الشهداء
كنا طلابًا في باريس ، منا من بدأ الدرس منذ أشهر ، ومنا من ينتظر إتمام الدرس بعد أشهر . منا حديث العهد بمصر ، فارقها آخر الصيف ، ومنا بعيد العهد بمصر ، فارقها قبل أن تُعلن الحرب الكبرى . منا من طال به المقام في بلاد الغربة ، وفي أعوام كلها صروف وخطوب ، وظروف كلها محن ونوب ، فهو مشوق إلى أن يعود إلى وطنه وقد أدى عمله أداء حسنًا ، وأرضى حاجته من العلم والتحصيل ، واعتقد أنه قادر على أن يعود لينفع بلاده ، ويحيي فيها ما تنقصه الحياة . ومنا من يستقبل الحياة الغربية على جهل لها وشوق إليها ، وأمل في أن يستقبل خيرًا ، ويفيد خيرًا ، ويعود إلى وطنه وقد ملأ يديه مما ينفع الناس ويحيي الآمال .
وكانت الحياة من حولنا قد أخذت تهدأ وتستقر ، وانقضت الحرب بالمدافع وما إليها من أدوات التدمير والإهلاك ، واضطربت حرب الألسنة والأقلام حول معاهدات الصلح ونظم السلام . وكانت الأمم قد أمنت على ما بقي من نفوسها ودمائها ، ولكنه أمن مضطرب شديد القلق ، فيه خوف أن تضاف إلى هزيمة الحرب هزيمة الصلح ، فتموت الآمال ، ويستأثر اليأس بالقلوب . وفيه خوف أن لا يعقب الانتصار في الحرب انتصار في السلم ، وأن تذهب عبثًا تلك الجهود الهائلة التي بذلتها الأمم المنتصرة من الأنفس والأموال ، ومن الأماني والآمال في سبيل الانتصار الشامل .
وكنا نحن المصريين في هذا كله نعيش عيشة هادئة مطمئنة ، ولكنها لا تخلو من ذلة وانكسار . كنا مضطربين بين الإنجليز الغاصبين في مصر ، المنتصرين في أوروبا ، والترك الذين كانوا أصحاب السيادة في مصر ، وكانوا يتجرعون مرارة الهزيمة في بلادهم . وكنا نود لو نفضنا عن أنفسنا سيادة هؤلاء الاسمية ، وسلطان أولئك الفعلي ، وقلنا إننا مصريون فحسب ، ولكننا لم نكن نجد إلى هذا سبيلًا .
وكانت الإدارة الفرنسية تراقب الأجانب وتسيء الظن بهم ، وترسل إليهم من حين إلى حين من رجال الشرطة من يزورهم ويفتش عن أحوالهم ، وتدعوهم من حين إلى حين إلى الأقسام ، فتنظر في أوراقهم وتسأل عن أعمالهم ، ثم تردهم موفورين .
ومهما أنس فلن أنسى يومًا دُعيت فيه إلى القسم لتنظر الشرطة في أوراقي ، وتسأل عن أعمالي . فأخذ المأمور يتحدث إليّ ، سألني عن جنسيتي ، قلت: مصري . قال: وإنما أسأل عن تبعيتك . قلت: مصري . قال: ما نعرف أن لمصر هذه المنزلة . قلت: فلست أعرف لي تبعية أخرى . ففكر قليلًا ثم قال في صوته الفرنسي الضخم ، وكأنه قد ظفر بشيء غريب: لقد عرفت ، أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي . وخرجت محزون القلب ، منكسر النفس ، كاسف البال ، تدور في رأسي هذه الجملة ، وكأنها العجلة المحددة الأطراف تمزق من تدور فيه: « أنت رعية مصري ، وحماية إنجليزي » .
ولقيت آخر النهار نفرًا من زملائي المصريين فأقصصت عليهم هذه القصة ، فإذا كلهم قد سُئل هذا السؤال ، وسمع هذا الحديث ! ونحن نحس هذا الألم اللاذع الذي تجده القلوب وتعرب عنه الألسنة ، وتعجز الأيدي عن أن تدفعه أو تغيره .
