Author: Hassan El-Zayyat

  • في كنف الملك: طه حسين والقصر | In the King’s Shadow: Taha Hussein and the Palace

    شئون
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٣٢

    كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!

    وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.

    وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.

    وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.

    كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.

    ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.

    وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.

    وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.

    وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!

    نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.

    ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.

    كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!

    أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.

    وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.

    الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.

    الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.

    نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.

    هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.

    نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.

    ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!

    رعب
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ يناير ١٩٣٤

    ولكنه من نوع خاص، هذا الذي يضطرب له قلب الوزارة ويخرج له وزير الداخلية عن طوره، فيرد إلى الشرطة فضلًا من قسوة، ومزيدًا من عنف، يدفعها إلى شر ما كانت فيه منذ حين من التعرض للناس، والاعتداء عليهم، وأخذ أبدانهم بالعصي والسياط، ودفعهم إلى السجون دفعًا، والإقدام حتى على انتهاك ما لا ينبغي أن ينتهك من حرمة الصلة بين الشعب والعرش، والعلاقة بين أهل البلاد ومَلِيكِ البلاد.

    رعب غريب هذا الذي أخذ أعصاب الوزارة منذ يوم الخميس؛ ففقدت ما كانت تريد أن تتكلفه من ضبط النفس وإيثار العافية والاقتصاد في الظلم، وعادت إلى ما كانت عليه الوزارة السابقة، أو عاد وزير الداخلية إلى ما كان عليه حين كان يعمل مع صدقي باشا، ويتلقى منه دروس العنف والقسوة، عاد إلى دقة الإحساس، ورقة الشعور، والانزعاج من رئيس الوفد إذا غدا، والانزعاج من رئيس الوفد إذا راح.

    رعب غريب هذا الذي أَشْعَرَ وزير الداخلية بأن في مصر شيئًا يُخاف غير صدقي باشا، وبأن في مصر قومًا تُنْصَبُ لهم الحرب غير أولئك الضعفاء المترددين من أنصار صدقي باشا، وبأن الرجل الماهر هو الذي يحارب صدقي باشا وأصحابه بألوان الحرب الخفية، حتى إذا فرغ منه ومنهم فأخذ منه أصحابه أخذًا، واضطره هو إلى السكوت والعزلة والاستخذاء؛ حارب الوفد جهرة بهذه الأدوات المعروفة: أدوات الشرطة، وعِصِّيِها وسياطها، وبأسها وشدتها، وبثها في الشوارع، وإرسالها في الطرق، وحشرها حول القرى، ونشرها داخل القرى وتحويل الريف إلى مظهر مخيف لولا أنه مضحك يدعو إلى هز الأكتاف؛ مظهر ميدان من ميادين الحرب وساحة من ساحات القتال.

    نعم، رعب غريب هذا الذي انبث في الوزارة منذ يوم الخميس؛ فأيقظها للحرب بعد نوم وردها إلى النشاط بعد فتور، وأكرهها على تكلف الحياة وما بها حياة، وعلى تصنع القوة وما بها قوة، وعلى التظاهر بالبأس وقد مضى وقت البأس، وجاء وقت الهدوء والاطمئنان والاكتفاء بتصريف الأعمال وإمضاء الأوراق في الدواوين، والاستماع للنواب والشيوخ، والرد على النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله بالراحة الكبرى التي ينالها عظماء الرجال على جسر من التعب، كما يقول أبو تمام، وينالها الرجال الطيبون وأعوان الرجال الطيبين في غير كد ولا جهد، وفي غير مشقة ولا عناء. أفيكون مصدر هذا الرعب الغريب أن المندوب السامي الجديد قد وصل إلى مصر، واستقر في العاصمة أيامًا يظهر الاشتغال بالأوضاع الاجتماعية، وضروب المجاملة، والصيد وزيارة الآثار، ويضمر البحث والدرس والتفكير والتقدير، ويهيئ لنفسه حكمًا عاجلًا يصطحبه حين يعبر البحر إلى بلاده؟! أفيكون مصدر هذا الرعب إقامة المندوب السامي في القاهرة، وحرص الوزارة على أن تظهر أن لها من القوة ما يعجبه، وأن عندها من البأس ما يُرضيه، وأنها خليقة أن تحارب الوفد كما حاربه صدقي باشا، وأن تهدر الحريات كما أهدرها صدقي باشا، وأن تقاوم نشاط الشعب كما قاومه صدقي باشا، وأن تظهر للمستعمرين أنها لا تحب — كما أظهر صدقي باشا للمستعمرين أنه لا يحب — أن يستمتع المصريون بحياة حرة يأتون فيها ما يأتي الرجال الأحرار؟!

    أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة سليمة النية طيبة القلب ساذجة الضمير، تظن أن المندوب السامي الجديد لا يعرف من أمرها ومن أمر مصر شيئًا، فهي تريد أن تبين له أنها كل شيء، وأن غيرها ليس شيئًا، وأنها قابضة حقًّا على أزمَّة الأمر، مسيطرة حقًّا على القلوب والنفوس، وأن رئيس الوفد وأصحابه والذين يحفلون بهم ويلتفون حولهم ليسوا إلا قلة قليلة لا ينبغي أن يُحْسَبَ لها حساب؟! أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة جزعت حين جاءها النبأ أن المندوب السامي قد رأى جماعة ضخمة من أهل القاهرة تحفل برئيس الوفد مساء الخميس؛ فأشفقت من هذا وأرادت أن تتقي أمثاله، فأنفقت ما أنفقت من قوة مساء الخميس وصباح الجمعة وطول نهار الجمعة، ثم شطرًا من ليله أيضًا تريد أن تطفئ نار الشعب بأفواهها، ونار الشعب لا تُطْفَأ بالأفواه، ولا يقدر على إطفائها الرجل الطيب وزملاؤه الطيبون؟! كل هذا ممكن، ولكن هذا كله إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن الوزارة طيبة ساذجة، سليمة النية بريئة القلب، مسرفة في حسن الظن بالأيام وبالإنجليز، مسرفة في الشك في نفسها والريب في قدرتها على أن تثبت دون أن يكون لها سند من رضاء الإنجليز.

    كان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس والقبض عليهم مساء الخميس، وكان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس وأخذ الطرق عليهم حين أَدَّى رئيس الوفد صلاته أمس، وكان مسرفًا نشاط الشرطة في التضييق على الناس وأخذهم بألوان العذاب ومحاصرة القرى حين زار رئيس الوفد وأصحابه بعض الوفديين أمس.

    كان هذا كله كثيرًا وكان مسرفًا، وكان أكثر وأشد إسرافًا مما تستطيع هذه الوزارة أن تحتمل مع ما يملكها من الضعف، وما يشغلها من الشئون. وكان على هذا كله عبثًا لا يُغني شيئًا ولا يفيد في شيء. فقد حاول من هو أقوى منها أن يصرف الناس عن الوفد؛ فلم يُفلح ولزم داره آخر الأمر مخذولًا مدحورًا. وحاول من هو أمهر منها وأبرع أن يقنع الإنجليز بأن الناس منصرفون عن الوفد، يلوذون به هو، ويكبرونه هو، ويؤمنون له هو؛ فلم يُفلح، لم يصدقه الإنجليز، ولم يصدقه الناس، ولم يكن هو يصدق نفسه. ثم أبت الأيام إلا أن تظهر له وللإنجليز وللناس أنه لم يكن يظفر بحب أحد، ولا بثقة أحد ولا بإيمان أحد، وإنما كان وحيدًا يؤيده السلطان، فلما تخلى عنه السلطان أصبح وحيدًا لا يؤيده شيء، ولا يحفل به إنسان — نستغفر الله — بل لا يذكره إنسان. كان مسرفًا وكان عبثًا ما أتته الوزارة منذ يوم الخميس. أليست توافقنا الوزارة على أن الرجل الذي يستمتع ببقية من فهم وفضل من فطنة، خليق أن يتجنب الإسراف، ويعرض عن العبث الذي لا خير فيه؟ وكان أكثر من هذا كله، وأشد إسرافًا من هذا كله، وأمعن في العبث من هذا كله، وأبلغ في ازدراء القانون من هذا كله، هذا الذي أتته الشرطة أمس حين ردت عن قصر جلالة الملك قاصدًا إلى قصر جلالة الملك، وحين أخذت من أحد أبناء الشعب عرائض كان بعض الشعب يريد أن يرفعها إلى جلالة الملك؛ فقصر جلالة الملك ملاذ للمصريين جميعًا. وحق الشعب في أن يلوذ به ويشكو إليه ويفزع إليه في رفع الظلم وكشف الضر، ثابت مقدس لا يعرض له إلا من يخالف القانون. وما رأي الوزارة في أنها لم تؤلف لترد اللائذين بالقصر عن القصر، وتمنع الشاكين إلى جلالة الملك من أن يشكو إلى جلالة الملك؟ وكيف تفسر هذا، وكيف تؤوله، وكيف تلائم بينه وبين القانون؟! أفتريد أن تلجأ إلى وزير المالية؛ ليفسر لها هذا كله بنحو من فقهه الدستوري البديع، فيزعم لها وللناس كما زعم للنواب أن الوزارة هي الملك، وأن من أراد أن يشكو إلى الملك فليشكُ إلى الوزارة؟ فإذا أراد الناس أن يشكوا إلى الملك من الوزارة؛ أفيشكون إلى الوزارة من نفسها؟! فإذا أراد الناس أن يطلبوا إلى الملك أن يقيل الوزارة؛ أفيطلبون إلى الوزارة أن تقيل نفسها؟! أم هل ترى الوزارة أنها أرفع من أن تُشْكَى، وأعز من أن تطلب إقالتها؟! أفترى الوزارة أنها تؤدي ما يجب عليها للقصر وللشعب حين ترد الشعب عن أن يلوذ بالقصر ويفزع إليه؟! لتصدقنا الوزارة: إن هذه الأعمال التي تمعن فيها لا تنفعها، ولا تغني عنها شيئًا، وإنما تنفع خصومها وتغني عنهم أحسن الغناء. فلو أنها أقسمت للإنجليز في كل يوم ألف يمين ويمين أن الناس معها لما صدقها الإنجليز، ولو أنها أنفقت ما في الأرض جميعًا من قوة لترد أبناء مصر عن أن يفزعوا إلى ملك مصر؛ لما بلغت من ذلك شيئًا. إنما حظها وطاقتها أن تصرف الأمور وتمضي الأوراق في الدواوين وتسمع كلام النواب والشيوخ، وترد على كلام النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله لها بالراحة الكبرى التي يَمُنُّ بها على المريض حين يستيئس من الشفاء.

    بطولة …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٩ فبراير ١٩٣٤

    نعم بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة في تاريخهم القديم والحديث، قوامها هذه العظمة التي يُحبها الناس جميعًا، ويأنس إليها الناس جميعًا، والتي تُثير الإعجاب في نفوس كبار النَّاس، وتُثِيرُ الحُبَّ والوُدَّ في نُفُوسِ صِغَارِهِم، وتُحِيطُ صَاحِبها بجوٍّ صافٍ نقيٍّ من إكبار الناس له، وإخلاصهم في حبه، واتخاذه مثلًا أعلى لكل ما تكمل به رجولة الرجل العظيم، بطولة كأرقى ما عرف الناس من أنواع البطولة.
    هذه التي امتاز بها الملك ألبير، شهيد البلجيكيين، أول أمس؛ فقد عاش عيشة البطل، ومات ميتة البطل، وسيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن حياته العظيمة كما سيتحدث الناس إلى آخر الدهر عن موته العظيم.
    كل الناس عرضة لأن يلقى ما لقيه الملك ألبير فتزل به قدمه، ويهوي من القمة إلى القاع، ويدركه الموت في أثناء ذلك، ولكن الملوك قلما يعرض لهم مثل ما عرض لهذا الملك؛ فأنت تستطيع أن تبحث عن الملوك والرؤساء، بل تستطيع أن تبحث عن القادة والسادة وأشراف الرجال وأغنيائهم. هؤلاء الذين يخرجون للرياضة منفردين لا تُحيط بهم الحاشية، ولا يطيف بهم الأتباع، ولا تسبقهم الطلائع، ولا تسعى في آثارهم الأمداد.
    تستطيع أن تبحث عن هذا الرجل ذي المكانة الذي يخرج للرياضة ليس معه إلا خادم، والذي يخرج للرياضة وهو يسوقُ عَرَبَته، والذي يبلغ مكانَ رياضته فيدع خادمه في عربته، ويصعد في الجبل وحيدًا فريدًا كما يصعد في الجبل أقل الناس شأنًا، وأيسرهم خطرًا، ثم ما يزال يصعد وحيدًا فريدًا حتى يشرف من القمة، ثم تزل به قدمه ويُدركه المَوتُ وَحِيدًا فَرِيدًا أَيضًا، ثم يستبطئه خادمه فيستعين الشرطة وغير الشرطة على البحث عنه.
    وما يَزَالُ النَّاسُ يبحثون وينقبون حتى يظفروا بجسمه الضئيل العظيم مُلقًى في بعض القاع، فيحتملونه كما تحتمل الأجسام الضئيلة، ويعودون به إلى قصر الملك كما يعود أيسر الناس بأيسر الناس إلى أيسر الدور والأكواخ.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصوِّر إلى أي حد ترتقي ببعض الناس نفوسهم عن زخرف الحياة، ومظاهر الجلال الكاذب فيها، حتى يزدروا زُخرف الحياةِ ومظاهر الجلال الكاذب، وحتى ينتهوا إلى الحياة التي تَسْتَحِق أنْ تُسمى هذا الاسم، ويبلغوا الجلال الذي يستحق أن يُسَمَّى جلالًا.
    موت عظيم لرجل عظيم، موتٌ يُصَوِّرُ إلى أي حد ترفع الفلسفة اليسيرة الساذجة نفوس بعض الناس حتى تجردها من كل ما يتعلق به الناس، وتسمو بها إلى حيث لم يتعوَّد الناس أن يسموا، وإذا هي تنتهي بهم إلى المساواة في الحياة بأدق معاني المساواة، ثم إلى هذه المساواة الأخرى التي يؤمن الناس بها جميعًا، ولا يقبلون فيها مُنَاقَشَةً ولا جِدَالًا؛ لِأَنَّها أَوضح وأجلى من أن تحتمل المناقشة والجدال، بل هم لا يُحِبُّون أَنْ يَذْكُروها ولا أن يتحدثوا فيها، وهي المساواة أمام الموت.
    موت عظيم لرجل عظيم، موت يُصَوِّر هذا البَطَل وقد سوى في الحياة بينه وبين غيره من الناس؛ لأنه كان يعلم وكان يقدر أن الطبيعة قد سوَّت بينه وبينهم في الموت، ولم ينخدع بهذه الأوضاع والأعراض الزَّائِلَة التي جعلتْ له بين الناس في حياته مقامًا مُمْتازًا، ومَكَانًا رَفِيعًا، بل لم يؤمن لهذه الحقائق الخالدة العُليا التي مَيَّزَتْهُ من الناس بقلبه الذكي، وخُلُقه الرَّضي، وحلمه الراجح، وصبره الذي لا يشبه صبر، وثباته الذي لا يدانيه ثبات.
    رقى هذا الرجل إلى عرش بلجيكا؛ فلم يكد يستقر فيه حتى خلصت حياته كلها لشعبه، وطابت نفسه عَمَّا لا تطيب عنه نفوس الناس في سبيل هذا الشعب؛ فكان لا يعمل إلا له، ولا يُفَكِّر إلا فيه، ولا يسعد إلا إن رآه سعيدًا، ولا ينعم إلا إنْ رَآه نَاعِمَ البَال، وكانت الحياةُ حياةَ سلم، فسلك في خدمة شَعْبِهِ طُرُقَ السلم حتى إذا أحسَّ الناسُ مَقْدِمَ الحرب تأهب للحرب، وجَدَّ في تقوية شعبه وتهيئته لاستقبال الكارثة إنْ أَقْبَلَتْ، فَلَمَّا أقبلت الحرب لم تجد رجلًا ساهيًا ولا لاهيًا ولا مُقَصِّرًا. ولم تجد بنوع خاص رجلًا أثرًا، ولا مترددًا، ولا ضعيفًا، ولا مُستهينًا بالكرامة، ولا مُتهاونًا فيما تفرضه الفضيلة على الأمم الحرة المستقلة من الاستبسال والتضحية في سبيل الذود الكريم عن الحرية والاستقلال.
    وإن الذين يذكرون أوائل الحرب الكبرى ليذكرون في الوقت نفسه ما كان يملأ نفوسهم من الإعجاب بهذا الرجل الذي لم يكن جاهلًا ولا مغرورًا، والذي كان يقدر قوة شعبه ويقيسها إلى قوة ألمانيا، والذي كان يعلم حق العِلْم أَنَّهُ أَضْعَف مِنْ أَنْ يثبت لهذا العدو الذي لم تكن قواه تُحدُّ، ولكنه مع ذلك لم يضعف ولم يستسلم، ولم يُفَكِّر إلا في العِزَّة والكرامة، ولم يقارن بين الكرامة والمنفعة، ولم يشك في قوة الحق وإنْ ظَهَرَ ضعيفًا، وفي ضعف الباطل وإن ظهر قويًّا.
    نعم، إنَّ الذين يذكرون أوائل الحرب يذكرون تلك اللغة الحَازِمَة المُلْتَهِبَة التي كان يتحدث بها هذا الملك إلى عَدُوِّه الوقح كما كان يُسَمِّيه، وإلى أُمَّتِهِ الكريمة كما كان يُسميها، والذين يذكرون الحرب يذكرون معها كيف صبر هذا الرجل للكوارث، وكيف ثبت للخطوب، وكيف لم يُؤْيَسه انتصارُ العدو، وكيف لم يُقنِّطه انهزام الحليف، وكيف امتلأ قلبه إيمانًا بالحق، فاندفعت نفسه إلى التضحية في سبيل الحق، وكيف قدَّم نفسه، بل كيف كان يُقَدِّمها في كل ساعة من ساعات الحرب فداءً لشعبه، وكيف أقام فيما بقي له من أرض الوطن ضعيفًا في ظاهر الأمر، ولكنه قوي في حقيقة الأمر، مَغْلُوبًا في ظاهرِ الأَمْرِ، ولكنه مُنْتَصِرٌ في حقيقة الأمر، منتصر لا على ألمانيا وحدها، منتصر لا على ألمانيا وحلفائها، منتصر لا على هذه الكوارث والخطوب التي كانت تحدق به وتدهمه من حين إلى حين، بل مُنْتَصِرًا على العالم كله، وعلى الإنسانية كلها؛ لأنه انتصر على نفسه وعلَّمها كيف تكون فوق الحوادث، وكيف تكون فوق الخطوب، وكيف لا تجعل لليأس ولا للشك إليها سبيلًا.
    ثم تنتهي الحرب ويتم الظفر لهذا الملك وحلفائه، ويعودُ إلى عاصمة مُلْكِهِ مُنْتَصِرًا كريمًا؛ فلا يطغيه الفوز، ولا يُبطره الانتصار، ولا يطمع من شعبه ولا من غير شعبه في إكبار ولا إجلال ولا مكافأة، ولا شيء يُشبه المكافأة؛ لكثرة ما احتمل، وكثرة ما ضَحَّى، ولحُسْنِ بَلَائِه في خدمة الوطن؛ لأنه لم يكن يعتقد أنه زاد على أن أدى واجبه الوطني كما كان يُؤَدِّيه غيره من أفراد الشعب، وإنما نهض بأعباء الحرب ما قامت الحربُ؛ فلما انطفأت جذوتها نهض بأعمال السلم كما ينبغي أن ينهض الملوك بأعباء السلم، كان مُتْعَبًا مَكْدُودًا أثناء الحرب، ولكنه لم يسترح ولم يهدأ في أوقات السلم، إنما استبدل تعبًا بتعبٍ، وكدًّا بكد، وعناء بعناء، ولم يكن يتعب لنفسه ولا يكد لها، ولا يُفَكِّرُ فيها، وإنما كان تعبه وكده وتفكيره في الحرب والسلم لشعبه، ولشعبه ليس غير.
    إن الذين يذكرون الحرب الكبرى لن ينسوا بسالة الملك ألبير، وإن الذين يذكرون السلم لن ينسوا إخلاص الملك ألبير لشعبه ومعونته له في جميع فروع الحياة، لقد كان حكمًا بين الأحزاب السياسية كأحسن ما يكون الحكم، عدلًا وإنصافًا وتنزهًا عن الغرض، وارتفاعًا عن الخصومات. لقد كان عونًا للعِلْمِ والأَدَبِ كأحسن ما يكون أعوان العلم والأدب، يشجعُ العُلَمَاء والأُدَباء على أن يبحثوا وينتجوا، يُغريهم بالبحث، ويغريهم بالإنتاج، ويخلق لهم من أسباب العون ما لم يكونوا يُقدِّرون أن يظفروا به، يمنحهم من ماله، ويمنحهم من مال غيره ببذل، ويدعو غيره إلى البذل، ولا يتحرج من أن يقف موقف الدُّعاة إلى الاكتتاب لمعونة العلم والأدب، لا في وطنه وحده؛ بل في البلاد المثقفة المُتَحَضِّرة كلها.
    ليس غريبًا أنْ يظفر ملك كهذا الملك بما كان يظفر به من حب الشعب له، وفنائه فيه، لقد زُرت بلجيكا منذ أكثر من عشر سنين، ووصلت إليها في اليوم الذي كان البلجيكيون يحتفلون فيه بعيد ميلاد الملك، ووصفتُ في غيرِ هذا المكان مَا مَلأَ نَفْسِي إعجابًا من حُبِّ الشَّعْب البلجيكي لملكه، وابتهاج الشعب البلجيكي بعيد ملكه.
    لم يكن هذا العيد عيد الملك، ولم يكن عيد الشعب جملة، وإنما كان عيدًا لكل فرد من أفراد الشعب، كان عيدًا في كل أسرة، وكان عيدًا في كل مكان، وكان عيدًا صَادِقًا خَالِصًا. ولقد رَأَيْتُهُ وقد دعا إلى قصره أعضاء مؤتمر التاريخ، فلمَّا استقبلهم جميعًا كما يُستقبل الملوك صَافَحَهُم، وألقى إلى كل منهم كلمة من كلمات المُجَامَلة العادية؛ نظرت فإذا المؤتمرون جميعًا في غرفة واحدة حول الشاي، وإذا الملك وأسرته بينهم كما تكون أنت وكما أكون أنا بين المدعوين، يتنقل من مكان إلى مكان: يتحدث إلى هذا، ثم يتحدث إلى ذلك، ثُمَّ يُطِيلُ الحديث مع من يعرف من العلماء، وما أكثر من كان يعرف منهم، ويوجز الحديث مُتَلَطِّفًا مع الذين لم يكن يعرفهم من قبل، ويجد على كل حالٍ شَيئًا يَقُولُه، ويتلقى على كل حال بالظرف واللطف والإيناس ما كان يسمعه مهما يكن، ومهما يكن قائله. هنالك عرفتُ أنَّ الملكية تستطيع أن تُلائم الديمقراطية حقًّا، هنالك عرفت أن الملكية تستطيع أن لا تكون كما يُريها بعض الأوربيين.
    هذا الشيء الذي يأبى أن يتطور، ويمتنع على تقدم الحياة، وإنما هو شيء يُلَائِمُ رُقِيَّ الناس ورُقي عقولهم، وقلوبهم، وشعورهم، وحاجتهم إلى الحرية والمساواة، وهنالك عرفت أنَّ الملكية على هذا النَّحو ليستْ كَمَا يقول خصومها أثرًا من آثار القرون الماضية، وإنما هي نظام قادر على الحياة، وقابل للبقاء المنتج الخصب المفيد.
    وهنالك عرفت كيف يكون حب الشعوب الحرة الأوروبية للملوك، وكيف يكون حب الملوك للشعوب، وكيف يستطيع عرش أوروبي أن يثبت بينما كانت العُروش الأوروبية تنهار من حوله بعد الحرب الكبرى.
    ولقد كان الملك ألبير مثلًا صالحًا، وقدوة حسنة، لا للشعب وحده، بل لأسرته كلها أيضًا؛ فالناس يذكرون كيف كانت تخرج حَفيدته وامرأة ولي العهد — وملكة بلجيكا غدًا — كيف كانت تخرج لتروض ابْنَهَا، فإِذَا هي تَدْفَعُ عَرَبته الصغيرة كما تدفع أي امرأة من نساء الشعب عربة ابنها الصغير.
    ليس هينًا هذا الخطب الذي أَلَمَّ بالشعب البلجيكي العظيم في ملكها العظيم؛ لأنه ليس مقصورًا على بلجيكا، بينما هو خطب عام للإنسانية كلها في مثل من المثل العليا للإنسان الكامل حقًّا. فليحسن الله عزاء الأسرة المالكة البلجيكية عن زعيمها، وليحسن الله عزاء بلجيكا عن عظيمها، وليحسن الله عزاء الإنسانية عن هذا المثل الأعلى الخالد.

    موقف . . .
    موقف من أغرب المواقف، وأشدها إمعاناً في الشذوذ، هذا الموقف الذي دفعت إليه مصر دفعاً في هذه الأيام بفضل الوزارة القائمة، وما تبين من عجزها الواضح عن النهوض بالأعمال الثقال والثبات للخطوب الملمة وحسن اللقاء للطوارئ والمفاجآت.
    موقف غريب أشد الغرابة، شاذ أعظم الشذوذ لا يحتاج مصري مهما تكن ثقافته ومهما تكن منزلته الاجتماعية إلى أن يدله عليه أحد، أو ينبهه إليه إنسان. فأنت تستطيع أن تتنقل في الأندية، وتلم بمجالسهم في القهوات والدور، وأنت تستطيع أن تستمع إلى عامة الناس، وهم يتحدثون فيما بينهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم اليومية، وأنت تستطيع أن تصعد إلى الترام، والأتوبيس التي تنقل الناس في القاهرة أو إلى القطارات التي تنقل الناس بين القاهرة والضواحي، أو بين القاهرة والأقاليم فسترى شيئاً لم تكن تراه منذ شهر أو شهرين، سترى قلقاً بادياً، واضطراباً واضحاً، وخيالاً أرسلت أعنته، فانطلق لا يلوي على شيء، ولا يقف عند شيء، وإنما هو يتلقف الأنباء، ثم يستغلها إلى أقصى غايات الاستغلال، فيخلق الحوادث، ويبتكر الأخبار، وينشئ الفروض، ويحكي ما كان، ويصور ما هو كائن، وينبئ بما سيكون. وتنطلق الألسنة بما يوحي به هذا الخيال الذي أدركه شيء يشبه الحمى، فهو لا يهدأ، ولا يطمئن، ولا يكف عن الحركة والإنتاج. ولا تكاد الأحاديث تلقى في مكان حتى تطير منه إلى أماكن أخرى، ثم تطير من هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، وهي كلما وقعت في مكان أثارت القلق، وبعثت الاضطراب، وأنشطت الخيال، وأطلقت الألسنة، حتى أصبح المصريون لا يشكون في أن حياتهم العامة معرضة لحدث جديد خطير، وهم يبحثون عن هذا الحدث، وهم يريدون أن يعرفوه، بالتحقيق أو بالتقريب وهم يستدلون عليه بما يقع من الأحداث، وما ينشر من الأنباء، وما يأتي الكبراء والوزراء من الحركات، يقضون في ذلك نهارهم حين يعملون، ويقضون في ذلك ليلهم حين يسمرون، ولعل منهم من يحلم به إذا أدركه النوم، ولكنه على كل حال أول ما يخطر لهم. وأول ما يفكرون فيه، حين يستقبلون النهار ويستقبلون معه صحف الصباح. هذه هي حياة المصريين في هذه الأيام، قلق متصل يزيد من حين إلى حين إشفاق مستمر يشتد من وقت إلى وقت وحديث لا ينقطع في السياسة وأسرار السياسة وما قد تنكشف عنه هذه الأسرار.
    وأكبر الظن أن الوزارة ليست أقل اضطراباً ولا قلقاً من الشعب، فلعلها تعلم من أمر السياسة أكثر قليلاً مما يعلم الشعب، والشعب لا يعلم شيئاً أو لا يكاد يعلم شيئاً والوزراء يأتون من الحركات ما لا يمكن أن يفهم منه هدوء البال، واطمئنان القلب وراحة الضمير. فهم يلتقون، وهم يفترقون وهم يتبادلون الزيارات التي لا تخلو من معنى، وهم يتلقون زيارات أخرى ليست أقل معنى من هذه الزيارات التي يتبادلونها فيما بينهم. وهم يتحدثون إلى بعض المتصلين بهم، وهم يسألون أحياناً عن الأخبار، شعب قلق، ووزارة قلقة، فأما الإنجليز فيظهرون نشاطاً غريباً لم يظهروه من قبل، يدخلون فيما لم يتعودوا أن يدخلوا فيه ويقبلون على ما لم يتعودوا أن يقبلوا عليه ويفعلون ما لا ينبغي لهم أن يفعلوا ويكفي أن نلاحظ نشاط نائب المندوب السامي وحده في هذه الأيام القليلة الماضية، فهو يفتش على الشرطة في الإسكندرية وهو يطير إلى القاهرة فيفتش على الثكنات، ثم على بعض الأقسام، ثم على المطافئ، ثم يتغذى مع قائد جيش الاحتلال، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات المصرية السابقين، ثم يزور بعض الإنجليز ثم يطير إلى الإسكندرية، ولا يكاد يستقر أربعاً وعشرين ساعة حتى يرد له ذلك المصري من رؤساء الوزارات السابقين زيارته. يسافر لهذه الزيارة مع الظهر ويعود من هذه الزيارة مع المساء، وتقول الصحف إن هذه الزيارة لها ما بعدها، وقد تتبعها زيارة أخرى والناس يقرأون هذه الأنباء في الصحف، ويسمعونها في الأندية، ويقال لهم إن الوزارة حائرة ويقال لهم إن الوزارة قد تستقيل، وهم يريدون أن يفهموا، ولكن كيف يفهمون؟ وهم يريدون أن يتبينوا ولكن كيف يتبينون؟ وزارة مغرقة في الصمت وقد كان يجب عليها أن تتكلم، مغرقة في السكون وقد كان يجب عليها أن تعمل، مغرقة في الألغاز وقد كان يجب عليها أن تكون واضحة، مصرة على البقاء في الحكم، وقد كان يجب عليها أن تتخلى عنه، بعد أن ظهر لها وظهر للناس أنها لا تصلح له، ولا تقدر عليه، ولا سيما في هذه الظروف التي لم يبق إلى الشك في دقتها وخطرها وحرجها من سبيل.
    والصحف تجمع الآن على مطالبة الوزارة بإصدار نشرات منظمة عن صحة جلالة الملك، فلم يبق عند أحد شك في أن صحة جلالته قد انحرفت بعد أن جاءت الأنباء بذلك من أوروبا، وكان ينبغي أن يعرف الناس ذلك في مصر قبل أن يعرفوه في أوروبا.
    وبعد أن أجلت الرحلة الملكية وبعد أن أعلن أن حضرة صاحب الجلالة لا يستقبل في عيد الجلوس هذا العام، وبعد أن دعي طبيب من القاهرة ثم دعي طبيب أو أكثر من طبيب من الخارج.
    فالناس يعلمون أن صحة جلالة الملك ليست على ما يتمنون من العافية، وهم يريدون أن يعلموا، ومن حقهم أن يعلموا. ومن الواجب على الحكومة أن تعلمهم بحال ملكهم من يوم إلى يوم، بل من صباح إلى مساء.
    ولكن الوزارة لا تقول في هذا شيئاً كما أنها لا تقول في غيره من الأمر شيئاً. فقد نحب أن نعلم ماذا يصنع الوزراء، وما بقاؤهم في مناصبهم إذا كانوا يقصرون حتى في أقدس الواجبات فلا يطمئنون الشعب على صحة ملكه ولا ينبئون الشعب بمعنى هذا النشاط الغريب الذي يظهره الإنجليز.
    إحدى اثنتين فإما أن يكون الوزراء ناهضين بواجباتهم حقاً، وإذن فقد كان يجب أن ترى آثار هذا النهوض، والوزراء يعلمون حق العلم أنهم ليسوا أوصياء على شعب قاصر، وإنما هم موظفون لشعب رشيد، فليس لهم أن يخفوا عليه شيئاً، وليس لهم أن يستأثروا من دونه بما يمس حياته من قريب. وأما أن يكون الوزراء باقين في مناصبهم ليختلفوا إلى الدواوين، ويستمتعوا بجاه الوزارة وظاهر من سلطانها، فيجب أن يعلموا أن الوزراء لا يختارون لهذا، وإنما يختارون لشيء آخر.
    وبعد فإنا نريد أن نعتقد أن الوزراء يرجعون إلى ضمائرهم. ويعلمون حق العلم أن الشعوب قد تتعرض لأوقات من حياتها لا يجوز فيها الهزل، ولا يباح فيها الإهمال، ولا يغفر فيها التقصير، وأن الوزراء يقدرون هذا كله، ويلائمون بينه وبين سيرتهم في هذه الأيام، فإما أن يعملوا ويقولوا ويقنعوا المصريين بأنهم وزراء حقاً، خليقون بملاقاة الطوارئ، والثبات للحوادث والنفاذ من الخطوب، وإما أن يردوا أمر الشعب إلى الشعب، ويدعوا الحكم لينهض به قوم هم أصلح له، وأقدر عليه، ولاسيما في هذه الظروف.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.

    قصة المجمع اللغوي
    طه حسين
    مجلة مجلتي
    ١٥
    يونيو ١٩٣٥
    لا أريد مجمعنا اللغوي المصري، وإنما أريد المجمع اللغوي الذي إذا أطلق عليه هذا اللفظ فُهِم منه فهمًا يسيرًا في غير حاجة إلى التفسير ولا إيضاح، وهو هذا الذي أنشئ في باريس منذ ثلاثة قرون، والذي سيحتفل العالم ببلوغه هذه السن بعد أن يظهر هذا الفصل بيومين اثنين.
    فقد جدَّ الكاردينال ريشوليو، وزير فرنسا العظيم، في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي في مثل هذا العام من القرن السابع عشر، ولم يكن إنشاؤه هينًا ولا سهلًا رغم ما كان لمنشئه العظيم من القوة والبأس، ومن الجاه والسلطان، وإنما كان عسيرًا شديد العسر، ملتويًا شديد الالتواء؛ ولهذا استطاع كاتب فرنسي أن يضع لإنشائه العسير الملتوي قصة ظريفة طريفة نشرتها الإلستراسيون في ملحق لعدد من أعدادها ظهر في شهر يناير الماضي.
    وهذا الكاتب الفرنسي هو أميل ماني، وقد عنون قصته بهذا العنوان الظريف مولد الأكاديمية الفرنسية.
    وأنا أكتب هذا الفصل لمناسبة هذه الأعياد التي ستقام في باريس بعد يومين، وأرجو أن يكون هذا الفصل تحية لهذه الجماعة الأدبية العظيمة التي يسميها الفرنسيون — بحق أو بغير حق، صادقين حينًا وعابثين حينًا — آخر جماعة الخالدين؛ فليس الفرنسيون جميعًا يحبون مجمعهم اللغوي، ويرضون عنه، ويعجبون به، بل كثير منهم ومن خِيارهم يسخرون من المجمع اللغوي، ويغضون من قدْره ما وسعهم ذلك وما وجدوا إليه سبيلًا.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين مَن يغلو في السخط والسخر ما أتاح الشباب له ذلك، حتى إذا دنا من الشيخوخة أو توسط الكهولة تهالك على المجمع اللغوي تهالكًا، وود — بجدع الأنف — لو استطاع أن يظفر بكرسي من كراسي الخالدين.
    ومن هؤلاء الساخطين الساخرين من يَجدُّ في ذلك ويصدق ويخلص في بغض المجمع اللغوي وازدرائه والإعراض عنه، ويأبى كل الإباء هذا الخلود الذي لا يغني عن صاحبه شيئًا.
    وليس من شك في أن كثيرًا من الذين سيقرءون هذا الفصل قد قرءوا هذه القصة الرائعة التي وضعها ألفونس دوديه وسمَّاها الخالد، وأعلن على صفحتها الأولى أنه لم يرد ولا يريد ولن يريد أن يكون عضوًا في المجمع اللغوي، ثم صوَّر فيها بعد ذلك من ضعف الخالدين وفنائهم وطفولتهم، وصِغَر النفوس عند كثير منهم ما لا يزال يثير الرحمة والإشفاق إلى الآن.
    ومن المعاني المألوفة الشائعة عند الفرنسيين أن الخالدين «هؤلاء» هم في جملتهم أقل الناس حظًّا من الخلود، فهم يظفرون بالخلود حين يشرفون على الموت، وينحنون على القبر، وهم بعد أن يلقوا الموت ويهووا إلى قاع القبر لا يحتفظون في أكثر الأحيان بهذا الخلود الذي انتهوا إليه في آخر أيامهم، وإنما تطوي الأيام ذكرهم طيًّا، ويطغي عليهم النسيان طغيانًا.
    والمحقق الذي ليس فيه شك هو أن الكثرة الضخمة من أسماء الخالدين، الذين لبثوا الثوب الأخضر منذ ثلاثة قرون، قد ذهبت أسماؤهم إلا من سجلات المجمع، ومن الجريدة الرسمية الفرنسية، ومن بعض كتب التاريخ، وليس خلود الذين بقيت أسماؤهم ظاهرة من أعضاء هذا المجمع ناشئًا عن انتسابهم إليه، أو دخولهم فيه، وإنما هو ناشئ قبل كل شيء عن آثارهم الأدبية أو غير الأدبية التي فرضتهم على التاريخ فرضًا.
    وأكبر الظن أن المجمع انتفع بانتسابهم إليه، وشرف بدخولهم فيه أكثر مما انتفعوا أو شرفوا بتسجيل أسمائهم في قصر مازين. ومَن الذي يستطيع أن يزعم أن فكتور هوجو، وأناتول فرانس، وأكاريشال فوش، والماريشال جوفر، وريمون بونكاريه قد شَرُفوا بالمجمع أكثر مما شَرُف المجمع بهم؛ وهم مع ذلك لم يكونوا يقبلون أن يمضوا فصلًا من الفصول، أو مقالًا من المقالات، أو كتابًا من الكتب دون أن يضيف كل منهم إلى اسمه العظيم هذا اللقب العظيم؛ وهو: العضو في المجمع اللغوي الفرنسي.
    ليس أعضاء المجمع خالدين جميعًا، وإن وصفوا جميعًا بالخلود، ولكن المجمع نفسه خالد من غير شك، المجمع الذي لا يتألف من هؤلاء الأشخاص، أو من أولئك الأشخاص، وإنما هو معنى من المعاني، وفكرة من الفكر، ومعقل للسنة الفرنسية، واللغة الفرنسية، والأدب الفرنسي، والتقاليد الفرنسية الصالحة، والمجد الفرنسي بوجه عام.
    هذا المجمع خالد من غير شك لا يستطيع الزمن أن يعدو عليه إلا بمقدار ما يستطيع أن يعدو على فرنسا نفسها، وما دامت فرنسا المجيدة قائمة؛ فسيظل مجمعها اللغوي على رأسها تاجًا مجيدًا.
    وفي درس القصة التي أحاطت بنشأة هذا المجمع وظهوره عبرة لمن أراد أن يعتبر، وموعظة لمن أراد أن يتعظ، وموضوع تأمل وتفكير للذين يحبون التأمل والتفكير، وسبيل إلى الموازنة والانتفاع للذين يغرون بالموازنة والانتفاع.
    ولعل القصة التي أشرت إليها آنفًا أجمل ما صوَّر نشأة هذا المجمع العظيم؛ فنحن حين ننظر في هذه القصة نرى في أولها رجلًا من أوساط الناس وأشرافهم متصلًا بعظيم من عظماء فرنسا، يعمل في إدارة أمواله وأملاكه، وقد أجهده العمل ذات يوم فأراد أن يُرفِّه على نفسه، فزار صديقًا له قسيسًا، هو ليبو روبير، الذي كان أثيرًا عند الكاردينال ريشوليو، منقطعًا إليه، يُسليه ويُلهيه ويتجسس له على الأشراف والعظماء، والذي كان أديبًا مترفًا، وشاعرًا متكلفًا، ورجلًا مرنًا من رجال الدين.
    فلما انتهى هذا الشريف إلى هذا القسيس وأخذا في حديثهما؛ عرف القسيس أن صاحبه يختلف إلى اجتماع خاص سري يتألف من تسعة نفر سمَّاهم له، وأن هؤلاء النفر قد ألَّفت بينهم المودة الخالصة والحب الصادق للأدب؛ فهم يلتقون من حين إلى حين في بيت واحد منهم، يتحدثون في الأدب والشعر، وفي الفلسفة والحكمة، ويعرض كل منهم على أصحابه ما أحدث من أثر؛ فيتناولونه بالنقد في نصح صارم لا يحب الهوادة ولا المداراة.
    فلما سمع القسيس من أمر هؤلاء النفر ما سمع، رابَه أمرهم، وأشفق أن يكونوا قد ألَّفوا جماعة سرية تخرج على القانون وتأتمر بالوزير العظيم، فاندس إليهم متجسسًا، واتصل بهم مُترفِّقًا، ولكنه لم يسمع منهم ولم يتحدث إليهم حتى أمنهم على الدولة وعلى مولاه، وحتى أحب ما يعملون وأطال فيه التفكير، وود لو استطاع أن يُحوِّل هذا المجمع إلى شيء رسمي تعترف به الدولة، ويعينه السلطان، فتحدث في ذلك إلى مولاه، وأذِن له مولاه في أن يطلب إلى هؤلاء الناس أن ينظموا أمرهم، ويضخموا عددهم، ويُهيِّئوا أنفسهم ليصبحوا جماعة رسمية.
    ثم نمضي في القصة فنرى هؤلاء الأدباء وقد أُلقِي إليهم أمر الوزير العظيم، فضاقوا به، وارتاعوا له، وأشفقوا على حريتهم وعلى أدبهم من عبث السياسة وكيد السلطان، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا إلا أن يذعنوا لما أُمروا به، ويستجيبوا لما دعوا إليه؛ فنظموا أمرهم، ووضعوا لأنفسهم قانونًا، وأخذوا يضمون إلى أنفسهم جماعة من أعلام الأدب والشعر.
    ولكنهم أحسوا أنهم قد نزلوا عن حريتهم منذ قبلوا عطف السلطان، فالوزير العظيم لا يحب لهم أن يختاروا من أعلام الأدباء والشعراء مَن يريدون، ولا من تُهيِّئهم كفايتهم ليكونوا أعضاء في المجمع، وإنما يحب لهم، بل يأمرهم أن يختاروا من يريد هو، ومَن يرضى عنهم هو، ومن تُهيِّئهم أعمالهم السياسية الظاهرة أو الخفية ليكونوا المجمع اللغوي.
    وما دام هؤلاء النفر قد أذعنوا مرة، فلا بد لهم من المضي في الإذعان، وهل كانوا يستطيعون أن يخالفوا عن أمر الوزير العظيم؟ إنما كانوا مخيرين بين الطاعة المطلقة والمحنة المطلقة؛ فآثروا الطاعة على المحنة، ووضعوا قانونهم، وضخموا عددهم، كما أراد ريشوليو لا كما أرادوا.
    ثم نمضي في القصة فنرى الوزير الكاردينال يطلب إلى الملك لويس الثالث عشر توقيع أمر تعترف فيه الدولة بهذه الجماعة، فيجيبه الملك إلى ما طلب، وتبتهج الجماعة بهذا الأمر؛ فقد أصبحت للغة الفرنسية جماعة رسمية تحميها من العبث، وتحفظها من الضياع، وتضمن لها النمو والصفاء.
    وهذا أمر الملك يرسل إلى البرلمان ليسجل فيه، كما كان النظام يريد في ذلك الوقت، وهذا البرلمان يحيل أمر الملك على مقرر اختاره لدرسه، وعرض أمره عليه، ولكن هذا المقرر كان رجلًا مترف المعدة والحلق والفم، غليظ العقل والقلب، يؤثر صناعة الطبخ على صناعة الأدب، ويُقدِّم ألوان الطعام على فنون الشعر.
    وكان البرلمان والشعب الباريسي معه يكرهان الوزير الكاردينال، ويسيئان الظن به وبأعماله وأوليائه، فلم يشك الناس ولم يشك البرلمان في أن المجمع اللغوي إنما هو أداة سياسية لطغيان هذا الطاغية.
    ومن هنا سخط الشعب على المجمع، وعد أصحابه من الخونة، وسخط البرلمان على المجمع، واستجاب لدعاء مقرره فرفض تسجيل الأمر الملكي، وأبى الاعتراف بهذه الجماعة.
    وتناقل الناس عن مقرر البرلمان أنه كان يقول: إن بطون الفرنسيين أحق بالعناية من عقولهم؛ فالعقول تستطيع أن تصبر، وأما البطون فليس لها إلى الصبر سبيل. وكان المجمع اللغوي في أثناء ذلك يائسًا بائسًا، حزينًا مسكينًا، ليس له مستقر يطمئن فيه، ولا ملجأ يأوي إليه، إنما هو يتنقل بين الدور التي كان يسكنها أعضاؤه؛ فهو اليوم ضيف على هذا العضو، وهو غدًا ضيف على ذاك.
    وكان أعضاء المجمع إذا انصرفوا عن اجتماعاتهم لم يسمعوا ولم يقرءوا إلا شرًّا ونكرًا؛ فقد كانوا لهو الحديث، وسمر السامرين، بل كانوا موضوعًا للغناء الهازل، والدعابة اللاذعة. وهم كانوا يستحقون كثيرًا مما كان يصيبهم من الشر؛ فهم قد حمَّلوا أنفسهم أثقالًا لم يستطيعوا حملها: أخذوا أنفسهم بوضع المعجم، ثم لم يشرعوا فيه، وأخذوا أنفسهم بإصلاح النحو، ثم لم يصلحوا منه شيئًا، وإنما أنفقوا في اجتماعاتهم المتصلة في خطب ومحاضرات ليس لها رأس ولا ذيل.
    وقد زهد فيهم مولاهم الوزير الكاردينال نفسه، واستيئس منهم، وانصرف عنهم إلى عمل أدبي آخر كان يحبه ويتهالك عليه؛ فقد كان الوزير الكاردينال يحب التمثيل كما كان يقرض الشعر، وقد بدا له ذات يوم أن يختار خمسة من الشعراء، من بينهم كورني، ومن بينهم قسيسه ليبو روبير، وأن يقترح عليهم موضوعًا ينشئون فيه قصة تمثيلية، وأن يرسم لهم خطة هذه القصة. وقد شغله هذا كله عن مجمعه اللغوي، وتم إنشاء القصة، واستمع لها ورضي عنها، ونقد بعض الشعراء، وهو كورني، وأجاز بعضهم الآخر، وهيَّأ القصة للتمثيل، وأمر بتمثيلها وأنفق فيه مالًا كثيرًا، ولكن القصة أخفقت شر إخفاق.
    وقد غضب كورني من نقد الوزير له، فنفى نفسه من باريس وأقام في نورمانديا حينًا مغاضبًا للعاصمة، عاكفًا على فنِّه، وأصبح الناس ذات يوم وإذا باريس لا تتحدث إلا بكورني، وبقصة تمثيلية أنشأها كورني، فنجحت نجاحًا باهرًا، وظفرت بفوز عظيم؛ وهي قصة السيد.
    وفي أثناء هذا الوقت الذي نجحت فيه قصة السيد وشغلت باريس، كان الوزير الكاردينال يُهيئ لتمثيل قصتين اقترحهما ورسم خطتهما؛ ورضي عليهما بعد إنشائهما، وأمر بتمثيلهما.
    فلما سمع بقصة السيد وما أدركت من فوز غاظه ذلك، على أنه أخفى غيظه وأمر قسيسه أن يشهد التمثيل، وأن يُحدِّثه عن هذه القصة، وجاء القسيس يثني على القصة ثناء حسنًا، ولا يعيبها إلا بأنها لم تخضع للقاعدة المقدسة قاعدة الوحدات الثلاث التي كان الوزير الكاردينال يحميها ويحرص عليها كأنها قانون من قوانين الدولة.
    على أن الوزير لم يغضب للوحدات الثلاث، وإنما غضب لأمرين اثنين؛ الأول: أن قصة السيد تشيد بالمبارزة، وهو كان قد حرَّمها وقتل بعض الأشراف الذين خالفوا عن أمره وأقدموا على المبارزة، والثاني: أن قصة السيد تشيد بالإسبانيين في وقت كانت جيوش إسبانيا فيه قد احتلت بعض الأرض الفرنسية، ولم تجلُ عنها إلا بعد جهد عظيم.
    ويريد سوء الحظ أن تُمثَّل القصتان اللتان اقترحهما الوزير فيدركهما الإخفاق المنكر، كما أدرك القصة الأولى، على حين لا تزداد قصة السيد إلا نجاحًا وفوزًا.
    وكان الوزير الكاردينال يود لو عاقب كورني على نجاحه، ولكن ماذا يصنع والجمهور معجب بالقصة، والقصر معجب بالقصة أيضًا، فقد شهدتها الملكة مرتين، فلم ير بدًّا من أن يشهدها هو أيضًا، فأمر فمثلت له في قصره، وأظهر الإعجاب بها، والثناء عليها، ورتب للشاعر مكافأة حسنة متصلة.
    ولكنه دبر أمره من وراء الغيب تدبيرًا، فهؤلاء جماعة من الشعراء والكُتَّاب ينقدون القصة نقدًا عنيفًا، وهؤلاء جماعة آخرون يدافعون عنها دفاعًا قويًّا، وهؤلاء الباريسيون يشغفون بهذه الخصومة الأدبية شغفًا لا عهد للأدب الفرنسي بمثله، وهذا كورني يدافع عن نفسه دفاع المؤمن بنبوغه المُعلِن له، الذي لا يتحرج حتى من التعريض الخَطِر بالوزير العظيم.
    وهذا كاتب ينشر رسالة عنيفة في نقد قصة السيد، ولكنه يقترح اقتراحًا غريبًا — لا شك في أنه صدر عن الوزير الكاردينال — فهو يقترح تحكيم المجمع في هذه الخصومة التي شجرت بين الأدباء حول قصة السيد.
    والوزير الكاردينال يرضى عن هذا الاقتراح ويشجعه، ويأمر مَن يُوحي إلى المجمع بقبول هذه القصة، وكان المجمع في أول أمره متحرجًا من النظر فيها، ولكنه أذعن لأمر الوزير كما أذعن من قبل.
    على أن قانون المجمع لم يكن يَسمَح له بالقضاء في كتب الناس إلا إذا رضي أصحاب الكتب قضاءه فيها؛ فلم يكن بدٌّ إذن من أن يقبل كورني تحكيم الخالدين في قصته، وقد رفض كورني هذا التحكيم أول الأمر لسبب يسير، وهو أنه إن قبل فقد سنَّ سُنَّة خطرة تبيح لجماعة من الناس أن يتحكموا في الأدب والفن، وفي الحرية والنبوغ أيضًا، ولكن كورني خُيِّر بين قبول التحكيم وإلغاء المرتب الذي فرَضه له الوزير، فآثر مرتبه ورضا الوزير على الحرية والنبوغ، وأذعن لحكم الخالدين.
    وأخذ الخالدون منذ ذلك الوقت يدرسون القصة درسًا دقيقًا، فألفوا لذلك لجانًا، ووضعت اللجان تقريرًا وتقريرًا وتقريرًا، وكان كل تقرير يعرض على الوزير فينظر فيه ويمسه بالتغيير والتبديل، وربما كره سيرة التقرير فكلَّف موظفًا من موظفيه أن يضع مكانها صفة أخرى. وكان المجمع يرى هذا ويكرهه، ولكنه يذعن له، وما دام قد بدأ حياته الرسمية بالإذعان فهو مضطر إلى أن يمضي في هذا الإذعان.
    على أن هذه القضية هي التي ضمنت للمجمع وجوده الرسمي، فما دام الوزير الكاردينال قد أراد أن يقضي المجمع في قصة السيد، وأن يقضي فيها كما تريد السياسة، أو كما تريد شهوة الطاغية المستبد، لا كما يريد الأدب والفن؛ فلا بد من أن يظفر هذا المجمع بكل الصفات الرسمية التي تجعل حكمه رسميًّا خليقًا بالإكبار والاحترام.
    وإذن فلا بد من أن يسجل البرلمان أمر الملك، ولا بد من أن يعترف البرلمان بالوجود الرسمي لهذه المحكمة الأدبية العليا. وقد كاد المجمع يفسد الأمر على نفسه إفسادًا؛ فقد هيَّأ حكمه وأرسله إلى المطبعة قبل أن يرسله إلى الوزير، على أن الوسطاء أصلحوا هذا الأمر وضمنوا عفو الوزير عن هذه الغلطة، وجدَّ الوزير في حمل البرلمان على تسجيل الأمر الملكي، وجدَّ البرلمان في رفض هذا التسجيل.
    وانتهى الأمر إلى أزمة بين الحكومة والبرلمان، وانتهت الأنباء إلى البرلمان بأن الحكومة والقصر قد ينظران في اختصاص البرلمان، وقد يُضيِّقان من سلطانه؛ فأذعن البرلمان آخر الأمر، كما أذعن المجمع أول الأمر، وسجل الأمر الملكي سنة ١٦٣٧م، وتمت ولادة المجمع بعد أن جاهد فيها الكاردينال أكثر من عامين.
    ولم يكد الأمر الملكي يُسجَّل ويصبح المجمع هيئة رسمية من هيئات الدولة حتى صدر حكمه في قصة السيد، فإذا هو حُكْم لا يرضي كورني؛ لأن فيه نقدًا شديدًا، ولا يُرضِي خصوم كورني؛ لأن فيه إغضاء شديدًا، ولا يُرضي المجمع نفسه؛ لأن فيه تجاوزًا للحق والفن، ولكنه يرضي الوزير الكاردينال؛ لأن فيه غضًّا من كورني، هذا الشاعر الجريء الذي استطاع أن يقول الشعر ويعلن النبوغ، ويعلن أنه ليس مدينًا لأحد بهذا النبوغ حتى ولو للوزير الكاردينال.
    وكذلك كان التجسس داعيًا إلى التفكير في إنشاء المجمع اللغوي الفرنسي، وكان الطغيان السياسي وسيلة إلى إنشاء هذا المجمع، وكان ظلم السياسة للأدب سببًا في الوجود الرسمي لهذا المجمع، وكانت قصة السيد ضحية غُذِّي هذا المجمع بدمها، ولكن الغريب أن قصة السيد لم تمت، وإنما ظفرت وظفر صاحبها المظلوم بالخلود، وأن المجمع نفسه لم يمت، وإنما ظفر بالخلود أيضًا.
    فأما الذي مات، ومات موتًا ليس بعده بعث ولا نشور، فهو طغيان الوزير الكاردينال، وأدب الوزير الكاردينال، وشهوة الوزير الكاردينال.
    أراد ريشوليو أن يتخذ الحق سبيلًا إلى الباطل، وأن يتخذ الأدب وسيلة إلى السياسة، وأن يتخذ المجمع اللغوي أداة للظلم، فأخفق ريشوليو وزهق باطله، وعجز ظلمه عن أن يبلغ غايته، وعاش كورني، وعاشت قصة السيد، وعاش المجمع اللغوي، وعاشت فرنسا يتألق على جبينها تاجها الأدبي الخالد بعد أن نزعت عن جبينها تاجًا آخر لم يكن يستمد قوته ولا جماله من الفن والأدب، ولا من العقل والقلب، وإنما كان يستمد قوته وجماله من البأس والبطش والطغيان.

    خطاب الدكتور طه حسين بك
    طه حسين
    مجلة الحديث
    فبراير ١٩٤٣

    مولاي صاحب الجلالة:
    أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
    هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
    لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
    لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
    ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
    وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
    لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
    فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
    ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
    وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
    وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
    ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
    وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
    ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
    وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
    أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
    والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
    وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
    بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
    أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.

    وزارة الشعب ترد إلى الشعب
    أمواله على أحسن وجه وأنفعه

    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٠ أغسطس ١٩٤٣

    توجه مندوبنا بوزارة المعارف إلى دار الدكتور طه حسين بك لزيارته بمناسبة قرب سفره إلى فلسطين، ولكن لا بدَّ لأي صحفي أن يستغل فرصة اجتماعه بمعجم وزارة المعارف، فقال مندوبنا: حضرنا الحفلة الصامتة التي أقامتها جامعة فاروق الأول يوم السبت الماضي تكريمًا لمعالي وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة، وكنا نودُّ لو نسمع منكم كلمة تصور شعوركم وشعور الجامعيين الفاروقيين بعد انتهاء العام الدراسي الأول. فأجاب سعادته بقوله: «ألم ترَ من ابتهاج الذين شهدوا الحفلة من الجامعيين ما يُغنيك عن الخُطَب كما أغنى غيرك من الذين تفضَّلوا فشهدوا الحفلة؟! ولكنك صحفي لا يرضيك إلا الكلام الذي تُطالع به قراءك وترضي به صحيفتك. وربما كان أصدق تصوير لشعور الجامعيين أنه شعور الرضى والأمل والثقة. فقد لقيت الجامعة الناشئة من تأييد الحكومة ومعونتها أكثر جدًّا مما كانت تنتظر، وأطمعها هذا التأييد في المزيد منه فطلبت إلى الحكومة كثيرًا، ولكنها لم ترد يومًا عن شيء طلبته ولم تسمع بعدُ كلمة «لا». وأنا واثق بأنها لن تسمعها ما دام حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيسًا للحكومة وحضرة صاحب المعالي أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرًا للجامعة. والجمهور بالطبع لا يعرف إلا قليلًا جدًّا من تأييد الحكومة للجامعة الناشئة، ويكفي أن أضرب لك بعض الأمثال؛ فقد كانت ميزانية المعامل هذا العام ستة عشر ألفًا من الجنيهات، وهي كما ترى ضئيلة بالنسبة لجامعة يُراد تأثيثها، ولكني تحدثت بذلك إلى رئيس الحكومة ووزير المعارف فطمأناني. ثم أصبحت ذات يوم وإذا مجلس الوزراء يأذن لجامعتنا في أن تَشتري من أدوات المعامل ما تجِد إلى شرائه سبيلًا، ويقدِّم بين يدي هذا الإذن مبلغ خمسة وأربعين ألفًا من الجنيهات، فترتفع الأموال التي خُصصت للمعامل إلى أكثر من ستين ألف جنيه. وأكبر الظن أننا سنحتاج إلى أكثر من هذا، وأننا لن نجد من رفعة رئيس الحكومة وزملائه إلا كل عون وتأييد. وما رأيت هؤلاء الناس يواجهون أمرًا من أمور الشعب إلا ذكرت ما كان يقوله بركلاس في القرن الخامس قبل المسيح، وهو: «يجب أن تُردَّ أموال الشعب إلى الشعب». فهم يردون إلى الشعب أمواله على أحسن وجه وأنفعه وأضمنه للإصلاح الذي لا يذهب مع الريح، ولكنه يبقى مع الزمن، وينتج آثارًا خالدة. وأي شيء أنفع وأبقى مما ينفق على التعليم على اختلاف فروعه؟! وهل رأيت حكومة قدرت التعليم قدره وطابت نفسها بالإنفاق عليه كما فعلت هذه الحكومة؟ على أن ما فعلته الحكومة فيما يتعلق بالمعامل ليس إلا شيئًا قليلًا إذا قيس إلى ما تفعله فيما يتعلق بمباني الجامعة. وإني لن أبلغ من شكر الحكومة ومعالي وزير الأشغال خاصة ما أريد مهما أَقُلْ. ويكفي أن تعلم أن المباني التي تحتاج إليها الجامعة للسنة المقبلة قد تتكلف نحو مائة ألف من الجنيهات، ولم تبخل الحكومة بشيءٍ من هذا ولن تبخل بأكثر منه إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنها تعلم أن خير الادِّخار هو الإنفاق في سبيل التعليم. ذلك فضلًا عمَّا تحتاج إليه هذه المباني من جِدٍّ وحزم وإسراع في العمل حتى لا يتأخر بَدءُ العام الدراسي عن أوانه. وهنا يكفي أن نذكِّر وزير الأشغال ونذكُر البيت العربي القديم:
    إذا أيقظتك خطوب الزمان فنَبِّهْ لها عمرًا ثم نَمْ
    وقد نبهنا وزير الأشغال لحاجة الجامعة، ولكننا لن ننام، وإنما نتفرغ للراحة والاستجمام على حين يتعب هو ويجِد. فإذا عدنا أول العام وجدنا الجامعة قد استوفت ما كانت تحتاج إليه. ألست ترى أن الذين يقدمون إلى الجامعة مثل هذه المعونة خليقون بالشكر والتقدير في الحفلات الصامتة والحفلات الناطقة جميعًا؟»
    وسأله مندوبنا عن الغرض من إنشاء معهد الآداب والفنون، وصلته بين الهيئات العلمية المختلفة بمصر وبينه وبين الحكومة. فأجاب بقوله: «إن الغرض من هذا المعهد تنسيق البحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني في مصر، وإظهار الشعب المصري والبلاد العربية على نتائج النشاط العقلي في مصر. وواضح أن هذا كله لا يتأتَّى إلا بالاجتماعات المنظمة والمحاضرات التي تُلقى بين حين وحين والمجلات والنشرات المختلفة التي تُنشر بنظام. وسيتألف المعهد من شُعَبٍ خمس، سيكون لكل واحدة منها وجودها الخاص ومجلتها ومحاضراتها، وهي شعبة العلوم وشعبة الطب وشعبة الآداب وشعبة العلوم السياسية والتشريعية، وشعبة الفنون الجميلة. وسيكون اتِّصال المعهد وثيقًا بالجامعتين والهيئات العلمية المختلفة. وسيكون له حق منح الإجازات والإعانات للباحثين أفرادًا وجماعات. وسيشير المعهد على الحكومة في كل ما تستشيره فيه، ويرفع إليها ما يعرض له من الرغبات والاقتراحات التي تمَس حياة العلم والعمل جميعًا. أمَّا موعد إنشائه فسيكون في أول الدورة البرلمانية بمشيئة الله، ولولا أحداث السياسة التي شغلت الحكومة والبرلمان لتمَّ إنشاؤه في الدورة الماضية، فقانونه مُعَدٌّ لم يبقَ إلا أن يُرسَل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء لاستصدار المرسوم الملكي لعرضه على البرلمان.»
    مجمع اللغة العربية وسأله مندوبنا عمَّا يُراد إدخاله من تعديل على نظام مجمع فؤاد الأول للغة العربية. فقال سعادته إن الفكرة الأساسية هي تقوية المجمع وترقيته وزيادة حظِّه من الاستقلال، وتمكينه من أن يفرغ لما أُنشئ له من المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع ما تحتاج إليه من المعاجم. وسيستفيد المجمع فائدة محققة من إنشاء المعهد المصري للآداب والفنون؛ لأن هذا المعهد سيضع علم وفن ما يحتاج إليه من الاصطلاحات، يقوم بذلك الأخصائيون من العلماء والفنانين، فيُسهِّل مهمة المجمع اللغوي ويحصرها في الناحية اللغوية الخالصة. فأنت ترى أن التعاون بينهما سيكون متصلًا ومنتجًا.
    التعليم الحر وسأله مندوبنا عن مشروعات التعليم الحر. فقال سعادته إن ما يستطيع أن يقوله الآن عن التعليم الحُرِّ هو أن مشروع القانون الجديد للتعليم الحر مُهيَّأٌ للعرض على البرلمان، وهو الآن بين يدي حضرة صاحب المعالي وزير المعارف. وهو يضمن ثلاثة أشياء أساسية؛ الأول: تمكين الدولة من الإشراف على التعليم الحر كله لترقيته وتقويته، وجعله ملائمًا لتعليم الدولة. والثاني: حماية حقوق المعلمين وتيسير الأمر لهم بحيث لا تكون حياتهم عُرضة للاضطراب. والثالث: تمكين هذا التعليم من أن يكون مساعدًا حقيقيًّا لوزارة المعارف فيما ترمي إليه من نشر التعليم والثقافة في جميع طبقات الشعب إلى أبعد حدٍّ ممكن.
    شئون أخرى وسأله مندوبنا عن مشروعات أخرى تتعلق بالتعليم الفني وتعديل المناهج في التعليم العام. فقال: دع هذا إلى شهر سبتمبر المقبل …

    خطاب طه حسين باشا أمام جلالة الملك في معهد الصحراء
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣١ ديسمبر ١٩٥٠

    مولاي صاحب الجلالة:

    ما أروع هذا الدرس الذي تلقيه على شعبك في هذه الأيام خاصة، درس في الوفاء! ما أجدر الناس أن ينتفعوا به وأن تصطبره قلوبهم وعقولهم! فمنذ ثلاثة أيام كنَّا نحتفل بمأثرة جليلة من مآثر والدك العظيم، هي جامعة فؤاد الأول. وأمس كنا نحتفل بمأثرة عظيمة من مآثر جدك الكريم، هي الجمعية الجغرافية. ونحن اليوم نحتفل بهذه المأثرة الكبرى من مآثر فؤاد — نضر الله وجهه — وهي معهد الصحراء.

    وأنت أمامنا دائمًا يا مولاي في هذه الحفلات، تشرفها فتملأ قلوبنا غبطةً ونفوسنا ابتهاجًا، ويرى الشعب عنايتك بالعلم والعلماء، كما كان يرى عناية أبيك بالعلم والعلماء، فيرى صورة جليلة رائعة من صور الوفاء الذي لا نظير له والذي لا حدَّ له. أنت جدير أن تكون أستاذ شعبك في الخُلق، في الخُلُق الذي يَمَسُّ سيرة الفرد فيما بينه وبين الناس، وفي الخُلق الذي يمس سيرة الشعب مع ملكه وسيرة الملك مع شعبه.

    أنت تعلِّم الناس كيف يفي الأبناء لذكرى آبائهم، وتعلِّم الشعب كيف يقتدي الشعب بملكه، فيفي للملوك الصالحين المصلحين.

    وكان والدك العظيم يا مولاي أجدر الناس بوفاء الأبناء للآباء، وأجدرهم بوفاء الشعوب للملوك، ولا أغلو في أن أقول إنه كان أجدر الملوك بوفاء الإنسانية لذكراهم الخالدة. فليس قليلًا أن ينشئ في الشرق العربي وفي العالم الإسلامي أول جامعة حديثة على النحو الحديث، وليس قليلًا أن ينشئ في العالم الشرقي والإسلامي أول معهد حديث للصحراء.

    هذه الجامعة لا تنفع مصر وحدها وإنما تنفع الناس جميعًا. وهذا المعهد لا ينفع مصر وحدها وإنما ينفع العالم كله. ذلك يا مولاي أن معاهد العلم ليست مقصورة على وطن ولا على جنس، وإنما هي مشاعة للإنسانية كلها، فمن أنشأ معهدًا أو جامعةً لم يخدم وطنه وحده وإنما خدم الأوطان كلها.

