
من أيِّهم أنا؟
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
٨ أكتوبر ١٩٠٩
في البلد أفراد من الكُتَّاب إذا أعلن أحدهم إلى الناس أن مقالًا له سينشر في إحدى الصحف يوم كذا صادف منهم نفوسًا كلفة بما يكتب وقلوبًا مشغوفة بقراءته، ثم ألسِنةً بعد ذلك منطلقة بالثناء وأقلامًا جارية بالإطراء منها ما يثني على الكاتب لأنه الكاتب، ومنها ما لا يصدر في إطرائه إلا عن اعتقاد صحيح بأنه في مقاله محسن مجيد، وبعد هذا وذاك تكثر الألسنة والأقلام التي تتناول بالنقد مقال الكاتب فتذهب منه مذهب النصح، وتقصد فيه إلى الحق أو تميل به مع الهوى وتنحو فيه مناحيَ التغرير والتضليل، ولئن كان تألم الكاتب من النقد وتبرمه بالناقد قد يعدوان طوريهما أحيانًا؛ فإن ارتياحه إلى الثناء والإطراء اللذين يسدَيَان إليه كثيرًا ما يخفف من غيظه ويذهب بموجدته فهو حسن الحظ صاعد الجد على كل تقرير.
أما سيئ الحظ من الكُتَّاب فأحد اثنين؛ رجل لم يلقَ من الناس إلا انتقادًا مُرًّا وتشهيرًا مخجلًا؛ لأنه لم يقصد إلى الجادة ولم يوفَّق إلى الصواب. ومثل هذا الرجل خليق بعثور الجد؛ لأنه زعيم بأن يوقفه من الغرور وحب الذكر عند حد محدود، ورجل لم يلقَ من الناس خيرًا ولا شرًّا، ولم يبلُ منهم حلوًا ولا مُرًّا؛ لأنه لم يكتب ما يستحقُّ المدح والقدح أو لأن مقاله صادف من القُرَّاء أوقات الخمول والسآمة، أستغفر الله. بل هناك رجل آخر يبلو المر ويسمع الهجر في نصرة الحق والذود عنه، وما أحسبني أنسيته إلا لأنه بين ظهرانينا نادر قليل.
فمن أي هؤلاء يمكن أن أكون أنا؟ خطر لنفسي هذا الخاطر فألقت عليَّ هذا السؤال بعد أن قرأت مقال يوم الجمعة في مصر الفتاة؛ فإذا هو سابع ما نشر بهذا العنوان، وقد يكون الرابع عشر لما نشر بهذا الإمضاء، وإذا أنا كأول يوم كتبت لا أقول لأني لم أسمع كلمة ثناء فقد علم الله ما ابتغيتها اليوم ولا تمنيتها. ولئن كنت مشغوفًا بها كل شغف فهي الآن أزهد عندي من عفطة عنز، يقول علي بن أبي طالب لأني أعلم أن آنَها لم يؤن بعدُ وأدخرها لذلك اليوم الذي تطلبني فيه ولا أطلبها، ولكن لأني لم أسمع كلمة ناقد ولم أَرَ مقالًا لعائب بعد أن دعوت القراء إلى أن ينازعوني أطراف القول فيما أكتب وأقول. ولقد كنت أحسب أن بؤسي مطبق في كل شيء حتى في الكتابة، وأن موقفي زلق في كل مكان حتى بين الكُتَّاب … نظرت فإذا أنا لست من كُتَّاب المنزلة الأولى فلم يرعني ذلك لأن هذه المنزلة غاية يبلغها كل كاتب مثلي لم يقف من حب الإجادة والإحسان عند حد، ثم نظرت فإذا أنا أحد الرجلين في المنزلة الثالثة؛ فحمدت الله على أن مررت بمنزل أبي فصادة ولم أعرج، وجعلت أتردد بين أن أضع نفسي موضع أول الرجلين فأريح وأرتاح، أو أضعها موضع ثانيهما فأرضيها بالأعاليل ثم أعمد إلى القُرَّاء فأدافع عنهم الخمول، حتى يستفيقوا منه، وإذ ذاك أجد من النقد نصيبًا موفورًا. ولقد خشيت أن يستحيل غلوي في حب النقد إلى تمادٍ في بغضه لولا أن جمعتني ليالي الصوم بفريق من الناس كلهم ينقمون مني ألفاظًا كثرت فيما أكتب يقولون إنها غريبة نابية، وبعضهم يأخذ عليَّ تنويهي بالمنطق وميلي إليه في مقال يوم الجمعة، يقولون كيف يحسن من أديب يكتب في العشق إلى أحد العاشقين أن يعرض بالمنطق أو يميل إليه؟ إن هذا لهو الجور المبين، لم تصادف هذه الكلمات مني إلا نفسًا ظمئة وقلبًا مشغوفًا بهن، فكنَّ أشبه شيء بقطرات الماء يترشفها الصدى فيبللن صداه ويخففن من ظمئه، كذلك الإنسان إذا صادف الأمنية بعد الأمل وطول الرجاء، ولو أن الناقدين على حق لوقفت عنده وسكنت إليه، ولكنهم مع الأسف مخطئون. أما في الأول فلأن اللغة العربية التي نمتدح بغناها ونتحدث بكثرة مادتها لم يقف مألوفها عند هذه الألفاظ التي نفعم بها الصحف كل يوم، وليس الغريب كل لفظ ثقل على ألسنة الظرفاء من أبناء القاهرة أو نَبَا عن طباعهم؛ فإن هؤلاء قد لا يروقهم اللسان العربي إذا لم تُصَغْ ألفاظه من خطرات النسيم ولحظات العيون وغمزات الحواجب، يأبون إلا أن يستعار لهم الكلم من تنفس الأزهار وتناغي الأطيار، يريدون أن يُهملوا آذانهم وألسنة الناس فلا هم يسمعون ولا الناس ينطقون، وإنما تتخاطب النفوس وتتناجى الأفئدة يحسبون أن تشبيه الكلام بالدر يجعله درًّا، وأن قياسه بالخمر يجعله خمرًا، يغلون في الخيال حتى يسمج في أعينهم منظر الحقيقة ويخلق أمامهم معرضها هؤلاء مهما حمدنا منهم الظرف؛ فلن نرضى لهم أن يبلغ بهم الرقة حد الاستماتة وتُخرِجهم عن طور الرجال في النطق، إنما الظرف كرم الأخلاق وسلامة الذوق، وإنما الغريب ما استعصى على العربي فهمه ونبا عن سمعه لفظه، ونحن الآن بإزاء لغة نريد أن نرجع لها مجدها، ولن يكون ذلك إلا باستخراج دررها واستنباط أساليبها الرائعة من بطون المعاجم وأثناء الكتب، وأنا بهذا مشغوف كلف، وأرجو أن أوفَّق إليه إن شاء الله. وأما في الثاني فلا أعرف علمًا يهتدى به في طريق البحث عن مزايا النفوس وصفاتها الخاصة إلا المنطق، ولا أعلم أن اتِّباع سبيل المنطق في الكلام عيب على الكاتب، إنما العيب أن يخرج من موضع بحثه إلى فصل من فصول المنطق فيخوض لجته كما يقول أبو هلال. وإنما المنطق في المعاني كالنحو في الألفاظ، وكل ذنب جنيته هو أني قومت بالمنطق فكرة كما أقوِّم بالنحو ألفاظي. وبعد فكأن هؤلاء الناقدين نسوا أني أكتب إلى صاحبي صارفًا له عن العشق ومبغضًا له فيه، وسواء عليَّ بعد ذلك حمدوا مني حب المنطق واستعماله أم ذموه، ولكني على نقدهم لي من الشاكرين.
أيهما الأثيم؟
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
١٩ أكتوبر ١٩٠٩
فصل (١): بين العبرات والزَّفرات
يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …
على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.
وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخهإذا رام تطيارًا يقال له: قع
رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.
رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.
ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.
فصل (٢): الفجور بعد العفة
نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.
ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.
لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.
وكان ما كان مما سوف أذكرهفظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر
في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.
وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.
وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.
أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.
أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.
قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.
وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.
وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.
في القاهرة بين الإعجاب والأسف
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
١١ نوفمبر ١٩٠٩
قام في مسينا الداثرة بيتٌ زيَّنَتْه يَدُ الصانع بما أبدعَتْ فيه من زخرف وتصوير، وزاده
زينةً حُسْنُ موضعه وجودةُ مكانه وما كان يحفه من جمال المنظر وجلال الطبيعة، فقد كانت تُقِلُّه
ربوةٌ مُشْرِفة على البحر وتُحِيط به حديقةٌ جَمَعَتْ من الأشجار صنوفًا تضاعف سرور الجذل وتسلي
هَمَّ المحزون.
غابت ذكاء، فأشفقت السماء جزعًا عليها أو فزعًا من الليل، ولبس الإنسان عن ذلك ثوبًا من
الغفلة والذهول كما هو شأنه لا يُعْنَى إلا بأمره ولا يأبه إلا لنفسه ولا يحفظ إلا بأمره عهدًا
إلا ريثما يصدر عنه بحاجته. أجل؛ أبصر الإنسان الشمس وقد جنحت إلى الغروب فلم يلحظها لحظة
وداع.
رآها مُصْفَرَّة قد ظهر عليها الأسف لفراقه فلم يُجْزِها عن ذلك بشيء.
