Tag: Egypt

  • طه حسين ساخر – Taha Hussein’s sarcasm

    دعابة
    زعموا أن الفيلسوف الألماني العظيم «كنت» كان عود نفسه أن يخرج للرياضة كل يوم في ساعة معينة، لا يتقدم عنها ولا يتأخر. وكان أهل مدينته قد تعودوا منه ذلك. ولما رأوه ذات يوم قد قدم موعد خروجه للرياضة دهشوا واستيقنوا أن حدثاً ذا خطر قد ألم بأهل الأرض، أو بنجوم السماء. ولم تمضِ أيام حتى عرف أهل المدينة أن الأمر قد كان كما قدروا، وأن اليوم الذي اضطرب فيه نظام الفيلسوف هو اليوم الذي شبت فيه نار الثورة الفرنسية، واحتل فيه الفرنسيون حصن الاستبداد والظلم الذي كان يقوم في باريس وهو البستيل.
    وقد لاحظنا أمس خروج «الأهرام» عن طورها المألوف، وخطتها المرسومة فيما بينها وبين الحكومة من صلة قوامها المودة والعطف دون الخصومة والمعارضة. وقلنا كما قال مواطنو الفيلسوف الألماني: «ولأمر ما قدم الفيلسوف ساعة خروجه!» أو كما قال العرب القدماء: «ولأمر ما جدع قصير أنفه».
    ثم لاحظت جريدة الوزارة مثل ما لاحظنا فداعبت «الأهرام» وعاتبتها، ثم لامتها وعنفتها، ثم طلبت إليها تصريحاً مكان تلميح، وإعراباً مكان إغراب. ثم استعانت «الأيام» على زميلتها «الأهرام» في كلام أقل ما يوصف به أنه حلو حامض، فيه استعطاف وفيه نذير. وليس يعنينا ما يكون بين جريدة الوزارة وبين «الأهرام» من دعابة حلوة مرة، ومن عتاب خفيف أو ثقيل.
    وإنما الذي يعنينا أن «الأهرام» تحرق الأشواط كما يقول الفرنسيون فهي تتقدم مسرعة إسراع الجواد السابق من الدعابة الخفيفة إلى النقد العنيف، وهي صباح اليوم تصارح الحكومة والإنجليز معاً بخصومة لها ما بعدها إذا لم تتداركها تلك أو هؤلاء. ويكفي أن تعلم أن «الأهرام» قد أخذت الحكومة والإنجليز في مقال واحد قصير غير طويل باثني عشر مأخذاً، بدستة كاملة كما يقولون! ونحن نحصي لك هذه المآخذ لتعلم أن الأمر جد، لا هزل فيه إذا لم تتدارك الظروف ما بين «الأهرام» والحكومة قبل أن يمعن فيها الفساد.
    ١ — ليس يعني الإنجليز من التعديل الأخير للوزارة إلا ما أصاب وزارة الداخلية؛ فالإنجليز لا يحفلون بوزارة الزراعة ولا بوزارة الأوقاف — أي بالوزارتين اللتين أسندت أمورهما إلى عضوين من أعضاء «حزب الشعب» — وإنما يحفلون بوزارة الداخلية. وقد حرص وزير الداخلية على إرضائهم فاختار لهذه الوزارة وزيراً شهدت له «المورين بوست» بالخبرة والدراية والكفاية وطول التجربة، وهو رجل يعرف أين يضع الإنجليز أنفسهم في مصر، وأين يضع الوزراء أنفسهم من الإنجليز. وهذا الرجل الذي اختاره صدقي باشا ليرضي الإنجليز هو صاحب السعادة القيسي باشا وزير الداخلية الجديد.
    ٢ — والإنجليز يحرصون على أن تجري السياسة العامة للدولة كما يحبون ويشتهون، وعلى النحو الذي يحقق مأربهم ويرضى أهواءهم. وهم واثقون بذلك، مطمئنون إليه؛ لأن أمر هذه السياسة إلى رئيس الوزارة وحده، والإنجليز متفقون أتم الاتفاق وأمتنه مع رئيس الوزراء منذ أكثر من سنتين.
    ٣ — والإنجليز يحرصون على أن تدفع الجزية إلى السودان، وعلى أن ينفق السودان هذه الجزية كما يحب ويرضى دون أن يعترض البرلمان أو الوزارة على شيء من ذلك، ودون أن يطلب البرلمان أو الوزارة إلى حكومة السودان تأدية الحساب عن شيء من ذلك. وصدقي باشا محقق للإنجليز ما يحرصون عليه من هذا كله.
    ٤ — والإنجليز يكرهون أن يذكر البرلمان أو الوزارة ما لمصر على السودان من دين، أو يطالب البرلمان الوزارة بقليل أو كثير من هذا الدين. وصدقي باشا ضامن للإنجليز أن يظل هذا الدين منسياً ما دام ناهضاً بأعباء الحكم.
    ٥ — والإنجليز يشفقون أن تطلب إليهم مصر تنفيذ قانون التعويضات الذي أنفقت بفضله ما أنفقت من المال عبثاً. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تذكر مصر هذا القانون ولا تفكر فيه، ولا تطالب بتنفيذه.
    ٦ — والإنجليز حراص على أن ينشأ «بور فؤاد» ليكون محطة لخط الهند، وعلى أن يوصل به الخط العسكري الإنجليزي في سيناء. وصدقي باشا ضامن لهم تحقيق ما يريدون من ذلك رغم ما يضيع على مصر من المنافع والحقوق!
    ٧ — والإنجليز يخافون أن تتحول مقاولات السكك الحديدية وغيرها عن لندرا وعن الإنجليز إلى غير لندرا وغير الإنجليز. وصدقي باشا ضامن لهم أن لا تنحرف هذه المقاولات عن طريقها إلى لندرا وإلى الإنجليز.
    ٨ — والإنجليز يحرصون على أن تعتبر الشهادات الدراسية الإنجليزية كالشهادات الدراسية المصرية. وصدقي باشا يحقق لهم من ذلك ما يشتهون.
    ٩ — والإنجليز يرغبون في أن تساعد مصر الشركات الإنجليزية التي تتعرض للإفلاس أو الفقر من قريب أو بعيد. وصدقي باشا لا يأبى عليهم ذلك ولا يمانعهم فيه.
    ١٠ — والإنجليز يريدون ألا تنغص عليهم مصر حياتهم بقصة الدين، وارتباط النقد المصري بالنقد الإنجليزي واحتجاز بنك إنجلترا للذهب المصري. وصدقي باشا ضامن لهم ألا يروا في ذلك إلا ما يحبون.
    ١١ — والإنجليز قد عقدوا مؤتمرهم الاقتصادي، وراعوا من راعوا من الأمم، وميزوا من ميزوا من الشعوب، ولم يحفلوا بمصر. وصدقي باشا ضامن لهم ألا تغضب مصر من ذلك ولا تحتج.
    ١٢ — والإنجليز يريدون أن تميز مصر في التعريفة الجمركية، فلا تغلو في فرض الضرائب على ما يرد من بلادهم ليكون لهم الفوز في المنافسة التجارية. وصدقي باشا زعيم بأن يبلغوا من ذلك ما يريدون وفوق ما يريدون.
    فماذا ترى في هذه الدستة من المآخذ؟ ألست تحس معي أن الأمر بين «الأهرام» والحكومة قد تجاوز التراشق بالأزهار إلى التقاذف بالأحجار؟ وليس المهم في ذلك أن يفسد ما بين «الأهرام» والحكومة، وإنما المهم أن فساد ما بين «الأهرام» والحكومة لا يأتي عبثاً، ولا يكون سدى، وإنما هو شيء يدل على ما وراءه من أشياء.
    وتختم «الأهرام» ملاحظاتها بملاحظة عامة تختصر كل ما تقدم وهي: إن الإنجليز إنما يحرصون على أن تكون إشارتهم أمراً لا يخالف، ولا يخرج عنه وزير أو غير وزير. وهم واثقون بأن ذلك سيتم لهم ما بقى صدقي باشا في الحكم. ومعنى هذا أن «الأهرام» ترى أن صدقي باشا قد تحالف مع الإنجليز على أن يحكم بأمرهم في مصر، وعلى أن يرعى مصالحهم ولو عرض ذلك مصالح مصر للخطر والضياع. ومعنى ذلك أن بقاء صدقي باشا في الحكم خطر على حقوق مصر ومصالحها.
    فإذا كنت تعرف معارضة شراً من هذه المعارضة فحدثني عنها، أما أنا فيخيل إلى أن «الأهرام» فكرت وقدرت، وبحثت ونقبت ثم نثرت كنانتها بين يديها كما يقول الحجاج، واختارت من سهامها أمضاها وأنفذها وأكثرها سمّاً، ثم رمت بها في صدر صديقتها الوزارة.
    وقد كانت جريدة الوزارة معاتبة صباح اليوم، وستكون مغاضبة صباح غد إلا أن تجري الريح بما يهدئ ويريح.
    فلننتظر ولننتظر باسمين دائماً.
    كوكب الشرق في ٦ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٨، صـ ٢٢٦.


    عدوان
    وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
    وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
    نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
    فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
    وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
    نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
    والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
    زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
    ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
    يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
    يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
    كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
    لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
    أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
    ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
    كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
    كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.

    تكريم
    ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
    وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
    ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
    ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
    فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
    لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
    بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
    فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
    واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
    رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.

    أحجار
    هم المصريون جميعًا على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وعلى تباين آرائهم وأهوائهم، وعلى افتراق شيعهم وأحزابهم، كلهم أحجار في رأي «صحيفة الوزارة» التي صدرت صباح اليوم، ومن بينهم الوزراء وأشباه الوزراء، والقادة وأشباه القادة، وزعماء النظام الحاضر وأصحاب النظام القديم.
    هؤلاء أحجار، ولكن هذه الأحجار تختلف فمنها الأحجار الصلدة العوجاء، ومنها الأحجار الكريمة النفيسة. وواضح كل الوضوح، وجلي كل الجلاء، وبين كل البيان أن الوزراء وأشباه الوزراء وأن أنصار الوزراء وزعماء هؤلاء الأنصار ليسوا من تلك الأحجار الصلدة العوجاء وإنما هم جواهر ممتازة، لا يعرض لها النقص ولا يطرأ عليها الفساد، ولا يصيبها ما يصيب الأحجار الخسيسة من التغير والتبدل ولا تتعرض لما تتعرض له هذه الأحجار الخسيسة من الامتهان والازدراء، إنما الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزارة وزعماء هؤلاء الأنصار أحجار كريمة نفيسة غالية عزيزة، فمنهم من صيغ من زمرد، ومنهم من خلق من ماس، ومنهم من صور من مرجان كما تقول «صحيفة الوزارة».
    وتستطيع أن تحصى الجواهر الغالية كلها سواء منها ما يخرج من البحر وما يقطع من الجبل، وما يلتمس في أي مكان شئت. تستطيع أنت أن تحصى هذه الجواهر الغالية فتلائم بينها وبين سادة اليوم فتوزعها عليهم أو توزعهم عليها، فستجد منهم اللؤلؤ والدر، وستجد منهم الزبرجد والعقيق، كما وجدت «صحيفة الوزارة» منهم الزمرد والماس والمرجان.
    وأنا مؤمن بأن سادة اليوم من الوزراء وأشباه الوزراء وأنصار الوزراء أحجار كريمة نفيسة ولكن المسألة التي تحتاج إلى التفكير والتقدير هي حاجة مصر الماسة وضرورتها الملحة في هذه الأيام. فهل مصر في حاجة إلى الأحجار الكريمة التي تتخذ للزينة والتجمل؟ أم هل مصر في حاجة إلى الأحجار الصلبة القوية التي تتخذ للبناء والإنشاء والتي لا تعمل فيها المعاول ولا الفؤوس، ولا تفنيها الأحداث ولا الخطوب، والتي تبقى على الدهر بقاء الأهرام وما يشبه الأهرام من الآثار الخالدة؟
    أنا أرضى لخصوم الوزارة أن يكونوا هذه الأحجار، وأكره لخصوم الوزارة أن يكونوا من أحجار الزينة والبهرج والتجمل. فمصر في حاجة إلى أن يقام لها بناء منيع عزيز من المجد والعزة حتى إذا فرغت من إقامة هذا البناء واستوثقت من عزته ومناعته، ومن قوته ومتانته، ومن أنه كما تقول «صحيفة الوزارة»، أو كما تستشهد بقول القدماء: أبقى على الزمن الباقي من الزمن، جاز لها أن تفكر في تزيين هذا البناء وتحسينه وفي ترصيعه وتجميله، وفي تحليته بالأحجار الكريمة والجواهر النفيسة.
    ومن غريب الأمر أن «صحيفة الوزارة» قليلة التوفيق فيما تقصد إليه من تفكير، وفيما تتورط فيه من تشبيه، ولكنها في هذه المرة أو قل في هذه الجملة فكرت وأجادت التفكير، وشبهت فأحسنت التشبيه، وما أظن أن الناس قد نسوا تشبيهها وزراء الدولة أول هذا العام بالخمر المعتقة والنبيذ القديم. أما في هذه المرة فلم يخطئها التوفيق وكأنها دفعت إليه دفعًا، فوزارتنا القائمة زينة لمصر من غير شك لا تمثل حاجة من حاجاتها، ولا تصور ضرورة من ضروراتها. ولولا أنها زينة عارضة يمكن الاستغناء عنها، والتخفف من ثقلها لما جرت أمور مصر كما تجري الآن.
    ورئيس وزرائها مريض منذ أشهر طوال، مريض لا يستطيع العمل، ولا يقدر على التفكير فيه، يقيم في مصر فيستريح، ويرحل إلى أوربا فيستريح، وتجري أمور مصر كما تستطيع. فرئيس وزرائنا حلية من الماس أو من أي جوهر أكرم من الماس، ولكنه حلية على كل حال، يمكن أن نتخذها حين نريد أن نباهي الدول، ونعلن إليها أن لنا رئيس وزارة كما لها رؤساء وزاراتها، وأن رئيس وزارتنا نفيس كريم، أنفس وأكرم من رؤساء وزاراتها، فهو من الماس الذي نتزين به ونتحلى.
    وليس من الأحجار الصلدة العوجاء التي يختل بافتقادها البناء، وليس مما يقبل الشك أن «مكدونالد» و«موسوليني» و«هتلر» و«دلادبيه» وأشباههم من رؤساء الوزارات الأجنبية لا تنظر إليهم بلادهم كما تنظر إلى الأحجار الكريمة التي نتخذها للحلية والزينة، وإنما تنظر إليهم كما تنظر إلى الأحجار الصلبة المتينة التي تتخذ للبناء وإقامة المجد. حتى إذا فرغنا من المفاخرة والمكاثرة، ومن التنافس والمسابقة استطعنا أن نريح «رئيس الوزراء» وندعه في داره أو في مصطافه يستشفي ويتزيد من صحته الغالية، ووزراؤنا كذلك زينة من غير شك نستطيع أن نباهي بهم الأمم. فلنا وزير تقاليد كما لهم وزراء تقاليد، ولكن وزراء التقاليد عندهم أحجار صلبة متينة، لا يسافرون ولا يستريحون إلا أن تضطرهم إلى ذلك الضرورات القاسية، وهم حينئذ يدعون إلى العمل ليقوم مقامهم من يستطيعون العمل في غير حاجة إلى السفر، ولا إلى التنزه في العواصم ومدن الاستجمام.
    وأوضح من هذا كله في الدلالة على أن وزراءنا زينة وحلية ومظهر الجمال أكثر من أي شيء آخر، أن مصر لم تشغف بالإعلان عن نفسها ولم تتهالك على المفاخرة والمكاثرة، ولا على إظهار العظمة التي لا تلائم حاجتها وطاقتها، ولم تكلف بدعوة الأجانب إليها وإرسال أبنائها إلى الأجانب بمقدار ما يظهر من أمرها في هذه الأيام. فهذه المؤتمرات التي تدعى بحساب وبغير حساب إنما تدعى في أكبر الظن لترى وزراءنا وتستمتع بالنظر إليهم والحديث معهم والتنعم بما يقيمون لها من حفل وما يغدقون عليها من معروف. وهؤلاء الحاضرون وهؤلاء الخبراء الذين يدعون حين نحتاج إليهم وحين لا نحتاج إليهم، إنما يدعون ليشهدوا ما عندنا من زينة وما نغيظ به الأمم الأخرى من هذا الحلي البديع, حتى إذا انقلبوا إلى بلادهم ورجعوا إلى أوطانهم تحدثوا بما يملأ أيدينا من الغنى والثروة وما يزين رؤوسنا وصدورنا من هذه الأحجار الكريمة والجواهر الغالية العزيزة فخلبوا أمم الغرب بهذا الحديث حتى أصبحت مصر في هذه الأيام مضرب المثل في الغنى والثراء، وفي اليسر والنعيم.
    ولكن بين وزرائنا وبين هذه الأحجار الكريمة النفيسة التي يشبهون بها في «صحيفة الوزارة» فرقًا يضعف التشبيه ويفسده ويجعله على أقل تقدير ناقصًا غير مستقيم. فليست الأحجار الكريمة زينة فحسب ولكنها ذخر في الوقت نفسه ومادة من مواد الثروة الباقية تنفع حين تشتد الأزمة، ويتحرج الأمر، ويعظم الضيق. وظاهر أن النقد يتغير ويتبدل فيصعد حينًا حتى يضطرهم إلى الفقر والإعدام. فأصحاب الأحجار الكريمة في هذه الحال سعداء آمنون من الجوع والمتربة، لأنهم يستطيعون أن يبيعوا بعض هذه الأحجار فيفيدوا من بيعها مالًا كثيراً. ووزراؤنا – والحمد لله – لا يمكن أن يقوموا مقام هذه الأحجار إذا اشتدت الأزمة وضاق الأمر، وأوشك الجوع أن يهلك الناس، ويفسد عليهم كل شيء. فهم زينة ليس غير، بينما الأحجار الكريمة زينة وذخر معًا.
    وما رأي «صحيفة الوزارة» في أن مصر قد أخذت في هذه الأيام تحتاج إلى الطعام أكثر مما تحتاج إلى الزينة؟! وماذا يغني عن مصر الآن أن لها وزارة من الزمرد والماس والمرجان ما دام كثير من أهلها لا يجدون الخبز والملح أو ما يشترون به الخبز والملح؟!
    على أن توفيق هذه الصحيفة في هذا التشبيه ليس مقصورًا على هذه الناحية التي تمس سادتها وأولياءها، وإنما هو كامل شامل بالقياس إلى خصومها من المعارضين. فهم من هذه الأحجار الصلبة، وأي دليل على صلابتها أوضح من أن «وزارة الزينة» قد قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وجدت ما استطاعت في أن تحطم من هذه الأحجار حجرًا فلم تظفر بشيء، ولم تقدر على شيء. وما زالت هذه الأحجار كما كانت يوم قامت وزارة الزمرد والماس والمرجان. لم تعمل وحدها في تحطيم هذه الأحجار الصلبة وتقويم هذه الأحجار العوجاء، وإنما عمل معها قوم آخرون ليسوا من الزمرد والماس والمرجان ولكنهم من الحديد والنحاس وما شئت من المعادن ومن غير المعادن. هم من هذه الجواهر العنيفة الخطرة التي تقدر على تحطيم كل شيء وتقويم كل عوج إلا تحطيم الأحجار الصلبة، لأن صلابتها صورة من حب الوطن والإيمان بقوته وبقائه وحقه الخالد في القوة والبقاء، وإلا تقويم هذه الأحجار المعوجة لأن اعوجاجها صورة من مضاء العزم وشدة البأس وإباء الضيم والإلحاح في المطالبة بالحق حتى ولو تألبت عليها كل الأحجار الكريمة والمعادن النفيسة.
    لست أدري أتحمد الوزارة لصحيفتها هذا التشبيه الذي جعلها من الزمرد والماس والمرجان؟ أم تنقمه منها وتنكره عليها؟ أما نحن فنقبل هذا التشبيه الذي يجعلنا حجارة صلبة لا سبيل إلى تحطيمها، عوجاء لا سبيل إلى تقويمها. ونؤكد أن هذه الصلابة التي أعيت كل من حاول أن ينال منها ستبقى كذلك إلى آخر الدهر، وقد تحطمت عليها قرون وستتحطم عليها قرون أخرى، ولكنا نعود فنقترح على الوزارة كما اقترحنا غير مرة أن تكلف «وزارة المعارف» تعليم كتابها وأنصارها فن البيان وحسن الكتابة وإجادة التشبيه فهم في حاجة شديدة إلى هذا التعليم.
    كوكب الشرق في ١١-٨-١٩٣٣.