    كان والدك العظيم أجدر الناس منك بهذا الوفاء، وأجدر الناس من شعبه بهذا الوفاء؛ لأنه لم يكتفِ بما أنشأ من جامعة، ولا بما أحيا من الجمعية الجغرافية، ولا بما نشر من ألوان الحضارة على اختلافها، وإنما فكَّر وقدر وغامر في هذه المغامرة العقلية الكبرى التي لا يغامرها إلا العظماء. غامر وفكر في تقريب البعيد، وإزالة مصادر الخوف والهلع والهول، وتخصيب الصحراء وتأمينها، وجعلها مصدرًا للعلم والمعرفة والأمن والهدوء.

    نحن يا مولاي أشد الناس ذكرًا للصحراء وتأثُّرًا بها. إن الصحراء تأخذنا من جانبَيْنا، وليس نيلنا العظيم إلا شيئًا ضئيلًا يجري بين صحراوين هائلتين.

    فالتفكير في الصحراء إنما هو تفكير في توسيع النيل حتى يعم الأرض بالخير، وحتى يغمر جانبيه جميعًا بالخصب والنماء. ولكننا لا نذكر الصحراء يا مولاي لأنها تأخذنا من جانبينا، وإنما نذكرها كذلك لأن أدبنا العربي القديم لم يصور شيئًا كما صور الصحراء، صوَّرها رائعة مروعة، صورها مملوءة بالهول والخوف والذعر، صورها مكمنًا للخوف والعذاب، صورها يحيط بها الخوف من جميع جوانبها، وتجري فيها السباع حرة طليقة تغتال الإنسان إن عرض لها أو وقع بين أيديها.

    كذلك ترك أدبنا العربي لنا من الصحراء صورة الروع والخوف والهول. ولم يُرِدْ والدك العظيم يا مولاي إلا أن يزيل هذا كله، وأن يجعل الصحراء مصدرًا للبحث والعلم والمعرفة والنور، وأن يتيح للناس أن يعرفوها كما يعرفون أرضهم الخصبة، وأن يستغلوها كما يستغلون أرضهم الخصبة، وأن يجنوا منها الخير والبركة والنفع. أراد ذلك يا مولاي حين فكَّر في أن يجعله مباءة للباحثين عن شئون الصحراء، يدرسون أرضها وجوها، يدرسون نباتها وحيوانها، يدرسون خصائصها كلها؛ ليعلِّموا الناس أولًا، وليبيحوا لهم النفع والانتفاع ثانيًا. أباح لهم مصدرًا من مصادر العلم، ومصدرًا من مصادر السيطرة على الطبيعة المخيفة الشاذة.

    كذلك فكَّر والدك العظيم، ولم يَكَدْ يُفكِّر حتى همَّ، ولم يكد يهَم حتى فعل، فأنشأ المعهد يا مولاي، وأراد أن يُنشِئَه هو وحده بقوته وبماله، لا يطلب إلى الحكومة إنشاءه. مغامرة غامرها وأراد أن يحتمل نفقاتها، حتى إذا ظهر نفعُها وفائدتها انتفع بها الشعب وانتفع بها الناس دون أن يتكلفوا فيها شيئًا. أنشأه ووقف عليه وقفًا ضخمًا يكفل له ما يحتاج إليه من مال. ولم يكتفِ بوقف الأرض الخصبة، وإنما وقف البناء الشامخ، ثم أدركه قضاء الله وانتقل إلى جوار ربه قبل أن يُتِمَّ ما بدأ، فأقبلتَ أنت تحمل اللواء وتمضي إلى الغاية وتتم الطريق التي بدأها.

    وهذا هو المعهد يُفتتح الآن، وهؤلاء هم علماء العالم يُقبِلون ليشاركوا المصريين في تكريم ذكرى والدك العظيم، وفي رفع الشكر الخالص إلى جلالتك لما ترعى به العلم والعلماء، ولما تيسر لهم من أسباب البحث والمعرفة، ومن أسباب هذا الغنى الذي لا يختص به الناس إلا إذا كانوا جميعًا في جميع الأقطار والبلاد. هذا المعهد يا مولاي ثمرةٌ إذن من ثمرات ذلك المُلك السعيد الذي أشرف عليه والدك العظيم، ولكنه ثمرة بدأها هو وأنضجتَها أنت، فإذا وفيت لوالدك العظيم فشهدت هذا الحفل وأتممت ما بدأ، فالشعب المصري كله يتعلم منك الوفاء.

    على أنك يا مولاي عندما عُنِيتَ بهذا المعهد نظرت فإذا العلم من حولك يتقدم، وإذا أشياء جديدة تظهر لم تكُن معروفة حين فكَّر والدك في هذا المعهد، وإذا جامعتُه التي أنشأها قد أخرجت شبابًا يُحسِنون درس الصحراء ويستطيعون النهوض بأعبائها.

    إن في المعهد مكتبة ضخمة، وفيه مُتحفًا ضخمًا وقاعةً للمحاضرات، وستكون من حوله حديقة خاصة لا تشتمل إلا على النباتات والأشياء الصحراوية، فيه كل ما يحتاج إليه العلماء للبحث والإنتاج. وكان والدك العظيم يا مولاي أبعد الملوك عن الأثرة وأقلهم تفكيرًا في نفسه، وكان يريد أن يكون وطنه مثله بعيدًا عن الأثرة. كان يفكر في أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش فردًا، وفي أن الأوطان والشعوب لا تستطيع أن تعيش منفردة. كان يفكِّر في أن التضامن والتعاون أساس الحضارة، وهو من أجل ذلك فكَّر في أن هذا المعهد سيكون حلقة يلتقي فيها العلماء من جميع أقطار الأرض، العلماء الذين يُعنَوْنَ بشئون الصحراء، وسيكون معهدًا يتعاون فيه على البحث المختصُّون مهما تكن مواطنهم، ومهما تكن أجناسهم.

    كذلك أراد هو، وكذلك أردت أنت، وقد تحقق له ولك ما أردتما. هؤلاء العلماء الذين أقبلوا الآن لمصر يشاركونها هذا الحفل دليلٌ واضح على أن ما أراده والدك العظيم من تحقيق التعاون الإنساني على البر والتقوى والمعرفة، وما أردته أنت من تحقيق التعاون، قد تحقق بأمره وأمرك وأتى ثمره الآن.

    فلك يا مولاي أجمل الشكر وأخلص الإجلال على عنايتك بهذا المعهد، ولوالدك العظيم رحمة الله ورضوانه، نضَّر الله وجهه يا مولاي وأنزله منازل الصالحين المصلحين.

  • الأزهر في العشرينات والثلاثينات | Al-Azhar in the Twenties and Thirties

    مؤتمر العلوم التاريخية
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٩ مايو ١٩٢٣

    عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».

    والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.

    لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.

    أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.

    هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.

    فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.

    وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.

    وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.

    وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.

    والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.

    لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.

    وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.

    حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.

    وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.

    وإذن؟

    وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!

    هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.

    أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟

    أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.

    هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.

    أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.

    كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.

    ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.

    هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.

    ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.

    وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!

    فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!

    أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟

    سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.

    أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.

    أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟

    سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».

    سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.

    أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.

    ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!

    صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»

    أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.

    فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟

    القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٣٠ أغسطس ١٩٢٣

    لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.

    بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.

    يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.

    ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.

    وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.

    كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.

    وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.

    وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.

    أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟

    هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.

    أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.

    ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.

    أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.

    ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.

    هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟

    أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»

    وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.

    كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!

    مصادرة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.

    الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.

    لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.

    إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.

    ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.

    ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.

    إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟

    إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.

    وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.

    شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.

    ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.

    مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟

    بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.

    فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟

    وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.

    اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟

    كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟

    هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.

    فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.

    كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟

    اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.

    لعب
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٦ يوليو ١٩٣٢

    لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.
    وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.
    وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.
    ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟
    أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.
    نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟
    لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.
    كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.
    ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.
    كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.
    ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.
    وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.
    ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟
    الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.
    لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.
    وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.
    فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
    وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟
    وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟
    ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.
    ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.

    بلاغ
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ يوليو ١٩٣٢

    بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.

    نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.

    وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.

    نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.

    وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.

    تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.

    غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟

    نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.

    وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.

    بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.

    وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.

    لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.

    وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.

    وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.

    ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.

    أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.

    وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.

    فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.

    ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.

    كرامة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٧ أغسطس ١٩٣٢

    وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

    واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه

    ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

    وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

    غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

    ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

    قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

    قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

    وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

    ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

    وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

    لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

    أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

    أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

    فتنة…

    يقال أن فتنة أخرى يراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يراد لها أن تفرض على بعض المصريين في هذا الصيف كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن.
    ولعلك قرأت ما نشر في الوادي أمس من أبناء بورسعيد. جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يقال، ويسلكون إلى ذلك طرقا ملتوية، مموجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس وليس فيها استغواء للأطفال، ولا اغراء للضعفاء، ولكن فيها عبثا بالقرآن الكريم، ومسخا لألفاظه المقدسة، وتحريفا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف. فهم فيما يقال يتلون قول الله تعالى «وأشرقت الأرض بنور ربها» ثم يزعمون أن الراء في ربها زائدة. ويتلون قوله عز وجل «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» يفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليثبتوا أن القرآن قد بشر بالبهائية، وأشار إليها.
    فهذا العدوان إن صح ينكره القانون، ويعاقب عليه لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانا وطغيانا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو اهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلا ولا تعليلا، ولا شبهة في أنه عبث منكر.
    وأغرب من هذا ما نشر أمس في الوادي أيضا من أن رجلا من علماء المسلمين ووعاظهم في بورسعيد أبى أن يلقي الشر بالشر، وكره أن يواجه العبث بالعبث، وأنفذ أمر الله تعالى، فرد على الشر بالخير، وقاوم الفساد بالصلاح ودعا إلى الله بالتي هي أحسن، وحاول أن يعصم عامة المسلمين من أن يؤثر فيهم هذا الفساد. فإذا الإدارة تدعوه إليها، ثم تنهاه عن أن يمضي فيما بدأ، ويستمر في هذه الطريق التي سلكها وتأمره أن يكف عن إلقاء ما أخذ في إلقائه من المحاضرات. ومعنى هذا كله إن صح ما كتبه نائب بورسعيد إلى الوادي، أن بعض الناس لا يجد بأسا من أن يذيع البهائيون دعوتهم، ومن أن يتخذوا العبث بالقرآن، والتحريف لكلمه، والإفساد لألفاظه وسيلة إلى إذاعة هذه الدعوة، ولكنه يجد البأس كل البأس، والحرج كل الحرج في أن يقوم رجل من رجال الدين ليمحو هذا الشر، ويزيل هذا العبث، ويصلح هذا الفساد. فنحب أن نعلم من الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم الإصلاح على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟ ونحب أن نعلم أين نص الدستور الذي يبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، ويحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟ ونحب أن نعلم أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبا في بلده، والذي يكف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا أعداء الدين ويحوطوه؟
    إن وزير الداخلية خليق أن يفكر ويطيل التفكير، فليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تصر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالذياد عنه، والقيام من دونه. نحن أبعد الناس عن أن نطلب إلى وزير الداخلية، أو إلى غيره من رجال السلطان، مصادرة حرية الرأي، فليدع البهائيون إلى مذهبهم ما وسعتهم الدعوة، ولكن في حدود القانون، وليدافع رجال الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي عن الإسلام ما وسعهم الدفاع في حدود القانون أيضا. ولتقف الإدارة موقف من يفهم القانون حق الفهم، ويقدر العدل حق قدره، ويخضع الناس جميعا لنصوص الدستور، لا يؤثر فريقا على فريق ولا يفضل فئة على فئة، ولا يظلم دينا معترفا به، بل دينا رسميا هو دين الدولة لمصلحة مذهب لم يعترف به في مصر بعد.
    أما بعد فهؤلاء جماعة من العلماء قد كتبوا إلى رئيسهم شيخ الأزهر، لا يستعدونه على أحد، ولكنهم يطلبون إليه أن ينهض بالواجب، ويؤدي الحق إلى أهله، ويسعى عند السلطان، في أن ترد الحرية إلى المسلمين ليذودوا عن الإسلام، وفي أن يؤذن لهذا الواعظ أن يمضي في وعظه، ويدفع عن دينه، ويرد هذه الألفاظ القرآنية التي يفسدها البهائيون إلى أصلها الصحيح، الذي لا ينبغي أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي لا ينبغي أن يعتدي عليه، حتى من البهائيين. أفيسمع شيخ الأزهر لهؤلاء العلماء؟ أفيسعى شيخ الأزهر عند وزير الداخلية ليرضي هؤلاء العلماء؟ أفنقرأ غدا أو بعد غد أن قد أبيح لعلماء المسلمين حماية الإسلام في بلد من بلاد الإسلام؟
    طه حسين
    الوادي، ٥ يوليو ١٩٣٤.

    تحريض…

    نبأ تحدث به إلينا من تحدث، وكتب إلينا فيه من كتب، وهو أن صح كان خطيرًا حقًا، وكان جديرًا بالعناية والتفكير العميق، وأكبر الظن أنه صحيح. فالذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون، متباعدون لا يعرف بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يكونوا قد التقوا، وائتمروا ودبروا كيدًا بليل أو بنهار، وألخص هذا النبأ ليظهر عليه القراء وليعلمه الذين يشرفون على تصريف الأمور في مصر، والذين ينبغي أن يسألوا عن حماية الأمن والنظام. كان ذلك يوم الجمعة الماضي، وكان في مسجد من مساجد المسلمين، هو مسجد الرفاعي، وكان على منبر من منابر المسلمين، وهو منبر هذا المسجد، وكان على لسان خطيب من خطباء المسلمين، وإمام من أئمة الصلاة فيهم، هو هذا الذي خطب الناس وصلى بهم، في ذلك المسجد وفي هذا اليوم.
    وقف هذا الخطيب ليعظ الناس ويذكرهم بأيام الله ويحدثهم بنعم الله عليهم، وحسن بلائه فيهم، ويخوفهم ما أعد الله للأثمين من عذاب ولكنه لم يصنع من هذا كله شيئًا، وإنما هاجم كتابًا من الكتب، وكاتبًا من الكتاب ولسنا نسمي هذا المؤلف ولا ذلك الكاتب فقد يكون أمرهما أيسر من أن يُعنى به الناس، ونحن لم نكتب لتسميتها، وإنما نمضي في رواية النبأ كما تحدث به من تحدث، وكما كتب فيه من كتب. أخذ هذا الخطيب إذن يذم الكتاب وصاحبه، ويكذب على الكتاب وصاحبه ويضيف إلى الكتاب ما ليس فيه، وإلى صاحب الكتاب ما لم يقل. وكان زياد يقول «إن كذبه المنبر بلقاء مشهورة» ونحن نظن، ولعل شيخ الأزهر يوافقنا على ما نظن، أن المنابر لم تقم لتكون مصدرًا للكذب، وإشاعة الإثم عن الأبرياء.
    ولكن لنمضِ في رواية النبأ كما تحدث به المتحدثون وكما كتب فيه الكاتبون. ومضى الخطيب في ذم الكتاب وصاحبه حتى زعم للناس أن الكتاب دسيسة على الإسلام، وأن صاحب الكتاب يعمل متأثرًا بيد خفية تمنحه المال، ليفسد على المسلمين دينهم. ثم لم يقف الخطيب عند هذا الحد، ولو وقف عنده لكان آثمًا في دينه، لأنه قال بما لم يعلم، وأذاع من منبر المسلمين غير الحق، ودعا إلى الفتنة،
    والمنابر لم تقم للدعوة إلى الفتنة، ولكنه مضى إلى أبعد من هذا فزعم للناس أن من ألف مثل هذا الكتاب، وسعى مثل هذا السعي، يجب قتله. ثم استدل للناس على ذلك بآية من القرآن لم تُرْوَ لنا فيما كتب إلينا الكاتبون.
    فنحب أن نعلم قبل كل شيء أصحيح هذا النبأ أم غير صحيح. وقد قلنا إنما نرجح صحته، لأن الذين تحدثوا إلينا به، وكتبوا إلينا فيه، مختلفون لا يعرف بعضهم بعضًا، وتواطؤهم على الكذب مأمون. ويقال أن مسجد الرفاعي من مساجد الأوقاف الخصوصية، فنحب أن نعلم رأي صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا في خطبائه هؤلاء الذين يختارهم ليدعوا الناس إلى الخير، ويصرفوهم عن الشر، وليأمروا الناس بالمعروف، وينهوهم عن المنكر، فلا يتحرج بعضهم أن يمعن في الشر والفتنة إمعانًا، ويدعو إلى الإثم والمنكر دعاءً صريحًا.
    ونحب بعد هذا أن نعرف رأي صاحب العزة النائب العام في رجل يقف على منبر من منابر المسلمين في مسجد من مساجد المسلمين، في جمع من جموع المسلمين، وفي يوم مشهود من أيام المسلمين فيُغري بالقتل، ويرغب فيه، ويصوره للناس على أنه تقرب إلى الله. أخليق هذا الرجل أن يُسأل أم غير خليق؟ أهو أجدر بالسؤال والتحقيق أم كتاب الصحف، الذين يخاصمون الحكومة، فيما أباح الله لهم أن يخاصموها فيه. ومتى كان من حق أئمة المساجد وخطبائها أن يتحدثوا إلى الجماعات في القتل، وأن يبيحوا للجماعات وللأفراد أن يقتصوا بأنفسهم وبأيديهم الدين، حتى من الذين تقوم الأدلة الواضحة القاطعة على أنهم يسيئون إلى الدين؟ وماذا يصنع السلطان في بلد منظم، وماذا تصنع النيابة والقضاء إذا أبيح للناس أن يأخذوا الآثمين بآثامهم ويعاقبوهم على خطاياهم دون أن يلجأوا للنيابة والقضاء.
    ثم نحب أن نعرف رأي صاحب السعادة وزير الداخلية، الذي يقال إنه حفيظ على الأمن، وإنه أبرع الناس وأمهر الناس في حماية هذا الأمن، وإنه أقدر الناس وأحرص الناس على حماية هذا الأمن. ما رأيه في خطباء المساجد الذين يتخذون منابر المسلمين أداة للإغراء بالقتل والتحريض على الإخلال بالأمن؟ وأي الأمرين أشد خطرًا على السلام والنظام في هذا البلد، أن يطوف رئيس الوفد في بعض الأقاليم فيتحدث إلى الناس في شؤون وطنهم، ويذاكرهم حقوق هذا الوطن، لا يدعوهم إلى إثم، ولا يغريهم
    بفتنة، ولا يحرضهم على فساد، أم أن يقف خطيب من خطباء المساجد ترزقه الدولة ليدعو إلى الله، فإذا هو لا يدعو إليه، ترزقه الدولة ليأمر بالمعروف، فإذا هو يأمر بالمنكر، ترزقه الدولة ليصرف الناس عن الإجرام، فإذا هو يفتح لهم أبواب الإجرام.
    ثم نحب أن نعرف آخر الأمر رأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر ورئيس هيئة كبار العلماء في رجل من رجال الدين، يدعو جهرة إلى ما ينهى عنه الدين، ويمعن جهرة وعمدًا، فيما يكرهه الله ورسوله وصالح المؤمنين. أخليق هو أن يبقى في زمرة العلماء، وأن يشرف بالانتساب إلى الدين، وأن يعيش بالانتساب إلى الدين أيضًا، أم خليق هو بأن يُمحى من زمرة العلماء محوًا ويُقصى عن جماعات رجال الدين إقصاءً، لأن دين الله أكرم على الله وأطهر في نفوس المسلمين، وأرفع عند رجال الدين أنفسهم من أن ينتسب إليه ويعيش على حسابه رجل يسلك مثل هذه الطريق. نظن أن صاحب السعادة زكي الإبراشي باشا، وصاحب السعادة محمود القيسي باشا وصاحب العزة لبيب عطية بك، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ الظواهري يوافقوننا في غير مشقة على أن هذا النبأ في حاجة إلى تحقيق، وعلى أن صاحب هذه القصة إن صحت في حاجة إلى تأديب، وعلى أن مساجد المسلمين، في حاجة إلى أن تُحمى من هذا الفساد، وعلى أن قلوب المصريين في حاجة إلى أن تُعصم من هذا التحريض.
    طه حسين
    الوادي، ٦ أغسطس ١٩٣٣.

  • القلق الذري وعالم ما بعد الحرب | Atomic Anxiety and the Postwar World

    العالم الجديد
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٢ أغسطس ١٩٤٥

    كانت أيامًا خطيرة حقًّا في تاريخ العالم الجديد، هذه هي التي بدأت يوم الخميس الماضي ٢ أغسطس، وانتهت يوم الخميس ٩ أغسطس.

    ففي اليوم الثاني من هذا الشهر أعلن رؤساء الدول الثلاث الكبرى بعض ما اتخذوا من قرارات في اجتماعهم ببوتسدام، وفي السابع من هذا الشهر عرف العالم هذا الحدث الخطير، حدث استعمال القنابل الذرية على أنها وسيلة من وسائل التعجيل بإنهاء الحرب. وفي اليوم التاسع من هذا الشهر عرف العالم أن روسيا قد أعلنت الحرب على اليابان، وكذلك يسعى العالم القديم سعيًا سريعًا نحو غايته، وهي الفناء في العالم الجديد الذي ينتظر أن يقوم مقامه بما يهيأ له من نظم، وبما يرسم له من خطط، وبما يؤمل فيه من إصلاح شامل وأمن كامل وسلام طويل.

    ولست أدري إلى أي حدٍّ يحسن التفاؤل، ولا إلى أي حدٍّ يفرض التشاؤم على الذين يحسنون التفكير فيما كان والتقدير فيما هو كائن، والتنبؤ بما يمكن أن يكون؟ فقد رأى بعض فلاسفة التاريخ منذ زمن طويل أن حياة الناس يشبه بعضها بعضًا كما تشبه القطرة من الماء قطرة من الماء، وأن حياة الناس يباين بعضها بعضًا كما يكون التباين بين الليل والنهار، وأن تاريخ هذا النوع الإنساني يقوم على هذين القانونين الخطيرين؛ قانون التوافق من جهة، وقانون التخالف من جهة أخرى. فبحكم قانون التوافق يكون التفاهم بين الأفراد والجماعات، ويكون التعاون بين الأمم والشعوب، ويتم ما يتم من رقي الحضارة وتقدم المعرفة وتسلط الإنسان على ما يعترض سبيله من المصاعب والعقبات، وبحكم قانون التخالف يكون افتراق الكلمة وانشقاق العصا بين الأفراد والجماعات في الوطن الواحد، ثم يكون تباين المنافع وتغاير الأهواء وتدابر المصالح، وما ينشأ عن ذلك من التنافس والخصام والحرب.

    وليس من سبيل فيما يظهر إلى أن يخلص النوع الإنساني خلوصًا تامًّا من سلطان هذين القانونين أحدهما أو كليهما، وإنما هو خاضع لهما في جميع الأوقات وفي جميع الظروف. وكل ما في الأمر أن هذين القانونين يختصمان، فيسود أحدهما حينًا ويسود أحدهما الآخر مرة أخرى.

    وواضح جدَّا أننا نعيش الآن في عصر يسود فيه قانون التخالف. فلم تكن الحرب العالمية الأولى، ولم تكن الحرب العالمية الثانية، ولم يكن التنافس بين الحربين إلَّا مظاهر لهذه السيادة البغيضة. ولست من الذين يكلفون بفلسفة التاريخ أو يؤمنون بقوانينها هذه العامة التي ترسل إرسالًا وتخلب العقول بما يظهر عليها من مظاهر الدقة والشمول. ولكن من المحقق أن العصر الذي نعيش فيه ليس بعصر اتفاق ووئام، وإنما هو عصر اختلاف وخصام. وقد قيل لنا في أول القرن: إن الحرب العالمية الأولى ستقضي على أسباب الفرقة، وسترد العالم إلى الوفاق الكامل والأمن المطمئن والأمل العريض والنشاط الخصب. فلما لم تحقق تلك الحرب هذه الوعود الخلَّابة ولم يستقر السلم في الأرض؛ قال القائلون: إنها لم تنتهِ في سنة ١٩١٨، وإنما كانت هدنة بين الحربين، ثم استؤنف الخصام. وقيل لنا بعد ذلك: إن انهيار ألمانيا، وخضوعها الكامل لسلطان المنتصرين، واحتلال جيوشهم المظفرة أرضها في الشرق والغرب؛ هو الذي سيبلغ الحرب غايتها، وسيقر السلام على الأرض، وسيضع الأساس المتين للعالم الجديد.

    وقد انهارت ألمانيا واحتلت الجيوش المنتصرة أرضها كلها، واجتمع رؤساء الدول المنتصرة في عاصمتها؛ ليضعوا أساس الصلح، وليحكِّموا نظام السلم. ولكن يقال لنا: إن الحرب لم تبلغ غايتها بعد، فما زالت اليابان تقاوم في أقصى الشرق، ولا بدَّ من أن تنهار كما انهارت ألمانيا؛ ليكون الحديث عن السلم صريحًا صحيحًا منتجًا. كل هذا قيل، وكل هذا ما زال يقال. وقد حرص الإنجليز والأمريكيون والصين على أن يفرغوا من حرب اليابان؛ ليعجِّلوا وصول العالم إلى هذا السلام الذي يتحرق شوقًا إليه، فأرسلوا إلى اليابان إنذارًا نهائيًّا خطيرًا يطلبون إليها فيه أن تسلم كما سلَّمت حليفتها الهتلرية بلا قيد ولا شرط. فلما أبت رموها بقنبلتين هائلتين في أقل من أسبوع، بل في أقل من ثلاثة أيام … رموها بالقنبلة الذرية يوم الإثنين الماضي، ثم رموها بإعلان الحرب الروسية عليها يوم الأربعاء. وهم الآن ينتظرون أن تتدبر اليابان عاقبة أمرها. فإما أن تستسلم بلا قيد ولا شرط فيعود السلام الشامل، وإمَّا أن تصرَّ على العناد فتصب عليها القنابل الذرية صبًّا، وتغزوها جيوش الحلفاء من كل وجه، والغاية محققة لا شك فيها وهي انهزام اليابان واستسلامها في أقرب وقت ممكن.

    وكذلك نخرج — بإذن الله — من سلطان قانون التخالف لندخل — بإذن الله — في قانون التوافق في ظل ذلك السلطان، يسيطر على العالم سلام قوامه النظام والانسجام والوئام الذي لا يعرف اختلافًا ولا افتراقًا. وكذلك تجري الأمور ميسرة سهلة في أحاديث الناس حين يتحدثون، وعلى أقلام الكتَّاب حين يكتبون، ونستطيع أن نتمثل باسمين مطمئنين قول الشاعر القديم:

    منى إن تكن حقًّا تكُن أحسن المنىوإلَّا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا
    وأكبر الظن أن هذه المنى ليست حقًّا، وأن قانون التخالف جزءٌ مقوم للطبيعة الإنسانية، وأن منافع الأفراد والجماعات ومنافع الأمم والشعوب ستصطدم دائمًا في ظل السلم ما دامت الدولة متعبة مكدودة. فإذا استراحت واستجمعت واستردت قوتها الحربية والاقتصادية ظهر التنافس العنيف والتخاصم المخيف، وصرح قانون التخالف عن نفسه واستؤنف الاصطدام المسلح. وقال لنا القائلون: إن الحرب الثانية لم تنهِ الحرب، وإنما وصلت بالعالم إلى هدنة طويلة أو قصيرة، كتلك الهدنة التي كانت بين سنة ١٩١٩ وسنة ١٩٣٩. ذلك أن كل ما أعلن من القرارات التي اتخذت في بوتسدام لا يدل على أن الإنسانية قد رُدَّت إلى العقل، وثابت إلى الرشد، وآثرت العافية، ووضعت الأسس لسلام متصل صحيح. وما أحب أن أعرض لهذه القرارات التي اتخذها الرؤساء الثلاثة بشأن الشعب الألماني، فهم منتصرون قد لقوا من ألمانيا المحاربة هولًا عظيمًا، وهم مضطرون إلى أن يقسوا على هذا الشعب الظالم كما قسا على شعوبهم وعلى غيرها من الشعوب، وهم مضطرون إلى أن يجرِّدوه من السلاح تجريدًا تامًّا، ويمرنوه على الحضارة تمرينًا دقيقًا، ويغيِّروا عقليته التي أفسدها الطغيان. ولست أدري أينجحون في ذلك أم يخفقون؟ ولكني أفهم هذه المحاولة وأكاد أجد ما يسوغها. أمَّا الذي أريد أن أعرض له هو هذه المواقف التي اتخذها الرؤساء الثلاثة من أنفسهم أولًا ومن حلفائهم ثانيًا، ومن الأمم الأخرى المحايدة آخر الأمر. فهم قد وقفوا من أنفسهم موقفًا فيه كثيرٌ جدًّا من الأثرة وقليلٌ جدًّا من القصد، فأعطوا أنفسهم ما استطاعوا أن يعطوها، ولم يكادوا يعطون غيرهم شيئًا. ومن الحق أن بريطانيا العظمى وأمريكا لم تأخذا شيئًا من الأرض الألمانية، بل تكتفيان بالاحتلال الذي يقصر أو يطول، ولكن روسيا قد أخذت لنفسها جزءًا من ألمانيا، وفيه مدينة كونجسبرج مدينة الفيلسوف الألماني العظيم كانت، وأعطت جزءًا آخر لبولندا لتعوضها عما أخذت منها في الشرق حين غيرت الحدود. فأمَّا مصانع الألمان فقد قسمت بين الدول الثلاث تقسيمًا تفوقت فيه روسيا؛ لأنها احتملت من الشر أكثر مما احتمل حليفاتها، وواضح جدًّا أن هذا التقسيم الأثِر لن يُحفظ ألمانيا وحدها، ولكنه يترك في نفس الحلفاء الآخرين الذين مستهم الحرب بمثل ما مسَّت به غيرهم من الأذى آثارًا خطرة على السلام المستقبل. ومهما يكن من شيء فلن يستطيع أحد أن يقول إن فرنسا وبلجيكا وهولندا واليونان راضية كل الرضا عن هذا المذهب الذي ذهبه الرؤساء الثلاثة في بوتسدام. أمَّا الأمم الأخرى المنبثة في أقطار الأرض، فقد كان موقف الرؤساء الثلاثة منها غريبًا أيضًا لا يخلو من هذه الأثرة الظاهرة. فرومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا خاضعة للنفوذ الروسي ما في ذلك شك، والنمسا موضع خلاف بسيط. أمَّا الشرق الأدنى فلم يجهر الرؤساء برأيهم فيه؛ لأن فيه مشكلات لم تستطع حكومة العمال الجديدة فيما يظهر أن تقطع فيها برأي قبل أن تدرس وتقلب وجوه التفكير. فلروسيا مطالب عند الترك ونظرة خاصة إلى المضايق … وفي البلاد العربية مشكلات خطيرة ليست مشكلة فلسطين أقلها خطرًا. وإذن، فالتمهل فيها خير وحلَّها شيئًا فشيئًا أدنى إلى اليسر وأقرب إلى النجح. وأمَّا مسألة إيران، فلم يقل المؤتمرون فيها شيئًا، ولكن ظهر اليوم أنهم قد اتفقوا بشأنها على المقدمات الأولى التي تعلل الأطفال، ولكنها لا تقيد المستقبل تقييدًا خطيرًا، فسيجلو الحلفاء عن طهران فورًا، فأمَّا الجلاء عن إيران فمسألة فيها نظر يمكن البحث عنها بعد أن تستسلم اليابان. وكذلك وُضعت للعالم الجديد أسس لا تختلف عن أسس العالم القديم؛ لأنها تقوم قبل كل شيء على الأثرة التي يشتد لها التنافس من جهة، وعلى التوازن الدولي الذي يخيف بعض المنتصرين من بعض من جهة أخرى، ثم على المساومة والمداورة التي تؤجل حل المشكلات المعقدة من جهة ثالثة. وواضح جدًّا أن ما ظفرت به روسيا من التفوق قد كان ثمنًا معجلًا لما قرأنا من إعلان روسيا الحرب على اليابان اليوم. فأمَّا الثمن المؤجل فستنكشف عنه الأيام في تركيا أو في إيران أو فيهما معًا، وفي الشرق الأقصى على كل حال. والنتيجة الواضحة لكل هذا هو أن من الممكن أن يظفر العالم بسلام طويل، ولكنه سيكون كالسلام الذي فرضته الإمبراطورية الرومانية على العالم القديم، قوامه القوة والتفوق والبأس، وقد استأثرت الدول الثلاث بالقوة والتفوق والبأس، فستفرض سلمها على الإنسانية، وأقول: سلمها، وأنا أريد ما أقول. لن تفرض على الإنسانية سلامًا إنسانيًّا يستمتع به الناس جميعًا في حدود العدل والمساواة، ولكنها ستفرض عليها سلامًا سكسونيًّا روسيًّا يظل شاملًا ما استقامت الأمور بين الروس والسكسون، فأمَّا سائر أمم الأرض فليس عليها إلَّا أن تسمع وتطيع، فإن أبت فالقنبلة الذرية موجودة تستطيع أن ترد العقل إلى المجانين، وأن تحبب الأمن والنظام إلى الذين يخطر لهم أن يكدروا صفو الأمن والنظام. ولكن المسألة الخطيرة التي ينبغي أن نلقيها على أنفسنا هي هذه، أيهما سيكون أقوى سلطانًا على الناس وأمضى أثرًا في توجيه الإنسانية: قوة القنبلة الذرية أم قوة الحق والعدل والمساواة؟

    تنظيم القوة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٤ نوفمبر ١٩٤٥

    كان اجتماع الرؤساء الثلاثة للدول الكبرى في القرم — أثناء شهر فبراير الماضي — هو الخطوة الأولى الحازمة الحاسمة لمحاولة تنظيم القوة والتسلط بين المنتصرين. ففي ذلك الوقت كان الرؤساء الثلاثة قد استيقنوا بأن بلادهم قد كسبت الحرب كسبًا نهائيًّا، وبأن التسجيل الرسمي لكسب الحرب قد يتم في أيام، أو في أسابيع، ولكنه سيتم من غير شك. وكانوا من أجل ذلك قد قرروا أن يستعدوا لإنشاء العالم الجديد على أساس من تسلط المنتصرين. وكان العالم يظن مخطئًا — فيما يظهر — أن النصر لم يكن مقصورًا على الدول الثلاث الكبرى، وإنما كان شائعًا بين جميع الذين عملوا له وشاركوا فيه، سواءٌ منهم من امتُحن في أول الحرب وألقى السلاح بعد أن جاهد ما وجد إلى الجهاد سبيلًا — كفرنسا وبلجيكا وهولندا — ومن لم يشارك في الحرب مشاركة فعلية تصورها كثرة الجند ووفرة السلاح، ولكنه أعان الحلفاء ما استطاع أن يعينهم بما كان يملك من قوة وجهد؛ فأتاح لهم الثبات حينًا، وعصمهم من الهزيمة المنكرة حينًا آخر.

    وكان العالم يعتقد مخطئًا في أكبر الظن أن هذا النصر الذي كسبه الحلفاء جميعًا سيؤتي ثمره للحلفاء جميعًا، فلا يكون بينهم متسلط ولا مقهور. وإنما يشهد العالم في المرة الأولى للتاريخ عدلًا شاملًا، وإنصافًا كاملًا، وتساويًا في الحقوق بين جميع الذين شاركوا في قهر العدو واضطراره إلى التسليم. كان العالم يظن هذا — بل كان يؤمن به — ولكنه لم يكد يرى النتائج التي انتهى إليها مؤتمر يالتا حتى أحسَّ شيئًا منكرًا من خيبة الأمل، وعرف أن الضعفاء لم يزيدوا على أن خدموا سادتهم من الأقوياء، وأن هذا النصر العظيم لن يكون شركة عادلة بين المنتصرين جميعًا، ولن يزيد على أن يكون شركة بين المتفوقين في القوة والممتازين في عدد الجند وكثرة السلاح.

    ويجب أن نسجِّل الحق، فنقرر أن فرنسا كانت أول من أنكر هذا الاستئثار، وسخطت على هذا الاستبداد بثمرات كان ينبغي أن تقسم بين المنتصرين جميعًا.

    فقد أنكرت فرنسا ما ذهب إليه الرؤساء الثلاثة من استئثار بالتسلط على العالم، وانفراد بتصريف الأمر فيه. ورفضت أن تكون داعية لمؤتمر سان فرنسيسكو، وآثرت أن تنحاز إلى نفسها على أن تعترف بهذا التفوق الذي انتزع من المنتصرين انتزاعًا.

    وعلى رغم هذا كله، ذهب الرؤساء الثلاثة مذهبًا غريبًا، أقل ما يوصف به أنه كان يقوم على الخداع والتضليل أكثر مما يقوم على أي شيءٍ آخر؛ فهم قد جعلوا مؤتمر سان فرنسيسكو مطمعًا عزيز المنال، وقرروا ألَّا يشترك في هذا المؤتمر إلَّا الذين يعلنون الحرب الرسمية على ألمانيا واليابان. وخيَّلوا بذلك لبعض الأمم المحايدة — ولبعض الأمم غير المحاربة — أن إعلان الحرب على المحور سيكون وسيلة خطيرة إلى غاية خطيرة هي الاشتراك في تنظيم العالم، ووضع الأسس للحياة الإنسانية الجديدة، على أن يكون العدل والمساواة قوامًا لهذه الأسس، وملاكًا لهذا العالم الجديد.

    وقد انخدع العالم بهذه الحيلة، فاستبقت أمم كثيرة إلى هذه الخطوة المضحكة، وأعلنت الحرب على ألمانيا واليابان، بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا واليابان. وكانت مصر بين هذه البلاد المخدوعة التي ظنَّت أنها ستفيد من إعلان الحرب على المحور فوائد لا تكاد تحصى ولا تستقصى. وقد جعلت هذه البلاد تتهالك على الحرب المنقضية كما يتهالك الفراش على النار. وإذا هي تعلن الحرب في غير طائل، وتتَّخذ في سبيل هذا الإعلان إجراءات لم تكن في حاجة إلى اتخاذها، وتندفع في ذلك غير محتاطة ولا متحفظة … قد وثقت بالوعود وانخدعت بالآمال، وخيِّل إليها أن الدول الكبرى لا تهزل في مواطن الجِدِّ، ولا تتخذ الخداع الصريح وسيلة من وسائل السياسة.

    ثم ينعقد مؤتمر سان فرنسسكو، فتتكشَّف الحوادث عن هذه المأساة المضحكة — أو الملهاة المحزنة — وهي أن الدول الكبرى الثلاث، أو الأربع أو الخمس، لم تتخذ هذا المؤتمر إلَّا وسيلة إلى التكاثر والتنافس والتفوق بكثرة ما تحرز من الأصوات حين يجدُّ الجد، وحين يشجر بينها الخلاف.

    فأمَّا الولايات المتحدة فاعتزَّت بالدول الأمريكية الجنوبية، وأمَّا الروسيا فاخترعت لنفسها من نفسها دولًا تؤازرها وتناصرها، وأمَّا بريطانيا العظمى فاعتزَّت بإمبراطوريتها وبمستعمراتها المستقلة، وبالدول التي تخضع لنفوذها خضوعًا ظاهرًا ومستترًا.

    وكذلك اختصمت الدول الثلاث الكبرى، واشتدَّ بينها الخصام، ثم اتفقت وحسن بينها الاتفاق. وكانت نتيجة المؤتمر أن قرر الأقوياء والضعفاء جميعًا تسليم الأمر إلى الدول الكبرى وحدها. وكانت النتيجة أيضًا أن الملايين التي ضحَّت بحياتها في سبيل الحق والعدل والمساواة قد ذهبت هباءً، وأن الحرب التي أنيرت في سبيل الديمقراطية ومحو الدكتاتورية في بعض البلاد قد انتهت إلى إقرار دكتاتورية عالمية، يسيطر فيها المنتصرون المتفوقون على المنتصرين والمنهزمين جميعًا.

    وفي أثناء ذلك انتهت الحرب في أوروبا؛ فانتهت دكتاتورية هتلر لتقوم مقامها في الأرض دكتاتورية مثلثة أو مربعة أو مخمسة، قُلْ فيها ما تشاء …! ولكنها دكتاتورية على كل حال، لا تعبث بالأفراد ولا بالشعوب في جزء بعينه من الأرض، وإنما تعبث بالأفراد والشعوب جميعًا في جميع أقطار الأرض.

    وكان رائعًا حقًّا هذا المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في بوتسدام، ولم يدع سان فرنسيسكو. كان كل ذلك خليقًا أن يجعل أمر القنبلة الذرية هينًا يسيرًا، وأن يضعها تحت تصرف العالم المتحضر، يمنع بها الظلم، ويرد بها المعتدي إلى الصواب. ولكن الأمريكيين لا يثقون بالعالم المتحضر، وهم من أجل ذلك لا يبيحون سرَّ هذه القنبلة الذرية لأحد من الناس، لا يُبِيحُونه للإنجليز والكنديين الذين شاركوهم في البحث والإنفاق، وأحرى ألَّا يبيحوه للروس الذين لم يشاركوهم في البحث والإنفاق. وإذن فيجب أن يسعى الإنجليز والكنديون إلى الاتفاق مع الأمريكيين على أمر هذه القنبلة: أتكون لهم جميعًا أم تكون للأمريكيين من دون الحلفاء والشركاء؟

    وفي سبيل هذا السعي يسافر رئيس الوزارة البريطانية إلى واشنطون، ويغير رئيس الوزارة الكندية منهاج زيارته لأوروبا، فيعود إلى أمريكا ليشترك في هذا البحث. أمَّا الروس فيائسون من الأمريكيين ويثقون بأنفسهم … لقد وجد الأمريكيون قنبلة ذرية، فيجب أن يجد الروسيون قنبلة ذرية أخرى، ويقال إنهم وجدوها بالفعل. وأمَّا فرنسا فقد كانت هي المبكِّرة للبحث عن القنبلة الذرية، وهي التي سبقت إلى الاستكشافات الأولى، ولو أمهلتها الحرب لانتهت بالبحث إلى غايته، ولكن الحرب لم تمهلها، فأهدت ما ظفرت به إلى الإنجليز والأمريكيين.

    وهي الآن قد استردت حريتها، ولكنها مضعضعة مزعزعة، مضطربة السياسة والاقتصاد. ومع ذلك فيجب أن تجد قنبلتها الذرية أيضًا، ولا ينبغي أن تتخلف بعد أن كانت سابقة. وإذن فهي تنشئ معهدًا خاصًّا للبحث عن القنبلة الذرية، وتقتطع لهذا المعهد من ميزانيتها المزعزعة المضعضعة مبلغًا ضخمًا ستتبعه مبالغ ضخمة. وإذن فلن تكون في العالم قنبلة ذرية واحدة، بل ستكون فيه على أقل تقدير قنابل ذرية ثلاث: إحداها عند الإنجليز السكسونيين — إن تم الاتفاق بين البريطانيين والأمريكيين — والثانية عند الروس، والثالثة عند الفرنسيين. وستصبح القنبلة الذرية سلاحًا كغيره من الأسلحة يكثر ويشيع، حتى يلغي بعضه بعضًا، وحتى يصبح خطره قليلًا ضئيلًا.

    وليس العلم مقصورًا على هذه الأمم الثلاث، ولكن أممًا أوروبية أخرى قد تكون صغيرة، ولكن فيها علماء يستطيعون أن يبحثوا، ومعامل يمكن أن تجرى فيها التجارب. وإذن فاعتداد الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة الذرية إن كان خطيرًا اليوم فلن يكون خطيرًا غدًا، وسينظر العالم — أو سينظر سادة العالم — فإذا هم مضطرون إلى أن يختاروا بين اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن يستبقوا في الاختراع والاستكشاف، ثم ينتهوا بالاختراع والاستكشاف إلى غايتهما، فتكون الحرب المدمرة التي لا تُبْقِي على شيء، ويخلو العالم من هذا الإنسان المتمرِّد المغرور الذي لا يُرِيح ولا يستريح. وإمَّا أن يتفقوا على خطة سواء تنظِّم القوة تنظيمًا عادلًا، وتُخْضِعها للحق بعد أن خضع الحق لها دهرًا طويلًا، فتمضي الحضارة في سبيلها إلى الرقي، ويستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة حقًّا، وأن يستغلَّ مصادر هذه الطبيعة لما ينبغي أن تستغل له من إصلاح الحياة وترقيتها، وإباحة السعادة لهذا الإنسان الذي منح العقل ليكون سعيدًا، فلم يَعُدْ عليه العقل إلَّا بالبؤس والشقاء.

    هذه هي الحال بين السادة المتفوقين الذين استغلوا العالم حتى انتصروا، والذين يريدون أن يستعبدوا العالم في السلم كما استعبدوه في الحرب، وهي حال تقوم — كما ترى — على الشك والخوف وسوء الظن. فأمَّا الضعفاء الذين أخلصوا في الحرب وضَحَّوْا بأنفسهم وأموالهم ولذاتهم ومرافقهم ليُعْلُوا كلمة الحق ولتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؛ فهم ينظرون فيرون أن العدل ينأى عنهم وقد كانوا يظنونه قريبًا، وأن الجور يسيطر عليهم وقد كانوا يحسبونه بعيدًا. وهم لا يزالون إلى الآن دهشين، يظنون أنهم لا يحلمون، وقد يطول دهشهم أو يقصر. ولكنه سيتخلى عنهم في يوم من الأيام، وستثوب إليهم عقولهم، أو سيثوبون هم إلى عقولهم، وسترى الأرض يومئذ أن عليها شعوبًا تؤثر أن تفنى على أن تستعبد إلى غير حد، وتستذل إلى غير مدى. ومن يدري؟ لعل الشعوب أن توفق في يوم من الأيام إلى إخضاع سادتها وساستها لشيء من القصد والاعتدال …!

    بين الحلفاء
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١١ نوفمبر ١٩٤٥

    يخطئ الذين يظنون أن أمور السياسة العالمية تجري على خير ما تحب الشعوب، سواء في ذلك الشعوب المنتصرة والشعوب المحررة والشعوب التي اصطلت نار الحرب من بعيد. وفي الوقت نفسه يخطئ الذين يسرفون في التشاؤم؛ فيتوقعون الأخطار الكبار، وينتظرون الأهوال الجسام. فأمور السياسة العالمية مضطربة اضطرابًا شديدًا لا يُشَكُّ فيه، ولكن ليس هذا الاضطراب غريبًا، وإنما الغريب هو أن تستقر أمور العالم بعد هذه الحرب العنيفة الطويلة التي خضعت لها الأرض كلها ستة أعوام.
    أمور العالم إذن مضطربة اضطرابًا شديدًا، لكن هذا الاضطراب طبيعي — إن صح أن يكون الاضطراب طبيعيًّا — ويكفي أن نعلم أن السلام الجديد ما زال حديث العهد صغير السن، ولد في مايو الماضي، ولم تتمَّ ولادته إلَّا في أغسطس. فإذا لم تستقر أمور العالم في هذه الأشهر القليلة، فليس في ذلك شيء يدعو إلى العجب أو إلى التشاؤم. والهدم أيسر من البناء، وإثارة الحرب أيسر من توطيد السلم، فإذا استطاع زعيم من الزعماء أو وزير من وزراء الخارجية أن يعلن الحرب، ويملأ الأرض فسادًا بكلمة تقال، أو كلمة لا تقال؛ فلن يستطيع هذا الزعيم أو هذا الوزير أن يردَّ أمور الناس إلى نصابها بعد انتهاء الحرب بكلمة تقال أو لا تقال.
    فالحرب أولها كلام كما قال الشاعر العربي القديم، ولكن السلام لا يتقرر بالكلام، وإنما يتقرر بالأعمال، والأعمال لا تنتج إلَّا إذا صدرت عن النيَّات الخالصة، والإيمان البريء، وخلوص النيَّات، وبراءة الإيمان، وصدق العزم.
    كل هذه الأمور لا تأتي فورًا، ولا تُبْلَغ بمجرد الرغبة في بلوغها، ولكنها نتيجة الروية والتفكير والجهود الصادقة، وكثير من التضحية بألوان الغرور الفردي والاجتماعي، والانتفاع بالدروس القاسية التي تلقيها الحوادث على الأفراد والجماعات.
    وكل هذا يحتاج إلى الوقت الطويل. فليس هناك إذن ما يدعو إلى الإسراف في التشاؤم، وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى الإسراف في التفاؤل أيضًا. فلنَسِرْ إذن مع العالم كما يسير، ولنجرِ مع الزمان كما يجري، لا مسرفين في الرضا، ولا مسرفين في السخط. وليس المهم أن نرضى أو نسخط؛ فإن الأحداث لا تحفل برضا الناس أو سخطهم، وإنما المهم أن نتبصَّر ونتدبَّر ونفهم ما يجري حولنا من الحوادث؛ لنتبيَّن لأرجلنا موضعها قبل الخطو، ولنتجنَّب الزلل ما وجدنا إلى تجنب الزلل سبيلًا. وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية زعماء الدول الثلاث الكبرى يتحدثون إلى شعوبهم، وإلى أمم الأرض كلها، ويعرضون سياستهم ومذهبهم في بناء العالم الجديد. ويجب أن نعترف بأن أحاديث هؤلاء الزعماء إن دلَّت على شيء فإنما تدل على أنهم بعيدون أشدَّ البعد عن الاتفاق.
    وقد كان أسرعهم إلى الحديث رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد ألقى خطبته المشهورة في الاحتفال بالبحرية الأمريكية، فأعلن مبادئه الاثني عشر، كما أعلن الرئيس ولسن مبادئه الأربعة عشر. وواضح أن الإنسانية قد تلقت دروسًا خطيرة قاسية، تعلمت منها ألَّا تنخدع بهذه المبادئ، سواء أكانت أقل من عشرة أو أكثر من عشرة أو أكثر من عشرين. فقد آمنت مصر بمبادئ ولسن، وكان ولسن أسرع إلى الاعتراف بالحماية البريطاينة على مصر. وآمنت الإنسانية كلها بميثاق الأطلنطي والحريات الأربع، ثم أنبأنا المستر تشرشل بأن هذه كلها مثل عليا تطلب ولا تنال.
    ويجب أن ننصف رئيس الولايات المتحدة؛ فهو قد أعلن أن مبادئه الاثني عشر أمور تحرص عليها الدولة الأمريكية العظمى، وإن لم تكن واثقة من تحقيقها، فهو إذن — كالمستر تشرشل — يراها مثلًا عليا تُطلب ولا تُنال. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نستبقيه من خطة الرئيس ترومان هو أن أمريكا معتزة بقوتها في البر والبحر والجو، ما ظهر منها وما خفي، وأنها حريصة على أن تحتفظ بهذه القوة وتزيدها ما استطاعت، وأنها حريصة كذلك على أن تستخدم هذه القوة الهائلة المتزايدة لحماية السلم وتأمين الناس على حياتهم ومنافعهم، وأَهَمُّ شيء في هذه القوة الأمريكية الهائلة هو القنبلة الذرية، وقد صرَّح الرئيس ترومان بأن سرَّها سيظل مكتومًا، وأنها ستظل أداة من أدوات السلم كما تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية.
    وخلاصة هذا كله: أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد السلام المسلح، والمسلح بأسرار لا يعرفها الحلفاء، فضلًا عن الأعداء. وقد تكلم الرفيق مولوتوف بعد الرئيس ترومان فلم يكن أقل منه اعتزازًا بالقوة الروسية الهائلة التي سحقت الطغيان الألماني في الغرب، والعدوان الياباني في الشرق، والتي أتاحت النصر للحلفاء، وردَّت الحرية إلى أوروبا. ولم يكن أقلَّ منه حرصًا على استبقاء هذه القوة والاستزادة منها لتكون أداة للسلم كما يفهمه الروسيون.
    ثم صرَّح الرفيق مولوتوف بأن الائتلاف الديمقراطي الذي كسب الحرب يجب أن يبقى ويتعاون ليكسب السلم، وبأن بقاء هذا الائتلاف وتعاونه وفوزه، كل ذلك رهين بصدق النيَّات، وصفاء القلوب في السرِّ والجهر. وإذن فلا معنى لاستئثار الولايات المتحدة بأسرار القنبلة الذرية. على أن مثل هذه الأسرار لا يمكن في هذه العصور الحديثة أن تظل مكتومة زمنًا طويلًا. ثم أضاف الرفيق مولوتوف إلى هذا كله أن روسيا تملك طاقة ذرية وأشياء كثيرة أخرى. فهناك إذن قوتان هائلتان: إحداهما في أمريكا والأخرى في شرق أوروبا، وكلتاهما تريد أن تكون أداة للسلم، وكلتاهما تحتفظ بأسرار هجومية ودفاعية لا تعرفها الأخرى.
    ثم تكلم المستر تشرشل ووزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني مساء الأربعاء، فكان موقف الزعيمين البريطانيين آية في الرشاقة واللباقة؛ فأمَّا أحدهما — وهو المستر تشرشل — فقد أعطى روسيا كلامًا كثيرًا جدًّا، حسنًا جدًّا، يبلغ السحر أحيانًا. ولكنه لم يعطها إلَّا الكلام؛ فهو مؤمن بشجاعتها وقوتها وبأسها، وفضلها على الحلفاء، وتضحيتها في سبيل الحرية والنصر، ووجوب التعاون المتصل بينها وبين بريطانيا العظمى. ولكنه بعد هذا كله لا يريد أن يُبيح لها سر القنبلة الذرية، فيجب أن يكون هذا السر مقصورًا على أصحابه الأمريكيين والبريطانيين والكنديين. ويرى مستر تشرشل أن روسيا لو استكشفت القنبلة الذرية لما أباحت أسرارها للحلفاء.
    ولا يصدق مستر تشرشل أن روسيا تملك طاقة ذرية، وإذن فلا ينبغي أن تخاف روسيا من هذه الناحية، وإذن فيجب أن تحتفظ بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وكندا بهذا التفوق الذي أتيح لهن ولم يتح لحليفتهن في شرق أوروبا. فأنت ترى أن مستر تشرشل كان جوادًا في القول، بخيلًا بالعمل؛ فهو يثني على روسيا ما استطاع الثناء، وهو يطوي عنها سر القنبلة الذرية ما استطاع له طيًّا.
    أمَّا وزير الخارجية المستر بيفن، فلم يُرِدْ أن يعرض للقنبلة الذرية، وإنما آثر أن يخرج بالصمت من لا ونعم، كما يقول شاعرنا القديم.
    ونتيجة هذا كله أن في العالم الآن قوتين خطيرتين، تريدان حفظ السلم وإقرار الأمن: إحداهما تأتلف من أمريكا والإمبراطورية البريطانية، والأخرى تأتلف من روسيا وما يخضع لنفوذها من البلاد الأوروبية الأخرى. وكل واحدة من هاتين القوتين تريد أن تحمي السلم، ولكنهما لا تتفقان فيما بينهما. فالسؤال الذي يلقى على العالم الآن هو: هل يكون السلام روسيًّا، أم يكون السلام إنجليزيًّا سكسونيًّا؟
    وقد عرف العالم القديم سلامًا رومانيًّا أزهرت فيه الحضارة الإنسانية إزهارًا هائلًا لا تزال تنعم بآثاره إلى الآن، ولكن هذا السلام الروماني لم يتحقق إلَّا بعد أن سحقت روما دول الأرض كلها في ذلك الوقت، واستأثرت وحدها بالسلطان، وأخضعت العالم القديم كله لنفوذها الذي كان يتدرج مما كان يسمى محالفة الند للند — وكان يعادل الحماية في هذه الأيام — إلى الاستعمار البسيط. فأي قوة تريد أن تحقق السلام في هذا العصر الحديث، وأن تحققه وحدها مضطرة قبل كل شيء إلى أن تسحق القوة الأخرى التي تقابلها؛ أي إلى أن تثير الحرب العالمية الثالثة؟ ومن هنا يبعد جدًّا أن يفكر زعيم عاقل في أن ينفرد مقرًّا السلم. ومن هنا يضطر الساسة جميعًا إلى التفكير في إقامة التوازن الدولي؛ ليكون السلم شركة بين القوى المتكافئة لا يستأثِر به فريق دون فريق.
    ولكن هذا التوازن الدولي يمكن أن يقوم على وجهين: أحدهما قديم عرفته أوروبا في العصر الحديث، وانتهى بالكارثتين العالميتين اللتين وقعت إحداهما سنة ١٩١٤ وثانيتهما سنة ١٩٣٩. وهذا التوازن يقوم على المودة الظاهرة والعداوة الخفية بين الدول، يقوم على الأسرار المكتومة والأعمال المستورة؛ لضمان التفوق يوم تقع الواقعة. هذا التوازن يقوم على بركان مستعد للانفجار في أي وقت. أمَّا التوازن الآخر فهو الذي طلبته الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى، فلم توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية أبت أن تشارك في عصبة الأمم. وتطلبه الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية فلا توفق إليه؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بسر القنبلة الذرية، ولأن قلوب المنتصرين لا يصفو بعضها لبعض، ولأن في أعماق الضمير الإنساني بقعةً من الخوف والشك وسوء الظن لا تُريد أن تُمحى.
    وقد ذكر الشاعر الفرنسي ألفريد دي موسيه بقعة الإثم التي تستقر في أعماق القلب الإنساني، فلا تستطيع البحار إذا مرت على هذا القلب أن تمحوها؛ لأنها استقرت في أعماق الضمير، ولو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لقال لنا شيئًا كهذا الشعر في هذه البقعة التي تمثِّل الخوف والشك وسوء الظن، ثم تمثَّل بعد ذلك ما يستتبعه هذا كله من الحذر والتحفظ والاحتياط للمستقبل، ثم تمثل بعد ذلك هذا السلم الخائف، وهذا الأمن القلق، وهذا الصلح الذي هو أشبه بالهدنة الموقوتة منه بأي شيء آخر …
    نعم لو عاش الشاعر الفرنسي في هذه الأيام لذكر هذه البقعة المنكرة التي استقرت في أعماق الضمير الإنساني، والتي عجزت عن محوها بحار الدماء حين سالت في الحرب العالمية الأولى، وحين سالت في الحرب العالمية الثانية. وما دام الإنسان خائفًا قلقًا شاكًّا سيئ الظن؛ فسيظل دائمًا حذرًا متحفظًا محتاطًا مستعدًّا للدفاع والهجوم؛ أي مستعدًّا للحرب. وإذن فما عسى أن نستفيد نحن من هذا الدرس القاسي المر! نستفيد شيئًا بسيطًا جدًّا، وهو أن من الغفلة أن نأمن ونطمئن حين تقلق الدول الكبرى وتخاف، وأن الكياسة كلَّ الكياسة هو أن نقلق ونخاف كما يقلق الناس ويخافون، وأن نتحفَّظ ونحتاط كما يتحفَّظ الناس ويحتاطون، وأن نذكر أن مصدر شقائنا الذي نريد أن نخرج منه هو أننا أسرفنا في الأمن والاطمئنان. فكنَّا كالحَمَل الوادع الذي يريد أن يعيش آمنًا بين الذئاب، ونحن مع ذلك نحفظ قول شاعرنا القديم:
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يَظْلِم الناس يُظلمِ
    وأعوذ بالله أن أدعو إلى أن نظلم الناس لنتجنب الظلم، ولكني أتمنى — على الأقل — أن نكون من القوة المعنوية والمادية بحيث يتردد الناس قبل أن يظلمونا.