رآها تُوَدِّعه، وإنه ليراها كذلك في كل يوم فلا يقع وداعها من نفسه موقعًا، على أنه لو صدق
فيها نظره اليوم لعلم أن أسفها لفراقه مضاعف، وأنها لم تحزن قط كحزنها اليوم.
فيمَ وعلامَ؟ ألأنها ستذهب فلا تعود أم لأنها سترجع فلا تجد منا أحدًا؟
هل خافت صديقتنا من الليل علينا نكرًا أم هل عرفت في وجوه الكواكب الطالعة شرًّا؟ هل استبانت
من أنباء الغيب ما سيدور به بَعْدُ الفلك بَعْدَ حين؟ هل علمت أن ثورة الغضب على الإنسان قد
بلغت من الطبيعة مبلغها فعوَّلَتِ الليلة على الانتقام مسائل ما جوابها إلا الحقائق المُرَّة
المؤلمة؟
وارحمتاه للإنسان! يجاري هواه ويتمادى في غروره، يحسب إذا استعبد ضعاف الحيوان وصغار الأشياء
أن له حولًا وطولًا، يظن إذا استخدم لأغراضه الهواء والماء والبخار والكهرباء، أنه أصبح السيد
المُسلَّط على الطبيعة وما فيها، فما له إذن لا يمنع الأرض أن تميد ولا يزع البركان أن يهيج ولا
يصد طغيان البحر، ولا يرد صواعق السماء؟! هيهات هيهات! كَلَّ الطالب وجَلَّ المطلوب.
قِفْ أيها الإنسان الضعيف خاشعًا أمام هذه القوة القاهرة التي لا تستطيع لها مردًّا، هبها
طوعًا أو كرهًا بقية حولك وطولك.
تزود من الدنيا فإنك نازل غداة غدٍ في حيث لا تحمد
المثوى
ما أرقَّ العاشقَ! وما أصفى نَفْسَه! لقد وقفت من دهري موقف المعتبرة بتنقل الكواكب المتعظة
بتحول الحال، فما أثار لي هذا الموقف إلا حزنًا وما زادني هذا الاعتبار إلا همًّا، أراني أتنبأ
بنوى عاجلة وخطوب نازلة.
وَيْحِي عليك أيها الحبيب! بل وَيْحِي علينا معًا! لقد وَرَدْنا إلى هذا الحُبَّ مع أمل واسع،
وسنصدر عنه ولم نُشْفِ منه علة أو ننقع له غلة.
تريَّثِي أيتها النازلة، ارأفي بي وبحبيبي، أمهليني وإياه ريثما نَجْتَني ثمرة هذا الحب
الناضر؛ فقد أمسينا منها قاب قوسين.
حِكَم غالية يمازجها شيء من عطف النساء وحنوهن تَجُول بصَدْر مَلِكة الحُسْن وربَّة الجَمال،
وقد جلستْ في طنف من ذلك البيت على كرسي من الحرير مُطْرِقةً، وقد تلحظ بعينها النجلاء تلألأ
القمر في السماء، وقد أدلى من أشعته الفضية بأسباب إلى غصون الحديقة وأزهارها؛ فأخذت شكلًا
بديعًا يملأ العين رواء والقلب ارتياحًا، وربما مدَّتْ بصرها إلى أبعد من ذلك فرأت البحر هادئًا
إلا من مداعبة النسيم، وكادت تقرأ عليه آثار العبوس لولا ما يلقيه عليه ضوء القمر وتلألأ
الكواكب، وقد ترفع بصرها قليلًا فترى جبال كلبريا، وقد اتخذ فمها من الثلج أديمًا فضيًا يسقط
عليه ضوء القمر، وتألق الكواكب وكأنها مصابيح شُدَّت إلى السماء بأمراس من الذهب. ترى كل هذه
الزينة، فلا ترجع إلا بِهَمٍّ طريف وحُزْنٍ جديد.
هي على هذه الحال، وإلى جانبها فتى معتدل القوام حَسَن الهندام، تراه فتعلم أنه من ضباط
المشاة في الجيش قد جلس إلى جانبها يُشْعِل لفافة التبغ ويلحظها بعينين كبيرتين في ظل حاجبين
مقوسين. يلحظها في طهارة وخشوع كما يلحظ في المحراب دمية العذراء يسألها بصوت هادئ: ما هذا
الصمت أيتها الحبيبة؟! ما لك لا تكلميني؟! انظري إليَّ، أسمعيني صوتك الرخيم، تكلَّمي، فيمَ
تفكرين؟
أفاقت الحسناء من ذهولها الطويل وأجابت بصوت يرن رنة الحزن: لا أدري أيها الحبيب، بل ما كنت
أفكر في شيء ما … حتى ولا في عرسنا القريب. لا، ما فكرت فيه الآن، لماذا وهل يوجد ما يَحُول
بيننا وبينه؟! كلا؛ ليس في العالم من يستطيع ذلك، لا شيء أيها الحبيب، لا شيء إلا الموت على أن
قراننا في ذمة الله وهو خير الحافظين، أراني حزينة جدًّا، أرى صدري ضيقًا حرجًا أشعر بآلام
كثيرة.
لماذا أيتها الحبيبة؟ مِمَ يحزن العاشق وكيف يكون حزنه؟ أليس الحب هو كل السعادة؟ بلى، فهل
تخافين على حُبِّنا شيئًا؟ كلا؛ إن الله قد ضمن أن يكلأه. إذن فمِمَّ تحزنين؟! ثم مال إليها
قليلًا، فمس بشفتيه جبينها الوضاح، وتناولت عودًا كان إلى جانبها، فاندفعت تُغنِّي.
ليت الليالي والأيام إذ حفظت حبي وحبك لا تغري بنا
النوبا
من لي ومن لك بالصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
أربا؟!
تُرَدِّد هذا الغناء بصوت لا تكاد تسمعه الآذان، ولكن له في العقول والألباب فِعْل الصهباء؛
فلا بدع أن ينسى الفتى نفسه حتى ابتدأت نار اللفافة تلذع شفتيه، فألقى بها وأسلم نفسه إلى
الغناء، ولما فرغت الحسناء تناول العود واندفع يُغنِّي ويضرب بأصابع ما كانت لِتُحْسِن إلا
تحريك السيف في ميدان القتال:
إن الليالي والأيام قد حلفت أن لا تخون ولا تغري بنا
النوبا
أنَّى لنا ولك الصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
أربا؟!
هذا ما نتمناه. وما فرغ الفتى من غنائه حتى أعلنت نواقيسُ البِيَع أن قُضِيَ من المساء عشر
ساعات، وأخذ كل شيء في المدينة يقتضي نصيبه من الهدوء.
استودعتُكِ اللهَ أيتها الحبيبة، استودعتُكِ الله يا زنتا. بعدًا للرقباء! ولكن لا تحزني
فعمَّا قليل يجمعنا الليل بعد أن كان يُفَرِّقنا.
أناتَكَ يا جنار، تمهَّلْ ريثما أملأ عيني منك. تقول ذلك وقد مدَّتْ إليه ذراعيها وعانقته
طويلًا، وتلألأ في عينها دمعتان كاللؤلؤ الرطب، وهي تقول: لقد أخشى أن لا أراك بعد الآن. وبعد
حين انفصل المتعانقان، وقالت بصوت هادئ: الآن تستطيع أن تمضي في ذمة الله؛ فقد حلَّ قلبي شخصك،
امضِ يا جنار نَمْ ملء جفنيك، احلم إذا أردتَ بما تشاء، أنت أنا.
مضى وأمانيه إليه لذيذة وأسلمها للهم
والحسراتِ
تعاني جوى الحب القديم وتصطلي لظى جمرات منه
مشتعلاتِ
فنام وما ذاقت من النوم والكرى سوى عبرات تقتضي
زفراتِ
أفاق من نومه مذعورًا وقد مضى من المساء ساعات أربع، ما الذي أيقظني الآن ولم أنل نصيبي من
الراحة؟! لقد كنت مستغرقًا في نوم لذيذ تتخلله أحلام جميلة، لقد كنت سعيدًا في جوار
حبيبتي.
تنفَّسَ فإذا الهواء مليء برائحة الكبريت، أطَلَّ من النافذة فإذا النجوم متغورة وإذا الجو
مكفهر، تبيَّنَ البحر فإذا بوادر الثورة قد بدرت منه وكأنه يتحفز للوثبة؛ فوقف حائرًا يعبث
بقلبه الخوف، ثم استرجع حوادث أمسه فذكر حزن حبيبته، وعلم أنها كانت تنبأ بحق وما هي إلا أن سمع
كأن انفجارًا عظيمًا في جوف الأرض.
إنه الزلزال، يَجِب أن أنقذ حبيبتي، يجب أن أخلص زنتا. فأسرع في لبس ثيابه، وإذا بهزة عظيمة
عَرَتْه وعملت حتى أطراف أصابعه، اختطف رداءً خفيفًا اشتمل به، وخرج عَدْوًا إلى بيت حبيبته،
وكان على مسافة من بيته، فلما توسَّطَ الطريق أخذته رجَّة عظيمة ألقته على ظهره وأخذه
الدوار.
