيئًا، ثم قضوا وفي نفوسهم حسرات لا لأنهم لم يجنوا ثمرة الكد والجد، بل لأن الموت يحول بينهم وبين المضي في الكد والجد.

    والشعوب تعرف لهؤلاء الناس حقهم وتفي لهم بما هم أهل له من الحب والإكبار والإعظام، كأنها تشعر شعورًا قويًا بما كان لهم من حق في أن يذوقوا لذة الفوز، ويجنوا ثمرة النصر، وبأن القضاء قد شط عليهم حين حال بينهم وبين ذلك، فهي تريد أن تقدم إليهم من حبها وإكبارها ومن إعظامها وإجلالها ما يعوضهم من ذلك بعض الشيء، أو قل إن الشعوب تشعر بما كان لهؤلاء العظماء من حق، وبقسوة القضاء عليهم حين حال بينهم وبين هذا الحق، وبأن هؤلاء العظماء الذين جاهدوا وصبروا، لا يبتغون جزاء ولا شكرًا، ولم يظفروا بجزاء ولا شكر، هم المثل العليا حقًا، والقدوة الصالحة حقًا، هم الذين ينبغي أن يتأثرهم الجادون، ويقتدي بهم العاملون، هم الذين يجب أن تتخذهم الأمم مرآة صافية لخير ما فيها من الخصال التي تعينها على الحياة وتمكنها من الرقي والعظمة وارتفاع الشأن. فهي لذلك تحبهم وتؤثرهم، وهي لذلك تجلهم وتكبرهم، وهي لذلك تواري أجسامهم في التراب، ولكنها تحفظ صورهم في القلوب وتجري ذكرهم على الألسنة وتحفظ لهم عهدًا لا كالعهود، وتضمن لهم أنها قد تنسى كل شيء، وقد تنسى كل إنسان ولكن النسيان لن يجد إليهم سبيلًا.

    لقد قضى فقيد اليوم ففارق أصدقاء أعزاء، ولحق بأصدقاء أعزاء، فنفسه محزونة لفراق أصدقائه في هذه الدار، كما أن نفوس أصدقائه محزونة لفراقه، نفسه سعيدة للقاء أصدقائه في تلك الدار كما أن نفوس أصدقائه سعيدة بلقائه. والشعب المصري كله يشاركه ويشارك أصدقاءه أولئك وهؤلاء في كل ما يجدون من غبطة وفي كل ما يشعرون به من رضا بقضاء الله وإذعان لحكم الله، وأمل في عدل الله وفي حسن جزائه للصادقين المخلصين.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء من قادة مصر وزعمائها الذين شقوا لها طريق المجد في هذا العصر الحديث، والذين شقوا لتسعد، وماتوا لتحيا، وألقوا في قلوب أبنائها أن الفرد لا قيمة له بغير الجماعة، وأن سعادة الأشخاص لغو إذا لم تكن مقترنة بسعادة الأمم وأن الوطنية الصادقة لا تعرف ضعفًا ولا مللًا، ولا هوادة ولا مساومة، وإنما هي قوة كلها ومضاء كلها، واستقامة كلها، وجد كلها وتضحية كلها.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين أكرهوا العالم الحديث على أن يؤمن لمصر بأنها بلد حي خليق بأرقى ما تطمع إليه الشعوب من الحياة.

    نعم وعزاء لهؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين يحتملون الآن آلام الحياة مضاعفة، ويصبرون الآن وحدهم على فقد الأصدقاء ومشقة الجهاد في سبيل هذا البلد الحزين.

    عزاء لهؤلاء الأصفياء الذين شاركوا إخوانهم الراحلين فيما احتملوا من ألم وما لقوا من ضر، وكانوا يجدون في مودتهم وحبهم، وفي إخلاصهم ووفائهم عونًا على الشدة وعزاء عن المكروه فأصبحوا الآن لا يجدون هذا العون إلا في الذكرى ولا يجدون هذا العزاء إلا في الصور الكريمة التي تملأ قلوبهم ونفوسهم من ثقة بالله وإيمان بالوطن. نعم وعزاء لمصر عمن فقدت من الزعماء والقادة بمن بقي من الزعماء والقادة، فإن زعماء مصر وقادتها سواء منهم من مضى ومن أقام لا يمثلون أشخاصًا وأفرادًا تعدو عليهم الأحداث وتعبث بهم الخطوب وإنما يمثلون فكرة هي أرقى وأصفى وأبقى من أن تعدو عليها الأحداث أو تعبث بها الخطوب. وهي فكرة العزة المصرية، والحرية المصرية والكرامة المصرية. ومادامت هذه الفكرة قد وجدت في مصر ونمت وسيطرت على قلوب المصريين جميعًا، واستأثرت بنفوس المصريين جميعًا بفضل هؤلاء الزعماء الصادقين، من مضى ومن أقام، فلن تذعن مصر لبأس، ولن يجد اليأس إليها سبيلًا.

    إن في رئيس الوفد وأصدقائه الأصفياء الأوفياء لعزاء أحسن العزاء لمن فقدت مصر من قادتها وزعمائها. وإن في حب مصر الصادق، ووفاء مصر الدائم وولاء مصر المتصل لعزاء لرئيس الوفد وأصدقائه عن هذه المحن التي تتصل عليهم فلا تزيدهم إلا ثقة وإيمانًا ويقينًا. وإن في هذا كله لعزاء لأسرة الفقيد العظيم ونفس الراحل الكريم.

    فليمنح الله مصر أجمل الصبر وليوفق الله مصر إلى حسن الاقتداء بفقيدها العظيم وأصدقائه الذين سبقوه إلى دار الخلود.

    كوكب الشرق في ٢٤-٧-١٩٣٣

  • بريطانيا والسيادة ومسألة التبشير | Britain, Sovereignty, and the Missionary Question

    إذَن
    سأل سائل في مجلس النواب الإنجليزي عن أمر المبشرين أمس، فأجابه وزير الخارجية جوابا نحب أن نقف عند آخره، لأن آخره خليق بالتفكير، جدير بأن يزيل بعض الغموض الذي يحيط بموقف الوزارة المصرية من مسألة التبشير. فالناس يذكرون أن المبشرين أثاروا غضب الناس في العام الماضي، وأن هذا الغضب استطاع أن يصل إلى البرلمان وأن يثير لنفسه صدى في مجلس النواب. والناس يذكرون أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على هذا الصدى فأعلن أن الحكومة تفكر في إصدار قانون يمكن الدولة من مراقبة التعليم، ويمكنها بعد ذلك من اتقاء التبشير.
    وانتظر الناس أن يصدر هذا القانون في الدورة الماضية فلم يصدر، وانتظر الناس أن يذكر هذا القانون في خطبة العرش لهذا العام البرلماني فلم يذكر، وانتظر الناس أن يعرض هذا القانون على البرلمان في دورته الأخيرة فلم يعرض.
    وأثار المبشرون غضب المصريين مرة أخرى، وكان غضب المصريين في هذه المرة عنيفا، وكان إجماعيا. فلم يكن بد من أن يصل إلى البرلمان، ومن أن يحدث لنفسه صدى في المجلسين، ولم يكن بد من أن تتكلم الوزارة ومن أن تعمل لتسكت غضب المصريين وترد على صداه في البرلمان. وانتظر الناس أن تتحدث الوزارة عن هذا القانون الذي وعدت به منذ عام فلم تتحدث، وكتبنا نحن وكتبت الصحف الأخرى تطلب إلى الحكومة أن تصدر هذا القانون فلم تقل الحكومة شيئا، ولكن صحيفتها لامتنا على ذلك أشد اللوم، وأنبتنا على ذلك أشد التأنيب، وزعمت أننا نطالب الحكومة بما لا قبل لها به، وأننا نتحداها ونتعمد تعجيزها وإحراجها. ونسيت أن رئيس الوزراء نفسه هو الذي وعد بإصدار هذا القانون. ثم ألح المصريون في المطالبة بهذا القانون، ووضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وأعرضوا عن هذا الأمر إعراضا. فالآن يخيل إلينا أن وزير الخارجية البريطانية قد حل بجوابه أمس هذا اللغز، وأزال بجوابه هذا الغموض. فهو يعلن إلى سائله في مجلس النواب الإنجليزي أنه أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى ولاة الأمور من المصريين في إمكان وضع نظام لمراقبة مركزية على بعض النواحي لأعمال المبشرين. ومعنى ذلك، إن فهمنا لغة السياسة البريطانية، أن المندوب السامي مفوض من حكومته في أن يدرس مع حكومتنا أمر هذا التشريع الذي وعد به رئيس الوزراء منذ أكثر من عام، والذي انتظره الناس منذ صدور هذا الوعد عن رئيس الوزراء فلم يظفروا به إلى الآن، والذي كانت صحيفة الوزارة ترى مطالبة الحكومة به إسرافا عليها وتعجيزا لها، وتعمدا لدفعها إلى الحرج والضيق.
    وإذن فقد تفضلت وزارة الخارجية البريطانية فأذنت بالكلام في هذا الموضوع، وهي بالطبع لم تأذن للوزارة المصرية. فالوزارة المصرية أكبر وأكرم وأعز وأجل خطرا وأحرص على الاستقلال من أن تحتاج إلى مثل هذا الإذن، أو من أن تتلقى هذا الإذن من حكومة أجنبية مهما تكن، ومن الحكومة الإنجليزية بنوع خاص. وأنت تذكر ذلك الرد التاريخي الخالد الذي أفحم به رئيس وزرائنا صدقي باشا رئيس وزراء الإنجليز رمزي مكدونالد.
    لم يصدر إذن وزارة الخارجية لحكومتنا، وإنما صدر للمندوب السامي. وهنا نحب أن نبين موقف الوزارة من المندوب السامي بعد هذا الإذن، ما هو؟ وكيف يكون؟ وأي الفريقين يبدأ فيتحدث إلى صاحبه في وضع هذا النظام الذي يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟ أهو المندوب السامي الذي سيتقدم، أو تقدم بالفعل، إلى الوزارة فقال لها إن أمر المبشرين قد عظم خطره، واشتد شره، وأصبح مضيعا لسيادة الدولة المصرية، معرضا أمنها للاضطراب ونظامها للفساد، والرأي أن تستطيع الدولة المصرية مراقبة المبشرين في بعض ما يأتون من الأمر، فتعال نتحدث في هذه المراقبة كيف تكون؟ وإلى أي حد ينبغي أن يتسع سلطانها، وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لتكون هذه المراقبة؟ أم هي الحكومة المصرية قد تقدمت إلى المندوب السامي فقالت له: أمر المبشرين قد عظم، وشرهم قد انتشر، وضاق به المصريون جميعا، وأن المعارضة، وهي الأمة كلها كما تعلم، تلح في أن يصدر قانون يمكن الدولة من مراقبة التبشير والمبشرين؟
    والظاهر أن المعارضة محقة فيما تطلب، وأن الحكومة ستضطر إلى حرج شديد إذا لم تقبل هذه المعركة ولم تصدر هذا القانون. فهل لك في أن تستأذن الحكومة البريطانية لعلها لا تكره أن نبدأ بالحديث في هذا الموضوع؟ أم سكت المندوب السامي وسكتت الحكومة المصرية حتى خطر هذا الرأي لوزارة الخارجية البريطانية بعد ما رأت من غضب المصريين وإلحاحهم، فكلفت مندوبها السامي أن يتصل بالحكومة المصرية ويتحدث معها في أمر هذا القانون. ونحب أن نعلم: أبدأ المندوب السامي بالفعل هذا الحديث أم لا يزال صامتا يراقب المبشرين من كثب وينتظر؟ وقد ظهر تصريح وزير الخارجية في الصحف، أن تقول للوزارة: لقد نشرت الصحف أن وزير الخارجية صرح في مجلس النواب بأنه أذن لك في كيت وكيت. وقد وقع هذا الخبر من النفوس موقعا حسنا، لأنه سيمكننا من أن نقول للمعارضين: ها نحن أولاء نقبل المعركة، ونجد في إصدار القانون الذي كنتم تطلبونه تعجيزا لنا وإحراجا. فهل تسمح بأن نبدأ الحديث في هذه المراقبة كيف تكون وإلى أي حد ينبغي أن تتسع وإلى أي حد ينبغي أن تضيق؟ كل هذه الأشياء يجب أن نتبينها وأن نعلم وجه الحق فيها. ونريد أن نعتقد أن الحكومة المصرية هي التي بدأت الحديث في أمر هذا القانون وأن إذن وزير الخارجية لم يصدر إلى المندوب السامي إلا إجابة لطلب الحكومة المصرية. نريد أن نعتقد هذا، ولكننا نأسف حقا لأن الحكومة المصرية آثرت هذا الصمت العميق، وتركت صحفها تذكر التعجيز والإحراج، وتظهر هذا القانون كأنه شيء لا سبيل إليه ولا أمل فيه، حتى ساءت الظنون وشعر الناس بعجز الحكومة عن الوفاء بوعد رئيس الوزراء للبرلمان. وإنه لمن المؤلم حقا أن يطلب المصريون شيئا لهم الحق في أن يطلبوه، وأن يلحوا في الطلب، فلا تنبؤهم الحكومة حتى بأنها آخذة في السعي إلى تحقيق ما يرجون وإجابتهم إلى ما يطلبون، حتى إذا استشعر المصريون اليأس من تحقيق هذا الأمل أنبأهم وزير الخارجية البريطانية بأن الأمر ليس مستحيلا، وأنه قد أذن للمندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة المصرية فيه.
    وشيء آخر نحب أن نعرفه: باسم من يتحدث المندوب السامي؟ أباسم الحكومة الإنجليزية وحدها؟ وإذن فهل بدأت حكومتنا تتحدث إلى الحكومات الأجنبية حديثا مباشرا في هذا الموضوع؟ أم باسم الأجانب جميعا؟ وإذن فهل قبلت حكومتنا مذهب الإنجليز في أنهم هم الذين ينبغي أن يتحدثوا عن الأجانب وينوبوا عنهم فيما قد يكون بيننا وبينهم من حديث؟ وإذن فوزارة خارجيتنا إنما أنشئت لتتحدث إلى الإنجليز لا إلى غيرهم، وإذن ففيما المفاوضات هنا وهناك؟ وفيما المراسم التي لا تحصى؟ وفيما النفقات التي لا تطاق؟ أم هل تقف الحكومة الإنجليزية من هذه المسألة موقفها من مسألة الدين، فتؤيد وجهة النظر المصرية وتسند مصر الضعيفة حين تريد أن تتحدث إلى الدول في هذا الموضوع؟
    كما كنا نود لو سلكت الحكومة المصرية في هذا الموضوع مسلكها في غيره من الأمور التي تمس الأجانب، فهيأت قانونها ثم عرضته على الجهات الأجنبية المختصة، وفاوضت فيه على أنه موضوع عادي لا يحتاج إلى أن تعقده السياسة القائمة بيننا وبين الإنجليز. والطريف الظريف أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فوزير الخارجية البريطانية ينبئنا بأن مباحثات تجري الآن مع مجلس اتحاد المبشرين في هذا الموضوع. فمن الذي يجري هذه المباحثات مع مجلس اتحاد المبشرين؟ أهي الحكومة المصرية، وإذن فعلى أي قاعدة؟ ومتى كان اتحاد المبشرين هيئة سياسية تفاوضها الحكومة المستقلة ذات السيادة في إصدار ما تريد إصداره من القوانين؟
    أهي الحكومة الإنجليزية؟ وإذن فمن الذي وسطها في هذا الأمر؟ وهل بلغ من أمر المبشرين من الخطر في مصر أن لا نراقبهم لندفع عدوانهم إلا بعد مفاوضة يتوسط فيها الإنجليز؟
    إن هذا الموقف غامض جدا، يحتاج إلى توضيح، فهل للحكومة أن تصدر بيانا يمحو هذا اللبس ويزيل هذا الغموض، ويؤكد للناس أن الوزارة التي أفحمت رئيس الوزراء الإنجليزي لا تعجز عن إقناع الدول الأجنبية بحقها في مراقبة التعليم وغير التعليم مما يقع في أرضها، لأن هذا الحق نتيجة طبيعية للسيادة والاستقلال.
    كوكب الشرق في ٦ – ٧ – ١٩٣٣

    خطر
    خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
    فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
    وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
    لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
    ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
    ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
    وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
    نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
    فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
    أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.
    كوكب الشرق ٢٢ – ٧ – ١٩٣٣