كذلك كنا في باريس بعد أن أُعلنت الهدنة ، ووُضعت الحرب أوزارها ، ولكن أنباء تصل إلينا من مصر تهز لها رؤوسنا وأكتافنا ، فتعبر عن هذا اليأس الحزين الذي يشعر به من يرى الأمل السامي العريض ويعلم من نفسه العجز عن بلوغه والوصول إليه . وتتصل الأنباء ، ثم تتصل ، فإذا هي كلما اشتد اتصالها اشتدت قوتها ، وإذا هي لا تهز الرؤوس ولا الأكتاف ، وإذا هي ترسم على الثغور ابتسامة يسيرة ، وتبسط على الجباه نورًا ضئيلًا . ثم تتصل الأنباء وتقوى ، فتزداد الابتسامات سعة وبهجة ، ويزداد نور الحياة جمالًا وإشراقًا ، وتنطلق الألسنة بأحاديث قصار تتردد فيها « ليت » و « لو » ، ونختمها هذه الكلمة الحلوة المرة في مثل ما كنا فيه: من يدري ؟
ثم يأتي النبأ العظيم ، فإذا الابتسام ضحك ، وإذا الوجوه كلها إشراق ، وإذا السكون حركة ، وإذا الجمود نشاط ، وإذا نحن سرور كلنا وابتهاج كلنا ، يسعى بعضنا إلى بعض . ماذا أقول ؟ يسرع بعضنا إلى بعض فيقبل بعضنا بعضًا ، ويهنئ بعضنا بعضًا ، وتجري على هذه الوجوه المشرقة دموع حارة ، ولكن في حرارتها برد الأمل والرجاء .
مصر ثائرة ، مصر تقاوم الإنجليز ، مصر تنهض في وجه أوروبا المنتصرة ، تطلب إليها البر بالوعد والوفاء بالعهد . مصر تقدم زعماءها إلى النفي . مصر تعرض صدور أبنائها إلى الرصاص . مصر تخضب أرضها بدماء المصريين . والصحف الفرنسية تنشر هذا بالحروف الضخمة والخط العريض ، وتتحدث عن هذا فتوجز وتطيل . ورؤوسنا نحن قد ارتفعت كأن لها حاجة في السماء ، وقد استقامت ، تلي الفرنسيين فتسألهم باسمة: ماذا تقولون في أبناء مصر ؟ أو تحتفظ بالصمت عن هذه الأنباء ، وتدور بالحديث حتى تجره إليها ليبدأ الفرنسي فيقول: حدثني ماذا تنشر الصحف عن بلادكم ؟ إن عندكم لثورة ، وما أظن إلا أن سيكون لها خطر .
وكنا حينئذ نفيض في الحديث عن هذه الثورة ، ولعل منا من لم يكن يتحرج عن المبالغة والإغراق . ثم يصل الوفد إلى باريس ، وإذا نحن نهرع إليه ونستمع منه ، وإذا نحن لا نسمع منه إلا أحاديث كلها ابتهاج بما كان ، وأمل فيما سيكون ، وإعجاب بعسر اليوم ، وثقة بمصر غدًا .
رحم اللّٰه شهداء سنة ١٩١٩ ، لقد صغرت حياتهم في نفوسهم لنكبر نحن في نفوسنا . لقد ماتوا فأحيانا موتهم .
رحم اللّٰه الشهداء . لم يكن أحد منهم يفكر في أحد منا ، بل لم يكن أحد منهم يعرف أحدًا منا ، إنما كانوا يفكرون في مصر ، ويعرفون مصر ، ويبذلون نفوسهم في سبيل مصر . وكنا نحن نحيا بهذا كله ، بل بأنباء هذا كله .