    مدرسة
    أما ناظرها فحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا، وأما طلابها فينقسمون إلى ثلاثة أقسام: طلاب مرشحون وهم هؤلاء المستوزرون من أعضاء البرلمان ومن غير أعضاء البرلمان، لا يشترط فيهم إلا شرط واحد نعرفه جميعاً ونقره جميعاً، وهو ألا يكونوا من المعارضة، أو من أنصار المعارضة! وإنما يظهر فيهم ظهوراً واضحاً استعداد حسن لتأييد الوزارات مهما تكن، وتأييد صاحب الدولة صدقي باشا بنوع خاص.
    وطلاب عاملون وهم حضرات أصحاب المعالي والسعادة والعزة الذين يختارهم رئيس الوزراء بالفعل، ويعهد إليهم بتدبير أمور الدولة تحت إشرافه البارع، وفي ظل سياسته الحكيمة.
    وطلاب مفصولون، إما لأنهم أسرفوا في النجاح، أو لأنهم أسرفوا في الإخفاق أثناء وقت الدراسة والتمرين، وهم هؤلاء الوزراء الذين ينقلون أو يقالون أو يستقيلون. فمنهم من يعمل في سفارات الدولة، ومنهم من يستريح في بيته وأولئك وهؤلاء ينتظرون أن يحتاج رئيس الوزراء إليهم، فيردهم إلى المدرسة ليستفيدوا من كفايته، أو ليدربهم ويمرنهم مرة أخرى.
    وأما هيئة التعليم في هذه المدرسة ففرد واحد، جمع الله فيه أفراداً، وشخص واحد ألفه الله من أشخاص، وكفاية واحدة صاغها الله من كفايات. وهذا الفرد المتحد المجتمع، وهذا الشخص المؤتلف المختلف، ذو الكفاية المحصورة المنثورة هو حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء. وقد يعينه أساتذة مساعدون كما يقول الجامعيون، وقد يعينه مدرسون أيضاً. وهؤلاء الأعوان يختلفون، فبعضهم من المصريين، وبعضهم من الإنجليز، وبعضهم من الأوروبيين بوجه عام.
    وأما أمد الدراسة في هذه المدرسة فيختلف طولاً وقصراً، ويختلف عرضاً وضيقاً باختلاف ما يستمتع به الطلاب من استعداد للنجاح والتفوق: أو للإخفاق والعجز. فمنهم من يقضي في المدرسة شهراً ثم ينقل، ومنهم من يقضي في المدرسة عاماً ثم يوكل إليه عمل آخر. ومنهم من يقضي في المدرسة عامين ثم يخرج، ومنهم من يقضي شهرين ثم يستقيل. وكذلك أراد الله لمصر المستقلة أن تنشأ فيها هذه المدرسة الغريبة التي لم تسبقنا إليها أمة من الأمم إلا الأمة الإيطالية الصديقة، والتي لم يؤسسها قبل رئيس وزرائنا إلا زعيم إيطاليا العظيم السنيور موسوليني. فقد لاحظ الناس جميعاً، وتحدثت الصحف الأوروبية المختلفة أن الزعيم الإيطالي قد أنشأ مدرسة للحكم، يهيء فيها الإيطاليين لفهم النظام الإيطالي الجديد، فهو يجمع الوزراء ويفرقهم، وهو يقرهم ويقلقهم، وهو يريد أن يهيء للفاشسم أجيالاً من الوزراء، إذا خلا منهم جيل خلفه جيل آخر.
    ولم يقلده في هذا النحو من التعليم إلا رئيس وزرائنا العظيم!
    أما هتلر فقد نهض بأعباء الحكم في ألمانيا، وأمامه مثلان، يستطيع أن ينظر إلى إيطاليا فينتفع، ويستطيع أن ينظر إلى مصر فيستفيد. وأكبر الظن أنه سينظر إلى البلدين جميعاً، فكلاهما خليق أن يعلم فيحسن التعليم.
    ليقل الساسة والصحفيون ما يشاءون في تفسير هذا الترقيع الذي أحدث في الوزارة صباح أمس، ليعلله بعضهم بنسيم يهب من اليمين، أو ريح تعصف من الشمال. ليلتمس بعضهم تفسيره في عناد حزب الاتحاد، أو في طمع حزب الشعب. أما أنا فلا أفسره إلا بشيء واحد: هو أن رئيس الوزراء قد أنشأ مدرسة للحكم، فهو يحكم من ناحية، ويعلم الحكام ويخرجهم من ناحية أخرى!
    ورئيس الوزراء لم يذهب إلى روما في الصيف عبثاً، ولم يلقَ زعيمها العظيم عبثاً، ولم يبنِ على أساليبه في الحكم عبثاً. ولم يعد بأنه سيستفيد من هذه الأساليب عبثاً. فلم يكد يعود من أوروبا ويستقر في مصر أشهراً حتى أظهر أنه قد انتفع بلقاء الزعيم الإيطالي العظيم، فأبعد عن الوزارة وضم إليها. ثم لم يكد يستقر بعد ذلك شهرين حتى أقصى عن الوزارة وأدنى منها رغم ما ألم به من مرض، وما احتمل من ألم وسقم.
    هي إذن خطة خطها رئيس الوزراء لنفسه في تسيير سفينة الوزارة، وهذه السفينة قد يواتيها النسيم فتعتدل وتستقيم، وقد تعصف بها الريح فتترجح وتضطرب إلى أن يأذن الله لها فتستريح وتريح.
    وقد تضيق بهذا النحو من التفسير والتأويل، وتسألني أن أذهب مذهب غيري من الكتاب فأجد في الفهم والتفسير، ولكن ما رأيك في أني لا أحب هذا الجد ولا أميل إليه، ولا أستطيع أن اكره نفسي عليه، وكيف تريدني على أن أكتب جاداً في السياسة المصرية إذا لم تكن هذه السياسة نفسها جادة ولا محبة للجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن سياستنا جادة وهي تقوم على إهمال الشعب وإنكاره، والإعراض عما يحب، والإقبال على ما يكره والانصراف عما يريد، والتهالك على ما يأبى؟ وكيف تريد أن تكون سياستنا جادة ورئيس وزرائنا لا يتحرج من أن يقول في كتابه الذي رفعه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك إنه انتهى من إقرار النظام، فهو يستطيع أن يدع وزارة الداخلية إلى وزير آخر؟
    أحق إنه يترك وزارة الداخلية لأنه قد أدى مهمته وأقر النظام؟ أم الحق أنه يدع هذه الوزارة لأنه لا يستطيع منذ اليوم أن ينهض بأعبائها مع ما ينهض به من الأعباء الأخرى؟ وأخيراً كيف تريد أن تكون سياستنا جادة، وقد جمع رئيس الوزراء إليه الهيئة البرلمانية لحزبه فأبلغها أنه قرر وأنفذ تعديل الوزارة، فسمعت الهيئة وتأثرت وهنأت ثم انصرفت لتجدد التأثر والتهنئة والشكر في مجلس النواب!
    لا، إنما تجد سياستنا يوم تكون أمور الشعب إلى الشعب، ويوم يقضى في أمور الشعب جهرة، ويوم تستشار الهيئات البرلمانية، ولا يقتصر على تبليغها والاستماع لما تقدم من تحية وتهنئة وشكر وثناء.
    فإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تجد فيه السياسة المصرية فتضطرنا إلى أن نجد في فهمها وتفسيرها، بل في بذل ما نملك من جهد لتقويمها إن اعوجت، وتوجيهها إن انحرفت. إلى أن يأتي هذا اليوم يحسن أن نعبث مع سياستنا العابثة.
    ستسألني: ومتى يأتي هذا اليوم؟ فمن يدري؟ لعله يكون أقرب مما تظن وأظن. فلننتظر باسمين.
    كوكب الشرق في ١٤ – ١ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٣٩، صـ ٢٣٠.


    احتياط
    كان رئيس «الوفد» وصاحبه في «القاهرة» أمس، لم يبرحاها ولم يفكرا في الانتقال منها قبل أن يأتي ميعاد السفر، وكانت بينهما وبين هذا الميعاد ليلة كاملة وساعات طوال. وكانا من غير شك يتحدثان في غير السفر، ويفكران في غير «الإسكندرية»، ويعنيان بما يعني به المقيمون في «القاهرة» من الأمر، ولكن الوزارة كانت تفكر فيهما وتتهيأ لهما وتأخذ الحملة التي تتعرض لها إذا أقبل مساء اليوم.
    ولو أن هذا الحديث قيل في بلد غير مصر لضحك منه الناس، ولزعموا أن الكاتب يريد أن يعبث ويلهى قراءه، ولكن هذا الحديث يقال في مصر، فيجب أن يصدق، ويجب أن يطمئن الناس إليه. ففي مصر ظاهرتان لا يوجدان في غيرها من بلاد الأرض: في مصر «وفد» خطر، وفي مصر وزارة حذرة. فإذا استيقظ خطر «الوفد» تنبه حذر الوزارة، وإذا تحرك رئيس «الوفد»[2] أو أحد من أعضائه نشط «وزير الداخلية»، وعدا أعوانه وموظفوه في العاصمة والأقاليم!
    وكذلك لم تكد تعلم «وزارة الداخلية» أن رئيس «الوفد» وصاحبه يريدان السفر إلى «الإسكندرية» ظهر الأحد حتى احتاطت للأمر، وتأهبت للخطر، وأخذت للحرب عدتها؛ فأسرعت يوم السبت إلى نفر من أهل «الإسكندرية»، فبسطت عليهم سلطانها، وأظلتهم بجناحها الرحيم وزجت بهم في أعماق السجن لتحميهم من رئيس «الوفد» ومن صاحب رئيس «الوفد». فـ«وزارة الداخلية» تحب هؤلاء الناس وترعاهم، وتؤثرهم بالمودة والبر! وتشفق على حناجرهم من الهتاف وعلى أيديهم من التصفيق! وترى من الخير أن تغيبهم في السجن وتحبسهم عن أهلهم وأصدقائهم، وتعطل منافعهم ومرافقهم؛ فذلك خير لهم وأبقى عليهم من أن يتعبوا حناجرهم بالهتاف ويقطعوا أكفهم بالتصفيق ويسعوا إلى لقاء هذين اللذين كان من الحق عليهما ألا يصطافا كما يصطاف الناس، وألا ينتقلا كما ينتقل الناس، وألا يكون لهما أعوان وأنصار كما أن لرجال السياسة أعواناً وأنصاراً، وألا يحبهم الشعب كما تعودت الشعوب أن تحب زعماءها وقادتها.
    نعم، و«وزارة الداخلية» لا تشفق على هؤلاء الناس ولكنها تشفق على «الإسكندرية»[3] كلها، وهي إذا آثرت هؤلاء الناس بحبها وسجنها فلعلها أن تؤثر بالحب والسجن أهل «الإسكندرية» جميعاً؛ فهم جميعاً يحبون رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يريدون أن يخفوا لاستقبال رئيس «الوفد» وصاحبه، وهم جميعاً يحرصون على أن يلقوا رئيس «الوفد» وصاحبه بالهتاف والتصفيق. وليست حناجر أهل «الإسكندرية» وأيديهم بأقل حظاً من عناية الوزير بحناجر هؤلاء الناس الذين تفتحت لهم أبواب الرحمة في سجون أمس في «الإسكندرية» وأيديهم.
    وأخص ما تمتاز به الحكومات إيثارها للعدل، وإنصافها في الحكم وتسويتها بين الناس في شدتها ولينها، وفي بأسها ونعيمها. فهي أرفق بأهل «الإسكندرية» وأحدب عليهم من أن تؤثر بالسجن منهم فريقاً دون فريق، وتختص بالحبس منهم جماعة دون جماعة. وأكبر الظن أن الحكومة لم تبخل بالسجن على أهل «الإسكندرية» إلا لأن سجونها في هذه المدينة أضيق من أن تسعهم، وأكبر الظن أنها ستجعل المدينة كلها سجناً منذ اليوم فتبث حولها الجنود، وتنشر حولها البنود، وتضاعف فيها الشرطة في النهار، والعسس في الليل. وأكبر الظن أنها سترضى بذلك حاجة «الإسكندريين» إلى العدل، ورغبة «الإسكندريين» في الإنصاف والمساواة. بل أكبر الظن أنها سترضى كثيراً من المصريين الذين سيذهبون إلى «الإسكندرية» ليصطافوا أو ليقضوا بعض منافعهم ومرافقهم، فسيذوق هؤلاء المصريون كلما ذهبوا إلى هذه المدينة السعيدة أو أقاموا فيها حلاوة السجن وعذوبة المقام فيه!!
    والغريب أن رئيس «الوفد» وأصحابه لا يتعظون بالحوادث ولا ينتفعون بالتجارب، ولا يزالون يفكرون في أنهم كغيرهم من الناس من حقهم أن يفزعوا من حر «القاهرة» إلى هواء «الإسكندرية» الطلق ونسيم «الإسكندرية» العليل. أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه يجدون لذة في حياة السجون! ويجدون نعمة في مراقبة الجند لهم وللناس؟! أليس من الممكن أن يكون رئيس «الوفد» وأصحابه قد ذهب بهم الإيثار إلى أبعد حدوده وأقصى غاياته، فهم لا يريدون أن ينعم أهل «القاهرة» وحدهم بتضييق الحكومة عليهم كلما أرادوا أن يتصلوا بهم أو يسعوا إليهم، وإنما يريدون أن تشيع النعمة ويعم الإحسان، ويشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة الثانية في الصيف كما يشمل لطف الحكومة وبرها أهل العاصمة، أهل «القاهرة»، في غيره من فصول العام؟!!
    أليس من الممكن أن يكون الله — عز وجل — قد جمع كلمة «الوفد» والوزارة مع بعد ما بينهما على حب المصريين، والبر بهم، والعطف عليهم ورياضتهم على حياة السجون من حين إلى حين فتكمل فيهم صفات الحزم والعزم والقدرة على المقاومة والثبات للمكروه؟ أليس من الممكن أن يكون هناك اتفاق خفي بين «الوفد» والوزارة على أخذ المصريين بهذه الألوان من الرياضة اللذيذة الخصبة التي تنتج في حياة الأمم أحسن النتائج وتؤثر في رقي الأمم أجمل الآثار، وأن يكون قوام هذا الاتفاق أن يتحرك «الوفد» فتنشط الحكومة، وأن ينتقل «الوفد» فيسخر الجند، وأن لا ينزل رئيس «الوفد» في مكان إلا سجن فيه وسجن معه الناس.
    كل هذا ممكن، وأي شيء غريب يقع في هذه الأيام؛ وإذا كان من الحق أننا نعيش في عهد الحرية الواسعة المطلقة وأننا مع ذلك لا ننتقل إلا في رقابة الشرطة، ولا نتكلم إلا إذا أذن لنا في الكلام، ولا نكتب إلا إن صادف ما نكتبه أهواء سادتنا والمتسلطين علينا، إذا كان هذا كله حقاً فما الذي يمنع أن يكون من الحق أيضاً أن «الوفد» يحب السجن لنفسه وللناس؟ وما الذي يمنع أن يكون «الوفد» قد أمضى مع الحكومة اتفاقاً خفياً على أن تذيقه وتذيق الناس معه الحياة الحلوة الناعمة، حياة السجون!
    كل شيء ممكن في هذه الأيام، لأن كل شيء مختلط في هذه الأيام؛ فكن ذكياً ما وسعك الذكاء، وكن فطناً ما أتيحت لك الفطنة، فلن تستطيع أن تفسر لغير المصريين هذه الحياة التي يحياها المصريون، والتي تعقد فيها المخالفات بين السعة والضيق، وبين النعيم والبؤس، وبين الحرية والتضييق على الناس، وبين الدستور والخروج على الدستور، وبين القانون ومخالفة القانون، وبين معارضة «الوفد» للوزارة واتفاق «الوفد» مع الوزارة على أخذ الناس بحياة السجون.
    لن تستطيع أن تبين هذا لغير المصريين لسبب يسير، وهو أن الحياة المصرية قد انفصلت من حياة الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم ممتازين، واشتركت الشعوب الإنسانية كلها في هذه الصفات السخيفة التي يسمونها الحرية والإخاء والمساواة، ولأن عقلية المصريين قد انفردت من عقليات الناس جميعاً، فأصبح المصريون وحدهم عقلاء، وأصبح غيرهم من الناس مجانين. وآية ذلك، وهل ذلك يحتاج إلى آية، أن العالم كله مضطرب يخضع لأنواع الأزمات وضروب المحن والخطوب، وأن مصر وحدها — مصر من دون الشعوب جميعاً — هادئة مطمئنة، وراضية ناعمة، يجري كل شيء فيها على أحسن ما تحرك الأشياء.
    لقد وفقت الوزارة كل التوفيق حين احتاطت أمس، وحين تحتاط اليوم لسفر رئيس «الوفد» وصاحبه إلى «الإسكندرية» لفتح أبواب السجون، وبث الشرطة والجند؛ ووفق رئيس «الوفد» وصاحبه كل التوفيق حين لم يمنعهما هذا الاحتياط من مضيهما في عزمهما على السفر وذهابهما إلى هذه المدينة التي ستصبح سجناً منذ اليوم، فإن «الوفد» ورئيسه أحزم وأرشد من أن يدعا أعمال الحكومة تذهب في غير طائل، وجهود الحكومة قد جعلت مدينة «الإسكندرية» سجناً منذ اليوم، فيجب أن يذهب إليه رئيس «الوفد» وصاحبه. وهل تنشأ السجون على هذا الطراز إلا لـ«الوفد» والوفديين؟
    كوكب الشرق في ٢٤ – ٧ – ١٩٣٣