    تحريض
    ولكنه لا يثير أحدًا، ولن يهيج أحدًا. ولن يغيظ أحدًا، لأن سره واضح والكيد فيه ظاهر، والمكر فيه أوضح من أن يخفى على الناس.
    فأنت قد قرأت – من غير شك – هذه الرسالة التي أبرق بها مكاتب التيمس إلى صحيفته ونشرتها الصحف مساء السبت. وأنت قد رأيت فيها، من غير شك هذه الجملة المريبة التي ختم بها مراسل التيمس حديثه عن موقف المصريين من التبشير والمبشرين. وأنت قد فهمت – من غير شك – أن مكاتب التيمس ليس راضيًا ولا مسرورًا لأن أمر المبشرين لم ينتج النتيجة التي يتمناها المستعمرون، ولم ينته إلى الغاية التي يريدون أن ينتهي إليها وهي الفتنة المظلمة القاتمة التي يختلط فيها كل شيء، ويفسد فيها كل شيء، وتفترق فيها الآثام، وتجترح فيها الجنايات، ويكون فيها الاعتداء على الأنفس والأموال، وتكون فيها الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين، ويضطرب فيها النظام إلى أقصى غايات الاضطراب، ويلجأ فيها الأجانب إلى دار المندوب السامي مستغيثين ومستجيرين، فتسرع إليهم بالغوث، وتمد لهم في الجوار، وتعلن إلى مصر ولغير مصر أنها مضطرة إلى العمل لحماية الأنفس والأموال، وصيانة الأمن والنظام، بعد أن عجزت الحكومة عن أن تحمي الأنفس والأموال، وتصون الأمن والنظام.
    هذا هو الذي يتمناه المستعمرون، ويودون لو ظفروا به، ووفقوا إليه، ومن يدري؟ لعلهم يضيقون بهدوء مصر، ولا يكفيهم أن تضطرب فيها النفوس، وإنما يريدون هذا الاضطراب البغيض الذي يمكن من انتهاز الفرص والصيد في الماء العكر كما يقولون. ومن المرجح أن مكاتب التيمس لا يرضيه أن يرى مصر – كما هي الآن – ساخطة أشد السخط، ولكن في هدوء يحرج ويغيظ، فهو أشبه بهذه السيدة الجميلة الفاتنة التي لا يعجبها هدوء البحر واستقراره فتتمنى على ربان السفينة لو ثارت عاصفة أو هاج البحر بعض الهيجان لتضطرب السفينة شيئًا من الاضطراب.
    مكاتب التيمس يسجل أن الحكومة اضطرت إلى أن تتخذ احتياطات شديدة لتخفف السخط على المبشرين وتهدئ إنكار الناس لما يقترفون من إثم، وما يسرفون فيه من عدوان. وكنا نحب لو أن الحكومة اتخذت من الإجراء ما يهدئ سخط الناس حقًا، واضطرت مكاتب التيمس إلى أن يسجل شيئًا غير الذي سجله، إلى أن يسجل مثلًا أنها أغلقت بعض معاهد التبشير لتكف عدوانهم فيهدأ الناس، وتمحو آثامهم فيرضى الناس، ويسجل مثلًا أنها انتفعت بالإذن الذي أصدره وزير الخارجية البريطانية إلى المندوب السامي في أن يتحدث إلى الحكومة في تنظيم المراقبة التي تفرض على المبشرين، فأسرعت في هذا الحديث وفرغت منه وهيأت مشروع قانون يمكنها من هذه المراقبة، فجدت في إصدار هذا القانون كما تجد في غيره من الأعمال التي لا تدعو إليها حاجة قاسية ولا تفرضها ضرورة ملحة. ويسجل مثلًا أن الحكومة قد فهمت واجبها على وجهه، ونهضت بهذا الواجب كما ينبغي أن تنهض به الحكومة الرشيدة التي تعرف حرمة الدولة وتريد أن ترعاها، والتي تقدر كرامة الدولة وتريد أن تحفظها، فرأت أن مراقبة التبشير والمبشرين لا تكفي لإرضاء المصريين ورعاية حرماتهم والمحافظة على كرامتهم. وإنما السبيل في ذلك أن يمنع التبشير في مصر منعًا، وأن يحظر على الأجانب مهما يكونوا أن يدخلوا بين الناس وبين عقائدهم ودياناتهم، فهيأت مشروع قانون تمنع به التبشير وتحرمه تحريمًا. ويسجل مثلًا أن الحكومة المصرية فهمت آخر الأمر أن التبشير إنما يقبل في بلاد الهمج والمتوحشين، لا في بلاد الحضارة الراسخة والمدنية الراقية، وأن مصر عرفت المسيحية قبل أن تعرفها أوروبا وأمريكا، وحمت المسيحية قبل أن تحميها أوروبا وأمريكا، وقام فيها للمسيحية مجد قديم ليس أقل خطرًا من المجد الذي قام لها في أوروبا وأمريكا. فلا ينبغي أن يغير قوم من الآفاقيين وطلاب الرزق على مصر باسم المسيحية التي نشأت فيها ووجدت فيها العز والأمن والمجد. وفهمت ولو بعد طول الوقت وكثرة الانتظار أن الإسلام دين خير وبر، ودين مودة ومعروف، ودين حضارة ورقي. وقد أنقذ العالم وقتًا ما من طغيان الطغاة وبغي البغاة، وظلم الظالمين، ورفع لواء العلم والحضارة ظافرًا مؤيدًا، وهو اليوم كما كان أمس قادرًا على أن ينقذ أهله وغير أهله من الظلم والبغي والطغيان، وهو اليوم – كما كان بالأمس – قادر على أن يظل العلم ويحميه، وعلى أن يظل الحضارة ويرعاها. وما ينبغي لبلد تعيش فيه المسيحية والإسلام في مودة وصفاء أن يفسد أمره الأجنبي متعصبًا لدين على دين، معتديًا باسم دين على دين، مفسدًا لما بين الدينين من المودة وحسن الجوار، باعثًا لهذه العواطف المنكرة، عواطف التعصب والحقد والبغض باسم العقيدة والدين.
    كنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا قد فهمت هذا كله فتحدثت إلى المندوب السامي وإلى غيره من الوزراء المفوضين في تحريم التبشير، واجتثاث أصله من هذا البلد، وكنا نحب أن يسجل مكاتب التيمس أن الحكومة المصرية الإسلامية قد فهمت آخر الأمر أن الإسلام لا يبيح هذا النوع من التبشير في السر مرة وفي الجهر مرة أخرى، وأنه لا يقبل من غير المسلم دينًا إن مال إليه أو رغب فيه بنص القرآن الكريم، فتحدثت إلى الدول في أن دستورها يجعل الإسلام دين الدولة، وفي أنها لا تستطيع أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، فهي مضطرة إلى أن تقطع أسباب الردة، وتلغي البواعث والمغريات التي يدفع إليها الجهال والضعفاء، وتغري بها الفقراء والبائسين. كنا نود لو سجل مكاتب التيمس هذا كله ولكنه لم يستطع أن يسجله لأن حكومتنا لم تستطع أن تفكر فيه، ولا أن تهم به! ولأن علماء الإسلام في مصر لم يستطيعوا – مع الأسف – أن يجهروا به، أو يدعوا إليه، إنما استطاع مكاتب التيمس أن يسجل ما عملته الحكومة، والحكومة لم تعمل إلى الآن إلا أنها أعلنت عن نفسها، وألحت في الإعلان، ثم جدت في منع الناس من الاجتماع بحجة أن اجتماعهم يفسد النظام ويعرض الأمن للخطر، فهذه هي الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها الحكومة لحماية المبشرين. وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس مثلها الاحتياطات الشديدة التي اتخذتها لحماية المصريين على اختلاف دياناتهم من الأجانب المبشرين! وكنا نود لو يسجل مكاتب التيمس أن حكومتنا وقفت موقف الحياد الدقيق الحازم! فكفت كلا عن كل، وصدت كل معتد عن العدوان، وكل باغ عن البغي! ولكن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لم تتح لمكاتب التيمس أن يسجل هذا، لأن حكومتنا – والحمد لله على الخير والشر – لا تعرف الشدة إلا على المصريين، ولا تعرف اللين إلا للأجانب.
    ومن المحقق أن مكاتب التيمس راضٍ عن شدة الحكومة على المصريين ولكنه ساخط على هدوء مصر وضبطها لنفسها وإيثارها للعافية واجتنابها للفتنة. انظر إليه إنه ليعلن في استحياء عن خيبة الأمل لأن غير الوفديين لا يستطيعون أن يثيروا العامة وأن يضطروا الحكومة حقًا، ويضطروها إلى استعمال العنف والشدة، متحفظ لا يدعو إلى الفتنة ولا يحض عليها. ومكاتب التيمس لا يرضيه من الوفد إلا أن يشب نار الفتنة ويضرمها ويحرق بها كل شيء، فهو يحرض الوفد على ذلك، وهو يغري الوفد بذلك، وهو يزعم ليصل إلى هذا التحريض والإغراء أن الوفد إنما يتحفظ ويجتنب الفتنة رعاية للذين يؤيدونه من الأقباط!
    تبارك الله الذي منح مكاتب التيمس من الذكاء والفطنة ما طوع له أن يكتب هذا الكلام، ولم لا؟ أليس هذا الكلام خليقا أن يثير الوفد، ويدعوه إلى أن يجد في أن يدفع عن نفسه تهمة الانحياز للأقباط والتقصير في الذود عن الإسلام، ويومئذ تثور الفتنة وتضطرم نارها ويظفر مكاتب التيمس بما يريد من الاضطراب، ولكن الله الذي منح مكاتب التيمس هذا الذكاء النادر، وهذه الفطنة البارعة منح الوفد قليلًا من الذكاء، وقليلًا من الفطنة، وهداه إلى أن الفتنة شيء ينفع الإنجليز ولا ينفع المصريين، وإلى أن الفتنة مفسدة للنهضة المصرية، وإلى أن الفتنة شيء لا يرضاه الإسلام، ولا ترضاه المسيحية، وإلى أن إثارة الفتنة جناية على مصر، وإثم في حق مصر، فهو لن يستجيب لدعوة مكاتب التيمس، ولن يحقق أمنيته وأمنية أصحابه المستعمرين، ولن يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى، وهو إنكار التبشير، لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، بل بالقياس إلى المصريين جميعًا، لا بالقياس إلى القصر والضعفاء وحدهم، بل بالقياس إلى الراشدين والأقوياء. وهو لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى فلا يكتفي منها بإنشاء الملاجئ والمدارس، وإنما يقدم على هذا كله، ويريد قبل هذا كله أن تجد الحكومة في إصدار القوانين التي تمكن الدولة من مراقبة التعليم الأجنبي كله، والتي تحرم التبشير في مصر تحريمًا. والوفد لا يخرج عن موقفه الذي وقفه منذ الساعة الأولى والذي أعلن فيه بلسان صحفه، وفي صراحة لا تحتمل شكًا ولا ريبة أن التبشير في بلد كمصر جناية على الحضارة، جناية على الإنسانية الراقية. فلا ينبغي للحكومة المصرية أن تقره أو تسكت عنه.
    قال الوفد ذلك منذ الساعة الأولى، وهو يقول ذلك الآن، وسيقوله غدًا، وعلى الحكومة أن تسمع، وعلى الحكومة أن تنهض بالواجب بعد أن تبين لها. وما كان الوفد وإن كره مكاتب التيمس، وكره معه المستعمرون أن يضطر الحكومة إلى ذلك بالفتنة، فليس الوفد من الفتنة والثورة في شيء.
    ونحن نعلم أن هدوء الوفد يغيظ قومًا، ولكن ما رأي هؤلاء السادة في أننا سنحرص على هذا الهدوء الحازم، وفي أننا لسنا مكلفين أن نرفع عنهم آلام الغيظ.
    كوكب الشرق ٥ – ٥ – ١٩٣٣

    تجن
    إذا أخطأت الحكومة فبين المعارضون خطأها، وطلبوا إليها أن تصلحه، وإذا قصرت الوزارة فأظهر المعارضون تقصيرها وطلبوا إليها أن تنصرف عنه، وإذا شطت الوزارة فبين المعارضون شططها وطلبوا إليها أن ترتد إلى شيء من القصد والاعتدال، غضبت الوزارة واشتد غضبها، وشكت الوزارة واشتدت شكاتها، وفكرت الوزارة في البأس والبطش وهمت بهما، واندفعت فيهما ما وجدت إليهما سبيلاً، وقال أنصار الوزارة وأعوانها في هؤلاء المعارضين إنهم يتجنون ويتكلفون اللوم، ويأبون إلا النقد، لا يريدون به خيراً، ولا يبتغون به منفعة، وإنما يذهبون به إلى إحراج الوزارة وأخذ الطرق عليها واضطرارها إلى أن تدفع عن نفسها بالشدة فتغلو في الدفاع. وإذا عمد رئيس الوزراء إلى دستور كان قائماً يؤمن له الناس ويحبونه ويرون الطاعة له فرضاً لأنهم عاهدوا الله على ذلك، وأقسموا عليه بمحرجات الأيمان، إذا عمد رئيس الوزراء إلى هذا الدستور فأقام مكانه دستوراً آخر، ولم يسلك إلى ذلك الطريق الدستورية المنصوص عليها فيه والتي كانت مشروعة مفروضة فأنكر الناس ما فعل رئيس الوزراء، ورغب الناس في أن يعود إليهم هذا الدستور، ولم يسلكوا إلى ذلك إلا الطريق المشروعة المباحة التي لا إثم فيها ولا تريب، قال رئيس الوزراء: إنهم ثائرون، وقال أعوانه وأنصاره معه: نعم، إنهم ثائرون. وإذا أباح الدستور القائم للناس أن يقولوا ما وسعهم القانون، وأن ينتقلوا ما وسعهم القانون، وأن يستمتعوا بحريتهم كما يستمتع بها رئيس الوزراء وأصحابه، قال رئيس الوزراء إنهم ثائرون، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين القول، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الانتقال، وحال رئيس الوزراء بينهم وبين الاجتماع، وصدهم رئيس الوزراء عن أسفارهم وعن أنديتهم بأيدي الشرطة وعصيها وسياطها. وأبى رئيس الوزراء عليهم أن يلقى بعضهم بعضاً أو يزور بعضهم بعضاً، أو يتحدث بعضهم إلى بعض، وأرصد رئيس الوزراء لهم الشرطة تطوف حول بيوتهم، وتقوم على أبوابهم وتتبعهم إذا بكروا وتتعقبهم إذا راحوا وتقتحم عليهم مساجد الله إذا أدوا فيها الصلاة، وسكت الأجانب على هذا كله، واطمأن الأجانب إلى هذا كله، ورضي الإنجليز عن هذا كله وقالوا: مصر بلد مستقل فلا ينبغي أن ندخل بين حكومته وأهله، وأثنوا على رئيس الوزراء وعلى أعوانه وأنصاره، لأنهم يثبتون النظام بهذه السيرة، ويقرون الأمن بهذه الخطة. وإذا طغى الأجانب على المصريين فتحكموا في منافعهم ومرافقهم، وازدروا حريتهم وكرامتهم وعرضوا فريقاً منهم للجوع والحرمان. وأظهر المصريون شيئاً من استنكار ذلك أو السخط عليه، غضب الأجانب وأسرفوا في الغضب، وشكا الأجانب وألحوا في الشكوى، وقال الأجانب إن في مصر بغضاً لهم، وائتماراً بهم وتحريضاً عليهم. واستعان الأجانب على المصريين بالإنجليز، وشكا الأجانب من المصريين إلى الوزارة المصرية. وإذا اعتدى المبشرون من الأجانب على صبيان المصريين من أبنائهم وبناتهم ففتنوهم في دينهم لا يفرقون في ذلك بين المسلم والمسيحي واليهودي، وسلكوا إلى ذلك طريق الإكراه والتعذيب حيناً، وطريق الإغواء والإغراء حيناً آخر، وطرق العبث والخداع وإفساد الإرادة بالتنويم المغناطيسي مرة ثالثة. إذا فعل المبشرون هذا كله وقامت عليه الحجة الواضحة ونطقت به الحقائق الواقعة، واعترف به المبشرون أنفسهم، واعترفت به الوزارة نفسها، واعترف به البرلمان نفسه، ثم أنكره المصريون، واحتجوا عليه وطلبوا أن يصرف عنهم هذا الشر، ويرفع عنهم هذا الضر، غضب الأجانب وسخط الإنجليز وقالت التيمس إن المعارضين يتخذون قضية التبشير وسيلة إلى إحراج الحكومة والكيد لها، ولم يتحرج أنصار الوزارة نفسها من أن يقولوا كما تقول التيمس ويتهموا المعارضين بمثل ما تتهمهم به التيمس، ويزعموا أن المعارضين لا يقولون ولا يعملون إلا ليحرجوا الوزارة ويكيدوا لها ويسلطوا عليها أنواع الإحراج والتعجيز. ومعنى هذا كله أن المصريين يجب أن ينكروا أنفسهم وينزلوا عن حقهم في الحياة الحرة ويرضوا بما قسم الله لهم من الذلة والخضوع، لا ينبغي لهم أن يلوموا الوزارة إن أخطأت أو قصرت أو شطت لأن ذلك إحراج للوزارة وتجن عليها. ولا ينبغي لهم أن يشكوا أو يتبرموا إن طغى الأجانب على مرافقهم، واستأثروا من دونهم بالخير في بلادهم، لأن ذلك بغض للأجانب وكيد لهم، ولا ينبغي أن يسخطوا ولا أن يستعدوا الوزارة على المبشرين إذا اعتدى هؤلاء المبشرون على الأطفال في الدين والأخلاق والأعراض، لأن ذلك إغراء بالفتنة، وتحريض عليها، ولأن ذلك إحراج للوزارة، وخروج على النظام.
    يجب إذن ألا يكون المصريون ناساً من الناس فلا يحسوا شيئاً ولا ينكروا شيئاً، ولا يشكوا من شيء، لأنهم إن أحسوا شكوا وأنكروا، وهم إن شكوا أو أنكروا ثائرون أو كائدون أو محبون للفتنة وراغبون فيها. ولا تقل إن هذه الحال التي تريد الوزارة وأنصارها، والتي يريد الأجانب والإنجليز أن يردوا إليها المصريين غير ملائمة لطبيعة الأشياء، ولا ملائمة للحق والعدل والإنصاف ولا ملائمة للكرامة الإنسانية اليسيرة، فإن الأمر في هذه الأيام ليس إلى طبيعة الأشياء، ولا إلى الحق والعدل والإنصاف، ولا إلى الكرامة الإنسانية، وإنما هو إلى المنافع وإلى منافع الأقوياء خاصة. فيجب أن تجري سفينة الوزارة على بحر هادئ مطمئن مستقر، لا تعصف به الريح، ولا يضطرب فيه الموج. وإنما يداعب صفحته النسيم. ويجب أن تضطرد أمور الأجانب على خير ما يحبون، لا يجدون من المصريين مقاومة، ولا شيئاً يشبه المقاومة. ويجب أن تجري أمور المبشرين على أحسن ما تجري عليه في أي بلد من الأرض فلا يغضب الآباء والأمهات إذا خضع أبناؤهم وبناتهم لأنواع العدوان.
    يجب أن يكون المصريون كقطعة العجين يشكلها الأقوياء كما يحبون فلا يجدون منها مقاومة ولا امتناعاً، وإنما يجدون منها مرونة وطاعة وليناً. ولا تقل إن الأجانب أنفسهم في بلادهم يعارضون الوزارات وينصبون لها الحرب، ولا تقل إن الأجانب في بلادهم لا يرضون بحال من الأحوال أن يعتدى على الدين والأخلاق والأعراض، وأن يكون المعتدون من الغرباء. لا تقل شيئاً من هذا، فهذا كله حق لا شك فيه، ولكنه حق في أوروبا وأمريكا، فلا ينبغي أن يكون حقاً في مصر، لأن في أرض مصر وسمائها، وفي هواء مصر ومائها عناصر خاصة لا تكاد تتسلط على الحق حتى تجعله إجحافاً. في إقليم مصر عناصر خاصة تفرض على المصريين أن يحتملوا بما لا يحتمل أحد غيرهم وأن يتعرضوا لما لا يتعرض له أحد غيرهم وأن يؤخذوا بما لا يؤخذ به الناس.
    هؤلاء الأجانب من المبشرين وغير المبشرين يخشون الفتنة ويشفقون منها، ولكنهم يثيرونها ويلحون في إثارتها فمن المحقق أن المصريين لم يدعوهم إلى مصر، وإنما هم الذين جاءوا مصر طائعين، ومن المحقق أن المصريين قد شكوا إلى حكومتهم واستعانوا بهذه الحكومة، وما زالوا يشكون إليها، ويستعينون بها على اتقاء الفتنة قبل وقوعها والاحتياط للشر قبل أن يصيب الآثم والبريء. ومن المحقق أن المصريين – على كثرة ما يجدون من الشر، ويحتملون من الضر – يتواصون بالصبر، ويتواصون باللين، ويتواصون بالمحافظة على الأمن والنظام، ولكن هؤلاء المبشرين لا يقفون عند شيء من ذلك ولا يحفلون بشيء من ذلك، وإنما يريدون أن يباح لهم كل شيء، ويؤذن لهم في كل شيء، وألا يقاوموا في شيء فإن رضي المصريون بهذا فذاك وإلا فهم أصحاب الفتنة والدعاة إليها، وهم أعداء الأمن، والخارجون على النظام.
    هذا كثير وأكثر منه أن تقبله الوزارة وتصبر عليه، فالوزارة مصرية على كل حال. ومهما يكن مذهبها في الحكم، ومهما يكن رأيها في سياسة الشعب فإن من الحق عليها لنفسها أن لا ترضى أن يقال عن المصريين إنهم أصحاب فتنة مع أنهم أبعد الناس عنها، وأحرص الناس على ألا تكون.
    ليس من الحق (والوزارة نفسها تعلم أن ليس من الحق) أن المعارضين يتخذون قصة المبشرين وسيلة إلى إحراجها. وإنما الحق الذي لا شك فيه أن المعارضين قد أرادوا وما زالوا يريدون وسيريدون دائماً أن تنهض الحكومة بما خلقت له، وهي إنما خلقت قبل كل شيء لحماية المواطنين من العدوان الخارجي، ومن فساد النظام واضطراب الأمن في داخل البلاد، وليس حماية للمواطنين من العدوان الخارجي أن يترك المبشرون يفدون عليهم من كل مكان فيعبثون بصبيانهم ويسيئون إليهم في الدين والكرامة والأخلاق، وليس من إقرار الأمن وتثبيت النظام أن يُخلى بين هؤلاء المبشرين وبين القصّر والضعفاء يعبثون بهم كما فعلوا إلى الآن.
    فالمصريون لا يثورون بأحد، ولا يريدون شراً لأحد، ولا يضمرون مكراً بأحد، آمنين مطمئنين على ما يحب الناس أن يأمنوا عليه من الدين والكرامة والأخلاق والمنافع، وهم يطلبون إلى وزارتهم أن تنهض بهذا الواجب على وجهه أو تستقيل.