    بعد اجتماع واشنجطون
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢ ديسمبر ١٩٤٥
    لم يُتِح الاجتماعُ الذي تمَّ في واشنجِطُون بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس وزارة كندا لطلَّاب الأمن وأنصار السلام الدائم أن يتنفسوا تنفس الراضي المطمئن؛ لأن هذا الاجتماع لم يَخْطُ بالعالم خطوة بعيدة أو قريبة نحو الثقة والاستقرار، وإنما أمسك العالم في حيث هو من القلق، والخوف، وسوء الظن. ولعله أن يكون قد زاد حظ العالم من القلق والخوف وسوء الظن، فهو من غير شك قد وثَّق الصلات بين أعضاء العصبة السكسونية توثيقًا متينًا، ولكنه لم يقرب الأمد بين هذه العصبة وبين الاتحاد السوفييتي. وكل قوة تستمتع بها إحدى العصبتين مدعاة إلى القلق والخوف وسوء الظن إلَّا أن يتحقق التقارب بينهما، وتوجد الثقة التي ليس إلى التقارب من دونها سبيل.
    واختلاف المصالح وتباينها هو مصدر ما بين العصبتين من الشك وسوء الظن، فإحدى العصبتين تسيطر على العالم الخارجي بما لها من إمبراطورية واسعة في أقطار الأرض كلها، وبما لها من سيطرة على البحار كلها أيضًا، وبما تتيح لها هذه السيطرة وتلك الإمبراطورية من اتخاذ القواعد البرية والجوية والبحرية حيث تشاء.
    ثم إن هذه العصبة لا تسيطر على العالم الخارجي لاتساع الإمبراطورية والتسلط على البحار فحسب، ولكنها تسيطر عليه كذلك في هذا السلطان الاقتصادي المالي الهائل الذي تكتسبه من ثروة أمريكا التي لا تنضب، وغنى الإمبراطورية البريطانية الذي لا حدَّ له.
    أمَّا العصبة الأخرى، وهي عصبة الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور حوله، فلها قوتها الهائلة التي تأتيها من سعة الجزء الذي تحتله من الأرض في القارتين. ومن ثراء هذه الأرض الزراعي والمعدني، ومن قدرة أهل الأرض على العمل والإنتاج، ومن براعتهم في تنظيم هذا العمل، ومضاعفة هذا الإنتاج، ومن قدرتهم الرائعة على البحث والاستقصاء، ثم على الاستنباط والاستكشاف، ومن إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بمستقبلهم، وطموحهم إلى أن يكون لهم في العالم مكان ممتاز يلائم كل هذه الخصال.
    وإمبراطورية الاتحاد السوفييتي هائلة في طولها وعرضها وكثرة سكانها، ولكنها مجتمعة قد انضم بعضها إلى بعض، محصورة أو كالمحصورة، لا تكاد تنفذ إلى العالم الخارجي؛ لأنها لا تسيطر على البحار، بل لا تكاد تنفذ إلى هذه البحار.
    وقد انتهت الحرب، ولم يتردد الرفيق مولوتوف في أن يعلن صادقًا أن روسيا هي التي أسرعت بالحرب إلى الانتهاء، فهي التي سبقت إلى قهر ألمانيا، بعد أن استنفذت قوتها، وهي التي أعلنت الحرب على اليابان فاضطرتها إلى الاستسلام. وما دامت قد احتملت من أهوال الحرب أكثر مما احتمل غيرها، وما دامت قد كسبت من النصر أكثر مما كسب غيرها، فمن حقها أن تطمع في أن يكون لها في العالم مكان يلائم ما بذلت من جهد وما لقيت من هول وما كسبت من نصر. وهي من أجل ذلك لا تقنع بمكانها التقليدي المحصور من كل وجه، وإنما تريد أن تتنفس كما يتنفس حلفاؤها، وأن تضع قدمها حيث شاءت من أجزاء الأرض الخالية، وأن تجري سفنها التجارية والحربية في حيث شاءت من البحر والمحيط. وهي لا تحب الاستعمار، ولكنها لا تكره أن تكون وصية على هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض.
    وهي لا تريد أن تخضع الشعوب لسلطانها ولكنها لا تكره أن تتخذ الانتداب وسيلة إلى تحرير الشعوب، وهي من أجل ذلك لا تكره أن تضع قدمها في شمال أفريقيا منتدبة على ليبيا، مجاورة لحليفتها فرنسا، مطلة على غرب البحر الأبيض المتوسط. ولا تكره أن تضع قدمها على ساحل البحر الأحمر في مستعمرة من المستعمرات الإيطالية، تطل منها على هذا البحر، وتنظر منها إلى المحيط الهندي، وتجاور فيها حليفتها بريطانيا العظمى.
    وليس من الضروري أن تُعقَد المحالفات في أثناء الحرب والكرب والضيق، حتى إذا كان الفوز أدار كل حليف ظهره إلى حليفه الآخر! بل من الممكن ومن المعقول أيضًا أن تبقى المحالفات في أثناء السلم كما كانت في أثناء الحرب، وأن يتفق المنتصرون على اقتسام الغنائم فيما بينهم بالعدل، أو بشيء يشبه العدل، وعلى استغلال الانتصار بالقسط، أو بشيء يشبه القسط.
    فليس من الطبيعي إذن أن تستأثر العصبة السكسونية بالسلطان على الأرض في الشرق والغرب، وتظل العصبة الروسية حيث هي، لا تجد لها متقدمًا ولا متأخرًا.
    والحلفاء لم ينتصروا ليبقى العالم بعد الحرب — كما كان قبل الحرب — مصدرًا للثروة يستأثر به فريق من المنتصرين دون الفريق الآخر.
    أضف إلى ذلك أن بعض الأمم المحررة لها إمبراطوريات واسعة خارج أوروبا، فلفرنسا إمبراطوريتها، ولهولندا إمبراطوريتها، ولبلجيكا إمبراطوريتها أيضًا. فكيف يستقيم في حكم العقل أن تكون لهذه الدول المحررة مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وألَّا تكون لروسيا المستعمرة — لا نقول مستعمرات، فروسيا لا تحب الاستعمار — بل وصاية على جزء هنا وجزء هناك؟!
    هذا غريب، وأغرب منه أنه لا يخطر للبريطانيين والأمريكيين أن من حق روسيا أن تشاركهم في استغلال العالم والتسلط عليه. ولا ينبغي أن نكون من السذاجة وسلامة القلب بحيث نظن أن من حق المستعمرات أن تسترد حريتها وتنال استقلالها. فكل هذا كلام كان يقال أثناء ورطة الحرب، فأمَّا وقد انتهت الورطة وخرج الحلفاء منها منتصرين، فيجب أن تبقى المستعمرات كما كانت، وأن تُضاف إليها مستعمرات أخرى يُؤخَذ بعضها من أسلاب المنهزمين، ويُؤخَذ بعضها من الشعوب الصغيرة على أن يُسمَّى استعمارها باسم جديد لا يؤذي النفوس؛ كالمشاركة التي تقوم على المساواة، وكالتعاون على رفع مستوى المعيشة للأفراد والجماعات.
    وآية ذلك أن المنتصرين لم يعلنوا استقلال مستعمرة من المستعمرات، ولم يردوا إلى شعب من الشعوب حقه في الاستقلال كاملًا أو منقوصًا، ولم يعلنوا استقلال المستعمرات التي انتُزِعَتْ من يد الأعداء.
    وآية ذلك أيضًا أن بعض هذه المستعمرات صدَّقَت الحلفاء وهمَّت أن تستقل، فهي تلقى الآن عذابًا أليمًا.
    وأظن أن ما يحدث في أندونيسيا يكفي كل الكفاية للدلالة على أن الحلفاء المنتصرين لا يريدون أن يغيروا من أمر العالم شيئًا جوهريًّا، فستحتفظ الدول بمستعمراتها وبمناطق نفوذها، وستزيد في هذه المستعمرات ومناطق النفوذ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وإذن؛ فما بال روسيا لا يكون لها مستعمرات ومناطق نفوذ خارج أوروبا؟! وهل يُعقَل أن تكون روسيا أقل تسلطًا على العالم من هولندا وبلجيكا، بل من إسبانيا والبرتغال؟!
    هذه هي المسألة التي تختلف حولها قلوب المنتصرين، ولا تكاد ألسنتهم تذكرها إلَّا قليلًا. وهناك مسألة أخرى تختلف فيها القلوب والنيات، ولا تذكرها الألسنة إلَّا بالتحفظ والاحتياط؛ وهي تسلط المنتصرين من الطبقة الأولى على المنتصرين من الطبقة الثانية. فأوروبا مثلًا أرقى وأكرم عنصرًا من أن تخضع للاستعمار؛ لأن الاستعمار نقص في الكرامة الإنسانية، وهذا النقص جائز على أهل آسيا وأفريقيا، ولكنه لا يجوز بالقياس إلى الأوروبيين.
    غير أن أوروبا ضعيفة قد أنهكتها الحرب، وهي محتاجة إلى معونة المنتصرين، وإذا كانت أوروبا فوق الاستعمار والانتداب والوصاية لامتيازها وكرم عنصرها، فإنها ليست فوق الخضوع لبسط النفوذ؛ ولذلك يمكن أن يبسط بعض المنتصرين نفوذهم المعنوي والاقتصادي على غرب أوروبا، وأن يبسط بعضهم الآخر هذا النفوذ المعنوي والاقتصادي على شرق أوروبا. وهنا تنشأ مشكلة ليست أقل تعقيدًا من مشكلة الاستعمار؛ لأن المنتصرين جميعًا يريدوا أن يبسطوا نفوذهم على أوروبا كلها.
    فإذا استأثرت روسيا بالنفوذ في شرق أوروبا غضب السكسونيون، وإذا استأثر السكسونيون بالنفوذ في غرب أوروبا غضب الروسيون. وليس المهم أن يُعرَف رأي أوروبا نفسها، ولا أن تستمتع أوروبا بحريتها في اختبار حلفائها إذا احتاجت إلى المحالفات؛ فإرادة الشعوب ليست شيئًا ذا خطر، وإنما الشيء ذو الخطر هو هذه الدول المنتصرة والجيوش القائمة التي لا تسرح إلَّا في بطء شديد، وتريد المصادفات الصرفة أن تستكشف القنبلة الذرية في آخر لحظة، وأن يستكشفها ويحتفظ بأسرارها ودقائقها الحلفاء السكسونيون. والقنبلة الذرية قوة مروعة تخيف من لا يخاف، وتخضع من لا يريد الخضوع، فالذين يحتفظون بأسرارها متفوقون ما في ذلك شك، وإذن فلا بد لروسيا من أن تقلق، ولا بد للعهود والمواثيق من أن تُمتحَن، ولا بدَّ للقلوب من أن تظهر على دخائل القلوب. فإذا كان الحلفاء المنتصرون صادقين فيما يظهر بعضهم لبعض من حب، أوفياء بما أعطى بعضهم لبعض من عهد، فلا ينبغي أن يُحجَب سر القنبلة الذرية على الروسيين، ولا ينبغي أن تُحجَب أسلحة الروس السرية على الحلفاء السكسونيين.
    وكان الناس يظنون أن اجتماع واشنجطون قد يُقرِّب مسافة الخلف بين العصبتين، فتفضي كل منهما إلى الأخرى بذات النفس ودخيلة الضمير، وأصبح للأسلحة السرية هنا وهناك شركة تقوم على المساواة بين المنتصرين من الطبقة الأولى. ولكن الحوادث تكشف عن غير ما كان الناس ينتظرون، فسيظل أمر القنبلة الذرية سرًّا سكسونيًّا حصينًا إلى أن تعلن روسيا مطالبها واضحة صريحة، فإن قُبِلَتْ هذه المطالب جُعِل أمر القنبلة الذرية إلى الأمم المتحدة، وأقول أمر القنبلة الذرية ولا أقول سرها، فقد يظهر أن سرها شيء، وأمر استخدامها لإقرار الأمن والنظام شيء آخر.
    وكذلك تم اجتماع واشنجطون، وتفرَّق المجتمعون، وظل العالم حيث كان من القلق والخوف وسوء الظن، بل حدث من القول والفعل ما يزيد العالم قلقًا وخوفًا. فقد يُقال إن في بريطانيا العظمى ميلًا إلى تعديل ميثاق سان فرنسسكو، بحيث يلغي حق الاعتراض الذي احتفظ به للدول الخمس الكبرى، ويعود الأمر سواء كما كان في عصبة الأمم أو قريبًا مما كان في عصبة الأمم. ويومئذ تُستأنَف المساعي الدبلوماسية القديمة، فتُعزَل روسيا كما عُزِلَتْ ألمانيا إلى آخر ما أشار إليه الأستاذ محمود عزمي في بعض أحاديثه منذ أيام.
    وفي أثناء ذلك يحدث في إيران ما يحدث من الخطوب، ويُنسَب إلى روسيا ما يُنسَب من الكيد، ويلح السكسونيون في تعجل الجلاء عن إيران، وتضع روسيا أصابعها في آذانها، وتمضي في سياستها الصامتة التي تملأ قلوب الديمقراطيين شكًّا وخوفًا، على أن روسيا ليست وحدها التي تعمل في صمت، فقد يظهر أن أمريكا تعمل في صمت أيضًا، ولكنها تعمل في الصين لا في إيران، ويظهر أنها لا تحسن الصمت كما تحسنه روسيا، فهذا سفيرها في الصين يستقيل في عنف، ويتهم وزارة الخارجية الأمريكية بأنها تتدخل في شئون الصين بما ينافي الديمقراطية فتقبل استقالته، ويُعيَّن خلفه في أقصر وقت ممكن.
    أمَّا في غرب أوروبا فالأمر لا يخلو من تعقيد خفي، فلا بد لفرنسا من أن تحالف بريطانيا، ولا بد لبريطانيا العظمى من أن تحالف فرنسا؛ لِمَا بينهما من الجوار واشتراك المصالح في الشرق القريب والبعيد، ولكن لا بد لفرنسا من أن تحالف روسيا أيضًا، وهي قد حالفتها بالفعل، ولا بد من توثيق هذه المحالفة التقليدية؛ لتحقيق التوازن بين شرق أوروبا وغربها، ولاتقاء الخطر الألماني في المستقبل.
    ولذلك ينظر وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة ويفاوضها، وفي الوقت نفسه تستعد بعثة فرنسية للسفر إلى روسيا لتفاوض في شئون المال والتجارة والاقتصاد. فقد يظهر أن البلدين في حاجة إلى التعاون الوثيق على هذه الشئون كلها.
    وكذلك أخفق المؤتمر الذي عقده وزراء الخارجية في آخر الصيف، وظن الناس أن زعماء الحلفاء سيقهرون المصاعب، ويذللون العقبات، ويقربون آماد الخلاف. فلما كان اجتماع واشنجطون ظن الناس أنه الخطوة الحاسمة في إزالة الخوف وسوء الظن، ثم تبين للناس أنه لم يُزِل خوفًا وإنما أضاف قلقًا إلى قلق، وشكًّا إلى شك.
    ومع ذلك، فما أيسر التقارب والتعاون وإقامة العالم الجديد على أسس من الحق والعدل والإنصاف، لو خلصت نيات الحكومات كما خلصت نيات الشعوب؛ فالشعوب لا تريد جورًا ولا ظلمًا ولا استئثارًا.
    ولكن يظهر أن طبيعة الحياة الإنسانية تقضي أن تريد الشعوب شيئًا وتريد الحكومات شيئًا آخر، وأن تخضع الشعوب لما تريده الحكومات؛ لأن الشعوب لم تعرف بَعْدُ كيف تحكم نفسها.

    مساومات
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٦ ديسمبر ١٩٤٥

    يقول الشاعر القديم: إن الحرب أولها كلام، ومن الممكن أن يُقال أيضًا: إن الحرب آخرها كلام؛ فقد اختصم الناس في الأعوام التي سبقت الحرب لعلهم يردون ألمانيا عن طغيانها، وهم يختصمون الآن فيما بينهم لعلهم يردون أنفسهم عن الغلو والطموح إلى البطش والعدوان. والواقع أن حرب الكلام طبيعة إنسانية تلازم الإنسان في كل زمان ومكان، تنفرد بالسيطرة حين يسكت السلاح، وتشارك في السيطرة حين ينطق السلاح أيضًا؛ فليس من المحقق أن صوت المدافع وأزيز الطائرات يضطران الناس إلى السكوت، وإنما الناس في حرب كلامية متصلة.

    ولعل هذه الحرب أن تشتط وتبلغ أقصى غاياتها حين يتكلم الحديد والنار، ولا سيما بعد أن اختُرع الراديو، وأصبح أداة من أدوات الحرب الكلامية لا تُجارى ولا تُبارى، كما أن حرب البر والبحر والجو تأخذ أشكالًا مختلفة، فيها التقدم والتأخر والانتظار، والتماس الحيلة، والدوران حول المراكز الحرجة، فكذلك حرب الكلام فيها الإقدام والإحجام، وفيها المداورة والمناورة، وفيها الإسراع والأناة.

    ومدار الحرب بالكلام أو بالسلاح على المساومة، فليست حياة الأمم كلها إلا مساومة مستمرة، كل يريد أكثر مما يستطيع أن ينال، وكل يجاهد في سبيل ما يستطيع، ومن هذه الإرادة المسرفة، ومن هذا الجهاد المتصل يكون الاصطدام بين المجاهدين بالقول دائمًا، وبالقوة المهلكة أحيانًا. وقد خرجنا من أزمة القوة المهلكة، وعدنا إلى هذه الحرب السلمية، إن صح أن تكون الحرب سلمية. هذه الحرب التي تقوم على الأخذ والرد، وعلى المحاورات التي لا تنقضي، والمناقشات التي لا آخر لها. ومدار هذه الحرب كمدار الحرب الأخرى هي المساومة على حقوق الشعوب، فأي المتحاربين تفوق، فهو الظافر المنتصر المستأثر بأعظم حظ ممكن من الظلم.

    وقد اشتدت الحرب الكلامية في لندرة منذ حين أثناء اجتماع وزراء الخارجية، فكان الهجوم والدفاع، وكان الصدام والصراع، ثم انصرف المختصمون، ولن يلقى أحد منهم كيدًا. دافعت روسيا عن قرارات مؤتمر القرم، ومؤتمر بوتسدام، وعن استئثار الدول الثلاث الكبرى وحدها بالقضاء في بعض المشكلات من دون فرنسا والصين، واجتهدت بريطانيا العظمى وأمريكا في تيسير هذه القرارات، وإشراك فرنسا والصين في صلح البلقان، فلم تلن روسيا ولم تهن، وإنما استمسكت برأيها وأصرت، وأخفق المؤتمر إخفاقه ذلك المعروف.

    ومضت أشهر على هذا الإخفاق كثر فيها الكلام هنا وهناك. واشتد فيها الجدل بين موسكو ولندرة وواشنجطون، وكثرت فيها الأحداث في الشرق والغرب، ثم ننظر فإذا العالم يُفاجأ بأن مؤتمرًا سيعقد في موسكو، وبأن هذا المؤتمر لن يشهده إلا وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى.

    وإذن فأي الفريقين ظفر بالفوز في هذه المفاجأة؟! أهم الإنجليز والأمريكيون الذين كانوا يريدون أن تشترك فرنسا والصين في معاهدة الصلح البلقانية، أم هم الروس الذين كانوا يأبون أن تشترك فرنسا والصين في هذه المعاهدات؟!

    مسألة فيها نظر، ولكن ظاهرها على كل حالٍ يدل دلالة واضحة على أن الروس هم الذين كسبوا الموقعة. فأما الاجتماع الذي سيعقد في موسكو، فلن تشترك فيه فرنسا والصين، ومهما تكن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع، ومهما تكن التأكيدات التي أُعطيت لفرنسا من أصدقائها الإنجليز بأن المجتمعين في موسكو لن يمسوا مصالحها وهي غائبة، فقد انتصرت وجهة النظر الروسية انتصارًا مبينًا.

    انتصرت؛ لأن العالم ظل كما أرادت روسيا أن يكون، منقسمًا إلى هذه الطبقات الأربع: طبقة الدول الكبرى؛ وهي: روسيا وبريطانيا العظمى وأمريكا وحدها، وطبقة الدول الكبيرة؛ وهي: هذه الدول الثلاث مضافًا إليها فرنسا والصين، وطبقة الدول المتوسطة؛ وهي: هذه الدول التي لا تشترك في مؤتمر وزراء الخارجية، ثم طبقة الدول الصغيرة، وهي هذه التي يقضى في أمرها دون أن تُستأمر أو تُستشار، سواء أكانت منتصرة أم منهزمة أم محررة.

    وإذن فالطبقة الأولى من طبقات الدول في العالم هي التي أرادتها روسيا مكونة من ثلاث لا من خمس، وأغرب ما في الأمر أن الانتصار الروسي في هذه المسألة يأبى إلا أن يكون تامًّا شاملًا، فالاجتماع لن يكون في لندرة؛ لأن لندرة قريبة جدًّا من باريس، والاجتماع لن يكون في واشنجطون؛ لأن واشنجطون بعيدة جدًّا على الرفيق مولوتوف، بينما الاجتماع ينعقد في موسكو.

    فسيسعى إذن ممثلو العصبة السكسونية إلى عاصمة روسيا السوفيتية، ولم تعلن المسائل التي ستدرس في هذا الاجتماع إعلانًا رسميًّا، ولكنها توشك أن تكون معروفة، فهي المسائل التي سيشتد فيها الخلاف بين السادة المنتصرين: مسألة الطاقة الذرية، ومسألة إيران، ومسائل البلقان على الأقل. وقد كان مستر تشرشل لبقًا كل اللباقة، ماهرًا كل المهارة، ماكرًا بعض المكر حين هنَّأ خصمه المستر بيفن بسفره إلى موسكو في مجلس العموم مساء الأربعاء.

    ففي هذا السفر مصلحة لائتلاف المنتصرين، وتجنب لخطر الانقسام، وفي هذا السفر عدول من المستر بيفن عن موقفه ذاك العنيف في لندرة، حين أبى أن يقبل الرأي الروسي، وحين اضطر الرفيق مولوتوف في بعض المناقشات إلى أن يهم بمغادرة الغرفة التي كانت تجري فيها المناقشات.

    لقد تشدد المستر بيفن ما وسعه التشدد في لندرة، ثم لان المستر بيفن ما وسعه اللين، وقرر السفر إلى موسكو وهنَّأه المستر بهذا اللين في لباقة ومهارة، ما نشك في أن المستر بيفن قدرهما وهو يقول في نفسه: لا بد مما ليس منه بد.

    ومع ذلك، فقد كان هذا الاجتماع الجديد من غير شك نتيجة لمساومات طويلة جرى بعضها جهرة، وجرى بعضها الآخر في الخفاء، وكان من أهم هذه المساومات قصة القنبلة الذرية التي سافر من أجلها رئيس الوزارة البريطانية إلى أمريكا، والتي انتهى الأمر فيها إلى الاحتفاظ بأسرار هذه القنبلة للسكسونيين دون غيرهم من المنتصرين؛ حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى تعرب روسيا عن نياتها ومطالبها في صراحة وجلاء.

    ولكن روسيا لم تعرب إلى الآن عن مطالبها، وما زال الخيط الأبيض متلبسًا بالخيط الأسود، لم يتبين أحدهما من صاحبه، وكان من هذه المساومات ذلك النذير الخطير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم البريطاني، حين طلب أن يُعاد النظر في ميثاق سان فرانسيسكو، وأن يُلغَى ما تقرر فيه من حق الاعتراض.

    وكانت روسيا هي التي فرضت حق الاعتراض هذا لتضمن به السيطرة للدول الخمس على بقية العالم، فإذا أُلغي حق الاعتراض، وصار الأمر إلى الكثرة من أعضاء مجلس الأمن، عاد العالم إلى نظام عصبة الأمم، واضطرت روسيا إلى العزلة، وتأهب العالم للحرب الثالثة. وقد سُمي هذا النذير الذي ألقاه المستر إيدن في مجلس العموم قنبلة، سماه بهذا الاسم محرر جريدة الموند الفرنسية، وسماه بهذا الاسم صديقنا الأستاذ محمود عزمي في يوم واحد تقريبًا.

    ومع ذلك فقد انفجرت هذه القنبلة ولم تؤذ أحدًا، والدليل على ذلك أن روسيا لم تغير موقفها، ولم تتحول عن رأيها، وإنما ظل الرفيق مولوتوف في موسكو ينتظر زيارة حليفيه السكسونيين.

    وكان من هذه المساومات أيضًا ما تقدمت به أمريكا من جلاء الجيوش المتحالفة عن إيران قبل أن ينقضي العام، ولكن روسيا أجابت بأنها لا تستطيع أن تجلو قبل إبان الجلاء في مارس المقبل، واضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تسير سيرة روسيا وتعلق جلاءها على إيران بجلاء حلفائها الروس، وكذلك لم تُجْدِ المساومات العنيفة شيئًا، ولم يستطع التهديد الظاهر والتهديد الخفي أن يزحزحا روسيا عن موقفها، وهو موقف قوامه الحزم الصارم والمجاملة الرقيقة، وإذا لم تُجْدِ المساومة العنيفة، ففي المساومة الهينة اللينة متَّسع للجميع. وأول هذه المساومة الهينة أن تُجرى في موسكو، لا في لندرة ولا في واشنجطون. وهناك يمكن أن تُتَناوَل المسائل الشائكة بأيدٍ رفيقة لبقة، فيأخذ كل حليف شيئًا ويعطي شيئًا.

    والمحقق أن روسيا لن تأخذ من الإنجليز ولا من الأمريكيين شيئًا، وأن الإنجليز والأمريكيين لن يأخذوا من روسيا شيئًا، وإنما يكون الأخذ والعطاء على حساب الدول الأخرى، سواء منها الدول المنتصرة أو المحررة. وأول هذا الأخذ والعطاء إبعاد فرنسا والصين عن المشاركة في بعض المسائل العليا؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنتصرين.

    فإذا استطاع الحلفاء الثلاثة أن يتفقوا على مشكلات البلقان، وأن يجدوا حلًّا لمشكلة إيران، وأن يضعوا أساسًا للاتفاق على مشكلات الشرق الأقصى؛ فهذا هو الأخذ والعطاء على حساب المنهزمين، وعلى حساب الأمم المحررة، وعلى حساب الأمم التي أعانت الحلفاء ويسَّرت لهم النصر.

    وكذلك يدور الأمر كله على المساومة، مساومة بالموت والدمار حين كانت الحرب قائمة، ومساومة بالنذير والوعيد بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومساومة بالأماني والآمال حين لا يجدي النذير، ولا يغني التهديد، واستذلال الضعفاء على كل حال. وأغرب ما في الأمر أن من الناس من لا يزالون يضللون أنفسهم بالأوهام، ويعتقدون أن النظم القائمة في العالم الآن تستطيع أن تكون وسائل منتجة؛ لتحقيق العدل والإنصاف والمساواة. أمَّا أنا فقد اعتقدت ذلك وقتًا ما، ولكني مضطر الآن إلى الشك فيه، وإلى الإيمان بأن تحقيق العدل في الأرض غاية يجب أن يسعى الإنسان إليها ما وجد إلى السعي سبيلًا، ولكن الوسيلة إلى هذه الغاية هي أن تُرد أمور الشعوب إلى الشعوب، أو قل هي أن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها. ولن تسترد الشعوب أمورها بأنفسها إلا إذا ملكت من قوة النفس، وقوة اليد، وقوة اللسان ما يمكنها من أن تقول: لا.

    مصادر القلق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣ مارس ١٩٤٦

    إلي أي حد يمكن أن يُقال: إن القلق الذي يسيطر على العالم الآن ليس إلا نتيجة طبيعية من نتائج الحرب، فقد بلغت الحرب من العنف، واستتبعت من الأحداث ما يحتاج إلى وقت طويل لتمحى آثاره، وينتهي العالم إلى شيء من الاستقرار.

    والواقع أن الناس كانوا يعللون أنفسهم بهذه التعليلات في الأشهر القليلة التي مضت بعد انتهاء الحرب في أوروبا، ولكنهم أخذوا يشفقون بعد انتهاء الحرب اليابانية، من أن تكون هناك أشياء أخرى تدفع العالم إلى القلق، بل إلى الخوف من أن تكون هذه الأشياء مقدمات لهول آخر يتعرض له العالم في وقت قريب أو بعيد. وكان أول هذه الأشياء انتهاء الحرب اليابانية نفسها. فهل انتهت الحرب بفضل القنبلة الذرية التي أُلقيت على مدينتين يابانيتين، فدمرتهما تدميرًا؟ أم هل انتهت الحرب بفضل التدخل الروسي في مشكلات الشرق، بعد أن تمت هزيمة ألمانيا في الغرب؟! أم هل انتهت الحرب بفضل الأمرين جميعًا؟!

    هذه مسائل خاض الناس فيها فأكثروا الخوض، ولكنهم لم يكونوا يقدرون أنها ستكون المصدر الأول لموجة القلق التي سيطرت على العالم في شهري سبتمبر وأكتوبر الماضيين. فهذه القنبلة الذرية خطر عظيم على الحضارة، ما في ذلك شك، والاستئثار بها في دولة بعينها، أو في جماعة بعينها من الدول، يجعلها أشد خطرًا وأعظم هولًا، ويعرض العالم لهولين، كلاهما أشنع من الآخر: يعرضه قبل كل شيء لخطر التنافس بين الدول الكبرى على نحو لم يعرف له نظير من قبل، فاستئثار الأمريكيين بهذا السر الخطير يحمل غيرهم من الأمم على البحث المتصل، والجد الذي لا ينقطع، للوصول إلى استكشاف جديد يوازن الاستكشاف الأمريكي، ويعصم أصحابه من أن يتعرضوا دائمًا للخوف والنذير، ومن أن يصبحوا بحكم ضعفهم في المرتبة الثانية أو الثالثة بين الأمم المتسلطة.

    ومن أجل ذلك لم تكد تظهر أخطار القنبلة الذرية؛ حتى ظهر القلق، لا في روسيا وحدها، بل في فرنسا أيضًا. فأما الروسيا فقد طالبت، وألحت في المطالبة بأن يصبح أمر هذه القنبلة الذرية دوليًّا، تشرف عليه وتتصرف فيه لجنة يؤلفها مجلس الأمن، وكانت الروسيا تقرر أن طلبها سيلقى مقاومة شديدة فلم تكتفِ به، وإنما دفعت علماءها دفعًا إلى الجد والبحث والاستكشاف، ثم أعلن وزير خارجيتها ذات يوم أن روسيا تملك أشياء أشد خطرًا من القنبلة الذرية. ثم لم تكتف بهذا، وإنما كلفت إدارة المخابرات أن تعمل، وقد عملت هذه الإدارة في تحفظ وتكتم إلى أن كانت الأحاديث التي روع لها الأمريكيون منذ حين، حين علموا بأن أسرارًا خطيرة تتصل بهذه القنبلة الذرية قد تسربت إلى الروسيين.

    هنالك اندفعت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا العظمى إلى تحقيق دقيق عرف الناس أنه ابتدأ، ولكنهم لن يعرفوا متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، ولا إلى أي نتيجة ينتهي. والمهم هو أن روسيا طالبت بجعل القنبلة الذرية شيئًا دوليًّا أولًا، وجدَّت في استكشاف الأسلحة التي تقاومها وتوازنها ثانيًا، ثم جدَّت في السعي إلى العلم بأسرارها ودقائقها ثالثًا.

    أمَّا فرنسا فطالبت في استحياء بمثل ما طالبت به روسيا؛ لأنها لا تمتلك من القوة المادية ما تملكه روسيا، ولكنها أنشأت هيئة علمية للبحث والدرس والاستكشاف، وأرصدت لهذه الهيئة من المال ما يرهق خزانتها المحتاجة إلى كثير من المعونة والتأييد، وقال القائلون: إن بعض هيئاتها الشيوعية شاركت الروس في السعي بدقائق القنبلة الذرية وأسرارها.

    وأمَّا بريطانيا العظمى، فقد شاركت في استكشاف القنبلة الذرية، وسعى رئيس وزرائها إلى أن يجعل أمرها دوليًّا فنجح ولم ينجح … نجح في أن يجعل أمر البحث عن الطاقة الذرية دوليًّا، ولكنه لم ينجح في أن يزحزح الولايات المتحدة عن موقفها من الاحتفاظ بأسرار القنبلة الذرية. وجعل الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى نفسها ليست واقفة على دقائق هذه الأسرار، وبأن الولايات المتحدة تعلم منها ما لا يعلمه غيرها من الدول، حتى التي شاركت في استكشافها. وكذلك استقر في أذهان الناس أن الولايات المتحدة الأمريكية تستأثر بهذا السلاح الخطير من دون غيرها من أمم الأرض، كما استقر في أذهان الناس أن الدول الأخرى العظمى لن تصبر على هذا الاستئثار، وأن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ إلا لتستأنف الأمم سعيها إلى حرب عالمية ثالثة.

    هذا أحد الشرَّين، أمَّا الشر الآخر فهو هذا الذعر الذي امتلأت به قلوب الناس من أن تستخدم الولايات المتحدة هذا السلاح؛ لتفرض به سياسة القهر والتسلط على غيرها من الأمم المستضعفة. وهذا الذعر لم يشع خارج الولايات المتحدة فحسب، وإنما شاع في الولايات المتحدة نفسها، فكتب الكتاب، وتحدث المتحدثون في الراديو، وأعلن أولئك وهؤلاء أن استئثار بلادهم بهذا السر يعرض الحضارة الإنسانية كلها للخطر، ويجعل حياة الأمم المستضعفة خاضعة لأهواء المستأثرين.

    كذلك كان انتهاء الحرب اليابانية نذيرًا بهذين الشرَّين العظيمين، ومثيرًا لهذا القلق الذي يسيطر على العالم الآن، والذي أخذ يعظم ويشتد، وتبعد آثاره منذ اجتمع وزراء الخارجية في لندرة أثناء الخريف الماضي. فقد رأى العالم أن هؤلاء الوزراء لا يتفقون على شيء، وأن روسيا تقف موقف تحفظ شديد وشك مريب، وأن بريطانيا العظمى تلقاها بمثل تحفظها وارتيابها. وأحس العالم أن هناك شيئًا خطيرًا من سوء الظن قد وقع بين الحلفاء، وأن الأمور لن تستقيم بينهم إلا إذا زال سوء الظن هذا، وقامت مقامه ثقة كاملة، وأن هذه الثقة لن تقوم، ولن تكتمل إلا إذا لم يخفِ بعض الحلفاء على بعضهم شيئًا، وإلا إذا لم تصبح القنبلة الذرية سرًّا مكتومًا.

    وقد تفرق المجتمعون ولم يتفقوا. ثم اجتمع وزراء الخارجية الثلاثة في موسكو، وخُيِّل إلى الناس أنهم اتفقوا على بعض الأمر، ولكن لم تكد جمعية الأمم المتحدة تجتمع في لندرة؛ حتى ظهر أنهم لم يكادوا يتفقون على شيء. ثم جعل ممثلو وزارات الخارجية يجتمعون؛ ليعدوا لمؤتمر الصلح الذي سيُعقد في مايو. ويُقال الآن: إن أمامهم من المصاعب ما يحول بينهم وبين الاتفاق، وإن المؤتمر قد لا يجتمع في الموعد المحدد له.

    فهذا مصدر من مصادر القلق أصله في أمريكا، وهناك مصدر آخر أصله في بريطانيا العظمى، وليس هو بأقل خطرًا على مستقبل السلم من أمر القنبلة الذرية؛ وهو هذه الفكرة التي حرصت عليها بريطانيا العظمى دائمًا، واستأنفت الحرص عليها بعد انتهاء الحرب، وهي تكوين كتلة قوية متعاونة في غرب أوروبا.

    هذه الفكرة خطيرة بالقياس إلى روسيا؛ فإن انهزام ألمانيا وإيطاليا واستسلامها بلا قيد ولا شرط، يجعل من الغريب التفكير في تكوين هذه الكتلة الغربية. فهي لا تكون فيما يرى الروس إلا لتقاوم وتخيف، وهي لن تقاوم ألمانيا، فقد أصبحت ألمانيا شيئًا لا يخاف، ولن تقاوم أمريكا، فالصلات بين أمريكا وبريطانيا العظمى أوضح من أن تحتمل الشك، ولن تقاوم الأمم المستضعفة في الشرق والغرب بطبيعة الحال. وإذن، فقد أنشئت لتقاوم روسيا، وقد ثار الجدال في غرب أوروبا حول هذه الفكرة، وقال بعض أنصارها من الفرنسيين: إن هذه الكتلة ستحمي نهر الرين من الذين قد يهاجمونه من الشرق، والذين قد يهاجمونه من الشرق ليسوا هم الألمان بالطبع، فليس في الألمان قوة على أن يهاجموا الآن، وما دام البريطانيون يكونون كتلة في غرب أوروبا، فيجب على الروسيين أن يكونوا كتلة في شرقها، وهم من أجل ذلك يضمون إليهم بولندا، والمجر، وتشكوسلوفاكيا.

    وكذلك تنقسم أوروبا إلى كتلتين عظيمتين؛ إحداهما في الغرب تقودها بريطانيا العظمى، وتؤيدها الولايات المتحدة، والأخرى في الشرق تقودها روسيا.

    وحل هذه المشكلة الآن في يد فرنسا، فهي قد حالفت روسيا منذ حين، وقام الحلف بينهما على التعاون المشترك؛ لمنع ألمانيا من أن تكون خطرًا. فإذا اكتفت فرنسا بهذا الحلف كما يريد الشيوعيون الفرنسيون استراحت روسيا. وإذا أبت فرنسا إلا الحلف مع الإنجليز، وغيرهم من أمم الغرب كما يريد الاشتراكيون والمعتدلون، أصبح انقسام أوروبا على نفسها أمرًا واقعًا.

    وليس أدل على خطورة هذا الموقف والقلق الذي ينشأ عنه من المسألة الإسبانية؛ فالروسيون ليس بينهم وبين الحكومة الإسبانية القائمة علاقات سياسية، وهم يبغضون هذه الحكومة بغضًا شديدًا، ويريدون إزالتها، وإعادة النظام الديمقراطي في إسبانيا. والرأي العام الفرنسي يريد ذلك، ويلح فيه، ولكن فرنسا لا تريد، ولا تستطيع أن تعمل وحدها، وإنما هي محتاجة إلى أن يشاركها في العمل الإنجليز والأمريكيون، وأولئك وهؤلاء يقدمون رِجلًا، ويؤخرون أخرى، وهم إلى التأخر أميل منهم إلى التقدم.

    فهذا مصدر ثانٍ من مصادر القلق أصله في لندرة. وهناك مصدر ثالث أصله في موسكو، وهو هذا الذي يتصل بشئون الترك وإيران من جهة، وبشئون البلقان من جهة أخرى. فقد وقفت تركيا من الحرب موقفها المعروف، واتهمها الروس بأنها أعانت عليهم العدو في ظل الحياد، وبأنها نسيت أو تناست ما قدموا إليها من معروف، وهم من أجل ذلك يتنكرون لها الآن، ويريدون أن يأمنوا جانبها، ويضمنوا الدفاع عمَّا بينها وبينهم من الحدود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يريدون أن ينفذوا إلى البحر الأبيض المتوسط آمنين، وأن يقضوا على كل نفوذ لتركيا في البلقان.

    وواضح جدًّا أن تركيا تقاوم هذا كله أشد المقاومة، وتنذر بأنها ستلقى الشر بالشر مهما تكن النتائج والظروف.

    وواضح كذلك أن الشر بين روسيا وتركيا، أو بين روسيا وإيران، يتجاوز هذه الدول الثلاث إلى بلاد الشرق الأدنى كلها؛ ومن أجل ذلك أخذ القلق يشيع في الشرق الأدنى نفسه، وجعلت تركيا تتقرب إلى العرب، وتحاول أن تنشئ بينها وبينهم صلات قد تنفع في يوم من الأيام. وأخذت بعض البلاد العربية تستجيب لهذه الدعوة، وقد نشرت الصحف اليوم أن وفدًا عراقيًّا سافر إلى تركيا للمفاوضة في تعاون اقتصادي وثقافي ومالي.

    وواضح كذلك أن كل ما يمس الشرق الأدنى والأوسط يزعج غرب أوروبا، فلغرب أوروبا في هذين الشرقين مصالح ومطامع لا تخفى. أمَّا البلقان فأمره معروف، تريد روسيا أن تنفذ فيه السياسة القديمة التقليدية، فتضمه إلى جبهتها، وهي قد بلغت من ذلك أكثر مما تريد، بفضل جيشها العظيم وسياستها البارعة. ففي نفوذها الآن رومانيا وبلغاريا ويوجوسلافيا وألبانيا، واليونان وحدها هي التي لا تزال موضوعًا للنزاع بين موسكو ولندرة.

    وكذلك يرى القارئ أن لكل دولة من الدول الثلاث الكبرى حظها من تبعة هذا القلق الذي يسيطر الآن على العالم: فعلى الولايات المتحدة تبعة الاستئثار بالقنبلة الذرية، وعلى بريطانيا العظمى تبعة الاجتهاد في إنشاء الكتلة الغربية، وعلى روسيا تبعة الغلو في نشر النفوذ في البلاد المجاورة لها. وقد كان من الممكن أن يتحرر العالم من هذا القلق، وأن تتخفف الدول الكبرى من هذه التبعات، لو أن المنتصرين أخلصوا فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، وأنشئوا جماعة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، جادين لا لاعبين، ولكن شاعرنا القديم لم يخطئ حين قال:

    ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار


    شهرية السياسة الدولية
    ١طه حسين
    الكاتب المصري
    ديسمبر ١٩٤٦

    كان للسياسة العالمية في شهر نوفمبر مظهران متمايزان: أحدهما مألوف قد شهده الناس منذ انتهت الحرب العالمية الأخيرة، وهو هذا الصراع المتصل بين المنتصرين حول بسط السلطان والنفوذ. فالذي يشهده الناس من هذا الصراع هو بعينه الذي كانوا يشهدونه في الأشهر الماضية، بل في العام الماضي أيضًا سواء اختلفت موضوعاته وأشكاله أم لم تختلف. فروسيا مثلًا مصرَّة على أن تصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وسبيلها إلى ذلك هو الاشتراك في حماية المضايق. والبريطانيون والأمريكيون يشفقون من هذا الاتصال ويؤيدون تركيا التي تريد أن تحافظ على استقلالها وتأبى أن يشترك الروس معها في حماية هذه المضايق.

    وليست هذه المسألة جديدة، فعهدنا بها بعيد، ولكن الحديث فيها لا ينقضي. وروسيا تسلك إلى حلها طرقًا مختلفة، تلين حينًا وتشتد حينًا، ترسل المذكرات إلى تركيا مرة وإلى مؤيديها مرة أخرى، بحيث صح ما يقال من أن روسيا تثير بهذه المشكلة حرب أعصاب مرهقة. والمهم هو أن هذه المشكلة لم تتقدم ولم تتأخر، فما زالت روسيا تصر، وما زال الآخرون يرفضون، وما زالت الصحف ورسائل البرق تُفيض في هذا الرفض وذلك الإصرار.

    وروسيا من ناحية أخرى تهاجم بوسائلها المعروفة في الراديو والصحف وفي الاجتماعات الدولية العامة — كمؤتمر الصلح وهيئة الأمم المتحدة — سياسة البريطانيين والأمريكيين التي ترمي إلى التوسع في بسط النفوذ في الشرق الأوسط، والتي ترمي إلى التكتل حول الرأسمالية في غرب أوروبا. والبريطانيون والأمريكيون يهاجمون السياسة الروسية بوسائلهم المعروفة؛ لأنها فيما يرون تلقي الستار الحديدي على جزء من أوروبا في الشرق والجنوب والوسط، وتُجري من وراء هذا الستار ألوانًا من الأحداث، يصفها البريطانيون والأمريكيون بأنها اعتداء على استقلال الأمم وازدراء لحرية الشعوب. ويرى الروسيون أنها تحرير للأمم وتحقيق للحرية التي ينبغي أن يستمتع بها الإنسان في هذا العصر الحديث الذي يجب أن يكون عصر الحق والعدل والمساواة.

    والعالم يشهد هذا الصراع الكلامي ضيقًا به غير مستوثق من نتائجه، مقدِّرًا أن هذه الدول الكبرى تختصم فيما بينهم بالكلام وألوان الإعلان؛ لأنها لا تستطيع أكثر من ذلك الآن. وهي في أثناء ذلك تصلح من أمرها وتتيح لشعوبها أن تضمد ما أصابها من الجراحات في الحرب الماضية، وتستعد استعدادًا منكرًا لمستقبل قريب أو بعيد.

    ولكن العالم لا يقف موقف المتفرج الخائف الحذر الساخر فحسب، وإنما يقف موقف الذي تصيبه آثار هذا الصراع ونتائجه في حياته اليومية المباشرة. فالعالم منقسم بالفعل إلى مناطق نفوذ، تسيطر عليها الدول المنتصرة. وهذه المناطق نفسها هي موضوع النزاع وميدان الصراع؛ فمن الطبيعي أن تتأثر مصالحها المباشرة بما يكون بين المنتصرين من تنافس وخصام.

    ويكفي أن تنظر إلى المشكلة اليونانية مثلًا، فكل فرد من أفراد الأمة اليونانية متأثر في حياته اليومية بهذا الصراع بين الفريقين المختصمين من المنتصرين. وقد كان بعض الناس يظن أن الاستفتاء اليوناني حول نظام الحكم سيضع حدًّا للمأساة التي يشقى بها الشعب اليوناني، فتبيَّن الآن في صراحة وجلاء أن الاستفتاء لم يضع حدًّا لشيء، ولعله أن يكون قد بدأ مأساة أشدَّ هولًا وترويعًا مما كان يجري قبل الاستفتاء. فالحرب الأهلية ما زالت دائرة الرحى في بلاد اليونان، وهي تزداد عنفًا من يوم إلى يوم. وكان الروس يطالبون في الدورة السابقة لهيئة الأمم المتحدة بجلاء البريطانيين عن بلاد اليونان، وما زال الجنود البريطانيون مقيمين فيها إلى أجل لا سبيل إلى تحديده بعد. ونحن نسمع الآن أن الحكومة اليونانية القائمة تريد أن تشكو إلى هيئة الأمم المتحدة من جيرانها الذين يؤلبون عليها ويمدُّون الثورة فيها بما تحتاج إليه من قوة، وهؤلاء الجيران هم اليوغسلافيون والبلغاريون والألبانيون، وهم كلهم خاضعون للنفوذ الروسي. ومعنى ذلك أن الشعب اليوناني العظيم الذي أبلى في الحرب بلاءه الرائع، وكان خليقًا أن يظفر من المنتصرين بالعناية والرعاية والعطف يشقى الآن بما يقوم بين المنتصرين من اختلاف شقاء يعرض أبناءه للفقر والجوع والموت في كثيرٍ من الأحيان.

    والقصة الإيرانية ليست خيرًا من القصة اليونانية، فلم تكد إيران تفرغ من الخصومة بينها وبين روسيا وتستريح من مشكلة أذربيجان حتى ثارت الخصومة بينها وبين الإنجليز، ونشأت الاضطرابات والثورات في جنوبها بعد أن لم تكد تهدأ في شمالها. ووقفت إيران هذا الموقف المؤلم الذي لا تجد فيه راحةً ولا أمنًا؛ لأنها لا تستطيع أن ترضي الروس والإنجليز معًا.

    وحديث الشرق العربي أوضح وأبشع من أن نحتاج إلى ذكره فضلًا عن الإطالة فيه. وهذا الصراع نفسه بين المنتصرين يعرض الشعب التركي لشر عظيم، فهو مضطر إلى أن يظل في حالة خوف وحذر واستعداد للطوارئ وإبقاء للجيش على أهبة الحرب، وذلك يكلفه من المال أكثر مما يطيق. ويقال: إن الميزانية التركية لم تبلغ قط من التضخم ما بلغته هذا العام، والفرد التركي هو الذي يمدُّ الدولة بما تحتاج إليه من مال، وهو يقتطع هذا من نفقات حياته اليومية.

    فهذا المظهر المألوف من مظاهر السياسة العالمية ليس من شأنه أن يرضي الشعوب أو يردها إلى الثقة والأمن والاستقرار. ومهما يكن هذا المظهر مألوفًا فإن استمرار البلاء واتصال المحن لا يغيِّر من طبيعتها.

    أمَّا المظهر الثاني لهذه السياسة العالمية فقد مرَّ به الناس مسرعين إلى حدٍّ ما، مع أنه قد يكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا في السياسة الدولية مما يظنون. وهو على كل حال سيزيد المظهر الأول قوة، وسيضاعف ما في الصراع بين المنتصرين من عنف. فقد حدثت في شهر نوفمبر أحداث ثلاثة لها خطرها حقًّا.

    الأول: نجاح الجمهوريين في انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان الديمقراطيون يصارعون روسيا صراعًا شديدًا عنيفًا مع أنهم حزب التقدم والميل القليل إلى الناحية اليسارية، فكيف بالجمهوريين الذين هم أصحاب اليمين في الولايات المتحدة والمحافظون أشد المحافظة على تقاليد الاقتصاد الرأسمالي، وعلى تقاليد التشدد في السياسة الخارجية، وعلى تقاليد إقامة المنفعة المادية وحدها أساسًا للحكم وأساسًا للعلاقات السياسية الخارجية! ليس من شك في أن انتصار الجمهوريين سيزيد الولايات المتحدة عنادًا في موقفها من روسيا، وإصرارًا على ما أظهرت من التشدد إلى الآن. الثاني: انتصار الشيوعيين في الانتخابات الفرنسية. وما ينبغي أن نُسرف في تقدير الفوز الذي ظفر به الشيوعيون في هذه الانتخابات؛ فهم لم يظفروا بالكثرة التي تمكنهم من الحكم وحدهم، ولو قد ظفروا بها لتغيرت سياسة العالم تغيُّرًا أساسيًّا خطيرًا. بل هم لم يظفروا بالكثرة التي تمكِّنهم من أن يحكموا مؤتلفين مع الاشتراكيين، ولو قد ظفروا بها لكان من الممكن أن تتجه فرنسا وأوروبا الغربية معها اتجاهًا مقلقًا إن لم يكن مزعجًا.

    ولكنهم مع ذلك قد ظفروا بكثرة تجعل حزبهم أكبر الأحزاب الفرنسية أعوامًا متصلة، ويتيح لهم أن يطالبوا برياسة الحكومة، وتمكِّنهم كذلك من أن يحولوا بين فرنسا وبين الاتجاه المسرف نحو اليمين، وتمكِّنهم من أن يفرضوا على الحكومة الفرنسية المضي في الإصلاح الاجتماعي إلى أبعد مما مضى الفرنسيون منذ تم تحرير فرنسا.

    فما أحدثه انتصار الجمهوريين في أمريكا من اندفاع نحو اليمين، يلطفه ويخفف من حدته انتصار الشيوعيين في فرنسا. ويمكن أن يُقال: إن ما تخسره روسيا بانتصار اليمين في أمريكا البعيدة يعوضه عليها انتصار الشمال في فرنسا.

    فأمَّا الدولة التي قد خسرت من هذين الانتخابين جميعًا فهي بريطانيا العظمى، وهي قد خسرت دون تعويض. ذلك أن الحكومة القائمة في بريطانيا العظمى ليست محافظة يمكن أن تعتز بانتصار المحافظين الشيوعيين في فرنسا، وإنما هي اشتراكية، تخاف المحافظين أشد الخوف، وتبغض الشيوعيين أشد البغض. فانتصار أولئك وهؤلاء يضعف من مركزها في العالم كله، وفي أوروبا الغربية بنوع خاص، بل هو يضعف من مركزها في بريطانيا العظمى نفسها، فسيعتز المحافظون البريطانيون بانتصار المحافظين الأمريكيين، وستقتضي ظروف الحياة نفسها أن يصبح التعاون بين المحافظين على ساحلي المحيط الأطلنطيقي ضرورة محتومة لحماية المصالح الاقتصادية والسياسية البريطانية نفسها.

    وأكبر الظن أن وقتًا طويلًا لن يمضي قبل أن يشترك المحافظون البريطانيون في الحكم على نحوٍ ما. ذلك إذا لم تقتضِ الظروف حل مجلس العموم ليعيد الشعب البريطاني نظره في مركزه من السياسة العالمية ومن الاقتصاد العالمي.

    على أن حزب العمَّال البريطاني قد مُنيَ بصدمة عنيفة حقًّا من الناحية النظرية، أو قل — إن شئت — من ناحية مبادئه وآرائه وقدرتها على الثبات فضلًا عن الانتشار. وهذه الهزيمة تأتيه من الانتخابين جميعًا. ففي فرنسا ينهزم الاشتراكيون انهزامًا خطيرًا، وتزول بهذا الانهزام فكرة الكتلة الغربية التي كان الاشتراكيون البريطانيون يحلمون بتأليفها بين الأحزاب الاشتراكية في غرب أوروبا. وانتصار المحافظين في أمريكا يحرج مركز الاشتراكيين البريطانيين في بريطانيا وفي الخارج، ويدفع هذا الحزب إلى إحدى اثنتين: فإمَّا أن يتطرف إلى الشمال فيُضحِّي ببغضه للشيوعيين، وإمَّا أن ينحاز إلى اليمين فيُضحِّي بأساسه الاشتراكي نفسه. ونتيجة هذا كله أن الاشتراكية البريطانية، بل الاشتراكية العالمية، قد أصبحت الآن متأخرة بالقياس إلى التطور العالمي، وستظل وقتًا طويلًا أو قصيرًا مظهرًا للقصد والاعتدال بعد أن كانت إلى وقت قريب جدًّا مظهر التطرف والغلو.

    أمَّا الحدث الثالث الذي حدث في شهر نوفمبر وكان حدوثه صدمة ثالثة للاشتراكية البريطانية، فهو هذه الثورة، أو إن شئت فقل هذا التمرد الذي اندفع إليه عدد غير قليل من النوَّاب العمَّال في مجلس العموم. وقد لاحظ الناس أن الحكومة البريطانية اهتمت لهذا التمرد، فأرادت أن تطرح الثقة، وأن حزب العمال اهتم له فأراد أن يعاقب المتمردين، وأن المحافظين البريطانيين اهتموا له فأيدوا حكومة العمَّال عند الاقتراع. وقد مرَّت هذه العاصفة دون أن تسقط الوزارة البريطانية، فظنَّ الناس أنها مرت بسلام، والواقع أنها بعيدة عن هذا كل البعد؛ فهي قد أحدثت صدعًا خطيرًا في حزب العمال، وأثبتت أولًا أن فريقًا من هذا الحزب يضيقون بالسياسة الخارجية التي تناهض اليسارية الروسية، وأثبتت ثانيًا أن في هذا الحزب فريقًا يخافون على المبادئ الاشتراكية نفسها أن تفقد قيمتها وقوتها بالانحياز أو التحبب إلى المحافظين، وأثبتت آخر الأمر أن الحزب الاشتراكي البريطاني ليس من القوة بحيث يستطيع أن يتحدى المحافظين تحدِّيًا صريحًا متصلًا، وليس من القوة بحيث يستطيع أن يفرض النظام الدقيق على أعضائه فيضطرهم إلى أن يُذعنوا لما تقرره الحكومة والهيئة الإدارية. والحزب الاشتراكي البريطاني لا يملك ولا يريد أن يملك من وسائل النظام والمحافظة عليه ما يملكه الحزب الشيوعي من جهة والحزب المحافظ من جهة أخرى.

    ولذلك نستطيع أن نثق بأن هذا التمرد ليس إلَّا أول الغيث، وبأن الحزب الاشتراكي قد يضطر في وقت قريب أو بعيد — بحكم الظروف الداخلية والخارجية جميعًا — إلى أن يشترك مع المحافظين في الحكم أو ينزل لهم عنه كارهًا.

    أمَّا أثر هذا في الحياة العالمية الآن فضئيلٌ جدًّا لا يكاد يُحسب له حساب. ولكن الشاعر العربي لم يخطئ حين قال:

    إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيمشهرية السياسة الدولية

    شهرية السياسة الدولية٢طه حسين
    الكاتب المصري
    يناير ١٩٤٧

    يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.

    وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.

    أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.

    هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.

    وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.

    والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.

    وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.

    فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.

    وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.

    وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.

    ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.

  • فلسطين بعد النكبة | Palestine After the Catastrophe

    ذلة
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١٠ أغسطس ١٩٤٦

    هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
    والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
    وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
    كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
    أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
    فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
    المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
    والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
    ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
    وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
    والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
    أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
    وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
    وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
    فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
    كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
    وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

    إلى مجلس الشيوخ
    طه حسين
    النداء
    ٣٠ مارس ١٩٤٨

    يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:

    قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
    وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.

    فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.

    فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.

    ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.

    والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.

    من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.

    وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.

    والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.

    نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.

    ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.

    فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.

    فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.

    بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.

    والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.

    فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.

    وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.

    فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»

    فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما!

    الصلح مع إسرائيل
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ يونيو ١٩٥٦

    لم يكن من جُناة تلك الحرب التي سيخذى لها جبين الإنسانية المتحضرة في يوم من الأيام القريبة، ولكنه اصطلى حَرَّها وبلى مُرَّها، كما بلته مئات كثيرة من ألوف الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم عرب لم تُتَحْ لهم وسائل الذَّوْدِ عن حياضهم والاحتفاظ بحقهم في الحياة الكريمة التي تأذَّن اللَّه بأنه قد أسبغ نعمتها على الناس جميعًا، وقصَّر جيرانهم من العرب أو أخطأهم التوفيق حين خَفُّوا لنجدتهم فلم يبلغوا مما أرادوا شيئًا، ولم يحفظوا على إخوانهم المضيَّعين من حقهم في الحياة الكريمة قليلًا ولا كثيرًا.
    لم يَجْنِ هذه الحرب، ولكنه ذاق آلامها مروِّعة، واحتمل أثقالها مُفْظِعَة، ثم خلا إلى نفسه بعد أن أُتيحت له العافية المُرة والسلامة التي لا يسعد بها أصحابها، فجعل يفكر فيما رأى ويتدبر ما أحس من لوعة، وما احتمل من شِقوة، وما بقي في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من حسرات. جعل يفكر في هذا كله؛ لماذا كان؟! وكيف كان؟! وإلى أي عاقبة سينتهي به وبقومه وبالعرب أجمعين كل هذا الذي كان؟ وأطال التفكير في ذلك والتدبر له، وجعلت الليالي تمر والأيام تَكِرُّ والحسرات متصلة في نفسه وفي نفوس مئات الألوف الكثيرة من أبناء وطنه، تضنيها وتُعَنِّيها ولا يزيدها مر الليالي وكرُّ الأيام إلا لذعًا وإمضادًا، وهو وأمثاله من أبناء وطنه ثابتون لها صابرون عليها ولعلهم أن يستزيدوها لذعًا وإمضادًا؛ لأنهم حراص على أن يذكروا … على أن يذكروا كل شيء، وأن يذكروه دائمًا، وأن يُشْعِروه قلوبَ أبنائهم وبناتهم، وأن يملئوا به الأرض إن استطاعوا إلى أن يملئوها به سبيلًا، وأن يُبَلِّغُوه ضمائر الذين بقي لهم حظ من الشعور بالعدل والاستخذاء من الظلم الذي يقع في النهار المبصر على الأبرياء الذين لا ذنب لهم، إلا أنهم لا يملكون وسائل الدفاع عن أنفسهم. ثم لم يكتف بالتفكر والتدبر ولا بالتضور ألمًا لهذه الحسرات التي تقض مضجعه ومضاجع أمثاله من أبناء وطنه إذا أظلم الليل وتفرق نفسه ونفوس أمثاله إذا أضاء النهار.
    لم يكتفِ بالتفكير والتدبر، ولكنه أراد — أو أُكرِه على أن يريد — الإعراب عن بعض ما يجب لعمل غيره من الذين يشاركونه في الإنسانية ويشاركونه في الشعور بحق الناس في العدل، وفي النفور من هذا الظلم الصارخ البشع الذي يُصَبُّ على الناس لغير ذنب إلا أنهم ضعفاء. لعل غيره من هؤلاء الناس يجدون بعض ما يجد ويَشْقَوْنَ ساعة من ليل أو ساعة من نهار بهذا الذي يشقى به ويشقى به أمثاله من أبناء وطنه ساعات الليل والنهار كلها.
    أراد هذا كله فكتب، ولكنه لم يكتب شكاة إلى أحد ولا رجاة لأحد ولم يُصور قلمه هذه الزفرات التي تتأجج في قلبه وفي قلوب مئات الألوف الكثيرة من أمثاله، ولم يصور قلمه هذه الدموع الغزار التي تأبى العيون أن تفيض بها تجملًا وترفعًا، فتنصبُّ في القلوب كما يقول الشاعر العظيم جوته، ولكنها لا تنصبُّ في القلوب ماءً وإنما تنصب فيها نارًا، فتزيد ما يتأجج فيها من الزفرات قوة وإضرامًا.
    لم يصور كتابه زفرات ولا دموعًا ولا حسرات أيضًا؛ لأنه لم يكتب بقلبه وحده ولا بضميره وحده، وإنما أشرك عقله فيما كتب وجعل لعقله السيطرة كاملة شاملة على قلبه وضميره، وآثر أن يتحدث إلى عقول الناس فأبلغَ وأدركَ أكثر مما أراد، تحدث إلى عقولهم فلم تُقَصِّر هذه العقول في أداء ما وعت إلى الضمائر والقلوب.
    وإذا هو يُقنع العقول بأن الصلح مع الظالمين إجرام ما دام ظلمهم قائمًا، ويُشعر القلوب بأن من الخزي أن ترضى وقلوبٌ أخرى لإخوان لها تتحرَّق حزنًا وتتشقق لوعة وألمًا، وأقر في الضمائر أن الرضى بقصة فلسطين وظلم إسرائيل وأعوانها إنما هو مشاركة في الإثم ورضًى بما لا يرضى به إلا الذين برئوا من الإنسانية واستحقوا خزي الدنيا والآخرة جميعًا.
    هذا هو الأثر أو بعض الأثر الذي تركتْه في نفسي قراءة كتاب الأستاذ عميد الإمام عن الصلح مع إسرائيل. قرأته مُستأْنِيًا، فكنت أشعر بالضيق أشد الضيق أثناء قراءته، وكنت أستحبُّ ما أجد من الضيق، وأطلب إلى صاحبي أن يزداد أناة في القراءة لأزداد استمتاعًا بهذا الضيق، إن صح أن الناس يستمتعون بما تجد نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من اللوعة والأسى. ثم فرغتُ من هذه القراءة، ولكني على اشتغالي بكتب أخرى كثيرة مختلفة، وعلى اشتغالي بما يضطرب فيه الناس من حياتهم وأمورها المعقدة، لم أَنْسَ هذا الكتاب ولم أُصرف عنه، وإنما ذكرته منذ قرأته وعدت إليه غير مرة أقرأ منه هذا الفصل أو ذاك، وربما عدت إليه فجعلت أقرأ فصوله كلها لأستحضر سائرها.
    كنت أجد راحة مُمِضَّةً إلى هذا الكلام المُرِّ، وكنت وما زلت أتمنى أن يقرأه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأن يقرأه الشباب خاصة والشباب الذين لم تتقدم بهم السن بنوع أخص؛ لينشئوا مع هذه الفكرة، فكرة الشعور بمرار الظلم والغضب للمظلومين حتى يتم لهم الإنصاف كاملًا موفورًا.
    لم يعلمني هذا الكتاب شيئًا جديدًا؛ فقد كنت أعرف من قصة فلسطين ما يعرفه أمثالي من الناس، وكنت أجد من الأسى لأهل فلسطين ما يجد أمثالي من الناس، ولكني على ذلك أقرأ هذا الكتاب وأقرأ وأقرأ فلا أملُّ مرارته وإنما أستحبها. وهذه مَزِيَّة الكتاب الذي يصور العقل والقلب والضمير؛ لأن صاحبه قد كان صادقًا منذ أخذ في كتابته إلى أن فرغ منها.
    ولا أعرف شيئًا أبلغ تأثيرًا في النفوس وأنفذ إلى أعماق الضمائر من صدق اللَّهجة حين يُتاح صدق اللَّهجة لكاتب من الكتاب، وأشهد لقد أُتيح للأستاذ عميد الإمام أن يكون صادق اللَّهجة في كل ما قال.
    وأبرع ما في هذا الكتاب أن صاحبه استطاع أن يقهر عواطفه وأن يروِّض آلامه المُمِضَّة وآماله الحزينة المضطربة، وأن يكون موضوعيًّا كما يُقال في كل كلمة خطها قلمه في هذا الكتاب؛ فهو لا يتزيَّد ولا يتكثَّر ولا يرسل لقلمه العنان، وإنما يضبطه أشد الضبط ويجريه في أعظم التحفظ والاحتياط، فيستقصي حين يجب الاستقصاء ويحصي حين يَحْسُن الإحصاء، ويحلل ويعلل كلما احتاج البحث إلى التحليل والتعليل، ويتتبع الأمور من مصادرها الأولى إلى مواردها الأخيرة، ويَردُّ أعمال اليهود — والصهيونيين منهم خاصة — وأقوالهم وخواطرهم وهواجسهم إلى أصولها من العهد القديم والعهد الجديد، ويصور براعتهم وسعة حيلتهم في السعي والدأب وفي الكيد والمكر، وفي شراء العقول والضمائر بالمال حين يحتاجون إلى شرائها بالمال، وفي استغلال سلطان المال على الحكومات إلى أقصى حد، وفي انتهاز الفرص والانتفاع بما يصيبهم من المظالم وما يُصَبُّ عليهم من الآلام، وفي الاستزادة من المظالم والآلام لاستثارة الشفقة والرحمة حينًا ولترويع الضمائر وتفزيعها حينًا آخر.
    يصور هذا كله في دقة أي دقة، وفي هدوء أي هدوء، كأن الأمر لا يمسه ولا يمس قومه من قريب أو بعيد، وكأنه يكتب في موضوع لا يعنيه إلا أن يؤديه إليك أداء صادقًا، ليتيح لك أن تحكم عليه حكمًا صادقًا، ثم ترتب على حكمك ما ينبغي أن ترتب عليه من النتائج حين تعمل وحين تقول.
    ولِمَ لا أعترف بالحق فأقول إني لم أكن أعرف صاحب هذا الكتاب، وكنت أظنه مواطنًا مصريًّا ولد ونشأ في مصر، وكنت أعجب بما أتيح له في هذا الكتاب من التوفيق بين البحث الدقيق الموضوعي والشعور الحاد العاطفي وما نشأ عن ذلك من صدق اللَّهجة وحسن المدخل إلى العقول والقلوب جميعًا.
    فلما عرفت بِأَخَرَةٍ أن صاحب الكتاب فلسطيني شهد المأساة واصطلى نارها، ازداد إعجابي بهذا الذي عرف كيف يكتم ألمه ويكظم غيظه ويملك نفسه ويؤدي إلينا هذا الكتاب في هذه الأناة وفي هذا الهدوء وفي هذا الصدق العجيب.
    ولست أدري أأهنئ الأستاذ عميد الإمام بهذا الكتاب الرائع البارع، أم أَسْتَأْنِي بالتهنئة لعل اللَّه يُتيح لنا يومًا من الأيام نهنئه ونهنئ إخوانه فيه بما هو أبلغ وأشد روعة من هذا الكتاب، بالنصر الذي يرد على الفلسطينيين حقهم ويرد على العرب كرامتهم ويعصم الإنسانية من هذا الخزي البغيض، ولكن على كل حال أهدي إليه أصدق الشكر وأجمله لأنه أتاح لي هذه المتعة المُرَّة بقراءة كتابه الممتع المر.

    التبعة الكبرى
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٨ أكتوبر ١٩٦١

    يحتملها أولئك المتمردون في دمشق والذين أيَّدوهم بالجاه والذين أمدُّوهم بالمال والذين ناصروهم جهرة من خارج سوريا ومن داخلها.
    يحتملها هؤلاء جميعًا؛ لأنهم تعاونوا أولًا وأعانوا المستعمرين بعد ذلك على تفريق الكلمة وإطماع العدو وإغراء المتربصين بما كانوا يتمنونه ولا يستطيعون أن يحققوه.
    يحتملها هؤلاء جميعًا وإن كانت ضمائرهم لا تحفل بالتبعات ولا تهتم إلا لتحقيق المنافع العاجلة والمآرب الخاصة، غير معنية بوحدة العرب ولا بمنافعهم ولا بما يكفل لهم الحياة الكريمة والعزة في بلادهم.
    يحتملها هؤلاء جميعًا ويصطلي نارها أولئك العرب الذين يُسامون الخَسْف في فلسطين ويحيون حياة البؤس والذل والشقاء، والعرب الآخرون الذين أُخرجوا من ديارهم واضطُرُّوا إلى حياة هي إلى التشرد أقرب منها إلى شيء آخر. ثم يصطلي نارها كل عربي يشعر بالكرامة ويأبى الضيم ويملأ قلبه حب النجدة لهؤلاء البائسين الذين ظُلموا بغير الحق وعُرِّضُوا لألوان الذلة والهوان. أجل هي تبعة كبرى تنوء بالعصبة أولي القوة، لولا أن الذين يحتملونها الآن قد قست قلوبهم فهي الحجارة أو أشد قسوة، وتبلدت ضمائرهم فهي لا تحس لذع المذلة ولا تشعر بمرارة الضيم ولا تعطفها على البائسين عاطفة ولا تعرف لرحمة المعذبين طعمًا؛ وإنما تفكر في أنفسها وفي أنفسها وحدها.
    هذه الأنباء التي تتحدث بها الإذاعات وتنشرها الصحف ويخفق بها البرق من أقطار الأرض بأن لعبة الاستعمار في فلسطين قد أخذت تحول مجرى نهر الأردن، أقدمت على ذلك مطمئنة آمنة راضية النفس ممدودة الأمل إلى المستقبل البعيد؛ لأنها بعد أن تفرقت كلمة العرب واطمأنت بعد أن انتشر القلق حتى شمل الشعوب العربية كلها، وأحست القوة والبأس بعد أن أذن لها أو أغراها أولئك الذين كانوا يحولون بينها وبين أمنيتها العزيزة عليها بأن تنعم على حساب البائسين وتسعد على حساب الأشقياء وتهين الكرامة العربية غير حاسبة لأحد حسابًا وغير راجية لأحد وقارًا.
    ما أكثر ما تحدث العرب بأن مجرى نهر الأردن مقدَّس لا يمسه إلا الذين يعرضون أنفسهم لأعظم الكوارث وأقساها، وما أكثر ما أنذر العرب بالحرب التي لا هوادة فيها إذا جرأت ألعوبة الاستعمار على أن تتعرض لمجرى هذا النهر. وعلى رغم هذا كله أخذت ألعوبة الاستعمار تعبث بهذا المجرى الذي كان مقدسًا أمسِ وأصبح اليوم نهبًا مباحًا لإسرائيل تعبث به كيف شاءت وتغيره كما أرادت. والعناصر المتحكمة في الجيش السوري مشغولة بالسياسة حريصة على أن تحمي تمردها بحرب الشعب السوري؛ ليبقى الحكم في يدها ولتنعم بتأييد الذين يؤيدونها بالجاه ويمدونها بالمال ويتهيئون لحرب الوطن السوري نفسه وإذلال الشعب السوري نفسه إذا تعرض المتمردون لخطر خارجي أو داخلي.
    وكذلك يرى العرب الآن ويرى الجيش السوري نفسه ويرى أعوانه وأنصاره جراءة إسرائيل وعبثها بنهر الأردن، لا يجدون لذلك لذعًا في قلوبهم أو ألمًا في ضمائرهم أو عطفًا على إخوانهم من الذين يُسامون الذل في فلسطين والذين يشقون بالجوع والخوف من اللاجئين الفلسطينيين. هان عليهم كل شيء إلا تمردهم، ومن يدري لعلهم أغروا إسرائيل بما تفعله الآن إغراء ودفعوها وأدوا إليها نهر الأردن ثمنًا لانصرافها عنهم ومنحهم شيئًا من المعونة والتأييد.
    ومن يدري لعل ما تفعله إسرائيل الآن ليس إلا الخطوة الأولى من خطوات الاستعمار، ولعل خطوات أخرى تتبعها غدًا أو بعد غد، فالاستعمار ليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه أن يضعف العرب، وليس يكفيه أن تقوى إسرائيل وإنما يهمه قبل كل شيء أن يشقى العرب، بل ليس يكفيه أن تنعم إسرائيل وتكثر هجرة اليهود وتزداد إسرائيل قوة إلى قوة وأمنًا إلى أمن؛ وإنما يهمه أن تشقى الشعوب العربية وأن تُظهر حاجتها إلى معونة الاستعمار، وأن يمكِّن هذا كله للمستعمرين العودة إلى الأوطان العربية، يستغلونها غدًا كما كانوا يستغلونها أمس، ويستذلون شعوبها غدًا كما كانوا يستذلونها أمس، وينعمون بخيرات الوطن العربي كما كانوا ينعمون به أمس.
    كل هذا ممكن وكل هذا دليل على أن تمرد المتمردين في سوريا لم يصنعه المتمردون وحدهم ولم يصنعه أعوانهم من العرب وحدهم، وإنما شاركهم فيه المستعمرون بمالهم وتحريضه وتأييدهم.
    فليهنأ قادة هذه الحركة بالذلة بعد العزة والهوان بعد الكرامة، وليتهيئوا لمطامع الطامعين لا في سوريا وحدها ولكن في غيرها من الأقطار العربية، وصدق أبو الطيب حين قال:
    منْ يَهُن يسهُل الهوانُ عليهما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ
    وصدق الله حين قال للمسلمين: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
    ثم لا تتحرج أبواق المتمردين في صحفهم وإذاعتهم من أن تملأ الدنيا ضجيجًا وصياحًا كأننا نتجنى عليهم ونقول فيهم غير الحق، فهم قد جادلوا حين قلنا إن تمردهم قد مزَّق الوحدة العربية وفرَّق كلمة العرب وأوقع بينها من الريبة وسوء الظن ما لا ينبغي أن يكون بين الإخوان، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إنهم كفروا بنعمة الله عليهم وبطروا حين أتاح الله اليسر والسعة للشعب السوري في وطنه السوري وفي الوطن المصري أيضًا، وجادلوا وألحوا في الجدال حين قلنا إن الوحدة أمَّنت الشعب السوري في وطنه وحمت حدوده من العدوان وأشاعت فيه الأمن والاطمئنان.
    جادلوا في هذا كله وأسرفوا في الجدال، فهل يجادلون الآن في أن نقضهم للوحدة دون استفتاء للشعب السوري ودون إيذان لمصر، قد عرَّض سورية للخطر وجرَّأ عليها إسرائيل فاعتدت على أرضها. كيف يجادلون في هذا وهم يرون ويستمعون، أم تراهم يرضون عن هذا ويطمئنون إليه ويؤثرون الألفة مع إسرائيل على الألفة مع شعب عربي مثلهم، ويسخرون من اللاجئين المشردين ويستهزئون بالعرب الذين يُضطهدون في وطنهم وتُصب عليهم المحن في بلادهم، ولا يكرهون أن يطمع فيهم غير إسرائيل، ولا يكرهون أن يتسلط عليهم الاستعمار فيُسيرهم كما يشاء ويصرف أمرهم كما يحب لا لشيء إلا لأنهم يستأثرون بمظاهر الحكم. ولن يكونوا من حقائق الحكم في شيء حين تمتد إليهم أيدي المستعمرين، ولكن المثل لا يكذب حين يقول: «إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت.»