    فكاهة
    لم يشك أحد من أهل «الغربية» في أن لنا وزارة قوية غنية ماهرة تحسن حشد الجند وحصار المدن، واقتحام المواقع الخطرة، ورد الجيوش الزاحفة؛ فقد كانت «الغربية» يوم الاثنين ميداناً لهذه البراعة التي لا حد لها. والغريب أن بلاغ التهنئة لم يصدر بعد من «وزير الداخلية» إلى الجند والشرطة الذين عرفوا كيف يسجلون لأنفسهم ولقادتهم هذا الفوز البارع الذي لا غبار عليه.
    ومن المحقق أن المصريين مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم؛ فقد ثبت أن لديهم من قوة الدفاع ومن المهارة فيه ما يحميهم من عدوان المعتدين وزحف الزاحفين، فكل دولة كبيرة أو صغيرة تخيل إلى نفسها أنها تستطيع أن تطمع في مصر أو تزحف عليها أو تعبث بحق من حقوقها، فهي واثقة بأنها سترد عن ذلك. وقد خابت الآمال وكذبت الأماني وألم بها الخزي وأظلم في وجهها الزمان. ففي مصر جنود وبنود، وفي مصر قوة وفتوة، وفي مصر قادة يعرفون كيف يدبرون الكر والفر، ويتقنون رد المغير والإحداق به وأخذ الطرق عليه.
    المصريون مطمئنون سينامون ملء جفونهم منذ اليوم، ومن حقهم إذا ناموا أن يحلموا بعظائم الأمور وجلائل الأعمال، ومن حقهم أن يستردوا مجدهم القديم وعزهم التليد، وأن يروا أنفسهم كما كانوا أيام الفراعنة وأيام الفاطميين والمماليك، بل أيام «محمد علي الكبير» غزاة فاتحين وسادة متسلطين يغيرون فينتصرون، ويغزون فيظفرون وتخفق ألويتهم المظفرة على أقطار الأرض مهما تبعد بينهم وبينها المسافات.
    فإن هذا البلاء الحسن البديع الذي أبلاه الجند والشرطة أول أمس في مدينة «طنطا» ومن حولها وفي الطريق بينها وبين «زفتى» وفي الطريق بينها وبين «مسجد وصيف»، خليق أن يعيد تلك الأيام ويصدق هذه الأحلام ويثبت للعالم الحديث ما أثبتناه للعالم القديم من أن قوتنا أعز من أن تغلب وبأسنا أشد من أن يرد، ومن أن الناس إن كانوا يريدون الحياة المطمئنة الآمنة خليقون أن يقدرونا ويحسبوا لنا ألف حساب وحساب.
    ما كان أبرع الشرطة وأمهر قادتها حين أرادوا أن يذودوا رئيس «الوفد» عن «طنطا» فذادوه، وكيف ذادوه؟ تركوه ينزل من القطار ويخترق المدينة من طرف إلى طرف، والناس من حوله يلقونه بما يحبون أن يلقوه به من الحب الصادق والود الخالص حتى إذا مر الرئيس بجماعة فتلقى منهم حبهم وودهم وتحيتهم أقبل الشرطة على هؤلاء الناس فجزوهم على هذا الود والحب والتحية أجمل الجزاء وأمثله، وأصلوهم من عصيهم ناراً حامية تمثل قلوباً قاسية وشجاعة لا يعرفها إلا الأبطال الممتازون. وكذلك زار رئيس «الوفد» مدينة «طنطا» فلقي أهلها ولقوه، وحيا أهلها وحيوه والشرطة تنظر إليه وإليهم ثم تصليهم بعد ذلك أشد العذاب.
    أما على الطريق العام فحدث عن الطلائع السابقة والكتائب المتلاحقة، وعن المناورات والمداورات وعن الخنوع والخشوع إذا أشرف رئيس «الوفد»، ثم عن التجبر والتنمر بعد أن يمضي، حتى إذا بلغ الركب مدينة «زفتى» كانت هناك آية الآيات ومعجزة المعجزات. كان هناك الحصار الضيق والدفاع المتقن، ومظهر العدة والعدد، ومظهر القوة والبأس، ومظهر العظمة والجلال. كانت هناك الاستحكامات التي طوقت بها المدينة تطويقاً؛ فالسيارات على اختلافها ترص رصاً، وتؤخذ بها المنافذ والسبل والخنادق العميقة تحتفر في الأرض والأسوار الهائلة من التراب ترتفع إلى السماء، وقد أخليت شوارع المدينة من أهلها، وأكره الناس على أن يلزموا بيوتهم، وقطعت المواصلات بين هذه المدينة وما يجاورها من المدن والقرى، ثم سلط المصورون على هذه الشوارع الخالية والطرق المقفرة، وأبعد عنها حتى الجند وصورت كما هي خالية من كل إنسان، بريئة من كل حركة؛ لتقدم هذه الصور بعد ذلك إلى الذين يعنيهم الأمر دليلاً على أن رئيس «الوفد» لم يلقَ أحداً، ولم يلقه أحد في هذه المدينة، ولمَ لا؟ لقد لقي الناس في «طنطا» فحسبه ذلك، ويجب أن لا يلقاهم في «زفتى»، ولمَ لا؟ لقد عملت عصى الشرطة في أجسام الناس الذين لم يلقهم رئيس «الوفد» في «زفتى». وكذلك أظهرت القيادة العليا شدة وليناً وقسوة ورحمة وعدلاً وإنصافاً؛ اشتدت على أهل «طنطا» ورفقت بأهل «زفتى».
    وسلكت القيادة العليا هذه الطريق نفسها فتركت الناس يلقون رئيس «الوفد» في «مسجد وصيف» محتاطة لذلك، مبالغة في الاحتياط، قد أرصدت الجند والقطار المسلح وأعدت عصى الشرطة للعمل في الأجسام حتى إذا دنا الركب إلى «بنها» كان الحصار والدفاع، وكان الاستيلاء على الجسور والاحتياط في أخذ الطرق والمسالك. وأي غرابة في هذا؟ أليست «بنها» موقعاً حصيناً، وقلعة عظيمة الخطر، لا ينبغي أن يدخلها العدو أو يدنو منها، وإنما حسبه أن يراها ويدور حولها ويمر بها ولم يظفر منها بشيء!.
    وكذلك مثلت أول أمس هذه القصة المحزنة المضحكة فلقي الناس عذاباً، ولقي الناس ما يضحك ويسري عن النفوس، وكذلك أظهر «وزير الداخلية» وعماله في الأقاليم أن لمصر قوة لا ترد، وشرطة لا تصد، وسلطاناً لا سبيل عليه. ولم يكن ينقص هذه القصة البارعة إلا شيء واحد، كانت في حاجة إليه لتستقيم فصولها ويحسن أثرها في النفوس، وهو قليل من الحياء. ماذا أقول؟ يظهر أني لا أحسن فن التمثيل، ولا أعرف من أصوله شيئاً، فلو قد دخل عنصر الحياء في هذه القصة ولو بمقدار يسير ضئيل لما حوصرت مدينة هادئة مطمئنة هذا الحصار، ولما سلط عليها مئات من الجند، ولما حفرت في أرضها الخنادق ولما أقيمت حولها أسوار التراب. لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لما استطاع وزير أن يأمر بذلك، ولما استطاع مدير أن ينفذ ذلك، ولما استطاع ضابط وشرطي أن يعملا في تنفيذ ذلك ولحرم النظارة من أهل «الغربية» أن يشهدوا هذا المنظر البديع، مشهد الدولة المصرية كلها تعلن في إقليم من أقاليمها شيئاً يشبه حالة الحرب وترصد بأسها وقوتها وجندها وشرطتها للمحافظة على أمن لم يتعرض لخطر ولإقرار نظام لم يتعرض لاضطراب، ولاتقاء رجلين اثنين أعزلين يزوران قوماً عزلاً، لاحظ لهم من سلاح، ولا رغبة لهم في كفاح.
    نعم لو دخل عنصر الحياء في هذه القصة لحرم النظارة من أهل «الغربية» تمثيل هذه القصة الرائعة، ولحرم القراء من أهل مصر قراءة هذه القصة والعلم بما أحرزت من فوز، ولحرم الشرق والغرب العلم بمغزى هذه القصة والاعتبار بما تدل عليه من أن أهل مصر مازالت بحمد الله قوية فتية يجب أن تخاف ويجب أن يحسب لها حساب. فالحمد لله الذي قدر لهذه القصة ما قدر لها من فوز فأشعر المصريين بقوتهم، وأشعر الناس ببأس المصريين. والحمد لله الذي أتاح لرئيس «الوفد» وصاحبه أن يعلما ما كانا يجهلان، ويريا بأعينهما ما كانا يجحدان؛ فقد ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن الروح الوطني في مصر قد مات موتاً لا رجعة بعده ولا بعث. مات فما يخفق به قلب وما ينبض به عرق وما يحسه إنسان.
    مات وأصبح حديثاً من أحاديث التاريخ وآية ذلك أنهما مرا بإقليم من أقاليم مصر، أو إقليمين أو أقاليم فلم يرهما أحد، ولم يريا أحداً إلا هذه الجنود المجندة التي لم ترسلها الدولة إلا لتظهر لهما شيئاً من الحفاوة اليسيرة. وأي غرابة في أن يتفضل المنتصر الظافر على المنهزم المغلوب بشيء من التحية وقليل من الحفاوة؟ إنما أرادت القيادة العليا في ظفرها وفوزها أن تقدم لخصومها المنهزمين تحية إن دلت على شيء فإنما تدل على الظرف والعطف وحسن الرعاية للمغلوبين الذين ألقوا السلاح.
    تسألني بعد ذلك متى يتيح الله لمصر حظاً من الجد، ويصرف عنها بعض هذا الهزل الذي أغرقت فيه، فلا تتعجل ولا تضجر فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. لا تضق بهذا الهزل فإن فيه تسلية للهموم وتلهية عن الكروب. ولو قد حُرمت مصر هذا الهزل، ولو قد صرفت عن مصر هذه الدعابة لضاقت بما يلقى أهلها من آلام وبما يقترف فيها آثام وما يصب عليها من مكروه. ولكانت نتيجة هذا الضيق خطراً كبيراً وشراً مستطيراً.
    فالحمد لله الذي رزق مصر وزارة، لا كالوزارات، تجرح باليمين وتأسو بالشمال؛ تصب العذاب من ناحية وتهون وقعه بالدعابة من ناحية أخرى وتجعل حياة المصريين مزاجاً معتدلاً من الجد والهزل، ومن الشدة واللين. فتأخذها بالبأس وتعينها على احتمال البأس حتى يأتي اليوم الذي تنجلي فيه الغمرة، ولعل هذا اليوم أن يكون قريباً.
    كوكب الشرق في ٢١ – ٦ – ١٩٣٣.

    أعاجيب
    لا يريد هذا العهد السعيد أن ينقضي حتى يستنفد عجب الناس، كما أنه لم يرد أن يبدأ حتى استنفد عجب الناس؛ فقد كان هذا البلد آمناً مطمئناً، راضياً عن أساليب الحكم فيه، مستشعراً من العزة والكرامة ما يلائم بلداً ناهضاً واسع الآمال، عظيم الأماني، قد أراد الإنجليز أن يخدعوه فلم ينخدع، وأن يكيدوا له فلم يبلغ منه الكيد. فأقبل رئيس الوزراء فرد هذا البلد الناهض القوي الأمل الأمن السعيد إلى شر ما ترد إليه البلاد من تقهقر وضعف، ومن حزن وخوف، وشقاء.
    وضع نفسه وجماعة من أصحابه موضع المعصومين الذين يعلمون وحدهم كيف يحكمون فلا يخطئون، وكيف يسوسون فلا يجورون عن القصد، والذين يعرفون مصالح مصر أكثر مما تعرفها مصر، والذين يريدون أن يكرهوا مصر على الخير إكراهاً، وأن يدفعوها إلى ما يريدون لها وأنفها راغم. وأخذوا يفرضون أنفسهم وسياستهم على مصر فرضاً، بالقوة العنيفة حيناً، وبالمكر المغري حيناً آخر، حتى جرت دماء غزيرة وبيعت ضمائر قليلة، وأخذت مصر تنظر إلى هذا كله واجمة لا ينقضي عجبها أن يقع هذا كله في القرن العشرين، وتحت سمع الحضارة الراقية وبصرها. والضمير الإنساني نائم أو معرض، لا يستيقظ ولا يلتفت ولا يتردد في الإغضاء عما يشهد النيل من تسلط نفر على شعب كامل. وقد نجح رئيس الوزراء عند نفسه نجاحاً باهراً انتهى به إلى المرض الطويل الثقيل، ثم إلى الاستقالة أو العزم على الاستقالة. ونجح صديقه المندوب السامي نجاحاً باهراً عند نفسه أيضاً انتهى به إلى أن يترك مصر في الشتاء ويظل معلقاً أشهراً، ثم ينقل إلى بلاد الترك.
    نجح الصديقان عند أنفسهما ولكنهما أخفقا إخفاقاً شنيعاً عند المصريين الذين احتسبوا عند الله ما فقدوا من أبناء أبرار وما احتملوا من مشقة وجهد، وما قاسوا من عناء وعنف، واستقلوا هذا كله في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والعزة، وفي سبيل الوصول إلى الحرية والاستقلال.
    كذلك ابتدأ هذا العهد السعيد عجيباً من جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين، وهو الآن يريد أن ينتهي عجيباً في جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين أيضاً.
    رئيس وزارة كان مريضاً، لا يقدر على العمل، بعيداً لا يستطيع أن يشرف على الأمور، ولكنه مع ذلك يمسك أزمة الحكم بيد ضعيفة مضطربة، لا تقدر على إمساكها ولا على تصريفها. وكان على مرضه وضعفه وعجزه، يمنى نفسه بأن يتم سياسته بمعاهدة يفرضها على مصر فرضا، كما فرض عليها غيرها من الأشياء، فلما حيل بينه وبين ذلك لأن الإنجليز استيأسوا من قدرته على فرض هذه المعاهدة وأخذ المصريين باحترامها، ثار وفار، وأعلن السخط والغضب ولمح بالاستقالة، ثم استحال التلميح تصريحاً، ثم استحال التصريح إلى نذير أخرج رئيس الوزراء عن طوره، وجعل حديثه أعجوبة الأعاجيب في هذه الأيام.
    رئيس وزارة مقيم في بلد أجنبي قد أعلن ألف مرة ومرة أنه شديد الغيرة على استقلال مصر وكرامتها، ثم هو لا يتحرج من أن يعرض أمورها الخاصة في أسواق باريس وفرسايل، يتحدث بها إلى الصحافيين في غير تحرج ولا احتياط ولا احتفاظ بالتقاليد. يعلن لصحفي إنجليزي أنه لم يستقل ولكنه سيقابل جلالة الملك. ثم يعلن ذلك نفسه إلى مكاتب روتر في محطة من محطات باريس أمام جماعة من المصريين والأجانب، فيهم ممثل وزير الخارجية الفرنسية كأن بين رئيس الوزراء وبين مصر أزمة حادة من أخطر الأزمات، وأشدها هولاً، فأمرها لا يعني مصر وحدها، بل لا يعني جلالة الملك ووزارته وحدهما، وإنما يعني العالم بأسره، وهو لذلك أمر يلقى إلى مكاتب روتر ليذاع في أطراف الأرض أن صدق باشا لم يستقل ولكنه سيرى جلالة الملك. ومعنى هذا أنه حين يرى جلالة الملك إما أن يجاب إلى ما يريد، وإما أن يستقيل. العفو! هذا كلام كان يحسن أن يقال في الإسكندرية أو في القاهرة، لا في فرسايل ولا في باريس. هذا كلام كان يحسن أن يقال للصحف المصرية، لا للصحف الإنجليزية ولا لمكاتب روتر. هذا كلام أقل ما يوصف به أنه مجاوز للياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء. وكل ما عمل رئيس الوزراء منذ أيام خارج عن اللياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء؛ فما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعلن افتتاح الأزمة الوزارية في بلد أجنبي، وما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعطي أزمته هذا الشكل الذي يحسبه أصدقاؤه وأنصاره عظيماً خطيراً، وهو في الحقيقة مضحك يسير.
    فإن عند أوروبا وغير أوروبا من الأزمات والمشكلات ما هو أهم وأخطر من أزمة صدقي باشا ومشكلة صدقي باشا. وليس اعتزال صدقي باشا للحكم، أو احتفاظ صدقي باشا بالحكم، من الأمور التي يتوقف عليها مصير السلم في أطراف الأرض، وليس مما يحسن برئيس وزارة مهما كان قوياً أن يتحدث إلى الأجانب عن أزمته الوزارية بهذه اللهجة التي تؤذن بالقوة والعنف، والقدرة على التحدي والإحراج، فكيف به إذا كان ضعيفاً قد خذلته الظروف وتخلى عنه الأولياء؟
    قلت لك إن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً مخالفاً للمألوف كما بدأ عجيباً مخالفاً للمألوف، ولكن الذي دعا إلى أن يبدأ هذا العهد السعيد عجيباً شاذاً هو إغراق رئيس الوزراء في الثقة بنفسه، والاطمئنان إلى من كان يمده من قوة وتأييد. والذي يدعو إلى أن يكون ختام هذا العهد عجيباً مخالفاً للمألوف هو إغراق صدقي باشا في اليأس وخروجه عن طوره أمام هذا الإخفاق المنكر الذي لم يكن يقدره ولا يحسب له حساباً. ولو لم يكن رئيس الوزراء قد أخرجه اليأس والإخفاق عن طوره لما تورط في هذه الألوان من التناقض التي تورط فيها منذ أيام، فقد كان يوم الثلاثاء يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق التأكيدات بأن تغيير المندوب السامي لا يغير السياسة البريطانية في مصر، فإذا هو يوم الجمعة يتحدث إلى مكاتب روتر ومكاتب الأهرام فيعلن إليهما أن كل ما يتمناه هو ألا يعدل المندوب السامي الجديد عن سياسة المندوب السامي القديم. تبارك الله. وأوثق التأكيدات، ماذا صنع الله به؟ لقد كان مقنعاً يوم الثلاثاء، فذاب يوم الأربعاء والخميس. وأصبح الباشا يوم الجمعة وأمسى وهو يتمنى أن يحتفظ المندوب السامي الجديد بسياسة المندوب السامي القديم. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء سيصل إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء فيستيقن بأنه لا يستطيع أن يتمنى ولا بد له من أن يطمئن إلى اليأس، ويظفر بأوثق التأكيدات أن تغيير المندوب السامي سيغير السياسة البريطانية في مصر، وسيحور الصلة بين دار المندوب السامي وبين الشؤون المصرية تحويراً كبيراً، لا لأن الإنجليز يريدون ذلك أو يأبونه، بل لأن السياسة التي أقامها صدقي باشا والسير برسي لورين قد انتهت من الفشل والإخفاق إلى حيث لم يبق بد من العدول عنها، واستئناف الدوران في تلك الدائرة التي رسمها الإنجليز لأنفسهم لعلهم أن يجدوا منها مخرجاً.
    والظريف من أمر رئيس الوزراء أنه نسي — ولعل المرض هو الذي أنساه، أو لعل اليأس هو الذي أنساه — أن استجداء الإنجليز شيء لا يليق بصاحب الرد التاريخي البديع على المستر مكدونالد. فالإنجليز قوم لا يتمنى عليهم صدقي باشا، إنما يصدر إليهم الأمر، وما ينبغي لصدقي باشا أن يتمنى على الإنجليز أن يحفظوا لمندوبهم السامي الجديد سياسة مندوبهم السامي القديم، وإنما ينبغي له أن يأمرهم بذلك أمراً، فإما أطاعوا فكان السلم، وإما عصوا فكان رد تاريخي بديع، كذلك الرد التاريخي البديع الذي رمى به صدقي باشا منذ ثلاثة أعوام في وجه الإنجليز فتلقوه خاضعين خاشعين.
    كل شيء يحول، فقد يكون رئيس الوزراء قوياً منذ ثلاثة أعوام، يتحدى الإنجليز ويقفهم عند ما يرسم من الحدود، ثم يصبح رئيس الوزراء ضعيفاً بعد ثلاثة أعوام، يتمنى على الإنجليز في محطة من محطات باريس — ويشهد العالم كله على هذا التمني — ألا يغيروا سياستهم في مصر بتغيير المندوب ثم صدقني بعد ذلك وصدق رئيس الوزراء حين يقول لك إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وأن عندنا أوثق التأكيدات بأن السياسة البريطانية لن تتغير بتغيير المندوب.
    ستعجز من غير شك عن أن تلائم بين هذه المتناقضات ولكن لا تنس أن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً غريبا كما بدأ عجيباً غريباً.
    كوكب الشرق في ٣ – ٩ – ١٩٣٣.