في ذمة اللّٰه ، وفي سبيل الوطن ، هذه الأرواح الطاهرة الكريمة التي ذهبت فداء لاستقلال مصر وكرامتها ، وشقت لها طريقها إلى المجد والعلاء في هذا العصر الحديث . فقد اختلفت علينا ظروف الحياة ، وستختلف علينا ظروف الحياة . لقد لقينا الخير والشر ، ووجدنا الرضا والسخط ، وسنلقى هذا وذاك ، وسنأخذ حظنا من هذا وذاك ، ولكننا ذكرنا دائمًا ، وسنذكر دائمًا ، أن هذه الأرواح الطاهرة الكريمة هي التي أذاقتنا طعم العزة القومية لأول مرة ، وهي التي أنبأتنا فأقنعتنا بأننا نستطيع أن نكون كغيرنا من الناس أعزاء كرامًا مستقلين .
شهداء حقًا هؤلاء الذين ذهبوا في سبيل مصر سنة ١٩١٩ ، وشهداء حقًا هؤلاء الذين قفوا آثارهم بعد ذلك ، فماتوا كما مات هؤلاء في سبيل الحرية والعزة والاستقلال . هم شهداء لأنهم ضحوا بنفوسهم وآمالهم في سبيل فكرة ، هي فكرة الاستقلال . وهم شهداء لأنهم اندفعوا إلى هذه التضحية بهذه العاطفة الدينية المقدسة التي لا يقف في سبيلها شيء ، والتي لا تتردد في أن تتخذ الأخطار مهما تعظم وسيلة إلى الفوز ، ومصعدًا إلى المثل الأعلى .
هم شهداء لأنهم مجهولون ، هم شهداء لأنهم مغموطون . ألست ترى أنهم ما يزالون مضطهدين إلى الآن ؟ ألست ترى أن السعي إليهم بحذر ؟ وأن التحدث عنهم لا يجب ، وأن ذكرهم يخاف منه على النظام ؟
هم شهداء يوم لقوا الموت ، وهم شهداء يوم تلقى ذكراهم ألوان الاضطهاد . أرواحهم في جنة الخلد ، وذكراهم في قلوب المصريين جميعًا . ولئن حيل بين الناس وبين ما يريدون من إقامة هذه الحفلات والمظاهر التي لا تنفع الشهداء أنفسهم ، وإنما تنفع الناس لأنها تحيي فيهم هذه العواطف المقدسة التي يجب على كل حكومة وطنية أن تحييها ، عواطف الحب للوطن والتضحية في سبيله ، فلن تحول قوة في الأرض بين قلوب الناس وبين إحياء هذه الذكرى . ستعمر قلوب الناس بهؤلاء الشهداء دائمًا ، وسيظل هؤلاء الشهداء أمام نفوس الناس دائمًا مثلًا أعلى لافتداء الوطن بأعز شيء عليهم في الحياة .
أمس
كان يومًا مشهودًا من غير شك، ظهرت فيه عواطف الشعب قوية إلى أقصى غايات القوة، حزينة إلى أقصى غايات الحزن، جلية إلى أبعد حدود الجلاء.
وكان يومًا مشهودًا من غير شك، لم تستطع الظروف السياسية المصطنعة، ولا الأوضاع السياسية المتكلفة أن تطبعه بهذا الطابع الفاتر الذي يخيل إلى الناس أن الشعب قد لهى عن نفسه وعن حقه وآثر الحياة التي تجري مطردة، يسيرة لا جهد فيها ولا عناء، ولا عناية فيها إلا بهذه الحاجات الزائلة التي تعرض للأفراد في كل يوم.
نعم كان يومًا مشهودًا من غير شك، اندفعت فيه عواطف الشعب الحزينة المؤمنة عنيفة لا تلوي على شيء. فأظهرت نفس الشعب كما كانت دائمًا صافية أشد الصفاء، واضحة أشد الوضوح، مؤمنة أشد الإيمان بالحق، واثقة أشد الثقة بالفوز، مقدرة أحسن التقدير لصدق الصادقين، وإخلاص المخلصين، وتضحية المضحين في سبيل الحق والواجب والوطنية.
