صراع
بين الحياة والرأي صراع خطير في هذه الأيام تشهده مصر، فيثير في نفسها ألماً لاذعاً، ويقر في قلبها حزناً عميقاً. وغريب جداً أن يقال إن بين الحياة والرأي صراعاً، ولكن هذا على غرابته هو الحق الذي لا شك فيه. فالمصريون جميعاً يحبون حرية الرأي، ويحرصون عليها، ويودون لو ظفروا بها، ويكرهون كل الكره أن يحرم بعضهم مهما يكن حق الاستمتاع بها. ولكن المصريين جميعاً يحبون الحياة، ويحبون الحياة الحلوة الناعمة – وكثير منهم مع الأسف الشديد – لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يكن هذا التكوين الذي يمكنه من أن يفهم الحياة على وجهها، ويقدرها حق قدرها، ويضعها في الموضوع الذي يجب أن تكون فيه. ويعلم أن الحياة في غير حرية موت، وأن الحياة في غير كرامة موت، وأن الحياة في غير عزة موت.
نعم بين المصريين – مع الأسف الشديد – جماعة يُخيل إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب، وهي اللذة واللهو، وهي الفكاهة والمزاح، وهي قضاء الوقت بين طائفة من الأعمال الآلية وطائفة من اللذات المنحطة، لا يستطيعون أن يرقوا بالحياة إلى ما فوق هذا، فهم راضون عن أنفسهم إذا أدوا هذا العمل الآلي، وهم راضون عن أنفسهم إذا ظفروا بهذه اللذات الفارغة، وهم على هذه الحياة حراص، يبذلون في سبيلها كل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، وينزلون من أجلها عن كل شيء، لأنهم لم يتعودوا أن يؤثروا بها شيئاً غيرها! ولا تقل لهؤلاء الناس إن حياتهم هذه لا ترفعهم إلى طبقة الإنسان المتحضر حقاً، الممتاز حقاً من الكائنات الحية الأخرى التي تحيط به، وتشاركه في الحياة! فهم لا يفهمون عنك هذا القول، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأن هذه الكائنات الحية الأخرى لا تختلف إلى المكاتب والدواوين كما يختلفون، ولا تذهب إلى الأندية والملاهي كما يذهبون، ولا تلعب النرد والشطرنج كما يلعبون، ولا تحكم الناس كما يحكمون، ولا تأخذ في ألوان الجد والهزل كما يأخذون. فهم إذن ممتازون من هذه الكائنات الحية. وهم يكتفون بهذا النوع من الامتياز الساذج اليسير. ولا تحدث هؤلاء الناس عن أن الإنسان ليس إنساناً بهذه المظاهر اليسيرة من مظاهر الحياة، وإنما هو إنسان بعقله الذي يفكر وينتج، وبإرادته التي تنظم عمله ونشاطه، وبكرامته التي ترفعه عن الذلة وتمنعه من قبول الضيم، وبعزته التي تكره له أن يكون أداة في يد إنسان آخر مهما يكن، أو في يد سلطان مهما يعظم حظه من القوة والبأس. لا تحدثهم عن هذا فلن يفهموه عنك، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الحديث، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأنهم يرون ذلك نوعاً من فلسفة الفلاسفة، وأحاديث الكتب، لا يحقق مأرباً قريباً، ولا يدني من لذة حلوة، ولا يمكن من نيل الدرجة الرابعة أو الثالثة! ولا يتيح الظفر بعلاوة تزيد المرتب ثلاثة جنيهات أو أربعة! ولا يجلو من ثغر الوزير إذا دخلت عليه! ولا يضمن حسن حديث الوكيل إذا وقفت بين يديه!
ومن يدري، لعله يقصيك عن المنصب، ويصرفك عن العمل، ويضطرك إلى الحرمان، ويكلفك الصبر على ما لم تتعود أن تصبر عليه، ومن تعود الأكل الرقيق فعزيز عليه أن يرد إلى الأكل الغليظ، ومن تعود الزي الأنيق فعزيز عليه أن يرد إلى الزي المهمل، ومن تعود البيت الجميل فعزيز عليه أن يهبط إلى البيت المتواضع، ومن تعود أن يعود إلى أهله فيراهم راضيين ناعمين، شق عليه أن يعود إليهم فيرى على وجوههم آيات الحزن، وعلى أشكالهم مظاهر الضر، ويحس في حديثهم نبرات الحزن.
وإذن فما الحرية والعزة والكرامة بالقياس إلى هذه الحياة الناعمة، يغبطك عليها الصديق، ويحسدك عليها العدو، وتمكنك من أن تجتني زهرات اللهو مختلفة، وتطمئن إلى أن أهلك آمنون، ليس عليهم خوف ولا بأس.
في مصر كثير من هؤلاء الناس، وهم سواء رضينا أو كرهنا مصدر ما تجده مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا، أو لا لشيء إلا لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعيشوا!
هؤلاء الناس هم رسل الذلة إلى قومهم! وهم طريق الخضوع إلى مواطنيهم! وهم العقبة التي تحول بين بلادهم وبين الكرامة والحرية والاستقلال! هم يريدون أن يعيشوا، والطغاة يمهدون لهم سبل العيش، ويمهدون لهم أسبابه، ويتقاضون منهم ثمناً لهذا العيش، شيئاً يسيراً لا يؤذيهم، ولا يعنيهم ولا يكلفهم مشقة، ولا يحملهم جهداً، وهو الطاعة. وأي شيء أيسر من الطاعة في سبيل العيش، بل أي شيء أيسر من أن تقدم الطاعة ولو لم تطلب منك، بل أي شيء أيسر من أن تسبق إلى أهواء سيدك فتعرفها حق المعرفة وترضيها حق الإرضاء، وتريح سيدك من أن يتقدم إليك في أمر من الأمور، أو غرض من الأغراض. لولا هؤلاء الناس ما وجد الطغيان سبيلاً إلى السيطرة على أي بلد من بلاد الأرض في هذا العصر الحديث. فقد ارتقى العقل الإنساني حتى تبين له الرشد من الغي، وحتى فرق بين الحياة الحرة والحياة المستعبدة، وحتى فرق بين العزة والذلة، وبين الكرامة والهوان، ولكن أخلاق الناس لم ترتق كما ارتقى العقل، فكان منها القوي، وكان منها الضعيف. وعَرَف الطغيان كيف يحارب الأخلاق القوية باستغلال الأخلاق الضعيفة المنحلة.
تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي مكنت للطغيان في الأرض فلن ترى إلا ضعف الأخلاق وفسادها، وإسراف فريق من الناس في حب أنفسهم، وإيثار منافعهم القريبة على كل شيء آخر.
كل شيء في هذه الأيام يدعو إلى أن تمتلئ النفوس بهذه الخواطر، هذا الاضطراب في الآراء بين حين وحين، هذا العجز عن الثبات على الرأي الواحد أكثر من يوم، هذا الإعلان للرأي صباحاً، والاعتذار منه إذا كان المساء، هذا الإقدام الذي يصورك في صورة البطل، ثم الإحجام الذي يردك إلى أيسر منازل الرضا والإذعان. هذا التحدث في الخلوة إلى أصدقائك وأصفيائك بما يملأ نفسك من السخط والإنكار، حتى إذا كان الجهر والعلن انقلب السخط رضا. واستحال الإنكار تأييداً. هذه البشاشة الظاهرة تخفي بغضاً لا يشبهه بغض، وهذا التنكر الظاهر يخفي حباً لا يشبهه حب. هذا التجنب للأصدقاء مخافة الرقباء، هذا التقرب إلى الأعداء لإرضاء الرؤساء. كل هذا ليس إلا مظاهر مختلفة لهذا الصراع الأليم بين حرية الرأي وحب الحياة.
حب الحياة وإيثارها على الحق والحرية، هو الذي يدفع جماعة من الموظفين إلى أن يتورطوا في ألوان من الإثم ينكرها النظام، ويعاقب عليها القانون، لأنهم يريدون أن يرضوا رؤساءهم، ولعلهم لو خُلِّيَ بينهم وبين ضمائرهم لما اقترفوا هذه الآثام، ولا فكروا فيها، ولكنهم ضعفاء، يريدون أن يعيشوا ولا بد من إرضاء الرؤساء ليمكن العيش!
حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يسكت العلماء على مضض، ويضطرهم إلى قبول الضيم في غير شكوى، إلا أن يخلوا إليك وأن تكون لهم صفياً ولياً. بل حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يضطر العلماء أحياناً إلى أن يثنوا على ما يكرهون، بل إلى أن يحبوا ما يكرهون أحياناً! فيشكروا لمن أساء إليهم إساءته، ويحمدوا لمن اعتدى عليهم عدوانه! ويتمنوا على هذا المسيء المعتدي أن يبالغ في الإساءة والاعتداء! حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي صرف وزارة المعارف عن كتاب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك عن عصر إسماعيل، وصدها عن أن تقرره لمكاتب المدارس.
فالذين درسوا هذا الكتاب – ولست أعرفهم – متعلمون من غير شك، مثقفون من غير شك، مؤرخون من غير شك. وهم يعلمون حق العلم أن الحرية أساس للتاريخ. وهم يعلمون من غير شك أن الذين يكتبون في التاريخ ليسوا مكلفين إرضاء القراء، سواء كانوا سادة أو عامة، وإنما هم مكلفون أن يرضوا ما يعتقدون أنه الحق. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع عقوبة، وإنما يستتبع مناقشة ورداً إلى الصواب. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع زهداً في كتب المخطئ، وإنما يستتبع بقاءها في المكاتب لأنها أوعية الإنتاج العقلي الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب. هم يعلمون هذا كله ولكنهم مع ذلك يأبون أن يوضع كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مكاتب المدارس لأنه نقد ناحية من نواحي إسماعيل!
ثم هم يعلمون إن كانوا مؤرخين – وما نظن وزارة المعارف عهدت بكتاب في التاريخ إلى جماعة من الرياضيين أو الفقهاء. إن الأستاذ الرافعي لم يقل في السياسة المالية لإسماعيل إلا ما يقوله المؤرخون المحققون جميعاً، فهو لم يخطئ، وهو لم يتعمد التشويه، ولكنه قال الحق، وجَدّ في تحري الصواب، ولكنهم مع ذلك أو قل ولكنهم لذلك يأبون تقرير الكتاب لمكاتب المدارس، لماذا؟ لأن هذا العهد السعيد لا يحب الحق، ولا يذوق حرية الرأي، ولا يستريح إلا إذا رسمت للناس آراؤهم ومذاهبهم في العلم والعمل، وفي السياسة والدين، وفي التاريخ أيضاً. وكذلك يجب أن يكون إسماعيل معصوماً من الخطأ، موفقاً إلى الصواب في كل ما أتى، وفي كل ما رأى وفي كل ما قال. فمن رأى غير هذا أو قال غير هذا فكتبه خليقة بالمصادرة، ولعلها أن تكون خليقة بالتحريق، يُعمل ذلك في ألمانيا، فلم لا يُعمل ذلك في مصر؟
كل شيء مؤلم في هذا البلد الآن. هؤلاء نفر من الأجانب يضعون كتاباً في تاريخ مصر، يُباع المجلد منه بعشرات الجنيهات، فتشترى الحكومة منه عشرات النسخ، وهؤلاء نفر من الأجانب يضعون دائرة معارف عن مصر القديمة فتشترك الحكومة منها في مئات النسخ إن لم تشترك في الآلاف. وهذا رجل مصري يقف حياته وجهوده على أن يدرس تاريخ وطنه، ويضع فيه كتاباً ممتعاً، لم يسبق له مثيل في اللغة العربية، ولم تستطع وزارة المعارف ولن تستطيع قبل أعوامٍ طوالٍ أن تضع مثله، أو أن تضع كتاباً قريباً منه. فإذا عرض كتابه هذا على الوزارة لتضعه في مكاتب المدارس قيل له: حَجْراً محجوراً، حرام أن يوضع هذا الكتاب في مكاتب الوزارة ومدارسها لأنك قلت في سياسة إسماعيل غير ما نحب!
تبارك الله، وهل وثقت وزارة المعارف بأن كل ما في هذه الكتب الأجنبية التي تشتريها وتنفق فيها الألوف ملائم لما تحب؟ ومتى كان حب الوزارة أو بغضها مقياساً لجودة الكتب أو رداءتها، ومقياساً لوضع هذه الكتب بحيث يستطيع أن ينظر فيها الأساتذة والطلاب!
يجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي بأنه مصري، وبأن المصري غريب في بلاده الآن! ويجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك بأن كتابه إن لم يوضع في مكاتب الوزارة الآن فسيوضع فيها غداً كما وضع فيها من قبل. وسيقرأه الأساتذة والطلاب في غير مكاتب الوزارة إلا أن تصادره إدارة الأمن العام. ويومئذ أهنئ الأستاذ بفوز الشهداء، ولكن كم أحب لهذا الجيل الناشئ، كم أحب لهذا الشباب الذي لم يتدنس بالإسراف في حب الحياة أن يتدبر هذا كله، ويفكر في هذا كله، ويجِدّ منذ الآن في أن يفهم الحياة على وجهها، والواجب على وجهه حتى إذا ارتقى بعد حين إلى حيث المناصب، والإشراف على المنافع العامة، لم يخضع لهذا الصراع الأليم بين الكرامة والحق والحرية، وبين حب العيش.
حرية…
بقلم الدكتور طه حسين بك
لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
طه حسين
صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.
الحرية أولًا
«نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر.»
تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب المصريين، ليحبوا الجمال ويذوقوه، ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فنًا حديثًا، ثم ليشاركوا في تنمية هذا التراث الفني العالمي الذي يجعل الإنسان إنسانًا، ويحبب الحياة إلى النفوس، ويجعل الدنيا شيئًا ذا خطر، على رغم ما يحيط بها من هذه الظروف البشعة، التي لجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة، لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق، فتجعل لها قيمة وشأنًا.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليستقبلوا الحياة راغبين فيها، محبين لها، مؤمنين بها، فلا يقنعوا بما يتيحه لهم من إرضاء الغرائز، وقضاء الأرب، وإرضاء الشهوات، وتحقيق الآمال الوضيعة، بل ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنًا، وأجل منها خطرًا، وأسمى منها منزلة، وهو الاستمتاع والإمتاع بهذه الثمرات الحلوة التي تجد فيها القلوب راحة، وتجد إليها النفوس روحًا، والتي تسمو بالناس إلى حيث ينظرون إلى الحياة مزدرين لها، ساخرين منها، زاهدين فيها، بعد أن كانوا يحبونها أشد الحب، ويكلفون بها أعظم الكلف، لأنهم يرونها قد انتهت بهم إلى الغاية، وبلغت بهم آخر الشوط، فلا عليهم من أن يتركوها، ولا عليهم من أن تتركهم، بعد أن أتاحت لهم أن يستمتعوا ويمتعوا لحظة قصيرة أو طويلة بهذا الجمال الذي لا تؤدي وصفه الألفاظ، وإنما تجد روعته القلوب، فتنسى في لذاته كل شيء.
ثم تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، ليعرفوا أنفسهم، وليقدروا وجودهم، وليلقوا من يلقون من الأجانب، وأن يفهموهم ما يريدون أن يقولوا، ويفهموا عنهم ما يقولون، لا يجدون في ذلك مشقة ولا عناء، وإنما يجدون فيه راحة ومتاعًا، ولا يشعرون في أثناء ذلك بما يغض منهم في أنفسهم، ويخيل إليهم، أو يحقق لهم، أنهم أقل من الأجنبي الأوروبي والأمريكي علمًا بما يجب أن يعلم الناس، وشعورًا بما يجب أن يشعر به الناس، وتقديرًا لما يجب أن يقدر الناس.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لتبلغ بهم هذه المنازل كلها، ولتشعرهم بأن من حقهم أن يعتدوا بأنفسهم، ويعتزوا بقديمهم وحديثهم، ويطمحوا إلى ما يطمح إليه أترابهم من الشباب في الأمم الراقية الأخرى، وهو أن يتلقوا عن آبائهم تراثًا كريمًا، وأن ينموه ويزيدوا فيه، ويدفعوه إلى أبنائهم تراثًا كريمًا لينموه ويزيدوا فيه، وأن يحققوا بذلك لوطنهم ما ينبغي أن يتحقق للوطن الكريم من هذه الحياة التي تنمو على مر الزمن، وتربو على تعاقب الأيام، وأن يحققوا للإنسانية ما ينبغي أن يتحقق للإنسانية من هذا الرقي المتصل والسمو الممتاز.
تريد أن تنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، وأنا أيضًا أريد أن أنشئ الذوق الفني في نفوس الشباب، لأني أعلم كما تعلم أن مهمتنا في الحياة إنما هي تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب.
على هذه المهمة وقفنا جهودنا، وفي هذه المهمة أنفقنا حياتنا، ولهذه المهمة خصصنا ما بقي لنا من حياة.
ولكنك تعلم كما أعلم أن شأننا في ذلك كشأن أبي العلاء حين تقطعت به الأسباب في بغداد، فقال هذا البيت الذي يراه النقاد قريبًا غاية القرب، وتراه أنت وأراه أنا بعيدًا غاية البعد:
فيا دارها بالكرخ إن مزارها
قريب، ولكن دون ذلك أهوال
يرى النقاد أن أبا العلاء لم يزد على أن تغزل كما تغزل الشعراء من قبله ومن بعده، فذكر دار حبيبته، وذكر المصاعب التي تقوم بينه وبين زيارتها. وترى أنت كما أرى أنا أن أبا العلاء لم يكن من الحب في شيء، وإنما رمز بدار حبيبته إلى مطامعه البعيدة، وآماله النائية، وإلى تلك العقبات التي تحول بينه وبين بلوغ المطالب وتحقيق الآمال.
فتنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب يسير كل اليسر، ولكنه على ذلك عسير كل العسر، وهو قريب كل القرب، ولكنه على ذلك بعيد كل البعد.
وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما ينبغي لهم من الحرية التي تتيح لهم أن يقبلوا، وأن يرفضوا، وأن يحبوا، وأن يبغضوا، وأن يفعلوا، وأن يتركوا، حين يريدون هم، لا حين يريد غيرهم؟
ومنهم هذا كثير لا يكاد يحصى: منه التقليد الموروث الذي يفرض على الشاب أن يفكر ويعبر ويعمل ويشعر كما تلقى ذلك عن أسرته وعن بيئته، لا كما تريد نفسه، ولا كما يريد طبعه أن يفكر ويعبر ويشعر ويحس. ومنه التقليد الاجتماعي المكتسب الذي يفرض عليه أن يحيا كما يحيا الناس، ويحظر عليه أن ينفرد أو يشذ، أو يأتي من الأمر ما يكره النظراء والأتراب. ومنه السلطان الذي يشرع القوانين، قاسية مرهقة مقيدة، ثم يصطنع في إنفاذها وسائل أشد منها قسوة وإرهاقًا وتقييدًا.
حرر الشباب قبل كل شيء، ولو تحريرًا موقوتًا، من هذه القيود كلها أو بعضها. دعهم يفكروا كما يريدون، ودعهم يحيوا كما يريدون، وأرشدهم بالقدوة الصالحة، والأسوة الحسنة، والنصح الدقيق.
وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم لتذوق الفن الرفيع أحسن إعداد، وقومتهم كل التقويم. فالفن يحتاج، قبل كل شيء، إلى حرية واسعة، إلى أبعد غايات السعة: حرية في نفس المنتج، وحرية في نفس المستهلك، كما يقول أصحاب الاقتصاد.
خذ من شئت من المبدعين في الفن، واستقص حياته، فسترى أنه لم يبدع إلا لأنه شذ، وانفرد، وامتاز، وخرج على ما ألف غيره من القيود.
وليس كل الناس ميسرًا للفن، وليس كل الناس قادرًا على التذوق والابتكار، ولكن من حق الناس جميعًا أن تهيأ لهم الفرص، وتمد لهم أسباب التذوق والابتكار.
وأول ما يجب لذلك أن يتاح للشباب، وللشباب خاصة، ما ينبغي لهم من الحرية، فيمثلوا تمثيلًا تامًّا الحياة، بما فيها من خير وشر، ولكل ما في الحياة من حسن وقبح، ولكل ما في الحياة من حب وبغض، ليقبلوا عن اختيار لا عن اضطرار، وليحبوا ويبغضوا عن رضا لا عن إكراه.
فإذا لم تتح لهم هذه الحرية، فلا تبتغ منهم خيرًا، ولا ترج منهم نفعًا، ولا تنتظر لهم تفوقًا ولا ابتكارًا، وإنما انظر إليهم كما تنظر إلى الرقيق المسخرين، وإلى الحيوان الذي تقمع غرائزه، ويحد من حريته سلطان المستأنسين له المنتفعين به فيما يحاولون من المآرب والأغراض.
إن الفن حرية لا رق.
فإذا أردت من الشباب أن يذوقوا الفن، ويمثلوه، ويحاولوه، ويبتكروه، فاجعلهم أحرارًا، لأن الفن أثر من آثار الأحرار، لا من آثار العبيد.
أي شيء أيسر من أن نجعل الشباب أحرارًا؟ إنك لتريد ذلك، وإني لأريده، ولكن أي شيء أعسر من أن تجعل الشباب أحرارًا!
إن التقاليد الموروثة، والتقاليد المستحدثة، وسلطان الحكومة، وسلطان الجماعة، وظروف الحياة، كلها في هذا الوطن البائس، تأبى على الشباب أن يكونوا أحرارًا.
فأنشد معي إذن قول أبي العلاء:
فيا دارها بالكرخ إن مزارها
قريب ولكن دون ذلك أهوال
والتمس من العزائم، والطلاسم، والتمائم، ما يحميك ويحميني من هذه التهمة الكبرى الخطيرة، تهمة الميل إلى إفساد الشباب.
وأي خطر على حياة الشباب في بلد كمصر أشد من أن تلتمس له بعض الحرية التي يستمتع بها الشباب في غير مصر، من البلاد التي ألفت الحرية، فلم تستطع أن تتسلى عنها، ولا أن تزهد في ثمراتها الحلوة والمرة جميعًا.
ثم لا تنس أنك لن تمنح الحرية للشباب حين تضع عنهم إصرهم والأغلال التي تثقلهم من التقاليد والظروف، فقد ينبغي أن يعيش الإنسان قبل أن يكون حرًا، وقد ينبغي أن يعصم الإنسان من الحرمان ليعيش.
فحرر الشباب من البؤس والجوع، وهمِّ التفكير فيما يقيم الأود، وحررهم من الجهل، وأتح لهم علمًا وأدبًا وثقافة، ويسر لهم بعد ذلك أن يعيشوا في جنة، وخُلِّ بينهم وبين الدنيا وما فيها مما يسر ومما يسوء، مما يحسن ومما يقبح، مما يلذ ومما يؤلم.
وثق بأنهم سيحسون ويشعرون، وثق بأنهم سيرضون ويسخطون، وثق بأنهم سينعمون ويبتئسون، وثق بأنهم سيستقبلون هذا كله بأنفسهم، لا من طريق غيرهم.
وثق بأنهم إن استقبلوا الحياة ولذاتها وآلامها، وحلوها وأحداثها، فسيصورون ما يستقبلون من ذلك، وسيعبرون عنه، وسيتأثرون به، وسيؤثرون فيه، وسيكون كل واحد منهم إنسانًا حرًا عاملًا.
وحيثما وجد الإنسان الحر العامل، وجد الذوق الفني، ووجدت آثار الذوق الفني من الاستمتاع والإمتاع جميعًا.
أرأيت الشباب الجامعيين حين يختلفون إلى الدروس، ويستمعون إلى الأساتذة، وحين يتحدثون إلى أساتذتهم، وحين يتحدث بعضهم إلى بعض، أرأيت في هذا كله شيئًا يشبه ما تعرف من شؤون الشباب الجامعيين في البلاد الأجنبية الراقية؟
ألم تر إلى أزمة الأستاذ حين يلقي الدرس، وأزمة الطلاب حين يستمعون له؟
الدرس عبء ثقيل على الأستاذ، يتخفف منه بإلقائه في غير حب ولا كلف ولا ذوق. والاستماع عبء ثقيل على الطلاب، يتخففون منه بإحصاء الدقائق، وانتظار الجرس الذي يرد إليهم ظلًا من الحرية، ويخلي بينهم وبين الانطلاق إلى ما هم فيه من سخف الحديث.
وفيما يتحدث البائسون؟ في أشياء لا تتصل بالثقافة من قريب أو بعيد، في أشياء لا تتصل بالعلم، ولا بالفن، ولا بالذوق، وإنما تتصل بصغائر الأمور وسفاسفها، وتتصل باللذات القريبة، والمنافع العاجلة، وقد تتصل بالسياسة، فلا تمس إلا أدناها إلى السخف، وأبعدها عن الغناء، وتتصل بهذه اليوميات التي لا تقدم ولا تؤخر في حياة الجماعات.
فإذا تركوا الجامعة، فإلى الجهود الضائعة، والحياة الفارغة، إلى حرمان المحرومين، وشقاء الأشقياء، وصبر الصابرين على المكروه، ويأس اليائسين حتى من روح الله.
فإذا أتيح لبعضهم شيء من اللهو، وفضل من المتاع، فأنت تعلم حيث يلتزمون ذلك، وأنت تعلم ما بين ذلك وبين الذوق الفني المترف الرفيع من صلة.
والحق كل الحق أن نطوي الحديث عنه طيًّا.