  • العلاقات المصرية الإنجليزية في مرآة الصحافة | Anglo-Egyptian Relations Through the Press

    أنباء
    يجب أن يعترف خصوم رئيس الوزراء وأصدقاؤه بأنه رجل جلد، طويل الجلد، صبور طويل الصبر، لا يعنيه يأس ولا أمل، ولا يؤثر في نفسه قنوط ولا رجاء. وإنما همه الحكم، والحكم وحده؛ قد أراده فظفر به، حتى إذا استقر فيه أقسم ليتعلقنّ به ما قدرت يده على أن تمسك الأزمة، وتقبض على الأعنة. فمهما تنحت عليه الدواعي إلى الاستقالة فلن يسمع لها، ومهما تنح عليه البواعث على الاعتزال فلن يحتفل بها!
    وقد برّ بقسمه؛ فهو قائم في مكانه لا يبرح، يفسد كل شيء من حوله في مصر فلا يجفل، وينعكس عليه كل شيء في إنجلترا فلا يؤبه. وتأتيه النذر من كل مكان وكأن شيئًا لم يأته، وكأن نذيرًا لم يصل إليه! لم يكد يستقر في الحكم حتى حاول المفاوضات؛ قيل له حتى تمنحك الأمة ثقتها، وتنصبك معبرًا عنها، متحدثًا بلسانها.
    واجتهد في أن يظفر بهذه الثقة فلم يجد إليها سبيلًا! فكانت قصة الانتخاب، وما أدراك ما قصة الانتخاب. حتى إذا تهيأت الأسباب واجتمع الشيوخ والنواب، سعى الرجل إلى المفاوضة، فأخذ الإنجليز يرجئونه من شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، حتى إذا أسرف في الإلحاح وأغرق في الإلحاف، أرجأوه إلى أجل غير مسمى، وهم يعتذرون بكثرة العمل عندهم حينًا، وبسوء الحال عندنا حينًا آخر. وهم يبينون له في كل حال، وهو يفهم عنهم وكأنه لا يفهم، أن ليس إلى المفاوضة معه من سبيل؛ لأنه لا يمثل مصر، ولا يستطيع أن يتحدث عنها، ولا يستطيع أن يلتزمها إذا التزم، ولا يستطيع أن يأخذها بتنفيذ ما يقبل من معاهدة، وإبرام ما يمضي من اتفاق. ولكن رئيس الوزراء ذكي ماهر، يفهم وكأنه لم يفهم، ويسمع وكأنه لم يسمع!
    فالإنجليز يرفضون وهو يطلب ويستأنف الطلب، والإنجليز يأبون وهو يلح ويسرف في الإلحاح! وما يزالون في إبائهم، وما يزال في إلحاحه حتى تهِن قواه، وتنقطع به الأسباب. وإذا هو مريض لا يقدر على العمل، ولكنه على ذلك يقدر أن يطلب المفاوضات، ويجدّ في الطلب، ويصوغ اقتراحات يقدمها إلى المندوب السامي، ويسافر بها هذا المندوب إلى لندرة ليعرضها على رؤسائه في وزارة الخارجية.
    ويلح المقربون إلى رئيس الوزراء عليه في أن يؤثر نفسه بالصحة والعافية، ويدع الحكم لمن يستطيع النهوض به، ولكن بين رئيس الوزراء وبين لندرة أسبابًا من الأمل تحمله على ألا يسمع لنصح الناصحين، وعلى أن يبقى في الحكم لعل اقتراحاته أن تُقبل، ولعله أن يمضي معاهدة مع الإنجليز، ولعله أن يخرج من الحكم مخرجًا حسنًا، ولعله أن يسجل في كتاب استقالته أنه أتم مهمته، فأحدث للبلاد نظامًا جديدًا، وعقد للبلاد اتفاقًا مع الإنجليز.
    ولكن اقتراحاته تُرفض في لندرة، وتعلن وزارة الخارجية – كما يحدثنا مكاتب الأهرام صباح اليوم – أن نبأ المفاوضات مع صدقي باشا لا أصل له مطلقًا. ويفسر مكاتب الأهرام هذا الإعلان بأن وزارة الخارجية قد رفضت اقتراحات صدقي باشا في أدب وظرف، كما تعودت دائمًا!
    ومن الحق على وزارة الخارجية لصديقها المريض أن ترفق به وتعطف عليه، فلا ترده في عنف، وإنما تأتي ما يريد، وتعلن أن لم تكن بينها وبينه مفاوضات ما. ومهما يكن من شيء فقد فشل رئيس الوزراء فيما كان يريد من مفاوضة الإنجليز للمرة السابعة أو الثامنة، أو العاشرة إن شئت! ولم يبق له أمل ما في أن يعيد الكرة ويستأنف الطلب، ويأمل في المستقبل القريب أو البعيد؛ لأن كل شيء حال بينه وبين الأمل.
    فقد ضعف مركزه السياسي في مصر كما لم يضعف في هذه الأيام، وصحته – مع الأسف – لا تمكنه من أن يحاول تقوية مركزه واسترجاع قوته السياسية. ندّ عليه كل شيء، وأفلت من يده كل شيء، وأصبح بقاؤه في الحكم لغوًا من اللغو، وفنًا من فنون العبث. وأكبر الظن أنه إنما يبقى في الحكم حتى تتهيأ الأسباب للذين كانوا يؤيدونه أمس، لعلهم يجلون من يخلفه اليوم أو غدًا.
    ومهما يقل أصدقاء رئيس الوزراء، ومهما تقل أبواقه، فلن يستطيع أحد أن يخدع المصريين عن أن بقاء صدقي باشا في الحكم الآن إنما هو تعلّة ليس غير. وقد تبقى هذه التعلة أيامًا، وقد تطول أسابيع، وقد تزول فجأة؛ ولكن نزول رئيس الوزراء عن الحكم في وقت قريب أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأنه النتيجة المحتومة الملائمة لطبيعة الأشياء في مصر وفي بلاد الإنجليز.
    كل شيء مضطرب حول رئيس الوزراء في مصر. الشعب منصرف عنه منذ نهض بالحكم، ولكن انصراف الشعب عنه قد اشتد حتى انتهى إلى أقصاه. وآية ذلك أن وزارته تفزع من كل شيء، وتعبئ الجيش والشرطة استعدادًا لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. والإنجليز قد نفضوا أيديهم منه، وأكدوا أنهم لن يفاوضوه، وأكدوا مرة أخرى أنهم سيعدّون للمفاوضة، ولكن مع الوزارة التي تمثل مصر، وتعبر عن إرادتها، وتتحدث بلسانها، وتعاهد فتنفذ مصر ما عاهدت عليه.
    وإذن فأمر الوزارة القائمة مفروغ منه، رغم ما ستقوله حاشية صدقي باشا غدًا وبعد غد، وإلى أن يتقدم رئيس الوزراء باستقالته إلى صاحب الجلالة الملك. وكل يوم من الأيام المقبلة خليق أن يُغلق فيه باب، ويُفتح فيه باب آخر، وأن تُطوى فيه صفحة، وتُنشر فيه صفحة أخرى. وسيودّع المصريون غدًا أو بعد غد وزارة أذاقتهم ألوان الألم وصروف المحن. وسيذكرون، وسينسون، ولكنهم على كل حال سيطوون صفحة أمس، وسينظرون في صفحة غد. سيودّعون عهدًا، ويستقبلون عهدًا آخر.
    وإذا كان التذكير ينفع، فإن التحذير ليس أقل منه نفعًا.
    وأكبر الظن أن هذا النبأ الذي أذاعته الأهرام صباح اليوم سيوقظ آمالًا نائمة، ويجدد نشاطًا قد فتر بعض الشيء. وستتهيأ الأحلام وتأخذ زينتها، وتتشكل بأشكال مختلفة أشد الاختلاف، لكنها مغرية أشد الإغراء على كل حال. وستلمّ هذه الأحلام ببعض البيوت، وستتراءى هذه الأحلام لبعض النفوس. وسيتهيأ قوم لوزارة وإن لم تسعَ إليهم بعد، وسيستعد قوم لحكم وإن لم يدعهم الحكم إليه بعد. وستكثر الأحاديث، وسيشتد الجدل.
    فمن الحق أن نذكر المصريين، ومن الحق أن نحذرهم، ومن الحق على المصريين أن يحذروا. فمهما يكن ضيقهم بالوزارة القائمة شديدًا، ومهما يكن احتمالهم للوزارة القائمة ثقيلًا، فإن من الحق عليهم لأنفسهم ألا يتعجلوا زوال الشر ليقعوا في شر آخر قد يكون أشد منه نكرًا وأقبح منه أثرًا. وخير لهم أن تطول المحنة على ما هي فيه من ضعف ووهن واضطراب، من أن يخيل إليهم أنها زالت فإذا هي تتجدد، وأنها انجلت فإذا هي تستأنف نشاطها قويًا عنيفًا.
    يجب أن يذكر المصريون ماذا ينكرون من وزارة صدقي باشا، ويجب أن يعرفوا ماذا يريدون حين يتمنون أن تستقيل هذه الوزارة. فهم ينكرون تغيير الوزارة القائمة للدستور، وهم يريدون أن يعود إليهم هذا الدستور. وهم ينكرون بطش الوزارة القائمة بالحرية، ولسنا نريد حرية الأفراد وحدها، وإنما نريد حرية الأمة كلها. نريد الحرية البرلمانية، نريد الحياة النيابية كلها. وهم يريدون أن تُرفع عن الحرية هذه الأغلال والقيود، وأن تعود حياتهم السياسية كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء فألف وزارته.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا يخدعهم عنه الأمل في زوال المحنة، وألا تلهيهم عنه الأحاديث والأماني. هذه الأهرام قد عادت تذيع تفكير الإنجليز في الوزارة القومية، وأخذت تتحدث عنها، وتعلن أنها لا تريد منذ الآن أن تدعو إليها، لأنها – مع إيمانها بأنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الآن – تكره تزيينها والترغيب فيها بعد أن دعت إلى ذلك فساءت بها الظنون. وهذا نوع من الدعوة إلى الوزارة القومية فيه شيء من المهارة واللباقة، وفيه شيء من الاحتياط والاستحياء.
    ومن المحقق أن صحفًا أخرى ستذكر الوزارة القومية، وستدعو إليها، وستلح في ذكرها والدعوة إليها. ومن المحقق أن أحدًا لن يرفض هذه الوزارة القومية، ولكن بشرط أن تكون نتيجة لإرادة الأمة حرة طليقة، لا شرطًا يمليه الإنجليز لتغيير الموقف السياسي الذي نحن فيه.
    لن يرفض أحد فكرة الوزارة القومية إذا استُفتيت فيها الأمة فأفتت بها، وإذا دُعيت إليها الأمة فأجابت إليها. فأما أن تُملَى هذه الوزارة القومية على الأمة إملاءً من ناحية من النواحي، أو نادٍ من الأندية، أو من حزب من الأحزاب، فلن يبتسم لها أحد، ولن يستجيب لها أحد، ولن يقبل عليها إلا الذين يفكرون فيها ويدعون إليها.
    يجب أن يذكر المصريون أنهم ليسوا هم الذين أنشأوا هذه الأزمة السياسية القائمة، وإنما أنشأها غيرهم، فيجب على من أنشأها أن يحلها. وليس لها حل إلا أن تُرد الأمور إلى ما كانت عليه يوم نهض صدقي باشا بأعباء الحكم. هنالك، وهنالك فحسب، يمكن أن تُستشار مصر في الوزارة القومية، وأن يجري الأمر في هذه الوزارة القومية على حكم الدستور، لا على شيء آخر.
    نظن أنه ليس في هذا الكلام لبس ولا غموض، ونعتقد اعتقادًا لا سبيل إلى الشك فيه أنه يصور تصويرًا صادقًا رأي كثرة المصريين الذين سيرد إليهم الأمر كله اليوم أو غدًا.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٤ – ١٩٣٣