    راحة
    أما القاهرة فمغرقة في هدوء يشبه النوم، هو هذا الهدوء الذي يألم فيه الضمير أشد الألم، ويضطرب فيه القلب أشد الاضطراب، وتظل فيه الحواس الظاهرة مطمئنة مستقرة كأن ليس من وراء هذا الاطمئنان والاستقرار الظاهرين ضمير فائر، ولا قلب مضطرب.
    وأما أقصى مصر فيقظان، شديد اليقظة، متحرك عنيف الحركة، هائج عظيم الهياج. يشترك في ينته وحركته وهياجه ضميره وشعوره، وقلبه وحواسه الظاهرة جميعاً.
    كان هادئاً مستقراً كالقاهرة أمس فاستيقظ واندفعت به يقظته إلى هذه الحركة العنيفة اليوم، لأن زعيمين من زعماء الشعب قد سعيا إليه يزورانه، ويجددان العهد به: هما صاحب الدولة الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا رئيس الوفد، والأستاذ الكبير مكرم عبيد. ورئيس وزرائنا المريض يرى هدوء القاهرة فيرضى ويحس حركة الصعيد فيسخط.
    لست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يحتمل ما يختلف على نفسه من آثار هذا الرضا الذي لا عمق له ولا ثبات، ومن آثار هذا السخط الذي يشبه الخوف. ولست أدري إلى أي حد تسمح له صحته بأن يتدبر فلسفة هذا الهدوء الذي لا يريح، وفلسفة هذا النشاط الذي لا يطمئن، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الحياة السياسية لا تبسم لرئيس وزرائنا المريض عن ثغر عذب جميل. ولعل نظراته الهادئة الحزينة التي لا تخلو من وجل تقع من هذه الحياة السياسية على وجه فيه كثير من العبوس، وعليه كثير من التقطيب، لا حظ له من بشر الأمل، ولا من هذه الغبطة التي تدل على القوة وحب البقاء والرغبة في الاستزادة منه.
    فقد كانت طرائق رئيس الوزراء منذ وثب إلى الحكم طويلة جداً، شاقة جداً، ملتوية جداً. لا يتقدم خطوة إلا اضطر إلى الوقوف، ولا ينظر أمامه إلا اضطر إلى أن ينظر وراءه، ولا ينحرف إلى اليمين إلا اضطر إلى أن يتحرف إلى الشمال وهو كلما تقدم أمامه، وأخذ منه الجهد وانتهى به الإعياء إلى أقصاه، نظر فإذا الطريق أمامه ممتدة إلى غير أمد، ملتوية في غير نظام. فهو يمضي ويرجع، وهو يأخذ عن يمينه ويأخذ عن شماله. وهو يطيل النظر إلى السماء، ويطيل النظر في الأرض وهو يستمع بأذنيه جميعاً لعله يتبين شيئاً واضحاً من هذه الأصداء التي تصل إليه فلا يتبين شيئاً.
    ويؤثر هذا كله في قوته المحدودة فتضعف، وفي نشاطه فيفتر، وفي صحته فتعتل. وينسى الطريق الطويلة التي أمامه، وينسى الطرق القصيرة التي قطعها. وينسى العقاب والصعاب، وينسى هذه الأصداء المختلطة ويغرق في علته وآلامه حيناً فيستريح في تعب وهدأ في قلق، ثم يفيق ويسعى سعياً هيناً إلى الشفاء، ويسعى الشفاء إليه سعياً هيناً أيضاً.
    ويؤوي إلى هذا الفندق في ظل الأهرام ليستكمل حظه من هذه الراحة المتعبة، ويفتح عينيه لينظر أمامه فإذا الطريق ممتدة إلى غير أمد، ولينظر وراءه فإذا هو لم يقطع إلا مسافة قصيرة، قصيرة جداً ويهبط إلى نفسه يلتمس فيها العدة والزاد لقطع هذه الطريق التي لا تنتهي فإذا صحته ضئيلة في حاجة إلى العناية. وإذا قوته نحيلة في حاجة إلى الرعاية وإذا ما بقي له من الجهد أعظم ألف مرة ومرة مما عنده من نشاط، وهو مكدود يغضب في غير ثورة، ويسخط في غير هياج. وإذا ابتسامة كلها إذعان ترتسم على وجهه الشاحب وجبينه المنقبض.
    كذلك يقضي رئيس الوزراء أيامه الآن في ميناهوس. قد قطع شوطاً بعيداً شاقاً، ولكنه ما زال في أول الطريق، وليس لديه من أدوات السفر ما يمكنه من المضي في طريقه. كل شيء من حوله ينبئه بأن سياسته قد فشلت وفشلت. فلا هو كسب تأييد الشعب. ولا هو كسب حيدة الشعب، ولا هو حقق لهذا الشعب من آماله ما إن جحده اليوم فقد يضطر إلى الاعتراف به غداً. ولا هو قادر على أن يصلح ما فات ويستأنف سياسة جديدة تمحو آثار سياسته القديمة كلها أو بعضها.
    كل شيء من حول رئيس الوزراء في السياسة قاتم مظلم حتى في بيئته الخاصة. أعوانه ضعفاء، لا تستقل أكتافهم مهما تكن عريضة يحمل هذه الأثقال التي حملها وحده. والناس يحسون ذلك ويخوضون فيه فيسرفون والبرلمان يمشي في طريقه مشياً رفيقاً، لا نشاط فيه ولا خصب حتى تصفه الأهرام بأنه مريض مقعد، والأمة تنظر إلى هذا كله في سخط ملؤه هذه الكبرياء التي تظهر في صورة الإشفاق والرحمة لهؤلاء الذين أفنوا في الإساءة إليها والعبث بمصالحها قوة كان من الخير أن تنفق في الإحسان إليها والتحقيق لآمالها.
    هذه هي راحة رئيس الوزراء الآن في ميناهوس. ليست هي الراحة التي يستحقها المريض بعد أن أنّ المرضى، وليست الراحة التي يستحقها المجاهد بعد أن أضناه الجهاد، ولكن رئيس الوزراء هو الذي اختار طريقه إلى هذه الراحة، فوقف من أمته كلها هذا الموقف الذي لم يجد عليه خيراً، ولم يعقبه إلا مرضاً وألماً وحزناً. وهو الذي بذل صحته كلها في سخاء يشبه الإسراف ليحقق ما لا سبيل إلى تحقيقه، ويبلغ ما لا أمل في بلوغه. فلو أن أحداً استطاع أن يضطر النيل إلى أن يرجع أدراجه ويصعد إلى منبعه بدل أن يجري هابطاً إلى البحر، لاستطاع رئيس الوزراء أن يضطر الأمة المصرية إلى أن تعرض بوجهها عن آمالها ومثلها العليا في الحرية الصحيحة والكرامة الصحيحة والاستقلال الصحيح. وإلى أن ترضى بالقليل من مظاهر الحرية، ومظاهر الكرامة وأعراض الاستقلال في ظل الأوصياء المعصومين.
    سيجري النيل دائماً إلى البحر، وستجري مصر دائما إلى تحقيق آمالها وبلوغ مثلها العليا. وسيتعب دائماً ويخفق دائماً، ويكتئب دائماً كل أولئك الذين يقدرون لأنفسهم من القوة أكثر مما تملك فيسلكون هذه الطريق الطويلة الشاقة الملتوية التي سلكها رئيس الوزراء.
    كوكب الشرق في ٢٠ – ٣ – ١٩٣٣، صـ ٢١٩.


    دعوة
    قلوب الوزاريين خفيفة لطيفة، يهيجها أيسر الأشياء فتطير في الهواء ويطمئنها أيسر الأشياء فتستقر في الصدور. سمعت حديث الأزمة الوزارية فطارت مع الريح، وذهبت من الهلع والفزع كل مذهب. ثم سمعت أن رئيس الوزراء آثر رئاسة الوزارة على زعامة الكثرة البرلمانية فعادت إلى الصدور، واستقرت بين الضلوع. وأخذت منذ أمس تخفق خفقاناً هادئاً منظماً بعد أن انجلت عنها نشوة الفرح والمرح، بهجة الرضا والسرور. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء أثبت وأثقل من قلوب الوزاريين، لا تطير للشيء اليسير، ولا تستقر للأوهام والأحلام. وأكبر الظن أن قلوب الوزراء لهذا لم تهدأ بعد، ولم تستقر كما هدأت قلوب الوزاريين واستقرت. فالوهم يكفي لإرضاء الوزاريين ولكنه بعيد كل البعد عن أن يرضى الوزراء. والوزراء يعلمون حق العلم إذا خلوا إلى أنفسهم أن الأزمة لم تحل ولم تنفرج، وإنما افتتحها رئيس الوزراء وهي ماضية في طريقها تشتد من يوم إلى يوم وتتعقد من حين إلى حين، حتى تنتهي إلى هذا الحرج الذي لا يدع سبيلاً للأخذ والرد، ولا التعلل بآراء الأطباء حيناً في سبيل الاستقالة، وحيناً في سبيل البقاء.
    ومع ذلك فقلوب الوزاريين هادئة مستقرة منذ أمس، وقد أخذوا يعودون إلى دعوة لا بأس بالوقوف عندها قليلاً، لا لأنها تستحق الوقوف، بل لأنها خليقة أن تثير الضحك وأن تلهي الناس ولو قليلاً عما يشغلهم من أهوال الأزمة وأوجالها، فصحيفة الوزارة تدعو اليوم إلى العمل بعد أن انتهت الأزمة، وصحيفة الوزارة تعترف بأن الحياة المصرية مملوءة بالشر والخطر، تحتاج إلى أن يتعاون الناس جميعاً على إصلاحها ودفع الكوارث الملمة والكوارث التي تريد أن تلم. وصحيفة الوزارة بعد هذا كله تطلب إلى الناس جميعاً أن يقترحوا على الوزارة ما يرون من دواء لهذه الأدواء، وهي تؤكد — ولعلها تصدر في هذا التأكيد عن بعض الوحي — أن الوزارة ستعنى بهذه الاقتراحات وتوفيها حقها من الدرس ولا تتردد في أن تقبل النافع منها. فنحن نقبل هذه الدعوة، ونستجيب لها، ونتقدم إلى الوزارة بالاقتراح الذي نراه نافعاً كل النفع، مفيداً كل الفائدة لرفع ما تشقى به الحياة المصرية الآن من الشر، ودفع ما تتعرض له الحياة المصرية غداً من الكوارث والخطوب.
    ونؤكد للوزارة والوزاريين أنا مخلصون كل الإخلاص، ناصحون كل النصح، مؤمنون كل الإيمان بصدق ما نقول ونفع ما نقدم من اقتراح ونؤكد للوزارة والوزاريين أن قبول هذا الاقتراح أيسر جداً مما يظنون وأنهم إن قبلوه الآن أراحوا أنفسهم، وأراحوا الناس من أعباء ثقال لن تقوى أكتافهم الضعيفة على حملها، وأنهم إذا لم يقبلوه الآن راضين فستضطرهم الظروف إلى أن يقبلوه وهم كارهون.
    وهذا الاقتراح هو أن يرفع رئيس الوزراء استقالة الوزراء إلى جلالة الملك، فبقاء الوزارة وحده فيما نعلم وفيما يعلم المصريون جميعاً إلا الوزراء وأنصارهم — وهم قليلون ولعلهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم — هو مصدر ما تشقى به مصر الآن من خطوب واقعة وخطوب تريد أن تقع. وليس إلى محو الشر من سبيل إلا أن تمحا الأسباب التي دعت إليه وفرضته على البلاد فرضاً.
    ورئيس الوزراء يعلم حق العلم وأنصاره يعلمون معه حق العلم أن الوزارة القائمة قد أخفقت في كل شيء: أخفقت في تدبير السياسة، وأخفقت في تدبير الاقتصاد، وأخفقت في حماية الأمن والنظام. قامت تتمحو الوفد فلم تزده إلا قوة وتأييداً. ومهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره للناس أن الوفد قد ضعف وأشرف على الفناء، فإن رئيس الوزراء وأنصاره يقولون في كل لحظة أن إضعاف الوفد — فضلاً عن إفنائه ومحوه — شيء لا سبيل إليه، تهلك في سبيله القوى مهما تكثر، وتفنى في سبيله الجهود مهما تشتد، وتسقط في سبيله الوزارات مهما يكن أنصارها، ومهما تطل أعمارها. ذلك شيء يعلمه رئيس الوزراء، ويعلمه غير رئيس الوزراء من خصومه وأصدقائه، ما يشكون في ذلك قليلاً ولا كثيراً.
    وقامت لتمضى المعاهدة بين مصر وإنجلترا فأبعدت الأمد بين مصر وإنجلترا ما استطاعت، وأرجأت المعاهدة راضية أو كارهة، وبسطت للإنجليز على مصر سلطاناً لم يكن لهم، وحققت للإنجليز في مصر مأرب ما كانوا يحلمون بتحقيقها. وقامت لتدبير الاقتصاد والمال تدبيراً لم يوفق إليه غيرها من الوزارات فوفقت من ذلك إلى ما لم يوفق إليه غيرها من الوزارات، وبسطت للجوع والحرمان والفقر على حياة الناس سلطاناً لا يشبهه إلا سلطان الإنجليز على الحياة السياسية. وقامت تَمحو الفوضى وتحمي النظام وتحقن الدماء وتعصم النفوس، فوفقت من ذلك إلى حيث أصبحت الجنايات، وجنايات القتل خاصة تحصى بالعشرات في كل أسبوع، وإلى حيث تكافيء مدير الأمن العام رغم ذلك بالعلاوة ثم تنقله مضطرة أو مختارة إلى حيث تنقطع الصلة بينه وبين الأمن.
    لهذا كله وفقت الوزارة وبهذا كله أفسدت الوزارة آراء الناس في السياسة والاقتصاد والأمن. وأساءت الوزارة ظن الناس بقدرة السلطان على تدبير السياسة الاقتصاد والأمن. وملأت الوزارة قلوب الناس شكاً في قيم الأشياء، وزهداً فيما كانوا يحرصون عليه، ودفعت الوزارة أهل مصر جميعاً إلى هذه الحياة السيئة التي لا يطمئنون فيها إلى شيء ولا يثقون فيها بشيء، ولا ينتظرون من ورائها إن طالت إلا شراً ونكراً.
    فإذا كان هذا حقاً — وليس بين المصريين من يشك في أنه حق — فإن الاقتراح الوحيد الذي يقدمه المصريون إلى الوزارة لإصلاح الحال إنما هو أن تستقيل الوزارة، وأن يرد إلى مصر أمرها لتدبره كما تريد، حرة مختارة محتملة تبعة ما تأتي من الأمر، لا مذعنة لذلك إذعاناً ولا خاضعة لذلك وهي كارهة راغمة بقوة الحديد والنار.
    فإن كانت صحيفة الوزارة صادقة فيما تزعم من أن الوزارة ستلقى بالعناية ما يرفع إليها من اقتراح لإصلاح الحال فها نحن أولاء نرفع إليها هذا الاقتراح ناصحين لها وللأمة، مخلصين لها وللبلاد. وسنرى أتقبله أم ترفضه، نستغفر الله، بل نحن واثقون بأنها سترفضه حتى تكرهها الظروف على قبوله وتلجئها إليه إلجاء إن لم يكن بعد أيام فبعد أسابيع.
    كوكب الشرق في ١١-٩-١٩٣٣.


    حمى
    مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
    وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
    وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
    ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
    وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
    فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
    وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
    والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
    وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
    وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
     كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. 