وإني لأتحدث عن أمس فلا أتحدث ناقلًا، ولا راويًا، ولا مرددًا للأخبار والأنباء، إنما أتحدث حديث الشاهد الذي عاش مع الشعب هذه الساعات الخالدة، وأحس مع الشعب هذا الإحساس الرائع، وشارك الشعب في هذا الشعور العظيم. فلست إذا تحدثت واصفًا لما أحسسته أنا وتلقيته أنا من هذه النفس العظيمة، نفس الشعب، فليس إلى وصف هذا من سبيل الآن، إنما أريد أن أصور هذه الخواطر التي تبقى في النفس بعد هذه الاجتماعات الشعبية الرائعة التي تظهر فيها حياة الشعب قوية لا تغلب، عزيزة لا تذل، جريئة لا تخاف، مندفعة لا ترد، بريئة من كل تكلف أو تصنع أو رياء أو محاولة التكلف والتصنع والرياء.
ولعل أول هذه الخواطر وأقواها وأبقاها وأشدها إلحاحًا على النفس واستئثارًا بالقلب إنما هو الإعجاب بالروح الشعبي الحر في قوته وصراحته وبراءته من التكلف والالتواء والإيمان بأن هذا الروح القوي العظيم واحد، تختلف الظروف من حوله ولا يختلف، وتتباين أسبابه ودواعيه ومظاهره ولا يتباين، فهو هو حين يظهر لأن الشعب محزون لفقد عزيز عليه أو ضياع حق من حقوقه. وهو هو حين يظهر لأن الشعب مبتهج بمقدم عزيز عليه أو بكسب حق من حقوقه، وهو هذه القوة التي تمثل إكبار الشعب لنفسه وإيمان الشعب بواجبه وإباء الشعب لكل ضيم، وإنكار الشعب لكل اعتداء.
انظر في أي مظهر شئت من مظاهر الروح الشعبي حين يودع راحلًا عظيمًا، أو يستقبل قادمًا كبيرًا، أو يحتج لأن شرًا أريد به، أو يبتهج لأن خيرًا سيق إليه فستجد هذه المعاني كلها ممثلة في هذا الروح أصدق تمثيل وأقواه. ولعل الذين يدرسون الاجتماع ويحققون أسراره، ويحاولون أن يتبينوا خصائص الحياة الشعبية يجدون في هذا كله مذاهب للبحث والتحليل، ووجوهًا للدرس والتعليل، ولكني لا أريد إلى شيء من هذا الآن، ولا أنكر في شيء من هذا الآن، إنما أريد أن ألاحظ ولست أشك في أن كثيرًا من المفكرين الذين شهدوا أمس يلاحظون أن من العسير جدًا على الذين يتولون قيادة الشعب ويشرفون على تنظيم جهاده أن ييأسوا أو يقنطوا أو يجد الضعف إلى نفوسهم سبيلًا، وهم يرون هذا الروح ويحسونه ويحيون بهذه النار المحرقة التي يبعثها فيهم قوية مشرقة أشد قوة وإشراقًا من أن تؤثر فيها الأحداث والخطوب. وخاطر آخر حاولت أن أرده عن نفسي فلم أوفق إلى رده، ولم أستطع أن أخلص منه، وهو هذا الذي تثيره المقارنة اليسيرة بين ما أبرق به رئيس الوزراء إلى الديلي تلغراف منذ يومين، وما أعلنه الشعب إلى العالم كله أمس. فالتناقض بين هذين الأمرين واضح وضوحًا شنيعًا حقًا.
رئيس الوزراء يعلن إلى الديلي تلغراف في هدوء واطمئنان، وفي جرأة وثقة أن الأمة مجمعة على الإنكار لحكم الوفد والنفور من العودة إليه، لأنه سبيل الفوضى. والشعب يعلن أمس إلى العالم كله في قوة وحزم، وفي شجاعة وثبات، وفي يقين وإيمان أنه لا يحب إلا الوفد، ولا يريد إلا الوفد، ولا يرضى إلا حكم الوفد.