    هدنة
    يظهر أن المفاوضات الدقيقة الشائكة التي كانت تدور بين الإسكندرية و«فرساي» قد خطت خطوة في سبيل النجاح كما يقولون، فقبل رئيس الوزراء المستقيل أن يمد في أسباب الأزمة إلى أن يصل إلى مصر، وقبل من ناحية أخرى أن تقام له الحفلة، ولكن بعد وصوله، لا في اليوم الذي يصل فيه.
    والظاهر أن الموقف السياسي لمصر كان معرضًا لأشد الأخطار، وأن طائفة من الكوارث الهائلة المروعة كانت تتأهب لمهاجمة هذا البلد المسكين لولا أن تداركه الله بلطفه وعطفه فأرسل الرحمة إلى قلب «صدقي باشا»، وأجرى لسانه بكلمات لا تحل الأزمة ولا تلغيها، وإنما تؤجلها أجلًا ما. وستستطيع مصر أن تتنفس وأن تملأ رئتيها بالهواء النقي وأن تدخر من القوة والثبات في هذه الأيام ما يمكنها من احتمال الصدمة العنيفة التي لا بد من وقوعها يوم الثلاثاء أو يوم الأربعاء، أو بعد ذلك بقليل. ومصر مدينة بهذا الفرج الموقوت، وبهذه الراحة المحدودة لما أظهرته المفوضية المصرية في «باريس» من اللباقة والنشاط، ومن التفوق والمهارة، فهي إذن حَرِيَّة بالتهنئة، حَرِيَّة بالثناء. وقد أدى أحد الطرفين المتفاوضين للمفوضية حقها من ذلك، فأثنى رئيس الوزراء المستقيل ثناءً عذبًا على مفوضيتنا حين كان يركب القطار أمس، ولم يبق إلا أن يؤدي الطرف الثاني من الطرفين المتفاوضين إلى المفوضية ما يجب لها عليه من الشكر والثناء. ولعل بلاغًا رسميًا تصدره الوزارة فتحصي فيه عدد الجهود الموفقة التي بذلها وزيرنا المفوض في «باريس» حتى رد رئيس الوزارة عن عناده بعض الشيء فأتاح لمصر أن تبتهج بلقائه، وقد كان يمكن أن يعود فيؤجل سفره بعد تعجيله، وأتاح للوزراء أن يسعدوا بلقاء رئيسهم وأن يناظروه ويداوروه لعلهم أن يحولوه عن هذه الاستقالة التي وقعت كما يقع الشعر في الحساء فيما يقول الفرنسيون.
    ومهما يكن من شيء، فنحن في هدنة قد بدأت منذ ركب رئيس الوزراء قطاره أمس، وستستمر ثلاثة أيام كاملة ولعلها تزيد قليلًا. ولكن هذه الهدنة لن تريح الخائفين من الخوف، ولا الطامعين من الطمع، ولا الساعين بين أولئك وهؤلاء من السعي؛ فستضطرب قلوب الوزاريين، ويشتد اضطرابها بالخوف والإشفاق، وستخفق أفئدة المستوزرين، ويشتد خفقانها بالأمل والرجاء، وسيمضي الساعون فيما يسعون من التأليف والتشكيل، ومن التوفيق والتقريب، لعلهم أن يهيئوا للأيام المقبلة وزارة صالحة لخلافة «صدقي باشا»، مستكملة على أقل تقدير لبعض هذه الشروط التي تذاع لتخدع الناس، ولكنها لا تخدع أحدًا حتى ولا الذين يذيعونها.
    والظاهر أن مكاتب «التيمس» في القاهرة يزوّر أماني جماعة من الناس حين يتحدث إلى صحيفته بأن الوزارة المقبلة ستتألف من جميع الأحزاب إلا الوفد، وستستطيع بحكم تأليفها وطبيعة الأحزاب التي ستشترك فيها أن تنهض بهذا العبء الثقيل الذي عجز «صدقي باشا» عن احتماله، فاضطر إلى أن يلقيه عن كتفيه المتعبتين، فهي إذن الوزارة القومية التي لا قوم فيها كما قال بعض الوزاريين السابقين، وهي إذن صورة منقوصة لهذه الأمنية التي كان يتمناها «السير برسي لورين» فلم يوفق إلى تحقيقها، وهي على كل حال محاولة من المحاولات لإخفاء هذا الإخفاق الفاضح الشنيع الذي انتهت إليه سياسة هذا العهد السعيد. وهي على كل حال أيضًا لا تعدو أن تكون محاولة من المحاولات التي يتكلف أصحابها في سبيلها الجهد العنيف والمشقة العسيرة، ثم لا يظفرون منها بشيء، ولا ينتهون منها إلا إلى سوء الحال، وخيبة الآمال والندم اللاذع على ما فرطوا في ذات الوطن وفي ذات أنفسهم.
    فكل مصري يحاول أن يطيل سياسة هذا العهد السعيد مفرط في حق الوطن؛ لأن الوطن لم يجن من هذا العهد السعيد خيرًا، ولم يلق من سياسته إلا شر ما تلقى الشعوب من سياسة تقوم على القهر والعنف، وعلى الاستبداد وإيثار المنافع العاجلة على الواجبات الوطنية الخالدة. ولو أن مصر جنت من سياسة هذا العهد خيرًا ولو قليلًا؛ لما رضيت الصحف الإنجليزية عنها هذا الرضا، ولما حرصت عليها هذا الحرص. فإن هذه الصحف لا يمكن أن تكون مصرية أكثر من المصريين، وإنما هي صحف إنجليزية قبل كل شيء وفوق كل شيء، وهي تؤثر المنفعة الإنجليزية على كل شيء آخر، فإذ رأيناها تتمدح بالسياسة التي أقام بناءها «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وتثني على النتائج التي انتهت إليها، فنحن واثقون بأنها لا تظهر ما تظهر من الرضا إلا لأن هذه السياسة قد حققت للإنجليز من المآرب والمنافع العاجلة ما كانوا يريدون. والذين يقرؤون ما نشرته «التيمس» لا يشكون في أن هناك محالفة بين طلاب المنافع في مصر وفي إنجلترا على تأييد هذه السياسة التي تحكم بها مصر رغم أنفها، وعلى غير ما تحب وتهوى.
    فأما الحلفاء المصريون فلهم المناصب وما يتصل بها من مظاهر الجاه والسلطان. وأما الإنجليز فلهم تحقيق المآرب وإرضاء المنافع وقضاء الحاجات، وبسط النفوذ وتوطيد السلطان. وأما مصر فعليها أن تؤدي لأولئك وهؤلاء ما يريد أولئك وهؤلاء مهما يكلفها ذلك من جهد، ومهما يحملها ذلك من مشقة، ومهما يضطرها ذلك إليه من احتمال الذل والضيم، وصبر على الجوع والحرمان.
    كل مصري يعين من قريب أو بعيد على إطالة هذا العهد الذي أقام بناءه «صدقي باشا» و«السير برسي لورين» مفرط في حق وطنه؛ لأنه لا يزيد على أن يحقق ما تعترف به «التيمس» نفسها من أنه حكم المصريين على غير ما يريد المصريون. وهو كذلك مفرط في حق نفسه لأنه يتعجل المنفعة التي لا خطر لها، ويضحي في سبيل ذلك بكرامته وراحته وواجبه ورضا ضميره، ثم لا يجني من وراء ذلك كله إلا ما جنى هؤلاء الذين ساسوا مصر هذه السياسة أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انتهوا إلى ما ينتهون إليه اليوم من سوء الحال وسخط المواطنين.
    وإنه لحمق أحمق هذا الذي يخيل للطامعين المتعجلين أنهم سيكونون أحسن حظًا من الذين سبقوهم إلى الطمع والتعجل، وأشد توفيقًا إلى ما لم يوفق إليه الذين تقدموهم في سبيلهما. حق هذا الذي يخيل إلى الطامعين والمتعجلين أنهم قد يكونون أحسن حظًا من رئيس الوزراء المستقيل وأعوانه. وقد يوفقون إلى خير مما وفقوا إليه. فإن الشعب المصري الذي أبلى الوزارات في إثر الوزارات، وضيّع جهود المعتدين عليه والطامعين فيه مازال كما كان، لم يضعف ولم يهن، ولم يصبه التفريط في حقه ولا التقصير في ذات نفسه، بل ليس من شك في أن انتصاره على وزارات الشدة والعنف التي أرادت إذلاله وأخذه بغير ما يريد، قد زادته إيمانًا بحقه وثقةً بنفسه، واستعدادًا للصبر وقدرةً على الجهاد والنضال.
    فما أجدر الذين يتحلب ريقهم شوقًا إلى الحكم وطمعًا فيه، وتنزو قلوبهم في صدورهم أملًا في السلطان وتعجلًا له، ما أجدر هؤلاء أن يفكروا ويطيلوا التفكير، وأن يعتبروا ويحسنوا الاعتبار ويتعظوا بهذه المثلات التي خلت من قبلهم وأن يعلموا أن الذي يدفع نفسه إلى وزارة تقوم على غير مشيئة الأمة إنما يدفعها إلى طريق منكرة قد سلكها الناس من قبل، فلم يلقوا فيها إلا شر ما يلقى السائرون.
    أما أنت أيها الشعب المصري فينبغي أن ترى وأن تقرأ وأن تفهم ما ترى وما تقرأ. هؤلاء خصومك من الإنجليز يعلنون رضاهم عن هذه الأعوام الثلاثة التي ذقتِ فيها ألوان الذل والضيم واحتملتِ فيها صنوف التعس والشقاء، وهم يزعمون أنك لم تكن في أي عهد من عهودكِ خيرًا مما كنت في هذا العهد، وهم يتمنون لهذا العهد طولًا وامتدادًا وهم يلتمسون الأعوان والأحلاف ليطول هذا العهد ويمتد، وتمضي أنت فيما يرون أنك سعيد به من نعمة هذه الحياة الحلوة الراضية التي فتح لك بابها رئيس الوزراء المستقيل. أفترى أن الإنجليز صادقون؟ أفترى أنك قد سعدت في ظل رئيس الوزراء المستقيل؟ أفترى أنك قد شبعت بعد جوع، وأثريت بعد فقر وكرمت بعد هوان؟ أفترى أنك حريص حقًا على أن تمتد بك أيام هذا العهد السعيد لتزداد سعادة إلى سعادة، ونعمة إلى نعمة، ورضا إلى رضا؟ كلا، ولو كنت سعيد حقًا، راضي حقًا، محب لسياسة هذا العهد حقًا، لما اضطر الإنجليز أنفسهم إلى أن ينقلوا مندوبهم، ولما اضطر رئيس الوزراء نفسه أن يستقيل. كلا لست راضيا وما ينبغي لك أن ترضى، ولست خائف وما ينبغي لك أن تخاف، وإنما أنت شعب صابر مصابر، يؤثر السلم والعافية، وتعلم أن فوزك رهين بإيثار السلم والعافية في غير يأس ولا ضعف، ولا فرقة ولا استسلام.
    فامض على صبرك فلن تغيظ خصومكِ خير من الصبر، وامض على إيمانك بحقك وثقتك بنفسك فلن تهزم خصومك خير من الثقة والإيمان، وابتسم في سخرية للطامعين المتعجلين كما ابتسمت في سخرية للمخفقين المعتزلين.
    كوكب الشرق في ٢-٩-١٩٣٣.

    نزاع
    موضوعه هذا الميراث الثقيل الذي سيتركه صاحب الدولة رئيس الوزراء حين يستقيل في وقت قريب جدًا فيما يقول المكتب السياسي لصحيفة «الديلي تلغراف». ومع أن هذا الميراث ليس غنيًا ولا مثريًا، وليس يسيرًا ولا سهلًا ولا خفيف الاحتمال، فإن الازدحام عليه شديد، والتنازع فيه أشد، والخصومة فيه عنيفة لا تكاد تهدأ إلا لتثور، ولا تكاد تستقر إلا لتضطرم من جديد.
    وهذا النزاع يظهر واضحًا جليًا في لندرة حيث تفيد الخصومات فيما يظن، وحيث ينفع النضال كلما ضعف الإيمان بقوة الشعب، واشتد الاستهزاء بحق الشعب، واستيقنت الأحزاب التي تطمع في الحكم أو تحرص على استبقائه في أيديها أن الاعتماد على الشعب لا ينفع ولا يفيد، لأن الشعب لا يملك أو لا ينبغي أن يملك من أمر نفسه شيئًا. ومهما تعلن حكومة الإنجليز حيادها، ومهما تلح في إعلان الحياد، فإن الذين يكلفون بالحكم أو يحرصون على استبقائه في أيديهم يعلمون حق العلم أن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن ترضى أن يقضى في مصير الوزارات المصرية وهي غائبة أو دون أن تستشار، ودون أن يكون لمشورتها الخطر العظيم والأثر البعيد.
    فهم لذلك يهدؤون، وهم لذلك يسكتون في مصر ويتكلمون في بلاد الإنجليز. وما الذي يدعوهم إلى أن يضطربوا في القاهرة أو يتكلموا في مصر، وقد رأوا أن أهل القاهرة وأهل مصر يحتملون الوزارة القائمة على ضيق شديد بها، وكره شديد لاحتمالها، دون أن يملكوا أن يتخففوا من هذا الحمل الذي لا يطمئنون إليه؟ أما أهل لندرة وأهل إنجلترا فيظهر أن كلمتهم مسموعة، وأن لرأيهم في الشئون المصرية خطرًا أشد، وأثرًا أبعد مما لرأي الناس في هذه البلاد.
    والذين يختصمون ويختلفون في لندرة فريقان: فريق مؤتلف بالفعل، وفريق يريد أن يأتلف. فأما الفريق المؤتلف بالفعل فهو هذه الأحزاب أو أشباه الأحزاب التي تتولى الحكم أو تظن أنها تتولاه، والتي تعيش في ظلها وتدور من حولها. وأما الذين يريدون أن يأتلفوا فقوم آخرون ليس من اليسير أن تحددهم تحديدًا دقيقًا أو تعينهم تعيينًا واضحًا لا يقبل شكًا ولا جدلًا، ولكنهم يريدون، ثم يتمنون ما يريدون، ثم يحلمون بما أرادوا وتمنوا، ثم يخيل إليهم أن قد صحت الأحلام وتحققت الآمال، فيتهيئون للسعي إلى الدواوين، والجلوس على كراسي الوزراء، واستقبال المهنئين، ثم البدء في تصريف الأمور، والاستمتاع بلذة هذا التصريف.
    أولئك وهؤلاء يذيعون الأخبار في لندرة، ثم ينقلونها إلى القاهرة لتذاع في مصر، ثم ينتظرون أثرها في الناس، وهم يعيشون على ذلك.
    منذ ظهرت أعراض الضعف على الوزارة القائمة، ومنذ ألمَّ المرض برئيس الوزراء، وأسهم أولئك وهؤلاء ترتفع حينًا، وتنخفض حينًا في لندرة. فإذا «التيمس» و«الديلي تلغراف» وغير «التيمس» و«الديلي تلغراف» ترفع هذه الأسهم مرة حتى يُخَيَّل إلى أصحابها أنها رابحة كل الربح، ثم تخفضها مرة أخرى حتى تروع أصحابها وتكاد تقنعهم بأنها خاسرة كل الخسران. والظريف الطريف أن أسهم أولئك وهؤلاء، على ما يختلف عليها من أعراض الربح والخسران، ومن مظاهر الارتفاع والانخفاض، خاسرة في القاهرة وفي مصر، لا يكاد يهتم بارتفاعها وانخفاضها إلا هذا الفريق الضئيل الذي وقف حياته على أن يدور حول الوزراء والمستوزرين.
    أما الشعب فثابت في موقفه، مصرٌّ على حقه، مطمئن إليه، ساعٍ إلى آماله، مُلحٌّ في السعي إليها، صابر على محنته، مُلحٌّ في الصبر عليها، ساخر من أولئك وهؤلاء الذين يختصمون ويسرفون في الخصومة عند الإنجليز، والذين يضحكون من أنفسهم أولاء الإنجليز.
    كانت الصحف الإنجليزية ترى أن العدول عن الأحزاب المؤتلفة الحاكمة إلى لون آخر من الائتلاف أمر هو الخير كل الخير، وهو النفع كل النفع، وهو الضرورة التي لا منصرف عنها ولا مفر منها. وكانت تلمح لصدقي باشا حينًا وتصرح له حينًا آخر، وتلين مرة وتشتد مرة أخرى، وتدعوه على كل حال إلى أن يستقيل، ثم تعدل عن هذا الموقف إلى موقف آخر، فتؤيد رئيس الوزراء تصريحًا أو تلميحًا، وتهاجم خصومه تصريحًا أو تلميحًا، وتنهاه مرة في قوة، ومرة في ضعف عن أن يستقيل.
    وكلما اتخذت هذه الصحف الإنجليزية كلها أو بعضها، كبارها أو صغارها، موقفًا من هذه المواقف ارتفعت أسهم أولئك وانخفضت أسهم هؤلاء، وابتسمت ثغور أولئك وعبست وجوه هؤلاء. وليس من شك في أن الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف» ونقل إلى مصر أمس واليوم قد رفع أسهمًا وخفض أسهمًا، وقد رسم الابتسام على وجوه قوم، وغشي بالعبوس وجوه آخرين. فقد يظهر أن «الديلي تلغراف» أو أن مكتبها السياسي يرى منذ أمس أن هذه الأحزاب المؤتلفة الحاكمة، أو التي يُخيَّل إليها أنها حاكمة، يجب أن تظل محتفظة بالحكم أو بما يُخيَّل إليها أنه الحكم، وأن الذين يفكرون في أن يخلفوها على الحكم أو على خيال الحكم ينبغي لهم أن يعرضوا عن ذلك ويريحوا أنفسهم من التفكير فيه.
    وكانت «الديلي تلغراف» ترى غير هذا الرأي حتى اضطر رئيس الوزراء إلى أن يخرج عن راحته وصمته ويبرق إليها عاتبًا مستعطفًا، مطالبًا بالإنصاف.
    وليس لهذا الموقف الجديد بعد ذلك الموقف القديم معنى إلا أن الذين يختصمون حول رضا «الديلي تلغراف» وأشباهها من الصحف الإنجليزية قد ألحوا في الخصومة، وغالوا في التنافس أيهم يظفر بهذا الرضا، فنجح المنتظرون منذ أسبوعين، ثم نجح الحاكمون منذ أمس. ولا بد أن كانت عند المنتظرين بقية من قوة وفضل، ومن قدرة على الإلحاح في الخصومة والمضي في الجهاد، من أن تقرأ غدًا أو بعد غد، أو في الأسبوع المقبل أو الذي يليه، في «الديلي تلغراف» أو في غير «الديلي تلغراف» فصل يروق المنتظرين، ويحمل هذه «الديلي تلغراف» على أن تنشر تأييدًا للمنتظرين وهجومًا على القائمين بالحكم. وسيظل هذا النزاع قائمًا شديدًا عنيفًا حتى يقضي الله قضاءه بين هؤلاء المختلفين. ولكن أمرين اثنين خليقان بالتفكير والاعتبار، أحدهما يثير الحزن ويبعث الأسى، والآخر يحيي الأمل ويقوي الرجاء.
    فأما الأول فهو موقف رئيس الوزارة بعد أن طال عليه المرض، واستيقن أصدقاؤه وخصومه أن العناية بصحته أنفع وأجدى عليه من الاحتفاظ بمنصبه. فقد أصبح بقاؤه في الحكم أمرًا مفروغًا منه فيما يظهر؛ يؤكد أصدقاؤه في مصر أنه مستقيل، ويؤكد أصدقاؤه في إنجلترا أنه مستقيل، ويتعزى أولئك وهؤلاء في سهولة مؤلمة ويسر محزن عن اضطرار صديقهم إلى الاستقالة. حتى صحيفة رئيس الوزراء في مصر تردد صباح اليوم إمكان هذه الاستقالة وسرورها بما تقوله «الديلي تلغراف» من أن الحكم أو خيال الحكم سيبقى في أصدقاء الرئيس أشد وأظهر، لا نقول من حزنها، بل نقول من أسفها لأن الرئيس سيستقيل. وأكبر الظن أن سرورها — إن تحققت نبوءة «الديلي تلغراف»، وبقي الحكم في أصحابها — سيكون أظهر وأنصع من حزنها لاضطرار رئيس الوزراء إلى أن يستقيل.
    ومعنى ذلك أن إخلاص الناس للناس محدود، وأن وفاء الناس للناس قصير المدى، وأن إيثار الناس لأنفسهم حتى على الذين يخلصون لهم ويحسنون إليهم أمر شائع مألوف، إذ قامت صلات الناس على المنافع العاجلة لا على المبادئ الخالدة. وكذلك جدَّ رئيس الوزراء وأجهد نفسه، ولقي من الجد والجهد ما دفعه إلى المرض وما سيضطره إلى الاستقالة، ثم يتخلى أصدقاؤه عنه هادئين ما دام الحكم يمكن أن يبقى فيهم.
    وأما الثاني فهو أن الذين يدورون حول الحكم في مصر وفي إنجلترا يبذلون ما يستطيعون وما لا يستطيعون من القوة والجهد دون أن يجدوا مخرجًا من هذا المأزق الذي تورطوا فيه حين خُيِّل إلى أنفسهم أنهم يستطيعون أن يقضوا في أمر مصر على غير رضًى من مصر. فقد ظهر ألف دليل ودليل على أن رئيس الوزراء لا بد له من أن يستقيل، ولكن ظهرت ألف صعوبة وصعوبة في سبيل من يخلف رئيس الوزراء، لأن الذين يدورون حول الحكم الآن لا يريدون أن يرجعوا فيه إلى مصر. وما دام الأمر كذلك فهم مضطربون وسيظلون مضطربين بين المؤتلفين الآن على الحكم أو خياله، والذين يريدون أن يأتلفوا على الحكم أو خياله.
    وقد يبقى هؤلاء المؤتلفون حيث هم، وقد يقوم مقامهم قوم آخرون، لكن أمور مصر ستظل مضطربة مختلطة، وستمعن في الاضطراب والاختلاط حتى يضطر الذين يصبون إلى الحكم إلى أن يلائموا بين مواقفهم وبين طبيعة الأشياء، وإلى أن يعترفوا بأن قد مضى الزمن الذي تُحكَم فيه الشعوب على غير ما تريد.
    [1] كوكب الشرق في ١٣-٨-١٩٣٣.

