حديث الوادي
قلق…
ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا “الجهاد” قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
طه حسين
الوادي، 30 نوفمبر 1934.
حديث الوادي
المظلمة الكبرى. . .
هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
طه حسين
الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.
حديث الوادي
مظلمة القانون . . .
رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
طه حسين
الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.
حديث الوادي
مظلمة الصحافة . . .
لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
طه حسين
الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .
حديث الوادي
دعاة الفساد . .
كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
طه حسين
الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .
حديث الوادي
بين الأدب والسياسة والمال
وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.
والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.
فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.
كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.
ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:
فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.
ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!
أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.
ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.
فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟
وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!
ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!
طه حسين
الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.
حديث الوادي
صدقي باشا الذي…
إلى صديقي توفيق دياب
نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد “الذي” هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها “الجهاد”، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد “الذي” هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
طه حسين
الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.