  • فلسطين قبل النكبة | Palestine Before the Catastrophe

    فلسطين …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٨ أكتوبر ١٩٣٣

    لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء الإنساني العام، الذي تشترك فيه الشعوب وأجيال الناس، مهما تختلف الأمكنة والأزمنة والظروف؛ لكان من حق الأحداث التي ألمَّت بهم أمس أن تُذِيب قلوبنا أسًى وحزنًا، وأن تملأ نفوسنا حسرةً ولوعةً، وتُشعِرنا الرثاء لهم والإعجاب بهم، والرغبة الصادقة في أن يهيئ الله لهم نصرًا يردُّ إليهم الحق، ويحفظ عليهم الكرامة والعزة، ويضمن لهم الظَّفَرَ والفوز.

    نعم، لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء العام، لكان من الحق علينا ألا نقف من هذه الأحداث التي ألمت بهم أمسِ موقفَ الذين ينظرون ولا يشعرون، ويشهدون ولا يتأثَّرون؛ فإن الذين يشهدون هذه المشاهد المؤلمة ثم لا يتألمون، ويتلقون هذه الأنباء المحزنة ثم لا يحزنون، ويرون شعبًا بأسره يجاهد ليعيش فيحال بينه وبين العيش، ويُكْرَه إكراهًا بالحديد والنار على أن يخضع للذلة والفقر وما يتبع الذلة والفقر، ثم لا تثور عواطفهم ولا تضطرب نفوسهم لهذا العطف الإنساني المقدس على المظلومين، ليسوا من الناس الذين يستحقون هذا الاسم، وإنما هم قوم قَسَتْ قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة، فكيف وبيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين صلة الجوار في الدار والاشتراك في اللغة والدين، والاشتراك في المثل الأعلى، والاشتراك فيما نلقى جميعًا من الظلم، وما نحتمل جميعًا من العسف، وما نسام جميعًا من هذا الضيم المخزي، الذي لا يرضى به ولا ينبغي أن يرضى به كرام الناس.

    كم نحب أن يشعر إخواننا من أهل فلسطين أنَّا شركاؤهم فيما يُحِسُّون من ألم وحزن، وفيما يضمرون من حسرات، وما يظهرون من زفرات، وما يُعْلِنون من سخط وإنكار، لهذا الظلم الذي يصُبُّه عليهم الأجنبي صبًّا، لا لشيءٍ إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا آمنين في ديارهم، وادعين، لا يؤذيهم أحد ولا يؤذون أحدًا، لا يضارهم أحد ولا يضارون أحدًا، لا يطمعون فيما عند غيرهم ولا يطمع غيرهم فيما عندهم، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يستمتعوا هادئين بهذه الحياة التي منحهم الله في ظل الحق، والعدل، والمساواة، والإنصاف.

    كم نحب أن يستيقن إخواننا من أهل فلسطين أننا نجد ما يجدون، ونشعر بما يشعرون، ونألم لما يألمون له. ونود لو استطعنا أن نرد عنهم بعض ما يلقون من الشر، ونكشف عنهم بعض ما يُصِيبُهم من الضُرِّ، كم نودُّ أن يستيقنوا بأن ما بينهم وبيننا من الصلات أمتنُ وأصدقُ من أن نقف مُعْرِضين أو فاترين أمام هذه المحن المنكرة التي تُسَلَّط عليهم في غير رعاية لحرمة، ولا احترام لحق، ولا تأثُّر بالدين أو الأخلاق.

    ما أشدَّ التشابه بين ما تلقون في بلادكم، وما نلقى في بلادنا أيها الإخوان الأعزاء! هذه دماؤكم الزكية تُرَاقُ، ونفوسكم التي حرمها الله إلا بالحق تزهق، لا لشيء إلا لأنكم تريدون أن تعلنوا إلى الناس في سلم وأمن وحرص على العافية أنكم مظلومون، وأنكم تكرهون الظلم، وتُنكِرونه، وتريدون أن يُرْفَع عنكم، ومن قبل ذلك أريقت في مصر دماء زكية، وأزهقت في مصر نفوس حرمها الله إلا بالحق؛ لأن المصريين كانوا يريدون أن يعلنوا إلى الناس في سلم وأمن، وإيثار للعافية، أنهم مظلومون، وأنهم يريدون أن يرفع عنهم الظلم.

    ها أنتم أولاء ترادون على أن يسلَّط عليكم الشر فلا تلقونه بإنكار ولا سخط، وإنما تؤمنون له إيمانًا، وتُذْعِنون له إذعانًا. ولو استطاع خصومكم لطلبوا إليكم أن تعلنوا الرضا عما يصيبكم والابتهاج بما يَنْزِل بكم، وأن تستزيدوا من هجرة المهاجرين. وها نحن أولاء قد أُرِدْنا على أن نحب ما لا نحب، ونرضى بما ننكر، ونبتهج لما يمزِّق قلوبنا لوعة وحسرة؛ فإن نحن حاولنا أن نلائم بين قلوبنا ووجوهنا وألسنتنا، وبين آرائنا وأعمالنا، وأن نظهر السخط لأن قلوبنا ملأها السخط، ونعلن الإنكار لأن نفوسنا ملأها الإنكار، ونطلب الحرية لأننا لا نستطيع أن نرضى بغير الحرية؛ سُلِّطَ علينا مثل ما يسلط عليكم، وأُغْرِيَ بنا مثل ما يغرى بكم، وتعرضنا لمثل ما تعرضتم له أمس، واحتملنا مثل ما احتملتم أمس، وصعدت نفوس مصرية إلى السماء كما صعدت نفوس فلسطينية إلى السماء، واصطبغت أرض مصر بدماء المصريين كما اصطبغت أرض فلسطين بدماء الفلسطينيين. ثم يزعم الأوروبيون بعد ذلك أنهم دعاة حضارة ورقي، ورسل سلم وأمن، وملائكة رحمة وحب، وهداة إلى النور بعد الظلمة.

    كلا، ليس من الدعوة إلى الحضارة ولا إلى الرقي أن يُعْتَدَى على الناس وهم آمنون، وأن يُكْرَه الناس على ما لا يريدون. كلا، وليس من نشر السلم والأمن أن تغصب الحقوق، وتنتهك الحرمات، ويجوع قوم ليشبع آخرون. كلا، وليس من الرحمة والحب أن تؤمِّن قومًا لتُخِيف قومًا، وأن تُرْضِي من تحب على حساب من لا تحب، وأن تخلق بين طبقات الناس من ألوان البغض والعداء ما ينتهي إلى مثل ما انتهت إليه الحال أمس في فلسطين. كلا، وليس إخراجًا للناس من الظلمة إلى النور أن تعلِّمهم كيف يُبْغِض بعضهم بعضًا، وكيف يعتدي بعضهم على بعض، وكيف تقوم الأَثَرَة بينهم مقام الإيثار، وكيف تقوم القوة بينهم مقام الحق، وكيف يقوم الجور بينهم مقام العدل، وكيف تسخر النفوس والقلوب والعقول لسلطان المال والحديد والنار.

    إن الأوروبيين يقولون كثيرًا ويملئون الأرض بأنهم حراص على السلم، مناهضون للحرب، جادون في أن يحقنوا دماء الناس ويعصموا نفوسهم، وفي أن يحتكموا إلى العدل والقانون لا إلى الحديد والنار، ولكنهم حين يملئون الأرض بهذا الكلام لا يريدون به إلا أنفسهم، وما يقوم بينهم من الصلات. فهم يكرهون أن تحكم بينهم سيوفهم، ولكنهم لا يكرهون — فيما يظهر — أن تحكم سيوفهم في أمر غيرهم من الشعوب، وإلا فما إخضاع مصر لقوة الإنجليز؟ وما إخضاع فلسطين لقوة الإنجليز وطمع الصهيونيين؟ وما إخضاع غير مصر وفلسطين من بلاد الأرض وأقطارها لهذه القوى الأوروبية الثائرة المتنمرة التي تتخذ أشكال السلم والأمن في بلادها، حتى إذا تجاوزتها كشرت عن أنياب حداد؟!

    إن الأوروبيين يخدعون أنفسهم حين يطمعون في أن يحبَّهم أهل الشرق أو أن يطمئنُّوا إليهم. فلم تكن القوة والعدوان في يوم من الأيام مصدرَ حب وطمأنينة، وإنما كانت القوة والعدوان دائمًا مصدر خوف وخشية أول الأمر، ثم مصدر رد الفعل الذي يديل للمظلومين من الظالمين.

    إن الأوروبيين ليعلمون حق العلم أن أهل الشرق قد استيقظوا بعد نوم، وتنبَّهوا بعد غفلة، ونشطوا بعد فتور، وتعلموا بعد جهل، وأن من المستحيل أن يقبلوا منهم اليوم ما كانوا يفرضونه عليهم أمس، أو أن يرضوا منهم اليوم هذه السيرة التي يسيرونها في قبائل الهمج التي لا حظَّ لها من حضارة ولا من أمل ولا من تاريخ.

    إن الأوروبيين حين يُلِحُّون في سيرتهم هذه مع الشرقيين لا يزيدون على أن ينشئوا لأنفسهم خصومًا ألداء وأعداءً أقوياء. إن ظهر أمرهم اليوم هينًا يسيرًا؛ فقد يكون غدًا شاقًّا عسيرًا. وقد يكون من الخير للأوروبيين أن يراجعوا أنفسهم بعض الشيء، وأن يذكروا أنهم حين يعبرون البحر من بلادهم إلى الشرق إنما ينزلون بشعوب تُحِسُّ وتشعر، وترجو وتحب العزة والكرامة، وتأبى الذلة والضيم، وتجد من هذا كله مثلَ ما يجدون. إنهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير، وأراحوا الإنسانية من نُكر لا حَدَّ له، وإن لم يفعلوا فلن يكونوا أقل من الشرقيين ندمًا، ولن يكونوا أقلَّ من الشرقيين حزنًا على ما قصروا حين كان يمكن اجتناب التقصير، وعلى ما أسرفوا حين كان يمكن اجتناب الإسراف.

    في ذمة الله شهداء فلسطين، وفي ذمة الله صرعى فلسطين، وفي ذمة الله آلام العرب في فلسطين. فليس شيء مهما يكن، وليس ألم مهما يعظم بكثير في سبيل الوطن، وفي سبيل الحرية والعزة والكرامة والاستقلال.

    غريب
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٤ مارس ١٩٣٤
    وا رحمة بالغريب في البلد النازح
    ماذا بنفسه صنعا
    فارق إخوانه فما انتفعوا
    بالعيش من بعده ولا انتفعا
    وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين في هذه الأيام التي يستطيع الناس أن يطووا الأرض فيها طيًّا، أو ينهبوا المسافات فيها نهبًا، بالسيارات حينًا، وفي القطارات حينًا آخر، والتي يستطيع فيها الناس أن يقتحموا الجو اقتحامًا ويلتهموه التهامًا، بالطيارات حين تدعوهم إلى ذلك مرافقهم وحاجاتهم؛ أو حين يدفعهم إلى ذلك ما يُثِيرُهم من الآمال والآلام.
    نعم، وليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين ولا بالقياس إلى أي بلد من بلاد هذا الشرق العربي، الذي تجمع بين أجزائه صلات المودة والحب، وعلاقات الثقافة واللغة والدين. فالرجل من أهله مقيم في وطنه مهما تبعد به الدار، مضطرب بين مواطنيه مهما تنأَ به الآماد، ما دام لم يخرج من هذا الشرق العربي.
    ليست مصر بلدًا نازحًا بالقياس إلى فلسطين؛ فما ينبغي أن يكون الرجل من أهل فلسطين غريبًا في مصر، وما ينبغي أن يكون الرجل من أهل مصر غريبًا في فلسطين. ولكن الظروف القاسية، والخطوب العاتية، والأيام السود، تأبى إلا أن يكون المصري غريبًا في مصر، فكيف بالرجل من أهل فلسطين إذا أقام على شواطئ النيل؟
    وإذا كان المصري من أهل القاهرة لا يستطيع أن يزور بنها أو قليوب أو طوخ إذا كرهت له الوزارة، أو كرهت منه الوزارة أن يزور هذه المدن، مع أن أرض مصر مباحة للمصريين جميعًا بحكم الدستور والنظام والقانون وطبيعة الأشياء، فكيف ننكر أن يعجز الفلسطيني عن أن يزور مصر أو أن يعجز الفلسطيني عن أن يخرج من مصر عائدًا إلى وطنه مهما تكن الظروف التي تدعوه إلى أن يعود.
    نعم، يجب أن يشعر كل شرقي بأنه غريب في الشرق! سواء أكان هذا الشرق وطنه الذي ولد فيه أم لم يكن، ذلك شيء لا منصرف عنه ما دامت أمور الشرق ليست إلى الشرقيين، وما دام الذين يحكمون في الشرق ليسوا هم الشرقيين، وإنما هم قوم آخرون أقبلوا من وراء البحر تسبقهم القوة المدمرة، وتتبعهم القوة المدمرة، ويستطيعون أن يفرضوا إرادتهم وأهواءهم على عباد الله فرضًا. يجب أن يشعر الشرقي بأنه غريب في الشرق ما دام الغربي — والغربي وحده — هو الذي يصرف أمور الشرق ويقضي فيها بما يحب ويريد. ومن يدري؟! لعل شعور الشرقيين بأنهم غرباء في بلادهم، أجانب في أرضهم، سجناء في أوطانهم، لعل هذا الشعور إذا قوي واتصل وتغلغل في أعماق النفوس أن يُثِيرَ في نفوس الشرقيين ما ينبغي أن يثور فيها من الحرص الصحيح المنتج على أن يكونوا أبناء بلادهم حقًّا، وأهل أوطانهم حقًّا، وسكَّان أرضهم حقًّا، لا ينازعون في ذلك، ولا يدافعون عنه، ولا يتحكم فيه المتحكمون.
    كل شيء في هذه الأيام يُلْغِي ما بين البلاد والأوطان من هذه الحدود التي أقامتها الطبيعة جبلًا حينًا ونهرًا حينًا، وبحرًا مرة وصحراء مرة أخرى، وكل شيء في هذه الأيام يخفف هذه الفروق التي أنشأتها الطبيعة بين الناس. ولكن هناك شيئًا يقيم مكان الحدود الطبيعية حدودًا أخرى، ويقيم مكان الفروق الطبيعية فروقًا أخرى، ويزيد التقاطع والتدابر بين الناس، وهو ظلم الاستعمار. ظلم الاستعمار يجعل الشرق العربي سجنًا ضخمًا هائلًا يسكنه عشرات الملايين من السجناء، وهو يقسم هذا السجن أقسامًا، ويلزم أهله أن يُقِيموا في هذه الأقسام لا يخرجون منها، ولا يدخلون إليها إلا بإذنه ورضاه، وهو لا يعتمد في إذنه ورضاه على عدل ولا قسط، ولا رحمة، ولا عاطفة، وإنما يعتمد على المنفعة وحدها وعلى هذه المنفعة الآثمة الظالمة التي تجعل الناس عبيدًا للناس في وقت يجب أن يكون الناس فيه كلهم أحرارًا، وأن يكون الناس فيه كلهم سواءً أمام الحق والعدل والإنصاف.
    خطرت لي كل هذه الخواطر المظلمة حين أقبل مقبل فأنبأني بأن صديقًا لنا من أهل فلسطين أقام في مصر منذ أعوام، وله في سياسة بلده مذهب يكرهه المستعمرون؛ فهو يقيم في مصر كأنه حر، وأكبر الظن أنه سجين، وهو راضٍ بهذه الحرية الضيقة، وهو مغتبط بهذا السجن الذي اتخذ له من وادي النيل؛ لأن له من السجناء المصريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، يخلطونه بأنفسهم ويخلطهم بنفسه، ولكن الحوادث تحدث والنائبات تنوب، والله لم يقطع الصلات كلها بينه وبين وطنه في فلسطين؛ فهناك أهله الأقربون وهناك إخوانه، وهناك أترابه ولِدَاته، وهو يتصل بهم، وهم يتصلون به، يلقاهم إن هبطوا إلى مصر، وتسعى بينهم الكتب إن أقاموا في فلسطين.
    ثم جاءته الأنباء بأن أمه مريضة، وبأن مرضها شديد، فهَمَّ أن يذهب للقائها، والعناية بها، وقضاء ما فرض الله وما فرضت الطبيعة وما فرضت الأخلاق من حقها عليه، ولكنه وجد باب السجن مغلقًا، فلما استفتح الباب لم يفتح له، ولما ألحَّ في الاستفتاح لم يحفل به، ولما غلا في الإلحاح لم يلتفت إليه، والمرض هناك في فلسطين يسلك طريقه لا متوانيًا، ولا متباطئًا، لا مفكرًا في أن هناك ابنًا في مصر يريد أن يرى أمه ويجد في الخروج من مصر مشقة وعناءً؛ فمن الخير أن يمهل ومن الخير أن ينتظر لعل قلب السجَّان أن يرقَّ، لعل هذا السجين أن يلقى أمه قبل أن يدركها الموت.
    والسجين يستفتح الباب ويرفع إلى السجان ما يأتيه من آراء الأطباء وشهاداتهم بأن المرض يسلك طريقة مسرعًا لا يصطنع رفقًا ولا أناة. ولكن قلب السجان مغلق كباب السجن لا تنفذ إلى قلب السجان رحمة ولا بِرٌّ كما لا يستطيع السجين أن ينفذ إلى أرض وطنه ليرى أمه قبل أن تموت.
    ثم يحمل البرق إلى هذا السجين فجيعته في أمه، فلا تذكر حزنه ولا تذكر جزعه ولا تذكر يأسه! فكل هذه أشياء لم يبقَ لها الآن خطر ولا قدر، ولكن اذكر أنه أسرع بهذا النبأ إلى السجان، يسأله أن يفتح له الباب ليسرع إلى وطنه فيؤدي إلى أمه الواجب بعد أن أدركها الموت ما دام قد عجز عن أن يؤدي إليها الواجب قبل أن يدركها الموت. ولكن قلب السجَّان مغلق دائمًا كباب السجن؛ فلن يخرج هذا الصديق الحزين البائس من مصر، ولن يرى أمه ميتة كما أنه لم يرها مريضة، لن يسعى في جنازتها، لن يُصَلِّي عليها، لن يقوم على قبرها، وستسعى هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يشيِّعها ابنها، وستهبط هذه المرأة الصالحة إلى القبر لا يودِّعها ابنها، وستلقى دون الأحياء ودون هذه المرأة الصالحة هذه الجنادل الصم التي تغلق أبواب القبور، وسيظل ابنها سجينًا، وستحول بينها وبينه هذه الأبواب الثلاثة المغلقة؛ هذا الباب الذي لا يفتح للرحمة إلى قلب السجان، وهذا الباب الذي لا يفتح للسجين إلى فلسطين، وذلك الباب الذي إذا أغلق من دون الموتى فإنه لا يفتح إلا يوم يؤذن للموتى بالبعث والنشور، وسيقول المستعمرون بعد هذا: إنهم رسل الرحمة وملائكة السلام، وإنهم قد أقبلوا إلى الشرق يحضِّرونه ويهذِّبونه ويثقِّفونه ويرمون به إلى المثل الإنسانية العليا!
    ما أجدر الإنجليز أن يتفكروا في هذه القسوة التي يعجز الناس عن وصفها؛ لأنهم يعجزون عن إدراكها، ولكنهم لا يعجزون عن اقترافها حين يدفعهم إلى ذلك الظلم والجور، والغطرسة والكبرياء!
    ما أجدر الشرقيين أن يتفكَّروا في هذا، وأن يرحموا أخاهم هذا الغريب، وأن يرحموا أنفسهم؛ فكلهم غريب كهذا الرجل، وأن يفكروا لأنفسهم في شيء من العزة والكرامة يطلقهم من هذه السجون الواسعة الهائلة التي يخيم عليها الظلام.
    ما أجدر هذا الصديق الغريب الأستاذ محمد علي الطاهر أن يتعزَّى وأن يتأسَّى، وأن يعلم أنه لا يشقى وحده بهذه الآلام الثقال، وإنما يشقى بها معه كل هؤلاء الشرقيين الذين يضطرهم الاستعمار إلى حياة الذل والبؤس والهون.

    مصر والعروبة
    طه حسين
    مجلة الرسالة
    ٢٦ ديسمبر ١٩٣٨

    أخي العزيز قرأت مقال الأستاذ ساطع الحصري بك في رسالة الاثنين الماضي، وأظن أن من حقِّي عليك أن تنشر ردِّي على هذا المقال، وما أرى أنك تبخل علي بهذا الحق. وهذا الرد فصل من كتاب «مستقبل الثقافة» الذي سيظهر بعد أيام، فهو إذن قد كُتِب وطُبع قبل مقال الأستاذ الحصري … ولك أصدق المودة وأخلص الإخاء. طه حسين
    قد أشرت منذ حين إلى أن من الحق على الدولة المصرية أن تذيعها في طبقات الشعب المصري من جهة، وأن يُتجاوَز بها الحدود المصرية إلى الأقطار التي تستطيع أن تسيغها، وأن تنتفع بها من جهة أخرى.
    لأمر ما قالت بعض الأقطار الشرقية لمصر: إنها زعيمة الشرق العربي، ولأمر ما صدَّقت مصر ما قيل لها، فإن كان هذا حقًّا؛ فإن له نتائج يجب أن تنشأ عنه، وتبعات يجب أن تترتب عليه.
    وإن لم يكن هذا حقًّا؛ فإن من الواجب علينا أن نحققه؛ لأن فيه تحقيقًا لكرامتنا من ناحية، ولأن فيه ارتفاعًا عن الأثرة التي تليق بشعب كريم. والشيء الذي لا شك فيه هو أن الله قد هيأ لمصر من أسباب القدرة على إحياء الثقافة ونشرها ما لم يهيئ لغيرها بعدُ من الأمم العربية، فمما لا يليق بالمصريين وقد تسامَع الناس بأنهم كرام، وزعموا لأنفسهم أنهم كرام أيضًا، مما لا يليق بهم أن يؤثروا أنفسهم بما أُتيح لهم من الخير، ويختصوها بما أُتيح لها من النعمة، وإنما الذي يلائم كرمها وكرامتها، وما تطمح إليه من المثل الأعلى: أن يكون حديثها ملائمًا لقديمها، وأن تكون مشرق النور لما حولها من الأقطار، وأن تكون البلد الذي تهوي إليه أفئدة الراغبين للعلم والراغبين فيه.
    وقد يظن المصريون أنهم يبلون في سبيل ذلك بلاءً حسنًا، فأحب أن أصارحهم بأنهم لم يفعلوا في سبيل ذلك شيئًا.
    إن الأقطار العربية تقرأ ما يُنشر في مصر من الصحف والكتب والمجلات، ولكن مصر لم تصنع إلى الآن شيئًا لتُيسِّر لهذه الأقطار قراءة كتبها وصحفها ومجلاتها. ولعل من هذه الأقطار ما يلقى كثيرًا من الجهد في الظفر بحاجته من هذه الكتب والصحف والمجلات، ولو قد يسرت مصر للأقطار العربية قراءة آثارها المطبوعة لما بلغت من خدمة الثقافة إلَّا أيسرها وأهونها، على أن ذلك يعود عليها بالمنفعة المادية والمعنوية جميعًا.
    نعم، إن مصر تيسر لبعض البلاد العربية استدعاء لبعض المعلمين، ولعلها تنفق في ذلك شيئًا من المال، ولعلها تجد في ذلك شيئًا من الجهد، ولكن هذا من أيسر الأمر أيضًا، وتبعات المركز الممتاز الذي أُتيح لها بين الأقطار العربية تفرض عليها أكثر من ذلك. ولست أذكر إلَّا أمرين اثنين: أحدهما قد أخذت مصر بأسبابه، ولكن في بطء وتردد؛ وهو فتح أبواب مدارسنا ومعاهدنا للطلاب الشرقيين والعناية بهم إذا وفدوا على بلادنا، لا بأن نُيسِّر لهم طلب العلم فحسب، بل بأن نيسر لهم حياتهم في مصر أيضًا. وإني لأوازن بين ما تصنعه البلاد الأوروبية لتحقيق العناية بالطلاب الأجانب وما نصنعه نحن، فأوازِنَ بين الوجود والعدم.
    ومع ذلك فأوروبا حين تُعنى بالطلاب الأجانب إنما تنشر الدعوة لنفسها، وتستقدم الأجانب لينفقوا فيها أموالهم، وليعودوا منها وقد تأثروا بها وأصبحوا لها رسلًا في بلادهم. فأمَّا نحن، فلسنا في حاجة إلى نشر الدعوة؛ لأننا لا نطمع في شيء، ولأن الدعوة المصرية تنشر نفسها في الأقطار العربية لما تقوم عليه من الحب والمودة والإخاء. وإنما يجب علينا أن نيسر لطلاب الأقطار العربية الدرس والإقامة في مصر، أداءً للحق، ونهوضًا بالواجب، ووفاءً للأصدقاء، وصرفًا لهؤلاء الأصدقاء عن الرحلة إلى أقطار الغرب إن وجدوا في هذه الرحلة مشقةً أو عناءً.
    والأمر الثاني دعوت إليه سرًّا منذ أكثر من عشرة أعوام حين تولى حضرة صاحب المقام الرفيع، علي ماهر باشا، وزارة المعارف للمرة الأولى؛ فقد شهدت مؤتمرًا للآثار عُقِد في سوريا ولبنان وفلسطين، فلمَّا عدتُ رفعت إلى الوزير تقريرًا خاصًّا طلبت فيه أن تُنشئ مصر مدارس مصرية للتعليم الابتدائي والثانوي في هذه الأقطار، وكان الذي أثار في نفسي هذا الاقتراح ما رأيته من السلطان العقلي للمدارس الأجنبية على هذه الأقطار، وكنت أرى أن العقل المصري أقرب إلى العقل السوري والفلسطيني، وأحرى أن يتصل به ويؤثر فيه تأثيرًا حسنًا من العقل الأمريكي أو الفرنسي.
    ولكن وزير المعارف حينئذ نبهني باسمًا إلى أن ذلك ليس ميسورًا، فقد تريده مصر ولكن السياسة الأجنبية ستأباه من غير شك. وكان هذا حقًّا حينئذ، فأمَّا الآن وقد عُقِد بيننا وبين أوروبا اتفاق مونترو، وقد ظفرت سوريا ولبنان ببعض الحرية، واستقلت العراق، فما أرى أن مصاعب سياسية تقوم دون هذا النوع من التعاون الثقافي بين الأقطار العربية التي تجمعها وحدة اللغة والدين والمثل الأعلى، والتي تشترك في منافع اقتصادية عظيمة الخطر.
    ما أظن أن السياسة الوطنية لهذه الأقطار تكره أن تنشأ فيها مدارس مصرية تحمل إلى أبنائها ثقافة عربية شرقية، ويحملها إليهم معلِّمون شرقيون مثلهم، وعرب مثلهم، يتحدثون إليهم بلغتهم، ويشاركونهم في الذوق والميل والشعور، وما أظن أن السياسة الأوروبية تمانع في ذلك، وقد تم الاتفاق بيننا وبين أوروبا على أن تستقر في بلادنا مدارس أوروبية، وتستمتع بكل ما يُمكِّنها من النهوض بمهمتها في حدود القوانين المصرية، وعلى أن يكون التبادل أساسًا لهذا الاتفاق.
    وواضح أننا لا نريد أن ننشئ مدارسنا المصرية في فرنسا أو إنجلترا أو إيطاليا، ولكن من حقِّنا أن ننشئ المدارس المصرية في البلاد العربية التي تتأثر بسلطان هذه البلاد ونفوذها تأثرًا قليلًا أو كثيرًا.
    ومن المحقق أننا إذا أنشأنا المدارس المصرية في الأقطار العربية؛ فسنُنْشئُها وسنُسيِّرُها على النحو الذي نُحب أن تنشأ عليه المدارس الأجنبية في بلادنا، وأن تَسيرَ عليه أيضًا، سنُنشئها على أنها معاهد للتعاون الثقافي بيننا وبين أهل هذه البلاد، لا يستأثر المصريون وحدهم بالعمل فيها، بل يستعينون بمن يقدرون على معونتهم من الوطنيين، ولا تُفرض فيها الجغرافيا المصرية والتاريخ المصري دون الجغرافيا الوطنية والتاريخ الوطني، وإنما تكون معاهد ينشأ فيها الوطنيون لأوطانهم لا لمصر. وحسب مصر أنها تُعين على ذلك، وتُشارك فيه، وتؤدي ما عليها من الحق لجيرانها وشركائها في اللغة والدين والاقتصاد، وحسبها أن تظفر منهم بالحب والمودة والإخاء.
    وقد يُقال إن أعباء الدولة المصرية أثقل من أن تسمح لها بمثل هذا التوسع في إذاعة الثقافة خارج حدودها، على حين أنها في أشد الحاجة إلى إذاعة الثقافة داخل هذه الحدود. وقد يكون هذا حقًّا من بعض الوجوه، ولكن من الحق أيضًا أن لحياتنا المستقلة تبعاتها، وأن التقصير في النهوض بهذه التبعات لا يلائم ما نزعمه لأنفسنا من الكرامة والزعامة.
    ومما لا شك فيه أن هذه المدارس إن أنشأناها ستكون أنفع لمصر وللبلاد التي تنشأ فيها من كثير من القنصليات والمفوضيات التي نبثها في أقطار الأرض ولا نكاد نجني منها، ولا تكاد البلاد التي نبثها فيها تجني منها نفعًا.
    ومما لا شك فيه أيضًا أن العبء المالي الذي يتبعه إنشاء هذه المدارس لا ينبغي أن يقع كله على الدولة، وإنما ينبغي أن يشارك فيه القادرون على هذه المشاركة من المصريين أولًا، ومن الوطنيين ثانيًا، وحسب الدولة أن تعينها معونة قيمة بالمال والرجال.
    على هذا النحو تحمل مصر تبعاتها، وتنهض بواجباتها الثقافية، وتلائم بين حديثها وقديمها؛ فقد كانت مصر فيما مضى من العصور الإسلامية مصدر الثقافة والعلم للأقطار العربية في الشرق الأوسط، لم تقصِّر في ذلك إلَّا حين اضطرها السلطان العثماني إلى التقصير فيه. فأمَّا الآن وقد استردت استقلالها، فيجب أن تسترد مكانتها الثقافية في الشرق القريب. وهناك بلاد عربية لم يُنشئ فيها الأجانب، ولا يستطيعون أن ينشئوا فيها المدارس والمعاهد، ولا يجد أهلها فضلًا من المال ينفقونه في تنمية الثقافة كما ينبغي؛ فالحق على مصر أن تسرع إلى معونة هذه البلاد، وألَّا تدخر جهدًا إلَّا بذلته في هذه السبيل.
    وهذه البلاد هي الحجاز وبلاد الدولة العربية السعودية بوجه عام. وما أشك في أن المصريين يرضون كل الرضى عن إنشاء مدرستين على أقل تقدير؛ إحداهما: في مكة، والأخرى: في المدينة، بل ما أشك في أنهم يتجاوزون الرضى إلى البذل والإنفاق، وقد علمت أن أهل الحجاز أنفسهم يتمنون ذلك ويُلحُّون فيه.
    وليس هذا كله ما ينبغي أن تنهض به مصر لنشر الثقافة في الأقطار العربية، بل هناك شيء آخر قد عم الشعور به، واشتدت الحاجة إليه حتى أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد له؛ وهو التعاون على تنظيم الثقافة، وتوحيد برامجها بالقياس إلى الأقطار العربية كافة. يدعو إلى ذلك حاجة هذه البلاد إلى توحيد الجهود ما دام مثلها الثقافي الأعلى واحدًا، ويدعو إلى ذلك أن التعليم العالي في مصر قد بلغ من الرقي درجة تدعو إليه طلاب العلم في الأقطار العربية.
    وللتعليم العالي في مصر نظم دقيقة شاقة قد تحول بين هؤلاء الطلاب وبين الانتفاع به والظفر بإجازاته ودرجاته، فلا بدَّ من أن يُهيَّأ هؤلاء الطلاب لهذا التعليم تهيئة حسنة تلائم تهيئة المصريين له. وقد اجتمع فريق من قادة الرأي الشرقي العربي منذ أكثر من عام في لجنة التأليف والترجمة والنشر، وتشاوروا في ذلك كما تشاوروا في غيره من ألوان التعاون الثقافي، ورسموا لذلك خطة، وشرعوا له نظامًا، ثم أخذت وزارة المعارف تفكر فيه وتستعد للدعوة إلى مؤتمر انعقاد عربي شرقي. والذي أرجوه أن يكون هذا المؤتمر دوريًّا، وأن يكون هذا المؤتمر متنقلًا في الأقطار العربية على نحو ما يسير عليه المؤتمر الطبي الذي أُنشئ منذ حين.
    وقد شَهِدتُ في العام الماضي — ممثلًا لوزارة المعارف — مؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكري، فتحدثت فيه إلى المؤتمرين بأن مصر تستطيع أن تكون مركزًا من أهم المراكز لهذا التعاون الفكري إذا نهضت بتبعاتها الثقافية نحو الأقطار العربية؛ ذلك لأنها بحكم مركزها الجغرافي، وبحكم نهضتها الحديثة، أصدق صورة لما تطمح إليه عصبة الأمم من هذا التعاون الفكري الخالص الذي يقارب بين الأمم، ويلغي ما بينها من الفروق، ويرتفع بحياتها العقلية عن ألوان الخصومة وضروب النزاع؛ فالجامعة المصرية مثلًا بيئة تلتقي فيها الثقافات الإنسانية كلها تقريبًا، يحملها إليها أساتذة ممتازون من المصريين ومن الأوروبيين على اختلاف أوطانهم ومذاهبهم في السياسة والدين والاقتصاد.
    وهذه الثقافات كلها تلتقي وتمتزج وتصهر في العقل المصري الذي يسيغها ويتمثلها ويطبعها بعد ذلك شيئًا ما بطابعه المصري الخاص، وهو قادر بعد هذا على أن يذيعها في بلاد الشرق شرقية وغربية أوروبية بريئة مما يفسد الثقافة عادةً من التعصب والهوى.
    وقد وقع هذا الحديث من المؤتمرين موقعًا حسنًا. فهل يقع هذا الحديث من المصريين أنفسهم موقعًا حسنًا؟ وهل يشعر المصريون بأن فرصة ذهبية — كما يُقال — تتاح لهم الآن؟ فلكل شر أثرٌ حسن. والشر أن حاجتنا إلى الأوروبيين لا تزال شديدة في التعليم، والأثر الحسن لهذا الشر أننا نستطيع أن نكون رسل العلم والثقافة والأمن والسلم والتوفيق بين الشرق والغرب جميعًا.
    فإذا أرادت مصر أن تنتهز هذه الفرصة؛ فذلك يسير عليها، لا يحتاج إلَّا إلى أن تعنى بتقوية الصلة بينها وبين لجنة التعاون الفكري في جنيف، ومعهد التعاون الفكري في باريس من جهة، وبينها وبين البيئات والمعاهد العلمية في الشرق العربي، بل في الشرق الإسلامي من جهة أخرى.

    مصير الشرق العربي
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٦ سبتمبر ١٩٤٥

    ليس للناس حديث في هذه الأيام إلا هذا المجلس الذي يجتمع في لندرة، مؤلفًا من وزراء الخارجية للدول الخمس الكبرى؛ فأحاديث هذا المجلس هي التي تُغذِّي أنباء البرق، وإذاعة الراديو، ومقالات الصحف.
    وهذه الأحاديث منوَّعة بالطبع، لا تختلف باختلاف الموضوعات التي يمكن أن يدرسها هذا المجلس فحسب، بل تختلف كذلك باختلاف النظرات التي تنظرها الأمم المختلفة إلى كل موضوع من هذه الموضوعات أيضًا.
    ويكفي أن نتَّخِذ لذلك مثلًا واحدًا؛ فهذا المجلس يدرس فيما يدرس معاهدةَ الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وواضح جدًّا أن نظر الدول الكبرى إلى هذه المعاهدة يتفق من جهة، ويختلف اختلافًا شديدًا من جهة أخرى. يتفق في أن إيطاليا دولة مغلوبة يجب أن يُفرَض عليها صلح يُصوِّر اندحارها وانتصار الحلفاء، ويتفق كذلك في أن إيطاليا قد سبقت إلى الاستسلام، فيسرت للحلفاء بعض شئون الحرب، وأعانتهم على الفوز شيئًا ما، فيجب أن تُؤخَذ ببعض الرفق. ثم يختلف بعد ذلك اختلافًا شديدًا، مصدره اختلاف المصالح التي يحرص الحلفاء على تحقيقها في أوروبا، وفي البحر الأبيض المتوسط، وفي شرق هذا البحر وغربه على السواء …
    فالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا لا تملك أرضًا في أوروبا، ولا في أفريقيا، ولا في آسيا، مما يوازي البحر الأبيض المتوسط، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تحقق مصلحة استعمارية بالمعنى الدقيق، وإنما يعنيها أن يستقر في هذه الأقطار سلام عادل، مشبع بالديموقراطية على المعنى الأمريكي، لا بالاشتراكية البريطانية ولا بالشيوعية الروسية، سلام من شأنه أن تسترد إيطاليا شيئًا من قوتها في وقت قريب لتكون مصدرًا من مصادر التوازن في هذه المنطقة، سلام من شأنه كذلك أن يُعِينَ على انتشار الرخاء، ورواج التجارة، واستئناف الأخذ والعطاء بين العالم الجديد وهذا الجزء من العالم القديم.
    وليس لروسيا ممتلكات في هذه الأقطار، ولكن لها حلفاء وأنصارًا يعنيها أن ينتفعوا من معاهدة الصلح مع إيطاليا، فلا بد من أن تظفر يوجسلافيا المظلومة بشيء من الإنصاف على حساب إيطاليا الظالمة، وقد يكون لروسيا آمال اقتصادية في هذه المنطقة من الأرض، ولكن لها قبل كل شيء آمالًا سياسية تتصل بأحلامها القديمة في امتداد نفوذها إلى البحر المتوسط.
    وإلى هنا يمكن أن تكون الولايات المتحدة وروسيا عنصرين من عناصر الاعتدال، وتحقيق التوازن في الصلح الذي سيُفرَض على إيطاليا. وقد كدت أنسى الصين؛ لأن وجودها في هذا المجلس بالقياس إلى هذه المعاهدة الإيطالية يوشك أن يكون نظريًّا. ولا كذلك الأمر فيما يمس بريطانيا العظمى وفرنسا؛ فلكل واحدة منها مصالح خطيرة في هذا الجزء من العالم، ففرنسا جارة إيطاليا في أوروبا، وهي جارة إيطاليا في أفريقيا، وهي شريكة إيطاليا في البحر الأبيض، وهي بعد هذا كله موتورة لم تَنْسَ بَعْدُ غَدْرَ موسوليني لها في يونيو سنة ١٩٤٠. ومصالح بريطانيا العظمى ومطامعها في غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، وأوضح من أن تحتاج إلى بيان.
    وكذلك تنظر كل دولة من هذه الدول الخمس إلى الصلح مع إيطاليا نظرتين، إحداهما مشتركة مع زميلاتها، والأخرى خاصة بها وبما تحرص على تحقيقه من المصالح والأطماع.
    ثم إن الأمر ليس مقصورًا على هذه الدول الخمس الكبرى، فهناك دول أخرى لها مصالح ومطامع وآمال، وهي تنظر إلى المعاهدة الإيطالية بمقتضى هذه المصالح والمطامع والآمال؛ فاليونان موتورة من إيطاليا، وهي تطالب بجزر الدوديكانيز، وتركيا تنظر إلى هذه الجزر نظرة فيها كثير من الأمل الذي يريد أن يظهر ولكنه يستحي؛ لأن تركيا لم تشترك في الحرب إلا بعد انتهائها، ويوجسلافيا موتورة، وهي تطالب بجزء من الأرض طال الاختلاف عليه بينها وبين إيطاليا، حتى النمسا لها مطامعها في التيرول، فإذا تركنا هذه الأمم كلها، ونظرنا إلى الأمم العربية … فسنرى مصر موتورة من إيطاليا التي أخذت بعض أرضها في القرن الماضي، ونغصت على الحزب الوطني حياته، ولم يَنْسَ أحد قصة الملحقات.
    وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت عليها في هذا القرن، وعدلت حدود ليبيا على حساب مصر بمعونة البريطانيين، فأخذت جغبوب، وما يتصل بها في تلك المعاهدة التي أمضاها دولة صدقي باشا، والتي دفعت مصر ودفع البريطانيون ثَمَنَها غاليًا في هذه الحرب. وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت على أرضها في هذه الحرب الأخيرة، فوصلت مع حلفائها الألمان إلى العلمين، وضربت مع حلفائها الألمان مدن مصر ومَرَافقها.
    ومن شأن هذا كله أن يدفع مصر إلى العناية بمعاهدة الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وإلى المطالبة بأن تُرَدَّ إليها الأرض التي اقتطعتها إيطاليا منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وأن تطالب بتأمين حدودها بحيث لا تتعرض للعدوان الإيطالي مرة أخرى، وأن تطالب بعد هذا كله بشيء من السعة في حريتها العملية في هذا الجزء المجاور لها من شمال أفريقيا، وبحقها في التعويضات التي ستُفرَض على الإيطاليين.
    ومصر حين تطالب بهذا كله لا تتجنى ولا تتكلف؛ فهي لم تَدْعُ الإيطاليين إلى أن يقتطعوا بعض أملاكها في شرق أفريقيا، ولا إلى أن يقتطعوا جغبوب، ولا إلى أن يُغِيروا على أرضها، ويضربوا مدنها ومرافقها. ومن أبسط حقوقها أن تطالب بردِّ ما أُخِذَ منها، وأن تحتاط لمستقبلها، وتكفل لنفسها أمنًا معقولًا.
    والظريف في هذه القصة أن البريطانيين هم الذين كانوا يحرصون على إرضاء إيطاليا، وهم الذين أرضوا إيطاليا على حساب مصر في القرن الماضي وفي هذا القرن، وهم الذين لقوا من إيطاليا جزاء سنمار! فمن الطبيعي أن يبذلوا الآن كل ما يملكون من جهد؛ ليردوا إلى صديقتهم وحليفتهم مصر ما أخذوا منها وأعطوه إلى عدوتهم إيطاليا، وقد وعد البريطانيون مصر أثناء وزارة الوفد الأخيرة بأن يبذلوا ما يملكون من جهد لتشترك مصر في مؤتمر الصلح، عندما تُدرَس المسائل التي تعنيها، ووعدوها كذلك بأن بريطانيا لن تدخل في مفاوضات تمس مصالح مصر إلا شاورت مصر في شأن هذه المفاوضات.
    ولسنا ندري أحقق البريطانيون هذا الوعد الذي أعطوه على أنفسهم أم لم يحققوه، ولسنا ندري إلى أي حد مضوا أو يريدون أن يمضوا في الوفاء بهذا الوعد. فحكومتنا لم تحدثنا بشيء من ذلك، ولكننا نعلم أن الحكومة المصرية نفسها قد أرسلت مذكرة إلى المجلس المعقود الآن في لندرة، عرضت فيها ما ترى أنه يصور رأي مصر في معاهدة الصلح مع إيطاليا، ولسنا ندري أكانت هذه المذكرة موضوع تشاور بين مصر وحليفتها، أم أرسلتها مصر من تلقاء نفسها دون أن يسبق الاتفاق عليها مع أصدقائنا البريطانيين.
    والشيء الذي لا شك فيه هو أن المذكرة المصرية قد تكون محررة تحريرًا دبلوماسيًّا يجمع بين الدقة والاعتدال، ولكنها على كل حال فاترة لا تصور الاقتناع بالحق، ولا الحرص على بلوغه، ولا الإلحاح في الوصول إليه، ولعلها أن تمتاز بشيء من الغموض الخطير، فقد يكون من الحق والعدل أن تستفتي ليبيا، ولكن من الحق والعدل قبل كل استفتاء أن ترد إلى مصر الأرض التي أُخِذَتْ منها بمقتضى معاهدة صدقي باشا، ثم تستفتي ليبيا بعد ذلك.
    وقد يكون من الحقائق الواقعة أن مصر وبريطانيا العظمى تشتركان الآن في إدارة السودان، كما تقول المذكرة، ولكن من الحقائق المصرية المقررة التي لا ينبغي أن تشك فيها حكومة مصرية أو تعرضها للشك، أن السودان وما أُخِذَ منه وما يمكن أن يُرَدَّ إليه جُزْءٌ من الوطن تشمله سيادة واحدة لا ينبغي أن تتجزأ؛ وهي سيادة الشعب الذي يسكن وادي النيل، فكان ينبغي أن تطلب الحكومة المصرية أولًا أن يُرَدَّ إلى مصر ما أُخِذَ منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وثانيًا أن تُتَّخَذ الإجراءات لتأمين حدود مصر في شمال أفريقيا وشرقها، وثالثًا أن يكفل لمصر حقها في التعويضات، ثم تظهر مصر بعد ذلك رأيها في مستقبل ليبيا الذي يقوم على الاستفتاء. وإن كنت أنا أشك في قيمة الاستفتاء الذي سيجريه البريطانيون المستقرون الآن في هذا الجزء من أفريقيا الشمالية، ولا سيِّما إذا لُوحِظَتْ طبيعة الأرض الليبية، وتفرق الشعب الذي يسكنها، فقد يمكن الاستفتاء في المدن، ولكن الاستفتاء في الصحراء شيء مشكوك فيه.
    فهذه صورة من نظرة الأمم العربية إلى المعاهدة التي تُهيَّأ الآن في لندرة لِتُفْرَض على الإيطاليين، ولكن هناك شيئًا آخر نوشك نحن في الشرق العربي أن نغفل عنه، أو أن نهمله، وهو هذه المفاوضات التي تدور على هامش المجلس، جهرة مرة وعلانية مرة أخرى، والتي تمس مصالح الشرق العربي من قريب جدًّا؛ فوزير الخارجية الفرنسي لا ينفق وقته كله في لندرة دارسًا لمعاهدة الصلح مع إيطاليا، ولكنه يدرس أشياء أخرى، ويفاوض فيها بالفعل رأي زميله البريطاني، ويستطلع فيها بالفعل رأي زملائه الآخرين. فهو يدرس مشكلة غرب ألمانيا، وهو يدرس مشكلة الشرق الأدنى، وهو يدرس مشكلة الشرق الأقصى، وهو يهيئ للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على هذه المشكلات، وهو يهيئ لعقد التحالف البريطاني الفرنسي الذي تأخر عقده أكثر مما ينبغي.
    وليس البريطانيون أقل من الفرنسيين رغبة في تحقيق هذا الاتفاق والانتهاء إلى هذا التحالف، والأمريكيون يتمنون أن ينجح هذا السعي؛ لأنه سيحمي غرب أوروبا من الشيوعية، وسيكفل لرأس المال نفوذًا كافيًا في الشرق الأدنى، والشرق الأقصى على السواء.
    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق من غير شك — فمصير الشرق الأدنى يُدرَس الآن في لندرة، ويُراد أن يُقضَى فيه، والشرق الأدنى ساهٍ لاهٍ مشغول بصغائر الأمور، وقد بيَّن الجنرال دي جول في حديثه مع «التيمس» في أول هذا الأسبوع وجهة النظر الفرنسية، ورحَّبَ البريطانيون الرسميون وغير الرسميين بوجهة النظر هذه ترحيبًا حارًّا كما يُقال.
    ووجهة النظر هذه بسيطة جدًّا؛ وهي التعاون الدقيق الصريح الخالص من كل شائبة بين البريطانيين والفرنسيين في كل ما يمس الشرق الأدنى، ومعنى هذا في اللغة الفرنسية أن يُحتفَظ لفرنسا بنفوذها كاملًا في مناطق نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، وأن يُحتفَظ بمثل ذلك لبريطانيا العظمى، وأن يتعاون أولئك وهؤلاء على الاحتفاظ بهذا النفوذ.
    وكذلك يستأثر الفرنسيون والبريطانيون بالنفوذ السياسي والثقافي في الشرق الأدنى، ويجوز أن يسمحوا لغيرهم بشيء من النفوذ الاقتصادي، أو التوسع الثقافي البسيط.
    وأغرب ما في الأمر أن هناك جامعة عربية قد أُنْشِئَتْ في هذا العام، وكان الإنجليز يرحبون بإنشائها، وكانت هي حريصة على تحقيق الاستقلال التام لأعضائها، ولكن الإنجليز يتناسون الآن قليلًا قليلًا لترضى فرنسا، أمَّا الفرنسيون فيذكرونها بأطراف ألسنتهم، ويرفعون الأكتاف، ويهزون الرءوس، وأما هي فتنظر إلى نفسها في المرآة، وترضى عن وجودها، وعن أهدافها، ولكنها ترجئ بلوغ هذه الأهداف إلى أن يشاء الله.
    وأشد ما في الأمر خطورة أن الدول الكبرى لا تكتفي بالنظر في المرآة، ولا ترجئ بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال، وإنما تنتهز الفرص وتحسن انتهازها.
    ويُخيَّل إليَّ أن الجامعة العربية تُحْسِن إلى نفسها وإلى أعضائها إذا أَلْقَتْ بينها وبين المرآة حجابًا صفيقًا، ونظرت إلى الحوادث من حولها بدل أن تنظر إلى نفسها، هنالك سترى أن الكيد يُكاد من حولها، وأنها توشك أن تتورط فيما يُنْصَب لها من شراك، وأن النتائج الطبيعية التي ستنتج عن إطالة النظر في المرآة، وعن كثرة التحدث عن النفس، والإعلان لما لا خير فيه، هي أن تستحكم حلقات النفوذ الأجنبي حول الشرق العربي، قد يجد منها مخلصًا، وأن تذهب قضية فلسطين ضحية للنظر في المرآة، والتحدث عن النفس، والاكتفاء بما يُنشَر هنا وهناك من كلام لا غناء فيه.
    إني لا أتمنى شيئًا كما أتمنى أن يكذب الذين كانوا يقولون إن الجامعة العربية لم تكن إلا خدعة بريطانية أُثِيرَ أمرها أثناء الحرب، فلما جاء السلم أُهْمِلَ أمرها إهمالًا.
    أتمنى أن يُكذَّب الذين يقولون هذا القول، وتكذيبهم سهل؛ لأنه في يد الجامعة العربية نفسها ألَّا تمعن النظر في المرآة، وأن تتجه إلى الشعوب العربية أكثر مما تتجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية.

    مشكلة الشرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ أكتوبر ١٩٤٥

    ليست المشكلة الخطيرة مقصورة على أوروبا، فللشرق مشكلاته أيضًا، وليست مشكلات الشرق بأهون شأنًا، ولا أقل خطرًا على التعاون الدولي من مشكلات الغرب. وليس من شك في أن للحياة الأوروبية الجديدة المعقدة أشد التعقيد، خطرها وأثرها البالغ في مستقبل التوازن الدولي، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الحياة الشرقية الجديدة معقدة شديدة التعقيد، وفي أنها مصدر لمصاعب ستؤرق ساسة الغرب، وستكلفهم ألوانًا من العناء؛ ذلك لأن حياة العالم، كما قلنا غير مرة، لم تقم قط، ولا يمكن أن تقوم على العزلة والانفصال، وإنما هي تقوم على ارتباط المنافع، وتبادل المصالح، واشتباك الاتجاهات، مهما تختلف ومهما تتباين. وإذا أحس العالم شيئًا من الضعف أو الاضطراب، أو فساد الأمر في أي ناحية من نواحيه؛ فسيكون لهذا كله أثره القوي أو الضعيف في حياة العالم كلها. والمسألة المهمة الخطيرة الآن هي أن الصلة بين الشرق والغرب كانت تقوم في العصر الحديث على أن الشرق كان ضعيفًا خاملًا، وعلى أن الغرب كان قويًّا ذكيًّا، واسع الحيلة، بارعًا في الاستغلال، قادرًا على تحقيق ما يريد. ولكن الأمور أخذت تتغير شيئًا فشيئًا منذ القرن الماضي، وأخذ هذا التغير يزداد قوة وسرعة منذ الحرب العالمية الأولى، ثم وصل الآن من القوة والسرعة إلى حدٍّ لا سبيل إلى إهماله أو الإغضاء عنه، ولا بدَّ من أن يحسب له الحساب كل الحساب. فقد كانت شئون الدولة العثمانية ذات الأطراف المترامية في القارات الثلاث القديمة، هي التي تشغل أوروبا في القرن الماضي، فكان هذا الشرق وحدة يمثلها الباب العالي، وكانت أوروبا تتفق وتفترق حول مطامعها ومنافعها، والسياسة التي تدر هذه المنافع، وتحقق تلك المطامع بالقياس إلى الرجل المريض كما كانوا يسمون الدولة العثمانية في ذلك الوقت.
    أمَّا بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، فلم تبقَ هناك وحدة مريضة يمكن أن تختلف حولها المنافع والمطامع. وإنما نشأت وحدات كثيرة ناهضة تسعى متثاقلة إلى كسب حقوقها، والظفر باستقلالها. وكانت الدولة التركية نفسها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أهم هذه الوحدات وأعظمها خطرًا، فقد أخلفت ظن أوروبا، وأثبتت للغرب أنها تستطيع أن تفقد إمبراطوريتها، وأن تحيا مع ذلك حياة قوية خصبة يرهب جانبها، ويحسب لها في السياسة الدولية حسابها.
    فهي قد ألقت عن نفسها أثقال المرض، وتخلصت من أعباء الخمول، ونهضت بعد الهزيمة نشيطة أبية، فردت المغير عن أرضها، ورفضت معاهدة سيفر، واضطرت الغرب إلى أن يعقد معها معاهدة لوزان. ثم لم تلبث أن بيَّنت للغرب أنها بعد أن عادت إلى حدودها، وعكفت على نفسها، وأصلحت من أمرها، ما زالت قوة عاملة في التوازن الدولي، وإذا أوروبا تفاوضها في أمر المضايق، ثم تتنافس في محالفتها حين تظهر بوادر الحرب العالمية الثانية. وإذا تركيا تقوم بين ألمانيا وأعدائها ذلك المقام المعروف الذي امتاز بالقوة والحزم، كما امتاز بالبراعة والدهاء. وكان الغرب يقدر في أكبر الظن أن الإمبراطورية التي تخلت عنها تركيا ستصبح نهبًا مقسمًا بين المنتصرين، ولكن الحوادث كذبت الآمال وأخلفت الظنون، وأظهرت أن هذه الإمبراطورية لا تريد أن تُنهب، ولا أن تُقسَّم، وإنما تريد أن تسترد حقوقها المضيعة واستقلالها المغصوب. والناس جميعًا يعرفون كيف ثارت مصر حتى ظفرت ببعض حقها، وما زالت تطالب بما بقي من هذا الحق، وكيف سلكت سوريا ولبنان والعراق نفس الطريق، وكيف تطورت جزيرة العرب حتى انتهت إلى استقلالها الرائع الذي تتمتع به الآن.
    ثم كانت الحرب العالمية الثانية، فاضطرت أوروبا في أثناء هذه الحرب إلى أن تنظر إلى هذا الشرق نظرة جديدة تخالف نظرها إليه فيما مضى، نظرة قوامها التحبب والتقرب والاسترضاء، والإسراف في بذل الوعود. وربما كان من الحق أن أوروبا لم تحسن قط درس نفسية الشعوب الشرقية وتمعن حقائقها، فقد ظنَّت أوروبا في جميع صلاتها بالشرق أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتخلف غدًا، وأن تسجِّل الآن لتنسى بعد حين، وقدَّرت أن الشرق يمكن أن يسمع ثم ينسى ما سمع، وأن يتلقى الوعود، ثم يتجافى عن تحقيق هذه الوعود. ومع أن ثورة الشرق العربي بين الحربين قد كانت خليقة أن تقنع أوروبا بأن الشرق يجدُّ حين يهزل الغرب، وبأنه لا يتلقَّى الوعود إلا منتظرًا لتحقيقها، مصممًا على هذا التحقيق، فإن أوروبا ما زالت إلى الآن ماضية في سياسة الوعود التي تُبذل الآن لتنسى غدًا، وفي سياسة الاعتماد على النسيان، والاشتغال بما يطرأ من الحوادث والخطوب. وهي من أجل ذلك قد همت أن تهمل في أعقاب هذه الحرب ما وعدت به حين كانت نار الحرب مضطرمة تملأ الأرض شررًا ولهيبًا، فنبهها الشرق العربي إلى أن عهد هذا الإهمال قد مضى وانقضى، وإلى أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم منذ الآن على الجِدِّ الذي لا لعب فيه. وكانت مشكلة سوريا ولبنان دليلًا واضحًا على أن الشرق العربي قد أخذ أمره بالحزم، وصمم على ألا يكون استقلاله كلامًا، وعلى ألا تكون حقوقه موضوعًا للمداورة والمناورة.
    وكذلك وضعت المشكلات الشرقية في وضعها الصحيح الدقيق، سواء أرضيت بذلك أوروبا أم لم ترضَ، وسواء أصدقت ذلك أوروبا أم لم تصدقه.
    وكان الأوروبيون ينظرون إلى جامعة الأمم العربية نظرة فيها كثير من العطف والاستعلاء، وفيها كثير من الاستهانة والاستخفاف. ولكن الحوادث أظهرت لأصحاب البصيرة من الأوروبيين أن الشعوب العربية لا تعبث ولا تلهو، ولا تتخذ الجامعة مرآة تكتفي بالنظر فيها، وإنما تتخذها أداة لبلوغ الأهداف وكسب الحقوق. وقد يكون من الحق أن الحكومات العربية لم تبلغ من تقديرها للجامعة ما بلغته الشعوب، ولكن الحكومات تتغير، والشعوب تبقى، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعوب العربية على اختلافها، وتباين طبقاتها مؤمنة إيمانًا عميقًا بحقها في الاستقلال أولًا، وبواجبها في التعاون ثانيًا، وبأنها لن تطمئن؛ حتى تحمل أوروبا بالرضا أو بالكره على أن تعترف لها بحقها في الكرامة والحرية والاستقلال.
    وما أشك في أن أوروبا ستخادع نفسها وقتًا طويلًا أو قصيرًا، وستخادع الأمم الشرقية وقتًا طويلًا أو قصيرًا أيضًا، ولكني لا أشك في أن أوروبا ستنتهي راضية أو كارهة إلى مواجهة الحقائق الواقعة، والاقتناع بأن الخداع لن يغني عن الحق شيئًا.
    وليس من شك في أن لأوروبا آمالًا ومطامع ومنافع في الشرق العربي؛ فالشرق طريقها إلى إمبراطورياتها المختلفة، وفي الشرق كنوز تعرفها أوروبا حق المعرفة، ولا تستطيع أن تستغني عنها. وقد كان لأوروبا سلطان على الشرق، لا تستطيع أن تدعه في سهولة ويسر. ولكن أوروبا ستعلم حق العلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن بلوغ الآمال، وتحقيق المنافع، والوصول إلى إمبراطورياتها، كل ذلك يمكن أن ينال من طريق المودة والألفة والتعاون، وكل ذلك يتعرض للخطر كل الخطر إذا أريد تحقيقه من طريق البأس والبطش والتغلب. وستعلم — إن لم تكن قد علمت بالفعل — أن هناك أشياء يفقدها الناس، ويجب أن يتعزَّوا عن فقدها؛ لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، وأن السلطان بعض هذه الأشياء. وقد تسلطت أوروبا على الشرق حينًا، ثم آن لسلطانها أن يزول، وقد أخذ يزول بالفعل شيئًا فشيئًا، ولا بد من أن ينتهي إلى الزوال التام، فخير لأوروبا أن تستقبل العالم الجديد بعقول جديدة وقلوب جديدة، وأن تقيم الصلة بينها وبين الشرق على التعاون الصادق الذي يقوم على النصح والإخلاص، لا على الخداع والرياء.
    هذا التعاون هو الذي يؤمن طرق المواصلات، وهو الذي يمكن من استخراج الكنوز، واستغلالها لمصلحة الشرق والغرب جميعًا، وهو الذي يكفل للعلاقات الاقتصادية والثقافية نموًّا مضطردًا، وتنتهي بها إلى هذه الغاية التي تطلبها الحضارة منذ زمن بعيد، وهي غاية التكافؤ في الحقوق والواجبات، والعمل على تحقيق الرقي الإنساني المستمر.
    وليست مشكلات الشرق مقصورة على دولة بعينها من الدول الكبرى، ولكنها شائعة بين الدول الكبرى جميعًا، وبين دول الشرق جميعًا.
    فهناك مشكلات بين روسيا وتركيا، ومشكلات أخرى بين روسيا وإيران. ولبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية آراؤهما في هذه المشكلات، وليس المهم أن يتغلب رأي هذه الدولة أو تلك، وإنما المهم أن تحفظ لتركيا وإيران كرامتهما وحقوقهما بالقياس إلى هذه الدول جميعًا، ولمصلحة العالم كله كذلك.
    ومثل هذا يُقال في الصلات بين الأمم العربية وبين الدول الكبرى، فلبريطانيا العظمى موقفها من مصر والعراق: احتلال قديم هنا يجب أن ينتهي، وانتداب قديم هناك يجب أن تزول آثاره. ولفرنسا مشكلتها في سوريا ولبنان، ويجب أن تحل هذه المشكلة حلًّا نهائيًّا حاسمًا لا لعب فيه ولا مداورة.
    ولأمريكا آمالها ومنافعها الاقتصادية في كل هذه البلاد، فيجب أن يقوم تحقيق هذه الآمال والمنافع على المودة والاحترام، والاعتراف بتكافؤ الحقوق.
    ولروسيا نظراتها هذه التي تبلغ الشرق العربي من حين إلى حين، فيجب أن تكون هذه النظرات صافية نقية بريئة من الريب والشكوك. ويجب أن تفهم الدول الكبرى أنها تخطئ خطأ نفسيًّا خطيرًا إذا اعتقدت أنها تستطيع أن تمضي في تنافسها القديم حول بلاد الشرق، فقد انقضى عصر هذا التنافس القديم.
    وهناك مشكلتان خطيرتان إحداهما تشغل العالم كله الآن، والأخرى تشغله بين حين وحين، ولا بد لهما من حل حاسم يرد الأمر إلى نصابه بين الشرق والغرب. إحدى هاتين المشكلتين: مشكلة فلسطين، هذه التي توشك أن تشغل الرأي العالمي عن كل شيء. والغريب من أمر هذه المشكلة أنها مصطنعة قد اختُرعت اختراعًا، وابتكرها الغرب من لا شيء، وكانت نتيجة لهذا التورط في الوعود التي تُبذل بغير حساب أثناء الحرب! فقد عاش العالم قرونًا على أن فلسطين جزء طبيعي من العالم العربي، يعيش الناس فيه كما يعيشون في أقطار البلاد العربية عيشة عادية لا عوج فيها ولا التواء. ولكن الحرب العالمية الأولى اخترعت هذه المشكلة الجديدة اختراعًا، واستخرجت من وهم الشيطان هذه الفكرة التي أحدثت الفرقة، وأفسدت الأمر بين الشرق والغرب إفسادًا عظيمًا. ومن الحق أن الذين اخترعوا هذه المشكلة يجب عليهم أن يحلوها، وأن يريحوا العالم، ويريحوا أنفسهم منها، فقد كانت فلسطين وما زالت عربية، فيجب أن تبقى فلسطين عربية، وأن تخلص لنفسها، وأن تدبر أمرها كما تريد هي، لا كما يريد هذا البلد أو ذاك من بلاد أوروبا وأمريكا.
    على هذا النحو وحده يجب أن تُحل هذه المشكلة، بل يجب أن تلغى هذه المشكلة إلغاء؛ لأنها مشكلة غير طبيعية، مشكلة جاءت من التكلف والتحكم، لا من الحقائق الواقعة، ولا من طبيعة الأشياء.
    وفي الأرض مشكلة يهودية جاءت من ظلم بعض البلاد الأوروبية وتحكمها، فهي مشكلة أوروبية يجب أن تحلها أوروبا على حسابها هي، لا على حساب غيرها من الناس. ولأوروبا مستعمرات واسعة، وإمبراطوريات هائلة تسع الملايين والملايين من اليهود دون أن تجد في ذلك ضيقًا أو جهدًا، فلتعتمد أوروبا على هذه المستعمرات لحل هذه المشكلة، فهي التي ظلمت اليهود واضطرتهم إلى الهجرة، وهي التي امتحنت العالم بهذه المشكلة المعقدة التي اخترعتها اختراعًا.
    أمَّا المشكلة الثانية فمستقرة في شمال أفريقيا، فالشرق العربي لا ينتهي عند مصر، ولكنه ينتهي عند المحيط الأطلنطيقي. كذلك نظرت إليه أوروبا في القرون الوسطى، وكذلك نظرت إليه في العصر الحديث، وكذلك ننظر نحن إليه منذ استقر العرب في شمال أفريقيا في آخر القرن الأول للهجرة، وكذلك ننظر إليه الآن. وهذا الجزء من الشرق العربي يخضع الآن لما كنَّا نخضع له نحن من التسلط الأجنبي، وهو يستمتع بمثل ما نستمتع به نحن من الحياة والنشاط، والشعور بالحق في الكرامة والاستقلال. ونحن نشاركه في هذا الشعور، ونطلب له مثل ما نطلب لأنفسنا، ونرى أن حل مشكلات الشرق لن يتم إلا إذا حُلت مشكلة هذا الجزء من شمال أفريقيا. ونرى أن جامعة الأمم العربية لن تتم إلا إذا مُثل فيها هذا الجزء من شمال أفريقيا. فإذا نصحت أوروبا لنفسها وللشرق، فالخير أن تنظر إلى هذه المشكلات كلها كما ننظر نحن إليها، وأن تواجهها بمثل ما نواجهها به من الحزم، والرغبة الخالصة في حلها على هذا النحو الذي صورناه من التعاون والإخلاص. على أن أوروبا تستطيع أن تخدع نفسها، وأن تخدع غيرها، فستشقى هي أولًا بهذا الخداع، وقد يكون من الخير أن تسبق أوروبا الحوادث المكروهة المنكرة، وأن تتعجل إقرار الأمر بينها وبين الشرق على المودة والإخاء. فإذا قصرت أوروبا في ذلك، فمن الحق علينا نحن ألا نقصر فيه، وأن نذكر دائمًا أن مشكلاتنا مهما تختلف ومهما تتباين، فهي في حقيقة الأمر مشكلة واحدة، ولن تستقيم أمور العالم الجديد إلا إذا أُتيح لشاطئ البحر الأبيض المتوسط هذا الاستقلال الذي يستمتع به الشاطئ الأوروبي وحده، ويجب أن يستمتع به الشاطئ الأفريقي والآسيوي.
    وبدون هذه المساواة لن يستقيم الأمر بين الشرق والغرب، ولا سيما بعد أن تبين أن عهد التسلط والتغلب قد انقضى بالقياس إلى هذه الأقطار العربية منذ عهد بعيد.