ومن المحقق أني لم أصدق الشعب أمس، وإنما صدقت رئيس الوزراء، وما زلت أصدقه وسأصدقه دائمًا حتى بعد أن يعود الوفد إلى الحكم: لأني واثق بأن رئيس الوزراء معصوم من الخطأ، مبرأ من أن يقول غير الحق أو ينطق بغير الصدق، أو يصور غير الواقع الذي لا شك فيه. فرئيس الوزراء إذًا كان مصيبًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه ولا تريد إلا الوفد وحكمه. وأكبر الظن أن الشرطة قد رفقت أمس بهذه الألوف المؤلفة ورقت لها وأشفقت عليها من إصرارها على الخطأ وإمعانها في الكذب فسلطت عليها مضخات الحريق لتطفئ هذه النار الكاذبة التي كانت تتأجج في القلوب، ولترد هذه الجماعات الجامحة المخطئة إلى الاعتدال والصواب. وأكبر الظن أن هذه الألوف المؤلفة قد انتفعت بهذا الدرس واستفادت من سبل هذا النصح البارد فآمنت كما أؤمن أنا بأن رئيس الوزراء كان مصيبًا موفقًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه وتصريفه للأمور.
وخاطر ثالث لا شك في أنه ألح على نفوس الناس جميعًا أمس وهو أن تعاقب الليل والنهار ومضي الشهور إثر الشهور، والعام إثر العام، واختلاف الحوادث وتتابع الخطوب لم تغير من نفوس الناس شيئًا ولم تسلط على عزائم الناس وهنًا، ولم تحدث بين الناس وبين التردد في المطالبة بالحق، والشك في أن المستقبل للشعب سببًا من الأسباب. وكان ناس يظنون أن قرب العهد وحده هو الذي بعث الشعب إلى موقفه العظيم من موت ويصا رحمه الله.
فقد مضى على موت ويصا عام وتبعه عام آخر، وامتلأ هذان العامان بألوان الفتن والمحن. فلما مات سينوت وقف الناس من موته موقفهم من موت صاحبه، وأظهر الناس في توديعه ما أظهروه في توديع صاحبه وأقام الناس أسطع الأدلة وأنصع البراهين على أن حب الشعب المصري للحرية وحرصه عليها وإكباره لحمايتها ليس تكلفًا ولا تصنعًا ولا فنًا من فنون البدع، وإنما هو طبيعة لم يبق إلى تغييرها من سبيل مهما تنفق فيه القوى، ومهما تسخر له الجهود، ومهما يطل عمر الوزارات.
ولكن أعود فأؤكد أني مصدق لرئيس الوزراء، مقتنع بما قال من أن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه لأنه سبيل إلى الفوضى. وخاطر رابع قد خطر للناس جميعًا أمس من غير شك، ومن الحق على الناس جميعًا أن يقفوا عنده، وأن يطيلوا التفكير فيه، ومن الحق أن يقف عنده الأجانب عامة والإنجليز خاصة ويطيلوا التفكير فيه، فقد كان سينوت قبطيًا مسيحيًا، ومن الناس من يظن، ومن الناس من يقول إن فتنة المبشرين قد فرقت مصر أو همت بتفريقها، ومن الناس من يتخذ هذه الفرقة المتخيلة وسيلة إلى الكيد لمصر ولكن موت سينوت أظهر أنه قد وُفّق كل التوفيق فيما دعا إليه من إلغاء الفروق بين المصريين وإقامة الوحدة الوطنية هذا المقام العزيز.
فقد كان المصريون أمس يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب. وقد كان المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون عليها من أعلى الدور، وهم لا يذكرون إلا أن مصر قد فقدت زعيمًا من زعمائها، وأنها محزونة لفقده، وأنها ترافقه إلى حيث أراد الله أن يستقر جثمانه، وأنها تمر معه بالكنيسة القبطية وتدخل معه هذه الكنيسة وتقف معه عند هذه الكنيسة، لأن شعائر دينه تريد أن يدخل الكنيسة وتستنزل عليه فيها رحمة الله.
إذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزًا مبينًا، وكان راحل أمس مؤسس هذه الوحدة والداعي إليها والملح فيها. فهل يعتبر بهذا أولئك الذين يذكرون الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين؟ وهل يفكر في ذلك أولئك الذين يتمنون هذه الفرقة فيعلموا أنهم يتمنون ما لا سبيل إليه، ويرجون ما لا يبلغه الرجاء. إن بين الناس من يخلقهم الله للنفع أحياء وأمواتًا، وكان سينوت من هؤلاء الناس، نفع أمته حيًا، ونفع أمته وسينفعها ميتًا. والله وحده قادر على أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء.
كوكب الشرق ٢٥ – ٧ – ١٩٣٣
مصر
مصر للدكتور طه حسين. مصر بلد خلقه الله ليكون حراًّ مستقلاًّ، عزيزاً كريماً، ومتّعه الله بحقه في الحرية والاستقلال، ونصيبه الأوفى من العزة والكرامة قبل أن يشعر غيره من البلاد بمعاني هذه الكلمات، بل قبل أن يعرف التاريخ وجود غيره من البلاد؛ ولكنه الآن قد فقد حريته واستقلاله، وأُودي في عزته وكرامته. وهو يستقبل الآن يوماً من هذه الأيام التي فقد فيها الحرية والاستقلال، والتي غُضّ فيها من عِزَّته وكرامته. وأهله الآن — كما كانوا من قبل — يعرفون معنى الحرية والاستقلال، ويقدّرون قيمة العزة والكرامة، ويحرصون أشد الحرص على أن يكونوا أحراراً مستقلين، ويجدون أشد الجد في أن يكونوا أعزة كراماً. مصر بلد كانت له الكلمة في حياة الأمم والأجيال منذ عشرات القرون، قبل أن يعرف غيره من الشعوب معنى كلمة الأمم والأجيال، بل قبل أن يعرف التاريخ غيره من الشعوب زمناً طويلاً. ولكنه الآن ليست له كلمة في حياة أمة ولا شعب، بل ليست له كلمة في حياة نفسه. إنما الكلمة في حياته لقوم آخرين أقبلوا من وراء البحر، ففرضوا عليه قوتهم فرضاً، وأخضعوه لسلطانهم إخضاعاً، وأخذوا منذ ذلك اليوم يقضون في أمره؛ لا يستشيرونه ولا يسألونه، ولا يسألون أنفسهم ولا يسألون غيرهم من الناس أرضيَهم قضاؤهم في أمره أم لا يرضيه؟ مصر بلد لا تسأل أحداً من أهله عن الحرية والاستقلال إلا أنبأك بأنه يلحّ فيهما إلحاح المظلوم في الوصول إلى حقه، ولا تسأل أحداً من أهله عن العزة والكرامة إلا أنبأك بأنه يحرص عليهما كل حرص الحي على الحياة. ولكنه مع ذلك لا يستمتع بهذا الحق الذي يلحّ فيه، ولا يظفر بهذه الحياة التي يحرص عليها؛ لأن قوماً جاءوا من وراء البحار فصبوا عليه الحديد والنار، واضطروه إلى حياة بعيدة كل البعد عن حياة الشعب الحر المستقل، وعن حياة الشعب العزيز الكريم. مصر بلد يعيش أهله عيشتين؛ إحداهما شر كلها، وذل كلها ونكر كلها، وهي عيشة الشعب الذي يتسلط عليه الأجنبي ويقضي في أمره كما يشاء. والأخرى عيشة هي خير كلها وعز كلها ومجد كلها، وهي عيشة الشعب الذي أحسّ الضيم فأقسم على رفضه، وأحسّ الذل فأقسم على نبذه، وأحسّ الهوان فأقسم على أن يخلص منه مهما يكلفه هذا من الجهود. مصر هو هذا البلد الذي يعيش أهله عيشة الصراع المتصل العنيف بين الواقع والأمل، وبين الحياة اليومية والمثل الأعلى، والذي لا تطلع عليه الشمس إلا أحسّ ذلاًّ يلمّ به، وعزًّا يدفعه إلى رفضه، والذي عرف كيف يصبر ولكن في غير يأس، وكيف يثبت ولكن في غير استسلام، وكيف يطاول ولكن في غير رضا بالخسف، أو استسلام للضيم. والذي اتخذ لنفسه في الحياة مثلاً أعلى لن يطمئن للحياة قبل أن يصل إليه، وهو الحرية الكاملة والاستقلال التام. والذي أخذ يجدّ في سبيل المثل الأعلى رغم ما يُبث في طريقه من العقبات، وما يُصبّ عليه من ألوان الشر، وما يُهيأ له من ألوان المكر والكيد؛ فلم يمنعه شيء من ذلك أن يمضي في طريقه ثابت القدم، ماضي العزم، صادق النية، مؤثراً الموت على أن يقف في هذه الطريق.