    دعابة
    زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
    وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
    ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
    وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
    ١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
    ٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
    ٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
    ٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
    ٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
    ٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
    ٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
    ٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
    ٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
    ١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
    ١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
    ١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
    فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
    وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
    فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
    وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
    فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
    كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.


  • جسد الدولة: مرض صدقي استعارة وأسلوب حكم | The Body Politic: Sidqi’s Illness as Metaphor and Method

    راحة
    أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب.
    وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً.
    كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط.
    لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه.
    فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً.
    ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً.
    ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض.
    كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها.
    كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها.
    هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين.
    سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.


    ظاهرة
    «صحيفة الوزارة» متحمسة في هذه الأيام أشد التحمس للأخلاق، حريصة أشد الحرص على الفضيلة، كارهة أشد الكره للرذائل ونقائص الأعمال. وهي اليوم ثائرة فاترة، واقعة طائرة، ساكنة دائرة، تندب الأخلاق وتحث الأمة على حمايتها، وتستثير «مصر» للضرب على أيدي الكتّاب الذين لا يزالون يذكرون أن «رئيس الوزراء» مريض؛ لأن الإطالة من ذكر المرض في رأي «صحيفة الوزارة» لون من ألوان الشماتة التي لا تليق بكرام الناس، والتي لا ينبغي أن يرضاها المصريون ولا أن يصبروا عليها.
    وعزيز علينا أن تغضب «صحيفة الوزارة»، ولكن ما ذنبنا نحن إذا كان «رئيس الوزراء» رجلًا يعمل في السياسة العامة، ويريد أن ينهض بأعبائها الثقال؟ وما ذنبنا نحن إذا كان الذين يعملون في السياسة ويريدون أن ينهضوا بأعبائها مضطرين بحكم الصناعة والفن أن يتلقوا ما يوجَّه إليهم من النقد في كل يوم؟ وما ذنبنا نحن إذا كان الناس قد أجمعوا في أقطار الأرض على أن الصحة الكاملة الموفورة شرط أساسي للعمل في السياسة، والنهوض بما تفرضه الحياة العامة على العاملين فيها من القدرة على احتمال الأعباء؟ وما ذنبنا نحن إذا كان «رئيس الوزراء» قد آثر العمل في السياسة رغم هذا المرض الذي ألمّ به واضطره إلى اعتزال العمل أشهرًا طوالًا دون أن يعتزل ما يجلب منصب الحكم لصاحبه من مزايا كثيرة مختلفة؟ ثم ما ذنبنا نحن إذا كان «رئيس الوزراء» نفسه بعد أن استراح فأطال الراحة، واستشفى فأطال الاستشفاء، قد فكّر في الاستقالة وتحدث فيها إلى الصحف ثم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك؟ وأكّد وما زال يؤكد أن ليس لهذه الاستقالة علّة يعلمها إلا المرض؟
    وأخيرًا ما ذنبنا نحن إذا كان «رئيس الوزراء» يحدثنا بأنه يعدل عن الاستقالة مضحيًا بصحته في سبيل بلاده؟ فنحن من أهل هذه البلاد، ولنا الحق المطلق — سواء أراد «رئيس الوزراء» أم لم يرد — في أن نقبل تضحيته بصحته في سبيلنا أو أن نرد على «رئيس الوزراء» تضحيته هذه شاكرين له، مؤثرين صحته الغالية على منافعنا الفانية.
    إن هناك ظاهرة خليقة بالتفكير، وهي أجدر بالتفكير من هذه الظاهرة التي تشير إليها «صحيفة الوزارة»، وهي رغبة الناس في الحكم وإصرارهم عليه، وتعلقهم بأهدابه رغم اعترافهم بأنهم لا يستطيعون حمله ولا يطيقون الصبر عليه.
    لقد رفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك لأنه مريض، وقد تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فجعل إليه الأمر في أن يصرّ على الاستقالة فتُقبل، أو يعدل عنها فتُرد، لا يستشير في ذلك إلا صحته وقدرته. فلو أن «رئيس الوزراء» مضى في الاستقالة كما عرضها لأنه مريض لاستراح من الحكم ونقد الذين لا يرون رأيه في الحكم، ولا يحبون أن تكون أمور الحكم إلى المتعبين المكدودين. فأما وقد آثر «رئيس الوزراء» منصبه فإنه قد آثر في الوقت نفسه ما يستتبعه هذا المنصب من القيل والقال، والأعباء الثقال. وليصبر «رئيس الوزراء» لنقد الناقدين اليوم كما صبر له من قبل. ولسنا نحن الذين قالوا للصحافيين بعد خروج «المندوب السامي»: «إنّي تعبان». وإذا كان ذكر المرض يؤذي «رئيس الوزراء»، فالأمر يسير؛ فما الذي يمنع أن يستصدر «رئيس الوزراء» تشريعًا يمنع ذكر مرض الوزراء ويفرض عقوبة على الذين يشيرون إليه؟
    أما بعد، فالله الذي يعلم سرائر الناس مطلع على أننا لا نريد لـ«رئيس الوزراء» في صحته شرًّا، ولا نتمنى له إلا الشفاء الخالص السريع؛ ولكن الله الذي يعلم ظواهر الناس وخوافيهم مطلع على أن مصلحة «مصر» إنما تتم حين ينهض بحمايتها وتدبيرها الأصحاء.
    [1] كوكب الشرق في ١٥-٩-١٩٣٣.

    صلح
    كانت أنباء تستفيض بها الأحاديث بعد أن كانت سرًّا يهمس بها بعض الناس إلى بعض، ثم أخذت تتردد على الألسنة وتطوف في الأندية حتى استقرت في قلوب الناس، وجعلوا بينها وبين الأزمة التي أثارها الوزراء سببًا.
    ولعلك قد فهمت عني ما أريد أن أقول، فلم يكد يثير «رئيس الوزراء» أزمته من «باريس» أو من «فرساي» حتى أخذت الصحف تشير وتلمح إلى خلاف بينه وبين موظف من كبار الموظفين، جعل سلطانه على الحكم محدودًا، يحتاج إلى شيء من الإطلاق والسعة. وأشارت الصحف إلى أن «رئيس الوزراء» قد كره هذا التضييق وأنكره، وأراد أن يزيله ويمحوه إما بالاستقالة التي تريحه من السلطان الواسع والضيق معًا، وإما بالبقاء في الحكم على أن يكون الحكم خالصًا له من دون غيره من الموظفين الذين لا تجعل لهم مناصبهم يدًا في الحكم ولا سبيلًا على الحاكمين.
    وعاد «رئيس الوزراء» بعد أن امتلأت الأرض بأنباء الاستقالة وأسبابها الرسمية التي جهر بها الرئيس، وأسبابها الخفية التي نبأت بها الصحف ورواة الأحاديث. فلم يكد يذهب إلى حفلة الشاي التي أقيمت له حتى لاحظ الصحفيون والرواة، والذين يحبون التعليل والتأويل، أن موظفًا من كبار الموظفين قد غاب عن هذا الحفل، وأخذوا جميعًا يقربون الآماد والمسافات بين الأزمة وبين ذلك الغياب. ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فمنهم من زعم أن هذا «الموظف الكبير» لم يغب عن الحفل وحده، وإنما غاب عن «الإسكندرية» كلها، وتركها خالصة للمحتفلين. ومنهم من زعم أنه لم يترك المدينة، وإنما قضى ساعة الحفل عند أحد الوزراء الذي لم يستطع أن يشهد الحفل لأنه كان مريضًا.
    وأخذ الناس يذهبون مذاهب في التأويل والتفسير تقوي الصلة بين أزمة «رئيس الوزراء» وغيبة «الموظف الكبير» عن حفلة الشاي أو تضعفها، ولكن مرور الأيام القليلة التي جاءت بعد الحفل لم يدع شكًّا عند الناس في أن هذا «الموظف الكبير» ليس بريئًا كل البراءة من هذا التعقيد الذي اعترض حياة الوزارة القائمة، فزادها عسرًا إلى عسر، وحرجًا إلى حرج.
    فقد كان الناس يعلمون أن هذا «الموظف الكبير» يلقى «رئيس الوزراء» فيكثر من لقائه، يزوره في داره، ويزوره في ديوانه، ويتحدث إليه فيطيل الحديث، وربما حضر بعض الجلسات لـ«مجلس الوزراء»، ولكنهم لاحظوا منذ عودة الرئيس أن هذه الزيارة قد انقطعت، أو انقطع الحديث عنها والعلم بها. وأنفق «رئيس الوزراء» جهدًا غير قليل ليقنع الناس بأن المرض وحده هو الذي حمله على الاستقالة، ولكن الناس لم يقتنعوا، وهم معذورون؛ فإن الأصحاء الأقوياء إذا اضطرتهم الظروف إلى الاستقالة واعتزال الحكم تكلفوا المرض وانتحلوه، فكيف بـ«رئيس الوزراء» إذا كان مريضًا حقًّا أو بريئًا حقًّا من المرض، ولكن عهده بالمرض ليس بعيدًا.
    لم يقتنع الناس إذن بأن المرض وحده هو الذي أثار هذه الأزمة، ولا سيما وعهد المرض قريب يرجع إلى ثمانية أشهر ماضية، ولم يجد الناس بدًّا من أن يستمعوا لقول الصحافيين ورواة الأحاديث من أن خلافًا بين «رئيس الوزراء» وموظف من كبار الموظفين كان له في هذه الأزمة أثر غير قليل.
    وجاءت «الأهرام» فأكدت رأي الناس وثبّتته في نفوسهم تثبيتًا حين روت لهم بلهجة القاطع الجازم أن «رئيس الوزراء» لما هم بالاستقالة كتب إلى مصر يرشح خليفته، ويقسم أمور الدولة شطرين: له أحدهما في البرلمان، ولخليفته أحدهما الآخر في الدواوين. وزادت «الأهرام» على ذلك أن كتاب «رئيس الوزراء» هذا لم يَرْضَ بعض الجهات، فنشأت الأزمة وتعقدت تعقيدًا. وكان المنتظر أن يكذّب «رئيس الوزراء»، أو غير «رئيس الوزراء» من الجهات الرسمية، حديث «الأهرام» هذا تكذيبًا قاطعًا يزيل الشك ويمحو اللبس، ويبين للناس أن «رئيس الوزراء» أعلم بتقاليد الدستور، وأحرص عليها من أن يتورط في مثل هذا الخطأ. ولكن هذا الحديث لم يُكذَّب تكذيبًا صريحًا، بل لم تستطع صحف الوزارة أن تنكره إلا على استحياء شديد، وظلت كلمة «الأهرام» عالية، وكلمة «الصحف الوزارية» خافتة لا يكاد يسمعها أحد، فصدق الناس حديث «الأهرام»، وهم مضطرون إلى أن يصدقوه ما دام الذين يعنيهم أمره لم يكذبوه تكذيبًا صريحًا على كثرة ما يلقون إلى الصحف من فنون التكذيب.
    وجاءت «المقطم» أمس فأكدت كل هذه الأنباء تأكيدًا لا يسمح بالشك فيها حين تحدثت إلينا عن هذا الاجتماع الضيق الضئيل الذي عقد في منزل «وزير الداخلية» أول أمس، والذي دُعي إليه «رئيس الوزراء» ونائبه السابق، وهذا «الموظف الكبير»، فتساقوا الشاي ممزوجًا بحلو العتاب أو مره، ثم صفت بينهم الأمور، وانصرفوا بعد ذلك وهم يشكرون لمضيفهم سعيه الخير الحميد؛ فقد كان هناك إذن كدر غسله الشاي، وشر أصلحه العتاب، واختلاف محاه أو خففه هذا الاجتماع. وإذن فلم تكذب الصحف، ولم يتجنَّ المتحدثون في الأندية حين زعموا أن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» كان من أسباب الأزمة ومثيراتها، إن لم يكن سببها ومثيرها الوحيد.
    وإذن فلم يكن الناس مخطئين أيضًا حين كانوا يعتقدون أن عدول «رئيس الوزراء» عن الاستقالة لا يلغي الأزمة وإنما يؤجلها؛ لأن إلغاء الأزمة إنما يكون بإلغاء أسبابها، ولم تُلغَ هذه الأسباب. لم يكن الناس مخطئين لأن سعي «وزير الداخلية» في هذا الصلح وإجابة «رئيس الوزراء» إليه، وما كان من تساق الشاي والعتاب دليل واضح على أن الذين شربوا الشاي والعتاب أول أمس كانوا هم أيضًا مقتنعين بأن الخلاف بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» سيظل شجىً في حلق الوزارة يجب أن يُنتزع، وشوكة في جنب الوزارة يجب أن تُسلّ، وإلا فلن يستقيم للوزارة أمر، ولن تعتدل أمامها الطريق. ولذلك حاولوا أول أمس أن ينتزعوا هذا الشجى ويستلوا هذه الشوكة.
    أفتراهم قد وُفِّقوا إلى ما كانوا يحاولون؟ أم تراهم قد وُفِّقوا إلى شيء دون ما كانوا يحاولون؟ أفتراهم قد نزعوا الشجى نزعًا، ومحوا آثاره محوًا؟ أم تراهم قد قطعوا الشوكة من أصلها حتى آمنوا أذاها وشرها؟ أم تراهم قد اجتهدوا في أن يخففوا من حدته ويلطفوا من شدته ويجعلوه بحيث لا يمنع من مرور الشاي في الحلق ولو ممزوجًا بالعتاب؟ أما الوزاريون فسيقولون إن الجو بين «رئيس الوزراء» وهذا «الموظف الكبير» لم يكن في يوم من الأيام أصفى مما هو الآن. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فلم تكن الوزارة في يوم من الأيام أقوى مما كانت يوم همَّ رئيس الوزارة بالاستقالة، ولن تكون الوزارة في يوم من الأيام أقوى منها يوم يرفع «رئيس الوزراء» استقالته إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
    كذلك قال الوزاريون، وكذلك سيقول الوزاريون؛ فلا تسمع لهم إذن حين يزعمون لك أن الشاي أول أمس قد نزع هذا الشجى من حلق الوزارة نزعًا، وصفّى كل شيء من حولها تصفية لا كدر فيها ولا غبار. لا تسمع لهم، واسمع لقول الشاعر القديم فإنه أصدق تصويرًا للموقف وأدق تعبيرًا عن حقيقته؛ وقد أثبتت سياستنا المصرية وسياسة غيرنا من البلاد أن مثل هذا الخلاف لا يُمحى إلا بأن يعتزل أحد المختلفين، وإنما يخفف ويهون ويُستر أمره على الناس لتجري الأمور في صورة مقبولة في ظاهر الحال، كما قال الشاعر القديم:
    أَرِينِي سِلَاحِي لَا أَبَا لَكِ إِنَّنِي … أَرَى الحَرْبَ لَا تَزْدَادُ إِلَّا تَقَاحُمَا فَقَدْ يَنْبُتُ المَرْعَى عَلَى دِمَنِ الثَّرَى … وَتَبْقَى حَزَازَاتُ الصُّدُورِ كَمَا هِيَا
    ونحن نتمنى صادقين أن يصفو الجو بين المختلفين، وأن يكون الشاي الذي تساقوه يوم الخميس مطهرًا للقلوب من آثار الحفيظة والموجدة، ولكننا نتمنى مع ذلك أن يكون هذا الصلح معينًا لا على أن تستقيم أمور الوزارة وحدها، فأمور الوزارة عندنا في المنزلة الثانية أو الثالثة، بل على أن تستقيم أمور «مصر»؛ فأمور «مصر» عندنا أجل وأعظم من أمور الوزارة ومن تختلف أو تتفق معه من الموظفين.
    نعم، نحن نتمنى صادقين أن يكون هذا الصلح مريحًا لـ«رئيس الوزراء» فيفرغ لأزمة المصريين ليعالجها بكفايته البارعة، فيصد المصارف عن ثروة المصريين، ويكف يد الدولة عن هذه الأرض التي تريد أن تبيعها بعد أيام لأن أهلها عجزوا عن تأدية الضرائب، ويعلن إلى الدول الأجنبية في حزم الواثق المطمئن أن «مصر» لن تؤدي دينها وفوائده إلا ورقًا، ويرد إلى المصريين الاطمئنان على أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم، وعلى أموالهم ومرافقهم. نتمنى هذا كله صادقين، ونذكر المتخاصمين الذين أذن الله لهم بالصلح يوم الخميس بأن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرّم حلالًا، وهم يعلمون حق العلم أن الحلال في السياسة المصرية بيّن، والحرام في السياسة المصرية بيّن، وأنهم يعلمون حق العلم أن الصلح والخصام بين الأفراد لا يغيران من سياسة الأمم شيئًا، وإنما الذي يحدث الأزمات ويعقدها وينتهي بها حتى إلى إسقاط الوزارات، هو ما لا يأذن الله به، ولا تأذن به السياسة الصحيحة الصالحة من تحليل الحرام، وتحريم الحلال.
    [1] كوكب الشرق في ١٦-٩-١٩٣٣.