    الشعوب الطامحة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ أكتوبر ١٩٤٥

    ولكن طموح الشعب شيء، وبلوغها ما تطمح إليه شيء آخر، وبين هذين الشيئين عبث ولهو في بعض المواطن، ومكر وكيد في بعض المواطن الأخرى، وحزن وأسًى أحيانًا، وعرق ودماء ودموع — كما قال المستر تشرشل منذ سنين — أحيانًا أخرى …
    الواقع أنك تنظر إلى الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فترى طموحًا في كل مكان، ولكنك ترى السعي إلى بلوغ الأهداف التي تطمح إليها الشعوب يختلف اختلافًا كثيرًا باختلاف الأمزجة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب. ففي أوروبا طموح شعبي إلى العدل الاجتماعي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الشعوب من حظٍّ في الرقي، وباختلاف أمزجتها واستعدادها للهدوء والحدة، وللخمود والنشاط. هذه الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية اشتراكية، وتلك الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية شيوعية، وشعوب أخرى تضطرب بين أولئك وهؤلاء.
    وفي أوروبا طموح سياسي أيضًا، فهناك شعوب تستمتع بالاستقلال والتسلط على أمم الأرض، وهناك شعوب تستمتع بالاستقلال البسيط الذي لا تسلط فيه، وهناك شعوب فقدت استقلالها بعد الهزيمة، وأخرى فقدت استقلالها بعد الانتصار، وكل هذه الشعوب طامحة إلى أكثر مما في أيديها. فالشعوب المتسلطة تريد أن توسِّع سلطانها، والشعوب المستقلة تريد أن تضيف التسلط إلى الاستقلال، والشعوب التي فقدت استقلالها تريد أن تسترده، والأمور تختلط بين هذا كله في أوروبا اختلاطًا شديدًا يملأ كثيرًا من النفوس رثاءً للإنسان الذي خَيَّل إليه الغرور أنه يقدر على كل شيء، ثم أظهرت له الحقائق الواقعة أنه لا يكاد يقدر على شيء! وإن فيما يحدث الآن في جنوب أوروبا عامةً — وفي بلاد اليونان خاصةً — لعبرة لمن يريد أن يعتبر، ولكنَّ الذين يحبون الاعتبار ويحرصون على الانتفاع بحوادث التاريخ قليلون. لقد اعتدى المحور على اليونان، وكانت بلاد اليونان في ذلك الوقت خاضعة لنوع من الدكتاتورية، يشرف عليه الجنرال متكساس، فلم تكد تعرض للعدوان حتى نسيت أحقادها وضغائنها، ووقفت موقفًا رائعًا أعجب به العالم الحديث، كما أعجب العالم القديم بمواقف أخرى رائعة للشعب اليوناني العظيم. وقد كاد هذا الشعب الصغير الكبير يقهر إيطاليا، لولا أن أسرع هتلر فأعان حليفه موسوليني. ثم امتحنت الأمة اليونانية في كل شيء، وفقدت كل شيء إلَّا الشرف والكرامة. ثم انتصر اليونان مع المنتصرين، ولكنهم لم يظفروا بعد باستقلالهم كاملًا، فما زال وطنهم محتلًّا، وما زال مستقبلهم موضوع الصراع بين شرق أوروبا وغربها. يريد فريق من اليونانيين ديمقراطية معتدلة، وتؤيدهم ديمقراطية الغرب، ويريد فريق آخر ديمقراطية متطرفة، وتؤيدهم شيوعية الشرق. ويختلط الأمر على الشعب اليوناني، فيعجز حتى عن أن ينشئ لنفسه حكومة مستقرة، تستفتي الشعب استفتاءً صحيحًا، وإذا الأمة اليونانية تعود إلى شيء يشبه الدكتاتورية. فهذا الوصي على العرش يجمع اليوم بين رياسة الدولة ورياسة الحكومة، فهو مسئول وهو غير مسئول، أمره في ذلك كأمر الجنرال ديجول في فرنسا، لولا أن شئون الحكم في فرنسا تسعى إلى طريقها الطبيعية سعيًا هادئًا مستقرًّا؛ لأن فرنسا تستمتع باستقلالها كاملًا، ولا تخضع لهذا الصراع بين ديمقراطية الشرق وديمقراطية الغرب، وإنما تخضع لتطورها الطبيعي.
    ولا يدري أحد أتنجح هذه التجربة الجديدة في اليونان أم تخفق؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك، هو أن الشعب اليوناني لو خُيِّر لاختار، ولكنه ليس حرًّا في هذا الاختيار، ولن يكون حرًّا إلَّا إذا جلا عنه المحتلون من الأجانب، وترك الشرق والغرب له تدبير أمره كما يريد. وليست الحال في بلغاريا ورومانيا بخير منها في بلاد اليونان، وإن كنا لا نعرف من أمر هذين القطرين شيئًا؛ لأن السلطان الروسي يفرض عليهما رقابة لا تطاق. فأمَّا بلاد المجر فقد أعلنت فيها حالة الطوارئ — بعد أن شملتها الفوضى — وكاد يشملها الخراب. وليست الأمور مستقرة في بولندا، وليس الأمن شائعًا في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإنما هو الاضطراب الشامل، والصراع الذي يختلف قوةً وضعفًا بين ما تريده الشعوب وما تريده حكومات المنتصرين. والذين يظنون أن الأمور في أفريقيا خير من الأمور في أوروبا، يخادعون أنفسهم خداعًا شديدًا، فيكفي أن تنظر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الأفريقي، لتعلم أن العرب في شمال أفريقيا ساخطون مضطربون، وأن أهل ليبيا خائفون مرتقبون، وأن أهل مصر مشفقون وجلون. فأمَّا فلسطين، فأنت تعلم ما يجري في فلسطين، وأمَّا سوريا ولبنان فأنت تعلم ما يجري في سوريا ولبنان. فإذا بلغت تركيا فهناك الخوف كل الخوف، والقلق كل القلق، وإبقاء الجيوش معبأة في بلد غير محارب، ولكنه يخاف المكروه. فأمَّا إيران فقد أمر إمبراطورها ألَّا يحتفل بعيد ميلاده، ما دام الوطن الإيراني خاضعًا للاحتلال الأجنبي. وخطوب الهند أظهر من أن تحتاج إلى بيان. وكذلك يضطرب العالم كله بهذا الصراع بين طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال وحرص حكومات ثلاث أو أربع على التسلط والقهر. وكل هذه الشعوب الطامحة — في كل هذه الأقطار من الأرض — تشقى بهذا الطموح، وتأسى لهذه الآمال التي لا تجد إلى تحقيقها سبيلًا. وكثير من هذه الشعوب يضحي بدمائه ومنافعه أثناء السلم، كما ضحَّى بها أثناء الحرب في سبيل هذه الآمال. ولا يكاد الرأي العالمي العام يشغل نفسه بثورة من الثورات في قطر من الأقطار حتى تعن له ثورة أخرى في قطر آخر تشغله، وتستغرق ما يملك من جهد وتفكير بحيث:
    تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
    ,ظسحشى.فقد شغل الرأي العالمي العام بمشكلة شرق أوروبا، ثم بمشكلة جنوب أوروبا، ثم بمشكلات العالم العربي، وأظهرها مشكلة فلسطين، ثم بالمشكلة التركية الروسية، ثم بمشكلة إيران. وبينما هو مشغول بهذه المشكلات كلها، جاءته مشكلات الشرق الأقصى، وهي مشكلات غريبة حقًّا، أو قل: إنها مشكلات طبيعية لا غرابة فيها؛ لأنها نشأت من هذا الينبوع الذي نشأت منه المشكلات كلها، وهو ينبوع الوعود التي تُبذل في كثير جدًّا من الكرم والسخاء، ثم لا يبر بها الذين بذلوها.
    وموقف حلفائنا البريطانيين بنوعٍ خاص من هذه الوعود، يدعو إلى الضحك والرثاء حقًّا، فهم قد وعدوا — كما وعد غيرهم من الحلفاء — ولكنهم بذلوا وعودًا متناقضة أشدَّ التناقض، قالوا للشعوب المستضعفة إنهم يعدونها بالحرية والاستقلال، وبما اشتمل عليه ميثاق الأطلنطي من سخاءٍ ورخاء، وقالوا في الوقت نفسه لبعض الشعوب الأوروبية المنهزمة إنهم يعدون بمعونتها حتى تسترد استقلالها كاملًا شاملًا، وسلطانها واسعًا موفورًا. فلما وضعت الحرب أوزارها، قالت الشعوب الضعيفة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا الاستقلال الذي وعدتم به، والحرية التي زينتموها في قلوبنا، وخيَّلتم إلينا أنها قريبة المنال. وقالت الشعوب المحررة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا ما وعدتم به من المعونة، على أن نسترد سلطاننا واسعًا موفورًا. وقال الشعب الإنجليزي للشعب الإنجليزي: يجب أن نحقق ما وعدنا به من العدل، وإلَّا ساء الظن بنا، واشتد الشك فينا، وفقدنا ثقة العالم، ويجب في الوقت نفسه أن نحتفظ بإمبراطوريتنا كاملة غير منقوصة، فليس من المعقول أن نعين الفرنسيين على استرداد الهند الصينية، والهولنديين على استرداد إندونيسيا، ونفقد نحن الهند أو غيرها من أجزاء الإمبراطورية.
    ونظر المستر إتلي، ونظر معه مجلس العموم، فإذا بريطانيا العظمى قد وعدت هولندا بمساعدتها على استرداد الإمبراطورية الهولندية، وضمنت لها سلامة هذه الإمبراطورية، ووعدت في الوقت نفسه بألا تعين على الاستعمار، وألَّا تؤيد الظلم والجور، وألَّا تمكن القوي من الاستبداد بالضعيف! وأهل إندونيسيا يطالبون بريطانيا العظمى بالوفاء، وحكومة هولندا تطالب بريطانيا العظمى بالوفاء. والمشكلة التي تواجه بريطانيا العظمى الآن، هي كيف تفي لأهل إندونيسيا والهند الصينية بما وعدت به العالم كله من حرية واستقلال، ولهولندا وفرنسا بما وعدت به من ردِّ أملاكهما إليهما سالمة؟ كيف تمنح الاستقلال لأهل هذه الأقطار في الشرق الأقصى، وترد هذه الأقطار إلى هولندا وفرنسا في وقت واحد؟!
    وهي مشكلة خطيرة كما ترى، وقد همَّ المستر أنتوني إيدن أن يجد منها مخرجًا لبقًا، فتساءل أمس في مجلس العموم: أليس الهولنديون هم الذين أعلنوا الحرب على اليابان؟ ومعنى هذا واضح، هو أن الهولنديين يجب أن يجنوا — وحدهم — ثمرة هذه الحرب التي أعلنوها. ولكن المستر إتلي رجل شديد الحياء والوفاء أيضًا، فهو يرد على وزير الخارجية السابق بأن الهولنديين إنما أعلنوا الحرب تضامنًا مع الحلفاء.
    ويزيد هذه المشكلة تعقيدًا أن البريطانيين قد اضطروا إلى أن يستعينوا باليابانيين المنهزمين على إقرار النظام في إندونيسيا، فهل رأيت منتصرًا يستعين بالمنهزم وغالبًا يعتزُّ بالمغلوب؟ ولكن الضرورات تبيح المحظورات، وقد صدق الشاعر القديم حين قال:
    إذا لم يكن إلَّا الأسنة مركبًافلا أرى للمضطر إلا ركوبها
    وإذن، فسيستعين البريطانيون بأعدائهم من اليابانيين على حفظ النظام في إندونيسيا؛ حتى تستطيع هولندا أن ترسل الجيوش الكافية لحفظ النظام في تلك الأقطار. ويومئذٍ يرد اليابانيون إلى بلادهم، ويعود البريطانيون إلى قواعدهم، ويخلى بين الهولنديين وما يملكون من قوة وبأس في البر والبحر والجو، وبين الإندونيسيين وما كتب عليهم من ضعف وبؤس وشقاء، وجهاد فيه ما وعد به المستر تشرشل من العرق والدماء والدموع!
    وهذه المأساة التي تمثل الآن في إندونيسيا تمثل في بلاد أخرى كثيرة من أقطار الأرض؛ وعودٌ تُبذل في أوقات الشدة، وإخلافٌ لهذه الوعود في أوقات الرخاء، وتعاون بين القوى المنتصرة على إخضاع المظلومين الذين لا يجدون سبيلًا إلى الانتصار. على هذه السُّنة جرت الأمور بين أوروبا القوية والشرق الضعيف، والله عز وجل لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أراد الشرق أن يكون كريمًا عزيزًا، مستمتعًا بحقِّه في الاستقلال، فليلتمس هذا كله عند نفسه لا عند أوروبا؛ فإن أوروبا لن تقدم إليه هذه الهدية، وإنما تؤثر بها نفسها. وما أكثر ما يطلب الشرقيون إلى الشرقيين المعونة والتأييد، وما أكثر ما يهدي الشرقيون إلى الشرقيين من معونة وتأييد، ولكنها معونة بالقلوب وتأييد بالألسنة، وهي أضعف المعونة وأضعف التأييد!
    وإذن، فليس أمام الأمم المستضعفة إلَّا شيئان ليس لهما ثالث: فأمَّا أولهما فالعمل الذي لا يعرف توانيًا ولا تواكلًا، وأمَّا ثانيهما فالأمل الذي لا يقنط من روح الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلَّا القوم الكافرون.

    في الشرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥

    ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم، ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة الاختلاط.

    ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
    شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
    آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط، ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل حال.

    وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة والإنصاف.

    فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.

    ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.

    وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.

    فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.

    وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.

    فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من دون الناس!

    وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
    بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا، فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم. فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
    والاستغلال.

    أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.

    والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
    وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.

    وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب، وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا للاستعمار البريطاني.

    أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها، وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر، ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من الإشاعات.

    وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر قول الشاعر القديم:
    يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب

    وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.

    وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛ فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.
    ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن، ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛ حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.

    وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.

    وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة، فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.

    وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة، ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة، الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة، وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.

    وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى الحرية حقيقةً واقعةً؟

  • أزمة السويس | The Suez Crisis

    تهنئات …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٥ أكتوبر ١٩٤٦

    حياتنا المصرية رائعة كأروع ما تكون حياة الشعوب، تجري أمورها كلها على خير ما يمكن أن تجري الأمور!

    وقد قال الحكيم القديم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فكل شيء في مصر بديع يجب أن نبتسم له ونبتهج به ونتبادل التهنئة؛ لأن حياتنا لم تصل إلى أكثر مما وصلت إليه من السوء، ولم تَنْتَهِ إلى شر ما انتهت إليه من النكر.

    وليس في الحياة خيرٌ إلَّا ومن الجائز أن لم يوجد خير أكثر منه وأبعد منه أثرًا، وليس في الحياة شرٌّ إلَّا ومن الجائز أن يكون هناك شرٌ آخر أبغضُ منه وأعظم منه نكرًا. فأيسر ما يجب على الرجل الفطن أن يستقبل الحياة راضيًا بها مطمئنًّا إليها، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بِشَرٍّ مما هو فيه ولم يمتحنه بأسوأ مما يقاسيه.

    والواقع أن مصر شهدت أسبوعًا حافلًا بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، يجب أن تهنأ به حقًّا، وأن تُهنَّأ به تهنئة خالصة صادقة لا تحفُّظ فيها ولا احتياط؛ فقد أدت الهيئات المصرية كلها واجباتها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات، وخير ما يهنأ به الإنسان تأديته للواجب ونهوضه بالحق واحتماله للتبعات.

    وأنا من أجل هذا أكتب هذا المقال راضي النفس باسم الثغر، أريد أن أرضي الناس جميعًا ولا أسوء منهم واحدًا، وأن أهنئ الناس جميعًا ولا أعزي منهم أحدًا. فكل شيء في مصر يدعو إلى الرضا، وكل شيء في مصر يدعو إلى تبادل التهنئة.

    أدت هيئة المفاوضات واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات؛ فقد اختصمت وأمعنت في الاختصام، وقد تجادلت وأغرقت في الجدال. وأي قيمة لهيئة المفاوضات إذا لم تختصم فتمعن في الخصومة ولم تشتجر فتغلو في الشجار؟!

    لو أن رئيس الوزراء أملى على زملائه إرادته وظفر منهم بالرضا والإذعان لهنئناه وحده بهذا الفوز، ولرثينا لزملائه من هذا الخضوع، ولكن رئيس الوزراء أراد فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فمن الحق أن نهنئ المطيعين بطاعتهم وأن نهنئ العصاة بمعصيتهم. أولئك خدموا أشخاصهم وأحزابهم كما استطاعوا، وهؤلاء خدموا أشخاصهم وأمتهم كما استطاعوا، وأولئك وهؤلاء يستحقون التهنئة لأنهم أرسلوا أنفسهم على سجيتها.

    وأي شيء أحق بالتهنئة من أن يمضي الإنسان إلى غايته في غير التواء ولا عوج؟!

    وأحقُّ الناس بالتهنئة هذا المثلث الخطير الذي يأتلف من رئيس الوزراء ومن رئيس الحزبين الخطيرين اللذين يستأثران بالكثرة في مجلس النواب. هذا المثلث الخطير تضامن فأحسن التضامن، وتعاون فأتقن التعاون، وقرر أن يمضي في الشوط إلى غايته، وأن يحتمل التبعة مهما تكن ثقيلة محرجة. أراد أن يرفق بالإنجليز حتى لا تُقطَع المفاوضات؛ لأنه يرى في قطع المفاوضات خطيئةً كبيرةً وإثمًا عظيمًا.

    وقد ثبت لغضب الغاضبين وسخط الساخطين وهياج الهائجين، ثم دبر الأمر فأحكم تدبيره وقدره فأحسن تقديره. فأمَّا رئيس المثلث فاستقال، وأمَّا صاحباه فثبتا في موقفهما لم يَحِيدا عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وليس المهم أن تتحد الكلمة ويأتلف الرأي وتجتمع الصفوف، وتقف مصر متحدة أمام الإنجليز كما تقف بريطانيا العظمى متحدة أمام المصريين.

    ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن يتصل حبل المفاوضات ولا ينقطع، وأن تبقى الوزارة في مناصب الحكم ولا تزول عنها. وقد ظفر المثلث بالأمرين جميعًا، فحبل المفاوضات موصول إلى أن يقطعه الإنجليز، والوزارة مستقرة في مناصبها على رغم ما يكتنفها من الأحداث حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

    فمن حق هذا المثلث أن نقدِّم له التهنئة الخالصة؛ لأنه أراد فبلغ ما أراد!

    وهناك مثلث آخر ليس أقل استحقاقًا للتهنئة من المثلث الأول، وهو هذا الذي يتألف من أصحاب المقام الرفيع والدولة والسعادة: شريف صبري، وحسين سري، وعلي الشمسي. فهذا المثلث قد خاصم المثلث الأول فأمعن في الخصومة، وقاومه فأمعن في المقاومة، واضطره آخر الأمر إلى أن يكشف عن نيته ويلقي آخر ما في يده من الأوراق؛ فيستقيل رئيسه ويستمسك طرفاه الآخران، ويلغي التقاء الهيئتين المتفاوضتين.

    ويسافر الوفد البريطاني، وتُوقَف المفاوضات حتى يقطعها الإنجليز، ويُدفَع عن مصر شرٌّ عظيم كانت توشك أن تتورط فيه.

    فهذا المثلث الثاني قد أخطأ حين مضى مع المثلث الأول إلى تلك المذكرة البغيضة التي قُدِّمَتْ إلى الإنجليز، ولكنه محا هذه الخطيئة وغسل عن نفسه وضرَّها بموقفه الأخير، واسترد حريته كاملة، وحاول أن يوحد الكلمة ويؤلف القلوب … وليس عليه بأس من أنه لم ينجح؛ فقد حاول الخير ما استطاع فلم يجد إليه سبيلًا؛ فلنهنئ هذا المثلث بخروجه من خطيئة المفاوضات، ولنهنئه بما تفضَّل به عليه رئيس الوزراء من المدح والثناء حين اتهمه بمتابعة الشهوة ومسايرة الأهواء.

    وكان من الممكن أن يكون هذا المثلث مربعًا لو أن صاحب الدولة عبد الفتاح باشا يحيى حضر الجلسة الأخيرة لهيئة المفاوضات، ولكنه لم يحضرها لمرضه. وماش الأخير من لاش، وقد حرص الرجل على أن يؤيد أصدقاءه ويشاركهم فيما قدم إليه رئيس الوزراء من تحية، فأصبح هذا المثلث مربعًا منذ اليوم.

    وكل شيء جائز، فمن الممكن أن يصبح هذا المثلث مربعًا اليوم ومخمسًا غدًا، فمن يدري؟! لعل رفعة ماهر باشا أن ينضم إليه فيصبح شكلًا مخمس الأضلاع، وقد لا ينضم رفعته إلى هذا المربع فيبقى أمة وحده فيما يلتزم من حياد غامض أو غموض محايد، كما أن مكرم باشا قد ظل أمة وحده فيما التزم من هجوم صريح لا تعريض فيه ولا تلميح.

    فهيئة المفاوضات كلها كما نرى خليقة بالتهنئة، وإن اختلفت طبيعة التهنئة وأسبابها. على أن هناك هيئة أخرى جديرة بالتهنئة، وهي هيئة الوزارة التي جاهدت كما لم يجاهد أحد، وانتصرت كما لم ينتصر أحد، وتفوقت كما لم يتفوق أحد. قيل لها مساء السبت إن استقالتها قد رُفِعَتْ إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فقالت: آمين. وقيل لها مساء الثلاثاء إن استقالتها قد رُدَّت إلى رئيس الوزراء، فقالت: آمين! وقال أحد أعضائها في ظُرف: لا أعلم إلَّا أني أصبحت ذات يوم فقيل لي إني لست وزيرًا، وأمسيت ذات يوم فقيل لي إني عُدت وزيرًا!

    وكما أن الناس يُهنَّأون بالجراءة والإقدام، فهم يُهنَّأون كذلك بالتواضع والاستسلام.

    فلنهنِّئ رئيس الوزراء بإقدامه، ولنهنئ زملاءه باستسلامهم. على أنهم لم يستسلموا جميعًا، فقد شذَّ منهم وزيران في آخر لحظة؛ أحدهما أستاذنا الجليل نائب رئيس الوزراء، رضي الاستقالة وفرح بها في أكبر الظن، وقال لنفسه: بلاءٌ ردَّه الله عنَّا، ومحنة وقانا الله شرَّها. فلما رأى الوزارة عادت إليه قال: حوالينا ولا علينا. وأرسل استقالته إلى رئيس الوزراء، وقطع عليه طريق المراجعة بهذا الحديث الذي أذاعه في الصحف وأسلمه إلى شركات البرق، وسجل فيه سخطه على سياسة الوزارة وتضامنه مع المنشقين من هيئة المفاوضات.

    فقد ينبغي أن نسمي هؤلاء السادة — ولا أقول هؤلاء الباشوات كما قال رئيس الوزراء — بهذا الاسم الذي كاد المصريون أن ينسوه وهو اسم المنشقين. فقد انشق صدقي باشا على سعيد يومًا ما؛ فانشق عليه نفرٌ من أصحابه الآن، وشتَّان بين انشقاق وانشقاق.

    شذَّ إذن أستاذنا الجليل عن زملائه، وانشق على رئيسه، فعزم بعد تردد وأقدم بعد إحجام، واستحق على هذا كله تهنئة خالصة.

    ولست أدري، لعل العدوى أن تكون قد انتقلت منه إلى زميله الأستاذ سابا حبشي باشا وزير التجارة؛ فقد انشق مع المنشقين واستقال مع المستقيلين، ويُقال إنه لم يَرْضَ عن هذه الوزارة التي تُؤخَذ منه وتعود إليه دون أن يكون له في ذلك رأي، وكذلك هنَّأ المحجمون بإحجامهم والمقدمون بإقدامهم والمترددون بترددهم، لا لشيء إلَّا لأنهم يرسلون أنفسهم على سجيتها، ويجرون طبيعتهم كما تستطيع أن تجري.

    وقد يُخيَّل إليَّ أن هناك قومًا آخرين يستحقون التهنئة لأنهم هم أيضًا أرسلوا نفوسهم على سجيتها، وأجروا طبائعهم إلى غايتها، وهم هؤلاء السادة الذين يؤلفون الوفد المصري، ويدورون حول مصطفى النحاس كما السوار حول المعصم. فقد قيل لهم في أبريل الماضي: تعالوا نشترك في المفاوضات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نشترك في المعوج من الأمر. ثم قيل لهم في هذه الأيام الأخيرة: تعالوا نصلح ما فسد ونستدرك ما فات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نحب الطرق المعوجة ولا السبل الملتوية، وإنما نريد أن نستأنف الأمر كأن لم يكن شيء من قبل.

    ثم قالوا لمصر: لا محالفة مع الإنجليز إلَّا أن تصدر هذه المحالفة عن حرية صحيحة واعتراف صريح بالحق، ولا حرية إلَّا أن يتحقق الجلاء، ولا اعتراف بالحق إلَّا أن تتم وحدة وادي النيل.

    وقالوا لمصر: لا تغامري ولا تقامري ولا تجعلي من نفسك خادمًا للإنجليز.

    وقالوا لمصر: إن أمر القناة كأمر الدردنيل، لا ينبغي أن يكون الدفاع عنه مشتركًا، ولا مقسمًا، ولا وسيلة إلى التدخل في الشئون الوطنية الخاصة، وما ينبغي أن تكون مصر أقل شعورًا بالعزة من تركيا، وما ينبغي أن تخاف مصر من الإنجليز أكثر مما يخاف الترك من الروس، وما ينبغي أن نصدق الإنجليز حين يقولون لنا إن الدفاع عن القناة يجب أن يكون مشتركًا بيننا وبينكم؛ لأنهم يقولون للترك إن الدفاع عن الدردنيل يجب أن يكون مقصورًا عليكم من دون الروس؛ فهم يخدعوننا من غير شك أو يخدعون الترك من غير شك.

    هم يخدعون على كل حال، وما ينبغي أن نؤمِّن للمخادعين.

    قال رئيس الوفد وزملاؤه: هذا كلام مرسلين أنفسهم على سجيتها، مُجْرِين طبائعهم إلى غايتها، منكرين للطرق المعوجة والسبل الملتوية والعبث بحقوق الشعب وكرامته. ويُخيَّل إليَّ أن هذا الشيء يستحق أن تُقدَّم من أجله التهنئة إلى هؤلاء السادة.

    أمَّا التهنئة كل التهنئة، التهنئة الخالصة من كل زيغ، البريئة من كل لبس، النقية كأنها وجه الشمس في يوم صحو واعتدال، فهي التي نقدمها إلى مصر؛ لأن حقائق الأشياء وحقائق الناس قد عُرِضت عليها الآن واضحةً جليةً وناصعةً صافيةً، لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا. فمصر ترى الطريق إلى الكرامة والحرية والاستقلال، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى الطريق إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى طريق التردد والخوف والإشفاق، هذه الطريق التي تنتهي آخر الأمر إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق.

    ومصر تستطيع الآن، بعد أن تبيَّنت لها الحقائق ناصعة صافية، أن تختار وأن تعلم وتؤمن بأن الله يبين الخبيث من الطيب، وبأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبأن الشعب الكريم هو الذي يتجنب مواطن الشبهات، ويمقت الذين يدعونه إلى مواطن الشبهات.

    عُبَّاد الذهب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١١ أغسطس ١٩٥٦

    ما زال العجل الذهبي قائمًا يعبده الناس في أقطار الأرض كما قال شيطان «جوت» في قصته المشهورة الرائعة فاوست. وعُبَّاد هذا العجل لا يؤثِرون القصد والاعتدال في عبادته، ولكنهم عَبَدَةٌ يتقربون إليه بخلاصة نفوسهم، وخير ما تملك أيديهم، ثم هم لا يعبدونه عبادة مهذبة نقية كما تريد الحضارة الحديثة أن تكون العبادة، وإنما يقدمون إليه من القربان ما كان القدماء يقدمون إلى آلهتهم قبل أن تمسهم الحضارة، وقبل أن يُهذِّب العلم عقولهم، ويُصفي الفن والأدب قلوبهم وأذواقهم، يقدمون إليه أبناءهم وزهرة حياتهم ضحايا بشعة منكرة لإله بشع منكر ظامئ دائمًا إلى دم الإنسان، قرم دائمًا إلى لحم الإنسان، لا يرضى إلا إذا أُجريت له دماء الناس أنهارًا، وجُمعت له لحوم البشر أكداسًا. وهو مهما يقدَّم إليه من ذلك طامعٌ في أكثر ممَّا قُدِّمَ إليه، قد ملأ قلوب عباده غرورًا بالقوة وطموحًا إليها، لا ليحموا بها أنفسهم من عدوان المعتدين، بل ليتخذوها وسيلة إلى تقريب الآمنين الوادعين قربانًا لإلههم ذلك الظامئ إلى دم الإنسان القرم دائمًا إلى لحم الإنسان.

    الإله الوحشي تلك الحروب التي وضعت أوزارها منذ وقت قصير في الهند الصينية لم تكن إلا عبادة وحشية لذلك الإله الوحشي. قرَّب فيها الفرنسيون مئات الألوف من الآمنين الوادعين وأمثالهم من المُغِيرِينَ المعتدين، ضحيةً لرأس مالهم، ذلك الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي. وأولئك الذين سُفكت دماؤهم، وفُرِّقت أشلاؤهم في كوريا، من الكوريين والأمريكيين والأوروبيين، لم يكونوا إلا قربانًا لرأس المال الأمريكي، الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي أيضًا. وهؤلاء الذين سُفكت دماؤهم وما زالت تُسفك، وانتُهِكت حرماتهم وما زالت تُنتهك في شمال أفريقيا، ليسوا إلا قربانًا لهذا الإله البشع الفظيع. وهذه الثورة الثائرة والفورة الفائرة في فرنسا وبريطانيا العظمى الآن، حول قناة السويس وما أثار تأميمها من مشكلات؛ ليست إلا دعاء من ذلك الإله المنكر، إلى سفك دماء جديدة، وتفريق أشلاء جديدة؛ لأنه — كما قلت — ظَمِئٌ دائمًا لا يعرف الري، وجائع دائمًا لا يعرف الشبع، ومتى رأيت رأس المال يقنع بالقليل أو الكثير من الربح؟

    الذهب أفسد الاشتراكيين إن الفرنسيين لِيَعْتَرِفُونَ بأن رءوس الأموال التي أنفقها المسهمون في شركة القناة القديمة، قد عادت إلى أصحابها مرات، لا مرة ولا مرتين، في هذه الحقبة الطويلة التي استُغِلَّت فيها القناة بمرأى ومسمع من أجيال المصريين الذين كانوا يرون أرضهم وقناتهم التي احتُفرت بأيديهم، تُستغل لتضاعف رءوس الأموال الإنجليزية والفرنسية وهم ينظرون، لا يستطيعون أن يمدوا يدًا إلى هذا الذهب الذي كان يتدفق أنهارًا إلى عُبَّاد الذهب من الإنجليز والفرنسيين. والغريب أن عبادة الذهب هذه لا تُفسِد قلوب المحافظين والمعتدلين وحدهم في فرنسا وبريطانيا العظمى، ولكنها تفسد قلوب الاشتراكيين منهم أيضًا.

    الاشتراكيون أشد عنفًا هؤلاء الاشتراكيون الذين يقيمون مذهبهم السياسي والاجتماعي على مقاومة رأس المال، وما ينتج من الأَثَرَةِ والظلم والبغي والعدوان، وما يثير من الحروب بين الشعوب. هؤلاء الاشتراكيون أنفسهم يثورون الآن أعنف الثورة؛ لأن مصر أبت أن يُفرض الفقر على أهلها، ليتاح الغنى لقلة من الأجانب في فرنسا وبريطانيا العظمى، وكرهت أن يجوع أبناؤها وهذه القلة من الأجانب تكاد تقتلها التُّخمة من المال. فكان زعيم العمال في بريطانيا العظمى — وهو اشتراكي — قد أمَّم حزبُه كثيرًا من الشركات، وحوَّل كثيرًا من رءوس الأموال عن ملك أصحابها إلى ملك الدولة. كان زعيم العمال الاشتراكي هذا أشد ثورة وأعنف غضبًا من رئيس الحكومة البريطانية نفسه، مع أنه محافظ عريق في عبادة الذهب وتقديس رأس المال. وكان رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكي، الذي أمم حزبُه كثيرًا من الشركات في فرنسا، والذي أنفق حياته محاربًا لرأس المال، زاريًا عليه، ينتهز به الفرص، ويتربص به الدوائر، ويبطش به كلما وجد إلى البطش سبيلًا؛ كان هذا الرئيس الاشتراكي القديم أشد ثورة، وأعنف غضبًا، وأطول لسانًا، وأكثر هذيانًا من المحافظين الفرنسيين المُمعِنين في المحافظة على رأس المال، لا لشيء إلا لأن العمال البريطانيين طامعون في الوصول إلى الحكم، ولأن الاشتراكيين الفرنسيين حريصون على الاحتفاظ بالحكم بعد أن ظفروا به.

    العجل الذهبي أولئك وهؤلاء يتملَّقون رءوس الأموال، ويبيعون مبادئهم، ويقدمونها قربانًا بغيضًا لرأس المال، الذي رمز له «جوت» بالعجل الذهبي. وكذلك كفر الاشتراكيون من الفرنسيين والإنجليز بإلههم كارل ماركس، وعادوا إلى عبادة العجل الذهبي، كما كفر حلفاؤهم من بني إسرائيل في الزمان القديم والجديد بعبادة الله العلي القدير، حين أخرج لهم صاحبهم ذاك عجلًا من ذهب له خوار. كفروا بكارل ماركس وضحُّوا بمبادئه تقرُّبًا إلى رأس المال، آثروا الحكم على المبادئ، وآثروا الكفر على الإيمان، والنفاق على الصراحة، واتفقوا مع المحافظين على أن يجعلوا من مسألة القناة مسألة سياسية خطيرة، ومن استمتاع مصر بحقها الطبيعي الذي لا ينكره إلا المحمقون اعتداءً على حق الأوروبيين والأمريكيين في عبور القناة أحرارًا ذاهبين آيبين، لا يصدهم عن الذهاب ولا عن الإياب صادٌّ، ولا يردهم رادٌّ، وإنما تُيَسِّرُ لهم مصر الأمور كما كانت مُيَسَّرَةً لهم من قبلُ، بل خيرًا ممَّا كانت ميسرة لهم من قبل. ثم أقاموا الدنيا وأقعدوها وظنوا أنهم قادرون على أن يملَئوا مصر خوفًا ورعبًا، بما يُجَنِّدُونَ من الجنود وبما يُهَيِّئُونَ من الأساطيل، كأنهم يستطيعون أن يثيروا الحرب متى شاءوا وكيف شاءوا وأين شاءوا، وكأن الأرض قد خلت لهم، يفعلون بها وبأهلها ما يحبون.

    لن تخاف مصر وكأن مصر ستخاف منهم اليوم كما كانت تخاف منهم في أيام مضت، وستذعن لهم اليوم كما كانت تُذعِن لهم في أيام مضت أيضًا، وكأن العالم سيخلي بينهم وبين ما يريدون من إثارة الحرب إن صدقت نياتهم في إثارة الحرب. وقد قالت لهم مصر وما زالت تقول إنها لن تمس حرية القناة، بل ستؤمنها في المستقبل كما أمَّنتها من قبل. وهم يصدقون مصر بقلوبهم، ويكذِّبونها بألسنتهم؛ لأن رأس المال البريطاني والفرنسي لم يقنع بكل ما أُتيح له من الربح إلى الآن، فهو يتحرَّق منه إلى المزيد، ولأن إلههم ذاك الوحشي البشع لم يقنع بكل ما أُجري له من أنهار الدماء، وبكل ما قُرِّبَ إليه من أكداس الأشلاء، هو ظامئ دائمًا جائع دائمًا، يُغري عباده دائمًا بإثارة الحرب والطموح إليها. وأغرب ما يمتاز به الفرنسيون والبريطانيون في هذه الأيام أنهم لا يعتبرون بالأحداث، ولا يتَّعِظُون بالخطوب، ولا يرون أن الدنيا من حولهم قد تغيرت، وأن الفَلَكَ قد أَتَمَّ دورة الاستعمار والبغي والعدوان، وبدأ دورة جديدة قوامها الحرية، ورد الحقوق إلى أهلها وإقامة العدل بين الشعوب، لا يرون شيئًا من ذلك؛ وإنما يرون أو يُخَيِّلُونَ إلى أنفسهم أنهم ما زالوا أقوياء يستطيعون أن يتحكموا في مصائر الشعوب كما تحكَّموا فيها من قبلُ. هم يجهلون شئون أنفسهم، ويجهلون شئون غيرهم من الناس. هم لا يريدون أن يشعروا بأن الضعف قد أخذ يسعى إليهم، وبأن الأيام قد أخذت تعبس لهم، وهم لا يريدون أن يروا كذلك أن القوة قد أخذت تسعى إلى المستضعفين، وأن الأيام قد أخذت تبسم للذين عبست لهم من قبل. وهم يتملقون الأمريكيين، ويبتغون الوسائل إلى روسيا، ويؤلِّبون دول الأرض كلها على مصر، كأن مصر قد اقترفت إثمًا أخطر وأبشع من الآثام الكثيرة التي لا تُحصى، والتي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في أقطار مختلفة من الأرض. وأمر الفرنسيين أعجب وأشد غرابة وإثارة للضحك من أمر الإنجليز، فقدْ فَقَدَ الفرنسيون رشدهم وأضاعوا صوابهم حقًّا، وأخذهم شيء من الحمى أطلق ألسنة ساستهم وأجرى أقلام كُتَّابهم بكلام لا يمكن أن يصدر عن العقلاء الذين يضبطون نفوسهم ويسيطرون على عواطفهم. أسرفوا على أنفسهم في عبادة عجلهم الذهبي ذاك، حتى أصبحوا أشبه شيء بالمجاذيب الذين يشهدون الأذكار عندنا، فيقومون ويقعدون وينحنون وينتصبون، ويميلون إلى يمين وإلى شمال، حتى يُفلِت منهم زمام أعصابهم وإذا هم يهذون بما لا يفقهون ولا يفقهه عنهم الناس.

    تجاوز آداب اللياقة فرئيس الحكومة الفرنسية يريد أن يلقي على رئيس الجمهورية المصرية درسًا عنيفًا قاسيًا، ووزير الخارجية الفرنسية يتجاوز أيسر آداب اللياقة فيُهين السفير، مع أن التقاليد السياسية تحظُر ذلك حتى حين تُعلن الحرب. ورئيس وزارة سابق، كان أستاذًا قبل أن يصبح سياسيًّا، يتجاوز كل قصد، ويجاوز كل اعتدال، ويصف رئيس الجمهورية المصرية بأنه لص سرق القناة من أصحابها، ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا، وهو أن رئيس الجمهورية المصرية استرد لوطنه قناته، وأن اللصوص حقًّا وصدقًا هم الذين يسفكون دماء الجزائريين ودماءهم ويسيرون في الجزائر كما ساروا من قبل في مراكش وتونس؛ ليملَئوا أيديهم وجيوبهم بما حرم عليهم من المال. وليت المصريين يقرءون ما تفيض به الصحف الفرنسية، وصحف المحافظين منها خاصة من الوعيد الذي يخيل إلى قارئه أن فرنسا ستسحق مصر سحقًا، وستمحق المصريين محقًا. وأنا أعترف بأني أقرأ هذا الوعيد مع من حولي من الأهل والرفاق، فلا يأخذنا خوف، ولا يملكنا إشفاق، وإنما نغرق في ضحك طويل عريض، وأتمثل أنا قول الشاعر القديم: تمناني ليقتلني زياد كذبت لتقصرن يداك دوني أما بعد فمن الحق على الحكومة المصرية — فيما أرى — أن تحفظ على المصريين كرامتهم، وأن تلقي على هؤلاء الثرثارين المتفيهقين من الفرنسيين درسًا يعلمهم التفكير والتروية فيما يقولون وما يكتبون، وما أقدر حكومتنا على أن تلقي عليهم هذا الدرس القاسي إن شاءت دون أن تعدوا حقها أو تحدث في السياسة الدولية حدثًا.

    حيرة …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ سبتمبر ١٩٥٦

    وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.

    كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.

    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.

    فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.

    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.

    وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.

    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.

    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.

    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.

    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.

    ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.

    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.

    قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار.

    مؤامرتان
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ نوفمبر ١٩٥٦

    إحداهما تزداد ثباتًا واستقرارًا في القلوب وانتشارًا في أقطار الأرض وتغلغلًا في ضمائر الطبقات المختلفة من الناس على تباعدهم وتباينهم، لا تمضي لحظة أو دقيقة أو ساعة من ليل أو نهار إلا ازداد إيمان العالم لها واقتناعه بها وسخطه على أصحابها، والأخرى لم يكد يتحدث بها الذين اخترعوها وحاولوا أن يُضللوا بها الناس حتى ضحك منها الضاحكون وعبث بها العابثون وتنكَّر لها الذين يفقهون حقائق الأشياء ويفهمون حياة الشعوب، وما ينشأ عن هذه الحياة من آثار في الأقوال والأعمال جميعًا.

    فأما الأولى فهي التي لا يشك فيها إنسان الآن وهي التي جرها البريطانيون والفرنسيون مع لعبتهم إسرائيل؛ ليأخذوا الجيش المصري بين نارين يحصروه بين شقي الرحى، ويهاجموه من أمام ومن وراء ويعرفوه من الشعب المصري مره به ليحكموا بعد ذلك في شئون هذا الشعب ونظم الحكم فيه، ليس بين الناس من يشك في هذه المؤامرة، وليس بينهم من يجادل في أنها دُبرت بليل أو نهار أو دُبرت في الليل والنهار جميعًا، وأن الذين دبروها وأتقنوا تدبيرها وبدأوا في تنفيذها لم يحسوا في قلوبهم ولا في ضمائرهم ولا في سرائر نفوسهم خزيًا أو شيئًا يشبه الخزي؛ لأن قلوبهم وضمائرهم ونفوسهم قد جمدت وقست، أصبحت لا تحس خزيًا ولا تعرف حياء ولا تتحرج من إثم مهما يكن بشعًا منكرًا، وهم لم يكتفوا بتدبير هذه المؤامرة والأخذ في تنفيذها وإنما أضافوا إليها تضليل دعاتهم الأمريكيين وأصدقائهم من الأوروبيين، ثم لم يكتفوا بالتضليل والتغرير وإنما أضافوا إليهما إثمًا آخر هو السرقة والاختلاس؛ فقد سرقوا أسلحة هذا الحلف الذي شاركوا فيه وهو حلف الأطلنطي، سرقوا هذه الأسلحة فأهدوا بعضها إلى إسرائيل واصطنعوا بعضها الآخر في تنفيذ مؤامراتهم تلك، خانوا أمانة حلفائهم وأصدقائهم من جهة وخانوا تصريحهم الذي شاركوا فيه الأمريكيين منذ أعوام وتعهدوا فيه بالمحافظة على السلام في هذا الجزء من الشرق العربي، وخانوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم لمصر نفسها حين اتفقوا معها على الجلاء عن قناة السويس.

    أجرموا إذن في غاية هذه المؤامرة بما اقترفوا من غدر أضاع السلم، وأجرموا في وسائلها بما اقترفوا من سرقة حلفائهم وأصدقائهم، وبما أثبتوا لأصدقائهم وأعدائهم جميعًا إنهم لا يرعون عهدًا ولا ذمة، ولا يحفظون أمانة، ولا يَفون بوعد قدموه، ولا يبرون بقسم أقسموه، وإنما يبيعون قلوبهم وضمائرهم وينكثون عهودهم وإيمانهم ويضيعون أمانتهم وودائعهم ويهدرون الحق والحياء والعدل وقيم الحضارة كلها في سبيل ما يتوهمون أنه يجلب لهم نفعًا أو يبسط لهم سلطانًا، كل هذا لا يجادل فيه أحد ولا يشك فيه ساسة الشرق والغرب جميعًا، وهم لم يكتفوا بهذا كله وإنما يتسترون على آثامهم ويتورطون في الكذب إلى آذانهم، فيزعمون مرة أنهم طاروا لنصرة إسرائيل حين علموا أن مصر تريد أن تُغير عليها، وحين علموا أن الدول العربية كلها تأتمر بها، يقولون ذلك جهرة في غير تحفظ ولا حياء، مع أن العالم كله يعرف أن إسرائيل قد عدت على الأردن فلم يزد الأردن على أن رد العدوان، ولم يتحرك جيش مصر ولا جيش سوريا للهجوم على إسرائيل لعقابها وتأديبها؛ وإنما سلك العرب طريقهم إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم حتى لا يُتهموا بالعدوان أو بمحاولة العدوان.

    ولم تخدع هذه الكذبة أحدًا؛ فاخترعوا كذبة أخرى، لم يكادوا يسوِّقونها حتى استقبلها العالم بالضحك والسخرية؛ وهى المؤامرة الثانية التي أشرت إليها في أول هذا الحديث، فقد زعموا أنهم علموا أن مصر تأتمر بالعالم الحر كله مع روسيا السوفييتية، فضحوا بأموالهم ورجالهم وبأموال المصريين ودمائهم أيضًا؛ ليفسدوا هذه المؤامرة ويحبطوا هذا التدبير، ويحفظوا الشرق العربي من صولة السلطان الروسي، ويحموا العالم الآخر كله من هذا الشر العظيم، الذي كان يوشك أن يلم به، ويجعل روسيا السوفييتية مسيطرة على شرق البحر الأبيض المتوسط متحكمة في قناة السويس سائرة بما فيه، مهددة لأوروبا الغربية أخطر التهديد، وكانت هذه الكذبة البريطانية التى تلقفها الفرنسيون فرحين بها مبتهجين بها ظاهرة السخف بيِّنة البطلان، يدل على سخفها وبطلانها كل شيء يدل عليهما. قبل كل شيء إن مصر حين صُب عليها العدوان الآثم صبًّا لجأت أول ما لجأت إلى هيئة الأمم المتحدة، واستصرخت العالم المتحضر كله لنصرة السلام ومعونتها على رد العدوان، لم تختص بهذا الاستصراخ دولة دون دولة ولا شعبًا دون شعب؛ وإنما وجهته إلى الأمم المتحضرة في أقطار الأرض كلها.

    ويدل على هذا السخف وبطلان هذه الكذبة ثانيًا أن الاتحاد السوفييتي نفسه حين أنذر المعتدين الآثمين قد أخطر الولايات المتحدة الأمريكية، ودعاها في صراحة إلى أن تشاركه في كف العدوان، ثم لم يصنع شيئًا أكثر من هذا، لم يرسل إلى مصر جندًا ولا أسلحة ولا متطوعين، ويدل على سخف هذه الكذبة وبطلانها ثالثًا أن الوزراء البريطانيين أنفسهم لم يستطيعوا أن يؤيدوا هذه الكذبة في مجلس العموم البريطانى حين طلب إليهم النواب ذلك؛ وإنما تهافوا وتخذلوا ولجلجوا، وقال قائلهم في تهالك إن أنباء التآمر بين مصر وروسيا لم تتأيد. وأي غرابة بعد ذلك في أن تنقل هذه الآثام الكثيرة والأكاذيب المبهظة على رئيس الوزراء البريطانيين فتنهار قواه وتنحل أعصابه ويأمره الأطباء بالراحة، ويفر بما بقي له من قوة إلى مكان بعيد جدًّا من بريطانيا؛ ليسترد بعض قوته ويشد أعصابه شيئًا، وأي غرابة بعد ذلك في أن يعتزل شئون الحكم اعتزالًا موقوتًا أو دائمًا ويلجأ إلى مكان سحيق يستريح فيه من الآثام والأكاذيب التي لم تغش عنه وعن أصحابه شيئًا.

    مؤامرتان نُشر حديثهما في أقطار الأرض؛ فأما أولاهما وهي مؤامرة بريطانيا وفرنسا وصنيعتيهما إسرائيل فقد صدقها العالم وأسرع إلى تأييد مصر بما قررت هيئة الأمم المتحدة، وبهذا التأييد الشامل الذي يأتيها من كل مكان حتى من بلاد الإنجليز والفرنسيين أنفسهم.

    وأما المؤامرة الثانية التي زعمها الإنجليز؛ فلم تكد تُذاع حتى كذَّبها العالم كله، وكذبها وزراء الإنجليز أنفسهم، وقالت الصحف الإنجليزية دع هذا السخف وأنبئنا عن ائتمارك مع فرنسا وإسرائيل بمصر، وطالبت وما زالت تطالب ويطالب معها النواب بالتحقيق لإثبات المؤامرة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، ومعاقبة الذين شاركوا فيها من وزراء الإنجليز، وصُرع لها رئيس الوزارة البريطانية مريضًا أو متمارضًا ونفى لها نفسه من وطنه إلى أجَل قد يقصر أو قد يطول، ووقف رئيس الجمهورية المصرية يعلن في صراحة وقوة قوية أن مصر لا تعبث ولا تريد أن تعبث باستقلالها، ولا تريد أن تكون صنيعة لدولة من الدول شرقية كانت أو غربية، ولا تريد أن تتبع هذه الكتلة أو تلك، ولا تريد إلا أن يكون استقلالها صريحًا صحيحًا، لا يذعن لقوة في الشرق ولا في الغرب، وشتان بين رئيس وزارة يأثم ويأتمر ويعتدي ويكذب ثم ينقلب عليه هذا كله فينهار، ورئيس جمهورية يصدق ويثبت ويمضي في طريق مستقيمة إلى الدفاع عن الحق والعدل واستقلال وطنه، وصدق الله ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ).

    النعام
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ ديسمبر ١٩٥٦

    يقول مثل عربي قديم: ذهبت النعامة تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين.

    وحُمْقُ النعامة مشهور في الشرق والغرب؛ فالغربيون أنفسهم يصوِّرون حمقها في أنها تُخفي رأسها إذا أحست دُنُوَّ الخطر منها وطلب الصائد لها. ويضربونها مثلًا لمن يرى الشر يحيق به فلا يحسن الاحتياط له والحذر منه، ولمن يجازف باقتحام المغامرات غير متدبر لعواقبها ولا مُقَدِّر لجرائرها.

    وما أعرف أحدًا يمكن أن يُشَبَّه بالنعامة في حمقها الأحمق، كهؤلاء الساسة من البريطانيين والفرنسيين حين أقدموا على ما أقدموا عليه من الإثم، تُغريهم به عواطفهم الجامحة وشهواتهم الطاغية، ويحرضهم عليه هذا الحمق الذي لم يُتِحْ لهم تدبيرًا ولا تقديرًا، وإنما أضل عقولهم وغَشَّ بصائرهم وورَّطهم في شَرٍّ عظيم كان من أيسر الأشياء ألَّا يتورطوا فيه لو أنهم صدروا عن عقولهم ولم يصدروا عن قلوبهم تلك التي ملأها البغض والحقد والضغينة؛ فأركبتهم رءوسهم ودفعتهم إلى غمرات عرفوا أولها ولم يعرفوا آخرها.

    ضاقوا بطموح العالم العربي إلى التحرُّر من سلطانهم، ومصالحُهم فيه كثيرة ومنافعهم فيه لا تُحصى، وهي ليست مصالحهم وحدهم، وإنما هي مصالح أمم كثيرة لها الحق في الحياة واليسر، ولها الحق في ابتغاء الوسائل إلى الحياة واليسر، وليس حقهم في ذلك أقل من حق البريطانيين والفرنسيين.

    ولست أذكر حَقَّ العرب أنفسهم في أن يعيشوا في بلادهم أحرارًا ويستمتعون بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس؛ فهذا شيء لا يؤمِن به البريطانيون والفرنسيون، وإنما يؤمنون قبل كل شيء بأن الغرب وحده صاحب الحق في الحياة الراضية التي يملؤها اليسر والنعيم. لا أذكر حق العرب في الحرية والكرامة والاستقلال والاستمتاع بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس، وإنما أذكر حق أمم أخرى في الشرق والغرب وفي العالم القديم والجديد يحتاج بعضها إلى بعض، ولا تستطيع أن تحيا ولا أن تنعم إلا إذا أُتيح لها تبادُل المنافع وتقارُض المصالح والتعاون المتصل على تنمية الحضارة والاشتراك في ثمراتها ومنافعها.

    فالغرب محتاج إلى الاتصال بالشرق البعيد، وهذا الشرق البعيد محتاج إلى الاتصال بالغرب، والشرق القريب طريقهما إلى هذا الاتصال؛ فكل اضطراب فيه أو فساد في أرضه يقطع هذا الاتصال ويجعله مستحيلًا أو كالمستحيل، ولكن البريطانيين والفرنسيين غفلوا عن هذا كله؛ أضلَّهم عنه ما ملأ قلوبهم من البُغض وما استأثر بنفوسهم من الحفيظة وما ملك ضمائرهم من المُوجِدة؛ فلم يَرَوْا أبعد من أنوفهم كما يقولون في بلادهم، وإذا هم يُقدِمون على ما أَقْدَموا عليه من الفكر، فيملَئون الشرق القريب هولًا، ويملئون العالم كله خوفًا وذعرًا وإشفاقًا من الخطوب الجسام.

    أغاروا على مصر، فاضطربت بلاد العالم العربي كله ألوانًا مختلفة من الاضطراب، وانقطعت التجارة بينهم وبين الشرق القريب والبعيد، ونضبت موارد الغرب الأوروبي من البترول، واضطربت لذلك أمور الصناعة والتجارة والزراعة فيه، وتعرضت حضارته كلها لخطر عظيم، وثار العالم كله في هيئة الأمم المتحدة يرد عن نفسه هذا الشر ويذود عن حضارته هذا العُدوان الذي لم يوجَّه إلى مصر وحدها وإنما وُجِّه إلى العالم كله وإلى الحضارة كلها؛ لأن العدوان على هذا الجزء من الأرض لا يُفسد الأمر فيه وحده وإنما يُفسد أمور الشعوب جميعًا.

    فانتصار العالم لمصر لم يكن محاباة لها، ولم يكن انتصارًا للمُثُل العليا من الحق والعدل فحسب، وإنما كان احتياطًا لنفسه من خطر دائم يوشك أن يمحو الحضارة محوًا.

    ومن قبلُ كثر حديث البريطانيين والفرنسيين عن الموقع الجغرافي لمصر، وعن أثر هذا الموقع في حياة العالم المتحضِّر، وعن احتياج العالم كله إلى أن يستقر الأمن والسلم والدعة في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن حمق النعامة الذي أشرنا إليه آنفًا أَضَلَّ ساسة البريطانيين والفرنسيين عن هذه الحقائق البديهية التي لا يضل عنها إلا المحمقون.

    وكان من أروع ما قرأ الناس وما سمعوا، هذا الهذيان الذي ألقاه وزير الخارجية البريطانية مساء الاثنين في مجلس العموم، حين تكلَّف خداع نفسه وخداع سامعيه وقارئيه في أطراف الأرض كلها. وأي خداع أبرع في تصوير الغفلة والحمق من أن هذا العدوان حقَّق الأغراض التي أراد البريطانيون والفرنسيون تحقيقها حين أقدموا عليه؛ فهم بهذا العدوان — فيما زعم ذلك الوزير لنفسه وللنواب — قد منعوا حربًا صغيرة من أن تستحيل إلى حرب كبيرة، وتبحث أنت عن هذه الحرب الصغيرة فلا تجدها لأن مصر لم تُغِرْ على إسرائيل، ولم تُغِرْ إسرائيل على مصر، وإنما البريطانيون والفرنسيون هم الذين دفعوا لعبتهم — إسرائيل — إلى العدوان وأعانوها عليه بالعدد والعُدَّة، وليس أدل على ذلك من أنهم حين أقبلوا ليمنعوا هذه الحرب الصغيرة إلى أن تستحيل إلى حرب كبيرة زادوها اشتعالًا، وشاركوا إسرائيل وشاركوا أنفسهم في العدوان، فأغاروا على مصر نفسها وكان الحق عليهم أن ينصروها. وهم أرادوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — أن يحرروا القناة ويتيحوا الانتفاع بها للناس جميعًا.

    فلم يحرروها وإنما سدوها على أنفسهم وعلى الناس جميعًا، وأَلْغَوْا الانتفاع بها وقتًا قد يقصر وقد يطول، وكانوا يريدون — إذا زعموا — أن يتدفق البترول على بلادهم وعلى أوروبا كلها، فقطعوه عن أنفسهم وعن أوروبا، واضطروها إلى أزمة كما اضطروا أنفسهم إلى هذه الأزمة التي لم يكونوا — ولم تكن أوروبا — في حاجة إليها.

    وهم قد كشفوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — عمَّا كانت تديره روسيا السوفييتية من الكيد لهم ولغيرهم في هذا الشرق الأدنى، فلم يكشفوا عن شيء؛ لأن روسيا السوفييتية لم تكن تكيد لأحد في هذا الشرق.

    ولم يكن هذا الشرق نفسه، لم يكن ليُخلي بينها وبين هذا الكيد لو أرادته أو فكرت فيه، وهم لم يقطعوا الصلة بين الشرق الأدنى وبين روسيا السوفييتية، ولن يستطيعوا أن يقطعوها؛ لأن الشرق الأدنى يقيم هذه الصلة على الاستقلال الصريح الذي لا ممالاة فيه، وستظل هذه الصلة قائمة ما دام الشرق الأدنى حريصًا على الاستقلال الصريح أولًا وعلى الحيدة الصريحة بين القوتين المختصمتين ثانيًا. وإنما وصل البريطانيون والفرنسيون إلى أن يتلقوا من روسيا السوفييتية هذا الإنذار المُهين، الذي كشف عن قلوبهم وأبصارهم الغطاء، وكفَّهم عن المضي في مغامرتهم تلك الآثمة.

    هم إذن لم يحققوا من أغراضهم شيئًا، وإنما جَرُّوا على أنفسهم وعلى أمم أخرى بريئة شرًّا عظيمًا. وهم يستطيعون أن يقولوا ويُكثِروا القول، وبأن يموِّهوا ويسرفوا في التمويه، وأن يضللوا أو يُمْعِنُوا في التضليل، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا الأزمة التي ورطوا أنفسهم وورَّطوا أوروبا فيها، ولا أن يُنكروا ما أصاب اقتصادهم من الفساد والاضطراب، ولا أن ينكروا أن رئيس وزراء بريطانيا قد اضطر بعد أن أجَّج النار أن يفِرَّ ويترك لغيره إطفاءها، ولا أن ينكروا آخر الأمر أنهم أشبه شيء بالنعامة التي ذهبت تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين، والتي تخفي رأسها إذا أحست قرب إحداق الخطر بها ودُنُوَّ الصائد منها، ولا أن ينكروا أنهم قصدوا إلى مصر بالشر وأرادوا أن يبطشوا بها فلم يقدروا عليها وعادوا منها، وأصدق ما يقال فيهم قول الشاعر العربي القديم:
    وكنت إذا نزلت بأرض قومرحلت بخزية وتركت عارا

    قرار
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ يناير ١٩٥٧

    كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ( فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ).
    وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.
    وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.
    ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
    وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.
    فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.
    وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.
    كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.
    وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.
    فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.
    فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء.

  • مجلس الأمن على المحك | The Security Council on Trial

    بين بين …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٦ يناير ١٩٤٦

    كان العالم خائفًا أشدَّ الخوف حين أخفق اجتماع لندرة في الخريف، ثم أمن العالم بعض الأمن حين نجح اجتماع موسكو في أول الشتاء، ثم عاد العالم إلى قلقه أو عاد القلق إلى العالم، ولمَّا يمضِ على اجتماع موسكو إلا أيام.

    ومعنى هذا كله أن العالم مضطرب بين الخوف والأمن، وبين اليأس والرجاء، وأن هذا الاضطراب طبيعة مقومة للحياة الدولية، بل للحياة الإنسانية كلها؛ حتى تستقر الأمور في يوم من الأيام، إن قُدِّر للأمور أن تستقر بعد هذه الحرب الهائلة.

    وليس كثيرًا أن يظل العالم قلقًا مضطربًا عامًا أو عامين بعد حرب منكرة اتصلت ستة أعوام. وأظن أن العالم يستطيع أن يحمد الله على السلامة إن ظفر باستقرار الأمور فيه بعد عام أو عامين من انقضاء هذه الحرب الثانية التي زلزلت حياة الناس كلهم زلزالًا شديدًا في السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية، بل في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها.

    وليس المهم هو أن نعرف أن الوقت الذي سينفقه العالم في هذا الاضطراب سيكون طويلًا أو قصيرًا، وإنما المهم هو أن نتبيَّن الأسباب والعلل التي تدعو إلى هذا الاضطراب، وأن نتثبت بعد ذلك — إن أمكن التثبت من شيء في هذه الحياة — من أن العالم لن يُدفع إلى حرب ثالثة قبل أن يُتاح له من الراحة حظٌّ معقول.

    وقد كان معروفًا أن أهم الأسباب الظاهرة لإخفاق وزراء الخارجية حين اجتمعوا في لندرة حرص الروسيين على الاستمساك بقرارات القرم وبوتسدام، وهي التي تقضي بأن يستأثر المنتصرون بكل شيء، وأن تكون فرنسا والصين في المنزلة الثانية بعد هؤلاء المنتصرين، تشاركان في بعض الأمر، وتردَّان عن بعضه الآخر، وأن ترتب الدول بعد ذلك درجات ومنازل بعضها فوق بعض.

    وقد حاول البريطانيون والأمريكيون أن يشركوا فرنسا والصين في ظواهر الأمر كله؛ ليستعينوا بهما على التخفيف من حدة النفوذ الروسي العظيم، ولكنهم لم يظفروا من ذلك بشيء؛ فتفرق المؤتمرون دون أن يصنعوا شيئًا، وجعل بعضهم يكيد لبعض جهرة حينًا وخفية أحيانًا أخرى. ثم تبيَّن لهم أن الأمور لا تستطيع أن تمضي، ولا أن تستقيم على هذا النحو من الخلاف والكيد، فاضطروا إلى أن يستأنفوا الاجتماع في موسكو دون أن تشهد فرنسا والصين هذا الاجتماع. لعلهم أن يصلوا — حين يخلو بعضهم إلى بعض — إلى اتفاق كامل أو منقوص. وقد اجتمعوا، وتناقشوا، واتفقوا كما قال رئيس وزرائنا، ولكن على بعض الأمر دون بعضه الآخر.

    وقد كان بسمارك فيما يُقال يشبِّه الدولة العثمانية بالخرشوف الذي لا يُؤكَل مرة واحدة، وإنما يُؤكَل ورقة ورقة. فقد يظهر أن المنتصرين قد عادوا إلى مذهب بسمارك، فشبَّهوا موضوع الخلاف بينهم بالخرشوف، وجعلوا يأكلونه ورقة ورقة، أو يحلونه شيئًا فشيئًا.

    وليس من شك في أنهم — أثناء اجتماعهم في موسكو — قد أكلوا من هذا الخرشوف بعض أوراقه، وحلوا من أمورهم المعقدة بعض مشكلاتها؛ فتفاءلوا وابتهجوا، وشاركهم العالم في التفاؤل والابتهاج.

    ومن المفيد أن تعرف أوراق الخرشوف التي أكلوها، وتتبين المشكلات التي حلُّوها أو أوشكوا أن يحلوها.

    فالمشكلة الأولى بين هذه المشكلات هي المحافظة على قرارات القرم وبوتسدام، وقد حُلَّت هذه المشكلة أو كادت تُحَلُّ على نحو رائع حقًّا، انتصر فيه الروسيون انتصارًا شاملًا؛ فأُبْعِدَتِ الصين عن المشاركة في أمور أوروبا كلها، وأُبْعِدَتْ فرنسا عن المشاركة في شئون البلقان. وقد رضيت الصين بما قُسِمَ لها، وتردَّدَتْ فرنسا بين الرضا والسخط، ولكنها ستضطر آخر الأمر إلى أن ترضى، فقد ينبغي أن تملك من القوة والبأس ما يمكنها من تأييد سخطها بقوة السلاح، وما زال بينها وبين ذلك أمدٌ بعيدٌ.

    وكذلك خلصت أوروبا للأوروبيين، وخلصت فنلندا للروسيين والبريطانيين من دون الأمريكيين، وخلصت بلاد البلقان للدول الثلاث الكبرى من دون فرنسا، وخلصت إيطاليا وألمانيا والنمسا للدول الثلاث الكبرى ومعها فرنسا.

    وليس هذا بالشيء القليل، فقد ينبغي أن يدبر المنتصرون أمورهم في عقر دارهم كما يُقال، قبل أن يدبروها من وراء البحار. وليس قليلًا أن يتفق المنتصرون اتفاقًا ما على شئون أوروبا بعد أن كانوا لا يتفقون على شيء، فاجتماع موسكو قد أتاح لهم أن يخطوا خطوة قصيرة، ولكنها خطوة في سبيل الوفاق.

    وهناك مشكلة ثانية أُتِيحَ لهم أن يحلوها أو يوفقوا إلى محاولة لها، وهي مشكلة اعتراف البريطانيين والأمريكيين بحكومات البلقان. فقد كانت هذه الحكومات خاضعة للنفوذ الروسي المطلق، وكان الحلفاء الغربيون يأبون الاعتراف بها؛ لأنها تخضع للنظام الشيوعي أكثر مما ينبغي. فقد أُتيح لهم الآن أن يجدوا مخرجًا من هذا الحرج، فقبل الروسيون أن تُمثَّل الأحزاب الديمقراطية المعتدلة في هذه الحكومات تمثيلًا ما وإن كان ضئيلًا كل الضآلة، وقبل الحلفاء الغربيون أن يعترفوا بهذه الحكومات بعد أن يتحقق هذا التمثيل، ثم أخذوا يعاونون روسيا بالفعل على تحقيقه.

    وقد يجد المنتصرون هنا أو هناك عقبة تنغص عليهم هذا الاتفاق، فقد تستعصي فرنسا مثلًا، ولكنها ستلين آخر الأمر … وقد تستعصي الشعوب البلقانية الجامحة، ولكن الروسيين سيقنعونها بالمرونة إلى أن تستقر الأمور. وهناك مشكلة أخرى لم يجهر الحلفاء بأنهم قد حلوها، أو بأنهم يوشكون أن يحلوها، ولكن كل شيء يدل على أنهم يسعون في سبيل هذا الحل.