هذه هي «مصر» التي تُذكر اليوم في حزن يبعث الأمل، ويجدد النشاط، ويثير الحفيظة، ويذكر بالمجد القديم، ويقرب من المثل الأعلى؛ تذكر ذلك اليوم المشؤوم الذي دخل فيه «الجيش الإنجليزي» مدينة «القاهرة» منذ أكثر من نصف القرن. لم تنسَ «مصر» ذلك اليوم منذ كان، ولن تنسى «مصر» ذلك اليوم حتى بعد أن يخرج جيش الإنجليز من «القاهرة». هو الآن تذكار ذلة فرضها الأجنبي ظلماً وعدواناً، ولكنه سيكون من غير شك ولا ريب تذكار عزة يفرضها المصريون على الزمان فرضاً؛ لأنهم يؤمنون بحقهم ويجاهدون، ولن يكفوا عن جهادهم، ولن يفتروا فيه حتى يبلغوا هذا الحق، وحتى يجبروا الإنجليز على أن يعودوا أدراجهم ويجلوا عن بلادهم معترفين لهم من الحق بما كانوا ينكرون.
إن المصريين اليوم أعرف بالحق وأحرص عليه من أن يعرضوا عنه أو يقصروا في ذاته، وإن «الشباب المصري» اليوم أذكى قلباً، وأرق خلقاً من أن يخدع نفسه بالألفاظ أو يعلل نفسه بالأماني؛ فلن يؤمن «الشباب المصري» بأنه حرّ حقًّا والجيش الإنجليزي مقيم في أرض مصر، ولن يؤمن «الشباب المصري» بأنه مستقلّ حقًّا والسلطان الإنجليزي مبسوط على أرض مصر، ولن يصدق «الشباب المصري» أنه عزيز كريم حقًّا وأمور مصر كلها، صغيرها وكبيرها، تُصرف على غير ما تريد مصر. إن «الشباب المصري» الآن أذكى قلباً، وأعظم تقديراً للحق والواجب من أن يطمئن إلى غير ما يطمئن إليه الشباب في كل أمة حرة مستقلة حقًّا. ليس «الشباب المصري» غافلاً ولا لاهياً، ولكنه فطن يقظ، يعلم حق العلم ما يُراد منه، ويعلم حق العلم ما يريد هو، ويعلم حق العلم كيف يأبى على الغاصبين والمستعمرين غصبهم واستعمارهم، وكيف يقدم حياته وجهوده ثمناً يسيراً هيناً لما يريد من تحقيق آماله في العزة والاستقلال.
إن «الشباب المصري» الآن يعرف تاريخ مصر، ويعلم حق العلم بما اختلف على بلده من الخطوب، وما ألمّ به من المحن، ويعلم حق العلم كيف يستفيد من درس هذا التاريخ: كيف يستشعر العزة والإباء حين يقرأ من صحف التاريخ المصري تلك الصور التي تصور مجد مصر ورفعتها في العصور القديمة والعصور الوسطى، ويعرف كيف يستشعر الصبر والثبات وإباء الضيم، والجد في سبيل المجد حين يقرأ من تاريخ مصر تلك الصحف التي تصور ما أصاب مصر من ضروب البغي والعدوان.