    معلّق
    رئيس الوزراء معلّق بين البقاء في الحكم والنزول عنه كما كان المندوب السامي معلّقًا بين البقاء في القاهرة والانتقال عنها. وكل ما نرجوه لرئيس وزرائنا المريض، ألا يطول تعليقه كما طال تعليق المندوب السامي؛ فمهما يكن حظ الرجل من الشفاء وحسن الحال، فإن هذا التعليق مؤذٍ للأصحاء فضلاً عن المرضى. وقد كانت أسرار هذا التعليق غامضة، شديدة الغموض عند الذين يخوضون في أحاديث السياسة، فهم جميعًا يؤمنون إيمانًا لا يخالطه الشك في أن نقل المندوب السامي أمر من أمور الإنجليز، قد يكون جدًّا من الجد، قد يكون لهوًا من اللهو، ولكنه على كل حال مقصور على الإنجليز، لا يمس مصر بقليل ولا كثير. وماذا يعني مصر أن ينقل الإنجليز مندوبًا ويرسلوا مندوبًا، أو ينقل الفرنسيون وزيرًا ويرسلوا وزيرًا؟ فالإنجليز أحرار في بلادهم، والفرنسيون أحرار في بلادهم، والمصريون أحرار في بلادهم، لكل منهم أن ينقل ويعزل، وأن يغير ويبدل دون أن يكون لغيره حق في أن يعرض له أو يتدخل في شأن من شؤونه، فإن فعل فهو الاعتداء الصارخ والنذير بالشر العظيم. ذلك شيء كان يؤمن به الناس جميعًا، لا يشكون فيه ولا يرتابون، ولم يخطر لهم على بال أن الإنجليز حين نقلوا مندوبهم بعد أن علقوه، قد يسقطون رئيس وزارتنا بعد أن يعلقوه أيضًا. ولهذا أخذ الناس يتساءلون عن الحبال التي علق بها مركز وزارتنا القائمة: ما هي؟ ومم صيغت؟ ومن صاغها؟ قال لهم قائلون: إن هذه الحبال إنما هي حبال المرض الذي أصاب رئيس الوزراء منذ أشهر طوال، فلم يصدقوا؛ لأن الأزمة لم تظهر حين مرض رئيس الوزراء، ولا بعد أن مرض بزمن قصير أو طويل، وإنما ظهرت بعد أن تقدم رئيس الوزراء نحو الشفاء وأرضى عن حاله الأطباء. وبعد نقل المندوب السامي قيل لهم إن هذه الحبال إنما هي الخلاف بين رئيس الوزراء وبين موظف من كبار الموظفين، فشكوا في ذلك وأنكروه؛ لأن أمر رؤساء الوزارات ليس إلى الموظفين مهما كبروا، وإنما هو إلى البرلمان وصاحب العرش. ورئيس الوزراء يعلن ويعلن أنه مستمتع بثقة البرلمان، وما ينبغي له غير ذلك، وأنه مستمتع بعطف جلالة الملك، فوقوع خلاف بينه وبين موظف مهما يكن كبيرًا أو صغيرًا لا ينبغي أن يعلقه، ولا أن يحرجه، ولا أن يضطره إلى أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل. وقد يوجد هذا الخلاف، وقد يضيق به رئيس الوزراء، ولكنه على كل حال أيسر — أو ينبغي أن يكون أيسر — من أن يثير أزمة وزارية حادة كهذه الأزمة التي نشهدها الآن. ولكن «الأهرام» ظهرت صباح اليوم، وفيها أنباء تدعو إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل الدقيق. وتبين أننا لم نكن مخطئين أمس حين قلنا إن وراء هذه الأزمة، القصة الفكاهية التي تشهدها مصر، ويشهدها العالم، جدًّا لعله أن يكون مخيفًا. و«الأهرام» تقطع بهذه الأنباء وتؤكدها تأكيدًا. و«الأهرام» تشفق من هذه الأنباء وتدافع عن رئيس الوزراء، وتلتمس له المعاذير من حسن النية وزعامة الكثرة البرلمانية. وخلاصة هذه الأنباء التي تؤكدها «الأهرام»، أن رئيس الوزراء بدا له أن يستقيل حين كان في أوروبا، و«الأهرام» لا تعلل هذا التفكير في الاستقالة، فعلله أنت كما تشاء، ولكن رئيس الوزراء أراد أن ينشئ الأزمة وأن يوجد لها الحل؛ فأرسل كتابًا إلى مصر، يقسم فيه الأمر تقسيمًا، فيقترح أن تكون رئاسة الوزارة لصاحب الدولة «شفيق باشا»، وأن تكون له هو زعامة الكثرة في البرلمان. وقد ذكرنا حين قرأنا هذا الكلام في «الأهرام» كلامًا آخر نقرؤه في التاريخ يضاف إلى أحد المتنبيين، وهو قوله: «لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قوم يظلمون». وقد أنكرنا هذا الكلام حين قرأناه في «الأهرام»؛ لأنه يخلف ظننا برئيس الوزراء إلى أبعد حد، ويغير رأينا في رئيس الوزراء إلى أبعد مدى؛ فقد كنا نرى في رئيس الوزراء ما نرى من إيثار العنف على اللين، وسياسة القهر على سياسة المودة، وفرض نفسه على أمته فرضًا، واضطراره بحكم هذه السياسة إلى طائفة من الأغلاط المنكرة في تصريف الأمور، ولكننا كنا نعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أن رئيس الوزراء سياسي لبق ماهر واسع الحيلة عميق العلم بأمور السياسة، قوي الإلمام بواجبات الساسة، وكنا نأبى أن نفكر في أن رئيس الوزراء يمكن أن يؤتى من ناحية التقصير في بسائط السياسة وأولياتها. ومن أبسط البسائط السياسية أن رؤساء الوزارات إذا أرادوا أن يستقيلوا رفعوا استقالاتهم إلى رئيس الدولة حتى إذا أراد رئيس الدولة أن يستشيرهم في شيء كانوا عندما يريد من تقديم المشورة ناصحين له وللدولة، مخلصين له وللبلاد. فأما أن يستقيل رؤساء الوزارات ويشيروا مع ذلك بمن يحبون أن يخلفهم على كرسي الحكم فشذوذ كنا نصدق كل شيء قبل أن نصدق أن يقع من رئيس وزرائنا الماهر الكفء. والمعروف من التقاليد في البلاد الديمقراطية أن رؤساء الوزارات إذا استقالوا فلرئيس الدولة أن يراجعهم في هذه الاستقالة أو لا يراجعهم، ولرئيس الدولة أن يقبل هذه الاستقالة ثم يستشير بعد ذلك في أمر الحكم رئيس البرلمان من الساسة والزعماء، ثم يسند الوزارة إلى من يرى بعد ذلك. فكان المألوف والمعقول والملائم للواجب والتقاليد أن يستقيل رئيس الوزراء إذا لم ير من الاستقالة بدًّا، ثم ينتظر حتى يراجعه جلالة الملك في هذه الاستقالة أو يستشيره فيمن يخلفه قبل أو بعد أن يستشير غيره من الساسة والزعماء. ولكن رئيس الوزراء خالف هذه التقاليد كلها، إن صح ما قالته «الأهرام»، ونحن نرجو ألا يكون صحيحًا برغم هذا التأكيد القاطع الذي تلح «الأهرام» فيه. خالف رئيس الوزراء هذه التقاليد، فأشار قبل أن يستشار، وسبق رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ إلى إبداء الرأي. وقد يكون مصدر ذلك إيمان «صدقي باشا» بزعامته ل «حزب الشعب»، وبأنه سيكون زعيم الكثرة في البرلمان بعد أن يخرج من الحكم، ولكن زعيم الكثرة نفسه — وهو زعيم للكثرة بالفعل — ليس له أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره جلالة الملك، وليس له أن يتقدم بمشورته قبل رئيس البرلمان؛ لأنه مهما يكن زعيم كثرة، فهو زعيم فريق من النواب والشيوخ، يجب أن يتقدمه رئيس النواب جميعًا، ورئيس مجلس الشيوخ جميعًا. وزعيم الكثرة يمثل حزبًا، ورئيس أحد المجلسين يمثل الأحزاب التي يتألف منها مجلسه، ولكن هذه الحقائق كلها غابت عن رئيس الوزراء، لأنه متعب مكدود، أو لأنه مؤمن بنفسه وبقوته أكثر مما ينبغي. والغريب أن أنصار الوزارة القائمة ينكرون على خصومهم أنهم كانوا طغاة يستأثرون بالأمر دون أنصارهم وأعوانهم وزملائهم، ولكنا لا نعرف أن أحدًا من هؤلاء الخصوم وصل به اعتداده بالنفس إلى أن يشير على جلالة الملك قبل أن يستشيره، أو يتقدم رئيسي المجلسين بحجة أنه زعيم الكثرة. إنما يقع هذا الشذوذ من رئيس الوزراء الذي جاء فيما يقول لمحاربة الطغيان الشعبي والقضاء عليه. ومن المعقول بعد ذلك أن تكون هذه الأزمة التي نشهدها دقيقة مظلمة شديدة التعقيد، فإن رئيس الوزراء — إن صح ما قالته «الأهرام» — قد أحدث أو حاول أن يحدث بهذه الغلطة سابقة سيئة لا تلائم الحياة الدستورية في بلد من البلاد، وهي رفع رئيس الوزراء إلى حيث يرى لنفسه هذا الحق الغريب، وهو ألا يستقيل حتى يولي عهد الوزارة بعده من شاء من الزعماء. هذا كثير، وأكثر منه أن يقع من رئيس الوزراء، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكون هذا الحديث الذي أذاعته «الأهرام» وهمًا كله، ونحن نرجو ونلح في الرجاء أن يكذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، ونحن لا نشك في أن هذا الحديث إن صح فقد تكون آثاره أبعد جدًّا مما يظن الذين يتحدثون في الشؤون السياسية من الوزاريين. فلننتظر، فقد لا تغرب الشمس مساء اليوم إلا وقد كذب هذا الحديث تكذيبًا قاطعًا، فصفا الجو من هذا السحاب المنكر، أو لم يكذب هذا الحديث، فأصبحت استقالة الوزارة أمرًا ليس منه بد، وليس إلى الشك فيه من سبيل.
    كوكب الشرق في ٨ – ٨ – ١٩٣٣

  • نهاية عصر: الأسبوع الأخير لصدقي | The End of an Era: Sidqi’s Final Week

    والآن
    كان البحر خاشعًا خاضعًا، وكان الجو مشرقًا ساطعًا، وكانت السفينة بين ذلك تخطر في كثير من التيه والإعجاب، وكان الجمع ينتظر في كثير من الإكبار والإجلال. وكانت الزوارق تسعى على هذا السهل السائل بين السفينة والمدينة، يكاد يثقلها ما تقل من الوفاء والولاء لـ«رئيس الوزراء». وكان القدر ومصر يلحظان هذا كله باسمين، وينظران إلى هذا كله ساخرين؛ لأنهما كانا يعلمان كيف دبر ذلك وكيف هيئ له، ولأنهما كانا يعلمان كيف تكون عاقبة ذلك، وإلى أين تصير به الأمور.
    وكان «رئيس الوزراء» ينظر إلى هذا كله، وعلى ثغره ابتسامة لها معنيان: معنى لنفسه ومعنى للناس؛ فأما في نفسه فقد كان ضيقًا بهذا كله، ساخرًا من هذا كله، يعلم كيف دبر، ويعلم إلى أين يصدر. وأما للناس فقد كان متكلف الابتهاج الرزين، مصطنع الاغتباط المعتدل، لا يريد أن يرى الناس يأسه ولا ضجره، ولا يريد أن يحس الناس ضيقه ولا حَرَجَه، وإنما يريد أن يروا منه ما ينبغي أن يظهر على الجلد الصبور.
    وكانت هذه الحركات التي وصفتها الصحف من تحية للصاعدين إلى السفينة، وخلوة إلى النائب عن «رئيس الوزراء»، ثم نزول إلى الزورق وابتسام للمستقبلين، وذهاب إلى «رأس التين»، واحتمال لهذه المشقة التي تفرضها السياسة على أهلها من لقاء الأعوان والأنصار، والاستماع للكلام الذي لا يفيد، والرد عليه بكلام لا يقول شيئًا، ثم الاستراحة، ثم المقابلة الملكية، ثم العودة إلى الدار، ثم نفثة المصدور، وتنهد الرجل الذي خلص من التكلف، وخلا إلى نفسه ليفكر ويستريح.
    وكان شيء من الحزن القائم يظلل هذا كله، ويلقي عليه رداء يثير في نفوس المستقبلين كثيرًا من الكآبة وكسوف البال. وكان شيء من السخرية الضاحكة الكئيبة يظلل مصر كلها، فيرسم على وجوه الناس ابتهاجًا وابتئاسًا في وقت واحد؛ فأما الابتهاج فمصدره إخفاق هذه السياسة المنكرة التي سلطت على مصر ثلاثة أعوام، فلم تبلغ منها شيئًا إلا أن زادتها يقينًا وإيمانًا، وتثبيتًا وإصرارًا على الحق، وجدًّا في الوصول إليه، ثم انتهت بعد ذلك إلى ما انتهت إليه من اعتراف الإنجليز بالفشل، ونقل ممثلهم إلى حيث يستطيع أن يكون نافعًا لبلده، لا يكسب له عداوة الأمم وبغض الشعوب، ومن اعتراف «رئيس الوزراء» بخيبة الأمل والعجز عن العمل، واضطراره إلى أن يرفع إلى جلالة الملك رغبته في أن يريح ويستريح. ومن حق الشعوب أن تبتهج إذ وجه إليها الكيد فلم يفلح، ودبر لها المكر ثم لم يصب منها مقتلًا.
    وأما الابتئاس الذي كان يصاحب هذا الابتهاج على وجوه الناس فمصدره أن هذا الشعب العامل الجاهد في العمل، النشيط الغالي في النشاط الذي يجعله عمله وأمله، ونشاطه وجده أهلًا للحياة الراقية الصالحة العزيزة الكريمة، خليقًا بأن يظفر بحريته كاملة، واستقلاله موفورًا، ينظر فإذا حقه يضيع، وإذا كرامته تهدر، وإذا أموره تدبر على غير ما يريد، لا يسأل في ذلك ولا يستشار، حتى إذا أعرب عن إرادته لم يسمع له ولم يلتفت إليه كأنه لم يوجد بعد، أو كأنه وجد ليستغل ويستذل، ويتخذ وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات، وتحقيق المآرب والمنافع، وتمكين الواثبين إلى مناصب الحكم من الاستمتاع بالجاه والسلطان، وتمكين المستعمرين من الأجانب من بسط النفوذ وملء الأيدي بالأموال. ومن حق الشعوب أن تبتئس حين تزرع الخير فلا تجني إلا شرًّا، وحين تسعى إلى الحرية والاستقلال فيضطرها النفعيون إلى ما تكره من الخضوع والذل، وحين تنفق ما تملك من القوة والجهد لتثبت أنها مخلصة نقية الضمير، لا تريد بأحد سوءًا، ثم ترى أن غيرها يلقاها بنية ملتوية، وضمير معوج، ولا يريد بها إلا الشر والمكروه.
    نعم، من حق الشعوب أن تبتهج إذا لم يبلغ منها كيد الكائدين، ومن حق الشعوب أن تبتئس إذا سلط عليها الشر ولم تكن له أهلًا. ومن حق الشعب المصري أن يبتهج حين يرى سياسة «السير برسي لورين» ودولة «صدقي باشا» تنتهي إلى نقل أحدهما واستقالة الآخر. ومن حق الشعب المصري أن يبتئس إذا رأى أن الجو السياسي قد تلبّد بالغيوم، وكثر فيه الضجيج والعجيج، واشتد فيه اللجب والاصطحاب، وكثر فيه السعي الظاهر، والسعي الخفي منذ أكثر من أسبوع، لا لشيء إلا لأن رجلًا واحدًا من الناس يريد أو لا يريد أن يحتفظ بالسلطان، يراد له أو لا يراد له أن يظل في منصب الحكم. فأما الشعب نفسه، الشعب الذي يكد ويجد، الشعب الذي يعمل ويأمل، الشعب الذي لولا وجوده وجهوده ما كانت دولة ولا حكومة، فليس موضوع تفكير ولا تقدير، وإنما هو شيء مهمل في زاوية من زوايا الحياة السياسية، عليه أن يحتمل الخطوب ويتجشم الهول، ويصبر على أثقل الأعباء وأشد الحوادث نكرًا، ولغيره من هؤلاء السادة القليلين الذين يتولون الحكم أو يتهيأون له أن يدبروا بينهم أمر الحكم: أيبقى في يد أولئك، أم ينتقل إلى يد هؤلاء؟
    هذا كثير وهو خليق أن يحزن الشعب ويسوءه، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يضعف إيمان الشعب بحقه، أو يغل عزم الشعب على المطالبة بهذا الحق، والجد في الظفر به والوصول إليه.
    لقد أعلن «رئيس الوزراء» عزمه على الاستقالة، ثم رفع «رئيس الوزراء» إلى جلالة الملك رغبته في الاستقالة. وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن مصير الحكم إذا استقال «صدقي باشا»: أيصير إلى الحزبين المؤتلفين، أم يصير إلى حزب الاتحاد دون حزب الشعب؟ وأخذت أحاديث الناس تستفيض عن أساليب الحكم إذا استقال «رئيس الوزراء»، أتبقى كما شرعت ورسمت، أم يصيبها التغيير قليلًا أو كثيرًا؟
    وكان الشعب المصري يحب أن تستفيض أحاديث الناس بأن أمور الحكم سترد إليه، وبأنه هو قد أصبح موضوع ما يجيله الساسة سرًّا أو جهرًا من رأي، وما يهيئ الساسة سرًّا وجهرًا من تدبير. فقد مضى وقت طويل كان الوزراء ورؤساء الوزارات فيه موضوع الحديث والتدبير، مضى وقت طويل صرفت فيه أمور الشعب على غير ما يرضى، وآن الوقت الذي ينبغي أن تصرف فيه أمور الشعب على ما يرضى.
    نعم، لقد طال إهمال الأمة في حساب الساسة، ودل كل شيء على أن هذا إهمال لا يؤدي إلى خير، ولا ينتهي إلى نجاح. فمتى يريد الله إلهام الساسة أن يسلكوا إلى الحكم طريقه الطبيعية المستقيمة، فيلائموا بينه وبين آمال الأمة وأمانيها وحقها في الحرية والاستقلال؟
    [1] كوكب الشرق في ٦-٩-١٩٣٣.