    فهذه الدولة الفاشية التي تقوم في الطرف الغربي لأوروبا — على حين أن الدكتاتورية قد انهارت في كل مكان — لا ينبغي أن تُترَك متحدية للديمقراطية المنتصرة. والناس يعلمون أن ليست هناك صلات سياسية بين روسيا وإسبانيا، وأن الصلات السياسية قائمة بين الحلفاء الغربيين وحكومة الجنرال فرانكو، فلا بدَّ أن يزول التناقض بين المنتصرين.

    وضرورات الحرب هي التي قضت على الحلفاء الغربيين بمصانعة الجنرال فرانكو ما دام محتفظًا بالحياد، وإن كان هذا الحياد مريبًا. فأمَّا وقد انقضت الحرب، وانتهت مناوراتها، وسيطرت الديمقراطية في كل مكان؛ فلا ينبغي أن يستمر هذا التحدي، ولا أقل من أن يقطع المنتصرون جميعًا علاقاتهم مع الجنرال فرانكو؛ لتضطر إسبانيا إلى أن تحيي النظام الديمقراطي في أرضها.

    وبذلك تُنسَّق السياسة الأوروبية، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتستطيع أوروبا المتضامنة على نحو ما أن تواجه المشكلات العالمية الأخرى، يقودها المنتصرون العظام إلى قهر المستضعفين الصغار. فالمنتصرون العظام كما ترى لم يتفقوا كل الاتفاق، ولم يختلفوا كل الاختلاف، ولكنهم بين بين!

    وأوروبا — كما ترى — ليست آمنة كل الأمن، ولا خائفة كل الخوف … ليست يائسة كل اليأس، ولا آملة كل الأمل، ولكنها بين بين.

    وقد استطاع المنتصرون العظام أن يحلوا مشكلات أخرى خارج أوروبا؛ لأن حلها كان شيئًا لا بد منه، وهم لم يحلوها حلًّا تامًّا، ولم يتركوها على ما كانت عليه من التعقيد، وإنما وصلوا إلى شيء بين بين. فقد أعادوا تنظيم الإشراف على اليابان بطريقة لا ترضي الروسيين كل الرضا، ولا تغضب الأمريكيين كل الغضب، ولكنها طريقة بين بين … تزيد من نفوذ الروسيين، وتحتفظ للجنرال ماك أرثر بسلطانه كاملًا.

    وكادوا يوفقون بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية في الصين إلى أجل مسمى. وليس المهم هو أن تُحَلَّ المشكلات حلًّا حاسمًا، وإنما المهم هو أن يُؤخَذ في حلِّها، وأن يصل الحلفاء إلى موقف بين بين.

    وهم قد وصلوا إلى اتفاق بشأن كوريا يجعلها مستقلة تشبه المستعمرة، ومستعمرة تشبه الدول المستقلة، ليست خالصة لنفسها من دون الناس، ولا خالصة لدولة أخرى من سائر المنتصرين، وإنما هي شيءٌ بين ذلك إلى أجل مسمى معلوم.

    فإذا ابتهج وزير الخارجية الأمريكية، ورضي وزير الخارجية البريطانية، واستبشر وزير الخارجية الروسية؛ فمن حقِّهم جميعًا أن يبتهجوا، ويرضوا، ويستبشروا؛ لأنهم قد خرجوا من موقف الجمود والهمود الذي اضطروا إليه في الخريف إلى شيءٍ من الحركة والنشاط، قد دُفِعُوا إليه في الشتاء.

    ولكن لم يكد وزير الخارجية الأمريكية يصل إلى واشنجطون، حتى تعرض لنقدٍ شديدٍ جدًّا. ولم يكن حظ زميله البريطاني خيرًا من حظه، فالرأي العام ساخط في أمريكا قلق في بريطانيا العظمى. وهذا أيضًا شيءٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيه، فقد انتصرت روسيا في اجتماع موسكو إلى حد بعيد، وطبيعي أن يضيق بذلك المحافظون والمعتدلون في أمريكا وبريطانيا العظمى.

    على أن اجتماع موسكو لم يستطع أن يحل مشكلتين أخريين حلًّا تامًّا أو مقاربًا، وهما مشكلتا إيران وتركيا. وفي إيران منابع البترول، وفي تركيا مفتاح البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فلا غرابة في أن يتشاءم المحافظون والمعتدلون في أمريكا وفي غرب أوروبا. فأمَّا الإيرانيون والترك أنفسهم فأمرهم أهون من أن يُؤبَه له، وأيسر من أن يُلتفَت إليه … قد يضيق الإيرانيون بهذه المشكلات التي تأتيهم من تنافس المنتصرين حول وطنهم الذي يعيشون فيه، وثرائهم الذي يعيشون منه، ولكن هذا ليس شيئًا ذا خطر، فرضا الإيرانيين وسخطهم سواء، وإنما المهم هو أن يتفق المنتصرون على شئون إيران وإن لم تتفق معهم إيران على شئونها.

    وكذلك الترك، قد يغضبون وقد يرضون، وقد يظهرون استعدادهم للحرب أو للسلم، ولكن المهم هو أن يتفق المنتصرون فيما بينهم.

    ومن أجل هذا ظهرت في الجو العالمي فكرتان قيمتان كل القيمة؛ إحداهما: فكرة اللجنة الثلاثية التي تذهب إلى إيران لتحقق ثم تشير، لا على الإيرانيين بل على المنتصرين.

    وقد أراد المستر بيفن أن يكون رفيقًا رشيقًا، وأن يفاوض حكومة إيران في إرسال هذه اللجنة إلى بلادها، ولكن يُقال إن الرفيق مولوتوف أبى حتى هذا الرفق، ولم يرضَ إلَّا أن يكون صريحًا. فشئون إيران تهم المنتصرين أكثر مما تهم الإيرانيين أنفسهم!

    الفكرة الثانية: هي التي أخذت تظهر في اللحظات الأخيرة، وهي أن المفاوضات قد تحل الخلاف بين الروسيين والترك، وفي المفاوضات أخذ وعطاء، وواضح أن الروسيين لن يعطوا شيئًا، وأنهم لن يرضوا إلَّا إذا أخذوا شيئًا.

    ومن الطبيعي أن هذه الفكرة إنما جاءت من المنتصرين، فمن يدري؟! لعل البريطانيين والأمريكيين أن يكونوا واسطة خير بين الترك والروس، فإنْ قَبِلَ الترك مشورتهم رَضِيَتْ روسيا، وقنعت تركيا بما كُتِبَ لها وبما كُتِبَ عليها، وإن رفض الترك هذه المشورة خُلِّيَ بينها وبين الرُّوس لتجرب حظها، ونتيجة التجربة معروفة لا شك فيها.

    وقد تسأل عن شئون الشرق العربي، ما خطبها في كل هذه الأحاديث التي أُثِيرَتْ في موسكو، وما زالت تُثار في العواصم الكبرى الثلاث؟ والجواب عن هذا السؤال يسير جدًّا؛ فالشرق العربي آخر شيء يُفكَّر فيه، وإن كان المنتصرون لم ينسوه، ولا يمكن أن ينسوه؛ لأن فيه مصالح ومرافق ليس إلى نسيانها من سبيل.

    الملعب الأكبر
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٣ يناير ١٩٤٦

    هو هذا الذي يفتتح اليوم (الخميس) في لندرة، ويقوم فيها أسابيع، بعد أن افتُتح في أبريل الماضي في مدينة سان فرنسسكو وقام فيها شهرين، وهو الملعب الأكبر بأدقِّ معاني هذه الكلمة وأوسعها، فيه جدٌّ كثير؛ لأنه يمسُّ مستقبل الإنسانية كلها، ويحاول أن يتصوره وأن يصوره على نحو ما، وفيه هزل كثيرٌ؛ لأن الإنسان مغرور بطبعه، محاول أكثر مما يستطيع، متعرِّض في هذه المحاولة لألوان من الخلط والخطأ، تضحك أحيانًا، وتبكي أحيانًا أخرى. وفيه فكاهة كثيرة؛ لأن الذين يمثلون فيه قد أقبلوا من أكثر أقطار الأرض، مندوبين عن أكبر شعوب الأرض، وكل منهم يحمل مزاج شعبه أولًا، ومزاج نفسه ثانيًا، أو قل إن شئت إن كلًّا منهم يحمل مزاج نفسه، ثم يحمل مزاج شعبه.

    ومهما يكن من شيء فهم يحملون أمزجة مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، وكل هذه الأمزجة المختلفة المتباينة ستتفق وتفترق، وستأتلف وتختلف، وستتصل وتنفصل، وسينشأ عن اتفاقها وافتراقها، وعن ائتلافها واختلافها، وعن اتصالها وانفصالها كثيرٌ جدًّا من الدعابة التي تثير الابتسام، والفكاهة التي تدفع إلى الضحك، والجد الذي يحمل على التفكير.

    وقد كان من الظواهر التي تؤيد ما ذهب إليه أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع، أن يجتمع أهل المدينة الواحدة كافة ليشهدوا التمثيل في الملعب، أو أن يجتمع نوَّابهم وشيوخهم ليديروا بينهم حديث السياسة والإدارة والتشريع، أو أن يجتمع مندوبو المدن المختلفة من الأمة الواحدة ليزوروا معبد أبولون، أو ليشهدوا الألعاب الأولمبية ويشاركوا فيها.

    وكان اجتماع المندوبين عن القبائل العربية — ليحجوا البيت قبل الإسلام، أو ليبيعوا ويشتروا في سوق عكاظ — مظهرًا أيضًا من مظاهر التأييد لما كان يقوله أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع.

    والذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحضارة — على اختلاف الأمم والشعوب، وعلى اختلاف العصور والظروف — يقتنعون فيما أظن بأن الإنسانية ما زالت تجتهد لتثبت أنها مدنية بالطبع، وأنها في حاجة إلى التعاون والتآزر؛ لتعيش أولًا ولترقى وترقي الحضارة ثانيًا. ولكن الذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية يقتنعون أيضًا فيما أظن بأن الإنسانية وحشية بالطبع، تتعاون ما وسعها التعاون، ولكنها تتنافر ما وسعها التنافر أيضًا. ولعلها لا تقبل على التعاون ولا تحرص عليه إلَّا بعد أن تذوق مرارة التنافر، وتصطلي نار الحرب، وتضيق بما يزهق من النفوس، وما يسفك من الدماء. فالإنسانية مدنية بالطبع، ووحشية بالطبع، أو هي كما يقول أبو العلاء: إنسية الولادة، وحشية الغريزة.

    ولكن أرستطاليس لم يقرر هذه الحقيقة وحدها في كتاب السياسة، وإنما قرر حقيقة أخرى في كتاب المنطق، وهي أن النقيضين لا يجتمعان. وكما أن الإنسانية عملت وستعمل ما تستطيع؛ لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة، فهي كذلك قد عملت، وستعمل ما تستطيع لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة الثانية. فالإنسانية تتعاون في السلم وتتنافر في الحرب، وهي لا تجمع بين التعاون والتنافر في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ظروف واحدة. وكذلك تجري الأمور كما أراد المعلم الأول أن تجري؛ فتتحقق للإنسانية مدنيتها وقتًا طويلًا تزهر فيه الحضارة، وتثمر فيه المدنية، ويشتدُّ فيه التعاون، ويعظم فيه الائتلاف والإخاء. ثم تتحقق للإنسانية وحشيتها؛ فتضطرب الحضارة، وتفسد المدنية، وتضيع الألفة، ويصبح بعض الناس لبعض عدوًّا. غير أن الإنسانية متقدمة دائمًا، وهي تحب أرستطاليس أشدَّ الحب، وتكبر فلسفته أعظم الإكبار، ولكنها في الوقت نفسه تصلح هذه الفلسفة ما وسعها الإصلاح، وتهدمها إن اقتضى الإصلاح هدمها!

    ولم يكن تاريخ النهضة الأوروبية في العصر الحديث إلَّا تقويمًا لما اعوجَّ من فلسفة المعلم الأول، وإصلاحًا لما فسد من نظرياته، وإلغاءً لبعض هذه النظريات حين يقتضي تقدم العقل إلغاءها. فليس من الضروري مثلًا ألَّا يجتمع النقيضان، وألَّا يكون الناس في وقت واحد ممعنين في الحرب والسلم، وغارقين في المدنية والوحشية، وإنما التقدم الصحيح والرقي العقلي المنتج هو الذي يتيح للإنسان أن يحارب ويسالم، وأن يتحضَّر ويتوحش، وأن يرفع بيمينه غصن الزيتون، ويشهر بشماله السيف الذي يتراءى فيه الموت، أو الذي يقطر منه الموت والدمار.

    كل ذلك شيءٌ ممكن، أو شيء يجب أن يكون ممكنًا، أو شيء يجب أن يتحقق بالفعل؛ ليعلم الناس أنهم يرتقون، وأن عقولهم تخضع الطبيعة لسلطانها، وأن فلسفة المعلم الأول — على ما تحف به من التوقير والإجلال — قد أصبحت قديمة رَثَّة لا تلائم حياة النهضة والتجديد. وقد نجحت الإنسانية المتحضِّرة بعضَ النجاح في الجمع بين النقيضين، وفي تحقيق الحرب والسلم معًا، حين كانت عصبة الأمم تمثل فصولها الرائعة في جنيف في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا تعتدي فيه على الحبشة اعتداءً خليقًا بآلهة العصر القديم. ولكن الإنسانية في ذلك الوقت لم تبلغ من النجاح أقصاه، ولم تنته به إلى غايته، فهي قد حاولت أن تكفَّ إيطاليا عن الأذى، وتردَّها عن العدوان، وهي قد فرضت على إيطاليا عقوبات اقتصادية لم تنفذها، أو لم تُرِدْ تنفيذها، أو لم تفلح في تنفيذها.

    وهي على كل حال قد أنكرت عدوان إيطاليا، وتركتها مع ذلك تعتدي، وتركت لسفنها وجندها قناة السويس تمر بها مرفوعة الأعلام موفورة الحظ من التوقير والإجلال، تحمل الهول والموت والدمار إلى قومٍ لم يكن لهم حول ولا طول ولا قدرة على الدفاع. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما اعترفت الإنسانية بالفتح الإيطالي في أرض الحبشة، وقبلت بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرهما أن يلقب ملك إيطاليا — كما يلقب ملك بريطانيا العظمى — بهذا اللقب العظيم: الملك الإمبراطور.

    بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما نظرت الإنسانية — راضيةً ساخطةً، وقابلةً رافضةً — إلى إيطاليا وهي تعتدي على ألبانيا، وتمطر عليهم الموت في يوم من الأيام المقدسة عند المسيحيين، وإلى ألمانيا وهي تُلغِي استقلال النمسا إلغاءً، وتعلن الحماية على تشكوسلوفاكيا إعلانًا، وفي أثناء هذا كله كانت المدنية الطبيعية تستخفي شيئًا فشيئًا، وكانت الوحشية الطبيعية تتراءى قليلًا قليلًا. حتى إذا كان اليوم المعلوم شبَّت نار الحرب العالمية الثانية، وامتلأت الأرض هولًا، واستمتعت بهذه النعمة العظيمة، نعمة الدمار يهدم كل عمران، والموت يختطف الأبرياء والضعفاء، يخرج لهم من الأرض، ويهبط عليهم من السماء، وهم يقبلون على هذه الخطوب راضين بها أو كارهين لها، ولكنهم يقبلون عليها لأنهم لا يجدون عنها مرَدًّا.

    ثم ضعفت القوى، وفتر النشاط، فأغمي علي إيطاليا، ثم استسلمت ألمانيا، ثم صرعت اليابان. ثم أخذت الوحشية تستخفي شيئًا فشيئًا، وجعلت المدنية الطبيعية تظهر قليلًا قليلًا. ثم استُؤْنِفَ التمثيل في الملاعب الخاصة، واستؤنف بعد ذلك في الملعب العام، فمثلت في سان فرنسسكو قصة ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الآن في تمثيل قصة أخرى هي جماعة الأمم المتحدة، وما سيتصل بها من المجالس واللجان.

    وكان التمثيل في العصر القديم يستغرق يومًا كاملًا، يبتدئ مع الصبح وينتهي عند مقدم الليل، ثم أصبح يستغرق ساعات قليلة، ولكنه في هذه الأيام قد أخذ يستغرق الأسابيع، ولعله يستغرق الأشهر أحيانًا.

    وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة؛ فإن القصص التي تمثل في الملعب الأكبر طويلة مسرفة في الطول، معقدة مغرقة في التعقيد؛ لأنها تمثيل بشئون الإنسانية كلها، لا شئون مدينة واحدة من المدن، أو فرد واحد من الأفراد.

    وكان القدماء يعرفون نوعين من التمثيل؛ التمثيل المحزن … التراجيديا، والتمثيل الملهي … الكوميديا. ثم جاء المحدثون فأنشئوا فنًّا ثالثًا يضحك ويبكي، ويسوء ويسر، وهو الدراما. وربما افتنُّوا في هذا الفن الجديد، فخالفوا فيه بين الضحك والبكاء، وبين الحديث والغناء، وأكثروا من ذلك حتى يتنوع الفن، وتجد فيه ملكات الإنسان كلها ما تريد من المتاع.

    وقد آثر الملعب الأكبر هذا النوع المعقد من الفن الجديد. فقد رأيت في سان فرنسسكو ما شاء الله أن ترى — وسمعت ما شاء الله أن تسمع — من الخصام العنيف، والوئام الظريف، ومن الجدِّ الذي يرتفع حتى يبلغ الروعة، والهزل الذي ينخفض حتى ينتهي إلى الإسفاف، ولم يكد يلقى الستار في الصيف الماضي حتى تبين أن أبا نُوَاس لم يكن مخطئًا حين قال:

    صار جدًّا ما مزحت بهرُب جدٍّ جره اللعبُ
    فقد لعبت الأمم في سان فرنسسكو ما شاء الله لها أن تلعب، ثم انتهت إلى هذا الجدِّ المخيف، وهو أن الأمم الصغيرة الضعيفة كانت مضطرة إلى أن تخضع لسلطان الأقوياء، غير مقرة بهذا الخضوع ولا مذعنة له إلَّا كارهة، فأصبحت الآن تخضع لهذا السلطان عن رضًا خالص، واختيار حر، وإيمان لا إكراه فيه.

    لقد أمضى ممثلوها ميثاق سان فرنسسكو، وأقرت برلماناتها هذا الميثاق، واعترفت هذه الأمم بأن من حقِّ القوي أن يتحكم في الضعيف، وبأن من حق الكبير أن يسيطر على الصغير، وبأن من حق الغني أن يصرِّف أمور الفقير كما يحب ويهوى؛ فأمور العالم قد أصبحت بحكم الميثاق إلى طبقتين من الأمم: إحداهما طبقة الأرستقراطية العليا، وهي الدول الثلاث المنتصرة، والأخرى طبقة الأرستقراطية المتوسطة، وهي هذه الدول الثلاث، يضاف إليها فرنسا والصين. ولا تقل إن الأمم المتحدة كلها ممثلة في الجمعية العامة، فليس لهذه الجمعية العامة رأي ذو خطر في الحرب والسلم، ولا تقل إن هذه الجمعية ممثلة في مجلس الأمن، فليس لمجلس الأمن رأي ذو خطر في الحرب والسلم، إلَّا إذا أقرته الدول الخمس الكبرى مجتمعة. بل قل إن شئت إن النظام الجديد للعالم الجديد يتيح لدولة واحدة من الدول الخمس أن تتحكم في العالم كما تريد، فقد عاد النظام الدولي إلى لون طريف من حكم الفرد، أو قل إلى لون طريف من تحكم الفرد. وإذا ذكرت الفرد فإنما أريد به معناه الدقيق. فقد تدبر الأمم الكبرى والصغرى شيئًا من الأشياء، ولكنه لا يتم لأن المستر إتلي، أو المستر ترومان، أو الماريشال ستالين، أو الجنرال ديجول، أو المارشال تشاي كنج تشيك، قال عابسًا أو مبتسمًا: لا …

    ثم نحن نشهد الآن القصة الثانية في الملعب الأكبر الذي يقوم في لندرة، والذي سينشئ جماعة الأمم المتحدة … أستغفر الله، بل سيمنحها الوجود، ويضع لها القواعد واللوائح والأصول، وينشئ مجلس الأمن، ومجلس الوصاية، ومجلس الطاقة الذرية، وما شئت من المجالس واللجان، والقصة تمثل على نفس النحو الذي مثلت عليه قصة سان فرنسسكو؛ فقد اجتمع المنتصرون في القرم، ووضعوا القصة التمثيلية لملعب سان فرانسسكو، فمثلها أحسن تمثيل، ثم اجتمع المنتصرون في موسكو أخيرًا، فوضعوا القصة التمثيلية لملعب لندرة، وسيمثلها بإذن الله أحسن تمثيل.

    على أن هناك قصصًا يتاح لها النجاح، وأخرى يتاح لها السقوط؛ فقد وضع المنتصرون قصة سان فرنسسكو، وأتيح لها النجاح، ولكنهم وضعوا قصة أخرى في بوتسدام، فلما عُرِضت للتمثيل في لندرة أثناء الخريف؛ أخفق وزراء الخارجية الخمسة في تمثيلها إخفاقًا شنيعًا. وهم قد وضعوا التمثيلية الثالثة في موسكو، ورفع الستار عنها في لندرة اليوم، وأخذ العالم كله يشهد التمثيل من طريق الراديو والبرق والصحف، وستنبئنا الأيام المقبلة بما كتب لهذه التمثيلية من نجاح أو سقوط.

    والشيء المحقق هو أن الصلة مقطوعة قطعًا خطيرًا بين هذا الفن من التمثيل وبين الحياة، فتستطيع أن تقول إن هذا التمثيل يجري على هامش العالم، وتستطيع أن تقول إن حياة العالم نفسه تجري على هامش التمثيل. فمشكلة إيران ومشكلة تركيا، ومشكلات الشرق الأدنى، ومشكلات الشرق الأقصى؛ كل هذه المشكلات تسلك طريقها إلى التعقد والارتباك — أو إلى الحل والانفراج — دون أن يظهر أثر شيء من ذلك فيما يجري على الملعب من تمثيل. ومن يدري لعلها تتعقد وترتبك — أو تنحل وتنفرج — فيما بين الفصول من أوقات الراحة. ومهما يكن من شيء فمن حق العالم أن يلهو وينعم بعد أن حُرِمَ اللهو والنعيم ستة أعوام. والتمثيل لون من ألوان اللهو، وضرب من ضروب النعيم، فليستمتع العالم بقصة لوندرة كما استمتع بقصة سان فرنسسكو. ولكن الخطر كلَّ الخطر أن تنخدع الأمم الصغيرة فتأخذ التمثيل على أنه حق، فليس التمثيل إلَّا فنًّا، فأمَّا الحق فهو عناية الأمم بنفسها، واعتمادها على ما تبذل من الجهود.

    في مجلس الأمن
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٠ يناير ١٩٤٦

    ما زال التمثيل مستمرًّا في لندرة: خُطَبٌ تُلقى، وأيدٍ تصفِّق، وأفواهٌ تندفع بالهتاف، وآمالٌ تُعقد هنا وهناك، ويأسٌ يشيع هنا وهناك أيضًا، ولجانٌ تُنتخب في سهولة ويسر مرة، وفي مشقة وعنف مرة أخرى، وتنافس حول عضوية هذه اللجان، وشعوبٌ من وراء هذا كله تقرأ وتسمع، فيجدُّ بعضها، ويمزحُ بعضها الآخر، وتمضي سياسة العالم بين هذا كله متعثرة متجشمة ألوان المصاعب والخطوب.

    وقد انتُخب مجلس الأمن فيما انتخب من المجالس واللجان، وأُتيح لمصر أن تُنتخب في هذا المجلس، فابتهج قومٌ منا عن ثقة وأمل، وسخر قومٌ منا عن قنوط ويأس، وتردد قومٌ منا بين السخط والرضا، وبين اليأس والرجاء. فقد يسرُّ المصريين أن تظفر مصر بثقة جماعة ضخمة من الدول، وأن يجلس ممثلوها في مجلس الأمن حين ينعقد لأول مرة، وأن يتخذ هؤلاء الممثلون مجالسهم بين الذين يمثلون الدول الكبرى الثلاث، وبين الذين يمثلون الدول الكبرى الخمس، وهي في ذلك الوقت قد ظفرت بما لم تظفر به دول أخرى لها من الاستقلال والبأس والمهابة ما ليس لمصر. فمما يتملق الشعور الوطني، ويداعب العزة القومية، أن تُختار مصر لمجلس الأمن في أول انتخاب لهذا المجلس، وأن تحل مصر بين الدول هذا المحل الرفيع.

    كل هذا حق، ولكن أكلُّ هذا خير؟! هذه هي المسألة التي يجب أن تُلقى، والتي يجب أن يُجاب عليها. وبمقدار ما يكون الجواب عليها ملائمًا للحق الواقع العملي، لا لهذا الحق المتخيل النظري، يصح أن يبتهج المصريون وأن يبتئسوا، وأن يرضوا أو أن يسخطوا.

    وما أظن القارئ ينتظر مني أن أكون بين الراضين المبتهجين، فهو يعرف رأيي في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وهو يعرف رأيي في إقبال مصر على المشاركة في الجماعة وفي مجلسها. فالترفُ شيءٌ مرغوب فيه، ولكن بعد أن تتحقق الأشياء التي لا بدَّ منها ولا استغناء عنها. وجماعة الأمم ترف ما في ذلك شك، ومجلس الأمن ترف ما في ذلك شك أيضًا. جماعة الأمم ترف بالقياس إلينا وإلى أمثالنا؛ لأن أمرها في المسائل الخطيرة جدًّا إلى الدول المنتصرة الثلاث، ولأن أمرها في المسائل ذات الخطر المعتدل أو القليل إلى الدول الخمس الكبرى. فأمَّا نحن وأمثالنا فأعضاء في هذه الجماعة لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.

    ومجلس الأمن ترفٌ من غير شك؛ لأن أمره إلى المنتصرين الثلاثة أو إلى المنتصرين الخمسة، ونحن وأمثالنا أعضاءٌ فيه لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.

    وربما كان مركزنا في مجلس الأمن أدنى إلى الترف من مركزنا في جماعة الأمم المتحدة؛ فنحن لن نصنع في مجلس الأمن شيئًا ذا خطر، ولن نستطيع أن نصنع فيه شيئًا ذا خطر؛ لأن قرارات مجلس الأمن في المسائل الخطيرة حقًّا لا تنفذ إلَّا بما أجمعت عليه الدول الخمس الكبرى، فقد ننضم — وينضم غيرنا معنا — إلى أربع من هذه الدول الخمس، ويظل قرار الدول العشر معطلًا؛ لأن الدولة الحادية عشرة قالت: لا!

    وإذا استطاعت دولة عظيمة أن تعطل ما اتفقت عليه الدول الأربع الكبرى، فكيف بنا حين نتفق مع هذه الدول أو حين نختلف، إنما نحن وأمثالنا تكملة للعدد لا أكثر ولا أقل … نستغفر اللَّه، بل قد نكون نحن وأمثالنا أقل من تكملة العدد، فاشتراكنا في مجلس الأمن كاشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة، يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.

    سيشهد ممثلنا مجلس الأمن، وقد يقرر مجلس الأمن شيئًا لا يلائم مصالحنا، وقد ينكر ممثلنا هذا القرار، وقد يحتجُّ عليه، ولكننا سنلتزمه، ونذعن له؛ لأننا مشتركون في مجلس الأمن، وفي جماعة الأمم المتحدة، وأيسر ما يقتضيه هذا الاشتراك أن نذعن لما تصدره الهيئات من قرارات.

    وقد يُقال: إن ابتعادنا عن هاتين الهيئتين لا يعفينا من الإذعان لقراراتهما. ولكنْ فرقٌ كبيرٌ بين أن تذعن عن رضًا واختيار، وأن تذعن لأنك لا تجد من الإذعان بدًّا.

    لا ينبغي أن ينتظر القارئ مني إذن أن أكون من المبتهجين بانتخابنا في مجلس الأمن، فقد كنت خليقًا أن أبتهج باشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة وانتخابنا في مجلس الأمن لو أننا حققنا استقلالنا كاملًا موفورًا قبل ذلك. فاشتراكنا في الهيئتين على أننا أمة مستقلة كاملة الاستقلال، ليس بينها وبين هذا المنتصر أو ذاك ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من الاختلاف.

    إذن، كان من الطبيعي أن نبتهج باشتراكنا في هذه الجماعة؛ لأن العزلة في الحياة السياسية شيءٌ بغيض، وكان من الطبيعي أن نبتهج بانتخابنا في مجلس الأمن؛ لأن الذين يظفرون بحاجاتهم الضرورية يستطيعون أن يطلبوا شيئًا من الترف، وأن ينعموا به إن أُتيح لهم، فأمَّا ألَّا نكون أحرارًا في بلادنا كما نحب أن نكون أحرارًا، وأن نشارك في تقرير الحرية لغيرنا من الأمم فأمرٌ لا يخلو من فكاهة، وقد جاء في الأثر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.

    وأمَّا أن تكون أرض وطننا محتلة قد استقر فيها الأجنبي، وأن نؤيد بعد ذلك — أو مع ذلك — الدول التي تطالب بجلاء الأجنبي عن أرضها، فأمرٌ لا يخلو من فكاهة مرة، فقد ينبغي أن نجلي أصدقائنا الإنجليز عن أرض مصر أولًا، وأن نؤيد بعد ذلك الدول الأخرى حين تطالب بجلاء الإنجليز أو غير الإنجليز عن أوطانها. ومن الحق أن مركز الممثل المصري في مجلس الأمن سيكون مؤلمًا إلَّا إذا كانت نفسه تحسن الانخداع بالظواهر والإغضاء عن الحقائق.

    سيجتمع مجلس الأمن اليوم — الخميس — ويقال: إن المشكلة الإيرانية قد تُعرض عليه، وربما عرضت عليه أيضًا مشكلة سوريا ولبنان. والمشكلة الإيرانية تطالب بجلاء الروسيين عن شمال إيران، وقد يقتضي ذلك جلاء البريطانيين عن جنوب إيران، وستجرى المناقشات في هذا الجلاء الروسي، وقد يتكلم ممثل مصر مؤيدًا إيران فيما تطالب من الجلاء، وقد لا يتكلم، فإن آثر السكوت خذل إيران، ومن الحق عليه أن ينصرها، وإن تكلم كان لممثل روسيا أن يسأله: وما شأن الاحتلال البريطاني للوطن المصري؟! أو ما رأيك فيه؟! وما لك لا تتعجل الجلاء عن مصر، كما تتعجل الجلاء عن إيران؟ قد يقول الممثل المصري: فإني أتعجل الجلاء البريطاني عن مصر، وقد أرسلت حكومتي في ذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. وحينئذٍ يجيبه الرفيق الروسي باسمًا: فإن إيران أيضًا قد تعجلت جلاءنا عن أرضها وأرسلت إلينا مذكرة، فليكن مصير المذكرتين واحدًا أو متشابهًا، ولنجلو عن إيران حين يجلو حلفاؤكم عن أرض مصر.

    وسيكون موقف الممثل المصري من المشكلة السورية اللبنانية — إن عرضت على مجلس الأمن — كموقفه من المشكلة الإيرانية: لن يستطيع أن يسكت، فالإخاء بيننا وبين سوريا ولبنان يفرض عليه أن يتكلم، وإذا تكلم فسيجيبه وزير الخارجية الفرنسية بمثل ما يجيبه به وكيل الخارجية الروسية. الأمر سواء؛ لأن المحتل ينبغي أن يظفر بالجلاء عن وطنه أولًا، وأن يعين بعد ذلك على الجلاء عن وطن حلفائه وأصدقائه.

    وسواء تكلم الممثل المصري أم لم يتكلم في هذه المشكلة أو تلك، فالنتيجة واحدة؛ وهي أن كلامه لن يقدم ولن يؤخر، وإنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدم أو يؤخر هو اتفاق الدول الخمس الكبرى أو اختلافها. فإن اتفقت هذه الدول على جلاء الجيوش الأجنبية عن إيران، فسيجلوا الروس عن الشمال والبريطانيون عن الجنوب. وإن لم تتفق هذه الدول بقي الروس حيث هم، وأقام البريطانيون حيث يقيمون، إلَّا أن تُثار الحرب لإجلاء أولئك أو هؤلاء أو لإجلاء أولئك وهؤلاء جميعًا.

    ومجلس الأمن قد أنشئ — فيما يُقال — ليمنع الحرب أولًا، وليمنع الظلم ثانيًا، ولن يستطيع أن يمنع الظلم ما دام حق الاعتراض قائمًا، ولن يستطيع أن يمنع الحرب ما دام عاجزًا عن منع الظلم. وإذن، فمجلس الأمن شيءٌ عجيبٌ حقًّا، وفيه كثير من النفع، ولكن للأمم الكبرى لا للأمم الصغيرة.

    تستطيع الأمم الصغيرة أن تلجأ إليه، ويستطيع ممثلوها أن يرفهوا على أنفسهم ويفرجوا ما يلم بهم من المكروه، ثم يقف الأمر عند هذا الحد، ويمضي أمر الدول الكبرى كما يريد الكبار لا كما يريد الصغار.

    ومثل هذا يُقال بالقياس إلى جماعة الأمم المتحدة حين تعرض لشئون السياسة؛ ولذلك قرأت وسأقرأ ما يُقال من عرض هذه المشكلة أو تلك على هذه الهيئة أو تلك، دون أن أنتظر لهذه المشكلات حلًّا إلَّا أن يتفق الكبار الثلاثة أو الكبار الخمسة. فأمَّا ما دون ذلك فلن يقدم ولن يؤخر إلَّا في نشر الدعوة وفي الإعلان. ومن يدري؟ لعل نشر الدعوة والإعلان أن يكون من الأغراض الخطيرة التي تشترك من أجلها الدول في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن.

    وهناك سؤالٌ يخطر لي، ولا أكاد أعلنه إلَّا في كثيرٍ جدًّا من التردد، وهو: أليس بيننا وبين أصدقائنا البريطانيين خلاف؟ فإن كان الجواب بلى، فلمَ لا يعرض هذا الخلاف على هيئة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن كما تعرض المشكلة الإيرانية والمشكلة السورية واللبنانية؟ وإذا لم يكن هناك خلافٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين، فلمَ نرهق حكومتنا بذكر الحقوق الوطنية، ولم ترسل حكومتنا مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية؟!

    صدِّقني أيها القارئ! إن الحوادث لم تكذِّب بعد أبا الطيب حين قال:

    وكم ذا بمصر من المضحكات

    وصدِّقني أيضًا إن من الخير أن نضحك نحن من أنفسنا قبل أن يضحك منَّا الناس.

    هنا وهناك
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٧ فبراير ١٩٤٦
    ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
    وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
    وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
    وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
    وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
    ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
    النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
    ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
    ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
    وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
    وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
    وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
    هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
    وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
    ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
    والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
    ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
    ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
    ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام!

    أزمتان
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٠ مارس ١٩٤٦

    ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.

    وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.

    أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.

    هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.

    وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.

    وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.

    ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.

    أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.

    وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.

    وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.

    ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.

    والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.

    وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.

    وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.

    ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.

    ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.

    وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.

    وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …

    هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.

    وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.

    أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.

    أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.

    وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال.

    حدة …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٧ مارس ١٩٤٦

    يقول المثل العربي القديم: «إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا.» فقد كان المستر تشرشل ريحًا في الأسبوع الماضي، فلقي من الماريشال ستالين إعصارًا في هذا الأسبوع.

    وكذلك يقول المثل العربي القديم: «لا يفلُّ الحديد إلَّا الحديد.» وقد كان المستر تشرشل في الأسبوع الماضي حديدًا، فكان الماريشال ستالين حديدًا في هذا الأسبوع أيضًا. والشيء الواضح هو أن كلمة الحدة التي اتخذناها عنوانًا لهذه الحديث هي الكلمة التي تصور الموقف السياسي العالمي أدقَّ تصوير وأصدقه في هذه الأيام. وهذه الحدة ليست مقصورة على أحاديث المستر تشرشل والماريشال ستالين، ولكنها أوسع من هذه الأحاديث مدًى، وأعظم شمولًا، بل هذه الحدة ليست مقصورة على الأقوال، وإنما تتناول الأعمال كما تتناول الأحداث.

    ولولا أننا نعيش في القرن العشرين لكان من الممكن أن نتحدث بلغة القدماء، فنزعم أن حدثًا قد حدث في السماء نشأت عنه هذه الحدة التي شملت أكثر أقطار الأرض. ومن يدري؟ فإن الإنسان لم يؤتَ من العلم إلَّا قليلًا، وهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء، وعسى أن يكون القدماء لم يخطئوا حين قدَّروا أن فيما يكون بين الكواكب من تقارب وتباعد، ومن قران وفراق دلائل ومقدمات لما يكون في الأرض من خطوب وأحداث. ومهما يكن من شيء، فقد يكون من حق المنجمين أن يفسروا لنا هذه الأحداث على طريقتهم التي لا تخلو من روعة، والتي لا تعدم من الناس من يؤمن بها ويطمئن إليها.

    وقد حدثنا أن هتلر كان يستشير المنجمين في القرن العشرين، فمن يدري لعل بين قادة العالم وسادته المنتصرين من يشبه هتلر في تصديق النجوم، والثقة بالمنجمين في هذا وحده لا في شيءٍ آخر.

    فمن الواضح المسلم به أن الطغيان والعدوان والظلم والقهر والقسر، كل هذه الخصال قد ماتت بموت هتلر، إن كان هتلر قد مات، أو قل: إنها انهارت بانهيار ألمانيا الذي لم يبقَ فيه شك. ومن الواضح المسلم به أن انتصار الحلفاء أثناء العام الماضي في المشرق والمغرب قد ملأ الأرض عدلًا وأمنًا وسلامًا، كما أشاع فيها المودة والإخاء بين الشعوب. وإذا كانت هناك بوادر تثير القلق أو تشيع الخوف، فإنها ليست على الناس، وليست على المنتصرين منهم خاصةً، وإنما هو على هذه الكواكب والنجوم التي تسير كما أراد الله لها، لا كما يريد لها الناس.

    ولو قد استطاع المستر تشرشل — أستغفر الله — فقد أصبح المستر تشرشل لا يستطيع شيئًا … لو قد استطاع المستر إستانلي والماريشال ستالين والمستر ترومان أن يدبِّروا أمر السماء كما يُدبِّرون أمر الأرض، أو أن يقطعوا الصلة بين الكواكب والنجوم وبين هذه الأرض البائسة؛ لاستقامت أمور الناس، ولاستقر بينهم الوفاق، ولزال من بينهم هذا الخلاف الذي يشتد حينًا حتى يخيف، ويلين حينًا حتى يُضحك. ومن يدري لعل المنتصرين أن يجدوا سببًا أو أسبابًا توصلهم إلى السماء، فيُسيِّروا نجومها وكواكبها على ما يشتهون، فقد اتصل الأمريكيون بالقمر، واتصل الأستراليون بالشمس، وأكبر الظن أن الروسيين قد اتصلوا بالمريخ، ولكن الروسيين لا يعلنون أسرارهم إلى الناس. لندع النجوم إذن للمنجمين، ولنعد إلى هذه الأرض البائسة المسكينة التي لم تخلص من حدة الحرب إلا لتشقى بحدة السلم، وإلى أعصاب الناس المساكين الذين لم ترقَأ دموعهم بعد، ويُراد بهم أن يستأنفوا سكب الدموع.

    يجب أن يكون في الأرض شياطين يأتمرون بالناس؛ ليجعلوا بأسهم بينهم شديدًا، وليعذبوهم بأيدي أنفسهم. ولست أدري أين يجتمع هؤلاء الشياطين ليأتمروا … أيجتمعون في أعماق البحر الأبيض المتوسط، أم في أعماق المحيط الأطلنطي، أم في أعماق المحيط الهادي، أم على قمة من قمم الجبال، أم في منبع من منابع البترول؟ وأكبر الظن أنهم قد اختاروا لأنفسهم مكانًا مجهولًا، وألقوا من بينهم شُعبًا كثيرة بثُّوها في أقطار البر والبحر، وفي أطباق الجو والفضاء.

    وسواء هبطت هذه الحدة المخيفة من السماء أو نجمت من الأرض؛ فإنها شيء واقع لا شك فيه، تظهر آثارها في كل مكان … تظهر في إيران حيث ظنَّ الناس أن الأمور قد استقرت، أو سارت في طريقها إلى الاستقرار بفضل مجلس الأمن من جهة، وتغيير الوزارة الإيرانية من جهة أخرى، وبدء المفاوضات بين موسكو وطهران من جهة ثالثة.

    ثم ظهر أن مجلس الأمن لم يصنع شيئًا، وأن تغيير الوزارة لم يُغيِّر شيئًا، وأن المفاوضات لم تنتهِ إلى اتفاق، وأن الروسيين لم ينفِّذوا المعاهدة، ولم يجلوا جيوشهم عن إيران في اليوم الثاني من شهر مارس، بل لم يكتفوا بإبقائها، وإنما أرسلوا إليها الأمداد، وأمروها بالزحف والتحرك؛ لأنها في حاجة إلى شيءٍ من الرياضة.

    ومن الطبيعي أن يجنَّ جنون الحلفاء لهذه المخالفة الخطيرة التي أقدمت عليها روسيا، فما ينبغي أن يُتخذ مجلس الأمن هزءًا وسخرية، وما ينبغي أن تُنقض العهود على هذا النحو اليسير، وفي هذا الاستهتار المريب، وما ينبغي أن يعتدي الأقوياء هكذا على الضعفاء في غير خجل ولا حياء.

    ولذلك أرسلت المذكرات من لندرة وواشنجطون إلى موسكو تستوضح وتستعلم، وتلفت النظر، وتنبه الغافل، وتحذر الآمن … ولكن هذه المذكرات تصل إلى موسكو، وتبلغ إلى وزارة الخارجية الروسية، فلا تكاد تصل إلى مكتب الرفيق مولوتوف حتى يأخذها نوم عميق، ويطول انتظار الرد في لندرة وفي واشنجطون، ولكن الردَّ لا يأتي؛ لأن المذكرات قد وصلت نائمة إلى وزارة الخارجية الروسية.

    وأكبر الظن أن الحكومة الروسية لا تحب الكلام إلَّا حين يكون الكلام مفيدًا ونافعًا، وأكبر الظن أيضًا أن الحكومة الروسية لا ترى أنها في حاجة إلى أن ترد على هذه المذكرات؛ لأن الحقائق الواقعة تنوب عنها في القيام بهذا الرد، فهي لم تجلُ عن إيران لأن البريطانيين لم يجلوا عن اليونان، ولا عن مصر، ولا عن فلسطين، ولا عن العراق، ولا عن أقطار أخرى من الأرض كان يحسن أن يجلوا عنها بعد أن استقر السلم ومُلئت الأرض عدلًا وحقًّا وإنصافًا.

    وقد وعد الروس بالجلاء عن إيران، كما وعد البريطانيون بالجلاء عن مصر وعن اليونان. فلماذا يُطالب الروس وحدهم بأن يكونوا أخيارًا أبرارًا منفذين للعهود، موفين بالوعود.

    وقد قال البريطانيون: إنهم يقيمون في اليونان برضى اليونانيين، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم يقيمون في إيران برضى الإيرانيين؟! وقد قال الإنجليز: إنهم سيجلون عن اليونان بعد الانتخابات، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم سيجلون عن إيران بعد الانتخابات. ويقال: إن الإنجليز يؤيدون أحزاب اليمين في اليونان، ويقال كذلك: إن الروسيين يؤيدون أحزاب اليسار في إيران؛ فالأمور متكافئة تسلط هنا وتسلط هناك، فلماذا يقلع أحد المتسلطين عن تسلطه قبل أن يقلع الآخر! ومن أجل هذا يضيق المختصمون بعضهم ببعض أشد الضيق، فيخرجون من الحوار الهادئ اللين إلى الخصام الصاخب العنيف.

    ومن أجل هذا يخطب المستر تشرشل في أمريكا فيقول: إن الشيوعية خطرٌ على الحضارة المسيحية، وإن التحالف بين البلاد التي تتكلم اللغة الإنجليزية شرط أساسي لحماية هذه الحضارة المسيحية من هذا الخطر الشيوعي الخطير، فيتحدث الماريشال ستالين أمس (الأربعاء) بأن المستر تشرشل يذهب مذهب هتلر في الدفاع عن العنصرية الإنجليزية؛ فقد كان هتلر يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الألمانية قوة ضخمة تسيطر على العالم، فأصبح مستر تشرشل يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الإنجليزية قوة ضخمة تسيطر على العالم.

    وإذا كانت الشيوعية الروسية خطرًا على الحضارة المسيحية كما يقول المستر تشرشل، فإن النازية الإنجليزية خطر على حرية الأمم، واستقلال الشعوب، كما يقول الماريشال ستالين، بل يذهب الماريشال ستالين إلى أبعد من هذا؛ فيضرب الأمثال، ويضع النقط على الياءات، فيذكر أن البلاد المحالفة لروسيا أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل أحزاب الشعب وأهواءه كلها، على حين أن البلاد المحالفة لبريطانيا العظمى أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل الأقليات المحافظة والرجعية.

    بل إن بريطانيا العظمى نفسها — في رأي الماريشال ستالين — يحكمها حزب واحد مهما يكن حظه من رضى الشعب فهو لا يمثل هذا الرضى كاملًا؛ لأن هناك أحزابًا أخرى قائمة لا تشارك في الحكم، ولا تساهم في تدبير الأمور. ولا يكتفي الماريشال ستالين بهذا، بل يتهم المستر تشرشل زميله في مؤتمر طهران والقرم وموتسدام، وفي تدبير شئون الحرب وجني أكاليل النصر … يتهمه بالنفاق، نعم بالنفاق لا بشيء أقل منه ولا بشيء أكثر منه، وأي شيء أكثر من النفاق؟! والمستر تشرشل منافق عند الماريشال ستالين؛ لأنه في خطبة واحدة يحرض على روسيا، ويدعو إلى أن تمد المعاهدة بينها وبين الإنجليز إلى خمسين عامًا.

    وكذلك تبلغ الحدة أقصاها بين الحليفين العظيمين: حدة في الأقوال، وحدة في الأعمال، وحدة في تقدير الأمور. والناس يرون ويسمعون ويشعرون ويسألون أنفسهم وقد ملأ قلوبهم الخوف: أليس هناك شَبَهٌ قويٌّ بين هذه الحدة التي تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها، وبين حدة أخرى كانت تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها قبيل الحرب العالمية الثانية؟!

    أيُمكن أن تنتج هذه الحدة ما أنتجته تلك الحدة! أيمكن أن يدفع العالم إلى حرب ثالثة؛ لأن المنتصرين لم يتفقوا على تنظيم النصر، واقتسام غنائمه، كما اتفقوا على تنظيم الحرب وإكراه العدو على الاستسلام؟!

    كل شيء ممكن، ولكن للإمكان حدوده، فقد تحتاج الشعوب إلى راحة تقصر أو تطول قبل أن تستأنف الحرب الثالثة، وقد تعتدل النجوم والكواكب في السماء، فتعتدل أهواء الناس وشهواتهم في الأرض، وقد ينقسم الشياطين المؤتمرون على أنفسهم، ويشغلون بما يثار بينهم من خلاف؛ فتجد الإنسانية وقتًا تستريح فيه وتستمتع بالأمن والسلم حينًا، وقد يُنزل الله السكينة على الناس فيحبب إليهم العدل، ويُزيِّن في قلوبهم الإنصاف، ويصرفهم عن الجور والعسف، ويقنع بريطانيا العظمى وروسيا وأمريكا بأن الإنسانية قد بذلت من التضحية في الحربين الماضيتين ثمنًا غاليًا تستحق بعد بذله أن تستمتع بشيءٍ من السلام النقي البريء.

    كل شيء ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تظل الإنسانية خائفة هلعة جزعة حتى يتغير الليل غير الليل، ويتغير النهار غير النهار، وتسلك الشمس وغيرها من الكواكب طريقًا أخرى غير هذه الطريق التي سلكتها منذ كان العالم.

    هنالك يشعر الناس بأن العالم قد تغيَّر حقًّا، وبأن من الطبيعي أن يتغيروا كما تغير العالم، وأن يسلكوا بحضارتهم وآمالهم طريقًا غير هذه الطريق التي سلكها الناس منذ كان الناس.

    مجلس الخوف …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٧ أبريل ١٩٤٦
    كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
    وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
    فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
    وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
    فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
    كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
    فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
    ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
    والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
    وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
    ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
    سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
    وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
    وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
    فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
    وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
    والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
    ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
    وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
    وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب.

    هدوء …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ أبريل ١٩٤٦

    أُلقي الستار وتفرَّق الممثلون الذين كانوا يلعبون قصة العاصفة في نيويورك، وتفرق النظارة أيضًا، وجعل كل منهم يستأنف شيئًا من هذه الحياة الفارغة المريحة؛ ليسترد شيئًا من نشاطه، وليستطيع استئناف النظر إلى الفصل الجديد الذي يتهيَّأ له الممثِّلون، والذي سُيرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل.

    ولعل القرَّاء يثقون الآن بأن أصحاب السياسة، وأصحاب الحرب في الحياة العالمية، لا يستطيعون في هذا الطور من أطوار الحياة الإنسانية إلا أن يمثلوا، فهم قد عملوا حتى أتعبوا أنفسهم وأتبعوا الناس في الأعوام الستة الماضية، وآن لهم أن يريحوا أنفسهم ويريحوا الناس أعوامًا تكثر أو تقل قبل أن يستأنفوا عملًا جديدًا.

    وقد قلت في هذا الموضوع غير مرة إن كل ما يحدث في السياسة العالمية الآن ليس إلا تمثيلًا، وأول الحرب كلام، وآخر الحرب كلام أيضًا. فلنقل إن العالم الآن يتكلم ليختم الحرب العالمية الثانية، لا ليبدأ الحرب العالمية الثالثة، فما زال بيننا وبين هذه الحرب الثالثة أمدٌ بعيدٌ، ومن يدري لعله أن يكون أبعد مما نظن ومما يقدِّر المتشائمون. والشيء المهم هو أن الفصل الثاني من قصة العاصفة الإيرانية قد انتهى بسلام، وانتهى كما قدرنا في الأسبوع الماضي أنه سينتهي؛ فقد أعلن الروسيون والإيرانيون أنهم قد وصلوا إلى الاتفاق، واطمأنَّ مجلس الأمن إلى ذلك بعد أن ملأه الخوف وتملَّكه الذعر، وكان من نتائج اطمئنانه أنه أجَّل القصة إلى الشهر المقبل. ولكن علامَ اتفق الروسيون والإيرانيون؟ على شيئين واضحين، وعلى أشياء يكتنفها كثير من الغموض، فأما الشيئان الواضحان فهما أن يجلو الروسيون عن إيران بغير قيد ولا شرط أولًا، وأن تنشأ شركة روسية إيرانية لاستغلال منابع البترول في بعض أجزاء إيران.

    فالجلاء شيء واقع لا شك فيه، وهو غير مشروط ولا مُقيَّد، ولكن الاتفاق على إنشاء شركة البترول شيء واقع لا شك فيه أيضًا، وقد تمَّ قبل أن يتحقق الجلاء، وأخص ما تمتاز به السياسة أنها تحب الجمع بين المتناقضات، ولا تضيق بالتناقض كما يضيق به المنطق. فهل كان من الممكن أن يجلو الروسيون عن إيران لو لم يتحقق الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ وفيمَ كان تأخير الجلاء عن موعده في الثامن من شهر مارس إلى الرابع والعشرين من شهر مارس أيضًا! ألم يكن تأخير الجلاء نتيجة لتأخر الاتفاق على إنشاء شركة البترول؟ ألم يكن بدء الجلاء نتيجة لتحقق الاتفاق على إنشاء هذه الشركة؟ وإذن فقد أخذ الروسيون يجلون بغير شرط ولا قيد بعد أن حققوا ما كانوا يريدون من الشروط والقيود.

    وقد يعجز المنطق عن فهم هذا التناقض، ولكن السياسة تُسِيغه ولا ترى به بأسًا. وكان البريطانيون والأمريكيون، ومن ورائهم أو من أمامهم مجلس الأمن، يخافون كلَّ الخوف من أن يتم اتفاق بين روسيا وإيران، وأن يكون للضغط الروسي أثرٌ في إتمام هذا الاتفاق. فما ينبغي بعد انتصار الديمقراطية، وتحقق العدل والمساواة بين الشعوب الكبيرة والشعوب الصغيرة أن يتخذ الضغط وسيلة إلى إكراه الشعوب على ما لا تحب؛ فقد اطمأن البريطانيون والأمريكيون، واطمأنَّ معهم مجلس الأمن، على أن روسيا لم تُكْرِه إيران على شيء، ولم تتخذ الضغط وسيلة إلى إتمام الاتفاق على إنشاء شركة البترول، والدليل على ذلك أنها أجَّلت الجلاء ثلاثة أسابيع؛ حتى إذا اطمأنَّت إلى أن شركة البترول ستنشأ من غير شك أخذت في تحقيق الجلاء.

    ومهما يكن من شيء فقد ظفرت روسيا بما كانت تريد؛ فهي لم ترد قط أن تحتل إيران، وإنما أرادت أن تؤمن حدودها، وأن تشارك في استغلال البترول الإيراني. وتأمين الحدود لا يكون باحتلال إيران، وإنما يكون بالاتفاق معها، واستغلال البترول لا يستلزم الاحتلال الدائم، وإنما يستلزم الاحتلال إلى أن يتمَّ الاتفاق عليه. ومن أجل ذلك قلنا إن الاتفاق الذي تَمَّ بين روسيا وإيران واضح من بعض جهاته، غامض من جهات أخرى … واضح من حيث الجلاء واستغلال منابع البترول … غامض من حيث تأمين الحدود واستقلال أذربيجان. فماذا تمَّ بين الدولتين في هاتين المسألتين …؟ أهناك اتفاق عسكري بين روسيا وإيران يؤمن روسيا على حدودها؟ أهناك اتفاق على أن تستقل أذربيجان استقلالًا ذاتيًّا؟ أهناك امتيازات أخرى لروسيا لم يذع أمرها في الناس بعدُ؟

    هذه هي المسائل الغامضة التي لا تزال تحتاج إلى شيء من التوضيح، ولأجل هذا نستطيع أن نقول إن البريطانيين والأمريكيين ومجلس الأمن مطمئنون قلقون في وقت واحد، وما ينبغي أن تعجب لهذا التناقض، فقد قلت لك إن السياسة لا تحب شيئًا كما تحب التناقض. البريطانيون والأمريكيون ومجلس الأمن مطمئنون؛ لأن الجيوش الروسية تجلو بالفعل عن أرض إيران، ولأن الاتفاق على إنشاء شركة البترول قد تَمَّ في حدود الدستور الإيراني، ولكنهم قلقون؛ لأنهم يخشون أن يكون وراء هذا كله أشياء يجهلونها، وهم لا يريدون أن يجهلوا شيئًا، ولذلك أُجِّلت القصة الإيرانية إلى الشهر المقبل، ولم تُستبعد من جدول الأعمال.

    ولم ترضَ روسيا عن هذا الإجراء، فقد يجب أن يظل الباب مُغلقًا أو مفتوحًا، فأما أن يظل شيئًا «بَين» ذلك لا هو بالمغلق ولا بالمفتوح، فهذا هو الأمر الذي لا يُطاق؛ لأنه يضع دولة عظيمة موضع الشك، ويعلق على رأسها سيفًا قد لا يكون قاطعًا وقد لا يكون مخيفًا، ولكن تعليقه مُهِين على كل حال.

    وكذلك استطاع الممثلون بين الفصلين أن يُهيِّئوا أنفسهم للفصل الذي سيُرفع عنه الستار في أول الأسبوع المقبل؛ فقد طلبت روسيا استبعاد القصة الإيرانية من جدول الأعمال، ويظهر أن البريطانيين والأمريكيين يأبون ذلك، ولأولئك وهؤلاء علل ومعاذير، ولكن العلة الصحيحة هي أن الحليفين السكسونيين يجمعان بين الاطمئنان والقلق، فيقبلان التأجيل ولا يقبلان الاستبعاد. وأغرب ما في الأمر أن سفير إيران يمانع في الاستبعاد، ويكتفي بالتأجيل مع أنه قد أعلن تمام الاتفاق بين الحكومة الإيرانية والحكومة الروسية. وأشد من هذا غرابة أن يقول ناطق بلسان الحكومة الإيرانية في طهران إن السفير الإيراني لم يصدر في موقفه هذا الجديد عن تعليمات أرسلت إليه من حكومته، وإذن فما زال الأمر مختلطًا، وسيجد مجلس الأمن أمامه مادة حسنة للتمثيل … ستلحُّ روسيا في طلب الاستبعاد، وسيلح الإنجليز والأمريكيون في رفض هذا الطلب. ومن يدري لعل الرفيق جروميكو أن ينسحب من المجلس مرة أخرى.

    على أن قصة أخرى تُهَيَّأُ بين الفصلين، وهي ليست أقلَّ غرابة من القصة الإيرانية؛ فقد قررت الديمقراطية المنتصرة أن تمحو الفاشية من كل مكان، وقررت هيئة الأمم المتحدة في لندرة أن النظام القائم في إسبانيا مناقض للديمقراطية، وأن إسبانيا لا تستطيع ما دامت محتفظة بهذا النظام أن تقبل في هيئة الأمم المتحدة. ولكن هناك أممًا تغلو في ديمقراطيتها، وتريد أن تأخذ القرارات الديمقراطية على أنها جد لا لعب. وقد همَّت فرنسا أن تكون من هذه الأمم، فطلبت في كثير من الاعتدال أن تقطع العلاقات السياسية مع الحكومة القائمة في إسبانيا، ولكن طلبها هذا لم يعجب الإنجليز أو الأمريكيين، فطلبت أن يُعْرَضَ الأمر على مجلس الأمن، ولكن طلبها الثاني رُفض كما رُفض طلبها الأول؛ فأقبلت بولندا ومن ورائها روسيا بالطبع تعرض القصة بالفعل على مجلس الأمن، فإذا قُبل طلب بولندا فقد وافقت الديمقراطية نفسها، ومضت بقراراتها إلى غايتها، ولكنها تتدخل في شئون الشعوب المستقلة، وتُعرِّض مصالح اقتصادية خطيرة بعضها إنجليزي وبعضها أمريكي لخطر عظيم، وتؤيد نفوذ الديمقراطية المتطرفة في غرب أوروبا، وتفتح للشيوعية أبوابًا كانت مغلقة، ومفاتيحها بيد الجنرال فرانكو. وإذا رُفض الطلب البولندي، فستغضب روسيا، وستغضب بولندا، وستغضب فرنسا أيضًا، وستناقض الديمقراطية نفسها، وتظهر أنها عابثة لا جادة في محاربة الفاشية.

    وكذلك يرى القُرَّاء أن لدى مجلس الأمن ما يشغله ويشغل الناس معه في الجلسات المقبلة التي سيرأسها مندوب مصر. ولا بد للساسة من أن يتكلموا ويشغلوا مسرح السياسة بالحركة والنشاط.

    ولا بد للعالم من أن يتفرَّج بالنظر إلى ما يجري على هذا المسرح. وإلى أي حال يصير العالم لو سكت الساسة وسكنوا؛ فلم تجد الإذاعات ما تشغل به الراديو، ولم تجد البرقيات ما تملأ به الصحف، ولم يجد الكُتَّاب ما يطالعون به القُرَّاء.

    على أن هناك أشياء تجري على هامش مجلس الأمن تمهيدًا لعرضها على هذا المجلس بطريقة أو بأخرى، فالقصة اليونانية لم تنتهِ بعد أن تمت الانتخابات، ولكن نصف الشعب اليوناني ينكرها، ونصفه الآخر يعرفها، واستقال الوصي على عرش اليونان، ولكن الإنجليز يودُّون لو استبقى وصايته، وأمضيت معاهدة شرق الأردن ولكن الشعوب العربية ليست راضية عن هذه المعاهدة، وستبدأ المفاوضات بين مصر وبريطانيا العظمى، ولكن نتائج هذه المفاوضات قد لا تُرضي المصريين. وقد أخذ الروسيون يُذِيعون أنهم يجلون عن البلاد التي حرروها في آسيا وأوروبا، ويطالبون بأن تجلو بريطانيا وأمريكا عن البلاد التي حررت أو أعانت الحلفاء على الحرب.

    وكذلك يبدو الجو السياسي هادئًا كلَّ الهدوء في هذه الأيام، ولكنه الهدوء الذي يسبق العواصف. وهذه العواصف نفسها لا ينبغي أن تُخِيف؛ لأنها لن تعدو أن تكون عواصف كلامية؛ حتى تسترد الشعوب قوتها، وتستريح من أثقال الحرب. والشيء المهم آخر الأمر هو أن مجلس الأمن سيعمل وسيقول، وأن الراديو سينشط وسيذيع، وأن البرق سينتشر في أقطار الجو فيملأ الصحف خلافًا وخصامًا، وسيكتب الكُتَّاب، ويخطب الخطباء في البرلمانات، ويخرج العالم من أزمة ليدخل في أزمة أخرى حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، والأمر المفعول الذي ينتظر العالم أن يقضيه الله عز وجل هو أن يتبيَّن خطأ المتنبي حين قال:

    والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلمُ

    حذارِ …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١ فبراير ١٩٤٨

    تَعْرِض للأمم في حياتها ظروف تفرض على المثقفين من أبنائها واجبات حازمة حاسمة محرجة، لا ينبغي لهم أن يقصروا في أدائها أو يتخففوا من أعبائها، أو يتنصلوا من تبعاتها. فإن فعلوا ذلك أو فعلوا بعض ذلك أثموا في ذات أنفسهم وفي ذات أوطانهم، وفي ذات الكرامة الإنسانية من حيث هي كرامة إنسانية.

    ويُخيَّل إليَّ أن بعض هذه الظروف التي تفرض هذه الواجبات على المثقفين قد تعرض لمصر وتحيط بها، وتدعو ضمائر المثقفين من أبنائها إلى أن تستيقظ إن كانت نائمة، وإلى أن تنتبه إن كانت غافلة، وإلى أن تقدِّر حقها على أنفسها وحق الوطن عليها وحق الكرامة الإنسانية على كل إنسان كريم.

    والواقع أننا نستقبل في هذه الأيام حياة لا نبتغي أن ننعم فيها بالدعة والترف، ولا أن نخلد فيها إلى الراحة والعيش المطمئن، إلَّا بعد أن نؤدي لأنفسنا وأبنائنا واجب النصح والإرشاد والإلحاح في النصح والإرشاد مهما يحملنا ذلك من مشقة، ومهما يكلفنا ذلك من جهد، ومهما يعرضنا ذلك للأخطار والخطوب.

    فهذه الفرقة التي أفسدت ما بين الدول العظيمة المنتصرة من صلات، وفرَّقتها فريقين عظيمين، كلاهما يكيد لصاحبه ويمكر به، ويتهيأ لحربه حرب دفاع أو هجوم؛ ليست من الأشياء اليسيرة الهينة التي نستطيع أن نسمع أنباءها أو نقرأها غير حافلين ولا آبهين لها، ولا منصرفين من أجلها عما أَلِفْنا من حياة الدعة والهدوء.

    وقد رأينا ما صبَّت الحرب العالمية الأخيرة على أهل الغرب والشرق من خطوب وكوارث وأهوال، منها ما أزهق الأنفس وأراق الدماء، ومنها ما نشر الخراب والدمار وقوَّض الحضارة والعمران، ومنها ما أهدر الكرامة وألغى قيم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاطف، والتراحم، والتضامن، والتعاون في سبيل الخير.

    ولم تكن الدول المتحاربة تملك من الأسلحة ووسائل الهول ما ستملكه حين تُثار الحرب الثالثة، ولم تكن أهوال الحرب العالمية الأولى على نكرها ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ولن تكون أهوال الحرب العالمية الثانية ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثالثة التي تتهيأ لها الدول الكبرى وتُدفَع إليها الشعوب البائسة دفعًا.

    فأيسر ما يجب على المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي البلاد التي تشبه مصر، أن يبصِّروا مواطنيهم ويوجهوهم ويحذروهم، ويحولوا بينهم وبين التعرض لهذه الكوارث والأخطار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا عليهم إذا أدوا الواجب ونهضوا بالحق، ونصحوا لأوطانهم أن ينجحوا فيما حاولوا أو أن تتقطع بهم أسباب النجح، فلم يخطئ شاعرنا القديم العظيم حين قال:

    وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبُهْ

    لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبُهْ

    والمصريون الذين يقرءون الصحف، ويسمعون الراديو، ويفهمون ما يقرءون وما يسمعون؛ يلاحظون أن بريطانيا العظمى تحاول أن تتهيأ للحرب المقبلة كأحسن ما تستطيع أن تتهيأ لها، وهي من أجل ذلك تنظم صلاتها وصلات الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا الغربية بعقد المحالفات وتوثيق الصلات، وهي من أجل ذلك تريد بل تحاول أن تنظم صلاتها مع بلاد الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعقد المحالفات وتنظيم التعاون.

    حاولت ذلك وما زالت تحاوله مع مصر ولكنها لم تفلح إلى الآن، وحاولت ذلك وما زالت تحاوله مع العراق ولكنها لم تفلح إلى الآن أيضًا، وحاولت ذلك مع شرق الأردن وسنرى أتفلح في محاولتها أم تخفق. وقيل إنها تحاول ذلك مع سوريا ولبنان، ومع المملكة العربية السعودية ومع اليمن أيضًا.

    والحجة الخطيرة التي تعتد بها بريطانيا العظمى وتتخذها وسيلة إلى الترغيب والترهيب، وإلى الإغراء والتخويف هي الشيوعية؛ فبريطانيا العظمى مشفقة أشد الإشفاق على مصالح الشرق العربي من انتشار الشيوعية فيه وامتداد يدها إليه، وهي تُخوِّف بهذا الخطر العظيم أصحابَ الثراء وأصحابَ الجاه والسلطان، وتخيِّرهم — إن صح استعمال كلمة التخيير — بين محالفتها والانضواء تحت لوائها لتحفظ عليهم ثراءهم وجاههم وسلطانهم، وبين مخالفتها والانفصال عن حلفها لتتعرض للشيوعية التي تهدم النظام الاجتماعي هدمًا وتلغي الثراء والجاه والسلطان إلغاءً.

    ثم هي لا تقف عند هذا الحد، ولكنها تمعن في الإشفاق على الشرق والشرقيين، فتعرض على الدول الشرقية لا أن تشاركها في الدفاع عن أوطانها فحسب، بل أن تعينها كذلك على الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الحياة كما يُقال.