أذهبت إلى مدرسة الفنون الجميلة، أرأيت إلى النقش والحفر والتصوير وغيرها من الفنون؟ تلقى الدروس فيها على الطلاب كما كانت تلقى عليهم دروس النحو والحساب. يدعوهم إليها الجرس، ويصرفهم عنها الجرس، ويشرف عليهم في أثنائها وفيما بينها نظام دقيق قد رسمت له اللوائح وبينت له الحدود. فهم يسكنون بمقدار، ويتحركون بمقدار، وهم يسكتون بمقدار، ويتكلمون بمقدار. مدرسة عسكرية لا أكثر ولا أقل.
فكيف تريد للذوق الفني المترف الرفيع أن ينشأ، أو ينمو، أو يمتاز في هذه البيئات التي لم تخلق إلا لتقتل الذوق، أو لتفسده على أقل تقدير؟
وأي شيء أيسر من أن ترد إلى هذه البيئات، في الجامعة، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وفي معاهد التعليم كلها، شيئًا من اليسر والسماح، ومن الدعة والحرية؟
لأنك تريد ذلك، ولأني أريده، ولكن هيهات! دون ذلك اللوائح والقوانين، والأمن والنظام، والخوف، والإغراق في الخوف.
نفوس الشباب المصريين أشبه شيء بهذا العفريت الذي حبسه نبي الله سليمان في قمقم مطبق من النحاس الصفيق، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في أعماق البحر، كما يحدثنا بذلك القاص في ألف ليلة وليلة.
وأجسام الشباب المصريين هي هذه القماقم المطبقة الصفيقة، إلا أنها ليست من نحاس، وإنما هي من لحم ودم.
والفرق بين هذه النفوس السجينة في قماقمها وبين ذلك العفريت هو أن العفريت وجد الصياد الذي استخرج قمقمه من أعماق البحر، وفض عنه خاتمه، ورفع عنه غطاءه، وأتاح للعفريت أن يحدث عهدًا بالهواء والنور والحرية.
فإلى أن تجد نفوس الشباب المصريين هذا الصياد الذي يخرجها من قماقمها، ويرد إليها الحرية، ويخلي بينها وبين الهواء والنور والجمال، تستمتع به وتمتع به الأجيال…
إلى أن يوجد هذا، فدعني أقطع الرجاء من تنشئة الذوق الفني في نفوس الشباب كما تشاء.
طه حسين
الهلال، ١-١-١٩٤٨.
الديمقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك
سيدي صاحب المقام الرفيع، أصحاب المعالي والسعادة، سيداتي سادتي:
إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والأفراد بدونهما. أما أولهما فهو طموح الشعب إلى أن يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها، ويستعين بها، وإلى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل إليه من كمال.. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديمقراطية، ولا أظن الديمقراطية نفسها تفهم نفسها إلا على هذا الوضع. فالديمقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه، وهي الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا. والديمقراطية في هذا ليست إلا العلم والمعرفة، فإذا كان هذا حقًا، وأظن أنه حق، فالصلة بين الجامعة والديمقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها.
وعلى هذا الأساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح، وما أظن أن الشعب قادر على أن يستكشف شيئًا من هذا، إذا كان جاهلاً.
وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت أن الديمقراطية لا تبغض شيئًا كما تبغض الجهل، ولا تحب شيئًا كما تحب العلم، وكما تحب المعرفة.
سيداتي سادتي:
إن الله لم يختص مصر بخصب أرضها فحسب، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل إليها من علم ومعرفة، فيصبح نافعًا لها ولغيرها، وما أكثر النباتات والأشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر، وأفادت بها غيرها من البلدان.
فقد انتقلت إلى مصر في الأزمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الوسطى الحضارة الإسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الأوروبية الحديثة فتنمو وتزدهر وهي الآن مصدر نفع للإنسانية كلها. فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار، فإذا كان هذا حقًا فقد نقلت إلى مصر في هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل إليها حتى نمت وأثمرت وهي شجرة الديمقراطية.
لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى أخذت تهدي ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب وإظهار الشعب على أنه في حاجة شديدة جدًا إلى أن يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع.
فرقي التعليم في مصر واتساعه وتعمقه إنما هو مقترن بوصول الديمقراطية إلى مصر، وكلما أحست مصر حياة ديمقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم، وأن تتعلم إلى غير حد.
وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الأخيرين، فلم تكد الديمقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدًا… وكم أتمنى أن أقول بغير حساب، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل إليه حتى نحيا حياة ديمقراطية صحيحة.
وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديمقراطية والحكومات الديمقراطية، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل، وهي لا تريد أن تتوسع بغير حساب، ولكن الديمقراطية التي تختلط بدم الشعب، وهذه الديمقراطية تطلب بغير حساب. وإذا كان العقل مضطرًا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد، فإن طبيعة الأشياء أقوى وأبعد مدى من العقل… فإذا وصل إليه العقل اليوم إلى شيء، فإن طبيعة الأشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل، وإذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع في التعليم فستكرهنا غدًا على التوسع جدًا، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع.
وإذا كانوا ينظرون إليه نظرة امتعاض، فإني أوكد لكم غير متردد، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية، ولكنها خطوة بدائية إن كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان، فإنها ستدفعنا حتمًا إلى تعميم التعليم الثانوي بالمجان، وإلى تعميم التعليم العالي بالمجان أيضًا….
ذلك أن الديمقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء، وليحرص عليها غير متردد. ووسيلة الشعب إلى أن يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وإنما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديمقراطية، وحاجة الديمقراطية إلى العلم لا تنقضي.
ليس المهم أن ديمقراطيتنا طموحة إلى العلم، فهذا شيء مقرر، وإنما يهمنا أن نزيل بعض الأوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديمقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديمقراطية.
فينا مثقفون ممتازون جدًا، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود، وهم، يذهبون إلى أن التعليم الجامعي ينبغي أن يكون محدودًا أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغي أن يدفع إليه الشعب دفعًا عنيفًا، وإنما يجب أن نقدم عليه محتاطين، لأن الشعب إذا تعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا فقد يطمع فيما ينبغي ألا يطمع فيه، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه، وقد يأمل حياة لا ينبغي أن يكون له فيها أمل.
وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي، ويدعون دائمًا إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم. ولكن يخيل إليّ أن هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به أنها خطرة على الديمقراطية والنظام الديمقراطي، فضلًا عن أنها لا تستقيم مع طبيعة الأشياء. ذلك أن التعليم الجامعي إما أن يكون خيرًا وأما أن يكون شرًا، فإذا كان خيرًا فالديمقراطية تدعو إلى المساواة فيجب أن يتساوى الجميع في الخير. وإذا كان شرًا فلا ينبغي أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه، إنما الواجب أن يتساوى في الشر الجميع.
فهل التعليم خير أو هل التعليم شر؟ وأريد التعليم الجامعي؟
أريد أن أجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين في الخلق والدين، ولكني أعني الماديين في الاعتبار المعتاد، الذي يرمي إلى الكسب والخسارة.
أريد أن أجيب كما يحب هؤلاء ولا أجيب كالذين يحبون العلم للعلم، ولكني أحببت أن أجيب عنه على أساس الكسب والخسارة.
هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية، أقصى ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن أن تطمح إليه؟ كلا.
إنها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئًا، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن أن تستثمر بها هذه الموارد.
وإذن فحياتنا المادية نفسها، هذه الحياة التي تعني الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى أن نفكر فيها ونعمل لها.. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي، ولا شيء إلا التعليم العالي…
قد يقال إن التعليم المتوسط، أو الأولي أو الثانوي كافٍ، ولكن صدقوني أن هذا كلام يقال، وأبسط ما يدل عليه أن الذين يقولونه لا يفكرون فيه، ذلك أن التعليم المتوسط والأولي والثانوي لا يمكن أن يوجد أو ينظم أو يؤتي ثمره القريب أو البعيد إلا إذا أشرف على إدارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظًا كبيرًا جدًا من التعليم العالي. فليس بكافٍ أن يريد الإنسان شيئًا، ولكن ينبغي أن يكون فاهِمًا ما يريد.
فالذين يريدون أن يكتفى بالتعليم الأولي أو الثانوي أو المتوسط، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل. وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض، بل يوجه إلى الجامعة وإلى التعليم العالي أنه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعني بالحياة العملية، وهذا ممكن، ولكن في غير البلاد الديمقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره، ويقدر حاجاته ومطامحه.
ذلك أن الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص، وإنما الجامعة بيئة للتعليم الذي يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرًا مستقيمًا جليًا مرنًا واسعًا يشمل كل ما يمكن أن يتجه إليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الإنسان النظرية والعملية في وقت واحد، فإذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان، فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة، وإذا رأينا جامعة تعني بالعلم لأنه يرقي العقل والحياة نفسها، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعًا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليًا وعلميًا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها.
إذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديمقراطية من الجامعة، إنما يخطئون فهم الجامعة، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته، وأؤكد لكم أنه لو وجدت مدرسة تعني بالعلم من حيث هو علم، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية، لأعرض الشعب عنها إعراضًا تمامًا، ولباءت هذه المدرسة بالخذلان. فلنطمئن إلى أن الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت:
ذوق سليم لحاجاته ومطالبه. والديمقراطية تقوم على العدل.
وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل، هو هذه الفكرة التي أدخلها وزير المعارف في التعليم، وهي فكرة (تكافؤ الفرص).
«تكافؤ الفرص» يعطي كل ما يمكن أن يعطيه للفرد، وهو لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من أنواع التعليم. بل لا ينبغي أن يكون مقصورًا على لون دون لون من الحياة كلها. وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائي، وسيصل إلى التعليم الثانوي، ثم إلى التعليم العالي، وغدًا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياة كلها.
سيتيح للعامل الفرصة ليؤتي كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمته، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفًا لما اصطلح عليه الناس في هذه الأيام وهو «العدالة الاجتماعية».
فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، وأؤكد لكم أن تحقيق التوازن بينهما، بين ما يطمح إليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال، وإلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال. لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير، وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي.
إن هناك قومًا يرون قصر التعليم العالي على جماعة دون جماعة، فإن كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليمًا عاليًا.. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالي.. ولكن كيف ومن هم أولًا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟!
أتصل ذلك بالثروة؟!.. لو أن الأمور عُقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديمقراطية. أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عُقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضًا للديمقراطية.. وإذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعًا أن يتعلموا تعليمًا عاليًا، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص.
هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالي مصري مهما تكن ظروفه، وإنما ينبغي أن ترد الحياة نفسها، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضي في هذا التعلم.
ليس هناك إذن سبيل إلى أن يحول في النظام الديمقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم.
فإذا أتيحت المقدرة للشباب فينبغي أن تفتح في وجوههم أبواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعي والعالي عن اللون النظري الخالص، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد.
ومن الخير أن ألاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا، فهي لا تنشئ مدارس إلا على أساس حاجات البلاد، وقد أخذت تعرف للتعليم قدره، وللجامعيين قدرهم، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على أنهم أعضاء كرام في شعب كريم، وهذا المثل الأعلى الذي أقدمت عليه اليوم، وما أشك في أنها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الأيام، فأنا جميعًا نتمنى أن تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب، بل أن يتعلم تعليمًا جامعيًا ممتازًا.
الوفد المصري، ٩ يونية ١٩٤٤.
الضمائر القلقة
لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
يظهر أن في الضمير المصري شيئًا من قلق يحتاج أن يعنى به الذين يهمهم أن يكون الضمير المصري راضيًا مطمئنًا وآمنًا مستريحًا فقلق الضمير مصدر شر كثير أيسره فتور العزم، وكلال الحد والتردد بين الإقدام والإحجام حين تقتضي ظروف الحياة أن نختار بين الإقدام والإحجام. ويكفي أن نلاحظ الفرد ذا الضمير القلق والنفس المضطربة لنعلم أنه لا يصلح لشيء حتى يرد إلى ضميره الاستقرار وإلى نفسه الاطمئنان فكيف إذا كان هذا القلق شائعًا وهذا الاضطراب شاملًا، وكيف إذا أحس الشعب أنه لا يستطيع أن يثق بشيء ولا أن يركن إلى شيء ولا أن يقدم عن بصيرة ولا أن يحجم عن روية، ولا أن يحكم على الأشياء والأحياء حكمًا يصدر عن التدبر والتفكير.