    ثم
    «نعم»، ثم كلمة تتردد في جميع الأفواه، وتنفتح عنها جميع الشفاه، وتضطرب في كل قلب، وترتسم في كل عقل، وتفرض نفسها على كل ضمير منذ خُتم لصدقي باشا، أو خُتمت أعمالُ «صدقي باشا»، أو خَتمت الظروف القاهرة لصدقي باشا حياته السياسية مساء الخميس.
    فـ«صدقي باشا» رجل من رجال السياسة، قد فرغ من السياسة، وفرغ الناس منه، وفرغت السياسة منه أيضًا، ما في ذلك شك، وما إلى الريب في ذلك سبيل؛ إنما يُعنى الرجل بالسياسة ويقف عليها قواه وجهوده حين يكون قادرًا على إنفاق القوى وبذل الجهود، أو حين يكون مالكًا من هذه القوى والجهود لقليل أو كثير، وليس لـ«صدقي باشا» من هذا شيء يستطيع أن ينفقه في السياسة. ونحن نتمنى أن يمده الله من القوى والجهد بما يمكنه من العناية بنفسه والإبقاء على صحته واستقبال الحياة في شيء من الهدوء الظاهر؛ فقد يخيل إلينا أن هذه الأعوام الثلاثة التي أنفقها «صدقي باشا» في قهر أمته والبطش بها، وفي إذلال وطنه والقسوة عليه، قد حالت بينه وبين هدوء الضمير.
    ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي يصرف أعمال الدولة، وفي فمه مقياس الحرارة. وليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يقضي في ديوانه إلا ساعتين أو أكثر منهما قليلًا، والذي لا يجد مع ذلك بدًّا من أن يتخلف عن هذا الديوان يومًا أو غير يوم في الأسبوع. ليس قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يصل الحديث في شؤون السياسة مع رجل من رجال السياسة ساعة أو أقل من ساعة حتى يشعر بالضعف والإعياء، فيلغي المواعيد ويكف عن الحديث ويسرع إلى داره ليستريح.
    نعم، ليس «صدقي باشا» قادرًا على أن يُعنى بالسياسة أو ينهض بأثقالها لا في رئاسة الوزارة، ولا في زعامة الكثرة البرلمانية، ولا في الأندية الخاصة. وقد يخيل الأمل لـ«صدقي باشا» أنه يقدر من ذلك على بعض ما يقدر عليه الناس، وقد يخيل الوهم لفريق من أصفياء «صدقي باشا» أنه ما زال قادرًا على أن يكون رجلًا من رجال السياسة، وقد يندفع «صدقي باشا» مع هذا الأمل فيكلف نفسه بعض أعمال السياسة، وقد يدفعه أصفياؤه إلى هذا، وهو من غير شك حر فيما يريد لنفسه، وأصفياؤه من غير شك أحرار فيما يريدون لصاحبهم؛ ولكن الشيء الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا هو أن «صدقي باشا» لن يُغني منذ اليوم في السياسة المصرية شيئًا.
    وليس المرض وحده هو الذي يُخرج «صدقي باشا» من ميدان الحياة السياسية، ولكن هذه السيرة التي سارها في أمته أكثر من ثلاثة أعوام، وهذه النتائج المنكرة التي أنتجتها سيرته أثناء هذا العهد الطويل الثقيل، قد أقامت أمام «صدقي باشا» من العقبات والمصاعب ما لا يستطيع أقوى الناس، فضلًا عن أضعف الناس، أن يذلله أو يتغلب عليه.
    فـ«رئيس الوزراء» المستقيل رجل قد كُتب عليه البعد المحتوم، لا عن الوزارة، ولا عن الزعامة البرلمانية المجدية، بل عن الحياة العامة كلها. وما رأيك في زعيم برلماني لا يستطيع أن يخطب أنصاره وأولياءه — إن كان له أنصار وأولياء — أو يتحدث إليهم إلا دقائق لا تتجاوز الخمس، ثم هو بعد ذلك متعب مكدود؟ فكيف به إذا احتاج إلى الجدال والنضال؟ وكيف به إذا احتاج إلى التروية والتفكير؟ وكيف به إذا احتاج أن يقرع الحجة بالحجة، ويدفع الدليل بالدليل؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يظهر على الخصوم في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يقهر الوزارة في «البرلمان»؟ وكيف به إذا احتاج إلى أن يتحدث إلى الشعب ليحمله على مذهب من المذاهب، أو يصرفه عن رأي من الآراء؟
    كل ذلك شيء لا سبيل إليه؛ لأن صحة «صدقي باشا» تحول دونه، ولأن سياسة «صدقي باشا» تحول دونه؛ فليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يذكر الحرية في «البرلمان» أو خارج «البرلمان»، وهو الذي سجن الحرية فضيّق السجن وأطاله، ولو أن إلى قتل الحرية من سبيل لما تحرج من قتلها، ولكن الحرية فوق القتل وفوق الموت، وهي تعمل سجينة أكثر مما تعمل مطلقة. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن عزة الشعب، وقد عبث بها «صدقي باشا» أمام الأجنبي حتى ظهر ازدراء الأجنبي للمصريين، وطمع الأجنبي في المصريين، واستغلال الأجنبي للمصريين، وإذلال الأجنبي للمصريين. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الكرامة الوطنية، وقد جهد «صدقي باشا» ما استطاع، وأنفق «صدقي باشا» ما يملك وما لا يملك لينسي الناس كرامتهم الوطنية. وليس «صدقي باشا» هو الذي يستطيع أن يتحدث عن الاستقلال، وقد أصبح أمامه كلامًا لا معنى له، ولفظًا لا يدل على شيء، ولونًا من ألوان العبث، وفنًّا من فنون الجدل.
    فأما الاقتصاد، وما أدراك ما الاقتصاد؟ فأما المال، وما أدراك ما المال؟ فأما الأزمة، وما أدراك ما الأزمة؟ فلن يستطيع «صدقي باشا»، إن واتته الصحة والقوة، وأذعنت له البلاغة والبيان، أن يعرض لها، ولو قد فعل بعد أن حيل بينه وبين الحكم، وصُرفت عن تأييده الشرطة والجنود، وكف عن معونته أصدقاؤه المحايدون، نعم، لو قد فعل لصاحب به الملايين: لا تذكر الاقتصاد وقد أفسدته، ولا تذكر المال وقد أقللته، ولا تذكر الأزمة وقد تركتها تتحكم في الرقاب. نعم، ولو قد فعل لم يستطع إلا أن يضحك من نفسه، ولم يستطع إلا أن يضحك منه الأولياء والأصفياء. ومع ذلك فقد كان يقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان إن «صدقي باشا» رجل الاقتصاد، ورجل المال، وحلّال الأزمات.
    كل شيء يُبعد «صدقي باشا» عن السياسة، وكل شيء يفرض على رجال السياسة ألا يحسبوا لهذا القائد العظيم والزعيم البارع حسابًا منذ اليوم؟ فقد أراد الله — ولا مردَّ لما يريد الله — أن يُطوى سجلُ حياته منذ يوم الخميس. ولعل أصدق تصوير لموقف الرئيس المستقيل، أو للموقف الذي ينبغي أن يقفه الرئيس المستقيل، ما روته «المقطم» أمس من أنه سيعبر البحر في الشهر المقبل إلى حيث يريح ويستريح، إلى حيث لا يخطب ولا يكتب، إلى حيث لا يجول ولا يصول، إلى حيث لا يُعنى بالسياسة من قريب أو بعيد. وإذن فماذا يكون بعد أن انقضى هذا الليل الطويل بما فيه من أحلام وأوهام؟ وعمَّ تشرق الشمس بعد أن أفاق «صدقي باشا»، فإذا عظمته كلها هباء، وإذا سلطانه كله وهم باطل، وظلٌّ زائل، لم يُفِد صاحبه إلا فوائد عاجلة فانية، ولقيت مصر في زمنه شرَّ ما لقيت في هذا العصر الحديث.
    أما ما تريده الأمة بعد أن كُشف عنها هذا الضر، وجُليت عنها هذه الظلمة، وأُزيح عن صدرها هذا الكابوس الثقيل، فذاك شيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. فقد وثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة آمنة، فارتاعتْ؛ فيجب إذن أن يزول الروع، وأن يعود الأمن. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة غنية، فافتقرت؛ فيجب إذن أن يزول الفقر، وأن يعود الغنى. ووثب «صدقي باشا» إلى الحكم، والأمة حرة، فقيدها وقهرها؛ فيجب إذن أن يزول التقييد والقهر، وأن تعود الحرية مطلقة مشرقة مبتسمة، مبسوطة الجناحين على المصريين جميعًا. و«صدقي باشا» لم يُسلِّط هذا الشر كله على مصر إلا لأنه غلب مصر على حقها، وحكم مصر على غير ما كانت تريد، وسخَّر مصر للأهواء على حين كان يجب أن يُسخَّر كل شيء لمصر؛ فيجب إذن أن تعود الحال إلى مثل ما كانت عليه قبل أن يعدو «صدقي باشا» على أمته، ويثب «صدقي باشا» إلى مناصب الحكم.
    لا ترضى الأمة بغير هذا، ولا تستقيم الأمور بغير هذا، ولا تعرف مصر راحة بغير هذا. فأما ما يُراد بمصر بعد أن انجلى ذلك الليل الطويل الثقيل، ليل «صدقي باشا»، فشيء يكثر فيه الكلام، وتتصل فيه الأحاديث، ويذهب فيه الخيال كل مذهب، ولكن الحق فيه لم يظهر بعد واضحًا جليًّا للناس. المنهزمون المخفقون يطيفون برئيسهم المنهزم المخفق، فيمثلون قصة «الحزب السياسي» الذي يطمع في أن تكون له كلمة مسموعة، أو رأي يُلتفت إليه، وهذا أسخف ما يقع في مصر الآن، وأقل ما يستحق العناية من المصريين.
    والمستوزرون الطامعون يلتقون سرًّا وجهرًا، ويدبرون أمرهم بينهم، ويصطنعون ضروبًا من التشكيلات والتلفيقات، يضيفون رئاسة الوزارة إلى اتحادي مرة، وإلى مستقل مرة أخرى، ويلفقون حول هذا الرئيس طائفة من الأسماء والأشخاص، تجمعهم الأهواء والميول، ثم ينتظرون ما سيجري به القضاء، وقد يدفعهم الأمل الكاذب إلى أن يجدوا في توجيه القضاء كما يريدون. ولا يتحدث أحد عن هذه الضحية البريئة التي ذاقت ألوان العذاب أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يفكر في رفع العذاب عنها، أو رد الحرية إليها، أو استمداد القوة منها.
    منهزمون مخفقون يريدون في غير غناء أن يُخفوا الهزيمة والإخفاق، ومستوزرون طامعون يريدون في غير حياء أن يثبوا إلى الحكم وثوبًا، والأمة تنظر إلى أولئك متهكمة، وإلى هؤلاء متحدية، وتثق بأن الذين لم يعتبروا بهزيمة المنهزمين وإخفاق المخفقين، ولم يتحرجوا من أن يفكروا في انتهاج ما كان لهم من نهج، وسلوك ما اتخذوا من سبيل، سيلقون مثل ما لقي أصحابهم من قسوة الظروف، وتنكر الأيام، وسخرية القضاء، وسيصبحون كما أصبح أصحابهم منهزمين مخفقين، يريدون في غير غناء أن يستروا الهزيمة ويخفوا الإخفاق.
    كلا، ليس الأمر ستر هزيمة وإخفاق، وليس الأمر وثوبًا إلى الحكم واستئثارًا بالسلطان، وإنما الأمر الذي تفرضه الظروف الآن فرضًا قاسيًا، وستفرضه غدًا فرضًا أشد قسوة وعنفًا، هو أن يندم المنهزمون المخفقون على ما جنوا على أمتهم وأنفسهم من السيئات، وأن يخلص المستوزرون الطامعون من كواذب الأماني ودوافع الطمع، وأن يعلم أولئك وهؤلاء أن حياة الأفراد أقصر وأضيق وأهون من أن تحتمل الجناية على الشعوب، والإساءة إلى الأمة، والاستئثار بالحق دون أصحاب الحق.
    فاللهم اهدِ الطامعين والمترددين إلى أن يفهموا الواجب، ويشعروا شعورًا قويًّا أن المصير الذي آل إليه «صدقي باشا» ليس شيئًا يُطمع فيه رجل له قلب أو عقل يُحسنان الإحساس والتفكير.
    [1] كوكب الشرق في ٢٣-٩-١٩٣٣.