    اطمئنان
    إن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، فهي تتمتع بعطف جلالة الملك ورعايته كما تتمتع في الوقت نفسه بثقة البرلمان التامة.
    على أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    لا بأس على رئيس الوزراء من أن يجمع بين هذين النقيضين في حديث قصير جداً، تقرؤه في دقيقتين اثنتين؛ فرئيس الوزراء متعب لا جناح عليه إن جمع بين النقائض، ورئيس الوزراء نابغة لا حرج عليه أن يجمع بين النقائص.
    والواقع أن التأليف بين الأضداد، والجمع بين النقائض شيء لم يبحه الله إلا للمتعبين الذين يعييهم التفكير المستقيم، أو النابغين الذين يخرجون من أطوار الناس ويتحدثون بما لا يفهم ولا يحتمل التفسير.
    ورئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك ولا ريب. ورئيس الوزراء كان مريضاً وقد برئ من هذا المرض والحمد لله، ولكنه متعب مكدود ما في ذلك شك. وآية ذلك — إن كنت في حاجة إلى آية — أن الأخبار قد استفاضت به فلم ينكره أحد، وأن الإجماع كان قد انعقد على أن رئيس وزرائنا سيستقبل في حفل عظيم، وسيلقى خطبة سياسية جامعة حين يعود سالماً موفوراً إن شاء الله. ثم أصبحت خطبته السياسية شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب. ثم أقبل سكرتيره يتقدمه بأسبوع عجلان مسرعاً، فزار أشخاصاً بارزين من أساطين العهد السعيد، ولم يمضِ على مقدمه ليل كامل — نستغفر الله — بل ساعات حتى أصبح الحفل العظيم شكاً من الشك، ولوناً من ألوان الريب، وقيل إنه أجل إلى غير أجل. وكانت الوفود قد هيئت وأخذت تحزم أمتعتها فيقال لها: مكانك تحمدي أو تستريحي.
    وكانت الخطب قد حبرت أو أخذ في تحبيرها فسيقال لها: انحلي انحلالاً، وليذهب كل لفظ من ألفاظك إلى حيث كان، وليذهب كل معنى من معانيك إلى معدنه الكريم الذي خرج منه، فلا استقبال ولا احتفال ولا استباق في حلبة الفصاحة والبيان، لأن رئيس الوزراء متعب يريد أن يستريح فلا ينبغي أن يُشق عليه، ولأن رئيس الوزراء قد برئ من مرضه ولكنه حريص، ومصر حريصة معه على أن يقف ما أنعم الله به عليه من الصحة لتصريف الشؤون العامة، واستنقاذ البلاد من هذه الأخطار المحدقة التي تأخذها من كل مكان.
    رئيس وزرائنا نابغة ما في ذلك شك، ورئيس وزرائنا متعب ما في ذلك شك. ولأحد هذين السببين أو لهما جميعاً استطاع رئيس وزرائنا أن يلائم بين الأضداد، ويجمع النقائض، ويعلن إلى مكاتب الأهرام أمس أن مركز الوزارة الصدقية لم يكن في وقت من الأوقات أقوى وأمتن مما هو الآن، ويعلن إلى مكاتب الأهرام في الوقت نفسه وفي الحديث نفسه أن أحوالاً وظروفاً خاصة قد تفضي إلى تعديل في الوزارة، إذ ليس ثمة وزارة يمكن أن تبقى في مركزها على الدوام.
    فالوزارة إذن قوية إلى غير حد، ومركزها متين إلى غير حد، ولكنها مع ذلك قد تعدل لأن بقاء الوزارات على الدوام في مركزها أمر لا سبيل إليه. كلام يفهمه المتعبون أو يفهمه النابغون. أما أنت فلست متعباً ولا نابغة ولست أنا أشد منك تعباً ولا أدنى منك إلى النبوغ، فلنا العذر كل العذر إذا لم نفهم هذا الكلام على وجهه، ولم ننتهِ منه إلى النتيجة التي أرادها صاحبه، وهل أراد صاحبه شيئاً؟ مثلي ومثلك من الذين أعفاهم الله من المرض والتعب إلى حين، ولم يتح لهم التفوق والنبوغ، إذا سمع مثل هذا الكلام هز رأسه ورفع كتفيه ومد شفتيه مغضباً لمخالفة أحكام العقل، أو قبض شفتيه باسماً للخروج عن أصول التفكير المستقيم، ثم غشيت وجهه سحابة رقيقة فيها ألم للمتعبين وإعجاب بالنابغين، لأن الوزارة القوية إلى غير حد، المتينة إلى غير حد، التي لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، لا يحتمل تعديلاً ولا تبديلاً، ولا تتعرض لتغيير أو تحوير، وإنما تفرضها قوتها على الناس والأيام والظروف فرضاً حتى يأتيها الضعف من بعض نواحيها. فإذا أتاها هذا الضعف لأن رئيسها مريض قد طال مرضه، أو لأن سياستها قد أخفقت إخفاقاً معيباً، أو لأن صديقاً من أصدقائها الأعزاء قد اضطر إلى الرحلة منقولاً أو معزولاً، فهي حينئذ محتاجة، لا إلى ما يسميه الناس التعديل، بل إلى ما يسمونه التغيير، لا إلى ما يسميه الناس تبديلاً في بعض الأشخاص، بل إلى ما يسمونه استقالة، وقيام وزارة أخرى مقامها. وكل شيء يدل عندك وعند الموظفون وعند أمثالنا من الذين لا يزال الله يحفظ عليهم شيئاً من الصحة ويحرمهم نصيباً من النبوغ، على أن وزارتنا في موقف من هذه المواقف الذي يجعل التغيير والاستقالة أمراً لا بد منه، وحتماً لا منصرف عنه؛ فرئيس وزرائنا قد طال عليه المرض وهو قد برئ منه الآن ولكن ليستريح، لا ليستأنف النشاط السياسي فوراً.
    وسياسة وزارتنا قد أخفقت إخفاقاً معيباً، فلا هي كسبت خصومها بحسن السياسة، أو بالإغراء، ولا هي قهرت خصومها بسعة الحيلة أو بالإسراف في البطش وألوان العنف، وإنما هي اليوم كشأنها يوم قامت منذ أكثر من ثلاثة أعوام أمام شعب قوي حازم، لا يعبث الآن كما لم يكن يعبث من قبل في مطالبته بالحق وإلحاحه فيه وحرصه على أن يحكم كما يريد هو، لا كما يريد غيره مهما يكن من الناس.
    نعم، وأخفقت الوزارة في غير ذلك مما عرضت له من الشؤون، فالأزمة تشتد وتشتد حتى تكاد تضطر الشعب كله إلى الجوع. والأمن يختل حتى يكاد يضطر الشعب كله إلى الاستخفاء إذا كان الليل. والأجنبي يطغى حتى يعبث فريق من المبشرين في غير حرج ولا جناح بأبناء الشعب وبناته، وحتى تتألب أوروبا علينا الآن لتكرهنا على أن نؤدي فوائد الدين ذهباً، لا ورقاً، مع أنها تخلصت هي من عبء الذهب، ومن دولها من تخلص من عبء الدين كله أو بعضه، وحتى أصبحنا غرباء في بلادنا، تعبث بنا الشركات كما تريد، وتضطر عمالنا إلى الجوع والسؤال. والوزارة تنظر إلى ذلك باسمة مطمئنة، والقوانين تشرع ثم لا تحترم، بل يتجاوز الوزراء أنفسهم حرمات هذه القوانين. والموظفون يشهدون من ألوان المحاباة والإيثار ما يفسد عليهم كل شيء وينزع من قلبها الثقة والأمل، ويبث بينهم العداوة والبغضاء. وكل شيء في مصر قد فسد حتى بلغ من الفساد أقصاه أو كاد يبلغه حتى لو قال قائل إن هذه الوزارة إنما قامت لتحليل الشعب وإظهار ما فيه من مواضع الضعف وتعريضه لكل ألوان الشر لما أخطأ ولا جار عن قصد السبيل. ولم تأخذ مصر لهذا الشر العظيم والخسران المبين ثمناً قليلاً أو كثيراً، فما زال الإنجليز كما كانوا، لم يفاوضوا ولم يعاهدوا، ولا أظهروا رغبة في المفاوضة أو المعاهدة. وإنما غلوا في التسلط على مصر سراً وجهراً، فحققوا ما أرادوا من المأرب وردوا مصر إلى مكان البقرة الحلوب من الشره والنهم الذي لا يروى مهما شرب، ولا يشبع مهما أكل، ولا بد له من أن يحلب ويحلب، ومن أن يمرى ويمرى حتى يخرج إليه لبن البقرة مشوباً بالدم.
    أفتظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا اليوم من القوة والمتانة بحيث لم تكن في يوم من الأيام؟ أم تظن أن هذه الحال هي التي جعلت وزارة صدقي باشا معرضة للتغيير، لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام لا سبيل إليه؟
    كلا الأمرين قاله رئيس الوزراء، وكلا الأمرين يؤمن به رئيس الوزراء فهو يرى أن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وهو يرى أن وزارته قد يصيبها التعديل. وأكبر الظن أنه لا يريد أن يجيب على سؤال لم يكن بد من أن يجيب عليه. ويقول كلاماً لم يكن بد من أن يقوله. فأما الحق الذي لا شك فيه فهو أن الأمر قد خرج من يد صدقي باشا، لأنها لم تبق قادرة على ضبطه وتصريفه.
    وأظرف من هذا التناقض ما يقوله رئيس الوزراء من أن وزارته مستمتعة بثقة البرلمان. هي إذن قوية إلى غير حد، متينة إلى غير حد. فأما ثقة البرلمان فسيستمتع بها صدق باشا ما أقام في الحكم. وأما ثقة جلالة الملك فقد نحب أن نعلم كيف يجمع رئيس الوزراء بين استمتاعه بها وبين إعلانه أن وزارته قد يصيبها التعديل، لأن بقاء الوزارة في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    وكم نحب لصدقي باشا وزملائه وأنصاره أن يقتصدوا في ذكر جلالة الملك وثقته بهم وعطفه عليهم، فنحن نعلم حق العلم أن الشعب المصري نفسه مستمتع بحب جلالة الملك له، وعطف جلالة الملك عليه، وإيثار جلالة الملك لمنافعه على الوزراء وبقائهم في مناصب الحكم. فخير الوزراء أن يرفعوا ثقة جلالة الملك عن هذه الأحاديث السياسية التي هي بطبعها موضوع للمناقشة والجدل.
    وظريف من رئيس الوزراء تأكيده أن تغيير المندوب السامي لن يغير السياسة الإنجليزية. هذا ظريف لأن رئيس الوزراء يسلك في هذا التأكيد مسلك زميله الذي خطب في حزب الشعب منذ أيام فأعلن أن المندوب السامي لم ينقل لأسباب سياسية، وإنما نقل لعامل شخصي محض. وهذا رئيس وزرائنا يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق تأكيد بأن سياسة وزارة الخارجية البريطانية لم تتغير. فسياسة وزارة الخارجية البريطانية هي هذه الدائرة التي تدور فيها منذ الثورة. وهذه الدائرة ما زالت قائمة لم تنفرج بعد، وما تزال وزارة الخارجية البريطانية تدور فيها. فإذا كانت هذه السياسة ثابتة باقية فإن ثباتها لا يستلزم بقاء الوزارة القائمة، ولعله يستلزم ذهابها كما استلزم ذهاب المندوب السامي، لأن وزارة الخارجية تدور، وقد قطعت من دائرتها مكان صدقي باشا والسير برسي لورين. فإذا كان رئيس الوزراء يظن أن ما لديه من التأكيدات يخدع أحداً، فهو مخطئ، فإن هذه التأكيدات لا تخدع إلا الذين يتعلقون بأهداب الوهم. ورئيس الوزراء نفسه غير مخدوع بهذه التأكيدات فهو يعلن أن وزارته القوية المتينة قد يصيبها التعديل لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
    ما أجدر رئيس الوزراء وأصحابه أن يأخذوا بحظهم من الشجاعة وأن يؤمنوا للحق الواقع ويعترفوا به؛ فقد أخفقت سياستهم وسياسة المندوب ولا بد من تغييرهم كما تغير المندوب. والأيام حازمة صارمة، لا تعرف ضعفاً ولا تردداً، ولا تعرف رحمة ولا إشفاقاً. وهي ممضية حكمها فيهم كما أمضته في المندوب، لا يعنيها أن يرضوا بذلك أو يسخطوا عليه. فليطمئن رئيس الوزراء فإن الأيام مطمئنة أيضاً.
    كوكب الشرق في ٣٠ – ٨ – ١٩٣٣.


    حديث
    ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس ، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس . فلما قرأناه أنكرناه ، وترددنا بين اثنتين : إحداهما أن يكون محدث رئيس الوزراء لم يحسن الفهم عنه ، ولم يوفق في تصوير ما سمع منه . والأخرى أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول . وآثرنا على كل حال أن ندع هذا الحديث يوما أو بعض يوم ، لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه ، ولعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرأوه فيصلحوه . ولم نشأ أن نشتط على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها أو لعله قالها وهو مريض .
    ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث ، ولم تتناوله بالشرح والتعليق ، أو قل إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث ، مغتبطة ببعض ما جاء فيه ، ترى فيه بشيرا بطول البقاء وفألا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز ، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث ، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأفحمت ، فهي لا تدري ماذا تقول .
    ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء ، فلم نكن نقدر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد ، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام ويلتمس عنده النجاة والحياة . فليس في حديث صدقي باشا غناء ، وليس فيه جديد . وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئا ، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبا مكدودا ، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة «المورننج بوست» فيريح نفسه حقا ، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة ؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك ولا تتيح له القدرة عليه . وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيزعم لمحدثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية ؟
    بلا فائدة لمن ؟ للمصريين ؟ فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية ؟ متى استفاد المقيد من القيد ؟ ومتى استفاد صاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل ؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال ؟
    للأجانب ؟ فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية ؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم ، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم ؟
    ليس كلاما إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء ، لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية ، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود ، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم . ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ، ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا ، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف ، فأصدرت بلاغا يصلحه أو ينفيه . وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — نستغفر الله — بل أعظم الساسة حظا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها ، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات ، ولكنها تفضل إلغاءها شيئا فشيئا ، وقليلا قليلا ، ومرحلة مرحلة ؟ ومتى كان من السياسة والكياسة ، ومن البراعة والمهارة ، أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق لا شك فيه ؟ وباسم من يتحدث رئيس الوزراء هذا الكلام ؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئا فشيئا وقليلا قليلا ؟ أم هو يزعم أنه الأمة ، وأنه متى رأى رأيا فهو رأي الأمة ، حتى وإن كان هذا الرأي مريضا ؟ وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحل ما بينها وبيننا من المسائل المعلقة ، ثم نطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات ؟ أكلام رجل يشعر حقا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام : ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها ؟ ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل ؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية ؟ أم مجاملة منا للإنجليز ؟ أم استكبار من الإنجليز علينا وازدراء من الإنجليز لنا ؟ فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضا الإنجليز ، وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا وما أيسر أمرنا على أنفسنا . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ، وليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول ، ولو أنه يستطيع حقا أن يزن ما يقول ، لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز . ومن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير ويملأ قلوبهم رعبا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات . ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقا ، لأنه لا يلائم العزة ولا الكرامة ولا المنفعة السياسية ، ولأنه يلقي في روع الأجانب أننا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز ، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة ، وإن شئت فقل رشوة ، لنتمكن من إلغاء الامتيازات . ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرساي ليستريح لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها ، فهو أشد تعبا من أن يوفق إلى الصواب في هذه الأحاديث .
    وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة ، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز ، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارا قاطعا ، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضا . وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملر ، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق ، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير . ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخا كما يقول العامة ، أو أن وراء الأكمة ما وراءها كما كان يقول القدماء . ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل ، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به ، لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك . العفو ! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله ، والغلو في استغلاله . كلا ، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذب تسعة أعشارها ، وعشرها معلق بيد القضاء .
    وأظرف ما في هذا الحديث الظريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر . أعترف بأني أحاول أن أجد معنى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء ، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرأوه فضحكوا منه وهزوا له الرؤوس والأكتاف .
    ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدا ، ولم يصنع شيئا ، ولم يظهر قوة ولا حزما ، وإنما أظهر ضعفا وخوفا واستعطافا ، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز لأنهم يرون رأي مصر ، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقا لا ذهبا . هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه وأشفقنا على صاحبه من أن تتناوله بالشرح والتعليق .
    هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرت من شرحه وتفسيره لأن فيه ذكرا للمفاوضات ودليلا على طول البقاء . أجهلت صحيفة الوزارة في هذا السخف ، أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة ، ومن أنباء لا تصور الحق ، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء ؟
    زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبا ، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل . ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب ؛ يصدقها الناس جميعا ، ويؤمن بها الناس جميعا ، ويخالفها الناس جميعا . فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف أمرها ، لأنه متعب مكدود . وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت أمرها ، لأنها غريقة تلتمس النجاة .
    كوكب الشرق ٢ – ٦ – ١٩٣٣