فتح عينيه، فإذا أبنية المدينة ترقص رقصًا محزنًا وسمع أمواج البحر تلتطم كأنها موسيقى
الجنائز، إلا أن هذه تشيع ميتًا واحدًا، وتلك كانت تندب مدينة بأسرها.
يا للطبيعة تجني وتتألم في وقت واحد! هَمَّ الفتى بالقيام فأعاقته صخرة ضخمة سقطت على صدره،
فرضَّتْه وكسرت له ضلعين وأسلمته إلى الإغماء، ثم رنَّ في أذنيه صوت حبيبته تستغيث، فأفاق والدم
يتدفق من فِيه وعالج الصخرة حتى زحزحها عن صدره، ثم عدا فاقد الشعور إلى بيت حبيبته، وبعد جهد
ما وصل إليه فتسوَّرَ الحديقة، وإذا البيت قد تهدَّم نِصْفُه والنصف الآخر يتداعى، ولولا غشاء
الدوار على عينيه لدلَّتْه على مكان حبيبته ذوائبُ ذهبية تعبث بها نسمات الصباح، ولكنه جاهد حتى
دخل حجرة نومها؛ فإذا السرير منكس، وإذا أجزاء السراج متناثرة في أنحاء الغرفة، فكر إلى الطنف
وفيه رأى الحسناء قد سقطت مثنية إلى جانب الإفريز، وأسلمت ذوائبها الصفر للنسيم، فخلع رداءه
وألقاه عليها، ثم ابتدأ يتسمع خفقان القلب، فإذا قد وقفت دقاته، وإذ ذاك علقت بقلبه سهام اليأس؛
فأخرج من فمه صيحة يحملها الدم المتدفق وخرَّ إلى جانبها صريعًا ثلاثة أيام على هذه
الحال.
وفي صباح اليوم الرابع، أَلْقَتِ السفن مراسيها على شاطئ المدينة الدائرة ودوَّتْ في الفضاء
مدافعُ الحزن على الإنسانية؛ فأفاق الفتى على أصوات القنابل ودوي المدافع: مكانَك يا جنار، ليست
هذه مدافع العدو إنما هي مدافع أبناء الإنسان جاءوا لنصرة إخوانهم. نظر فلم يَرَ إلا سباع الطير
تنهش لحم الإنسان، تنفَّسَ فكاد يخنقه نتن الجِيَف.
وبعد حين، سمع أصوات الناس فصاح بصَوْتٍ خافت: الغوث الغوث، الإعانة الإعانة! فما هي إلا أن
نُصِبَ سُلَّم رَقَتْ عليه الحسناءُ تخاطر بحياتها ولا تبالي بما ستلقاه، رَقَتْ مُسْرِعة
نَشِطة، فلم تَكَدْ ترى مصرع الحبيبين حتى انكسر قلبها حزنًا على ابن الشعب وحامي حماه، أمَّا
هو فلم يكد يرى حسناء تحمل حقيبة صغيرة لها قفل من الذهب حتى عرفها.
أجل؛ عرف ولية نعمته، عرف ربَّة التاج، عرف مَلِكة إيطاليا التي طالما شاهَدَها مع مولاه
الملك في أعياد رومية؛ فأهدى إليها كلمة الشكر ودَنَتْ منه بشيء من الأدوية المسعفة، ولكن ماذا
ينفع الدواء إن الفتى قد عاد إلى غشيته؟!
جَفَتْ وبها من داخل القلب لوعة وللعين دمع وَاكِف
العَبَراتِ
تصلي بنسك للإله ولم يكن ليرجع نسك ميتًا
لحياةِ
جَثَتْ ربَّة التاج إلى جانبه حزينة منتحبة تقول الصوت تقطعه العَبْرة: يا لله! حبيبان
يحملهما الموت على جناح واحد!
انظري أيتها الملكة الشفيقة، إن الفتى قد ذهبت بعقله غمرات الموت؛ فهو ينظر متلهفًا يظنك
حبيبته، اسمعي إنه يدعوك بصوت خافت: عانقيني أيتها الحبيبة عانقيني بازنتا، إنني سأموت الآن!
مالتْ إليه ربةُ التاج، فأغمضت عينيه بقُبْلَتَيْن طاهرتين وعانقته طويلًا، وإن على شفتيه
لابتسامة خفيفة، وهو يقول: لقد كنت أوقن بأنك حية.
في ذمة الله أيها الحبيبان، ولك الثناء الطيب أيتها المَلِكة.
شكاة الأديب
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
٢٧ نوفمبر ١٩٠٩
ضَنيتُ لا من هوَى الغَواني واشتقتُ لا للمَها
الحِسان
وشفَّني لا صدود ريم إذا ثنَى عِطْفه
سَبَاني
وافتداني لا هوَى فلان فقد تولَّى هوَى فلان
ما أنا والحب يَزدَهيني حسبي من الحب ما
ازدهاني
لقد بلوتُ الغَرام غِرًّا فكم بآلامه
ابتلاني!
كم حمد الغِيد من بلائي مُذْ كان لي بالهوى
يدان!
تحكَّم الغِيدُ فيَّ دهرًا ثم انثنى عنهم
عناني
لا أكذب الله أن عامًا مضى حثيثًا بلا تواني
إذا تذكرته استهلَّتْ دموعُ عيني كالجُمَان
إذ أنا في لذة وأمن أباكر اللهو غير واني
أستقبل الدهر في صفاء وما درَى كاشِحٌ مكاني
لا يصحو لي عاذلي وإن لم يُثنِ اعتزامي إذا
لَحَاني
إني لذو رحمة وعطف على عدوي وإن قلاني
أرْضَيتُ بالطَّيِّبات نفسي في غير إثم ولا
افتتان
ما أخذ الكاتبان سوءًا يذودني عن رُبَى
الجنان
إن كان في قُبلة جناح فإنني منه في أمان
لم أستبح نَيْلها فجورًا بل قال بالحِلِّ
«مُفتيان»
قد نِلتُها واستزدتُ منها لو بعض ما نلته
كفاني
ثم طوى الدهر ذاك عنا ليتَ الرَّدَى قبلها
طواني
لا يشمتُ الحاسدون إني سَلوتُ حبي وما
سَلاني
رأيت أن الهوَى سيُلقي نفسي في هُوَّة
الهَوان
فقلتُ للقلبِ: عدِّ عنه ودَعْه للمُترَف
الجبان
إن نعيم الحياة يَفنى وطيب الحمد غير فاني
هن الأماني ملَكن قلبي يا وَيحَ قلبي من
الأماني!
ذُدْنَ كَرَى النوم عن جفوني وقلن للصَّفْو لا
يراني
أدْنَينَ أسبابَهن مني ونائل الدهر غير داني
بيني وبين الزمان حربٌ لا صنع الله للزمان
لن يبلغ الثأر من زمان من صال بالسيف
والسنان
إن كان يُغني البيان عني فإنني صاحبُ البيان
من حارب الدهر لم يَسَعه إلا رضاه بكل شان
لم أمضِ عشرين غير أني بلوتُ دهري كما
بَلاني
ما أنا والحادثات إلا كالريح والأغصن اللدان
أميل بالنفس حيث مالت مثبت الجأش والجنان
إذا شكى البؤس كل ندب فقد نجا منه شاعران
بينا نعانيه كان شوقي يقصف في كرمة ابن هاني
وحافظ في القطار يلهو مُشرَّد الهمِّ غير
عاني
أذاك أم مسَّه شقاء فانتجع الواصل المداني؟
ثم انثنى وهو بالصفايا من صلف الدهر في ضمان
فليَطبِ الشاعران نَفْسًا إنَّا رَضينا بما
نعاني
ما سرَّني ساعة كبؤسي والأدب الغض صاحبان
لقد سَئِمْتُ الصِّحَاب حتى وَددتُ لو كلُّهم
جفاني
تهاني العيد
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
٢٥ ديسمبر ١٩٠٩
أعلم أنَّ عهد القُرَّاء برسائلي بعيد، وأن قليلًا منهم الذين يقرءون بشَغَف ما أكتب، ويحبون أن يكون كثيرًا؛ أعلم ذلك وإلى هؤلاء أعتذر من انقطاع رسائلي عنهم هذه المُدَّة التي يرونها طويلة، وقد أراها قصيرةً جدًّا، وما إخالهم إلا عاذرين. هل يُصدق القُرَّاء إن قلت لم يصرفني عنهم إلا ما يُنْسِي الشاعرَ نفسَه، ويصرفه عن كل شيء؟
أيسمعون لي إن قلت: لم يكفَّني عن الكتابة إلا شيء لو استرسلت معه لملَّت الفتاةُ رسائلي، ولسئموا هم قراءاتها؟
أَيُصغُون إليَّ إنْ قُلت لم أنقطع عن الكتابة إلا مُختارًا، ولقد لذَّ لي عيشي في هذه الفترة أضعافَ ما يَلَذُّ لي اليوم وما بعده؟
آهٍ! ما ألذَّ الذكرى وأشدَّ آلامها في آن واحد!
كم أنا سعيدٌ أمس! وكم أنا شقيٌّ اليوم! كم كنتُ راضيًا عن الناس مُحبًّا لهم! وكم أنا ساخط عليهم مُتبرِّم بهم! إن قلبي ليريد أن يتكلم، ولكن لا يجد من يفهم عنه.