ما أحب أن أطيل في المقترحات ولا أن أسلك إلى ما أريد طريقًا ملتوية، وإنما ألاحظ أن شيئًا من الريب قد شمل الناس جميعًا، فليس من كلمة تقال إلا اعتقد الناس أن لها ظاهرًا وباطنًا وأن لها معنى قريبًا يتخذ وسيلة إلى معنى بعيد، وغاية يسيرة تخفي وراءها غاية عسيرة، وليس من عمل يقدم عليه مقدم إلا وله غرض يقصد إليه في العلانية وغرض آخر يقصد إليه في السر الخفي، وإذن فقد عجز الناس عن أن يصدق بعضهم بعضًا أو أن يأمن بعضهم إلى بعض فضاعت بينهم الثقة وشق عليهم التضامن واضطروا إلى حياة منكرة فيها كثير من الشك وكثير من الخوف وكثير من سوء الظن الذي أوشك أن يصبح أصلًا من أصول الحياة، وقاعدة من قواعد التعامل بين الناس.
وإذا بلغ الشعب هذه المنزلة من القلق كان خليقًا أن يتعرض لشر عظيم وكان حقًا على الذين يدبرون أمره ويقودون الرأي فيه أن يطبوا لهذا الداء ما وجدوا إلى الطب سبيلًا. وقد أردت حين هممت بهذا الحديث أن أقصد إلى شيء من الفكاهة والدعابة ولكن وجدت الأمر أجل خطرًا من الفكاهة والدعابة فقصدت به إلى هذا الجد المر الذي قد يضيق به الكتاب والقراء في هذه الأيام.
لم أكد أنشر في البلاغ الحديث الأول من هذه الأحاديث حتى أحسست حولي سؤالًا يلقيه بعض الناس إلى بعض، ويجيب بعضهم بعضًا بما يخطر له ثم يتجه إلى السؤال فأعرض عنه، ثم يتجه إليّ في إلحاح فألح في الإعراض، وأقول لنفسي حديث نشر بعد أن طال الصمت وبعد أن كنت منصرفًا إلى بعض الأعمال الهامة، فصرفت عنه فليس من الغريب أن يذهب الناس فيه المذاهب، وأن يلتمسوا له ألوان التأويل، وأن يتخذوا منه ثوبًا يفصلونه على قد هذا أو ذاك من الذين ينهضون بالأعمال العامة، أو يشاركون فيها. ولكني لم أنشر الحديث الثاني حتى ازداد السؤال انتشارًا وازداد السائلون إلحاحًا، وجعل الأصدقاء وذوو المعرفة يعرضون لي حين يلقونني بما فهموا أو بما خيل إليهم أنهم فهموا.
ثم أمضي في الكتابة ويمضي الناس في التساؤل ثم لا يقف الأمر عند التساؤل والإلحاح فيه وإنما يختلف الناس فيما بينهم ويغلون في الاختلاف ويريد بعضهم أن يحتكم إليّ، ويجد عندي حلًا لهذه الرموز وتوضيحًا لهذه الألغاز، ويتصل بعضهم بي يسألني أن أريحه من هذا التعب الذي اضطررته إليه. ويتجاوز بعضهم هذا كله فيكتب إليّ الرسائل ينبئني فيها بما يعلم من حياة فلان وفلان ومن خصال فلان وفلان ومما يظهر فلان للناس ويخفي عليهم، ويطلب إليّ أن أصدر هذا في حديث من هذه الأحاديث التي تنشر في البلاغ.
ثم ألاحظ أن الأمر ليس مقصورًا عليّ ولا على هذه الأحاديث التي أذيعها ولكنه يتجاوزني ويتجاوز أحاديثي إلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تنشر في الصحف اليومية والأسبوعية، وإلى قوم آخرين وأحاديث أخرى تجرى على ألسنتهم حين يلقى بعضهم بعضًا. فقد كتب فلان هذه الأسطر في هذه الصحيفة أو تلك وهو قد أراد بها إلى هذا الغرض أو ذاك، وأراد بها إلى أن يمس فلانًا من قريب أو بعيد، ولمح بها إلى موقف فلان في السياسة أو موقف فلان في الإدارة. أو موقف فلان في البيع والشراء. حتى استيقن الناس جميعًا أنهم لا يتبادلون الحديث بينهم إلا رمزًا. وأن الصراحة والوضوح والجلاء كل هذه أمور قد بعد العهد بها حتى نسيت أو كادت تنسى.
وليس موقف الناس مما ينشر أو يقال بأقل تحفظًا واحتياطًا من موقفهم إزاء ما يأتيه الساسة من الأعمال أو ما يكون بينهم من التزاور والتواصل. أو ما يكون بينهم من التنافر والتقاطع. ومن المحقق أن الأمر ليس مقصورًا على رجال السياسة وأشباههم من الذين ينهضون بالأعمال العامة. ولكنه يتناول ما يكون بينهم من صلات في حياتهم الخاصة.
فالزملاء في ديوان من الدواوين أو معهد من معاهد التعليم يشك بعضهم في بعض. ويسيء بعضهم الظن ببعض ويحتاط بعضهم من بعض. قد تعقدت منافعهم. وارتبكت مصالحهم وقرب الرؤساء بعضهم وأبعدوا بعضهم الآخر، فساء ظن أولئك بهؤلاء، واحتاط هؤلاء من أولئك وارتاب الرئيس بهم جميعًا وجرت أحاديثهم حين يتحدثون على الشك والخوف، وجرت صلاتهم حين يتواصلون على الحيطة والتحفظ وأصبحت حياتهم شيئًا لا يطاق.
ولست أدري – بل لعلي أدري – ولعل كثيرًا من الناس يدرون ما مصدر هذا القلق، وما أصل هذا الريب. فقد دفعتنا هذه الأعوام المتصلة إلى ألوان من الحياة لم نكن نألفها ولا نطمئن إليها وأولها وأظهرها هذه الأحكام العرفية التي اقتضتها الحرب والتي استتبعت مراقبة الصحف والتي ألقت في روع الناس جميعًا أن أمورهم لا تجرى على ما تعودت أن تجرى عليه قبل أن تعلن الأحكام العرفية وقبل أن تفرض الرقابة على الألسنة والأقلام. ومما لا شك فيه أن الأحكام العرفية لم تشمل حياتنا كلها، ولعلها لم تشمل إلا أقلها ولكن الناس قد فرضوا فيما بينهم وبين أنفسهم أنها قد شملت كل شيء. ومما لا شك فيه أيضًا أن مراقبة الصحف إن اشتدت على الأنباء الخارجية والداخلية فإنها لم تكف الأدباء من أمرهم شططًا حين أرادوا أن يعرضوا للأدب الخالص أو حين أرادوا أن يمسوا الأمور العامة مسًا رقيقًا، فمن حق الصحف أن تضيق بالرقابة ومن حق الناس جميعًا أن يضيقوا بها وبالأحكام العرفية ولاسيما حين يتصل الخضوع لها والاكتواء بنارها. ولكن على كل حال لا تكفي لتشيع هذا القلق بين الناس وتملأ نفوسهم شكًا وريبًا وتجعل سوء الظن أصلًا من أصول الحياة. غير أن الناس لم يخضعوا منذ أعلنت الحرب للأحكام العرفية والرقابة وحدها وإنما خضعوا لأشياء أخرى لعلها أن تكون أبعد من ذلك أثرًا في إشاعة القلق والريب، خضعوا لحياة الحرب نفسها وما تفرضه من الغموض في أنباء الحرب والسياسة، وما تقتضيه من هذه الأحاديث المتناقضة التي يكذب بعضها بعضًا والتي تذاع في الراديو كل يوم، وما تقتضيه من هذه الإشارات الغامضة التي تنشر في الصحف والمجلات حتى تعود الناس أن يسمعوا النبأ فلا يصدقوه أو أن يسمعوا النبأ فيستنبطوا منه غير ظاهره وربما استنبطوا منه نقيضه وحتى يتعلم الناس أن يقرأوا بين السطور وأن يسمعوا بين السطور إن أمكن أن يسمع الناس بين السطور.