    صورة …
    لن أبيح لنفسي أن أتعمق الأحداث الطارئة في مصر وبيني وبين الوطن بر شاسع وبحر عريض وإنما أصور ما تأثرت به في هذا المكان البعيد حين جعلت أنباء هذه الأحداث ترقى إلى من السهل أو يحملها إلى البرق والأثير. فقد كان هذا التأثر أول الأمر تأثر القلق والإشفاق حين ألقى إلى التليفون من باريس الأنباء الأولى لحركة الجيش، وما هي إلا ساعات حتى استحال هذا القلق والإشفاق إلى شيء من الطمأنينة فيه ميل شديد إلى الاستطلاع والعلم بحقائق الأشياء فقد حمل إلى التليفون من روما أن قائد الجيش لم يتول الحكم ولم يصطنع العنف وإنما طلب أن تكون أمور الحكم إلى رجل ثقة يطمئن المصريون إليه على اختلاف ميولهم وأهوائهم . ولم يكد يبلغني اسم هذا الرجل الذى أسندت إليه شئون الوزارة من الغد حتى أحسست الرضى وجعلت أحس شيئا من التفاؤل يمازجه شيء من الإشفاق أن تفلت الأمور من أيدى المشرفين عليها وأن تفسد بعد أن همت بالصلاح . وجعلت الأخبار يتلو بعضها بعضا بالبرق والتليفون من روما وباريس ومن طريق الصحف والراديو.
    وما هي إلا أن تثوب إلى الثقة ويعود إلى الأمل وأحس أن مصر قد وجدت نفسها ولم يخطئها التوفيق ولم تحد عن قصد السبيل وإنما ملكت أمرها وضبطت نفسها ومضت في طريقها إلى الإصلاح ثابتة رزينة لم تسرف على نفسها وعلى غيرها في شيء.
    ثم أصبح ذات يوم فاقرأ في الصحف أن الكتاب قد بلغ أجله وأن سلطاناً قد انقضى عهده وأن سلطانا جديدا قد أخذ يستقبل الحياة . هل أستطيع أن أصور ما ثار في نفسى من العواطف وما دار في عقلي من الخواطر وما خفق به قلبي من الشعور. لقد ذكرت عهدا مضى كان رئيس الوزارة القائمة فيه ناهضا بأعباء الحكم حين زال سلطان وجعل سلطان جديد يستقبل الحياة . هنالك نهض على ماهر بالعبء كأحسن ما ينهض الرجل الثقة الجلد بالعبء الفادح الثقيل ، لم يخرج عن طوره ولم تخرج مصر عن طورها وإنما مضى الأمر في طريق مستقيمة حتى أقر البرلمان ما أقر وأجريت الانتخابات حرة كريمة هادئة مطمئنة وانتهت إلى نتائج لم ينكرها أحد من المصريين وإنما قبلها الناس جميعاً راضين بها مؤمنين لها وخرجت مصر من ذلك المأزق دون أن تلقى كيدا في ذلك العهد لم يكن الجيش في حاجة إلى أن يتدخل في أمر من الأمور فظل في مكانه مؤديا لواجبه منصرفا إليه عن كل شيء . أما في هذه المرة فالجيش هو الذى أثار هذه الأحداث، لم يثرها عن طمع ولا عن طموح ولا عن رغبة في منفعة أو رهبة من مضرة وإنما أثارها لأن المدنيين كانوا قد وصلوا من العجز عن تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إلى حيث لم يكن بدمن أن يقوم العسكريون مكانهم بما حيل بينهم وبين القيام به.
    والله عز وجل يقول < ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»
    فقد كان الجيش هذه الأمة التي دعت إلى الخير وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وسارعت في الخيرات وأيدت هذا كله بالقوة التي خلقت لتنصر الحق ولم تخلق لتنصر الباطل عليه . وقد أمرنا إذا رأينا منكرا أن نغيره بأيدينا فحيل بين المدنيين منا وبين تغيير المنكر بالأيدي وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا أن نغيره بألسنتنا فحيل بين الألسنة وبين القول وحيل بين الأقلام وبين الكتاب وأمرنا إن لم نستطع أن نغير المنكر بأيدينا ولا بألسنتنا أن نغيره بقلوبنا وقيل لنا أن هذا أضعف الإيمان وقد ألجئنا إلى ضعف الإيمان إلجاء واضطررنا إليه اضطرارا فجعلنا نغير المنكر بقلوبنا نستعين الله عليه ونرجو أن يقيض له من أولى البأس والقوة قوما لا يخافون في الحق لومة لائم، يستطيعون أن يقولوا وأن يفعلوا وأن يعدوا وأن يوفوا . ولقد كنا ننكر بقلوبنا وننكر بألسنتنا حين يلقى بعضنا بعضا ثم لا نستطيع أن نتجاوز ذلك إلى الجهر بالدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
    ولقد كنا نفكر فنحاسب أنفسنا على ما نفكر ونكتب فندير الجملة أو الكلمة في رؤوسنا قبل أن نلقيها إلى القلم ليخطها على القرطاس وكنا نرسل المقالة إلى الصحيفة ونحن نقدر أنها لن تنشر لأن الرقيب كان لها بالمرصاد فإذا نشرت منقوصة أو كاملة جعلنا ننتظر أعقابها ونسأل أنفسنا أتمضى بسلام أم تدفعنا إلى سجن من هذه السجون وإلى معتقل من هذه المعتقلات أو تفسد علينا بعض أمورنا الخاصة أو تحد من حريتنا في الحركة والانتقال ، وأشهد لقد أحسست كأن ثقلا ثقيلا قد وضع عن عاتقي حين تحركت بي السفينة خارجة من مصر وأشهد لقد تنفست ملء رئتي حين أحسست أن يد السلطان قد قصرت دوني أثناء أجازة الصيف التي أقضيها بعيدا عن مصر . وجعلت أحاسب نفسى حين أكتب لا مخافة السجن أو المعتقل ولكن مخافة الحذف والبتر والتغيير والتبديل والإساءة إلى الصحيفة التي تنشر ما أرسله إلهيا من فصول .
    وقد وصلت إلى إيطاليا ووصلت إلى فرنسا بعد ذلك ولقيت الناس في روما وباريس وفى غير روما وباريس وأقسم ما أحسست الخجل قط كما أحسسته في هذه الرحلة قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة فقد كان الناس يتحدثون إلى متحفظين يكرهون أن يؤذوني في ذات وطني يقولون لي قليلا ويضمرون في أنفسهم كثيرا وأحس منهم ذلك فاستحى وامعن في الحياة حتى يضطرب قلبي ويضطرب لساني قبل أن يتكلم وحتى أجد لذعا ممضا كأنما كنت أجلس معهم على جمر الغضى . كانوا يعرفون من سيئات الحكم في مصر مثل ما كنت أعرف ، كانوا يعرفون أن مصر قد فقدت حريتها وأن أبنائها يعيشون في ظل الخوف والهلع وأن حاكمها العسكري يستطيع أن يسوم أبنائها ما يشاء من الخسف دون أن يخشى بأسا أو لوما أو رقيبا وأن أحكام القضاء فيها تصدر فلا تنفذ ولا يحفل بها السلطان وأن الحاكم العسكري قد حاول أن يحجر على القضاء ويمنعه من النظر في بعض المظالم إن رفعت إليه . كانوا يعلمون هذا كله ويتجنبون التحدث إلى فيه إلا بالإشارة والتلميح . وكنت أتحفظ في إجابتي كما كانوا يتحفظون في أحاديثهم ، كانوا يستحون منى رفقا بي ، وكنت استحى منهم استخذاء مما صارت إليه الأمور في وطننا .
    أما قراءة الصحف فكانت عذابا أي عذاب وما أكثر ما كانت الصحف تقول عن مصر وما أكثر ما كانت تعيبها بالحق قليلا وبالباطل كثيرا حتى نغصت على الحياة في أوروبا كما كانت منغصة في مصر . ولم أشعر بشيء من الراحة المرة إلا حين أويت إلى هذه القرية البعيدة التي لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني فيها أحد والتي لا أكاد أتحدث فيها إلا إلى الأهل والرفاق. في هذه القرية كظمت غيظي وجعلت أجيله بيني وبين نفسى مصبحا وممسيا . أقرأ قليلا في الصحف وأقرأ كثيرا في الكتب أفر إلى القدماء من المحدثين واحتمى بالتاريخ من حياتنا الحاضرة .
    ثم تصل إلى الأنباء بأن الأمور قد أخذت تتغير في مصر فأتردد بين الشك واليقين فما أكثر ما تغيرت الأمور في مصر منذ أول هذ العام دون أن يؤدى هذا إلى خير .
    تتابع الأنباء وإذا ظلمة الشك تنجلي وإذا نور اليقين يغمرني من جميع أقطاري وإذا أنا أحس أن كرامة مصر قد ردت إليها وأن غمرة الطغيان قد انجلت عنها وأنها قد أخذت تستأنف طريقها في ضوء مشرق من الثقة والأمل لا تخشى أن يمكر بها الماكرون أو يكيد لها الكائدون لأن الجيش قد أمنها على حياتها الداخلية ومن ذا يستطيع أن ينكر أن الجيش إذا كان من الحق عليه أن يؤمن الوطن من العدو الخارجي فإن من الحق عليه كذلك أن يؤمنها من العدو الداخلي ذلك أن فساد الأمر في داخل الحدود يعرض الجيش نفسه لخطر أي خطر وقد ذاق الجيش مرارة هذا فصابر وصابر حتى أصبح الصبر جبنا وإقامة على الذل . هنالك أقبل الجيش فقال للمواطنين لا بأس عليكم ما دمت معكم أحميكم ممن يريد بكم السوء سواء جاء منه خارج الحدود أو من داخلها .
    بارك الله للجيش فيما فعل ، وبارك الله للجيش فيما يفعل، ، وبارك لمصر في الجيش ووقى مصر كيد الكائدين ومكر الماكرين وخيانة الخائنين ، ووقاها مشيري السوء الذين يفكرون في أنفسهم قبل أن يفكروا في الوطن والذين يتخذون الوطن وسيلة إلى إرضاء شهواتهم وشفاء ما في نفوسهم من غل وجشع وحقد.
    لقد ثابت مصر إلي نفسها في هذه الأيام الأخيرة فعسى، ألا تفقد مصر نفسها مرة ثانية ، إن الآمال أمامها لواسعة وإن الطريق لواضحة وإن وسائل الإصلاح فيها لمكفولة فهل هي سالكة طريقها الواضحة المستقيمة إلى آمالها الواسعة الكريمة وهل هي آخذة أمورها كلها بالحزم والجد والعدل والإنصاف لتحقق في مستقبل أيامها القريبة مجدا يلائم أيامها البعيدة .
    بهذا كله تتحدث نفوسنا وتخفق قلوبنا فاللهم اسمع واللهم استجب .
    طه حسين
    الأهرام ، ٢\٨\١٩٥٢

  • صور لشخصيات عامة ولأصدقاء | Portraits of Public Figures and Friends

    عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.

    Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.

    عدلي . . .
    يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف ، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير . ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم الى استبقائها ومد أسبابها . فهم كانوا اذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا ، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة ، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذى أصابهم ، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره ، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون الى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل ، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة .ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا الى الألم متنوعة ، ووسائل الى الحزن متباينة ، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت ، حتى اذا عملت الأيام عملها ، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى ، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا ، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد ، لتقاوم الظروف ، وتمانع النسيان وتستبقى شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي انفسها فيه .
    كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما ، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت . وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت ، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها . فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين . وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها ، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما . كثرت عليهم الأحداث والخطوب ، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن . وعجزت أعصابهم عن المقاومة ، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها لحوادث ، وتتقاذفها الكوارث ، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة ، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة ، حتى تشب وتقفز مسرعة ، خفيفة ، عنيفة ، تبتغى حادثة أخرى وكارثة أخرى ، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى .
    وهذا وحده هو الذى يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذى ألم بهم حين نعت اليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله ، فقد وقعت هذه الأناء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم ، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام . أفاقوا وجزعوا ، واشتد عليهم الجزع ، حتى كاد يشبه اليأس ، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه ، وإنما صرفوا عنه صرفا ، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها . وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار اذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه ، ولا يستقبلون الليل اذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده ، يصبحون وهم يجهلون الى أين يدفعهم النهار المضيء ، ويمسون وهم يجهلون الى أين يذهب بهم الليل المظلم .
    كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم ؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل الى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها ، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج ، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها ، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها ، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب ، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب ، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس ، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع الى الحرج ، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم ، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه ، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه ، لم يعبر جثمانه البحر بعد الى وطنه ليواري في ترابه ، ويدفن في ثراه المقدس .
    هم معذورون . وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا ، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه . ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون ، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال . والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له . أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان . وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل . ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس ؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية ، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب ، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم . كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله ، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم ، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم ، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة : سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
    كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا ، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم ، ولا يدنو منها شيء إلا التهب . والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة الى أبعد الأماكن منها فتذكى فيها نارا ، وتثير في جوها أوارا ، وتخرج أهلها عن أطوارهم ، وتدفعهم الى حب الحياة بعد الموت ، والعزة بعد الذل ، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان .
    وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه ، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا ، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة .
    وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور .
    وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم ، الذي لا يقوم إلا على بصيرة ، ولا يقبل إلا على ثقة ، وبعد تفكير طويل ، وروية متصلة . ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء ٠ قلما تظفر بمثلها عند الزعماء . ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذى نعرفها به ، ولا طبعت بهذا الطابع الذى يميزها من غيرها من الثورات .
    كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية . وقد اختلفوا واختصموا ، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا ٠ ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية الى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث ، ويبقى على رغم الخطوب . ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا الى ما كانوا عليه من ائتلاف ، ويثوبوا الى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق ، فصفا بعضهم لبعض ، وسعى بعضهم الى بعض ، ورضى بعضهم عن بعض ، ورضيت الأمة عنهم جميعا . ورضى الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم الى جواره ، يسعى بعضهم في إثر بعض الى دار الخلود وقد أدى واجه ، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق . وكان سعد أسبقهم الى الخلود ، وكان عدلي آخرهم انتقالا الى دار الخلود . ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث ، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح ، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد ، ومضت على وفاتهم الأيام . ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد ، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه ، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه .
    وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا ، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها ، وحتى تدعوك كلها الى أن تحمده وتثني عليه . وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع ، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا . فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية ، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة . فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية : كان رضى الخلق ، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها ، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق الى الناس ولا تظهر نفسها لهم ، ولا تطمعهم في صاحبها ، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع ، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة ، ولونا من الكبرياء ، فيهابونه وينأون عنه . فإذا اتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه ، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء ، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال . ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية ، وقلبا طاهرا وفيا ، وضميرا كريما حيا . وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة ، وحديث عذب ولسان عفيف ، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو ، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه .
    والناحية الثانية مذهبه السياسي . فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال ، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق ، لم يكن يتهم في ذلك من أحد . وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة
    مع الإنجليز قد نؤدى الى الطفر بهذا الحق، وتنتهى بمصر الى ما تريد ٠ ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه الى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره ، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه ، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج . فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف ، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى . إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه ٠ كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين ، اكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف . وكان لا يحسن الحديث الى الشعب ، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ الى قلوب الشعب ، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من الهام الشعب
    واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد ، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها ٠ فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين : الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة . الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها ، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز ، بل تتجاوز هذا الى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور ، وتنظيم سلطة الشعب ، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة ؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات ، وبأنها ما دامت كذلك فبي التي يجب أن تضع الدستور وان تعلنه لا أن تتلقاه . ومن يدرى ؟ لو أن الظروف وأتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي المت بها فجرت عليها شرا كثيرا .
    ولست أدرى لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها . فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية ، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره . ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة ، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز ؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية ؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز ؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر ينها وبينهم خلاف : مهما يكن من شيء ، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا .
    الناحية الثالثة : وفاء هذ الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب ، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية ، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل الى الاستقلال ، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة ، وهي العماد الشرعي الوحيد الذى يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتى من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية ؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضى نفسه وضميره في السياسة، فتقدم الى أمته في الانتخابات : فلما قضت عليه اذعن لقضائها ورضى به ، لا يحمل لأمته غلا ، ولا يضمر لها حقدا ، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه الى غيره . ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذى صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم. وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم . ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الاباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة ، أو يؤيد وزارة ، أو بشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور ؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه الى الائتلاف مع سعد حين دعى إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف . وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية ، وكان اعتماده على الدستور ، وكان بقاؤه رهينا يقاء الدستور ؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور ، وكيف أسرع الى قبول الوزارة حين عرضت عليه
    ليرد الدستور . ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم ، وكيف أسرع الى الاحتجاج على هذا التغيير ، وكيف أسرع الى التعاون مع المؤتمر الوطني الذى أنكر ما حدث من تغيير ، وألح في أن ترد الأمور الى نصابها ، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني ، فأسرع عدلي الى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة . حياة الكرامة والنعيم . وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال . فاذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي الى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت ، وهى(البروفيدنس) ! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين ، فأرادت أن تلائم ينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
    طه حسين
    الرسالة – ١\١١\١٩٣٣

    عبد الخالق ثروت باشا (١٨٧٣ – ١٩٢٨)، سياسي مصري، رئيس وزراء مصر في عهد الملك فؤاد الأول. تولى رئاسة الوزراء لفترتين في ١٩٢٢، وفي ١٩٢٧. كان له دور فعال في الضغط على بريطانيا حتى تصدر تصريح ٢٨ فبراير١٩٢٢ الذي بموجبه أنهت الحماية البريطانية على مصر واعترفت بمصر دولة مستقلة ذات سيادة.

    Abdel Khalek Sarwat Pasha (1873–1928) was an Egyptian political figure. He served as the Prime Minister of Egypt in 1922 and again in 1927-28. He was instrumental in bringing Great Britain to issue its Unilateral Declaration of Egyptian Independence in February 1922, which ended the British Protectorate and recognized Egypt as an Independent Sovereign State.