    ولا تنسى بريطانيا العظمى في أثناء ذلك إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن اشتراكها في الدفاع العسكري على النحو الذي تعرضه، إنما هو الحماية قد غُيِّر لفظها، واستقر معناها، وأن اشتراكها في الإصلاح الاقتصادي ورفع مستوى الحياة، إنما هو إهدار الاستقلال الداخلي، والتغلغل في أخص ما تحرص الأمم على أن تنفرد به وتستقل بتدبيره من الشئون.

    وواضح جدًّا أن الشيوعية نظام ينبغي أن يُتَّقى؛ لأنه لا يلائم أمزجة الأمم العربية ولا الطور الذي وصلت إليه من حياتها الحديثة. ولكن أشد من ذلك وضوحًا أن اتقاء الشيوعية لا ينبغي أن يأتينا من خارج، ولا أن يُفرَض علينا من دولة أجنبية، وإنما ينبغي أن نحاوله نحن بجهودنا الخاصة.

    وجهودنا الخاصة ليست هي شرع القوانين والحَجْر على الحرية وأخذ الناس بالظنة، وإنما هي إصلاح النظام الاجتماعي وتمكينه من أن يعتمد على نفسه، ويعتد بوجوده، ويحبب إلى أصحابه الاحتفاظ به والحرص عليه.

    فإذا استطاع النظام الاجتماعي أن يكفل للناس حياة قوامها العدل والسعة، مبرأةً من الظلم والبؤس والحرمان، كان أصحابه جديرين أن يحبُّوه ويستمسكوا به، ويكرهوا تغييره ويجنبوا أنفسهم المغامرات.

    والشيء الذي ينبغي أن نقره في قلوب المصريين ورءوسهم وضمائرهم — لا ندخر في ذلك وسعًا، ولا نضن في سبيله بجهد — هو أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين النظام الشيوعي الذي تخوِّفنا منه بريطانيا العظمى والذي يجب أن نتقيه ونقاومه بالإصلاح الصحيح لنظمنا الاجتماعية، وبين الشخصية السياسية الدولية لروسيا السوفيتية.

    فنحن نستطيع أن نكره الشيوعية، ونحتفظ بصلات المودة والتعاون في السياسة والتجارة مع روسيا السوفيتية. والبريطانيون أنفسهم يصنعون ذلك، فهم يقاومون الشيوعية في بلادهم، وهم يمضون الاتفاقات التجارية مع روسيا، والفرنسيون يصنعون ذلك وأمريكا نفسها تود لو تستطيع أن تصنع ذلك.

    ففرق إذن بين الدولة الروسية وبين النظام الشيوعي، نستطيع أن نكون أصدقاء للدولة الروسية وخصوصًا للنظام الشيوعي دون أن يكون علينا في ذلك حرج أو جُناح.

    والشيء الآخر الذي يجب أن نقره في نفوس المصريين ورءوسهم هو أن محالفة البريطانيين والأمريكيين في هذا الوقت ليس معناها إلَّا الانحياز إلى أحد الفريقين المختصمين، والتورط في كل ما ينتج من هذا الانحياز.

    ولسنا في حاجة إلى أن نخاصم الروس ولا أن نحاربهم، ما دمنا نستطيع أن نؤمن أنفسنا من نظامهم الاجتماعي، وليس الروس هم الذين يحتلون القناة وإنما يحتلها البريطانيون، والروس قد شاركوا في أوزار القضية الفلسطينية ولكن البريطانيين هم الذين أنشئوا هذه القضية وخلقوها خلقًا.

    فكل شيءٍ يأبى علينا مخاصمة الروس، وكل شيء يفرض علينا مخاصمة البريطانيين؛ حتى نستخلص منهم ومن حلفائهم حقوقنا وحقوق الشعوب العربية الأخرى.

    فليفكر المصريون في هذا كله، وليتدبروه، وليذكروا قول الشاعر القديم:

    قدِّرْ لِرِجْلِكَ قبل الخَطْوِ موضعَها فمَنْ علا زلقًا عن غرة زلجا

  • تأسيس النظام الدولي الجديد | Founding the New World Order

    الظاهرة الكبرى
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٥ أغسطس ١٩٤٥

    يمكن أن يقال: إن الانتخابات البريطانية شغلت العالم أشهرًا متصلة كما شغلته أحداث الحرب الجسام … وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلبريطانيا العظمى مكانتها الممتازة بين أمم الأرض، وإمبراطوريتها العظيمة وكلمتها المسموعة في كل مشكلة من مشكلات السياسة العالمية، بل لبريطانيا العظمى آثارها التي تختلف قوةً وضعفًا في السياسة الداخلية والخارجية لكثير من الأمم المستقلة، أو التي تشبه أن تكون مستقلة … فإذا حدث في بريطانيا العظمى ما من شأنه أن يغير سياستها قليلًا أو كثيرًا، فمن الطبيعي أن يتساءل العالم، وأن تتساءل الأمم المتأثرة بهذه السياسة عن طبيعة هذا التغيير، وعمَّا يمكن أن ينتهي إليه من الآماد، وأن يترتب عليه من النتائج.

    وقد كانت الحرب الانتخابية في بريطانيا العظمى مثار اختلافات كثيرة عنيفة في التفسير والتقدير، لا في بلاد الإنجليز وحدها، بل في كثيرٍ جدًّا من بلاد الأرض. فكانت الحرب نفسها عنيفة جدًّا بين المحافظين والعمال … وكان الناس يقرءون خطب الزعماء المختصمين في كثير من التلهف والتشوق … وكانوا يعجبون إعجابًا شديدًا بأن هذه الخصومة العنيفة وتلك الحرب — التي كانت بالقياس إلى الحزبين حرب حياة أو موت — لم تمنع الحزبين من التعاون والتناصر، ومن أن يشدَّ أحدُهما أزْرَ صاحبه حين يَجدُّ الجد في أمور السياسة الخارجية.

    فلم يكد مستر إيدن يعلن في مجلس العموم البريطاني قبيل حله مأساة سوريا وموقف بريطانيا العظمى منها حتى وقف زعيم العمال فأعلن تأييد حزبه لمسلك الحكومة، ثم لم يكد يتقرر اجتماع الرؤساء الثلاثة في بوتسدام حتى أعلن مستر تشرشل في مجلس العموم أنه طلب إلى خصمه وصديقه المستر إتلي أن يصحبه في هذا الاجتماع الخطير؛ ليثق العالم بأن البريطانيين مهما يختلفوا في السياسة الداخلية فهم متفقون في كل ما يتصل بسياسة العالم بعد انتهاء الحرب، وبأن بريطانيا العظمى لن تغيِّر موقفها في السياسة العالمية بتغير حكوماتها، أو بانتقال السلطان فيها من حزب إلى حزب.

    كان الناس يقرءون هذا كله ويعجبون به، ويكبرون هذه الديمقراطية البريطانية التي تعرف ما تريد، وتعرف كيف تسعى إلى ما تريد، وكيف تبلغ ما تريد. وكانوا في الوقت نفسه يختلفون في نتائج الحرب الانتخابية، وكان أكثرهم يرى أن المحافظين سيظفرون بالفوز، وسيتفوقون على خصومهم ولو بكثرة ضئيلة، يبنون ذلك على ما للمستر تشرشل من مكانة ممتازة في نفوس الشعب البريطاني خاصةً، وفي نفوس الناس جميعًا خارج بريطانيا العظمى بعد أن أنقذ وطنه من كوارث لم يكد أحد يشك في أنها واقعة، وبعد أن ثبت وحمل مواطنيه على أن يثبتوا لهذه الخطوب الهائلة المروعة التي لم يعرف التاريخ مثلها في عصر من العصور، وبعدما بذل من جهود لا يكاد يتصورها العقل، واحتمل من عناء لا يكاد يحتمله الناس. فسافر في البر والبحر والجو في غير أوقات السفر، وعرض نفسه لأخطار جسام على تقدمه في السن، وعلى اعتلال صحته كلما تعرضت لهذه الأعراض التي تنشأ عن التنقل السريع إلى الأقطار النائية مهما يكن من اختلاف الفصول.

    وكان قليل من الناس ينتظرون فوز العمَّال، يبنون ذلك على اتجاهات إنسانية هي التي اضطربت لها أوروبا بين الحربين، وهي التي ثارت لها الحرب العالمية الثانية، وهي التي تتصل بالصراع بين نوعين من نظام الحكم، وتدبير أمر الشعوب؛ أحدهما: النظام الديمقراطي السمح الطلق، والآخر نظام الدكتاتورية أو ما يشبهها من هذه الديمقراطيات المقيدة المتحرجة.

    وقد انتهت الحرب الانتخابية في بريطانيا بفوز العمَّال، فلم يكد هذا الفوز يعلن إلى الناس حتى أخذوا يختلفون في نتائجه القريبة والبعيدة، وهم الآن ماضون في هذا الاختلاف، يرى بعضهم أن هذه النتائج ستقتصر على السياسة الداخلية البريطانية؛ فتحكم بريطانيا العظمى حكمًا اشتراكيًّا يمعن في الاشتراكية إمعانًا قويًّا أو ضعيفًا، وتمضي السياسة الخارجية على أساليبها التقليدية لينة في هذا المكان، شديدة في ذاك، مرنة بالقياس إلى بعض الأمم، صلبة بالقياس إلى بعضها الآخر، باسطة للنفوذ البريطاني على كل حال.

    ولم يحدث قط أن اهتم العالم لنتائج الانتخابات في بريطانيا العظمى كما اهتم لها في هذه المرة؛ فبريطانيا العظمى دولة منتصرة قد شاركت في سحق ألمانيا وإيطاليا، وفي تحرير أوروبا من تسلط الألمانيين، ولا يكاد قطر من أقطار الأرض في الشرق والغرب يخلو من قوة بريطانية تستقر فيه، أو تسعى إلى دخوله والاستقرار فيه استقرارًا طويلًا أو قصيرًا، لا نستثني من ذلك إلَّا أمريكا، فتغير السياسة البريطانية من طبيعته أن يحمل هذه الأقطار كلها على أن تتساءل ما عسى أن يكون لهذا التغير من أثر في حياته الحاضرة أو المستقبلة.

    ومهما يكن من الحق أن جوهر السياسة الخارجية في بريطانيا العظمى واحد لا يتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وأن غاية السياسة البريطانية واحدة لا تتغير، وهي بسط النفوذ البريطاني في كل مكان؛ فإن أساليب هذه السياسة تتغير من غير شك بتغير الأحزاب التي تنفذها، وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يرعونها ويقومون عليها. وليس من شك عندي في أن أهم الأسباب التي دعت إلى هزيمة المحافظين أنهم غلوا في المصانعة داخل بريطانيا العظمى وخارجها حين كانت المحنة شديدة شاقة، فترفقوا بالشعب البريطاني إلى أبعد حدود الترفق، وتقربوا إلى العمال تقربًا شديدًا، واستعاروا من الاشتراكية نظمًا كثيرة اقتضتها الحرب، ثم وعدوا وغلوا في الوعد حتى اعتقد البريطانيون أنفسهم — واعتقد الأجانب — أن بريطانيا العظمى صائرة إلى الاشتراكية الخالصة.

    وهم في الوقت نفسه توددوا إلى حلفائهم وأنصارهم، وإلى الأمم المحايدة، وغلوا في هذا التودد، ونثروا وعودهم نثرًا، وجلوا أمام الإنسانية وأمام الأمم الضعيفة خاصةً آمالًا خلَّابة، حتى لم تشك أمة من الأمم الخاضعة لنفوذ هذه الدولة أو تلك أنها ستظفر بالحرية والاستقلال متى أصبح النصر شيئًا محققًا.

    وشارك الأمريكيون حلفاءهم البريطانيين في هذا التودد الخارجي، وفي هذه الوعود المبذولة للأمم الضعيفة، فنشر ميثاق الأطلنطي وميثاق الأمم المتحدة وكلام كثير كله وعد، وكله تزيين للآمال والأماني، ولكن الحرب لم تكد تدنو من غايتها في أوروبا حتى استرد المحافظون تقاليدهم القديمة، واستأنفوا سيرتهم الأولى داخل بريطانيا العظمى وخارجها على السواء.

    ولم ينس الناس بعدُ كيف تخلَّص المحافظون في لباقة ورشاقة من مشروع الأستاذ بيفردج، مع أنه كان معتدلًا شديد الاعتدال، ولم ينس الناس بعدُ كيف عاد المحافظون إلى سياستهم التقليدية في الخارج؛ فأيدوا أحزاب اليمين وناهضوا أحزاب اليسار، ولم يتحرجوا من أن يعمدوا إلى القوة أحيانًا في هذا التأييد، وظهر الخلاف بينهم وبين الروسيين في شئون بولندا والبلقان وفي شئون إسبانيا، كما اشتد تأثيرهم في سياسة إيطاليا وبلجيكا حتى قال بعض العمال للمستر تشرشل ذات يوم: إنه يسرف في تأييد الملوك وتملُّقهم.

    ونتج عن هذا الرجوع إلى السياسة التقليدية للمحافظين أن خابت الآمال في السياسة البريطانية داخل بريطانيا العظمى وخارجها، فأمَّا الشعب البريطاني فقد أحس شيئًا يشبه أن يكون خداعًا، وكره أن يذعن لهذا الخداع، وهو قد ذاق أثناء الحرب ألوانًا من الجهد والضيق، وذاق في الوقت نفسه ألوانًا من العدل الاجتماعي الذي اقتضته الظروف، وذاق بنوع خاص حلاوة تلك الوعود؛ فصمَّم على ألَّا يُخدع، وصمَّم على ألَّا يفلت منه ما ظفر به، وصمَّم على ألَّا تكذبه الوعود.

    وأمَّا العالم الخارجي، فقد أصبح ذات يوم وإذا السياسة البريطانية تؤيد الديمقراطيات المعتدلة أحيانًا، والديمقراطيات المزيفة أحيانًا أخرى، وربما أيدت الأقليات في غير تردد؛ فضاق بهذا الانحراف عن الوعود قبل أن يبعد بها العهد، وعن المواثيق قبل أن يجف الحبر الذي كُتِبت به.

    وتعرضت سمعة السياسة البريطانية لكثيرٍ جدًّا من الشك وسوء الظن. والواقع أن المستر تشرشل قد أسرف في سياسة انتهاز الفرص، ولم يحسن تدبير حرصه على تثبيت قوة الإمبراطورية وبسط نفوذها، وإنما اندفع في ذلك اندفاع المنتصر الذي لا يحفل بشيء، ولا يلوي على شيء؛ لأنه واثق بالقدرة على كل شيء.

    من أجل هذا كله كان مركز المستر تشرشل منذ أواخر الصيف الماضي ظاهر القوة، خفي الضعف، وأخذ خصومه في بريطانيا العظمى يجمجمون فيما بينهم وبين أنفسهم أولًا، ثم في مجلس العموم ثانيًا، ثم يصرحون بالمعارضة القوية آخر الأمر، ثم انتهى الأمر بالعمَّال إلى مقاطعته؛ فتصدع الائتلاف، واضطر مستر تشرشل إلى استفتاء الشعب.

    وكان العمال يودون لو مدت لهم الأسباب وجرت الحرب الانتخابية هادئة وادعة في وقت طويل، وقد توسلوا في ذلك إلى المستر تشرشل، ولكنه خدع عن أمره وتعجل الفوز الذي كان واثقًا به، وتعلل بأن الحكومة البريطانية يجب أن تكون مستقرة قوية لا يشك العالم الخارجي في قوتها. وقبِل العمَّال كارهين هذا التحدي الذي وصفوه بأنه بغيض، وأُتيح لهم الفوز، وأشرفوا على السياسة البريطانية تؤيدهم كثرة لم يظفروا بمثلها من قبل.

    ومهما يكن اختلاف الآراء في نتائج هذه الانتخابات، فإن هناك حقائق ثلاثًا هي التي لا تتعرض للشك؛ الأولى: أن الشعب البريطاني قد أثبت أنه يفهم الديمقراطية فهمًا دقيقًا، ويحرص على أن يستمتع بها استمتاعًا كاملًا، ويريد أن يدبر الشعب أمر نفسه بنفسه لنفسه مهما تكن الظروف، الثانية: أن هذه النتيجة قد أزالت التناقض الذي تورط فيه المنتصرون برجوع المحافظين إلى سياستهم التقليدية؛ فقد ثارت الحرب العالمية الثانية لتأييد الديمقراطية بأوسع معانيها، فكان من الطبيعي أن تخطو الديمقراطية البريطانية إلى أمام لا إلى وراء، وأن يشعر العالم الخارجي بشيءٍ من الحرية يمكِّن الشعوب لا أقول في تقرير مصيرها، بل من الأمل في تقرير مصيرها، وانتصار العمال يحقق هذين الغرضين، فيقدم الديمقراطية البريطانية نحو الاشتراكية، ويرد إلى الشعوب الضعيفة والمحررة شيئًا من الأمل.

    وقد ظهرت النتائج السريعة لهذه الخطوة، فضعف أمل ملك بلجيكا في العودة إلى وطنه، وضعف مركز الملكيين في اليونان وفي إيطاليا، واستطاع بعض أعضاء الجمعية الاستشارية في فرنسا أن يصيحوا في وجه الجنرال دي جول بسقوط الدكتاتورية، مع أن الجنرال ليس من الدكتاتورية في شيء.

    وكذلك بدأت الشعوب في أوروبا تتنفس؛ لأنها استيقنت أن وزارة العمال لن تؤيد أحزاب اليمين، ولن تناصر حكومات الأقليات.

    الحقيقة الثالثة هي: أن الشعوب التي تنتظر حريتها واستقلالها واستمتاعها بالعدل الاجتماعي من انهزام المحافظين، وانتصار العمَّال في بريطانيا العظمى ليست خليقة بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا بالعدل الاجتماعي.

    فهذه كلها أمور لا تُعطى، وإنما تؤخذ، ولا تأتي من الخارج، وإنما تصدر عن قلوب المواطنين.

    مستقبل الاستعمار
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٦ أغسطس ١٩٤٥

    كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …

    كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.

    وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.

    وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.

    وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …

    أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …

    وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.

    فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!

    ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.

    وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.

    ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.

    وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.

    وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.

    وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.

    وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.

    وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟

    هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.

    ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.

    فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.

    فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.

    هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.

    وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.

    والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب.

    الديمقراطية والاستقلال
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢ سبتمبر ١٩٤٥

    حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.

    وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.

    والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.

    فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.

    وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.

    والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.

    وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.

    وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.

    فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.

    ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.

    وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.

    وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.

    وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.

    فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.

    وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.

    ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!

    فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.

    وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.

    أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.

    فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.

    هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.

    مساومات
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٣ سبتمبر ١٩٤٥

    لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.

    وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.

    ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.

    وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.

    ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.

    وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.

    وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.

    وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.

    وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟

    وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.

    أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.

    وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.

    وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!

    والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.

    وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.

    هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.

    واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.

    والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.

    فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:

    وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء

    مفترق الطرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٥

    يمكن أن يُقال: إن الدول المنتصرة، والدول المحررة تقف الآن في مفترق الطرق: فإما أن تمضي إلى عالم جديد حقًّا، وإما أن تمضي إلى عالمها القديم الذي طال عليه القدم، وإما أن تمضي إلى عالم مذبذب مزيف لا هو بالقديم جدًّا، ولا هو بالجديد جدًّا، ولكنه مثير للقلق والخوف على كل حال.

    على أن هذا الأمر ليس من اليسر والسهولة بحيث يظن الذين يراقبون التطور العالمي بعد الحرب، فهذا التطور معقد شديد التعقيد، يتصل بعضه بالشعوب، ويتصل بعضه بالحكومات، ويتصل بعضه الآخر بهذه العلاقات التي تصل بين الدول، ويقوم عليها التعاون بين الأمم. ولنجتهد في تجلية هذا الموضوع بعض الشيء، فقد يحسن أن يكون القارئ المصري، بل يحسن أن يكون رجل الشارع — كما يُقال — على بصيرة من أمر الحياة الإنسانية العامة بعد أن انقضت عصور العزلة والانفراد، وبعد أن أصبح عكوف الشعوب على أنفسها سبيلها المحققة الواضحة إلى الخمول والخمود جميعًا. أمَّا شعوب أوروبا الغربية فليس من شك أن تقدمها في الحضارة، وظفرها بحظ عظيم من الثقافة، وقدرتها على التفكير في السياسة المعقدة والحكم عليها؛ كل ذلك لم يمنعها من الانخداع بالوعود التي بذلها ساسة الحلفاء في أثناء الحرب، كما انخدعت بهذه الوعود شعوب أخرى في الشرق القريب والبعيد. وكانت الشعوب الأوروبية قبل الحرب الأخيرة تزهد في الديمقراطية المعتدلة، وتجنح إلى ديمقراطية تميل إلى الشِّمال، إلى الاشتراكية وإلى الشيوعية. ولكن الديمقراطية المعتدلة المسرفة في المحافظة أو المقتصدة في هذه المحافظة كان لها أنصار أقوياء، وكان إليها الأمر كله، وكان الصراع شديدًا من أجل ذلك بين اليمين والشِّمال. وكانت كثرة الشعوب تبغض أقصى اليمين، كما كانت تخاف أقصى الشمال؛ تبغض غلاة المحافظين، وتخاف الشيوعيين، وتطمئن إلى ديمقراطية لا تمس رأس المال، أو لا تمسه إلا مسًّا رفيقًا.

    فلما شبَّت الحرب ووُعدت الشعوب بالحرية الكاملة، وتملقت الحكومات شعور الطبقات على اختلافها؛ لتظفر بالتضامن القومي في وجه العدو، وصدقت الشعوب ما قيل لها، وضحت بالأنفس والأموال والمرافق في سبيل هذه المُثل العُليا. ثم اقتضت ظروف الحرب أن تسيطر الحكومات على الاقتصاد الوطني، وأن تدبر الثروة القومية تدبيرًا، إن لم يكن شيوعيًّا، فقد كان اشتراكيًّا ممعنًا في الاشتراكية؛ فقد أشرفت الدولة على كل شيء، وتدخلت في كل شيء، وأخضعت رأس المال لتجربة قاسية، وحققت المساواة بين المواطنين في الظفر بضرورات الحياة، والاستغناء عن كمالياتها، والعدول عن الترف عدولًا يوشك أن يكون تامًّا. وذاقت الشعوب هذه الحياة الاشتراكية ضيقة بها أول الأمر مطمئنة إليها بعد ذلك، مؤثرة لها آخر الأمر على ما كان مألوفًا من تلك الحياة التي كانت تقوم على التفاوت بين الطبقات. ثم اشتركت روسيا السوفياتية في الحرب، فأقدم المحجمون، ووثق الشاكون، واندفع المترددون، واستيقنت الشعوب أن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للحرية والإخاء والمساواة. ولم تكد الحرب تضع أوزارها في أوروبا؛ حتى اندفعت الشعوب إلى بلوغ المنى، وتحقيق الآمال، واندفعت في عنف لا يعرف اللين. وكانت بريطانيا العظمى أسرعها إلى هذا الاندفاع؛ فقد أبى الشعب البريطاني أن يحتفظ بالائتلاف بين الأحزاب التي أدارت شئون الحرب، ثم أبى الشعب البريطاني أن يمنح ثقته للمحافظين، وأكره زعيمه العظيم مستر تشرشل على أن يترك الحكم لمنافسه الاشتراكي مستر إتلي. وكان كل شيء يخيل إلى الناس أن مستر تشرشل سيكون رئيس الحكومة حين تستسلم اليابان، ولكن الشعب البريطاني تعجَّل الفوز بحقوقه الديمقراطية فنحَّى المحافظين عن السلطان إلى حين.

    ولم تكن فرنسا مبطئة في تعجُّل الفوز بهذه الحقوق، فقد أُجريت الانتخابات البلدية منذ أشهر، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا، وأُجريت الانتخابات الإقليمية منذ أيام، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا أيضًا، وستجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية بعد أسابيع قليلة، وليس من شك في أن الشِّماليين سيظفرون فيها بالفوز.

    والمشكلة البلجيكية معروفة للقرَّاء، فهي في جوهرها خصومة بين المحافظين الاشتراكيين، ولكنها لا تقتصر على شئون الحكم، وإنما تمس شخص الملك أيضًا، وربما مست الأسرة المالكة كلها.

    والأمر في إيطاليا إلى الشِّماليين، ومصير الملك مقطوع به، ومصير الأسرة المالكة نفسها مشكوك فيه. والناس لم ينسوا بعد مأساة اليونان، ولا مشكلة يوجسلافيا، ولا انتظار الملكين لاستفتاء الشعب في البلدين جميعًا. فإذا تركنا هذا الجزء من أوروبا إلى الجزء الآخر الذي يسيطر عليه الروسيون في بولندا، وفي المجر وفي البلقان، فسنرى أن الشعوب تميل إلى الناحية الروسية ميلًا لا شك فيه، وأن رءوس الأموال تميل إلى غرب أوروبا ميلًا لا شك فيه أيضًا. ومن المحقق أن الشعوب إذا استفتيت استفتاءً صحيحًا، فستصوت للنظام الشيوعي الروسي. وكذلك لا تتردد الشعوب الأوروبية في اختيار الطريق التي تريد أن تسلكها، فهي تريد عالمًا جديدًا حقًّا لا يقوم على الرجعية المستبدة، ولا على الدكتاتورية الطاغية، ولا على الديمقراطية المعتدلة. وأشد هذه الشعوب اعتدالًا واقتصادًا — وهو الشعب البريطاني — قد أعلن أنه يريد الاشتراكية، ويفضلها لا على ديمقراطية المحافظين، بل على ديمقراطية الأحرار أيضًا.

    الشعوب تعرف ما تريد، وتريد أن تبلغ ما تريد. ولكن الشعوب شيء، والحكومات شيء آخر في أشد البلاد إمعانًا في الاشتراكية والديمقراطية، وهنا موضع الخطر المخيف.

    فطبائع الشعوب في أنفسها سليمة مستقيمة، لا تحب العوج والالتواء، وطبائع الحكومات في أنفسها معوجة ملتوية لا تخاف شيئًا كما تخاف السلامة والاستقامة. فالحكومة البريطانية مثلًا اشتراكية من غير شك، ولكنها اشتراكية بالقياس إلى الشعب البريطاني، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كحكومة المستر تشرشل. والحكومة الروسية شيوعية من غير شك، ولكنها شيوعية بالقياس إلى الشعب الروسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كالحكومة القيصرية. وستكون حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة اشتراكية من غير شك بالقياس إلى الشعب الفرنسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى فستكون محافظة كحكومة ريمون بونكاريه.

    وهذا التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب يحدث في نفوس الأمم الأوروبية بلبلة خطيرة، فهي تريد شيئًا، وترى من حكومتها شيئًا آخر، وتتلقى من هذه الحكومات دروسًا خطيرة في النفاق السياسي يفسد الأخلاق والأذواق جميعًا. تريد الإخاء الإنساني، وترى حكوماتها لا تتجاوز الإخاء الوطني، تريد المساواة بين الأفراد والشعوب، وترى حكوماتها تبغض المساواة بين الشعوب؛ فتضطرب بين ما تريد وبين ما ترى، وتتردد بين ما تحب طبائعها السليمة المستقيمة، وما تقتضيه منافعها العاجلة.

    وكذلك تقف الشعوب حائرة بين العدل والمساواة والحرية التي وعد بها ميثاق الأطلنطي، وبين الاستعمار الذي يرضي المنافع، ويحقق المطامع. ولا يقف أثر التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب عند هذا الحد، بل يتجاوز بالطبع إلى هذا الاختلاط الذي نراه في لندرة الآن. فما دام تحقيق المنافع والمطامع أساسًا من أسس الحكومات — حتى ولو كانت اشتراكية أو شيوعية — فلا بد من الاختلاف بين هذه الحكومات، ولا بد من التنافس حول هذه المنافع والمطامع. وكذلك يقف الشعب البريطاني، والشعب الروسي واجمين أمام هذا الاختلاف العنيف حول مناطق النفوذ، وكل ما في الأمر أن الشعب البريطاني يستطيع أن يعلن آراءه في صراحة فيوافق الحكومة حينًا، ويخالفها حينًا آخر، على حين أن الشعب الروسي موافق لحكومته دائمًا. والشيء المهم هو أن الشعوب الأوروبية تعرف طريقها التي اختارتها، وهي طريق العالم الجديد حقًّا وصدقًا، وأن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الشعوب باسمة، وتتردد بين العالم القديم حقًّا وصدقًا، وبين عالمٍ آخرَ مزيفٍ، لا هو بالقديم ولا بالجديد.

    أمَّا بالقياس إلى الشرق فالأمر فيه أشد تعقيدًا؛ لأن شعوب الشرق لم تتطور بعد تطورًا كافيًا يُمكِّنها من التفكير في الاشتراكية أو في الشيوعية، وإنما هي تشعر بشيء واحد هو الحاجة إلى الحرية، وتفكر في شيء واحد هو الظفر بهذه الحرية. وهي قد انخدعت كما انخدعت شعوب أوروبا بوعود الحلفاء، وانتظرت تحقيق هذه الوعود فلما انتهت الحرب لم تظفر بشيء، ولم يُقل لها انتظري، وإنما أعرض المنتصرون عن آمالها إعراضًا واضحًا، واتخذوها موضوعًا للتنافس والنزاع. وليست حكومات الشرق بأقل سذاجة من شعوبه، فهي أيضًا قد انخدعت بالوعود، وانتظرت تحقيق الأماني، ثم نظرت فإذا الغرب عنها في شغل بتقسيم الغنائم، وإرضاء المنافع، وتحقيق المطامع، فوقفت حائرة لا تدري ماذا تصنع، وإن عرفت كيف تقول.

    هذا بالضبط هو موقف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شعوب أوروبية وأمريكية تريد الحرية الكاملة، والعدل الكامل، وحكومات أوروبية وأمريكية تريد العدل والحرية لشعوبها، وتؤثر منافعها على حرية الشعوب الأخرى، وشعوب وحكومات مستضعفة في أقطار الأرض، تريد الحرية والاستقلال، ولكنها لا تعرف كيف تحققهما أو تصل إليهما، وهذا الاختلاط هو الذي يثير ما يملأ جو العالم من قلق في هذه الأيام. فالشعوب الأوروبية والأمريكية غير راضية، وحكوماتها غير مطمئنة ولا مستقرة ولا متفقة، وشعوب الأقطار الأخرى غير راضية، وحكوماتها حائرة قد اختلط عليها الأمر، والعالم كله يضطرب في جو قوامه السخط والخوف، وكان الناس يظنون أن انتصار الحلفاء سيقضي على السخط والخوف.

    وإذن، فإلى أي طريق يدفع العالم؟ إلى هذه الطريق الملتوية التي تسلكها الحكومات وتتخبط فيها … أم إلى هذه الطريق المستقيمة التي تريد الشعوب أن تسلكها؟! لهذا السؤال جوابان: أحدهما يصدر عن الساسة الذين يرقبون الحوادث القريبة، ويطلبون المنافع العاجلة؛ وهو أن العالم سيسلك طرقًا مزيفة فيها كثير جدًّا من التقاليد القديمة، وقليل جدًّا من المبتكرات الحديثة، فيها استبقاء للاستعمار، وفيها تغيير لأسماء الاستعمار وبعض وسائله، فيها استبقاء لسياسة التوازن العتيقة، وفيها تغيير لأسماء السياسة وبعض مظاهرها … فيها ظلم كثير، وفيها شيء قليل من محاولة العدل. وأما الجواب الثاني فيصدر عن الذين لا يحكمون، ولا يتخذون السياسة العملية صناعة، وإنما يرقبون ويلاحظون تطور التاريخ، وهذا الجواب بسيط جدًّا؛ وهو أن الإنسانية قد سعت دائمًا إلى العدل، وظفرت منه بشيء كثير، وأن سعيها إلى العدل سيتصل، وجهادها في سبيله سيستمر، وأن ظفرها به شيء محقق، ولكنه لن يتم حتى تخوض إليه الإنسانية غمارات هائلة، قوامها التضحية بالأنفس والأموال والمرافق. فإذا لم يكن بدٌّ من أن ينصح للشعوب الطامعة في العدل المتعطشة إلى الحرية بشيء، فإنما النصح الخالص لها هو ألا تهن ولا تضعف، ولا تنتظر أن تُقدَّم إليها حقوقها كما تُقدَّم إليها الهدايا؛ فإن الحقوق لا تُعطى، وإنما تؤخذ، وهي لا تؤخذ إلا بالجِدِّ والكدِّ واحتمال العناء.

    بعد الاتفاق …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ ديسمبر ١٩٤٥

    يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.

    والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.

    فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.

    وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.

    وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.

    على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.

    وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.

    كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.

    وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.

    وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.

    سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.

    وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!

    على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.

    وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.

    فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا.

    الجنة المحرمة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٧ مايو ١٩٤٥

    في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.

    في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.

    ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.

    وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.

    هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.

    هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.

    فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.

    ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.

    فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.

    والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.

    وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.

    وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.

    وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.

    وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.

    ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.

    وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.

    وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.

    وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.

    يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.

    وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.

    وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا.

    كلام وأحلام
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٧ مايو ١٩٤٥

    يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.

    ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.

    وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.

    ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.

    والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.

    والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.

    وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.

    وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.

    وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.

    والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.

    وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.

    ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.

    ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.

    أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.

    كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.

    وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.

    ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.

    ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.

    وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.

    وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.

    وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.

    إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.

    وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.

    وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.

    ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.

    مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات.

  • صور أدبية للشعراء: من ابن الرومي إلى إقبال | Portraits of the Poets: From Ibn al-Rumi to Iqbal

    ابن الرومي وشعره
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٨ مارس ١٩٣٣

    النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور طه حسين بقاعة بورت التذكارية
    أيها السادة:

    كنتُ أود لو استمر الحال على ما كان عليه، ومضى الأستاذ جيفري في حديثه عن ابن الرومي، فقد يكون من الخير لي أن أستفيد مما كان يُلقِيه، وقد يكون من الخير لكم أن تستمعوا أيضًا إليه؛ فقد كان يأتيكم من غير شك بخير مما ستسمعون. الحديث عن ابن الرومي يخالف الأحاديث عن غيره من الشعراء حاشا أبا تمام، ومصدر هذا ما قاله الأستاذ جيفري، وما تجدونه في الكتب العربية قديمها وحديثها من أنَّ أصل هذا الشاعر يوناني صريح، لا يحتمل شكًّا ولا خلافًا، وأنَّ ابن الرومي كان قريبًا جدًّا من أصله اليوناني، لم يبعد العهد به فلم تضعف وراثته، ولم يتأثر كثيرًا بوراثات أخرى، فهو إذن بطبيعته وفنه مخالِف كل المخالفة لكثرة الشعراء الذين عرفناهم في القرون الأولى للهجرة.

    حياة ابن الرومي كحياة غيره من الشعراء المعاصرين مجهولة أو كالمجهولة، فنحن نعلم أنه وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وأنه مات بين سنة ست وسبعين ومائتين، وسنة أربع وثمانين ومائتين، ونحن نعلم أنه مات مسمومًا، وأنَّ الذي سمَّه أو أمر مَن سمَّه هو القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يكرهه ويشفق منه، فأغرى به مَن أطعمه شيئًا فيه السم. ونحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، لم يكن محبَّبًا إلى الناس، وإنما كان بغيضًا إليهم، وكان محسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سُوء حظه، بل ربما كان سُوء حظه من سُوء طبيعته؛ فقد كان حادَّ المزاج مضطربه، معتلَّ الطبع ضعيفَ الأعصاب، حادَّ الحس جدًّا يكاد يبلغ من ذلك الإسراف، وكان هذا كله قد أعطاه عن الحياة صورة رديئة من ناحية، ومحبَّبة من ناحية أخرى؛ كان اضطراب مزاجه يبغض فيه الناس ويسيء رأيه فيهم، ولكن قوة حسه ورِقَّة طبعه كانت تحبِّب إليه كل اللذات، فكان يجمع بين الخصلتين، فهو رجل يحب اللذة ويسرف فيها ويتهالك عليها، فهو إذن محبٌّ للحياة أشد الحب، وهو في الوقت نفسه مبغض للأحياء قبيح الرأي فيهم، يتبرم بهم أشد التبرم، ويود لو استطاع أن يتخلص منهم. أما الأحياء فكانوا يبغضونه كما كان يبغضهم، وأما الحياة فلست أدري أكانت تحبه أم كانت تبغضه، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه أخذ من اللذات بحظ لا بأس به، ولعله أسرف في ذلك، فضاعَفَ ما كان يجده من ألم، وضاعَفَ ما كان في أعصابه من اضطراب وفي مزاجه من فساد.

    وكلكم يعلم ما يتحدث به الناس عن ابن الرومي، من أنه كان يتطيَّر ويسرف في الطيرة، حتى كان ذلك يؤثِّر في حياته ومزاجه تأثيرًا شديدًا، وكان يضطره إلى أن يلزم بيته أيامًا لا يخرج؛ إما لأنه رأى جاره الأحدب، أو لأنه سمع صاحبًا له هو علي بن سليمان الأخفش عبث به مرة كعادته، فمرَّ عليه في الصباح فدَقَّ الباب، فإذا قيل: مَن الطارق؟ أجاب مرة: ابن حنظلة، فتشاءم بهذا الاسم، وأقسم لا يخرج، وكان هذا يضطره أن يعذب نفسه ويعذب مَن معه.

    هذا أكثر أو كل ما نعرفه عن ابن الرومي، وهو — كما ترون — ليس بالشيء الكثير، بل نحن نعرف شيئًا آخَر، وهو أنَّ سوء حظ ابن الرومي لم يلزمه في حياته فحسب، بل لزمه بعد ذلك، فديوان ابن الرومي من أكبر دواوين الشعر العربي، بل لعله أكبرها وأضخمها، وهو أقلها انتشارًا، ولعله لم يُطبَع إلى الآن، بل لم يُطبَع منه إلا جزء صغير ومختارات اختارها كاتب أديب من هذا الديوان، فهو إذن سيئ الحظ في حياته وبعد موته. ويقال إنَّ تشاؤمه وتطيُّره قد أصاب ديوانه أيضًا، فلم يعرض له أحد إلا أصابه شيء، فبعض الناس يتندر بذلك لأن الأستاذ العقاد أراد أن يكتب عنه فسُجِن، وأرجو ألا تكون محاضرتنا عنه مصدرَ شيء من هذه الأشياء التي أعيذكم منها أنتم، أن لم أعِذْ منها نفسي.

    قلتُ: إنَّ ابن الرومي يخالف غيره من الشعراء الذين عاصروه أو جاءوا قبله، إلا واحدًا هو أبو تمام، وذلك أنَّ طبيعة أبي تمام الشعرية مشبهة لطبيعة ابن الرومي من وجوه؛ فهما متفقان من حيث إنهما يعتمدان اعتمادًا شديدًا جدًّا على العقل في شعرهما، وهما لا يستسلمان للخيال وحده، وإنما يتخذان الخيال وسيلةً إلى تحقيق ما يريده العقل، وهما يتفقان في أنهما حريصان كل الحرص على تعمُّق المعاني، وعلى استيفائها منها واستقصائها والمبالغة في هذا الاستقصاء، حتى يأتيا بالأشياء الغريبة التي يضيق بها الناس الذين تعوَّدوا أن يقرءوا المألوف من الشعر، وهما لا يرضيان أن يكون أحدهما عبدًا للغة، وإنما يبيحان لنفسيهما تصريفها كما يريدان وكما تريد المعاني، دون أن يخضعا للتشدد في أصولها ومراعاة قواعدها، يتفقان في هذا كله، ويختلفان بعد ذلك بعض الاختلاف؛ فأبو تمام أحرص جدًّا من ابن الرومي على متانة اللفظ وروعته في أغلب شعره، لا يعدل عن هذه المتانة، ولا ينصرف عن هذه الروعة إلا حين يضطره المعنى إلى ذلك اضطرارًا لا مخرج له منه، أما ابن الرومي فهو سهل في شعره، لا يريد أن يشق على نفسه ولا على سامعيه، وهو يرسل لسانه على سجيته كما يرسل نفسه على سجيتها، فهو من أقل الشعراء كلفًا بالغريب وإيرادًا له، وعنايته بالجمال اللفظي قد تُحَسُّ أحيانًا، ولكنها تُلتمَس فلا توجد في كثير من الأحيان، وقد تروعك سهولة اللفظ في البيت أو البيتين، ولكنك لا تستطيع أن تقرأ قصيدة كاملة دون أن تجد في هذه القصيدة من الألفاظ ما يغيظك أحيانًا، ويضيق به صدرك أحيانًا أخرى. ثم هما يختلفان من ناحية أخرى في أنَّ أبا تمام كان شديد الحرص على البديع والمحسنات البديعية، أو بعبارة أصح كان شديد الحرص على جمال الصنعة الفنية في الشعر؛ فهو كان يتتبع الاستعارة ويسرف في تتبُّعها، ويجدُّ ما استطاع في طلب الجناس والمطابقة وما إلى هذه الأنواع من المحسنات البديعية، وهو كان يجد في هذه الأشياء جمالًا لا بدَّ منه، وكان يحرص على أن يلائم بين جمال الألفاظ وجمال المعاني.

    أما ابن الرومي فهو لا يتحرج من البديع، ولكنه لا يتهالك عليه، وكما أنه لا يكلف بالغريب ولا يتكلف متانة اللفظ ولا جزالته ولا رصانته، فهو كذلك لا يكلف بهذا الطباق أو الجناس، إن وُفِّقَ إلى هذه الأشياء فذاك، وإن لم يُوفَّق فلا يعنيه.

    وهما يختلفان من ناحية ثالثة؛ فأبو تمام شاعر كغيره من الشعراء، قصائده متوسطة لا تسرف في الطول وله مقطوعات، أما ابن الرومي فشاعر مطيل ومطيل جدًّا، يبلغ بقصيدته المئات من الأبيات، وهذا الاختلاف بين الشاعرين في إطالة القصيدة مصدره واضح جدًّا، وهو أنَّ الشاعرين وإن اتفقا في الغوص على المعاني، فهما يختلفان في مقدار هذا الغوص، أو بعبارة أدق في مقدار البسط والتفصيل في المعاني التي يظفران بها، أما أبو تمام فهو يبحث عن المعنى، ويجدُّ في التماسه، ويظفر به ويعرضه عليك عرضًا متوسطًا لا يطيل فيه ولا يسرف، بل في نفسه شيء من الاحترام لك، والاعتراف بأن لك عقلًا يستطيع أن يتمَّ ما لم يتمه هو، والاطمئنان إلى أنك ستتم هذا المعنى اتمامًا حسنًا، دون أن تقصر أو دون أن تغلو، فهو إذن يفصِّل المعنى، ولكنه لا يسرف في التفصيل، ويهمل الزوائد ويتجافى عن الأطراف.

    أما ابن الرومي فالأمر في شعره ليس كذلك، فهو يمضي مع أبي تمام في الغوص على المعنى والتفتيش والجد في طلبه حتى يبلغ المعنى الجيد، فإذا ظفر بهذا المعنى ساء ظنه بالناس في الأدب كما يسوء ظنه بهم في الحياة العملية، فكما أنه كان يعتقد أنَّ الناس ليسوا أخيارًا في معاملتهم، فهو كذلك كان يعتقد أنَّ حظ الناس من الذكاء ليس بحيث يمكنه من أن يطمئن إليهم في فهم المعاني، فهو إذن كان حريصًا على أن يتم هو معانيه، ويستقصي البحث والعرض حتى لا يتعرض لأي عبث من الذين يسمعونه أو يقرءونه، ومن هنا كان المعنى الذي يستطيع أبو تمام أن يعرضه في بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة على أكثر تقدير، يطيل فيه ابن الرومي في الأبيات التي تبلغ العشرة أو تتجاوزها، ومصدر هذا — كما قلت — هو أخذ أبي تمام بما لا بد منه وثقته بعقل الناس، وحرص ابن الرومي على أن يصل إلى كل شيء وعدم اطمئنانه إلى الذين يسمعونه أو يقرءونه.

    هل أقول أيضًا إنَّ علم أبي تمام باللغة العربية والأدب العربي كان أوسع وأعمق من علم ابن الرومي بهذه اللغة وهذا الأدب؟ الواقع أنَّ القدماء قد اتهموا أبا تمام بالسرقة لأنه كان كثير الرواية للشعر، يطيل النظر فيه، وظنوا أنه أسرف في استغلاله، ولستُ أدري أكان هذا صحيحًا، ولكن الذي لا شك فيه أنَّ إطالة الرواية وإطالة النظر في أشعار القدماء قد أثَّرت في لفظ أبي تمام، فجعلته من أرصن ألفاظ الشعراء في عصره، بينما ابن الرومي لم يُعرَف عنه تَعمُّقٌ كتعمُّق أبي تمام في الرواية ولا في اللغة، وإنما كان حظه من هذا كحظ غيره من الشعراء الذين عاصروه، فهو إذن لا يمتاز بكثرة الرواية كما امتاز البحتري وأبو تمام؛ فليس غريبًا أن يظهر أثر هذا في شعره، وأن يكون شعره من أسهل الشعر الذي نعرفه في القرن الثالث للهجرة.

    لفظ ابن الرومي غير متين، بل ربما كانت الجزالة والرصانة فيه نادرة، وشعره في هذه الناحية أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، قريب إلى النثر من ناحيتين: إحداهما تعمُّده التفصيل والبسط والإجادة في أداء المعاني التي يريد أن يؤديها، فالذي نعرفه — لا في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات على اختلافها — أنَّ الشعراء ليسوا في حاجة إلى الإطناب، ولا في حاجة إلى التفصيل الشديد، وأنَّ الجمال الشعري ربما اعتمد على الإيجاز دون التفصيل أو اللمحة الدالة كما يقولون، أما التفصيل والبسط والتطويل فهو من خصائص النثر ومن مزاياه، فمن هذه الجهة — جهة التفصيل والإطالة — ربما فسد شعر ابن الرومي بعض الشيء؛ لأن الشعر كما قلت لكم لا يحتاج إلى كل هذه الإطالة، ولا إلى هذا التفصيل الذي أمَلَّ القدماء، والذي أمَلَّ ابن الرومي نفسه واضطره أن يعتذر في بعض قصائده من الإطالة.

    الشعر لا يحتمل هذه الإطالة في المعاني الغنائية، وهو إذا احتمله في القصص فقلَّ أن يحتمله في غيره.

    وأما الناحية الأخرى التي تقرِّب شعر ابن الرومي من النثر، فهي هذه السهولة في اللفظ والإعراض عن التجويد اللفظي، فابن الرومي يبلغ من ذلك ما يريد أحيانًا، ولكنه لا يريد هذه الإجادة في كثير من الأحيان، ويكفي أن تقرءوا قصيدةً لابن الرومي، فسترون فيها متانة عارضة، ولكنكم سترون فيها شيئًا يشبه العلة الدائمة في شعر ابن الرومي، وهو هذا اللفظ الذي يقرب من أذهان الناس جميعًا حتى يكاد يبلغ حد الابتذال.

    بعد هذه المقارنة السريعة بين شعر ابن الرومي وأبي تمام بوجه عام، أريد أن ألفتكم إلى الخصائص التي تميِّز شعر ابن الرومي من الشعر العربي عامة، والتي تظهر فيها آثار طبيعته اليونانية وآثار ثقافته اليونانية، فقد يكون من الحق علينا أيضًا ألَّا نغلو في إضافة خصائص ابن الرومي إلى طبيعته اليونانية أو إلى الوراثة اليونانية فيه، بل قد يكون من الحق أن نلاحظ أنَّ التأثير اليوناني في شعر ابن الرومي إن عاد إلى الوراثة، فهو في الوقت نفسه يعود إلى الثقافة اليونانية الإسلامية.

    لسنا نعرف أكان ابن الرومي يحسن اليونانية أم لا، وليست هناك نصوص تدلنا على أنه كان يعرف هذه اللغة معرفة تمكِّنه من أن يتصل بالآداب اليونانية مباشرةً.

    وابن الرومي ليس يونانيًّا خالصًا، ولكنه يوناني من ناحية، وفارسي من ناحية أخرى، فإذا كان أبوه أو جده يونانيًّا فأمه فارسية، وإذن فالطبيعة الخاصة التي تؤثِّر فيه ليست هي الطبيعة اليونانية الخالصة ولا الطبيعة الفارسية الخالصة، إنما هي الطبيعة المختلطة، وإنما الذي كوَّن عقله ومَلَكته الشعرية هي ثقافته، وهذه الثقافة — فيما يظهر — كانت ثقافة متأثِّرة جدًّا بما عرفه المسلمون من الثقافات الأجنبية والعربية، وكانت في الوقت نفسه ثقافة عربية إسلامية، فهو على حظٍّ لا بأس به من العلم بالعربية ولغتها، وهو على حظٍّ لا بأس به من الدين الإسلامي وأحكامه، وحظٍّ عظيم مما كان يعرفه الرجل المثقف من علوم اليونان غير الإسلامية.

    وأنا أضيف تكوين عقل ابن الرومي إلى الثقافة الإسلامية اليونانية أكثر مما أضيفه إلى وراثته اليونانية، ومن المحقق أنَّ اجتماع الثقافة إلى تلك الوراثة هو الذي كوَّن هذه الطبيعة الخاصة التي نجدها في شعر ابن الرومي.

    نظرة ابن الرومي إلى الأشياء، ونظرته إلى الطبيعة، وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني؛ كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين، إلا في شعر أبي تمام كما قلت لكم.

    ابن الرومي كان قوي الخيال جدًّا، وكان خياله بعيدًا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدًّا، وكان قوي الشعور؛ فكان إذا أَلَمَّ بمعنًى من المعاني تأثَّر به تأثُّرًا واضحًا، وربما كان أحسن ما يصوِّر لنا خاصيةَ ابن الرومي أو خصائصه في الشعر أن نقف وقفة قصيرة عند شيء من شعره، لنرى أنه كان يمتاز من الذين عاصروه ومن الذين تقدموه.

    قبل أن أقف عند شيء من هذا الشعر أريد أن ألفتكم إلى نوع من النقد وُجِّه إلى أبي تمام كما وُجِّه إلى ابن الرومي؛ ذلك النقد هو أنَّ أبا تمام كان يضيف إلى الأشياء صفات ليس من المعقول أن تضاف إليها، فهم ينكرون مثلًا على أبي تمام أنه كان يشخِّص، فهو كان يجعل للدهر أخدعين، وكان يجعل الدهر طويلًا عريضًا، وكان يجعل الدهر شيئًا يُركَب، وكان يصوِّر هذه المعاني كما تُصوَّر الأشخاص، كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى الأشخاص والكائنات الحية، ويضيف إليها من الأوصاف ما لا يُضَاف إلا إلى الأشخاص أيضًا. هذا النقد وُجِّه إلى أبي تمام، وأسرف الآمدي وغير الآمدي في أخذه به، وزعموا حين نقدوا أبا تمام أنَّ هذا النوع من الاستعارة وُجِد عند المتقدمين، ولكن أقل جدًّا مما وُجِدَ عند أبي تمام.

    هذا العيب — إن كان عيبًا — يوجد عند ابن الرومي أكثر جدًّا مما يوجد عند أبي تمام للسبب الذي قدَّمْتُه، وهو أنَّ وقوف ابن الرومي عند المعاني أطول جدًّا من وقوف أبي تمام عند هذه المعاني، ومتى كان الأمر كذلك فطول وقوف ابن الرومي عند المعاني يضطره إلى أن يطيل النظر فيها، فهو يتصرف فيها ويعبث بها أكثر مما كان أبو تمام يتصرف في معانيه. وإذا كان أبو تمام قد استطاع أن يجعل للدهر أخدعين، وأن يجعله طويلًا عريضًا، فإن ابن الرومي قد فعل ما هو أكثر من ذلك، فابن الرومي قد تصوَّر هذه المعاني على أنها أشخاص، ووقف هذه الأشخاص منه موقف المتحدث الذي يخاصمه ويطيل معه الخصومة، فهو أجرى في معانيه حياة وحركة من شأنها ألَّا تجري إلا في الكائنات الحية، ثم لم يكتفِ بذلك، بل جعل لهذه المعاني عقولًا تفكِّر وتقاضي، فهو إذن قد جعل معانيه أشخاصًا من الناس، وجعلها تفكِّر وتناقش على أصول المنطق، وهو إذن قد جعل معانيه كأنها أشخاص من الناس، وجعل الحياة ملعبًا أو مسرحًا من مسارح التمثيل، وجعل هذه المعاني هي الأشخاص أو أبطال القصة، هذا النحو من التفكير وهذا النحو من معالجة المعاني وإجراء التفكير فيما ليس من شأنه أن يفكر وإطالة هذا التفكير وهذا الحوار، من الأشياء التي تدل على أنها نتيجة من نتائج الطبيعة والثقافة اليونانية عند أبي تمام وابن الرومي، وهي هذه الطبيعة التي أنشأت فن التمثيل عند اليونان، والتي لم تستطع أن نتصور الشعر الغنائي نفسه كما تصوَّره العرب على أنه مجرد التعبير عن الآراء المختلفة والميول المتباينة، وإنما اضطرت إلى أن تثبت الحركة، واضطرت إلى أن يكون غناؤها نفسه تمثيلًا، وأن يتكلف غير واحد إنشاد الشعر الغنائي، فالشعر الغنائي عند اليونان لم يكن في أول الأمر يستقل بإنشاده شاعر واحد، وإنما كان يشاركه في ذلك شاعر آخَر، ويستعين بالمغنين والموقعين.

    هذا النوع من الكثرة، أو من التعديد، أو من إيجاد المغايرة الظاهرة جدًّا بين الفرد الذي يتأثَّر بالمعاني ويحس العواطف، هذا النوع من التفكير هو الذي يميز ابن الرومي وأبا تمام عن الشعراء الذين تقدموهما أو عاصروهما.

    ويكفي لأجل أن تفهموا هذا النوع أن تنظروا إلى هذه القصيدة التي يعاتب بها صاحبه وصديقه أبا القاسم الشطرنجي، انظروا إليه كيف يبدأ هذه القصيدة، وكيف يكون من الخصال السيئة التي اكتشفها عند صاحبه جماعة من الأشخاص يتحدث إليهم ويتحدثون إليه:

    يَا أَخِي أَيْنَ رَيْعُ ذَاكَ اللِّقَاءِأَيْنَ مَا كَانَ بَيْنَنَا مِنْ صَفَاءِأَيْنَ مِصْدَاقُ شَاهِدٍ كَانَ يَحْكِيأَنَّكَ الْمُخْلِصُ الصَّحِيحُ الْإِخَاءِكَشَفَتْ مِنْكَ حَاجَتِي هَفَوَاتٍغُطِّيَتْ بُرْهَةً بِحُسْنِ اللِّقَاءِ
    هذه الهفوات التي كشفتها حاجته عند صاحبه، هي التي سيشخصها ابن الرومي، وسيتخذ منها جماعة يسبغ عليهن ثوب النساء وسيتحدث إليهن، وسيكون بينه وبينهن حوار لو اتسعت اللغة العربية له لكان كالحوار التمثيلي، ولكنها لم تكن تتسع له في ذلك العصر، لم يسعه إلا أن يقول «قلتُ، وقُلْنَ»، أي أن يحدث بينه وبينهن سؤالًا وجوابًا «قُلْنَ وقلتُ».

    تَرَكَتْنِي وَلَمْ أَكُنْ سَيِّئَ الظَّنـْـنِ أُسِيءُ الظُّنُونَ بِالْأَصْدِقَاءِ
    انظروا أولًا إلى «الظن» و«الظنون» وإلى تكرار هذا اللفظ مفردًا في الشطر الأول، وجمعًا في الشطر الثاني، فهو يُحدِث لنا موسيقى كالبحتري حين كان يكرر الألفاظ أو يرشح في الشطر الأول للقافية التي تأتي في الشطر الثاني، كقوله:

    وَحَسْنَاءَ لَمْ تُحْسِنْ صَنِيعًا وَرُبَّمَاصَبَوْتُ إِلَى حَسْنَاءَ سِيءَ صَنِيعُهَا
    يقول ابن الرومي:

    قُلْتُ لَمَّا بَدَتْ لِعَيْنِيَ شُنْعًارُبَّ شَوْهَاءَ فِي حَشَا حَسْنَاءِ
    يقول إنه لما رأى هذه الخصال التي ظهرت له أساء ظنه بأصدقائه، ولم يكن من شأنه ذلك، وقال ربما توجد المرأة السيئة في ظل المرأة الحسناء، إذ ربما توجد الخصلة السيئة في ظل الخصال الحسنة.

    لَيْتَنِي مَا هَتَكْتُ عَنْكُنَّ سِتْرًافَثَوَيْتُنَّ تَحْتَ ذَاكَ الْغِطَاءِ
    في البيت السابق كان يتحدث إلى نفسه، ثم انتقل الحديث إلى هذه الخصال.

    وأحب أن ألفتكم إلى شيء من الإهمال في هذا البيت، وهو قوله «ذاك» كأنه يتحدث إلى مفرد، ولكنه يتحدث إلى الجمع، ولست أقول إنَّ هذا خطأ، فإنه مألوف شائع، ولكني أقول إنَّ فيه إهمالًا في الذوق، وستجدون هذا الإهمال كثيرًا جدًّا في شعر ابن الرومي:

    إن تزولا انكشافنا ما تجلتعنك ظلماء شبهة قتماء
    يقول: لولا إننا ظهرنا ما تجلت عنكَ هذه الشبهة المظلمة، التي تغشك في صاحبك أبي القاسم.

    قُلْتُ أعجب بِكُنَّ مِن كَاسِفَاتٍكَاشِفَاتٍ غَوَاشِي الظَّلْمَاءِقَدْ أفدتني مع الخبرِ بِالصَّاحِبِ أنَّ رُبَّ كَاسِفٍ مُسْتَضَاءِ
    هنا يلم ابن الرومي بالبديع؛ كاسفات كاشفات «جناس» كاسف مستضاء، ونوع من المعاينة:

    فلَنْ أعجب بمُهْتَدٍ يتمَنَّىأنَّه لم يَزَلْ عَلَى عَمْيَاءِكُنْتَ فِي شُبْهةٍ فزَالَتْ بِنَا عَنـْـكَ فَأَوْسَعْتَنَا مِنَ الْإِزْرَاءِوَتَمَنَّيْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحِيــرَةِ تَحْتَ الْعمَايَةِ الطَّخْبَاءِ
    الخصال هي التي تتحدث إليه فتقول: إنك عجيب مهتدٍ، ولكنك تتمنى أن تظل حائرًا مع أننا نكشف عنك الشبهة:

    قُلْتُ تَاللهِ لَيْسَ مِثْلِيَ مَنْ وَدْدَ ضَلَالًا وَحِيرَةً بِاهْتِدَاءِغَيْرَ أَنِّي وَدَدْتُ سَتْرَ صَدِيقِيبَدَلًا بِاسْتِفَاضِةِ الْأَنْبَاءِقُلْنَ هَذَا هَوًى فَعَرِّجْ عَلَى الْحَقْقِ وَخَلِّ الْهَوَى لِقَلْبٍ هَوَاءِ
    أظنكم تلاحظون أنَّ الهوى كثير في هذا البيت:

    لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَوَدَّ لِخِلٍّأَنَّهُ الدَّهْرُ كَامِنُ الْأَدْوَاءِبَلْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تُنَقِّرَ عَنْهُنـْـنَ وَإِلَّا فَأَنْتَ كَالْبُعَدَاءِإِنَّ بَحْثَ الطَّبِيبِ عَنْ دَاءِ ذِي الدَّاءِ لَأسُّ الشِّفَاءِ قَبْلَ الشِّفَاءِدُونَكَ الْكَشْفَ وَالْعِتَابَ فَقَوِّمْبِهِمَا كُلَّ خِلَّةٍ عَوْجَاءِ
    فأنتم ترون إلى هذا الحوار بين ابن الرومي وبين هذه الخصال من صاحبه، وقد كان مغرمًا به مسرورًا من حُسن العشرة، وما كان يظهر له من أنه مخلص صحيح الإخلاص، ثم عرضت له حاجة فتقدم فيها إلى أخيه فلم يسعفه ولم يواته، فاستكشف أنه ليس كله حسنًا، وبدت له هذه العيوب شنيعة قبيحة، فأسف لأنه فتَّش عن صاحبه فبدت له عيوبه، ووَدَّ لو لم تظهر هذه العيوب، ولكن هذه الخصال نطقت بنفسها وقد أزلنا عنك الشبهة وعرفناك حقيقة الصديق، وهذا النحو هو الذي نجده في القصص التمثيلية اليونانية عند اسكيلوس أو سوفوكليس أو ايروبيد.

    ثم يتحدث ابن الرومي إلى صديقه وصاحبه أبي القاسم في عتاب، فانظروا كيف يستقصي المعاني ولا يطمئن إلى الإيجاز، وإنما يفصِّل ويسرف في التفصيل:

    يَا أَخِي هَبْكَ لَمْ تَهَبْ لِي مِنْ سَعْــيِكَ حَظًّا كَسَائِرِ الْبُخَلَاءِأَفَلَا كَانَ مِنْكَ رَدٌّ جَمِيلٌفِيهِ لِلنَّفْسِ رَاحَةٌ مِنْ عَنَاءِأَجَزَاءُ الصَّدِيقِ إِبْطَاؤُهُ الْعَشـْـوَةَ حَتَّى يَظَلَّ كَالْعَشْوَاءِتَارِكًا سَعْيَهُ اتِّكَالًا عَلَى سَعـْـيِكَ دُونَ الصِّحَابِ وَالشُّفَعَاءِكَالَّذِي غَرَّهُ السَّرَابُ بِمَا خَيْــيَلَ حَتَّى هَرَاقَ مَا فِي السِّقَاءِ
    أراد أن يقول لصاحبه: هَبْكَ لم تُرِدْ أن تجيبني إلى ما طلبت، وهَبْكَ لم تُرِدْ أن تسعى إلى هذه الحاجة التي كلَّفْتُك السعي فيها، أَمَا كان ينبغي أن تجيب جوابًا حسنًا أستطيع أن أطمئن إليه؟ هذا هو المعنى الذي كان يريد أن يقوله، وقد فصلته هنا تفصيلًا، ويمكن الكاتب المجيد أن يوجزه أكثر مما قلتُ أنا، ولكن ابن الرومي لا يطمئن إلى ذكاء كاتب أو سامع في أن يستكمل المعنى ويتمه إذا ظفر به.

    ثم يقول بعد ذلك:

    يَا أَبَا الْقَاسِمَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِدَهْرِي قَطَعْتَ مَتْنَ الرَّجَاءِبِكرُ حَاجَات مَنْ يَعُدُّكَ لِلشِّدْدَةِ طَوْرًا وَتَارَةً لِلرَّخَاءِنِمْتَ عَنْهَا وَمَا لِمِثْلِكَ عُذْرٌعِنْدَ ذِي نُهْيَةٍ عَلَى الْإِغْفَاءِقَسَمًا لَوْ سَأَلْتُ أُخْرَى عُوَانًالَتَنَمَّرْتَ لِي مَعَ الْأَعْدَاءِلَا أُجَازِيكَ مِنْ غُرُورِكَ إِيَّايَ غُرُورًا وُقِيتَ سُوءَ الْجَزَاءِبَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنْتَ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    تلاحظون أنَّ في هذه الأبيات من أول «يا أخي» إلى آخر بيت وقفنا عنده عذوبةً في اللفظ، ورفقًا في الحديث، نلاحظ فيه العتاب بمعناه الصحيح، هو شيء بين الرضا والسخط، بل هو سخط يلبسه صاحبه ثوب الرضا، هو شيء قريب من الهجاء، ولكنه ليس هجاء … وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادةً لا حدَّ لها، فهو شديد على صاحبه، ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول:

    بَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنَتْ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين.

    مَا بِأَمْثَالِ مَا أَتَيْتَ مِنَ الْأَسـْـرِ يَحُلُّ الْفَتَى ذُرَى الْعَلْيَاءِلَا وَلَا يَكْسِبُ الْمَحَامِدَ فِي النَّاسِ وَلَا يَشْتَرِي جَمِيلَ الثَّنَاءِلَيْسَ مَنْ حَلَّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي أَنـْـتَ بِهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَوَفَاءِبَذَلَ الْوَعْدَ لِلْأَخِلَّاءِ سمْحًافَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِفَغَدَا كَالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيـْـنِ وَيَأْبَى الْإِثْمَارَ كُلَّ الْإِبَاءِلَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إنَّ الذي يريد أن يبلغ العلى وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل مَن بلغوا مرتبة في السماحة، يَعِدُ ثم لا يَفِي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول:

    لَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة، وغالى حتى آلمه وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:

    يَا أَخِي يَا أَخَا الدَّمَاثَةِ وَالرِّقـْـقَةِ وَالظَّرْفِ وَالْحِجَا وَالدَّهَاءِ
    انظروا إلى كل هذه الصفات التي جمعها ورتَّبَها في هذا البيت، بعد هذا التقريع العنيف هو مضطر إلى أن يخفف من حدة هذا التوبيخ، فيأتي بهذا البيت يجمع فيه كل هذه الصفات الحسنة، وهي هنا أشبه بالدش البارد، ثم لا يكتفي بهذه الصفات، بل يفصِّل فيقول:

    رُبَّمَا هَالَنِي وَحَيَّرَ عَقْلِيأَخْذُكَ الْلَاعِبِينَ بِالْبَأْسَاءِوَرِضَاهُمْ هُنَاكَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبـْـعِ وَأَدْنَى رِضَاكَ فِي الْإِرْبَاءِوَاحْتِرَاسُ الدُّهَاةِ مِنْكَ وَإِعْصَافُكَ بِالْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِعَنْ تَدَابِيرِكَ اللِّطَافِ اللَّوَاتِيهُنَّ أَخْفَى مِنْ مُسْتَسِرِّ الْهَبَاءِبَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِ
    انظروا إلى هذا البيت، فهو من أجمل تشبيهات ابن الرومي، فهو يريد أن يقول إنَّ نبوغ صاحبه في لعب الشطرنج نبوغ خفي دقيق، كأنه السر في ضمير المحب الذي أفشى سره مرة فعُوقِبَ على هذا الإفشاء.

    بَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِفَإِخَالُ الَّذِي تُدِيرُ عَلَى الْقَوْمِ حُرُوبًا دَوَائِرَ الْأَرْحَاءِوَأَظُنُّ افْتِرَاسَكَ الْقِرْنَ فَالْقِرْنَ مَنَايَا وَشِيكَةَ الْإِرْدَاءِوَأَرَى أَنَّ رُقْعَةَ الْأَدَمِ الْأَحـْـمَرِ أَرْضٌ عَلَلْتهَا بِدِمَاءِغَلِطَ النَّاسُ لَسْتَ تَلْعَبَ بِالشَّطـْـرَنْجِ لَكِنْ بَأَنْفَسِ اللُّعَبَاءِأَنْتَ جديهَا وَغَيْرُكَ مَنْ يَلـْـعَبُ إِنَّ الرِّجَالَ غَيْرَ النِّسَاءِلَكَ مَكْرٌ يَدِبُّ فِي الْقَوْمِ أَخْفَىمِنْ دَبِيبِ الْغِذَاءِ فِي الْأَعْضَاءِأَوْ دَبِيبِ الْملَالِ فِي مُسْتَهَامِيــنَ إِلَى غَايَةٍ مِنَ الْبَغْضَاءِ
    (أو مسير القضاء)

    انظروا إلى هذا البيت جيدًا:

    أَوْ مَسِيرِ القَضَاءِ فِي ظُلَمِ الْغَيـْـبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِالْتِوَاءِأَوْ سُرَى الشَّيْبِ تَحْتَ لَيْلِ شَبَابٍمُسْتَحِيرٍ فِي لِمَّةٍ سَمْحَاءِدَبَّ فِيهَا لَهَا وَمِنْهَا إِلَيْهَافَاكْتَسَتْ لَوْنَ رثَّةٍ شَمْطَاءِتَقْتُلُ الشَّاهَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الرُّقـْـعَةِ طَبًّا بِالْقِتْلَةِ النَّكْرَاءِغَيْر مَا نَاظِرٍ بِعَيْنِكَ فِي الدَّسـْـتِ وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى الرُّسَلَاءِبَلْ تَرَاهَا وَأَنْتَ مُسْتَدْبِرُ الظَّهـْـرِ بِقَلْبٍ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَكَاءِمَا رَأَيْنَا سِوَاكَ قِرْنًا يُوَلِّيوَهْوَ يُرْدِي فَوَارِسَ الْهَيْجَاءِوَالْفُؤَادُ الذَّكِيُّ لِلمُطْرِقِ المُعـْـرِضِ عَينٌ يَرَى بِهَا مِنْ وَرَاءِتَقْرَأُ الدَّسْتَ ظَاهِرًا فَتُؤَدِّيــهِ جَمِيعًا كَأَحْفَظِ القُرَّاءِ
    هذه الأبيات من أجمل ما قيل في اللغة العربية في لعب الشطرنج، ولكن ابن الرومي من غير شك لم يكن يريد أن يمدح صاحبه، ولا أن يتملقه ببراعته في لعب الشطرنج من حيث إنه بارع ماهر، وإنما هو يتخذ هذا الوصف والثناء ذريعةً إلى أن يخفِّف عن صاحبه حدة هذا التقريع، فهو يريد أن يترضاه وأن يتملقه، فيصفه بأحب الأشياء إليه، وبالشيء الذي يجد فيه هذا الرجل رضى وراحة، وهو مهارته في لعب الشطرنج، ثم يمضي ابن الرومي فيصف صاحبه بالذكاء وبالذكاء النادر، ويصفه بهذا الذكاء الذي يجمع إلى البراعة استقامة في الخلق، ولا يتهالك على السلطان، ولا يتهالك على الثروة، وهو من أجل هذا أعرض عن صحبة الملوك وصحبة المترفين والأمراء، من أجل هذا أيضًا ابتعد عن التجارة وربحها، وهو يؤثر حياة هؤلاء الناس الذين يرضون الحياة السهلة اللينة، ولكن بما فيها من ضيق اليد مع الترف الميسور واللذة العقلية، يؤثر هذا على الثروة والجاه، ويمضي في هذا حتى يوقن أنه أرضاه.

    فإذا بلغ ابن الرومي من ذلك ما أراد، بأن حمل صاحبه بأن يعجب بنفسه وخُلُقه وفلسفته، فإذا بلغ من ذلك ما أراد، وإذا نسي صاحبه ذلك التقريع والتعنيف عاد بغاية اللين والسهولة، وعاتبه وسأله أترى كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها مجتمعة فيك، ثم يعسر عليك بعد ذلك أن تفهم مودتي وصداقتي، وأن تسعى وراء هذه الحاجة التي كلَّفْتُكَ السعي فيها؟ حتى إذا بلغ من هذا العتاب مأربه اشتد مرة أخرى وعنَّف صاحبه، ولم يكتفِ بهذا العنف وهذا التقريع، بل يلتمس قاضيًا، هذا القاضي هو أخو أبي القاسم أبو بكر، فيعرض عليه القضية ويطلب إليه أن يمضي فيها رأيه، ولا يمكن أن يكون فيها إلا عدلًا، فيصوِّر صاحبه أشنع صورة أمام القاضي، فإذا فعل ذلك عاد إليه فاستعطفه بأرق لفظ حلو، وأكَّدَ له أنه لم يُرِدْ هجاءً، إنما يريد عتابًا، ثم تنتهي القصيدة عند هذا الحد.

    فأنتم ترون أنَّ هذه القصيدة التي هي من أواسط قصائد ابن الرومي، وله كثير خير منها، لو اتسع الوقت لدرسها معكم درسًا مفصَّلًا، لكانت كافية في أن تعطينا فكرة واضحة عن ابن الرومي.

    مع أنَّ هذه القصيدة لا تكاد تتجاوز ثلاثين ومائة بيت، فقد ألَمَّ فيها بفنون مختلفة؛ فهو مادح، وهو محاور، وهو واصف، وهو بالغ بعتابه حدًّا نستطيع أن نقول إنه الهجاء، ولكنه نفسه يقول إنه لا يهجو، وهو على هذا ملِمٌّ بطائفة غير قليلة من الفنون الشعرية، وهو على هذا حريص أن يرتِّب قصيدته وألَّا يرسلها إرسالًا، وإنما هو كأبي تمام يرتِّب قصيدته ترتيبًا منطقيًّا، فأنتم حينما تقرءونها لا تستطيعون أن تقدموا جزءًا على جزء، إنما تقرءونها كما رتَّبَها هو، وأنتم مضطرون إلى أن تنتقلوا معه من معنى إلى معنى، ومن فصل من فصول القصيدة إلى فصل آخَر.

    وابن الرومي من أخص الشعراء الذين جعلوا شعرهم فصولًا كالنثر — وهذا ما يسميه أصحاب البيان من الفرنج واليونان (Perode) — فيقسم قصيدته إلى فصول، يبدأ الفصل ثم ينتقل إلى فصل آخَر فيستقصيه ويتمه، ومن حيث إنه يطيل فهذا أظهر في شعره منه في شعر أبي تمام.

    إذن هذه القصيدة — كما ترون — على جمعها لكثير من فنون ابن الرومي، تصوِّر لنا الخاصة التي يمتاز بها، وهي إسباغه الحياة والحركة على الأشياء والمعاني.

    آسَف أشد الأسف؛ لأن ساعة أو ساعات لا تكفي لأداء ما كنتُ أودُّ أن أؤديه، ولكن ما تخسرونه من ضيق الوقت ليس شيئًا، فإن ابن الرومي ظلَّ طولَ الوقت مضطهدًا، فلما جاء هذا العصر كُوفِئ عن صبره أحسن المكافأة؛ لأنه درس وفكَّر فيه أكثر ما درس غيره من الشعراء، لا أكاد أستثني إلا المتنبي وأبا العلاء، ودرس دراسة تلائم عصرنا درسه بنوع خاص الأستاذان العقاد والمازني.

    أما العقاد فكتب عنه كتابًا، هو من غير شك أحسن ما كُتِب عن ابن الرومي إلى الآن، وله قيمة ذاتية خاصة، وإن كان الأستاذ العقاد عني بالشاعر أكثر مما عني بالشعر، ولكن هذا نفسه فوز كبير، فشخصية ابن الرومي من أحسن الشخصيات الإنسانية التي يجب أن تُدرس، وأنا حين أقول الإنسانية أعني ما أقول، فالباحثون يجب أن يعنوا بابن الرومي، لا أقول في الأدب وحده، بل في الأدب والفلسفة وعلم النفس، فالأستاذ العقاد في كتابه على عنايته بالشاعر قد أحسن إلى ابن الرومي، وأحسن إلى الأدباء المعاصرين إحسانًا لا حدَّ له.

    وعني المازني في مقالاته عن ابن الرومي في كتابه حصاد الهشيم عنايةً أشهد أنها من أقوى العنايات، فلا أعرف أني قرأت شيئًا أروع ولا أمتع من هذه الفصول التي كتبها، والمازني قد يكون أكثر استشهادًا بشعر ابن الرومي من العقاد، ولكنه كالعقاد يقف عند شخصية ابن الرومي أكثر مما يقف عند الجمال والتحليل الفني، والظاهر أنهما يكلفان كلفًا خاصًّا بشخصيات الشعراء، أما أنا فربما عنيت بالشعر أكثر من عنايتي بالشاعر، وربما اتخذت الشاعر وسيلةً إلى فهم الشعر؛ ولذلك أرجو وألحُّ في الرجاء أن تتيح لي الأوقاتُ والظروفُ أن أدرس مع العقاد والمازني ابنَ الرومي، ولكن من ناحية شعره وفنِّه لا من ناحية شخصه، فأظن أنهما قد بلغا من ذلك فوق ما أريد.

    بول فاليري
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.

    أيها السادة

    كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

    ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

    ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

    وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

    بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

    ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

    ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

    كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

    والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

    فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

    ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

    وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

    هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

    ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

    احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

    هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

    بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

    كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

    سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

    وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

    ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

    ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

    هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

    استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

    وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

    وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

    أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

    يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

    في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

    والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

    والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

    والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

    وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

    سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

    من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

    ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

    نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

    ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

    هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

    يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

    ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

    ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

    وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

    هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

    من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

    وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

    وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

    والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.

    أخلاق الأدباء
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٣٨

    «… فالأدباء ناس من النَّاس، لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحسِّ المرهف الدقيق، والشُّعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف، فيظهر من أخلاقهم — على اختلاف ما فيها من الخير والشَّر — ما يخفى من أخلاق غيرهم من النَّاس …»

    سمعتُ الكتاب الذي أرسلته إليَّ «الهلال» تريدني فيه على أن أتحدث إلى قرائها عن أخلاق الأدباء، ثُمَّ التفتُّ إلى صبي أحبه وأوثره وسألته عن أظهر أخلاق الأديب فقال في لهجة الجد: «الثرثرة، وتضييع الأوقات، وتصديع الرءوس».

    ثم استأنى شيئًا كأنَّما يُفكِّر فيما قال ويتناوله بالتمحيص والنقد، ثم استأنف حديثه فقال: «ولكن من غير الأدباء من يثرثرون، ويضيعون الوقت، ويصدعون الرءوس، فلنقل إيثارًا للدِّقة وحرصًا على التحقيق، أنَّ الأديب يتخذ الثرثرة صناعة وفنًّا وطابعًا يطبع به حياته وغايته ينفق فيه جهده، على حين يثرثر غيره هاويًا للثرثرة، لا مقصورًا عليها، ولا مدفوعًا إليها بحكم الغريزة والطبع»، وكذلك استطاع هذا الصبي أن يُصوِّر أظهر صفات الأديب في شيء من الغلو والإسراف، ولكن في شيء من الإصابة غير قليل، ولهذا الصبي عذره فيما أسرف وما غلا، فهو نفسه يحب الأدب ويتكلفه ويوشك أن يشارك فيه، وربما كان الغلو من أخص صفات الأديب وأظهر خصاله، ولعلَّ الغلو أن يكون الخصلة الأولى الجوهرية التي تنشأ عنها أخلاق الأديب، والتي يصدر عنها الأديب فيما يفعل وما يقول، فالأديب من غير شكٍّ إنسان صناعته الكلام، لا يتكلم ليؤدي ما تعوَّد النَّاس أن يؤدوه من المعاني فحسب، ولكنَّه يتكلم؛ لأنَّه اتخذ الكلام غاية وغرضًا، وهو لم يتخذ الكلام غاية وغرضًا؛ إلا لأنَّه أفاض عليه من الروعة وأشاع فيه من الجمال ما جعله خليقًا أن يتنافس النَّاس فيه ويتهالكوا عليه، وما جعله خليقًا أن يطلب أشد الطلب ويرغب فيه أشد الرغبة، فيتيه به أصحابه ويتخذه مُنشئه تجارة تربح أحيانًا، ويدركها الكساد أحيانًا أخرى، فالأديب إذن قد عمد إلى الكلام الذي يتخذه النَّاس وسيلة إلى تأدية أغراضهم، وأداة إلى أن يفهم بعضهم بعضًا، فحوله عن وجهه وجعله غاية بعد أن كان سببًا، وغرضًا يقصد لنفسه بعد أن كان أداة يوصل إلى غيره، والذي مكَّن الأديب من أن يجعل الكلام غاية بعد أن كان وسيلة، وغرضًا بعد أن كان أداة وسببًا، إنَّما كان هذا الغلو الذي ركب في طبعه، والإسراف الذي كوَّن مزاجه، فسيطر على حياته كلها، غلو في الحسِّ يجعله يحس الأشياء على نحو أقوى وأشد مما يحسها غيره، وغلو في الشعور والعاطفة يجعله يندفع إلى الأشياء أو يرتدُّ عنها، على نحو أقوى وأشد مما يندفع غيره إلى الأشياء أو يرتد عنها، ثُمَّ غلو في الحكم والتقدير يجعله يقوِّم الأشياء تقويمًا لم يتعوده النَّاس ولم يألفوه، ثُمَّ غلو بعد هذا كله في تصوير الأشياء والتعبير عنها، يجعله يعرض الأشياء على نحو غريب لم يألف النَّاس عرضها عليه، وهم من أجل ذلك يُقبلون عليه، ويكلفون به، ويتنافسون فيه.

    وما أعرف أنَّ أديبًا يشذ عن هذه القاعدة، أو ينحرف عن هذا الأصل؛ فالشعراء والكُتَّاب يختلفون في إيثارهم للمبالغة، وحرصهم على القصد والاعتدال، ولكنَّهم على ذلك متفقون في مقدار من الغلو لا يكون أحدهم شاعرًا أو كاتبًا بدونه، فلن تجد أديبًا إلا وهو مرهف الحس، دقيق الشعور، رقيق المزاج إلى حدٍّ لا يُشاركه فيه غيره من النَّاس، وإرهاف حسه، ودقة شعوره، ورقة مزاجه إلى هذا الحد غير المألوف هي التي ميزته من النَّاس، فأتاحت له أن يجد ما لا يجدون، ويشعر بما لا يشعرون، ويقول بعد هذا كله ما لا يقولون، ويذهب من مذاهب القول وألوانه ما لا يألفون.

    فإذا أردت بعد هذا أن تعرف أخلاق الأديب؛ فارجع بها إلى هذا الأصل، وردَّها إلى هذا المصدر، فستنتهي بها إلى الينبوع الذي فاضت منه، وإلى المعدن الذي صدرت عنه، وقد تعوَّد النَّاس أن يظنوا بالأدباء الظنون، وأن يُضيفوا إليهم من الأخلاق والخصال ما يخيل إليك أنَّهم يمتازون به من غيرهم، وينفردون به انفرادًا، والنَّاس معذورون فهم يرون للأدباء أو الممتازين منهم على أقل تقدير أطوارًا غريبة خاصة، وهم يقرءون من شعرهم ونثرهم ما يصور لهم ألوانًا من الحياة ينكرونها ويرغبون عنها، أو يؤثرونها ويحرصون عليها، ولكنهم لا يألفونها عند أوساط النَّاس.

    فهم يعرفون من أمر بشار ما يعرفون؛ إسرافًا في اللهو، وغلوًّا في العبث، وتهالكًا على اللذة، ودفاعًا عن هذا كله، واستهتارًا بهذا كله، فما يشكُّون في أنَّ بشارًا رجلٌ شاذٌّ، وفي أنَّ شذوذه جاءه من أنَّه أديب، وربَّما كان من الحق أن يروا أنَّ بشارًا رجل أدب، وأنَّ أدبه جاءه من أنَّه خلق شاذًّا، ولولا شذوذ فطرته وخروج الطبيعة به عمَّا ألف من اعتدال المزاج، واتزان الحس، واستقامة الشعور، لأحس الأشياء كما يحسها غيره من النَّاس، ولتصرف فيها وحكم عليها كما يتصرف فيها ويحكم عليها غيره من النَّاس، وقل مثل ذلك فيمن شئت من الممتازين المتفوقين بين الأدباء في كل بيئة، وفي كل عصر، وفي كل جيل، هم قوم شذت بهم الطبيعة عن المألوف، وخرجت بهم عن الطور الذي عرفه النَّاس، فمنحتهم حسًّا مُرهفًا وشعورًا دقيقًا ومزاجًا حادًّا، ودفعهم هذا كله إلى التأثر بالحياة وظروفها تأثرًا شاذًّا، وإلى التعبير عن الحياة وظروفها تعبيرًا شاذًّا، ولكنَّ الغريب أنَّ النَّاس لم يقبلوا الأدباء كما هم، ولم يرضوا عنهم جملة، وإنَّما أخذوا الأدب فشطروه شطرين، قبلوا أحدهما فتنافسوا فيه، ورفضوا أحدهما الآخر ونعوا عليه أشد النعي ومقتوه أشنع المقت.

    فالنَّاس يقرءون شعر بشار فيُعجبون به أو يُعجب به أكثرهم، ولكنَّهم ينقمون من بشار قبح سيرته، وسوء خُلقه، وإسرافه في العبث والمجون، وما ينبغي أن نطلب إلى النَّاس، بل نحن نعوذ بالله أن نطلب إلى النَّاس الرضى عمَّا هو معروف من سيرة بشار وأمثاله من أصحاب العبث والمجون، ولكن الذي نطلبه هو الإنصاف، فلولا أنَّ بشارًا قد سار سيرته المعروفة، وعكف على ما عكف عليه من العبث، لما أنتج هذا الشعر الذي نرضى عنه ونُعجب به، وفرق عظيم بين أن ترضى عن سيرة بشار، وتُغري بها النَّاس وتُرغِّبهم فيها، وبين أن تُحقِّقَ الصِّلة بين هذه السيرة، وبين ما أنتجت من الآثار الأدبية، وتردها وترد آثارها الأدبية إلى أصل واحد، هو هذا الشذوذ الفطري الذي طبع الشاعر عليه، والله كفيل بحساب بشار وأخذه بذنوبه، أو التجاوز له عن هذه الذنوب، وصاحب الأخلاق كفيل بتنبيه النَّاس إلى الفضيلة والرذيلة، وترغيبهم عن هذه، وتزيين تلك في قلوبهم، ولكننا نحن حين نحكم في الأدب ونُقدِّر آثار الأدباء، خليقون أن نُقرِّر أنَّ سيرة بشار هذه القبيحة قد أنتجت لنا شعره هذا الجميل.

    وقد أراد الله بالنَّاس خيرًا فأعفاهم من الشر المُطلق، ورفع عنهم ثقل القُبح الخالص، واستخرج لهم من الشر خيرًا، ومن القبح حسنًا، وجعل ما يكرهون سبيلًا إلى ما يُحبُّون، فلنرحم هؤلاء الأدباء البائسين الذين تورطوا فيما نكره؛ فأنتجوا لنا ما نحبُّ، وقد أحسَّ بشار بُغض معاصيره له، وسمع نعيهم عليه، وأراد أن يذود عن نفسه، وأن يعتذر عمَّا كان يُنكر النَّاس من أمره فقال:

    طبعت على ما في غير مخيرهواي ولو خُيِّرت كنت المهذباأريد فلا أعطى وأعطى ولم أردوقصر علمي أن أنال المغيبافأصرف عن قصدي وعلمي مقصروأمسي وما أعقبت إلا التعجبا
    وللفلاسفة وأصحاب الكلام أن يُجادلوا بشارًا ويُنازعوه في ميله إلى الخير، وإعلانه للدعوة إليه، ولكننا نحن الذين ليسوا فلاسفة ولا متكلمين، خليقون أن نرحم بشارًا وأمثاله من آثامهم هذه، وأن نعرف لهم أنَّهم قد تورطوا فيها وشقوا بها؛ لننعم نحن بما أنتجوا لنا من آيات الفن، وروائع الشعر والنثر، وليس الأمر مقصورًا على أمر بشار وأمثاله من أصحاب العبث الذي يأباه الدين، وينكره الخلق، ولكنَّه يتجاوزهم إلى أصحاب الجد الذين شذت بهم الطبيعة عن المألوف، فدفعتهم إلى ألوان من السيرة، وإلى فنون من الكلام تُناقض العبث والمجون، ولكنَّنا مع ذلك ننكرها ونضيق بها، وإن أعجبنا بآثارها الفنية، فقد شذَّت الطبيعة بأبي العلاء عمَّا أَلِفَ النَّاس في حياتهم، وألزمته فنونًا من القسوة على نفسه وعلى النَّاس، ومن سوء الرأي في نفسه وفي النَّاس، ما أظن أننا نتخذها مثلًا أو نغري بها الشباب، ولكننا مع ذلك نقرأ اللزوميات فنُعجب بها، ونفتتن بكثير من شعرها، ونجد ألوانًا من المتاع فيما حفظت لنا من صور هذه الفلسفة المظلمة، وما اختار أبو العلاء أن يكون متشائمًا مظلم النفس سيئ الرأي، وما اختار أبو العلاء أن يسير هذه السيرة التي دُفع إليها دفعًا، فلنرحم أبا العلاء إذن من سيرته هذه التي لم يخترها، وإنَّما أُكره عليها إكراهًا، ولنعرف له أنَّه شقي لنسعد، وقسا على نفسه لنرفه نحن على نفوسنا بما ترك لنا من الآثار.

    والأدباء بعد هذا كله يختلفون اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من تظهر سيرته في آثاره الأدبية، ومنهم من يخفون هذه السيرة، ويظهرون في آثارهم ما يناقضها أشد المناقضة، فسيرة بشار ظاهرة في شعره، وسيرة أبي نواس ظاهرة في شعره أيضًا، وكثرة ما ترك أبو العتاهية من الشعر تُناقض ما نعرفه من حياته، وقد كان الشاعر الفرنسي ألفريد دي فيني ألقى في نفوس النَّاس الذين قرءوا شعره أنَّه صورة الجد والحزم والتشاؤم والشدة على النفس، ثم أظهر البحث من أمره ما يُناقض شعره أشدَّ المناقضة، ومن الأدباء من يتوسط بين ذلك، فيظهر من سيرته في آثاره الأدبية أطرافًا، ويُخفي منها أطرافًا، ويكلف الباحثين عن تاريخ الأدب ألوانًا من العناء؛ ليستخرجوا الحقَّ من سيرته وآثاره، وهذا الاختلاف بين الأدباء يأتي فيما أقدر من رأيهم فيما يكون بينهم وبين الجماعات التي يعيشون فيها من الصلة، ومن شجاعتهم واختلاف حظوظهم من هذه الشجاعة التي تمكنهم أو لا تمكنهم من مصارحة الجماعة بشخصياتهم كما هي؛ فمنهم من يُؤمن بشخصه أكثر مما يُؤمن بالجماعة، ويحفل بشخصه أكثر مما يحفل بالجماعة، فيجاهر الجماعة بنفسه وما يؤلف من العواطف والميول والأحوال متعرضًا في سبيل ذلك لألوان الإنكار والسخط التي تنتهي به أحيانًا إلى الاضطهاد، وربما انتهت به من الاضطهاد إلى أقصاها، ومنهم الذي يُصانع ويُوادع ويؤثر العاقبة؛ فيظهر للجماعة من نفسه ما تحتمل، ويخفي عليها من نفسه ما لا يطيق؛ لينفق حياة هادئة أو كالهادئة. وربما كان هؤلاء المصانعون الموادعون أحق النَّاس بالرحمة وأجدرهم بالإشفاق، فليس إنكار الشخصية بالشيء الهين على صاحب الشخصية القوية.

    وقد تسألني بعد هذا عن أخلاق الأدباء ما هي؟ أو ما عسى أن تكون؟ وهل يمكن أن يُقال فيها قولٌ جامعٌ يختصرها ويجملها؟ فصدقني ليس هذا بالشيء الهين، بل ليس هذا بالشيء الممكن.

    فالأدباء ناس من النَّاس لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحس المرهف الدقيق، والشعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف الحاد، فيظهر من أخلاقهم على اختلاف ما فيها من الخير والشر ما يخفى من أخلاق غيرهم من الناس، وما أكثر الذين أحبوا اللهو وعكفوا على الخمر، فلم يكد يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بشار وأبي نواس، وما أكثر الذين يدخنون الحشيش والأفيون، فلا يكاد النَّاس يعرفون من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بودلير، وما أكثر الذين يتشاءمون ويقسون على أنفسهم فلم يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنهم لم يفطروا على طبيعة أبي العلاء، صدقني أنَّ للأدباء عيبًا خطيرًا هو الذي يدل عليهم ويغري بهم، أو قل: إنَّ لهم عيبين خطيرين يخيلان إلى النَّاس أنَّهم فرقة ممتازة بأخلاق لا يُشاركهم فيها غيرهم؛ فأمَّا أول هذين العيبين فهو الغلو الذي ركب في طبائعهم، وأشيع في أمزجتهم، وجعلهم يقيسون ذراعًا كلما قاس النَّاس أصبعًا، أما ثاني هذين العيبين فهو هذا الذي ذكره الصبي الذي أحبه وأوثره، وهو الثرثرة والإغراق في الكلام.

    المعري: أشاعر أم فيلسوف
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يونيو ١٩٣٨

    … أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …

    سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.

    وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.

    وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.

    ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.

    وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.

    فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.

    وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.

    وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.

    أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.

    وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.

    ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.

    يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.

    لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.

    كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.

    وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.

    وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.

    ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.

    فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.

    وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.

    فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.

    أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.

    على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.

    أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.

    فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.

    إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.

    فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.

    وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.

    وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:

    ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
    فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.

    لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.

    وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.

    وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.

    هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.

    والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.

    فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟

    لا تظلموا الموتى!
    طه حسين
    النداء
    ٢٠ أبريل ١٩٤٨

    لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.

    ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!

    فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!

    قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …

    ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:

    لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا

    قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.

    قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.

    قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.

    قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.

    قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:

    إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …

    ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.

    وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.

    وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:

    ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ

    وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي

    قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ

    إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي

    ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.

    ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:

    لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا

    أبو نواس أيضًا
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣٠ مايو ١٩٥٣

    أحبب إليَّ بهذا الصمت العميق الذي يُمعن فيه العلماء والأدباء وأصحاب الفن الرفيع أشدَّ الإمعان؛ حتى ينسوا النَّاس، ويُوشك النَّاس أنْ ينسوهم، وحتَّى يُوشك أحدهم أنْ ينسى نفسه لشدة ما أمعن في الصمت، وأغرق في البحث، وشغله العمل عن كل شيء، ثُمَّ يعود إلى نفسه وإلى النَّاس ذات يومٍ وفي يده طُرْفة نفيسة يطرفهم بها في كثير من التواضع والحياء، وكان صمته ذاك الخصب يُنشد قول الراجز القديم:

    هذا جناي وخياره فيهإذ كل جانٍ يده إلى فيه
    وأحبب إليَّ كذلك بهذه الأيام الغرِّ التي تستقبلني مُصبحًا أو مُمسيًا بطرفة من هذه الطرف يهديها إليَّ أصحابُها بين حينٍ وحينٍ.

    ما أعمق هذا الرضا الذي أحسسته ونعمت به أمسِ حين استقبلني الصَّباح بطرفة تاريخية قيِّمَة جاءتني من دمشق، وحين استقبلني المساء بطرفة أدبية رائعة جاءتني من القاهرة، كلتا الطرفتين نتيجة من نتائج هذا الصمت العميق الطويل الذي يُمعن فيه أصحابه، ثم يخرجون منه بما ينفعهم وينفع الناس!

    وقد كانت طرفة الصباح مجلدًا ضخمًا قيِّمًا من هذا الكتاب العظيم الذي يُعدُّ بين الكنوز النفيسة لتراثنا العربي، وهو تاريخ دمشق لابن عساكر. أخذ المجمع العلمي العربي في نشره، وعهد بإخراج المجلد الأول منه إلى الأستاذ صلاح المنجد، وسأتحدث عنه في الأسبوع المُقبِل إن شاء الله.

    وكانت طُرفة المساء مُجلَّدًا ضخمًا كذلك يشتمل على ديوان أبي نواس عُنِيَتْ بنشره شركة مطبعة مصر، وعهدت بإخراجه وتحقيق نَصِّه إلى الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، وقدَّم له شاعرنا الكبير الأستاذ عزيز أباظة بمُقدِّمة مُمتعة، وهذا المُجلد هو الذي سأتحدث عنه اليوم في كثير من الإيجاز.

    ولأمرٍ ما أَلَحَّ أبو نواس على النَّاس في هذه الأعوام الأخيرة من حياتنا الأدبية؛ فقد أخرج الأستاذ عبد الرحمن صدقي منذ وقت قصير كتابين قيِّمين عن أبي نواس، وتحدثت في الأسبوع الماضي عن الكتاب الذي درس فيه الأستاذ الدكتور محمد النويهي نفسية أبي نُواس، وهذا ديوان أبي نواس تُخرجه لنا مطبعة مصر في صورة جديدة قد حُقِّقت نصوصها، وبرئت من شوائب التصحيف والتحريف التي أفسدت الطبعات التي شاعت بين أيدي النَّاس.

    ما عسى أن تكون الصِّلة بين هذا الجيل من أجيال المصريين وبين هذا الشاعر العظيم من شعراء القرن الثَّاني للهجرة؟ فقد ينبغي أن تكون هناك صلة خفية أو ظاهرة حملت هؤلاء السادة من المثقفين الذين أترفت عقولهم وأذواقهم، وهذبت طباعهم وأمزجتهم، على أن يُعْنَوْا بأبي نواس؛ منهم من يعرض حياته، ومنهم من يعرض فَنَّه، ومنهم من يحلل نفسَه، ومنهم من ينشر شعره نشرًا محققًا جديدًا. أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من مُجرد الميل إلى إحياء الأدب القديم؟ ولكن لماذا يُختار أبو نواس بين شعرائنا القدماء الذين لا يكاد يحصيهم العدُّ؟ لِمَ لا يختار شاعر من شعراء العصر الأموي، أو شاعر آخر من الذين عاصروا أبا نواس، أو الذين جاءوا بعده؟ وما أكثر ما يتحدث النَّاس في هذه الأيام عن الضِّيق بالقديم والزهد فيه، وعن الكلف بالجديد والشوق إليه! أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من أنَّ كثيرًا من المُثقفين في هذه الأيام يجدون مثلما كان يجد أبو نواس من الفراغ، ويُصرفون عمَّا أُتيح لأبي نواس من اللهو والعبث والاستمتاع بلذات الحياة؛ فهم يتعزَّوْنَ بما أُتيح لغيرهم عمَّا لم يُتح لهم، ويتسلَّوْن بوصف لَذَّات الحياة عن لَذَّات الحياة نفسها؟

    ولكنَّ أبا نواس لم يكن وحده صاحب اللهو والعبث والمجون، وإنَّما كان كثيرٌ من مُعاصريه يُشاركونه في أمره كُلِّه، يلهون كما يلهو، ويعبثون كما يعبث، ويُسرفون على أنفسهم وعلى النَّاس في الاستهتار باللهو والعبث ووصفهما في الشعر الجميل الصريح؛ وإذن فما بال هؤلاء الباحثين المجودين يُؤثِرون أبا نواس بالبحث من دون غيره من مُعاصريه؟

    يُخيَّل إليه أنَّ هذه الصلة لا تأتي من شيء من هذه الأشياء التي أشرتُ إليها، وإنَّما تأتي من شيء آخر يُصوِّر أصدق تصويرٍ هذا الروحَ الجديد الذي مَلأ الحياة المصرية وسايَرها منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان يعنف مرة ويهدأ أخرى، وهو رُوح الثورة والطموح إلى التحرُّر من الحياة الجامدة التي تُثقلها القيود والأغلال، وتضيق فيها الأوضاع الاجتماعية ضيقًا شديدًا؛ فتؤثِر طائفة قليلة بطيِّبات الحياة، وتحرم الكثرة الكثيرة هذه الطيبات. ولست أريد بطيبات الحياة هنا هذه اللذات المادية التي تُتاح للمترفين، وتُصرف عن المحرومين، وإنَّما أُرِيدُ بهذه الطيبات ما هو أوسع من هذا سعة وأرقى منه طبيعة ومزاجًا، أريد الطيبات المعنوية والمادية جميعًا، أريد الحرية الشائعة التي لا تقصر على طبقة بعينها وإنَّما تُتاح للنَّاس جميعًا، وأريد المساواة في الحقوق التي لا تُفرِّق بين جنس وجنس ولا بين طبقة وطبقة، والتي لا تبيح الاستعلاء لبعض الناس على بعض، ولا تبيح لبعض النَّاس أن يستأثروا دون غيرهم بما يتيح لهم التفوق والامتياز، هذا الروح ملأ حياتنا المصرية منذ انتهت الحرب العالمية الأولى؛ فدفعنا إلى المطالبة بالحرية السياسية، وبالحرية الاجتماعية، وبالمُساواة في الحقوق والواجبات، وحرصنا على أن نَخلُص من التسلط الأجنبي، وجاهدنا حتى ظفِرنا بدستور يسجِّل المساواة بين النَّاس، وقضينا ثُلث القرن الذي قضيناه في جهاد عنيف حينًا هادئ أحيانًا؛ لنحقق هذه الغايات تحقيقًا لا يقبل جدالًا ولا نزاعًا، وهذا الرُّوح هو الذي أغرى المثقفين منَّا بحُبِّ أبي نواس والعناية بشعره؛ فأبو نواس ثمرة من ثمرات الثَّورة التي حققت المساواة بين العرب وغيرهم من الأمم المغلوبة، وشعر هذا الجامح الذي لا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، إنَّما هو شعر المنتصر الذي أسكره الانتصار حتى أخرجه عن طوره، وحتى دفعه إلى ألوان من الشَّطَطِ في سيرته وفي تفكيره وفي شِعْرِه الذي يصور تلك السيرة وهذا التَّفكير.

    فأبو نواس ثائر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة كلها، ثائر على العرب يعيبهم في غير تحفُّظ، ويُفَضِّلُ عليهم الفرس، ويُحْفِظُ السلطان أحيانًا حتى يُلْقِيَه في غيابات السجن، وهو ثائر على المألوف من حياة الناس هذه الحياة الهادئة المطمئنة التي تجري على وتيرة وحيدة محتفظة بما فرض الدين عليها من النقاء والقصد والاعتدال؛ فهو يشرب الخمر ولا يريد أن يستخفي بشربها، وهو يُمعن في الشذوذ الجنسي في غير تحفُّظ ولا استحياء، وهو يسخر من المتزمِّتِين في غير رفق ولا أناة، ثم هو ثائر على المألوف من قيود الفن، فهو يُحسن الشعر العربي التقليدي أيما إحسان، ويُثبت ذلك بما يَقرِض من الشعر التقليدي الرصين؛ حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التقصير، ولكنَّه بعد ذلك يثور على هذا كله، ويُبدع في فنِّه الجديد، فيُعرض عن الأطلال ووصفها والبكاء عليها والحنين إليها، إلى اللذة وإطرائها والافتنان في وصفها إلى أبعد الحدود؛ كل ذلك لأنَّه نشأ كما نشأ أترابُه في ظل الثورة التي أدانت للمغلوبين من الغالبين، ودفعت كثيرًا من هؤلاء المغلوبين إلى فنون من الشَّطَطِ والجموح في القول والفعل جميعًا.

    وليس أبو نواس بدعًا من أترابه الذين عاصروه في البصرة والكوفة وبغداد، وقد وجد أبو نواس وأصحابه من الوزراء والأمراء ومن بعض الخلفاء رِضًى عن هذا الجموح، فتجاوزوا فيه كل حدٍّ؛ ومن هنا أخالف الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، كما خالفت الأستاذ النُّويهي من قبل في ردِّ ثورة أبي نواس هذه إلى ما زعم الرُّواة من سيرة أمه، أو إلى إخفاقه في حبٍّ جبان؛ فلم تكن ثورة أبي نواس مقصورة عليه، وإنَّما كانت شائعة في كثير من أصحابه الشُّعراء وغير الشعراء من أهل ذلك العصر.

    وأخالف الأستاذ الغزالي في شيء آخر ليس أقل خطرًا من هذا الذي ذكرتُه آنفًا؛ فالثورة الفنية التي نراها عند أبي نواس وأصحابه، والتي دفعت إلى الإغراق في وصف اللذات والاستهتار بها، ليست ثورة عباسية ولا عراقية، وإنَّما هي قدرة قديمة نشأت في الحجاز، وفي المدينة خاصة أيام الأمويين، وانتقلت من المدينة إلى الشام أيام يزيد بن عبد الملك، وعظُم خطرها أيام هشام بن عبد الملك بفضل الوليد بن يزيد الذي كان ضحية من ضحاياها، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق فاستقرت فيه مع السلطان، ولم تهدأ إلا بعد قتل الأمين بن الرشيد ونهوض المأمون بخلافة المسلمين.

    فإذا كان في العراق أبو نواس ومسلم ومطيع وحماد ووالبة؛ فقد كان في الحجاز الأحوص، وفي الشام الوليد بن يزيد، وحديثُ هذا يطول.

    وقد كنت أحب أن أثني على هذه الطبعة الجديدة لديوان أبي نواس ثناءً لا تحفُّظ فيه، ولكني مُضْطَرٌّ مع الأسف إلى شيء كثير من الاحتياط؛ فهذه الطبعة على جودتها وعلى ما بُذل في تصحيح نصِّها من الجهد العنيف، ليست طبعة علمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلستُ أعرف أنَّ الأستاذ الغزالي قد استقصى النُّسخ المخطوطة لديوان أبي نواس في دور الكتب المُختلفة، ولست أعرف أنَّه قد استقصى أكثرها أو كثيرًا منها.

    وقد كنت أعلم أنَّ المستشرق الألماني الدكتور شادة قد أنفق ثلاثين عامًا من عمره دارسًا لأبي نواس يُهيِّئُ طبعة علمية لديوانه، ولكنَّه فَارَقَ هذه الدنيا، ولست أعرف إلى أي مرحلة بلغ من بحثه وتنقيبه.

    وخصلة أخرى تضطرني إلى التحفُّظ: وهي أنَّ النَّاشر ومطبعة مصر قد راعَيَا ذوق المعاصِرِين، وتخريج القوانين القائمة أكثر ممَّا راعَيَا حقَّ العلم في نشر النَّصِّ كاملًا غير منقوص فهما يهديان إلى القُرَّاءِ نسخة مُصفَّاة يستطيعون أن يقرءوها في غير حَرَجٍ، وليس هذا بالشيء القليل، وما شيءٌ خير من لا شيء، كما يقول المثل.

    فليقرأ القُرَّاء شاكرين للمطبعة والناشر هذا الجهدَ القَيِّمَ الخصبَ، ولينتظر العلماء أن يُنشر لهم نص أبي نواس، كما يريدون أن يكون.

    أصداء النيل
    للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ١٣ مارس ١٩٥٧

    أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.

    هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.

    بدوي النشأة
    ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.

    وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».

    الجزء الأول
    وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.

    كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.

    هذا الجهد
    وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.

    واقرأ معي هذه الأبيات:

    طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
    القافية التامة
    وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:

    قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
    وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.

    وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.

    شطره الأخير
    وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.

    وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.

    يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:

    ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
    أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.

    وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.

    مر الليالي
    وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.

    كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.

    والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.

    وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.

    الشعراء يرضون
    فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»

    وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.

    بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
    أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:

    ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
    وفيها يقول:

    اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
    أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:

    أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
    وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.

    وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.

    ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.

    وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.

    فاسمع له كيف يقول:

    مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
    ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.

    ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.

    وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.

    واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.

    وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟

    فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
    أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.

    والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:

    على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
    لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.

    سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
    وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!

    وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.

    وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.

    أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.

    وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.

    وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.

    وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.

    ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.

    ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.

    والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.

    والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:

    وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
    عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:

    إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
    وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.

    صريع الوطن
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٤ أكتوبر ١٩٣٢

    أما تسمع ما يقول عباد: طابت لك المدينة الآن.

    قال عبد الملك بن مروان هذا الكلام وهو يلتفت إلى رجل لعله قد بلغ الخمسين من العمر أو قاربها أو تجاوزها قليلًا، وكان هذا الرجل في أكبر الظن نحيفًا مهزولًا، رديء الصحة، حاد المزاج، يتكلف التجلد والصبر، ولكن طاقته للتكلف قد نفدت أو كادت، وكان هذا الرجل لا يُرى إلا كئيبًا محزونًا؛ فإذا تكلم لم يسمع الناس منه إلا حديثًا فيه وجد وشوق، وفيه حسرة ولوعة، وقد يسمعون منه شعرًا ملؤه اليأس والقنوط.

    وكان هذا الرجل على ذلك كله مُعتدًّا بنفسه، معتزًّا بقومه، لا يكاد يحفل بعبد الملك بن مروان لولا أنه أمير المؤمنين. فلما قال له عبد الملك ما قال لم يبتسم ولم تنجلِ عن وجهه غبرة الكآبة، ولم يبرق في عينيه الحادتين برق الأمل، ولا تألَّق على جبينه ضوء الرجاء، وإنما أطرق برأسه إلى الأرض وقطب جبينه، وقال بصوت منخفض تكاد تخنقه العبرة:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المِصْران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    كان هذا الرجل أبا قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الملك يُنبئُه بما زعم له عباد بن زياد من أن جيوش بني أمية قد انتصرت في العراق، ففتحت لها الكوفة والبصرة — وكان عبد الملك يُقدِّر أن فتح العراق مقدمة طبيعية لفتح الحجاز وانتزاعه من يد ابن الزبير — فكان ينبئ بذلك أبا قطيفة يُريد أن يَسرَّه، وأن يُسرِّيَ عنه، وأن يفتح له بابًا من الأمل، ويثير في نفسه الكئيبة شعورًا باسمًا بأن رجوعه إلى المدينة قد أصبح قريبًا، ولكن أبا قطيفة لم يصدق خبر عباد، ولم يصطنع من الأدب ما ينبغي في مجلس أمير المؤمنين؛ فأعرض عن الخليفة وأنشد هذين البيتين:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المصران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    وأكبر الظن أن عبد الملك لم يَرُقه ذلك من ابن عمه الشاعر، فأسرَّها في نفسه وأمسك عن ابن عمه مع ذلك لرَحِمه وعصبيته، ولأن سياسة الدولة كانت تقضي على عبد الملك أن يكون حليمًا، وأن لا يصطنع العنف، وماذا يفيده العنف وهو محتاج إلى أن يترضى كل من حوله في هذه الأيام التي ما يزال نصف البلاد الإسلامية فيها خارجًا عن سلطانه، خاضعًا لابن الزبير؟

    أمسك عبد الملك عن ابن عمه وأسرَّ في نفسه حقدًا. وكم كان يُسِرُّ عبد الملك في هذه الأيام من الحقد والضغينة! وكم كان يُمنِّي نفسه إذا خلى إليها بذلك اليوم الذي ينتقم فيه من أبناء عمه هؤلاء الذين قبلوا إمرته كارهين، والذين يظهرون له من الكبرياء والإعراض ما لا ينبغي أن يُواجه به أمير المؤمنين! وكم كان عبد الملك يتمنى ذلك اليوم الذي يُعاقِب فيه أبناء عمه أولئك الذين آثروا الحجاز على الشام، وملك قريش على ملك أمية، ونصرة مُضَر على نصرة قضاعة، فقبلوا سلطان ابن الزبير مؤيدين له أو صابرين عليه!

    صبر عبد الملك على ابن قطيفة، ولكنه لم يمسك عنه لسانه، بل جعل يعيبه ويتنقصه في غيبته، وبلغ أبا قطيفة ذلك فلم يقبله ولم يصبر عليه، ولكنه لقي الشر بالشر، وأجاب على تنقُّص الخليفة إياه بهجاء الخليفة، والفخر عليه، وتهديده بالتلميح حينًا والتصريح حينًا آخر، فقال:

    أنا ابن أبي معيط حين أُنْمِي لأكرم ضِئْضِئٍ وأعَزِّ جيل

    وأُنْمِي للعقائل من قُصيٍّ ومخزوم فما أنا بالضَّئيل

    وأروَى من كُرَيز قد نَمتَني وأروَى الخير بنتُ أبي عَقيل

    كِلَا الحيَّينِ من هذا وهذا لعمرُ أبيك في الشرف الطويل

    فعدِّدْ مثلَهن أبا ذبابٍ ليعلَمَ ما تقول ذوو العقول

    فما الزرقاء لي أُمًّا فأَخْزَى ولا ليَ في الأرزاق مِن سبيل

    وأبو ذباب عبد الملك، والزرقاء امرأة من كندة كانت من أمهات عبد الملك، وكان يُعيَّر بها، كما يقول أبو الفرج، وقال أبو قطيفة أيضًا يهجو عبد الملك:

    نُبِّئتُ أن ابن العَمَلَّس عابني ومَن ذا مِن الناس البَريءُ المسلَّم؟

    مَنَ انتم؟ مَنَ انتم؟ خبِّرونا مَنَ انتم فقد جعلت أشياء تَبدُو وتُكتَمُ

    والبيت الأول من هذين البيتين مخروم ينقصه حرف في أوله ليستقيم وزنه على بحر الطويل، وينبغي أن تقرأ البيت الثاني ملغيًا همز أنتم، ناقلًا فتحتها إلى نون من ليستقيم وزنه أيضًا، وليس في هذا النقل ولا في ذلك الخَرْم عيب، وإنما ذلك شيء مألوف، والنقل خاصة مألوف شائع في شعر قريش وحديثها وقراءتها للقرآن، وليس لهذين البيتين قيمة شعرية ممتازة، ولكن للبيت الثاني قيمته السياسية الخطيرة حين يسأل الشاعرُ بني مروان عن أنفسهم ثلاثة مرات في الشطر الأول، وحين ينبئهم في الشطر الثاني بأن أشياء قد جعلت تبدو وتكتم. وفي هذين الأمرين ما فيهما من النذير.

    ويروى أن عبد الملك لما سمع هذين البيتين قال: ما ظننت أنَّا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط. وسواء أكانت رعاية الحرمة هي التي منعت عبد الملك من عقوبة أبي قطيفة أم كانت السياسة، فقد سلم جلد أبي قطيفة من السياط، وما كان أشد خوفه من السياط وعبثها بجلده، ألم يكن قد كتب إلى أبيه وهو والٍ للكوفة من قبل عثمان شعرًا يشفق فيه من سوط الخليفة، إن لم يدركه أبوه فيزوجه، أو يهدي إليه جارية؟

    أظن أن ما قدمته يعطيك عن هذا الرجل صورتين قويتين جدًّا، الأولى أنه كان رجلًا بأدق معاني هذه الكلمة، والأخرى أنه كان رجلًا رقيق القلب، حساسًا، قوي الشعور، وفيًّا، صادق الحنان. ولا بد من كلمتين قصيرتين أوضح بهما هاتين الصورتين، فأما رجولة شاعرنا فليس فيها غرابة أن عرفنا من هو، ويكفي أن نقول: إنه عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. كان أبوه الوليد بن عقبة من سادة بني أمية وأشرافهم، وأشدهم خصومة للإسلام وازورارًا عليه، يقال: إن الآية الكريمة نزلت فيه، وهي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات: ٦).

    وقد أسلم وظهر حُسن إسلامه، وولاه عثمان الكوفة، ولكنه ظلم وفجر وأسرف في شرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، فزاد في صلاة الصبح ركعة، ثم التفت إلى الناس فقال: «وإن شئتم زدناكم.» فعزله عثمان وأقام عليه الحد. وعقبة بن أبي معيط أبو الوليد كان من أشد قريش فتنة للنبي وأصحابه قبل الهجرة، فلما ظفر المسلمون في وقعة بدر أُسِر عقبة فقتله النبي صبرًا، أما صاحبنا عمرو بن الوليد فلم يتول أمرًا من أمور الدولة، ولا عني بالسياسة، ولا هَمَّ بترك المدينة حتى حين ولي أبوه الكوفة، وإنما عاش في المدينة عيشة الفتيان الأغنياء الأعزاء يلهو ويستمتع بالحياة ما سمحت له الظروف بذلك.

    ولعله نعم بالحياة حقًّا أثناء العشرين سنة التي ولي فيها معاوية أمير المسلمين، فلما مات معاوية ونهض بعده يزيد امتحن هذا الرجل في أحب شيء إليه، وأكرم شيء عليه؛ وهي حياته الهادئة الناعمة في المدينة، فظهرت صورته الثانية، وهي صورة الرقة والحنان وصدق الشعور. والواقع أن هذه الصورة لم تظهر عند هذا الرجل وحده، وإنما ظهرت عند جماعة من قريش، وظهرت في شكل مؤثر جدًّا. هذا عبيد الله بن قيس الرقيات يفيض ديوانه بالحزن والأسف؛ لأنه صاحب مصعب بن الزبير إلى العراق فبعد عن المدينة، فلما كانت وقعة الحرة جاءته الأنباء، فامتلأ شعره جزعًا على من أُصيب فيها من قريش، وكان عبيد الله زبيريًّا، وكان أبو قطيفة أمويًّا، ولكنهما جميعًا قرشيان عاشا في المدينة فأحبَّاها حبًّا لا يعدله حب.

    وهذه حميدة حفيدة عبد الرحمن بن عوف تزوجت رجلًا من أهل الشام ورحلت معه كارهة عن المدينة، فلما كانت في بعض الطريق سمعت من يتغنى بشعر لأبي قطيفة في الحزن على المدينة والحنين إليها، فشهقت شهقة أتت على حياتها.

    ما أشد تأثير الإسلام في نفوس قريش! كانت حياة أبي قطيفة هادئة وادعة في المدينة أثناء خلافة عثمان وخلافة معاوية، وكان بنو أمية أصحاب الكلمة في المدينة في هذا الدهر، منهم عثمان أمير المؤمنين، ثم منهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص اللذان كانت ولاية المدينة بينهما أيام معاوية، وكان سعيد بن العاص رجلًا من رجال قريش كريمًا سخيًّا شجاعًا، سهل الخلق، سمح النفس، تمتلئ العين مهابة بالنظر إليه، وتمتلئ النفس أُنْسًا بالحديث معه، وكان أبو قطيفة صديقًا لابنه عمرو بن سعيد، وكانت الحياة في ذلك الوقت نعمة كلها لبني أمية وبني هاشم في المدينة.

    وكان بنو أمية وبنو هاشم يتنافسون في الكرم والجود أيهم يكسب الأنصار، وأيهم يسهل الحياة للناس من حوله؟ وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بأخبارهم في هذا التنافس، وكان لسعيد بن العاص قصر خارج المدينة يعيش فيه إذا اعتزل الحكم، ويجعله مثابة للطامعين، وأمنًا للخائفين، وكان الشعراء مفتونين بسعيد، ولِمَ لا؟ أليس قد أغنى الحطيئة وآمن الفرزدق من زياد؟ حضرت سعيدًا الوفاة فقال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة، قال: يا بني، إن قومي لن يكرهوا أن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، ولكن إذا مت فاذهب إلى معاوية وأخبره بديني، فسيعرض عليك قضاءه عني فلا تقبل، ولكن بِعْهُ هذا القصر؛ فإني إنما اتخذته نزهة، وليس هو بمال، ثم أدِّ بثمنه ما عليَّ من دين.

    فلما مات حمل إلى البقيع فدفن فيه، وتقبل عمرو عزاء الناس عند القبر، وقد أعدت له الرواحل، فركب إلى دمشق ونعى أباه إلى معاوية، فتوجع شيخ قريش وترحم على كريم قريش، ثم قال: أعليه دين؟ قال عمرو: نعم، ثلاثمائة ألف درهم، قال معاوية: هي عليَّ، قال عمرو: لا، ولكنه أمرني أن أبيعك قصره، قال: قد اشتريته بدينه. ثم حمل الدين إلى المدينة فأداه عمرو عن أبيه، وكانت كلها منحًا وعد بها سعيد ولم يجدها عنده، فكان يكتب بها الصك لأصحابها.

    وفي هذه الحياة السهلة الناعمة قضى أبو قطيفة نيفًا وعشرين عامًا، فلما كانت فتنة ابن الزبير أُخرِج بنو أمية من الحجاز، وفيهم أبو قطيفة، فامتلأت نفسه جزعًا على المدينة، وامتلأ شعره حنينًا إليها، وكان بحق شاعر الحنين إلى الأوطان في الإسلام، واقرأ هذه الأبيات:

    القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

    إلا البلاط فما حازت قرائنه دور نزحن عن الفحشاء والهون

    قد يكتم الناس أسرارًا فأعلمها ولا ينالون حتى الموت مكنوني

    واقرأ هذه الأبيات:

    ليت شعري وأين مني ليت أعلى العهد يَلْبنٌ فَبَرام

    أم كعهدي العقيق أم غيَّرته بعدي الحادثات والأيام؟

    وبأهلي بدلت عكًّا ولخمًا وجذامًا وأين مني جذام؟

    وتبدَّلت من مساكن قومي والقصور التي بها الآطام

    كل قصر مشيد ذي أواس يتغنى على ذراه الحمام

    أقرِ مني السلام إن جئت قومي وقليل لهم لدي السلام

    سمع عبد الله بن الزبير هذا الشعر فقال: حن والله أبو قطيفة. وعليه السلام ورحمة الله. من لقيه فليخبره أنه آمِنٌ فليرجع. فأُخبِر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعًا، فلم يصل إليها حتى مات.

    ألست ترى أن أبا قطيفة صريع الحنين إلى الوطن؟

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن شعره وأخباره! ولكنها أول ما يلقاك في كتاب الأغاني إذا نظرت فيه، فاقضِ مع هذا الشاعر ساعة فلن تندم عليها.

    الشعر العربي والقصص
    طه حسين
    الفجر
    ١٥ أكتوبر ١٩٣٤

    وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.

    وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.

    أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.

    ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.

    وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.

    والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.

    فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بيزيسترات بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.

    فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.

    إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.

    وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.

    على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:

    إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.

    والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.

    الثوب الضيق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٩ يناير ١٩٤٨

    وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

    يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

    حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
    ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

    فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

    وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

    هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

    وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

    ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

    ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

    ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

    والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

    فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

    مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

    وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

    هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

    إقبال
    شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
    طه حسين

    شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.

    شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.

    والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.

    كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.

    والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.

    وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.

    كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:

    توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
    كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:

    مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
    ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.

    أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.

    والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.

    وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.

    كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.

    ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.

    ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.

    احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.

    وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.

    ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.

    وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.

    والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.

    فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».

    وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.

    ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.

    مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.

    أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.

    وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.

  • الجيل الضائع | The Lost Generation

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

    مشكلة اللغات الأجنبية
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

    هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

    الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

    الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

    بيت آخر
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    وهذا بيت آخر تحفظه الأجيال من تلاميذ المدارس، لا تستطيع أن تُفلت منه أو تجد من حفظه مهربًا، وهي من أجل ذلك تنساه أو تحاول أن تنساه حين تتقدم بها السن قليلًا؛ لأنه يذكِّرها بالمدرسة ويردُّها إلى دروس النحو ويُحضر أمامها صورًا مختلفة للمعلمين الذين يتخذون العمائم أو الطرابيش والثياب الضيقة أو الثياب الواسعة، والذين ينطقون في لهجة المتأنقين المتحذلقين أو في لهجة المتحفظين المتزمتين، والذين يُعربون ويعلِّمون التلاميذ كيف يعربون قول الشاعر:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب

    ولست أظن أن مصريًّا يحسن القراءة والكتابة، وقد مرَّ بمدرسة من المدارس الابتدائية الأميرية أو الحرة، يستطيع أن يقول إنه لم يلقَ هذا البيت في طريقه أثناء الدرس، ولم يشقَ بحفظه وتكراره وإعرابه، فهو من أبيات النحو الابتدائي التي يرويها المعلمون لتلاميذهم مثلًا وشاهدًا على أن الفعل المضارع ينصب إذا اقترن بفاء السببية بعد أداة من أدوات التمني أو الرجاء. وكنَّا في أيام الصبا نشقى بهذا البيت وأمثاله حين كان المعلِّمون يزعمون لنا أن بين الفعل والفاء «أن» مضمرة لا تستطيع أن تظهر. ومنَّا من كان يسأل نفسه: ما الذي يمنعها من أن تظهر؟! ومنَّا من كان يذهب في هذا الإضمار والاستتار مذاهب مختلفة ويلتمس لها عللًا متباينة، ولكننا لم نكن نفهمه على كل حال. فكان البيت مع ذلك يعجبنا ويرضينا؛ لأنه قريبٌ من أفهامنا، يسيرٌ على أذواقنا، لا نجد في ألفاظه ولا في معانيه مشقةً ولا جهدًا، نحفظه في غير عسر، وننشده في غير تكلف، ونفهمه في غير عناء، ونعجز مع ذلك عن فهم ما كان المعلمون يقولون لنا من استخفاء «أن» هذه بين الفاء والفعل، وحرصها على ألا تظهر أو عجزها عن أن تظهر.

    ولست أظن أن مثقفًا مرَّ بالمدارس الابتدائية يستطيع أن يذكر هذا البيت دون أن تظهر على ثغره ابتسامة خفيفة سريعة؛ لما يذكر من عناء المعلمين في الإفهام وعناء المتعلمين في الفهم، وشقاء أولئك وهؤلاء بهذا الحرف المضمر المستخفي في غير حاجة إلى الإضمار ولا إلى الاستخفاء.

    وكثير من الناس الذين تقدمت بهم السن، وشقَّت عليهم حياة الكهول وحياة الشيوخ، وأدركهم هذا الضعف الجسمي والنفسي الذي يحول بينهم وبين آمال الشباب ولذاته، ولا يبقى لهم من تلك الآمال وهذه اللذات إلَّا ذكريات مختلفة، ولكنها حزينة تثير في نفوسهم اللوعة على ما فات واليأس مما هو مقبل، والأسف على أنهم لا يستطيعون أن يستقبلوا من أمورهم ما استدبروا، وأن يستأنفوا من آمالهم ولذاتهم ما مضى، فلم يبقَ إلى استدراكه من سبيل.

    فهم يتحدثون بما أبلوا في هذا الموقف أو ذاك من مواقف الفرح والمرح والنشاط، ويعجزهم عن أن يبلوا هذا البلاء وعن أن يقفوا هذا الموقف وعن أن يداعبوا أملًا أو يصيبوا لذةً أو يحاولوا نشاطًا؛ تقعد بهم السن ويردهم الضعف عن كل ذلك، فهم لا يستطيعون إلَّا أن يذكروا ويتفكروا ويحزنوا على أنفسهم، ويقولوا في هذه اللهجة البائسة اليائسة:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    وهم واثقون في حزنٍ يائس أو يأسٍ حزين بأن الشباب لن يعود في يوم من الأيام، وبأنهم لن يخبروه مما فعل المشيب بقليل أو كثير. وما أكثر ما يودون لو عاد إليهم الشباب أو الصبا، ورأوا أنفسهم جالسين في فصول المدارس الابتدائية أو الثانوية قد أقبلوا على المعلم أو أعرضوا عنه، وهو يفسر لهم معنى التمني والرجاء، ويفسر لهم فاء السببية وواو المعية، ويدلهم على مكان «أن» هذه المضمرة المستخفية التي لا تستطيع ولا ينبغي أن تظهر لا في شعر ولا في نثر؛ لأن النحو قد فرض عليها أن تستخفي في شيءٍ كثيرٍ من الاستحياء، بحيث يفترض وجودها أو يقطع بوجودها دون أن تراها العين حين تقرأ، ودون أن تحسَّها الأذن حين تسمع، ودون أن ينطق بها اللسان حين ينشد. قضيَ عليها أن تحضر وهي غائبة، وأن تغيب وهي حاضرة، وأن تكون أشد استخفاء واستحياء من صاحبة بشار تلك التي يقول فيها:

    صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولكني أذكر هذا البيت وأذكِّر به الذين حفظوه ثم نسوه، وهم يودُّون لو عادوا إليه أو عاد إليهم لمعنًى لم يخطر لصاحبه حين أنشأه، ولم يخطر لأحد من قرائه ورواته حين ينشده، ولم يخطر للمعلم حين يفسره ولا للمتعلم حين يشقى بتأويله وتعليله، وهو معنى الندم.

    الندم، لا على ما فات من لذات الشباب المادية والمعنوية، ولا على ما ضاع من الآمال والمآرب، ولا على هذا النقص الذي يصيب الكهول والشيوخ حين تتقدم بهم السن، فيعجزون عما كانوا يقدرون عليه حين كانوا يستقبلون الحياة باسمين لها، وحين كانت الحياة تستقبلهم باسمةً لهم، بل على آمال تحققت وقد كان ينبغي لها ألَّا تتحقق، ومآرب قضيت وقد كان ينبغي لها ألَّا تقضى، ومنافع أُدركت وقد كان ينبغي لها ألَّا تدرك؛ لأن في تحقق تلك الآمال نقصًا من نفوسهم، ولأن في قضاء تلك المآرب غضًّا من أقدارهم في أنفسهم وفي أنفس الناس، ولأن في إدراك هذه المنافع ضررًا أي ضرر يصيبهم في أنفسهم ويصيب مواطنيهم في أوطانهم، ولأنهم خطوا حين حققوا تلك الآمال وقضوا تلك المآرب، وأدركوا هذه المنافع خطواتٍ حاسمةً لا سبيل إلى تداركها ولا إلى إصلاح ما نشأ عنها من السيئات والآثام.

    انظر إلى ذلك الشاب الذي كان في طور الشباب جذوة من نار، لا يرضى عن شيء ولا يرضى بشيء، وإنما هو ساخط دائمًا طامح دائمًا ناظر دائمًا إلى أمام، مُستَخِفٌّ بما حوله من الأشياء، وبمن حوله من الناس. يرى أن الشيوخ والكهول قد رضوا بالقليل وقنعوا بما لا يقنع به الرجل الكريم، واطمئنوا إلى ما لا يطمئن إليه أصحاب الأنفة والإباء؛ فهو ثائر على الشيوخ والكهول، طامع في أن يجدد كل شيء، وفي أن يثب بنفسه وبوطنه إلى ما لم تستطع الأجيال الماضية أن تبلغ من منازل العزة والكرامة والاستقلال.

    وهو من أجل ذلك صريح كأشد ما تكون الصراحة في مخاصمته للقديم وإنكاره للحاضر من حوله، عنيفٌ كأشد ما يكون العنف في مطالبته بالتجديد والتغيير؛ لا يرضى عن السياسة؛ لأنها راكدة خامدة، ولا يرضى عن الثقافة؛ لأنها هامدة جامدة، ولا يرضى عن النظام الاجتماعي؛ لأنه ظالم جائر. وهو لا يطمئن إلَّا إذا خرجت السياسة عن خمودها وركودها ونشطت أعظم النشاط، فضمنت للمواطنين حريتهم في وطنهم، وضمنت لهم حريتهم بالقياس إلى الأجنبي المحتل الغير، ودفعتهم بهذه الحرية إلى أن يجدوا ويعملوا في غير تقصير ولا قصور، لا يبلغون منزلة إلَّا سعوا إلى منزلةٍ أسمى منها، ثم هو لا يرضى عن الثقافة حتى تخرج من همودها وجمودها، وحتى تمتلئ القلوب والعقول علمًا وأدبًا بعد أن مُلئت جهلًا وغفلةً وبلادةً وذهولًا!

    وهو لا يؤمن للنظام الاجتماعي حتى يمسه الإصلاح من جميع جوانبه، فتمتلئ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويطعم الجائع ويكتسي العاري، ويصح المريض. كأنه جذوة مضطرمة من نار، يضيق بالسياسة الراكدة والثقافة الجامدة والنظام الاجتماعي الجائر، ويريد أن يتغير من حوله كل شيء. ثم هو الآن وزير أو شيء يشبه الوزير، قد أصاب من المال والمنصب والجاه ما أرضاه، وكان الظن به ألَّا يرضى، وما أغناه وكان الظن به ألَّا يغنى، وما أقنعه وكان الظن به ألَّا يقنع.

    فهو راضٍ عن السياسة مهما يكن حظُّها من الركود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الركود إمعانًا؛ لأن نشاطها يضره ولا ينفعه. وهو راضٍ عن الثقافة مهما يكن حظُّها من الخمود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الخمود إمعانًا؛ لأن اضطرام جذوتها يؤذيه ولا يرضيه. وهو راضٍ عن النظام الاجتماعي وإن تهافت الناس من حوله في الموت جوعًا وبؤسًا كما يتهافت الفراش في النار، لا يعنيه أن يمسه نار الإصلاح من أي طرف من أطرافه؛ لأن تطور النظام الاجتماعي إلى العدل لا يتيح له ما يتمنى من اجتماع المال إلى المال وتكدس الثراء إلى الثراء، وثق بأنه لا ينشد ولا يحب أن ينشد ولا يحب أن يسمع هذا البيت:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    لأنه يشفق إن عاد إليه الشباب أن يلومه أشنع اللوم وأبشعه، وأن يظهره من التناقض بين حياته الأولى وحياته الأخيرة على ما يقض مضجعه وينغص عليه حياته تنغيصًا، وبماذا تريد أن يخبر الشباب إذا عاد إليه؟ أيخبره بأنه كان يحب الحرية ثم أصبح يؤثر عليها الاستبداد؟ وكان يحب الثقافة فأصبح يحب مكانها الجهل؟ وكان يحب العدل فأصبح يفضل عليه الجور؟!

    وذلك الشاب الذي لم يكن يحفل بسياسة ولا بثقافة ولا بعدل؛ لأنه لم يكن يفكر في الشئون العامة، وإنما كان مقبلًا على العلم للعلم، وعلى الفنِّ للفنِّ، وعلى الأدب للأدب، لا يعنيه إلَّا أن يمعن في المعرفة وينتج يومًا ما من الأيام ما ينفع الناس ويرضي حاجته هو إلى الإنتاج. ثم ينظر ذات يوم فإذا ظروف الحياة قد دفعته إلى منصب من المناصب، وعمل من الأعمال العامة، فألقى بينه وبين العلم والفن والأدب أستارًا صفاقًا، لا سبيل إلى رفعها ولا إلى النفوذ إلى ما ورائها. ماذا تريد أن يقص على الشباب إن عاد إليه؟! أتريد أن يقص عليه أنه يؤثر الجهل على العلم، وغلظ الذوق على رقته، وكدر الطبع على صفائه؛ لأن المناصب والأعمال والأموال لا تحب العقول العالمة، ولا الأذواق الرقيقة ولا الطباع الصافية إلَّا قليلًا؟!

    كنت أتمنى أن يغري اللَّه بجماعة من هؤلاء الشيوخ جماعة من تلك الهواتف التي تتحدث بها الأقاصيص، فلا يقبل أحدٌ من هؤلاء الشيوخ على نومه حين ينام، ولا يقظته حين يستيقظ، ولا على عمله حين يعمل ولا على كسله حين يكسل، إلَّا سمع هذا الهاتف يلقي في أذنه بصوت يبلغ أعماق نفسه فيهزُّها هزًّا ويملؤها حزنًا وندمًا:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!