فاتصال هذه الحال التي تخلط بين الصدق والكذب وتغلب الكذب على الصدق أحيانًا وتذيع المتناقضات في غير انقطاع خليق أن يدفع النفوس إلى الريب ويعدها لسوء الظن. ثم خضع الناس بعد ذلك أو مع ذلك في حياتهم العامة والخاصة لخطوب ثقال. فأهوال الحرب من جهة ومصاعب الحياة الاقتصادية من جهة أخرى والتغييرات السياسية من جهة ثالثة والبؤس والحرمان اللذان ينتهيان إلى الجوع والشقاء في بعض الطبقات من كل جهة رابعة. كل ذلك خليق أن يعقد منافع الناس أشد التعقيد وأن يقوي الأثرة في نفوس الأفراد والجماعات وأن يضطر كل واحد من أفرادهم وكل جماعة من جماعاتهم إلى الاحتياط للنفس والاستكثار من الخير والاستعداد للمستقبل والتحفظ من الطوارئ والتخلص من المشكلات والنفوذ من الخطوب. فليس غريبًا أن يدفع هذا كله الناس إلى حياة لا تقوم على أمن الضمائر واطمئنان القلوب ولا تقوم على الثقة والصراحة وإنما تقوم على القلق والخوف وتقوم على الشك والحذر ولعلها أن تقوم على الكذب وعلى أخلاق أخرى تتصل بالكذب من قريب أو بعيد.
فإذا أضفت إلى هذا كله حياتنا السياسية الخاصة وما يشوبها من هذا العنف الذي يدفع إلى التكلف ويسوق إلى سوء الظن ويحمل على المبالغة والتكثر ويغري بخلق الإشاعات وإذاعة المنكر من القول ويحرص على تشويه الحسن وتحسين القبيح. وإذا أضفت إلى هذا وذاك أن المثقف المصري محدود الثقافة متوسط العلم في أكثر الأحيان وأنه من أجل ذلك مستعد للتصديق والتكذيب في غير مقاومة أو في مقاومة ضئيلة. أقول إذا أضفت بعض هذا كله إلى بعض استطعت أن تحقق أسباب هذا القلق الذي يشمل الضمير المصري في هذه الأيام ويوشك أن يدفعه إلى خطر عظيم.
والشيء المحقق هو أن هذا التساؤل الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث إن دل على شيء، فإنما يدل على ظاهرة مؤلمة حقًا وهي أن رأي الناس قد ساء في الناس. فلا تكاد تذكر رجلًا حائر الضمير حتى يحس كثير من الناس أنه المعنى بهذا الضمير الحائر ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن ضميره مضطرب في شيء من الحيرة. وحتى يسأل الناس بعضهم بعضًا ألا يمكن أن يكون صاحب الضمير الحائر فلانًا أو فلانًا لأنهم يعتقدون أن فلانًا أو فلانًا يمكن أن يكونا من أصحاب الضمائر الحائرة. ولا تكاد تعرض صورة الرجل الذي يشبه الثعبان أو يشبه الثعلب أو يشبه ما شاء الله من هذا الحيوان المقيم في حديقة الحيوان حتى يحس كثير من الناس أنه هو المعنى بهذه الصورة، المراد بهذا الاسم، ومصدر ذلك أنه يجد فيما بينه وبين نفسه أن في أخلاقه وخصاله شيئًا من أخلاق الثعبان أو من أخلاق الثعلب أو من أخلاق ما شاء الله من الحيوان، وحتى يخلع القراء من عند أنفسهم هذه الصورة أو تلك على هذا الرجل أو ذاك لأنهم يرون في أخلاقه شيئًا من أخلاق الثعلب أو الثعبان.
ومن العسير أن نقنع القراء بأن الكاتب إن عرض صورة بعينها فهو لم يرد شخصًا بعينه ولعله يكون قد كون صورته هذه من أشخاص كثيرين يأخذ من أخلاق كل واحد منهم طرفًا ثم يضيف هذه الأطراف بعضها إلى بعض فينشئ منها صورة قد تعجب أو لا تعجب. ولكنها لا تخلو من عبرة وموعظة ولعلها أن تحمل الناس على أن يصلحوا من أمورهم ويخفوا من شرورهم فمن وجد في نفسه شيئًا من أخلاق الثعبان أصلحه وأخفاه فكف شره عن الناس قليلًا أو كثيرًا وكف شر الناس عنه قليلًا أو كثيرًا. وقل مثل ذلك فيمن يجد في نفسه شيئًا من خصال الثعلب أو من خصال العقرب. أو من خصال الذباب.
والله قد خلق الأشياء كلها لتكون موضعًا للعظة ومصدرًا للعبرة ووسيلة إلى استكشاف الحق والخير والجمال. والله عز وجل قد خلق الإنسان وعلمه البيان ليكشف الحق والخير والجمال ويدل عليها وليستكشف الباطل والشر والقبح ويرغب عنها. فليكتب الكتاب وليقرأ القراء وليسأل السائلون وليجب المجيبون فليس بشيء من هذا كله بأس وإنما البأس الذي يجب أن نعاون جميعًا على علاجه واستئصاله هو هذا القلق الذي شمل الضمير المصري والذي يوشك أن يدفعه إلى أكثر من السؤال والجواب.
طه حسين
البلاغ، ٤ فبراير ١٩٤٥.