    ثروت . . .
    انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعوًد بعد الاطمئنان الى انه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه
    وليس مصدر ذلك انه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقاً في السياسة . فقد اجتمعت له كل هذه الخلال وخلال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين الى حين وفي مختلف البيئات والأوطان ، ثم يمضى هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين
    وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم . ولكن الناس تعودوا الاطمئنان الى انهم قد مضوا الى حيث لا يعودون ولكن قليلا من هؤلاء زكوا في نفوس أصدقائهم آثارا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارا لا تزيدها الأيام إلا اضطراما ذاك لانهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع ينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها . من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت
    قاسم أمين وثروت باشا
    وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسماً واحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله اقرب الى الذكرى القوية منه الى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة
    نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لان قاسما كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبداً
    أما ثروت فان أصدقائه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه داما هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبداً
    ولئن كنت لم اعرف قاسماً إلا من طريق آثاره واحاديث اصدقاه فقد عرفت ثروت واتصلت به واستطيع أن اتحدت عنه لو أن الى هذا الحديث سيلا
    ***
    يقولون أن ثروت ظلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما انه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه . أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضا ، ولكن أي تاريخ ؟
    لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف ، وكيف السبيل الى ذلك وليس بين المصربين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل اثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرا عميقا بعيد المدى كثروت . نعم ليس بين المصربين في هذا العصر الحديث من اعطى امته الدستور ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من كسب لامته الاستقلال ، وليس بين المصربين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت . فهو الذي فعل هذا كله . وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهوداً وتجشم إليه أهوالا واتصل في سبياه بأصحاب السلطان هنا وهناك ، وكان ينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يعرف منها شيء ولن يعرف منها شي، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده
    لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة ،فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء . ولم تنته تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة :فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولاً شطراً طويلاً من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن
    رحم الله ثروت ورحم الله قاسما إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال : إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي انفق حياته السياسية عاملا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل ! لم يتكلم حياً ولن يستطع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتا ، فهو بهذا اصدق مثال وأقواه لهذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم
    وهو كقاسم عمل حيا وأوذي في حياته
    وهو كقاسم يعمل ميتا دون أن ينصفه الأحياء
    ولكن قاسماً عمل ويعمل للمرأة . أما ثروت فعمل لمصر كلها . قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكلا لم يخطئ حين قدر إنه يحرر الشرق كله
    ثروت باشا صديقاً
    غير اني لم اكتب لأتحدث عن ثروت زعيماً إنما كتبت لأتحدث عنه صديقاً. ولعل خير حديث عن ثروت صديقاً إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملا نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس . ولعل اصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان . كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين ، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يفشون داره صباحا ومساء ما دام إليه الأمر حتى اذا اعتزل انكروه وجهلوا الطريق الى داره. وكان ممن حضر جماعة الحوا في الزراية على هؤلاء وتنقصهم واخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه الى أن يظهر رأيه ، فقال مبتسما : من اخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى
    فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس لها أو حكهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت لها وحكمك أنت عليها . فانت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلاناً يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة ، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نقسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية
    كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة . ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة . ولقد كان مزاجه رحمه الله صفواً كله . ولقد كان طبعه – رحمه الله نقاء كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها . فليس غريبا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام  وأحداثها سبيلا الى تكديرها أو النيل منها . ذلك لان صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد ينه وبين بعض الناس حتى تنتهي الى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كرمة خالصة . ويكفي أن ترجع الى احاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها لهؤلاء الخصوم فسترى ا نه بذكرهم دائما – ولاسيما الذين كان يختصهم المودة قبل الفتنة- بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك اشد التأثير
    ولقد اذكر اني كنت عنده ذات يوم فأنبأني إنه كتب الى سعد – رحمهما اللّٰه- كتابا يقترح فيه عليه الاحتكام الى جماعة من صفوة المصرين فيما شجر بينهما من خصومة . وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى اذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن اثني عليه بل قال : وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة الى لحظة . وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فاسرع إليه ثم عاد مبتسما وقال : تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف . ولبثت انتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد . فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب اسطراً حتى نهض واخذ يمشي في الحجرة ذاهباً جائياً لا يكاد بمسك عن الكلام إلا مضطراً . . . ولكني اشهد انه ما ظهر على ثروت – رحمه اللّٰه -غيظ ولا حفيظة ولا موجدة ، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفق الى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق … وتبينت يومئذٍ إنه كان لا يزال يحبه ويبر به
    وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له . كما انه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق الى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وتروت
    ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة . ومهما انس فلن انسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد رحمه اللّٰه – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله
    يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت ومخايله ولحظاته وعن تصوير هذا كله لما يضطرب في نفسه من العواطف والميول . أما أنا فاستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت واشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة . ومهما انس. فلن انسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢ . في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي ابلغ هذا الإثم الى ثروت في الإسكندرية بالتلفون . فلما وقع في سمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين … فسمعت منه آهة فيها كل شيء : فيها الحزن العميق . وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني : هل قبض على الآثمين ؟ قلت .لا . قال يكفي . وانصرف
    اني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلي لينقطع اسىً وان نفسي لتتفرق لوعة وان شطراً غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وان كثيرا من هذا الخير الذي أتمثله لمتصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت
    ***
    سمعت صوت ثروت لأول سرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد اقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قراراً لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة الى الصحف . وكان صوته حازما وكان صوته عذبا ، فأحببته وملت إليه . ولكني لم اتصل به. ومضت الأعوام وانا لا اعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة ، وكنت قد عدت من اوربا ، وكنت أتأهب لاستئناف السفر ، وكنت قد كتبت مقالا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ محمد المهدي وشكاني الى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة . واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا الى الجامعة فرآني الأستاذ احمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمني الى معالي ثروت باشا وزير الحقانية .فاخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب اليًَ فيها الرفق حين اكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد . ففهمت اني لم افصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفاً زادني بالرجل حبا ، وعرفت يعد ذلك بساعات قصار اني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة الى اوربا
    ومضت أيام البعثة كلها لم الق فيها ثروت ولم اسمع من أمره بشيء
    ثم عدت الى مصر فلقيته وخرجت من عنده اشد الناس حبا له وإعجابا به وشكرا لحسن لقائه
    وكان هو الذي قدمني الى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة . وما كان اشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني الى الجهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجد
    واختلف رحمه ﷲ الى درسي أياما يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى اذا كان آخر الدرس اقبل الي فصافحني في ظرف ودعة وعرفني بنفسه
    ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه اللّٰه اعطف أهل الجامعة علي وارفقهم بي وأشدهم إلحاحا علي في ألا اخلط ين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفاً لي عما أنا فيه من الدرس والجد
    وكانت لثروت – رحمه الله قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان اذا جادلك لم يليث أن يتسلط عليك ولاسيما حين يجادلك في امر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحاً مخلصاً تحس منه في غير شك انه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه . كنت اعرف منه هذا فكنت احبه وكنت أخشاه وكنت اذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه . اذكر اني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة لخلاف كان بيني وينه رحمه اللّٰه في مادة من مواد لائحة الجامعة . واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن استرد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى اليّ وهمس في أذني : لا اطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما اطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت فانا : اخشى أن نتكلم قال: فانا آبى أن تستقيل. قلت : إن كان الأمر على هذا النحو فانا مذعن لما تريد. قال . أنا لا احب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن . افتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث ؟
    ثروت « والشعر الجاهلي»
    رحم اللّٰه ثروت …كانت الخصومة ينه وبيني في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل . وكان – رحمه اللّٰه – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة ( ولم يكن فيها ) بشيء من الحق ، وان يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة .وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر « الجاهلي » وارجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم . واقبل علي بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت انه كان يأسف اشد الأسف لأنه لم يكن يقدر اني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة
    زرته بعد ذلك ، فلقيني ضاحكاً ثم وضع يده على كتفي وقال : إن حرية الرأي اكرم من إن يعبث بها العابثون مهما يكونون ، وثق بان أول اثر لما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا . ولكني اطلب إليك أن تثبت للعاصفة والا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف . فانت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات
    ولولا نصيحة روت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر
    رحم اللّٰه ثروت . لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدا وما لن استطيع أن أتحدث عنه الآن . ولكني اذكر يوم ظهر تقرير النيابة في امر هذا الكتاب فاستقلت . وطلب هو الى وزر المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت . فطلب الى مدير الجامعة أن يطلب الي أن ازوره . فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسما وما هي إلا دقائق حتى اقنعني بان استقالتي خطأ . ولكنه كان اظرف واكرم من أن يطلب الي استردادها فأمر بالإعراض عنها . طلبت إليه ذلك اليوم أن ادع الجامعة وأن انتقل الى عمل آخر اذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة . فقال : قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك علىَّ أن أجيبك إليه ، ولكن للجامعة علي حقا آخر
    . كيف تتريد أن تقاوم رجلا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة ؟
    ثم مضت اشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في اثرها أن ا نقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت . وكلفت أن ازور رئيس الوزراء ،وكنت مصراً، وكنت اعلم اني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت إن أجيب دعوته . وانكر عليَّ الناس جميعا هذا الإباء ولكني طلبت الى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء اني لن أراه ما دام إليه الأمر ، فاذا ترك الحكم فسيراني . فسكت وسكت . وانتهى كل شيء واستقالت وزارته . وذهبت إليه أزوره . وكنت اقدر اني سأجد منه عتبا ولوما . ولكني لم اجد منه إلا ظرفاً وعطفاً ، ولم الق منه إلا هذه البشاشة التي اعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعا وخصومه جميعا والذين لا يحفظون له ودا ولا يضمرون عليه حقداً . لقيته ذلك اليوم واطلت المجلس عنده ، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة . وانصرفت من عنده وانا اقدر اني سأراه بعد قليل … ولكني لم اره منذ ذلك اليوم  ولن أراه
    ***
    لم أتحدث إليك مما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء المكن في اكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة ، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لان الرجل كان وفيا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطوراً على المودة والوفاء فيها
    وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف علي ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
    ماذا كنت أكون من ثروت رجلا كغيري من الناس ؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من اخلص فلنفسه . وقد احسّ ثروت مني إخلاصا في حبه ، وما أرى إلا انه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف علي ورفق بي واخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى حملني على أن احبه فأحببته ولم اقف ولن اقف في حبه عند حد
    وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكّرته اني حين عدت من اوربا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي . ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب الى الحب . واذكر انه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه اللّٰه فقال : لو عرفتهم لأحببتهم حبا لا يقل عن إعجابك بهم ٠ وقد عرفتهم فأحببتهم . ولكني عرفت ثروت معرفة لم اعرفها أحدا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبا لا حد له كما قلت :
    رحم اللّٰه ثروت… كيف استطيع أن أنساه أو أن اقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يوما ما وانا لا أكاد اذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من اوربا إلا ذكرت ثروت واثره فيها . لقد كنت اركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء . ولقد كنت اجد منه في هذا كله عطفا لا يشبهه عطف . وودا لا يشبهه ود . ولقد كان يزيد من اثر هذا الود والعطف في نفسي ماكنت اشعر به من ا نه كان عطفا خالصاً وودا لا تشوبه شائبة . ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث ، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به
    إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفاً . ولكني اعتقد أن ثروت كان اعظم هؤلاء الزعماء جيعا حظاً من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته واكثر ما تظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة
    نعم . إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع الى التصفيق والصياح . ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية . واقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خير في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه لما تردد ، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه
    رحم اللّٰه  ثروت . لقد انقطعت يننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين ، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان الى انه قد مات وما أرى إنا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينالها ضعف أو خمود وان الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة ، وان ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء
    رحم اللّٰه ثروت . لثن كان رهين قبر في الصحراء فان شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدا
    هليوبوليس
    طه حسين
    المقتطف – ١ ديسمبر ١٩٢٨


    عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.

    Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.

    فقيد
    كان جريئًا لا يعرف الخوف، صبورًا يستعذب الألم، وكان مفطورًا على حب التضحية واحتمال الأذى. لا يعرف الناس عنه أنه أذعن لجور، أو أشفق من بطش، أو تردد في أداء واجب. وكان وفيًّا لأصدقائه، لا يفهم الحياة بغير الوفاء، ولا يقدر الرجولة بغير وفاء، ولا يضن بالنفس في سبيل الوفاء. وكانت كل هذه الخصال سجية فيه، لا يتكلفها، ولا يأخذ نفسه بها أخذًا، وإنما تصدر عن نفس آثارها طبيعية حرة كما يصدر الضوء عن الشمس.

    فكان لهذا كله مثلًا من أصدق الأمثال وأرقاها لحياة الرجل الكامل في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن واشتدت فيه المحن، وابتليت فيه أخلاق الناس، وظهرت فيه الحاجة إلى الرجال الذين يستحقون هذا الاسم.

    لم يكد يعمل في الحياة العامة حتى ظهرت فيه هذه الخصال كأوضح ما يمكن أن تظهر الخصال فعرفها الناس له وأحبوها فيه ولقبوه «النائب الجريء»، وكأنه قد عرف لشعور الناس هذا حقه، وأنزل ثقة الناس فيه منزلتها فوضع شجاعته وجرأته، ووضع احتماله وصبره وحبه للتضحية وحرصه على الوفاء موضع الامتحان.

    توالى عليه الابتلاء، وتعاقبت عليه الخطوب، وازدحمت عليه الأحداث، وأخذته الأهوال من كل مكان، وخرج منها منيعًا كما دخل فيها جريئًا صبورًا صادق العزم، حسن البلاء، وفيًّا للأصدقاء.

    لم يرعه النفي وآلامه، ولم يخفه البطش وأهواله، ولم يفتنه الإغراء ولم تخدعه الحياة بما فيها من ألوان الغرور، ولم يتردد في أن يستقبل الموت من دون صديقه ورئيسه، ولم يتردد في أن يصبر لألوان البأس التي عجز كثير من الناس عن أن يصبر لها في هذه الأعوام الأخيرة.

    وكان فيما حدثني عنه المحدثون الصادقون يألم أشد الألم في أيامه الأخيرة، لا لأن المرض يؤذيه ويضنيه، بل لأن المرض يحول بينه وبين مشاركة أصدقائه وزملائه في احتمال أثقال الحياة والجهاد. وكان يشكو من ذلك قليلًا ويألم لذلك كثيرًا. وها هو ذا الآن قد قضى ولما يبلغ مع أصدقائه أقصى الطريق، ولما ينته مع أصدقائه إلى غايات الجهاد، ولما ير مع أصدقائه حرية مصر وقد ردت إلى مصر، واستقلال مصر وقد خلص لمصر.

    فهو أحد هؤلاء الذين يختارون لاحتمال أثقال المحن وآلامها واقتحام خطوبها وأهوالها، فيلقون من ذلك أشد ما يلقاه الناس ثم يصرعون ولما يحققوا الأمل ويسقطون في الميدان ولما يبلغوا الأمد. هؤلاء الأصفياء أحق الناس بالحب وأجدرهم بالبر، وأولاهم بالإكبار، لأنهم جاهدوا ولم يروا من الجهاد إلا آلامه، ولم يذوقوا من ثمرات الصبر شيئًا، ثم قضوا وفي نفوسهم حسرات لا لأنهم لم يجنوا ثمرة الكد والجد، بل لأن الموت يحول بينهم وبين المضي في الكد والجد.

    والشعوب تعرف لهؤلاء الناس حقهم وتفي لهم بما هم أهل له من الحب والإكبار والإعظام، كأنها تشعر شعورًا قويًا بما كان لهم من حق في أن يذوقوا لذة الفوز، ويجنوا ثمرة النصر، وبأن القضاء قد شط عليهم حين حال بينهم وبين ذلك، فهي تريد أن تقدم إليهم من حبها وإكبارها ومن إعظامها وإجلالها ما يعوضهم من ذلك بعض الشيء، أو قل إن الشعوب تشعر بما كان لهؤلاء العظماء من حق، وبقسوة القضاء عليهم حين حال بينهم وبين هذا الحق، وبأن هؤلاء العظماء الذين جاهدوا وصبروا، لا يبتغون جزاء ولا شكرًا، ولم يظفروا بجزاء ولا شكر، هم المثل العليا حقًا، والقدوة الصالحة حقًا، هم الذين ينبغي أن يتأثرهم الجادون، ويقتدي بهم العاملون، هم الذين يجب أن تتخذهم الأمم مرآة صافية لخير ما فيها من الخصال التي تعينها على الحياة وتمكنها من الرقي والعظمة وارتفاع الشأن. فهي لذلك تحبهم وتؤثرهم، وهي لذلك تجلهم وتكبرهم، وهي لذلك تواري أجسامهم في التراب، ولكنها تحفظ صورهم في القلوب وتجري ذكرهم على الألسنة وتحفظ لهم عهدًا لا كالعهود، وتضمن لهم أنها قد تنسى كل شيء، وقد تنسى كل إنسان ولكن النسيان لن يجد إليهم سبيلًا.

    لقد قضى فقيد اليوم ففارق أصدقاء أعزاء، ولحق بأصدقاء أعزاء، فنفسه محزونة لفراق أصدقائه في هذه الدار، كما أن نفوس أصدقائه محزونة لفراقه، نفسه سعيدة للقاء أصدقائه في تلك الدار كما أن نفوس أصدقائه سعيدة بلقائه. والشعب المصري كله يشاركه ويشارك أصدقاءه أولئك وهؤلاء في كل ما يجدون من غبطة وفي كل ما يشعرون به من رضا بقضاء الله وإذعان لحكم الله، وأمل في عدل الله وفي حسن جزائه للصادقين المخلصين.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء من قادة مصر وزعمائها الذين شقوا لها طريق المجد في هذا العصر الحديث، والذين شقوا لتسعد، وماتوا لتحيا، وألقوا في قلوب أبنائها أن الفرد لا قيمة له بغير الجماعة، وأن سعادة الأشخاص لغو إذا لم تكن مقترنة بسعادة الأمم وأن الوطنية الصادقة لا تعرف ضعفًا ولا مللًا، ولا هوادة ولا مساومة، وإنما هي قوة كلها ومضاء كلها، واستقامة كلها، وجد كلها وتضحية كلها.

    في ذمة الله هؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين أكرهوا العالم الحديث على أن يؤمن لمصر بأنها بلد حي خليق بأرقى ما تطمع إليه الشعوب من الحياة.

    نعم وعزاء لهؤلاء الأصفياء الأوفياء الذين يحتملون الآن آلام الحياة مضاعفة، ويصبرون الآن وحدهم على فقد الأصدقاء ومشقة الجهاد في سبيل هذا البلد الحزين.

    عزاء لهؤلاء الأصفياء الذين شاركوا إخوانهم الراحلين فيما احتملوا من ألم وما لقوا من ضر، وكانوا يجدون في مودتهم وحبهم، وفي إخلاصهم ووفائهم عونًا على الشدة وعزاء عن المكروه فأصبحوا الآن لا يجدون هذا العون إلا في الذكرى ولا يجدون هذا العزاء إلا في الصور الكريمة التي تملأ قلوبهم ونفوسهم من ثقة بالله وإيمان بالوطن. نعم وعزاء لمصر عمن فقدت من الزعماء والقادة بمن بقي من الزعماء والقادة، فإن زعماء مصر وقادتها سواء منهم من مضى ومن أقام لا يمثلون أشخاصًا وأفرادًا تعدو عليهم الأحداث وتعبث بهم الخطوب وإنما يمثلون فكرة هي أرقى وأصفى وأبقى من أن تعدو عليها الأحداث أو تعبث بها الخطوب. وهي فكرة العزة المصرية، والحرية المصرية والكرامة المصرية. ومادامت هذه الفكرة قد وجدت في مصر ونمت وسيطرت على قلوب المصريين جميعًا، واستأثرت بنفوس المصريين جميعًا بفضل هؤلاء الزعماء الصادقين، من مضى ومن أقام، فلن تذعن مصر لبأس، ولن يجد اليأس إليها سبيلًا.

    إن في رئيس الوفد وأصدقائه الأصفياء الأوفياء لعزاء أحسن العزاء لمن فقدت مصر من قادتها وزعمائها. وإن في حب مصر الصادق، ووفاء مصر الدائم وولاء مصر المتصل لعزاء لرئيس الوفد وأصدقائه عن هذه المحن التي تتصل عليهم فلا تزيدهم إلا ثقة وإيمانًا ويقينًا. وإن في هذا كله لعزاء لأسرة الفقيد العظيم ونفس الراحل الكريم.

    فليمنح الله مصر أجمل الصبر وليوفق الله مصر إلى حسن الاقتداء بفقيدها العظيم وأصدقائه الذين سبقوه إلى دار الخلود.