وهو حين يقرأ صحف التاريخ المصري على اختلاف ما فيها من الصور المشرقة والقاتمة يعرف كيف يحب مصر سعيدة وشقية، وكيف يكبر مصر عزيزة ومستقلة، وكيف يقدم حياته فداء لهذا البلد الذي ذاق أحلى ما ذاقته الشعوب من حياة السعادة والعز والنعيم فلم يفسده أشر ولا بطر، وتجرع أمرَّ ما تجرعته الشعوب من كؤوس الظلم والبغي والعدوان فلم يفسده استسلام ولا استكانة، ولا خنوع ولا خضوع.
مَن زعم أن «الشباب المصري» يلهيه عن واجبه الوطني شيء من الأشياء مهما يكن فهو خادع أو مخدوع. ومَن زعم أن «الشباب المصري» كان محتاجاً إلى هذا اليوم الذي يذكره باحتلال الإنجليز لـ«القاهرة»، أو بذلك اليوم الذي يذكره بضرب الإنجليز لـ«الإسكندرية»، فهو خادع أو مخدوع؛ فإن في كل قلب مصري صورتين تختصمان دائماً، وتتصارعان دائماً: إحداهما تمثل الاعتداء الأجنبي، والأخرى تمثل العزة القومية. وقد كان كل يوم من أيام المصريين، وسيظل كل يوم من أيام المصريين تذكاراً قويًّا محزناً مُحيياً للأمل، يعيد على المصري ذكرى تلك الأيام السود التي وطئ فيها الأجنبي أرض الوطن الخالد العزيز.
لا تسل المصري شابًّا كان أو شيخاً، كبيراً كان أو صغيراً، غنيًّا أو فقيراً، عن «مصر» هذه التي يحبها ونهض للذود عنها، ويبذل حياته لاستنقاذها: أَعَرَبيّة هي أم فرعونية؟ فذلك شيء لا يفكر فيه المصريون إلا حين يريدون أن يتحدثوا في العلم، وفيما يشبه العلم من الحديث. فأما «مصر» التي تملأ قلوب المصريين وتدفعهم إلى الأمل والعمل دفعاً، فهي فوق الفروض جميعاً، وهي فوق الاحتمالات جميعاً، وهي فوق علم العلماء، وبحث الباحثين، وفلسفة الفلاسفة؛ هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تنبتنا أرضه، وتظلنا سماؤه، ويسقينا ماؤه، والذي يخرج لنا كل ما تشتمل عليه الحياة من أنواع اللذة التي تحبب العيش، وأنواع الألم التي تكون الأخلاق.
«مصر» هي هذا الوطن الخالد الثابت السعيد الذي تختلف عليه الأزمنة وما تحمل من الخطوب والصروف فلا يتغير ولا يمضي مع الزمن، ولكنه ثابت مقيم، مبتسم دائماً؛ تشرق شمسه الحلوة الهادئة كل يوم فتبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان، ويجري نيله القوي الرزين فيبعث الحركة والحياة في كل شيء وفي كل إنسان.
«مصر» هذه هي التي عاش لها آباؤنا مهما تكن أجناسهم الأولى، فلم يعدلوا بها بلداً، ولم يضنوا عليها بجهد، ولم يبخلوا عليها بالحياة. «مصر» هذه هي التي نعيش لها نحن مهما تكن أجناسنا الأولى كما عاش لها آباؤنا، وكما سيعيش لها أبناؤنا؛ لا نعدل بها بلداً مهما يكن، ولا نضن بجهد مهما يكن، ولا نبخل عليها بالحياة.
«مصر» هذه هي التي نراها في أنفسنا اليوم مستذلّة للسلطان الأجنبي، ونريد أن نراها في أنفسنا غداً أعزّ وأمنع وأكرم من أن يطمع فيها الطامعون.
كوكب الشرق في ١٤ – ٩ – ١٩٣٣.
أجد أم مزاح
بقلم الدكتور طه حسين بك
يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
طه حسين
البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.