    شركاء
    أسرعوا إلى «الرئيس المستقيل» حين دعاهم، لم يترددوا في ذلك، ولم يخطر لهم أن يترددوا فيه، ثم وثبوا مع «الرئيس المستقيل» إلى الحكم واستقروا مع «الرئيس المستقيل» في مناصبه. أقدموا على كل ما أقدم عليه، وأحجموا عن كل ما أحجم عنه. أحبوا كل ما أحب ومن أحب، وكرهوا كل ما كره ومن كره. ومضوا معه حازمين عازمين، لا يتخلفون عنه إصبعًا، ولعل بعضهم كان يسبقه أشبارًا، ولعله هو كان يردهم إلى الهدوء، ويضطرهم إلى السعي مكان العدو، ويلقي في قلوبهم أن الأناة خير من التعجل، وأن الإبطاء قد يفيد أكثر مما يفيد الإسراع.
    همَّ بتغيير النظام فأسرعوا إلى تغيير النظام، اقترح قهر الشعب فلم يترددوا في قهر الشعب، آثر العنف فلم يخافوا من إيثار العنف. مضوا معه حازمين عازمين، مسرفين في الحزم والعزم، لا ينظرون إلى وراء، ولا يبعدون النظر إلى أمام، وإنما ينظرون إلى هذا الرجل الذي قام بينهم يعمل ويدعوهم إلى العمل، ويأمل وينفخ فيهم الأمل. وكان منهم من يضعف عزمه عن هذه الأعمال الجسام، والأحداث العظام التي كان يدفع إليها «رئيس الوزراء» المستقيل؛ فكانت نظرة من الرئيس أو ابتسامة تزيل هذا الضعف، وتضع مكانه قوة على الجري والعدو، وعلى تجشم الخطوب، واقتحام الأهوال. وكان الجند والشرطة يصطدمون بالناس فيسقط القتلى ويسقط الجرحى، وتصطبغ الأرض بالدماء، ويرتفع الأنين إلى السماء، فلم تكن هذه الدماء تروع قلبًا، ولا تؤذي نفسًا، ولم يكن ذلك الأنين يبعث إشفاقًا، أو يثير شعورًا، وإنما كان أمرهم ثباتًا مظلمًا، قاتمًا، هادئًا، مخيفًا، قاسيًا، عنيفًا، لا يعرف الرحمة ولا الإشفاق، ولا يحب اللين ولا الدعة، ولا يذكر أمس، ولا يفكر في غد، ولا يستحضر بكاء الباكين، ولا شكاة الشاكين، ولا يرفق لهؤلاء الأمهات اللاتي كن يُفجعن في أبنائهن، ولا لهؤلاء الأبناء والبنات الذين كانوا يُفجعن في آبائهم، ولا لهؤلاء الزوجات اللاتي كن يُضطررن إلى حياة الأرامل والأيامى.
    وكذلك مضت أشهر وأشهر، وكذلك مضى عام وعام، وكذلك أُكرهت «مصر» على غير ما كانت تحب، وكذلك أوذي المصريون في أكرم ما كانوا يحبون. ثم عملت الأيام عملها، وأحدث الزمان آثاره، فَرَثَّت صلات الود بين «الرئيس المستقيل» وزملائه، وأخذ بعضهم يتنكر لبعض، وأخذ بعضهم يمكر ببعض، وأخذ بعضهم يضع العقبات أمام بعض، حتى ساءت الحال، وفسد كل شيء بين الأصدقاء المتعاونين، أو قُل بين الشركاء المتشاكسين، واضطر الرئيس إلى أن يستقيل ليتخفف من بعض الأثقال، ويخلص من بعض الزملاء، ثم يؤلف وزارته من جديد، يضع فيها قومًا مكان قوم، ويختار لها أفرادًا أقدر على استئناف المضي في الطريق المرسومة أول الأمر، وهم إن دُعوا أو اشتركوا، ووثبوا إلى الحكم، سيسيرون مع الرئيس الجديد سيرتهم مع الرئيس القديم، سيشاركون في كل شيء، وسيتضامنون في كل شيء، حتى يخلصوا غدًا كما خلصوا اليوم، ليس عليهم بأس، وليس عليهم جناح، وليس ما يمنعهم من الاستعداد للوثوب مع رئيس آخر إن دُعوا إلى الوثوب.
    لو قيل هذا الكلام في غير «مصر» لأنكره الناس إنكارًا شديدًا، ولو وقعت هذه الأحداث في غير «مصر» لضاق بها الناس ضيقًا شديدًا؛ ولكن هذا الكلام يقال في «مصر» فلا ينكره أحد، وهذه الحوادث تقع في «مصر» فلا يضيق بها أحد أو لا يظهر الضيق بها أحد؛ لأن المصريين قد عرفوا منذ عهد بعيد أن فيهم جيلًا من «المستوزرين»، دأبهم أن ينتظروا الحكم إن بعدوا عنه، وأن يقبلوا الحكم إن دُعوا إليه، وأن يطيعوا رئيسهم ما وجبت طاعته، وأن يلبوا دعوة غيره متى نهض بالأعباء. هذا جيل موجود في «مصر» منذ زمن بعيد، يعرفه المصريون حق المعرفة، وينكره المصريون أشد الإنكار، ولكن ما حيلة المصريين فيه؟ لقد وُجد واتخذ لنفسه هذه الصناعة، ولو كان أمر «مصر» إليه لردت هذا الجيل إلى حيث ينبغي أن يكون بعيدًا عن السياسة أشد البعد، نائيًا عن الحياة العامة أشد النأي؛ لأن هذا الجيل لا يصلح للسياسة، ولا يصلح للحياة العامة، أحب الحكم للحكم، فاقتنع الأجنبي بأن أمر مصر يسير، ما دام بين أبنائها من ينهضون بأعباء السياسة في غير شرط ولا ما يشبه الشرط.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا ينسوه، وأن يفتحوا أعينهم ليروا من وراء هذه الغيوم الرقيقة ما يأتيه جيل «المستوزرين» من هذه الحركات الملتوية المخزية التي لن تنتهي إلا إلى ما يسوء. يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء التي تُتلى عليهم في «الصحف» كل يوم على أنها أسماء الذين قد يُدعون إلى تأليف «الوزارة» أو إلى الاشتراك فيها؛ فسيرون أصحابها كلهم أو أكثرهم من أصدقاء «الرئيس المستقيل»، ومن أعوانه المقربين أو الذين كانوا مقربين، ومن الذين شاركوه في إقامة هذا النظام الجديد، ومن الذين شاركوه في تقييد الحريات، ومن الذين شاركوه في كل هذه السياسة التي انتهت إلى شر ما هي عليه الآن، وهم جميعًا أطهار أبرار، خليقون في رأي أنفسهم، وفي رأي أصحابهم وأنصارهم أن ينهضوا بأعباء الحكم مرة ومرات.
    نعم، يجب أن يسمع المصريون لهذه الأسماء وأن يفكروا ويطيلوا التفكير في لعب الحوادث وسخرية الظروف، وإلا فأي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يشاركون «صدقي باشا» في كل ما يأتي، ثم يتأهبون الآن ليرثوا «صدقي باشا» في الحكم، كأنهم لم يعاونوه ولم يظاهروه، ولم يتضامنوا معه في شيء؟ أي استهزاء بالشعب أشد من استهزاء هؤلاء السادة الذين يذكرون أن تركة «صدقي باشا» ثقيلة ويفصلون ثقلها تفصيلًا، وهم الذين أحدثوا معه هذه التركة الثقيلة، ثم هم في الوقت نفسه يستعدون للاستيلاء على هذه التركة ليزيدوها ثقلًا على ثقل.
    يجب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير، وأن يذكروا ولا ينسوا أن التبعات التي يحتملها «صدقي باشا» أمام أمته ووطنه وربه ثقيلة أثقل مما يظن «صدقي باشا»، ولكنه لا يحتملها وحده، وإنما يحتملها معه هؤلاء الذين ظاهروه وأيدوه أمس، والذين يولونه ظهورهم اليوم، ويتأهبون لخلافته على الحكم. ليس الإخفاق الذي أصاب «صدقي باشا» مقصورًا عليه، وإنما هو حظ شائع بينه وبين زملائه الوزراء، بل بينهم وبين أصدقائهم وأوليائهم من هذين الفريقين اللذين كانا يسميان أنفسهما إلى وقت قريب «الحزبين الشقيقين». وما أشد سخرية الظروف التي تصور «صدقي باشا» كأنه وحده المسؤول وكأنه وحده الملوم، وتصور شركاء «صدقي باشا» كأنهم القادرون على إصلاح ما أفسد رئيسهم المستقيل.
    يجب أن يفكر المصريون في هذا كله، وأن يسجل المصريون هذا كله، وأن يثبت المصريون أن هذا العبث الذي يجري من وراء ستار لا يخدع أحدًا، وإنما يخدع العابثين أنفسهم، وأنه لا يزيد على أن يكون عبثًا، وأن مصيره لن يكون خيرًا من مصير تلك السياسة التي فرضها «الرئيس المستقيل» على أمته أكثر من ثلاثة أعوام. ثم يجب ألا ييأس المصريون من أن أمورهم مردودة إليهم من غير شك، ومن أنهم سيحولون بين خصومهم وبين هذا العبث الذي أسرفوا فيه إسرافًا شديد الخطر على الكرامة والمنافع والأخلاق.
    [1] كوكب الشرق في ٢٤-٩-١٩٣٣.

    رئيس
    قيل لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
    وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
    و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
    والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
    «عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
    وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
    كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
    فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
    نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
    وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
    وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
    وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
    نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
    والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
    [1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.

  • وزارة صدقي على خشبة المسرح | Sidqi’s Cabinet as Spectacle

    اطمئنان
    إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة.
    على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص.
    والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير.
    ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي.
    وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان.
    رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً.
    وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس.
    نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم.
    أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟
    كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه.
    وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل.
    وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.


    أحجار
    هم المصريون جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وعلى تباين آرائهم وأهوائهم، وعلى افتراق شيعهم وأحزابهم، كلهم أحجار في رأي «صحيفة الوزارة» التي صدرت صباح اليوم، ومن بينهم الوزراء وأشباه الوزراء، والقادة وأشباه القادة، وزعماء النظام الحاضر وأصحاب النظام القديم.
    هؤلاء أحجار، ولكن هذه الأحجار تختلف فمنها الأحجار الصلدة العوجاء، ومنها الأحجار الكريمة النفيسة. وواضح كل الوضوح، وجلي كل الجلاء، وبين كل البيان أن الوزراء وأشباه الوزراء وأن أنصار الوزراء وزعماء هؤلاء الأنصار ليسوا من تلك الأحجار الصلدة العوجاء وإنما هم جواهر ممتازة، لا يعرض لها النقص ولا يطرأ عليها الفساد، ولا يصيبها ما يصيب الأحجار الخسيسة من التغير والتبدل ولا تتعرض لما تتعرض له هذه الأحجار الخسيسة من الامتهان والازدراء، إنما الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزارة وزعماء هؤلاء الأنصار أحجار كريمة نفيسة غالية عزيزة، فمنهم من صيغ من زمرد، ومنهم من خلق من ماس، ومنهم من صور من مرجان كما تقول «صحيفة الوزارة».
    وتستطيع أن تحصى الجواهر الغالية كلها سواء منها ما يخرج من البحر وما يقطع من الجبل، وما يلتمس في أي مكان شئت. تستطيع أنت أن تحصى هذه الجواهر الغالية فتلائم بينها وبين سادة اليوم فتوزعها عليهم أو توزعهم عليها، فستجد منهم اللؤلؤ والدر، وستجد منهم الزبرجد والعقيق، كما وجدت «صحيفة الوزارة» منهم الزمرد والماس والمرجان.
    وأنا مؤمن بأن سادة اليوم من الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزراء أحجار كريمة نفيسة ولكن المسألة التي تحتاج إلى التفكير والتقدير هي حاجة مصر الماسة وضرورتها الملحة في هذه الأيام. فهل مصر في حاجة إلى الأحجار الكريمة التي تتخذ للزينة والتجمل؟ أم هل مصر في حاجة إلى الأحجار الصلبة القوية التي تتخذ للبناء والإنشاء والتي لا تعمل فيها المعاول ولا الفؤوس، ولا تفنيها الأحداث ولا الخطوب، والتي تبقى على الدهر بقاء الأهرام وما يشبه الأهرام من الآثار الخالدة؟
    أنا أرضى لخصوم الوزارة أن يكونوا هذه الأحجار، وأكره لخصوم الوزارة أن يكونوا من أحجار الزينة والبهرج والتجمل. فمصر في حاجة إلى أن يقام لها بناء منيع عزيز من المجد والعزة حتى إذا فرغت من إقامة هذا البناء واستوثقت من عزته ومناعته، ومن قوته ومتانته، ومن أنه كما تقول «صحيفة الوزارة»، أو كما تستشهد بقول القدماء: أبقى على الزمن الباقي من الزمن، جاز لها أن تفكر في تزيين هذا البناء وتحسينه وفي ترصيعه وتجميله، وفي تحليته بالأحجار الكريمة والجواهر النفيسة.
    ومن غريب الأمر أن «صحيفة الوزارة» قليلة التوفيق فيما تقصد إليه من تفكير، وفيما تتورط فيه من تشبيه، ولكنها في هذه المرة أو قل في هذه الجملة فكرت وأجادت التفكير، وشبهت فأحسنت التشبيه، وما أظن أن الناس قد نسوا تشبيهها وزراء الدولة أول هذا العام بالخمر المعتقة والنبيذ القديم. أما في هذه المرة فلم يخطئها التوفيق وكأنها دفعت إليه دفعًا، فوزارتنا القائمة زينة لمصر من غير شك لا تمثل حاجة من حاجاتها، ولا تصور ضرورة من ضروراتها. ولولا أنها زينة عارضة يمكن الاستغناء عنها، والتخفف من ثقلها لما جرت أمور مصر كما تجري الآن.
    ورئيس وزرائها مريض منذ أشهر طوال، مريض لا يستطيع العمل، ولا يقدر على التفكير فيه، يقيم في مصر فيستريح، ويرحل إلى أوربا فيستريح، وتجري أمور مصر كما تستطيع. فرئيس وزرائنا حلية من الماس أو من أي جوهر أكرم من الماس، ولكنه حلية على كل حال، يمكن أن نتخذها حين نريد أن نباهي الدول، ونعلن إليها أن لنا رئيس وزارة كما لها رؤساء وزاراتها، وأن رئيس وزارتنا نفيس كريم، أنفس وأكرم من رؤساء وزاراتها، فهو من الماس الذي نتزين به ونتحلى.
    وليس من الأحجار الصلدة العوجاء التي يختل بافتقادها البناء، وليس مما يقبل الشك أن «مكدونالد» و«موسوليني» و«هتلر» و«دلادبيه» وأشباههم من رؤساء الوزارات الأجنبية لا تنظر إليهم بلادهم كما تنظر إلى الأحجار الكريمة التي نتخذها للحلية والزينة، وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى الأحجار الصلبة المتينة التي تتخذ للبناء وإقامة المجد. حتى إذا فرغنا من المفاخرة والمكاثرة، ومن التنافس والمسابقة استطعنا أن نريح «رئيس الوزراء» وندعه في داره أو في مصطافه يستشفي ويتزيد من صحته الغالية، ووزراؤنا كذلك زينة من غير شك نستطيع أن نباهي بهم الأمم. فلنا وزير تقاليد كما لهم وزراء تقاليد، ولكن وزراء التقاليد عندهم أحجار صلبة متينة، لا يسافرون ولا يستريحون إلا أن تضطرهم إلى ذلك الضرورات القاسية، وهم حينئذ يدعون إلى العمل ليقوم مقامهم من يستطيعون العمل في غير حاجة إلى السفر، ولا إلى التنزه في العواصم ومدن الاستجمام.
    وأوضح من هذا كله في الدلالة على أن وزراءنا زينة وحلية ومظهر الجمال أكثر من أي شيء آخر، أن مصر لم تشغف بالإعلان عن نفسها ولم تتهالك على المفاخرة والمكاثرة، ولا على إظهار العظمة التي لا تلائم حاجتها وطاقتها، ولم تكلف بدعوة الأجانب إليها وإرسال أبنائها إلى الأجانب بمقدار ما يظهر من أمرها في هذه الأيام. فهذه المؤتمرات التي تدعى بحساب وبغير حساب إنما تدعى في أكبر الظن لترى وزراءنا وتستمتع بالنظر إليهم والحديث معهم والتنعم بما يقيمون لها من حفل وما يغدقون عليها من معروف. وهؤلاء الحاضرون وهؤلاء الخبراء الذين يدعون حين نحتاج إليهم وحين لا نحتاج إليهم، إنما يدعون ليشهدوا ما عندنا من زينة وما نغيظ به الأمم الأخرى من هذا الحلي البديع, حتى إذا انقلبوا إلى بلادهم ورجعوا إلى أوطانهم تحدثوا بما يملأ أيدينا من الغنى والثروة وما يزين رؤوسنا وصدورنا من هذه الأحجار الكريمة والجواهر الغالية العزيزة فخلبوا أمم الغرب بهذا الحديث حتى أصبحت مصر في هذه الأيام مضرب المثل في الغنى والثراء، وفي اليسر والنعيم.
    ولكن بين وزرائنا وبين هذه الأحجار الكريمة النفيسة التي يشبهون بها في «صحيفة الوزارة» فرقًا يضعف التشبيه ويفسده ويجعله على أقل تقدير ناقصًا غير مستقيم. فليست الأحجار الكريمة زينة فحسب ولكنها ذخر في الوقت نفسه ومادة من مواد الثروة الباقية تنفع حين تشتد الأزمة، ويتحرج الأمر، ويعظم الضيق. وظاهر أن النقد يتغير ويتبدل فيصعد حينًا حتى يضطرهم إلى الفقر والإعدام. فأصحاب الأحجار الكريمة في هذه الحال سعداء آمنون من الجوع والمتربة، لأنهم يستطيعون أن يبيعوا بعض هذه الأحجار فيفيدوا من بيعها مالًا كثيراً. ووزراؤنا – والحمد لله – لا يمكن أن يقوموا مقام هذه الأحجار إذا اشتدت الأزمة وضاق الأمر، وأوشك الجوع أن يهلك الناس، ويفسد عليهم كل شيء. فهم زينة ليس غير، بينما الأحجار الكريمة زينة وذخر معًا.
    وما رأي «صحيفة الوزارة» في أن مصر قد أخذت في هذه الأيام تحتاج إلى الطعام أكثر مما تحتاج إلى الزينة؟! وماذا يغني عن مصر الآن أن لها وزارة من الزمرد والماس والمرجان ما دام كثير من أهلها لا يجدون الخبز والملح أو ما يشترون به الخبز والملح؟!
    على أن توفيق هذه الصحيفة في هذا التشبيه ليس مقصورًا على هذه الناحية التي تمس سادتها وأولياءها، وإنما هو كامل شامل بالقياس إلى خصومها من المعارضين. فهم من هذه الأحجار الصلبة، وأي دليل على صلابتها أوضح من أن «وزارة الزينة» قد قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وجدت ما استطاعت في أن تحطم من هذه الأحجار حجرًا فلم تظفر بشيء، ولم تقدر على شيء. وما زالت هذه الأحجار كما كانت يوم قامت وزارة الزمرد والماس والمرجان. لم تعمل وحدها في تحطيم هذه الأحجار الصلبة وتقويم هذه الأحجار العوجاء، وإنما عمل معها قوم آخرون ليسوا من الزمرد والماس والمرجان ولكنهم من الحديد والنحاس وما شئت من المعادن ومن غير المعادن. هم من هذه الجواهر العنيفة الخطرة التي تقدر على تحطيم كل شيء وتقويم كل عوج إلا تحطيم الأحجار الصلبة، لأن صلابتها صورة من حب الوطن والإيمان بقوته وبقائه وحقه الخالد في القوة والبقاء، وإلا تقويم هذه الأحجار المعوجة لأن اعوجاجها صورة من مضاء العزم وشدة البأس وإباء الضيم والإلحاح في المطالبة بالحق حتى ولو تألبت عليها كل الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة.
    لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان؟ أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أما نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها. ونؤكد أن هذه الصلابة التي أعيت كل من حاول أن ينال منها ستبقى كذلك إلى آخر الدهر، وقد تحطمت عليها قرون وستتحطم عليها قرون أخرى، ولكنا نعود فنقترح على الوزارة كما اقترحنا غير مرة أن تكلف «وزارة المعارف» تعليم كتابها وأنصارها فن البيان وحسن الكتابة وإجادة التشبيه فهم في حاجة شديدة إلى هذا التعليم.
    كوكب الشرق في ١١-٨-١٩٣٣.

    تكريم
    ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
    وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
    ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
    ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
    فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
    لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
    بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
    فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
    واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
    رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.

    حديث
    ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض .
    ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول .
    ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟
    بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟
    للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟
    ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث .
    وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء .
    وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف .
    ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق .
    هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟
    زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة .
    كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