إنَّ للقلوب كلامًا لا تؤدِّيه الألسنة ولا تَعِيه الأسماع، كلام لا تفهمه إلا القلوب. أريد الآن أن أشكو، ولكني لا أجد مُشْكِيًا. أريد الآن أن أنصح، ولكني لا أجد مصغيًا.
وا حرَّ قلباه؛ تضيع النصيحة والشكوى بين جفاء الطباع ونبو الأسماع! ولكن ما أنا وهذه اللهجة المُحزنة يوم كل الناس فَرِح مسرور.
معذرة إلى القُرَّاء؛ فقد أكون حيًّا في الطبع قليلًا أو كثيرًا. والحق أقول: إنَّ من يستهين بالحزن والفرح ليس له أن يعيش هنا أو على أقلِّ تقديرٍ ليس له أن يكتب إلى من يرونهما كلَّ الحياة، غير أن بين القُرَّاء فريقًا هم شُركائي في المذهب، ونظرائي في العقيدة؛ فلا عليَّ أنْ أُقَدِّم بعد ذلك إلى القُرَّاء كافةً أجملَ تحية، وأزكى تهنئة بهذا العيد السعيد.
أقدِّم لهم هذه التهنئة والتحية؛ لأنَّ هذه عادة قومية لا أجد لي منها بُدًّا.
لقد أصبحتُ أمسِ وإن بين يديَّ من رسائل التهنئة لشيئًا كثيرًا جلست إليه أستقصيه؛ فاستقصيتُ معه الضحكَ والبكاء. جعلتُ أقرأ تلك الرسائل فكنتُ أنبذ واحدة وأحتفظ بأخرى، وأنا على ذلك نَشِطٌ مسرور، حتى وقعت لي رسالة لم أكد أقرؤها حتى انتقلت فجأة من السرور إلى الحزن، ومن الضحك إلى البكاء، وخفتُ أن يلحظ جُلسائي عليَّ ذلك فتركتُهم مُعتذرًا، ودخلتُ إلى حيث أستطيع أن أدع للدموع مجراها وللَّوْعة سبيلها.
فيا لكَ من يوم توالت همومُه على النفس حتى خلتُ أنيَ هالكُ
أرى الناس كلٌّ آخذٌ بنصيبه من البؤس والنُّعمى فباكٍ وضاحكُ
لم تستخفَّني هذه الرسالة لبلاغة في معناها، أو رقة في أسلوبها، أو جمال في معرضها، وإنما استخفتني لأنها رسالة فلان.
قرأت هذه الرسالة؛ فإذا فيها:
صديقي العزيز اجتمعنا في مثل هذا اليوم ومعنا أصدقاؤنا الأعزاء، فسُقْيًا لذلك اليوم! ثم افترقنا بعد أيام، ولم يبقَ إلا أنا وأنت؛ فما أجمل هذه الذكرى! ثم فرَّق بيننا أولُ الصيف؛ فبعدًا له! أهنئك بهذا العيد، ولا أكذبك أني لا أجدُ لنفسي عنك صبرًا. أَعِرْني سمعَك وأبلغ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: كذب كل ما قيل. صديقك
لماذا تحزنني هذه الرسالة؛ لأنها رسالة شخص ما كان أعزه عليَّ وأحبَّه إلى قلبي، توثَّقت بيني وبينه العُرَى واتصلت الوسائل، ثم انقطعت فجأة في اليوم الذي كنت أؤمِّل فيه أن لا تزيد إلا توثُّقًا واتصالًا.
أيها الشخص الكريم عليَّ، الحبيب إليَّ، المُستأثر بقلبي، العابث بلُبِّي، المالك لسعادتي وشقائي، العارف بآلامي وطبي (كل ذلك قد كان)، سلام على عهدك القديم وأيامك الخالية وودِّك قبل أن يستحيل، وقلبك قبل أن يملكه غيري. تالله ما ابتسام هذا العيد لي في هذا العام كابتسامك لي العام الماضي، ولا صفاؤه لي في هذه السنة كصفاء قلبك لي في السنة الماضية، ولا سروري به العام كسروري بلقائك عام أول.
تالله ما أفسدَ بيني وبينك إلا أنت، ولا صدع قلبي وقلبك إلا أنت، ولا أشقى صديقينا إلا أنت؛ فأنت أصل سعادتنا عامين، ومصدر شقائنا آخرَ الدهر. نشكو منك إليك؛ فأنت المنتصف. اجتمعنا في مثل هذا اليوم — كما تقول — فلا سُقْيًا لذلك اليوم؛ لأنه أصل شقائي، ثم افترقنا بعد أيام فلم يبقَ إلا أنا وأنت — كما تقول — فما أسوأ هذه الذكرى! لأنها مصدر مِحنتي، ثم فَرَّقَ بيننا أول الصيف، فسُقْيًا لهذا اليوم؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.
أهنِّئك بهذا العيد ولا أكذبك أني صابر عنك صبرًا جميلًا. أَعِرْني سمعك وأبلغْ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: لقد كذَّبتُ كلَّ ما قيل، ولكن لم أستطع تكذيبَ ما أشاهد، والسلام.
منصب الرسالة
طه حسين
مجلة الهداية
يناير ١٩١٠
نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.
هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!
مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.
فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.
قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.
هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.
بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.
فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.
بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.
فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ )، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.
هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ).
وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»
وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).
كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل( : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.
والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.
حتى في الحفلات العامة
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
١٥ يناير ١٩١٠
أكثَرَ النَّاسُ مِنْ نُصْحِ الأزْهَريِّينَ وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وتنفيرهم مما هم فيه
من لغو القول وسخف الحديث؛ فلم يلتفتوا إلى ما دُعُوا إليه، ولم يُصغُوا إلى أصوات المُخلصين أو
تهكُّم الساخرين.
ولقد كنتُ بعيدًا عن هذا البَحث؛ لأنِّي أخذْتُ على نفسي أنْ لا أكتُبَ الآن فيما يُغضب
أحدًا، وأن تكون أبحاثي مقصورة على الأدبيات والغَراميات مُذْ كان ارتياح الناس إلى هذا كثيرًا،
وتطلبهم له جمًّا، لولا أن دُعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الزَّيات
مساء الخميس الماضي؛ لعقد قرانه بكريمة المِفضال سيد أفندي النجار، فلمَّا أجبتُ الدَّعوة راقني
ما كان في الحفل من جمال وظُرف، ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقتُ إلى
سَمَاعه. ولستُ الآن بقائل كلمتي في هذا النوع من الغناء، ولا في هذا المغني المطرب الأستاذ
الشيخ الحمزاوي، ولكني أقول كلمةً هي في الحقيقة حزن وأسى، لا سرور وفرح.
بينما كان المُغني يطرب الناس بغنائه الجميل مال إلى طريقة لم أفهمها، كما أني لم ألُمْهُ
فيها. هذه الطريقة هي التهكم بالأزهريين والسخر منهم: أوله «رُبَّ»، فما هي إلا أن أسترسل في
البيت قليلًا ثم عاد فانتقل منه إلى قطعة من «الآجرومية»، فجعل يقول: رُبَّ ولعل ومتى واللام
والواو والباء والتاء، فضحك له النَّاسُ كثيرًا، ومنهم أنا، إلا أنَّ ضحكي لم يكن إلا عنوانًا
لما يُكِنُّه فؤادي من الأسف والأسى على ما وصل إليه أمر الأزهريين من الضِّعة والامتهان، ثم
انتقل إلى بيت آخر هو قول القائل:
إن كان في جلنارِ الخدَّ مِن عجبٍ فالصدرُ يَطرحُ رُمانًا لمَنْ يردِ
فجعل يُرَدِّد هذا البيت بأنْغَام مُستحسنة، ثم عمد بطريقة من التهكم إلى كلمة في البيت هي
الجلنار، فقسمها قسمين، وأخذ لفظة النار فجعل يرددها هكذا: نار على نور، نور على نار، نار على
نار.
ثم شرح هذا الترديد بقوله: النور في وجه الحبيب، والنار في كبدي أنا. ولو أنَّ بالكتابة يتمثل
للناس المعاني تمثلًا ظاهرًا لمثلث للقُرَّاء تَهكُّم المعنى فيما كان يقوله بطريقة الترح
والحواشي، ولا سيما التفاته بذلك إلى العمائم؛ فقد كان كثيرًا مُضحكًا.
أنا لا ألوم المغني في ذلك؛ فقد يكون عمله وتبكية الأزهريين طريقة من طرق النصح والإرشاد، كما
أنه قد يكون مَحض التفنن لإرضاء السامعين وإطرابهم، وعلى كلتا الحالين فنحن الأزهريين أهل
اللوم؛ لأنَّنا جعَلْنا أنفسنا أغراضًا لمِثْل هذه المخجلات، وأبينا مع مرور الزَّمن إلا أنْ
نظل على ما نحن فيه من جمود وخمول؛ فعسى أن نتعظ بمثل هذا التهكم وتلك السخرية اللذين يترددان
كثيرًا في كل يوم، حتى أصبحت لفظة الأزهري أو المجاور سُبَّة على الناس وعارًا.
لعلنا نتعظ بكل هذا فنصلح من أمرنا، ونقصر عن جمودنا، ونجاري غيرنا في الرُّقي والتقدم؛ فقد
بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطبين، وإن في ذلك لبلاغًا.
يوم القران قصيدة قالها صاحب الإمضاء يهنئ بها صديقه صاحب الحفل، ويحمد من حفله أن جمعه بصديق له
طالت بينهما الجفوة، فأصلح بينهما: يا خليليَّ سلامي حبذا يوم القران حبذا أمس فَفَدَّا ني نوالًا غير دان حبذا ليلة أمس راق لي فيها زمان ليلة قد نلت فيها من حظوظي ما شفاني ليلة قصر في تقـ ـريظها أمس لساني أنا لا أحمد منها حسن توقيع الأغاني إنما أحمد منها حسن أنسي بفلان وسروري بصديق وهو في أحسن شان ناعم البال قرير الـ ـعين في غير افتتان لم أزل أقصف حتى خلت أني في الجنان بينما نحن على ذ لك زفَّ القمران آه يا زياتُ ما أجـ ـمل ساعات الأماني! هُنَّ قد هجْنَ لنفسي ذِكْر سَحْرٍ وعنان أنا لولا سوء حظي لم أكن إلا ابن هاني يا شقيق النفس ضاق الشـْ ـشِعر عن نظم التهاني لا تلُمني إن دعوتُ الشـْ ـشِعر والشعر عصاني جلَّ حبي لك يا زيـْ ـيَات عن وصف البيان لك من صِدْق ودادي أي أسباب متان يا صديقي ولعمر الله لو صدقتماني! آه كم أضمر حبًّا لكما لو تعلمان! إن محمودًا لمن قلـ ـبيَ في خير مكان لكما نفسي فداء من عوادي الحدثان فلتعيشا ليَ حتى يقضيَ الله زماني قد أطلت القول يا زيـْ ـيَات فاهنأ بالقران
المروق
طه حسين
جريدة الجريدة
٢٨ يونيو ١٩١٠
أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.
كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.
كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.
ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.
لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).
الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.
بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.
ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.
كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.
أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.
وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.
قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.
أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.
أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.
أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.
اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.
حقيقة الدين
طه حسين
مجلة الهداية
يناير ١٩١٢
زعموا والزعم في هذه الأيام كثير أن الرجل لا يكون خيراً صالحاً ولا مسلماً متورعاً ولا تقياً رشيداً إلا إذا اصطنع أموراً خاصة وانتحل نحلاً معينة وذهب مذاهب معروفة، فليس له أن يلبس إلا لبوساً خاصاً فيكبر العمامة ويرسل أردان الثوب ويطيل الأكمام ويمشي مشية المتخشع الذي يتكلف الوقار ويظهر الحرص عليه. وينبغي أن يأخذ في يده مسبحة طويلة كبيرة الحبات ويغرس في عمامته سواكاً طويل القامة ويملأ أنفه من حين إلى حين بألوان من السعوط ويطلق لسانه من آن إلى آن بأنواع من الكلام تكثر فيها القاف وغيرها من الحروف الضخمة الفخمة. فكل هذه أمور لازمة وصفات ضرورية هي مقومات العلم والدين فليس لمسلم صالح أن يحيد عنها أو يتكلف غيرها إلا إذا أراد أن يحيد عن السنة ويميل عن العقيدة الطاهرة ويذهب مذهب الملحدين.
قالوا: ولا بد من التردد على مقابر الأولياء ومشاهد الصالحين والطواف بها والوقوف عليها وإظهار الخشية والرهبة لها والتقرب إلى الله عز وجل ببركة سكانها، ومن حاد عن ذلك فقد اختار الأولى على الآخرة وآثر الباطل على الحق ورغب إلى الدنيا عن الدين.
قالوا: ولا بد مع ذلك من الاحتفاظ بعقائد السلف وعادات الأولين والابتعاد عن استحداث الأمر الصالح والسنة النافعة وعن الجهر بالرأي والتصريح بذات النفس وعن القول في العلم والدين بما لم يقله قائل ولم يذهب إليه ذاهب، فإن ذلك أدنى إلى حسن العاقبة وأخلق بمن يريد أن يلقى الله بنفس بريئة وقلب سليم.
ذلك هو القانون الذي رسموه وأوجبوا على المسلم الصالح أن يتبعه ويحرص عليه ليسلم له دينه وتصح له عقيدته ويأمن من حر النار وعذاب الجحيم، وقد رأوا أن العدول عنه والتبديل فيه نوع من الشرك وضرب من الزندقة وطائف من المروق.
بذلك انطلقت ألسنتهم وفاضت فتياهم وعليه دلت أعمالهم وبرهنت أطوارهم، فلنبحث الآن عن نصيبه من الحق وحظه من الصواب وليكن بحثنا في هذا الفصل مجملاً موجزاً لنتبعه فيما بعد بفصول ضافية متصلة نشرح فيها حقيقة العقائد الدينية لتهتدي إليها الأمة ويظهر عليها الجمهور.
لا نفهم للدين معنى يقصد إليه أكثر من هداية النفوس إلى ما يصلح أمرها في الآخرة والأولى، فإن الإنسان اجتماعي بطبعه مدني بفطرته نزاع إلى إيثار نفسه بالصالحات واختصاصها بالطيبات، وذلك مؤدٍ لا محالة إلى اختلاف الأهواء وافتراق الآراء وتباين المذاهب والأغراض، فقد تتعارض المصالح وتتنافى المنافع فيدعو ذلك إلى اضطغان الصدور وامتلاء القلوب بالموجدة والبغض، وذلك مصدر فساد في الأرض يعقبه سفك للدماء المحرمة وإهدار للنفوس المعصومة وقطع لأواصر المودة والألفة بين الناس وهدم لصروح الحضارة والعمران، فلا بد من حاكم حازم وسلطان رشيد يحكم بين الناس بالقسط ويرد عادية القوي الظالم عن الضعيف المظلوم ويصرف الأفناء والجماعات إلى العمل الصالح والرغبة في الخير والمنفعة العامة.
ثم إن مما لا شك فيه أن لكل عمل من أعمال الإنسان أثراً حسناً أو سيئاً ونتيجة محمودة أو مرذولة كما أن له مقدمة وعلة، وأقصى ما لأعمال الإنسان من النتائج والآثار هو ما يلقاه بعد الموت من خير أو شر ومن نعيم أو جحيم، وذلك كله يقتضي أن هناك مصرفاً للأمور ومسيراً للعالم ومثيباً بالحسنات ومعاقباً على السيئات ومسيطراً على النفوس ومستأثراً بالقلوب، فلا بد للإنسان من مرشد إلى هذا كله ودال عليه لأن عقله لا يستقل بالوصول إلى حقيقته، ولئن استطاع أن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعلم قليلاً من أمر الآخرة لانقطاع الأسباب بينها وبين العقل. وقد امتن الله على الإنسان فأرشده إلى كل ذلك بمن أرسل إليه من رسل وما أنزل عليهم من كتب وما شرع لهم من دين.
فليس لأحد أن يذهب في فهم الدين غير هذا المذهب أو ينحو غير هذا النحو أو يسلك غير هذه السبيل، لا لأنا نحجر على الرأي أو نستبد في النظر بل لأن ذلك هو الحق الواضح الذي ينطق به الدين وينادي عليه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
هذه آيات الكتاب ناطقة بأن الله لم ينزل كتبه ولم يشرع دينه إلا لهداية القلوب وإرشاد الناس إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، وقد أحل لهم فيه الحلال وحرم عليهم الحرام وماز لهم الحق من الباطل والرشد من الغي والحسن من القبيح، فمن بدّل فيه أو زاد عليه فهو حريّ بالإثم خليق بسوء الجزاء.
فلنبحث الآن عن هذه الأوضاع المحدثة والأطوار المبتدعة ولننظر أين مصدرها من الدين وهل جاء بها نص ظاهر أو مؤول من سنة أو كتاب.
نعرف أن ليس في القرآن الكريم آية أو سورة أنزلت لبيان ما ينبغي أن يتخذ الناس من لبوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذنا بنوع خاص من الثياب أو شكل معين من الأزياء، وإنما ترك لنا ذلك لأنه لم يبعث ليعلمنا كيف نلبس أثوابنا أو نصور أشكالنا، وإنما بعث ليعلمنا كيف نعبد الله عز وجل وماذا ينبغي أن نتخذ إلى السعادة في الدنيا والآخرة من سبيل.
لذلك لم يقيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهم بزي خاص بل اتخذوا العمائم قبل الفتح ولبسوا القلانس بعده واستبدلوا المخيط من الثياب بالأزر والأردية واتخذوا القصور الشامخة في العراق والشام بل وفي المدينة نفسها، وقد تحلى معاوية بالذهب والفضة ولبس الديباج والحرير، ولعمري إنا لأسمح ديناً من أن نضيق بما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعرف أن الإسلام إنما شُرع حرباً على الوثنية وماحياً لها وعدواً للباطل وقاضياً عليه، فهو أطهر وأنقى وأكرم عنصراً من أن يأمر بتعظيم القبور والأنصاب وتقديس الأحجار والأشخاص. وإنما الذي ينبغي تعظيمه ويجب تقديسه والإذعان لسلطانه هو الله الذي لا إله إلا هو قد استأثر بالعزة والسطوة وانفرد بالعظمة والجلال.
قالوا: لا نعبد هذه القبور والأشخاص ولا نقدسها وإنما نتقرب بها إلى الله ونتشفع بها لديه. ولعمري ما قالوا إلا شراً وما ذهبوا إلا إلى بدع من الأمر ومنكر من الباطل. فليس بين الناس وبين الله من سبب ولا وسيلة إلا الطاعة الخالصة والإنابة البريئة من الشرك والرياء والله عز وجل يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ويقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وإنما التوسل بالأشخاص والتماثيل سبيل المشركين به الخارجين عليه الذين أنكرت عليهم عبادة الأصنام والتماثيل فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ومن ذا الذي يتقرب إلى الله بشخص لا حول له ولا طول أو تمثال لا حس به ولا حياة ثم يعتقد بعد ذلك أنه صادق في دينه مخلص في إيمانه قد خلصت عقيدته من الشك وتمحضت لليقين.
نعرف أن الإسلام إنما شرع محرراً للعقول والآراء مستنقذاً للأفراد والجماعات من الرق الأدبي والمادي، وبهذه المزية أحيا الأمم ورقى الشعوب، فمن أين لهؤلاء المبتدعة القول بأن الاجتهاد في الدين غي والتصريح بالرأي إثم وإيثار المنفعة للمسلمين مروق؟ ومن قبلنا قد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وجهروا بآرائهم واختاروا المصالح للناس، لم يتقيدوا إلا بالكتاب والسنة وعلى سنتهم مضى التابعون.
أفكان سلفنا الصالح مبتدعاً مارقاً؟ كلا، وإنما هو الحرص على القديم السيئ والتمادي في الباطل المهلك قد انتهى بهم إلى ما يقولون، ويا ليتهم ذهبوا في هذا الأمر إلى شيء مجمل أو قالوا فيه مقالة موجزة قابلة للتأويل، ولكنهم قد أكثروا القول وبسطوه وفصلوا الأمر ولجوا فيه، فزعموا أن دين المرء لا يصح إلا إذا قرأ عقيدة السنوسي التي يعلمها الخليل أطفال الجنة إلى غير ذلك مما لا مصدر له إلا الأوهام والأباطيل.
الآن قد أشرنا إشارة مجملة إلى حقيقة الدين وبينا أنه لا يتناول أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن زاد على ذلك فيه فقد ضل وأضل. ولنا فيما بعد فصول مبسوطة نفصل فيها القول ونبسط فيها الكلام.
نحن والتقريظ: مختارات المنفلوطي
طه حسين
٢ أبريل ١٩١٢
أما وقد كتب الكاتبون عن هذا الكتاب وفيهم ولي الدين وبعضهم وحافظ، فسنلقي دلونا في الدِّلَاء
— كما يقول المثل العربي — وسندع شيئًا من أعمالنا للنظر في قيمة هذا الكتاب ومنزلته من كتب
الآداب إيثارًا للحق واختيارًا لنصح الأمة وإرشادها.
ونحن نعتقد أن صاحب المختارات لن يَضِيق لما سنكتبه من النقد بعد أن بلا حلاوة التقريظ الذي
أهداه إليه جماعة الكُتَّاب والشعراء، وإنما نكتب عن هذا الكتاب من وجوه:
الأول: منزلته من الاختيار وحُسْنه. ونريد بهذا الوجه أن نعرف نصيب صاحب الكتاب من تحقيق
الغرض المقصود أو الذي ينبغي أن يكون مقصودًا من الاختيار في الآداب، وهو تمثيل الحياة الفكرية
للأمة التي يختار من آدابها في عصر من العصور، حتى يتأتى لتاريخ الآداب أن يستمد هذه الصورة
التي يمثلها الاختيار حكمه على هذه الأمة أولها بالتبريز في الآداب أو القصور.
وإذا أردنا أن نتكلم عن كتاب المنفلوطي من هذا النحو وجب علينا أن نقتصد كل الاقتصاد في المدح
والثناء؛ لأنه مع الأسف الشديد لم يستطع أن يُمثِّل لنا صورة ما من الصور الأدبية للأمة العربية
في أي عصر من العصور، وإنما الكتاب عبارة عن مقطعات صغيرة من الشعر والنثر في موضوعات مختلفة
وعصور متباينة، وقلَّما تستطيع القطعة منها أن تبين حالًا خلقية أو فكرية للعصر الذي قِيلَتْ
فيه؛ لأنها صغيرة ولأنها منفردة في كثير من الأحيان.
اختار المفضل الضبي فمثَّل العصرَ الجاهلي أحْسَن تمثيل، وأهدى إلى أئمة اللغة مقدارًا كبيرًا
من الشواهد العربية التي تقوم بكثير مما كتبوه، ومثله صنع أبو تمام والبحتري إلا أنهما تناولا
العصرين الأموي والعباسي.
أما المنفلوطي فقد اختار في جميع العصور على التقريب إلا أنني أستطيع أن أباهل أي كاتب من
الكُتَّاب على أنه لم يُحْسِن تمثيل أي عصر من العصور. وكيف يبلغ هذه المنزلة من يكتفي بإيراد
بيتين اثنين لعدي بن الرقاع في تهذيب الشعر؟! فالكتاب من هذا النحو لم يُهْدِ إلى تاريخ الآداب
شيئًا ما، وإنما هو على مثال تلك الكتب التي تُؤلَّف للظرفاء يستظهرون ما فيها من المقطعات
لتنطلق بها ألسنتهم في الأسمار والمحاضرات من غير إطالة ولا إملال، وإن عندنا منها شيئًا
كثيرًا.
الوجه الثاني من وجوه النقد: تَحرِّي صاحبنا لأسماء الرجال وأيام حياتهم وتراجمهم؛ فإن مما لا
يحتمل النزاع أن صاحب المختارات راوٍ يجب أن يكون صادق الرواية حَسَن الضبط — كما يقول علماء
الحديث — فإذا زل في اسم رجل أو تاريخه كان ذلك سبيلًا إلى ضعف الثقة به وتبدُّل الرأي فيه. كيف
لا، وذلك تغرير للشبان الذين سيعتمدون عليه في حفظهم واستظهارهم؟!
ولصاحب المختارات من هذا كثير نذكر منه الآن خطأه في اسم كاتب كبير ومؤلف مشهور شاع ذكره بين
الأدباء منذ القرن الرابع للهجرة، وهو أبو هلال العسكري الذي سمَّاه المنفلوطيُّ ابنَ هلال،
وإنما نعرف ابن هلال أحد الخطاطين في مدينة بغداد، فأما الذي روى عنه المنفلوطي فأشهر مِنْ أن
يناله الخفاء وكتبه بيننا منشورة وأحاديثه معروفة!
ومن هذا النحو نستطيع أن نقول إن صاحب المختارات قد جعل على الثقة به سبيلًا للشك
والريب.
الثالث من وجوه النقد: إصابة المؤلف في رواية النصوص الشعرية والنثرية وفَهْم ما يرمي إليه
أصحابها من المعاني والأغراض، ولصاحبنا المنفلوطي من الخطأ في هذا شيء كثير، نذكر منه الآن خطأه
في أول بيت رواه في كتابه، وهو قول الأعرابي:
وداهية داهى بها القوم مُفلقٍ شديد بعوران الكلام
أذومها
روى صاحبُنا البيتَ مُصَحَّفًا فضَبَطَ «القوم» بالنصب على أنها مفعول والصواب رفعها على أنها
فاعل، وإنما «مفلق» بالجر على أنها صفة للداهية. وروى «بعوران» محرفة؛ فزعم أنها العوراء وليس
بشيء، وإنما هي كما روينا لك، وتحقيق ذلك مبسوط في كتاب الكامل لأبي العباس المبرد.
وزعم أن الشاعر يشكو ويستغيث من سفاهة خصمه، واستشهد بهذا على سوء حظ الأدب في هذا العصر،
ولكنه مع الأسف قد أخطأ؛ فإن الشاعر يفتخر بذرابة لسانه ويتمدح بقوة حجته وشدة شكيمته! والدليل
على ذلك قوله بَعْدُ:
أصختُ لها حتى إذا ما وعيتُها رميتُ بأخرى يستديم
أميمها
ترى القوم منها مُطْرِقين كأنما تساقوا عقارًا لا يبل
سليمها
وقد وهم المنفلوطي فروى الشطر الثاني من هذا البيت: تساقوا بكأس! والصواب ما رويناه لك كما هو
في الكتب الصحاح، وأخصها كتاب الكامل.
ومن هذا النحو نستطيع أن نقول: إن صاحب المختارات لم يُوفَّق إلى المنزلة الوسطى في حُسْن
الضبط، وإتقان الرواية، وإصابة الفهم.
الوجه الرابع: أن صاحب المختارات قد تعرَّضَ في كتابه لترجمة الشعراء والكُتَّاب الذين اختار
لهم فلم يجد في ذلك؛ لأنه توهم أن ترجمة الشاعر هي عبارة عن ذكر السَّنَة التي وُلِد أو مات
فيها مع شيء من المدح والإطراء الذي لا ينبغي أن يسرف الناقد فيه، بل يجب أن يتوخى فيه القصد
والأناة.
وليت شعري! إذا كان كل الشعراء والكُتَّاب فحولًا مجيدين وأفذاذًا نابغين، فماذا عسى أن يكون
نصيب النقد الصحيح مما كتبوه أو نظموه. تلك طريقة قد سلكها المتقدمون وشقي بها المتأخرون، فحسن
رأيهم في كل كاتب وظنهم بكل أديب، وذهب التفاوت بين طبقاتهم في الحقيقة.
ومن الغريب أن المنفلوطي مع ذلك لم يترك أن يقول إن هذا الشاعر من الطبقة الأولى، وذاك من
الطبقة الثانية! وما أدري أي شيء هو الحد الذي جعله فاصلًا بين الطبقات ومميزًا بين أقدار
الشعراء، ومن هذا النحو نستطيع أيضًا أن نقول إن صاحب المختارات قد أفعم كتابه بالغلو
والإسراف.
وهناك وجوه أخرى لا أُطِيل بذكرها الآن؛ لأني سأعود إن شاء الله إلى النقد المفصَّل، وإنما
أكتفي في هذا اليوم بما تقدم مع إظهار الأسف الشديد لهذه الحال التي نحاول أن نفارقها فلا
نستطيع، وهي حال الغلو في التقريظ والإفراط في تقارض الثناء.
قصد ولي الدين فيما كتب، ولم يُصِب «بعضهم» الإنصاف فيما نشر.
أما حافظ فأكبر الكُتَّاب على التلاميذ، وزعم أنه كفاية الأديب الفذ والكاتب النابغة، ولعمري
إن بعض ما ذهب إليه حافظ ليكفي لإرضاء المنفلوطي، ولَعَمْرُ حافظ لو أن هذه الأمة امتلأت بأدباء
لا يعرفون إلا ما في مختارات المنفلوطي لكانت أقل من أن تغني غناء أو أن تبلي بلاءً. وإنها
منزلة لا يحبها لأُمَّتِه إلا مغرورًا وسيئ القصد، وإني أُجِلُّ حافظًا عن هاتين الصفتين وأنصح
له آخرة الأمر أن يقصد في إظهار ذات نفسه، وأن يتحرى إصابة الحق في أناة؛ فإن من العيب أن أنكر
عليه قوله: «أخذ عليك ولي الدين.» فإن العرب لا تعدي «أخذ» ﺑ «على» في هذا الموضع، وإنما تعديها
بالباء. كذلك من العيب أن أنكر عليه قوله: «أخصب ما بينه وبين البلاغة، ويبس ما بينه وبين
الركاكة.» فإن الذوق لا يقابل الإخصاب باليبس وإنما يقابله بالإجداب، وإن في هذا الآن لكفاية
وغناءً، ولعل موعدنا بنقد المقدمة في ألفاظها ومعانيها قريب.
الألقاب والثياب
طه حسين
جريدة الجريدة
٢١ أغسطس ١٩١٢
ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!
أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.
أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!
ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …
يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!
ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.
اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.
إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟
بعد الأوبة
طه حسين
مجلة السفور
٥ نوفمبر ١٩١٥
الحمد لله على أنني قد صرت من دهري إلى شر حال
مشتت النفس بعيد الهوى في عثرة من زمني ما تُقال
جهدتُ في الخير لنفسي فما أدركت منه غير طيف الخيال
مني وآمال تقسمنني ثم انجلى زخرفها عن محال
نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.
أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.
والذنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمه
ولو استقامت كانت الأ حوال فيها مُستقيمه
تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.
وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.
واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.
ويا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر
أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.
وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.
زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.
وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.
شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.
فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.
يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.
حياة الخنساء (١): إلى الآنسة صبح
طه حسين
مجلة السفور
١٢ نوفمبر ١٩١٥
سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.
أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.
هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.
فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.
ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.
يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.
يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.
يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.
المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.
غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.
أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.
البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.
طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.
لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.
أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.
على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.
الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.
فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.
لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.
وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.
على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.
ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.
الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire .
وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.
ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.
ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.
سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.
حياة الخنساء (٢): إلى الآنسة صبح
طه حسين
مجلة السفور
١٩ نوفمبر ١٩١٥
مع السرور والابتهاج، أيتها الآنسة العزيزة، أجحد أن تكون للخنساء وغيرها من شعراء الجاهلية
شخصية تاريخية، وإن كُنتِ ترين في ذلك غير ما أرى، وتَمِيلين إلى غير ما أميل إليه.
الخنساء شخص لا يعرفه التاريخ؛ لأنها عاشت قبله أو لأنه لم يظهر عليها.
لم تكن الكتابة أيام الخنساء شائعة عند العرب؛ فمن اليسير أن نعد عصرها من عصور ما قبل
التاريخ. وهبيها كانت شائعة معروفة
ومنتشرة في جميع طبقات الأمة، ومُتناوِلةً للدقيق والجليل من حياتها الأدبية والسياسية، فإنها
لم تتناول حياة الخنساء، أو تناولتها ولم تصل إلينا لأمر ما، فكل ذلك يكفي كفاية تامة لإلزامنا
جحد الشخصية التاريخية للخنساء الآن.
ذاك لأن التاريخ كما يُعرِّفه أصحابه وواضعو مناهجه من المحدثين هو ما استنبط من مصدر مكتوب،
فإذا لم يوجد هذا المصدر لم يوجد التاريخ، فلو أن شاعرًا أو كاتبًا يعيش بيننا الآن، ثم لم
تتناول الكتابة حياته، أو شيئًا من نظمه أو نثره؛ لكان من الحق عليك وعليَّ أن نجحد شخصيته
التاريخية وإن كان قد عاش في عصر التاريخ.
هوميروس اليوناني شخص يجهله التاريخ؛ لأنه عاش قبل أن تشيع الكتابة في الأمة اليونانية، ومع
ذلك فنحن نقرأ قصيدتيه كاملتين، ونستفيد منهما الفائدة كلها في تحقيق الحياة الاجتماعية
والمدنية لليونان أيام جاهليتهم. وبالإلياذة خاصة استعان المؤرخون والأثريون على استكشاف
طروادة، وظفر التاريخ من هذا الاستكشاف بالشيء الكثير، ولكن بندار اليوناني شخص تاريخي لأنه عاش
في عصر ظهر التاريخ فيه على كثير من دقائق الحياة اليونانية، ومع ذلك فإن شعره الغنائي الكثير
لم يؤدِّ إلى التاريخ من الفائدة مثل ما أدى شعر هوميروس.
من هنا يظهر الفرق بين من نسميه شاعرًا تاريخيًّا وشاعرًا غير تاريخي، ومن هنا يظهر أيضًا أن
جهل الشخصية التاريخية لشاعر ما لا يمنع أن يكون هذا الشاعر مفيدًا كل الفائدة للأدب والتاريخ
إذا استطاع الباحثون أن يدرسوا حياته وشعره، وما روي عنهما من الأساطير درسًا منظمًا
منتجًا.
من المعقول ألا يستفيد التاريخ كثيرًا من الشاعر التاريخي؛ فإن ما يتناوله شعره من الحوادث
ونظم الحياة قد يتناوله تاريخ عصره أيضًا، فليس هناك ما يكلف المؤرخ أن يلجأ إلى الشعر؛ ولذلك
اعتمد الناس على ما كتب الشعراء التاريخيون من اليونان والرومان في درس ما رووا من الأقاصيص
والأساطير أكثر مما اعتمدوا عليه فيما تناولوا من حوادث عصرهم التي ظفر بها التاريخ، وإنا إذا
أحببت أن أدرس مقتل المتوكل من الوجهة التاريخية، كان من الحق عليَّ أن أعتمد في هذا الدرس على
مؤرخي هذا العصر أكثر مما أعتمد على رثاء البحتري للمتوكل، كل ذلك أمر ظاهر يحسن ألا نطيل القول
فيه منذ الآن.
إذا لم تكن الخنساء شخصًا يعرفه التاريخ، فهي شخص تعرفه الرواية من غير شك، ومعرفة الرواية
للخنساء أمر تاريخي؛ لأن الكتابة تناولته، وظل التاريخ قد انبسط عليه، فبين أيدينا كتاب الشعر
والشعراء لابن قتيبة، وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وهما يثبتان أن العلماء قد رووا من
حياة الخنساء وشعرها شيئًا ما. ومن الفضول والغلو في البحث أن نُعنى الآن بإثبات ما كان يجب أن
يثبته غيرنا من صحة نسب هذين الكتابين إلى صاحبيهما، ولكن الذي لا نجد من أن نعرض له بُدًّا هو:
أن ما بأيدينا من النسخ لهذين الكتابين يجب ألا ينال ثقتنا المطلقة؛ فقد فقدنا نسختي المؤلفين،
وفقدنا خطيهما، فمن الجائز أن يكون قد لحق كتابيهما شيء من التغيير والتبديل. ومن الجائز، بل من
المحقق أن يكونا قد أصابتهما الزيادة والنقص، فقد رأينا صاحب الأغاني ينص على أنه سيتناول مسائل
الأدب في كتابه، ثم لا يفعل، ورأينا اختلافًا بين النسختين المطبوعتين من هذا الكتاب، ورأينا
فروقًا غير قليلة بين ما طبع من الشعر والشعراء في مصر وفي أوروبا.
ومن الواضح أن مثل هذه الفروق أو أكثر منها يوجد بين النسخ المخطوطة من هذين الكتابين، وليس
منا من يجهل عبث النساخين والمصححين بما ينسخون وما يصححون من الكتب؛ فإن لهم من الجهل والجرأة
ما يحملهم على ألوان من العبث قلَّ أن يسلم منها كتاب.
فكيف نستطيع بعد ذلك أن نثق الثقة كلها بأن ما بين يدينا من كتاب الشعر والشعراء وكتاب
الأغاني هو نفس ما ترك لنا ابن قتيبة وأبو الفرج.
الشعر والشعراء أقدم مصدر مكتوب وصل إلى أيدينا لحياة الخنساء، وقد كان من الممكن أن تصل
إلينا مصادر تاريخية عاصرت الخنساء، فقد كان أبناؤها من الجند، ولعل أسماءهم كانت في الديوان
أيام عمر، ولكن ضياع الدواوين وقلة عناية العرب بحفظ أوراقهم الرسمية قد ذهبا بهذا
المصدر.
ابن قتيبة رجل معروف من أدباء القرن الثالث وعلمائه، ولكن شهادة النقَّاد فيه لا تجعل حظه من
الصدق والتثبت في الرواية موفورًا. والحق أن في كتاب المعارف وكتاب الإمامة والسياسة ما لو صح
عن ابن قتيبة لذهب بأكثر قيمته التاريخية.
أبو الفرج الأصبهاني أحفظ علماء القرن الرابع وأجمعهم للرواية، ولكنه كان خليعًا ماجنًا،
ومتهتكًا مستهترًا، فلا تحسن فيه شهادة النقَّاد كما أنها لم تحسن في ابن قتيبة.
نحن لا نأخذ أنفسنا في جرح رواة الأدب وتعديلهم بما يأخذ به المحدثون أنفسهم في جرح رجال
الحديث وتعديلهم من اشتراط العدالة الدينية، فليس من الحق على الأديب في رأي مؤرخي الآداب أن
يكون ورعًا صالحًا، ولا أن يكون عدلًا ديانًا.
وإنما نكتفي بالعدالة العلمية، وهي أن يكون الرجل صحيح العقل، منظمه، غير مزور، ولا مأخوذ
بتعمد الكذب في العلم.
هذا الشرط ليس موفورًا على ابن قتيبة؛ لأنه في الإمامة والسياسة لا يخلو من أن يكون حبُّه لآل
علي قد ذهب بعقله أو بصدقه العلمي.
فأما صاحب الأغاني فله من هذا الشرط حظه الذي كانت تسمح به الحياة العلمية في عصره؛ فلنتحدث
في الأسبوع المقبل عن قيمة الذين اعتمد عليهم صاحب الأغاني من الرواة.
لست أخشى عليك، أيتها الآنسة العزيزة، السأم من هذه المباحث الجافة التي لا يُلطِّف جفاءها
شعر رائع أو نثر أنيق؛ فإني أعلم أن لك من الميل إلى الحياة العلمية الخالصة التي لا يقلقها
خداع الحس والشعور بما يجعلها سهلة مقبولة ما يفي بمشاركتي في هذا الحديث الغض أوله، الحلو
آخره، فيما أرجو. فإلى اللقاء.
يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية
طه حسين
مجلة السفور
١٠ ديسمبر ١٩١٥
في مثل هذا اليوم من السنة الماضية سمعت لأول مرة درس الآداب في جامعة «مونبلييه»، وكان الأستاذ يدرس قصة وضعها ألفريد دي فيني Alfred de Vigny على المثال الذي اخترعه الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت Walter Scott من القصص يلمُّ فيه الكاتب بحادثة من حوادث التاريخ. لخَّص الأستاذ القصة وحلَّل موضوعها ونقد لفظها ومعناها، وما تمثل من صور أشخاصها وأبطالها، وبيَّن ما أثَّرت فيه وتأثَّرت به من كتب القدماء والمحدثين.
فلما خرجنا من الدرس سألت صاحبي ضيفًا: كيف ترى هذه المحاضرة؟ قال: لا بأس بها، ولكنها شديدة الاختصار.
إنك لمسرف شديد الطمع يا ضيف، فلو سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية ورأيت الأستاذ وقد مرَّ في محاضرة واحدة بثمانية من الشعراء في عصر المأمون لعرفت أن صاحبنا في مونبلييه قد بلغ الغاية القصوى من الإطالة والإسهاب.
رجعنا بعد ذلك إلى مصر، وفي هذا اليوم نفسه من هذه السنة سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية وأبى ضيف أن يحضره معي؛ لأنه كان عنه في شغل، ولو قد سمع الدرس الذي سمعته لذكر القصة التي أذكرها الآن، ولشهد بنفسه البرهان على أن الأستاذ فيني قد كان مطيلًا مكثرًا، بل كان مملًّا مسئمًا.
كان درس الأستاذ المهدي في تاريخ الأدب العربي في الأندلس أيام الحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر أشبه بمعرض الصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء، ولما يتبين منها الطلاب أكثر من أسمائهم. وما عسى أن يكون درس ذهب نصفه في وصف مكتبة المستنصر ودهاء المنصور، وألمَّ النصف الباقي بما يتجاوز عشرة من الشعراء؟
مكتبة المستنصر! إن أمرها لغريب هذه المكتبة، كان فيها أربعمائة ألف مجلد، ولها فهرس يزيد على ثمانمائة ورقة وليس فيها كتاب إلا قرأه الحكم! وعلَّق عليه! ووضع له مقدمة! وهو لم يملك إلا بضعة عشر عامًا قد ملئت بالفتوح وألوان الجهاد!
كل ذلك قاله الرواة، وكل ذلك قبله الأستاذ، إلا أن أوراق الفهرس في رأيه أقل جدًّا مما كان يجب أن تكون! شيء لطيف.
مررنا بطائفة كبيرة من الشعراء يذكر الأستاذ اسم الشاعر وشيئًا من شعره، ولكنه لا يكاد يفرغ من إنشاد البيت حتى ننتقل من الجامعة إلى إحدى الحانات فنسمع دوي الشرب وقد أطربتهم نغمة المغني وتوقيع العواد، فقالوا بصوت واحد: الله أَعِدْ! فيعيد الأستاذ، والظاهر أنه يحب الاستعادة؛ فقد أنشد بيتًا لم يستعده الطلبة، فقال: لِمَ لا تستعيدون هذا البيت؟ إنه جميل: أَعِدْ يا أستاذ من فضلك، فيعيد! الله أكبر، جميل جدًّا صحيح! وكذلك مضى الدرس.
إنك لسيئ الحظ يا ضيف، فلو سمعت معي درس الأمس لرأيت شعر ابن هانئ ينسب إلى ابن خفاجة، ثم يعتذر الأستاذ حين ينكر ذلك عليه بعض الطلبة.
إنك لتعس فلو سمعت معي درس الأمس لأعجبك هذا البيت:
فكأن الزجاج جامد ماء وكأن المدام ذائب نار
لا بأس، وما عسى أن تكون هذه النار الذائبة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية: ذوب نضار؟ لا يبعد.
ولكن ما لنا وللتحقيق؟ فقد رأينا ابن خفاجة يُعدُّ من معاصري المنصور المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، مع أن ابن خفاجة لم يولد إلا سنة خمسين وأربعمائة؛ أي بعد أن فرغ المنصور من الحياة وفرغت الحياة منه.
وبعد أن اختلفت شئون وحالت أحوال، وبعد أن تنكَّر الدهر لقرطبة وذهب منها ريح بني أمية، وعبثت مطامع المتغلبين ببلاد الأندلس جملة، فالمؤثرات التي أثَّرت في ابن خفاجة وكوَّنت شاعريته غير المؤثرات التي كونت الشعراء في عصر المنصور، وحسبك ما يكون من الفرق بين شاعر نشأ أيام الوحدة وآخر نشأ أيام الافتراق، وما لنا وللتحقيق؟ فإن الأستاذ قد كان يعجله حب الاختصار عن كل شيء، حتى إنه إذا ذكر الشاعر نسي أن يذكر سنة ميلاده ووفاته، ولعله لو عني بذلك أو فكر فيه لوضع ابن هانئ موضع ابن خفاجة؛ فقد عاش ابن هانئ في أيام المستنصر وارتحل من الأندلس ومدح المعز.
لم يكن في هذا الدرس شيء يدل على أنه درس في الجامعة، وإنما هو نوع من الحديث يستفزُّ سامعيه بما يعرض فيه من الغزل والوصف ومن آيات البديهة والارتجال.
لا ألوم الجامعة؛ فإنها لم تألُ جهدًا في حُسن الاختيار، ولا ألوم الأستاذ؛ فإنه قد بذل ما يملك وجادَ بما يستطيع أن يجود به. ولكني أرثي لصاحبي ضيف؛ لأنه حرم نفسه لذة الاستماع لهذا الدرس الجميل.
أرثي له لأنه حرم هذه اللذة، وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم في جامعات فرنسا ثم في جامعة مصر، وقارن بين الأساتذة والطلاب هنا وهناك.
حرم هذا الألم، وكان من الحق عليه أن يشعر به ليعرف أن اختصار فرنسا إطالة، وأن إطالتنا اختصار، وأن هزل فرنسا جد، وأن جدنا لعب، وأن فرنسا حرية بالحب والإعجاب، وأن مصر خليقة بالرحمة والرثاء، زاد الله فرنسا رقيًّا ورفعة، ووفى لمصر حاجتها من الإصلاح.