    كوكب الشرق في ٢٤-٧-١٩٣٣

    عظيم
    كان حازمًا إذا قال أو فعل. كان عازمًا إذا همّ أو مضى. وكان أبيًّا إذا سيم الضيم، عصيًّا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أُريد على الهوان. جمع الله له قلبًا زكيًّا، وأنفًا حميًّا، وضميرًا نقيًّا، وخلقًا رضيًّا، ولسانًا صيرفيًّا صارمًا كحسام السيف ما مسّ شيئاً إلا قطع، ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عمّا رسم لنفسه من طريق. ثم رمى به الأحداث والخطوب فلم تثبت له، وإنما ولّت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار.
    وليست الخطوب التي تعترض عظماء الرجال شرًّا كلها، وليست الآلاء التي تتاح لعظماء الرجال خيرًا كلها. فهذه النعمة السابغة التي يتمّها الله على الرجل العظيم نوع من أنواع المحنة، وضرب من ضروب الفتنة، لأنه خليقة أن تغريه بالأشر والبطر، وتزيّن له الكسل والفتور. وهذه النقمة القاتمة التي يمتحن بها الله الرجل العظيم ضرب من ضروب التشجيع، ولون من ألوان التمحيص، خليقة أن تعوده احتمال المكروه والصبر للنوائب والتفوق في مصارعة الأحداث.
    وقد ابتُلي سعد بالنعم السابغة فلم تُفسد عليه من أمره شيئًا، وابتُلي سعد بالنقم الملحّة فلم تفلّ له حدًّا، ولم تُضعف له عزمًا، ولم تجعل لليأس إلى نفسه العظيمة سبيلًا.
    أجمع المصريون على حبّه وإكباره قبل الثورة لأنه كان زعيم صفوتهم وقائد خلاصتهم إلى مثلها الأعلى من الحرية والكرامة، ومن العزة والاستقلال. إليه أوى «قاسم أمين» حين كتب «تحرير المرأة» فتنكّر له الدهر وأهله، وبه لاذ «محمد عبده» وأصدقاؤه القليلون الذين كانوا يمثلون في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن آمال مصر ومثلها العليا في الحياة الكريمة الراقية.
    وأجمع المصريون على حبّه وإكباره إبان الثورة، لأنه كان يقود الشعب كله إلى هذا الأمل العزيز الذي كان مقصورًا قبل الحرب على الخلاصة والصفوة، ثم شاع بعد الحرب في الناس جميعًا.
    ثم اختلف المصريون فيه بعد الثورة، فسلمت له كثرتهم الضخمة وعددهم الرائع، ونهضت له جماعة منهم تقاومه وتخاصمه، وتحاوره وتساوره ما وسعتها المقاومة والمخاصمة، وما أطاقت المحاورة والمساورة. وأُغريت به أقوى أمم الأرض وأشدّها بأسًا وبطشًا، وأعظمها حولًا وطولًا، وأوسعها سلطانًا وملكًا. نفته ثم ردّته، ثم ضاقت به فأبعدته، ثم عجزت عن أمره فأطلقته. وظلّ هو طول حياته باسمًا للنعمة، باسمًا للنقمة، لا تدفعه تلك إلى أشر ولا بطر، ولا تضطره هذه إلى ضعف ولا وهن. وظلّ طول جهاده ثابتًا لخصومه من مواطنيه، ساخرًا بهذه الكوارث التي كان يسلطها عليه أعداؤه من الأجانب حتى أعيا أولئك وهؤلاء جميعًا.
    وإذا أولئك يقبلون عليه، ويضعون أيديهم في يده، ويؤمنون له بالزعامة والتقدمة، ويتعاونون معه على البرّ والخير والمعروف. وإذا هؤلاء يسعون إليه ويعترفون له بالسلطان على نفس الشعب المصري وقلبه، ويسجلون أن ليس لهم إلى إرضاء هذا الشعب من سبيل إلا أن يتفقوا مع هذا الرجل. وإذا هو يقضي الشطر الأخير من حياته العظيمة وقد سلّم له إجماع الشعب كله على حبّه وإكباره. لم يشذّ منه أحد ولم يندّ منه إنسان. وإذا هو قد قهر عدوًّا عنيفًا وخصمًا عنيدًا، كان لا يزال ثملًا بأعظم انتصار عرفه التاريخ في أعظم حرب عرفها التاريخ.
    ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، وتجزع لفقده مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم. ويأسى لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا.
    وكذلك ابتسم الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي ابتسام الدهر عظيمًا، وعبس الدهر لهذا الرجل العظيم فلقي عبوس الدهر عظيمًا. وكذلك عرف هذا الرجل كيف يكون كريمًا في المسالمة، كريمًا في المخاصمة، كريمًا في الجهاد، كريمًا في الهدنة. وكيف يذوق البغض كأشدّ ما يكون فلا يفسده البغض، وكيف يذوق الحب كأحسن ما يكون فلا يبطره الحب، وكيف ينصرف عن هذه الحياة وقد ملأ قلوب الأحياء، وكيف تمضي الأيام والشهور والأعوام على موته فلا تنقص من مكانه في القلوب، بل تزيده، ولا تضعف من سلطانه على النفوس، بل تقوّيه، ولا تغري بذكره النسيان، بل تذود عنه وتجعل شخصه مثلًا دائمًا أمام الشعب المصري، وأمام الشعوب الشرقية كلها، تلتمس عنده الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتتعلم من سيرته الصبر على المحن والفتن، والجدّ في الذود عن الوطن، والازدراء لكيد الأعداء والثبات لمكر الخصوم.
    إنما الرجل العظيم كتاب خالد، لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، وللشعوب جميعًا. يعرف الناس أوله ولكنهم لا يعرفون له آخرًا. لن يعرفوا آخر الكتاب إذ عرفوا موته، لأن هذا الموت لا يختم حياة العظماء. ولعله يبدأها أو يبدأ خير أجزائها وأعظمها غناء، لأنه يزيل منها العناصر الفانية ويبقي منها العناصر التي لا تقبل الفناء. فإذا عرف الناس أن سعدًا قد وُلد عام كذا، ومات عام كذا، فإنهم قد بدأوا كتاب سعد، ولكنهم لن يختموه إلا إذا كان للخلود ختام.
    فقد تختلف الخطوب على مصر والشرق، وقد تلمّ بهما الأحداث، وقد يصيبهما الخير والشر، ويتناوبهما البؤس والنعيم، ولكنهما سيذكران دائمًا أن هذا الرجل قد فتح لهما باب الحياة العزيزة الكريمة، وعلّمهما كيف يبتغيان لها الوسائل ويسلكان إليها الطرق ويصبران في سبيلها لما يفرض عليهما من تضحية وما يلمّ بهما من آلام.
    وستبحث مصر، وسيبحث الشرق عن عظمة سعد هذه من أين جاءته، وكيف أتيحت له، وسيجد أن في صبره الذي لم يكن يعرف ضيقًا بالحوادث ولا إشفاقًا منها، وفي مضائه الذي لم يكن يعرف وقوفًا عن السعي، ولا التواءً عن قصد السبيل، وفي حلمه الذي لم يكن يعرف بطشًا بالجاهل حين يقدر على البطش، وفي غضبه الذي لم يكن يعرف هوادة في الحق حين يأبى الحق الهوادة على طلابه، وفي لسانه الذي لم يكن يعرف وقوفًا ولا ترددًا حين يجب القول، وفي قلمه الذي لم يكن يعرف اضطرابًا حين يجب المضي، وفي عقله الذي لم يكن يعرف كللًا حين يجب التفكير، وفي فطنته التي لم تكن تعبأ بمشكلة ولا تفتر عن معضلة، ولا تعجز عن النفاذ إلى أعماق ما يعترضها من الأمور، وفي غير ذلك مما يعرفه الناس ومما لا يعرفونه. وأكبر الظن أن الناس لم يعرفوا من أمر هذا الرجل إلا أقله، لأن حياة العظماء لا يكشف عن أمرها للناس ولا تبدو أسرارها ودخائلها إلا حين يبعد بها العهد، وحين تتعرض غيرها من حياة الناس لعبث النسيان.
    ليذكر المصريون سعدًا اليوم، وليذكروه غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى سعد كما يحسنون بذلك إلى أنفسهم، فقد انتقل سعد إلى هذه الدار الخالدة التي لا يفيد العظماء فيها من ذكر الناس لهم شيئًا، وإنما يفيد الناس من ذكرهم العظماء، لأنهم لا يجدون من سيرتهم ما يعلّمهم الصبر حين يحتاجون إلى ازدراء الكوارث. وما أشدّ حاجة المصريين في كل يوم، وفي هذه الأيام خاصة، إلى أن يذكروا سعدًا ويطيلوا النظر في سيرته، ليعرفوا كيف يكون الصبر حين تلمّ الخطوب، وكيف يكون الجهاد حين يتألب العدو، وكيف يكون حسن البلاء حين يطالب الوطن أبناءه بأن يبذلوا ما يملكون من قوة وجهد، ومن مال وروح، ليحفظوا عليه عزته وكرامته وليبلغوا به ما يريد من حرية واستقلال.

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرًا لثلاثة من رفاقه في الأزهر، بينهم أخي. وكانوا جميعًا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي. وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة. وقد لقيت منه شابًا حارّ الصوت، صادق اللهجة، عذب الحديث، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة، معتدل النشاط، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادئ المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن. وكان جمّ الأدب، موفور التواضع، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل، يفرض عليه طبعه ذلك، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم، كأنه كان يلقي في نفوسهم وسمًا، وعلى ألسنتهم، فضلًا من وقاره وهدوء نفسه. فهم يتحدثون مثله في أناة، ويضحكون مثله في قصد، ويروون معه أحاديث الجد، وربما عبثوا شيئًا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر.

    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني. كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء، وكنت في أول عهدي بالدرس، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة. وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين. فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب.

    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء، وحسن التحصيل، والبراعة في مجادلة الشيوخ. وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم، ويمتازون فيه، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام، فكلاهما كان يرى حب العلم نادرًا في مصر، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب. وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المشتغلين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم.

    وكان لا يعرف محبًا لطلب العلم مخلصًا في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقرّبه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضًا. ومهما أنس فلن أنسى تلك الجماعة التي ألفها. من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر، ونظم لها اجتماعًا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع. وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضًا بخان الخليلي، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قرونًا طوالًا.

    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث. وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح.

    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي وسمته حياته كلها، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله. فقد عرفته محبًا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤثرهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق، وعرفته كذلك وفيًا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلمّ الأحداث وتدلهم الخطوب.

    كان وفيًا للشافعي، رحمه الله، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه، ويرى الوفاء له دينًا عليه. ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتًا غير قصير. وأثّر هذا الوفاء للشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيرًا شديدًا، وفتح له أبوابًا من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين. فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأيًا خصْبًا لم يستغله تلاميذه بعد، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين. فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة واستنباط الأحكام من النصوص، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعي من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها، بل جادلوا في أصول الدين أيضًا، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثمان ومن تابعوا عليًا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور، فجادلوا في العدل والتوحيد، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود. ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد.

    وكذلك جرّه الوفاء للشافعي، رحمه الله، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته.

    وكان وفيًا للذين عرفهم وحسنت الصلة بينه وبينهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالبًا للعلم الحديث، بعد أن أخذ بحظه من العلم القديم في مصر.

    عرف أستاذًا فرنسيًا شابًا في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر. والله يعلم ماذا فعل بعد عودته. وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث، وظل وفيًا لهذا الأستاذ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها، ومضى شيء من الوقت، وخلا منصب فنيّ من المناصب في مصر، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا المنصب، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جَدّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب. وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدِّه في السعي له، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولًا، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية.

    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيرًا أم شرًّا، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجبة وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه. كان سعد زغلول منفيًا عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصّة، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعدًا أشد الخصام، وكان مفتشًا قضائيًا بوزارة العدل، وأقبل عيد من الأعياد، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك.

    وانقضت أيام العيد، وذهب مصطفى إلى عمله، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير. فلما لقيه قال له الوزير: ألم تعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد؟ قال مصطفى: قد كان ذلك. قال الوزير: أولم تعلم أن سعدًا يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة. قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن. قال مصطفى: أنت وما تريد. وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان. ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا، رحمه الله، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفيّ الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء.

    والبر بطلاب العلم خاصّة، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامّة، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق. فلم أعرف قط قلبًا أبر بفقير، ولا نفسًا أرق لذي حاجة، ولا يدًا أسرع إلى العطاء، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده.

    كان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكنت لها عميدًا في بعض الأوقات. وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك. فكان يسعى إليَّ في بعضهم، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلًا إلى الاجتهاد، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بهم القواعد. وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له: توشك ألا تجد شيئًا من مرتبك آخر الشهر؛ فضحك ضحكة حلوة، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد، كما كان يقول، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط، والتي ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون: وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب؟ أتريد أن نتركهم يُصَدّون عن العلم ونحن نرى؟

    ولم أره غضب قط، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيما لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب، وألحّ في تدخله، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه.

    كان وفيًا وكان أبيًا وكان برًّا وكان سمح الطبع والنفس والقلب. لم أره قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت. وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم، وفي فنه إذا كتب. واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب: ما كتبه منها أيام شبابه الأول، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة، وما كتبه منها حين كانت الأيام شدادًا ثقالًا.

    لم يكن شيء قادرًا على أن يغير من خصاله تلك شيئًا. كان سمحًا في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف. كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه، والحديث العذب ألزم شيء له. وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب، وهي خصلة العناية الدقيقة جدًّا بالتفكير أولًا وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه. كان لا يكره شيئًا كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضًا.

    كان شديد الإيثار للأناة. وكان ذلك ربما عرّضه لدعابات الصديق والزملاء. فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى، فكان يأتي دائمًا متأخرًا جدًّا، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره. فكانوا ينتظرون وينتظرون، وربما اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل.

    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافرًا أو فجًّا لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه. وأنت لا تجد فيما يكتب لفظًا نابيًا عن موضعه، أو كلمة قلقة في مكانها، وإنما كان كلامه يجري هادئًا مطمئنًا كما يجري ماء الجدول النقي، حتى حين يداعب صفحته النسيم. وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر: يستأني بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضا والإعجاب. كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعًا، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو. فلست أعرف أن أحدًا سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه. كان راضيَ النفس، يبعث الرضا في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له.

    وإني لأذكر حديثًا له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن»، وكان المؤتمرون كثيرين، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة، وكان رئيس الجلسة مضطرًا إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه. وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم. فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادئ العذب الرقيق أصغت إليه الآذان، ثم صغت إليه القلوب، ثم اتصلت به النفوس. وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسمًا كأنه يسأله: أيمضي في حديثه! فيشير الرئيس إليه: أن نعم، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق. لم يحس أحد أنه قد أطال، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له.

    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافًا شديدًا، فستراه على ذلك مؤتلفًا أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين. ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حدًّا أقف عنده.

    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظًا، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم، كما كنت ألقاه أثناء الحياة.

    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولًا، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك.

    المصري الغريب في مصر
    هو مختار. فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صوراً صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن.
    كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالًا بها وقربًا منها وتمثيلًا لها. ولكنه على ذلك كان غريباً في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضاً مكدوداً يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ بهم أقل من هذا العدد اليسير، ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثاً يسيراً جداً. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. أُعلن إليهم أن الحجاب قد أُلقي بينهم وبين هذا الصديق وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون ويمضي مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما بقي بينه
    وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفاً يتكلف الرفق، طالبًا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان لقضاء الله والرضا بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب، لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء. وإنما فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى.
    وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص الناس في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة. وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه، لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم أحد كما يُقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريباً حقًا في آخر حياته، وكان غريباً حقًا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لمامًا، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعًا، واستقبل المرض شجاعًا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئاً كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئاً غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا وما زلنا نتحدث
    بأن مختاراً هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد أنطق مصر بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعاً وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد جدد في مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون. وهي سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوروبيين إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثاً ولا لغواً، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت الثورة السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً على حداثة عهده بالفن كان أسبق المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختاراً قد رد إلى المصريين شيئاً غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدًا أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسياً أو كالمنسي وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمشِ في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير العلوم والفنون. ولم يُلقِ أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار في بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيًا أو إنجليزيًا أو إيطاليًا وأدَّى لبلده مثل ما أدَّى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال
    والإعراض. إذن لكانت جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار الدولة، ولكن مختاراً نشأ في مصر، وعمل في مصر، ومات في مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير.
    ولا ننسَ أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا، وبسخرية الأقدار، كثير جداً ينبغي أن يشكر لرئيس الوزراء. فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارًا لم يكن من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضُحِّيَ بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب الكريم. لا أكذب المصريين إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، وأغراض الخصومة السياسية، لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء.
    لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه – ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا. وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغي أن يُلقى، ولكن انظر جوابه لن يكون طويلًا، ولعله لا يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن.
    طه حسين
    الرسالة ٢\٤\١٩٣٤

    أحاديث الأسبوع
    كان جو القاهرة قلقاً مضطرباً أثناء الأسبوع؛ يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جداً، محا الشتاء من نفسه محواً على قرب عهد الشتاء. وكان الليل وفياً بعض الشيء، قوي الذاكرة إلى حد ما، رفيقاً بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد. فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة الحلوة التي تغرق أحياناً في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنَفَس من أنفاس النسيم، والتي لا تكره أحياناً أن تمس المهملين مساً خفيفاً، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام جهداً ثقيلاً.
    وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأُدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة. كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر، ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها شيئاً. فإذا ألقت الشمس يداً في كافر – كما كان يقول لبيد – خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث.
    لم تكن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها من الأُدباء، والمتناقلين لها من غير الأُدباء؛ فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع الذي خُتم به الأسبوع الماضي، والذي كان عند جماعة (الأسيست) وقُصد به – لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر مختار ليس غير. وكان حديث الأُدباء عن هذا الاجتماع طريفاً؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألمّ به دون أن يفسره أو يعلق عليه.
    وهل أحاديث غير الأُدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأُدباء؟ فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجده أو تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأُدباء على القصور، وتعيبهم بالفتور.
    على أن شيئين لم يهملهما الأُدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقاً، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم خيالاً فاتراً فتور حياة الأُدباء كلها في هذه الأيام:
    فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا الاجتماع إنما كان أثراً من آثار الشباب، ومن آثار الشباب وحدهم؛ هم الذين فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يُقدّر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم يظفروا من جماعة آخرين بوعود ولا أمنية، فضلاً عن الوفاء أو التحقيق.
    وأما الشيء الثاني: فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثاً، ولم ينتج له جديداً، إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرزاق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم يكن شيئاً، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من غير شك، ولكنها قديمة، أُنشئت وأُنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافراً يستقبل المجد، ثم استُخرجت وأُنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة.
    والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثَّال الأول في تاريخ مصر الحديثة؛ المثَّال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أُدباءنا – وما أكثر ما كانوا ينطقون – ولم يثر حسهم – وما أكثر ما كان يثور – ولم يفض شعورهم – وما أكثر ما كان يفيض! تساءل الأُدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى يوم ويوم من الأسبوع، وإذا الأُدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن حديثاً آخر قد فُتحت لهم أبوابه، ومُدّت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم القضاء إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تُسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح للساسة والأُدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنوناً من القول وألواناً من الحديث. تحدث الأُدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا: ما باله لم ينطق الأُدباء بشيء؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يُقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ملاعب التمثيل، وإذا خطب تُلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها، وإذا شاعر يُكرم بهذا الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال. وإذا الأُدباء – أستغفر الله – بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، ثم يتساءلون: ما بال الشعراء لم يشاركوا في تكريم الشاعر؟ فكان الجواب: أن مصر الآن نائمة تستريح.
    وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما تثاقل الأُدباء والمثقفون عن ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما سكتت أصوات الأُدباء عن صمت أولئك الكتاب، لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو نطقهم شيء يُخاف! وكانوا يقولون – ولَيتَهًم لم يقولوا -: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد، لأن تكريم العقاد شيء يُخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة أخرى؛ وقد استقر الخوف على أحد جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثماً على الأرض، لا يستطيع أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء.
    أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول؛ لأني رجل لا أحب النوم، ولا أستريح إلى الراحة. ولم يعجبني الجواب الثاني؛ لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث الأُدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يُعنى به الناس الممتازون في هذه البلاد الآن، وهو حديث المًنَّجِمين.
    لا تعجب وتأخذك الدهشة، فقد فكرت في المًنَّجِمين وأطلت التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمًنَّجِمين في مصر؟ فما يعنيني أن أفكر في التنجيم والمًنَّجِمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد كبوته، ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء – أستغفر الله – بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضاً!
    فهذه صحيفة فرنسية – النوفيل ليترير – تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عُني بالتنجيم وحديث المًنَّجِمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمًنَّجِمين، كما يحفل بالسياسة والساسة. وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب مًنَّجِمين، وكانت كلمة هؤلاء المًنَّجِمين مسموعة، وكانت وعود المًنَّجِمين لقواد الألمان أصدق من وعيد المًنَّجِمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشأوا كرسياً للتنجيم في جامعة برلين سنة ١٩١٨ .
    ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعني بالتنجيم والمًنَّجِمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين يعدون التنجيم إثماً، ويرون المًنَّجِمين جماعة من المتشردين؟ ألا يُؤذن لنا في أن نلفت السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين الأوروبيين هذا الأمد البعيد، فنحارب التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها! ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم والمًنَّجِمين خير من التحدث إليها في الأدب والأُدباء؟
    طه حسين
    الرسالة ٣٠\٤\١٩٣٤

    Madame du Deffand (Marie de Vichy-Chamrond, 1697–1780), the celebrated blind French salonnière and her passionate late-life correspondence with Horace Walpole. In the opinion of Sainte-Beuve the prose of her letters ranks with that of Voltaire as the best of that classical epoch, without excepting any even of the great writers.

    مدام دو ديفاند (ماري دي فيشي-شامْرون، ١٦٩٦ – ١٧٨٠) : كانت صاحبة صالون أدبي فرنسي بارز في القرن الثامن عشر، عُرفت بذكائها وحوارها اللاذع رغم فقدانها للبصر في منتصف حياتها.كان صالونها في باريس مركزاً للنخب الفكرية والأدبية، حيث استقبل شخصيات مثل فولتير وديديرو. ويزخر تراثها النثري بتقدير نقدى رفيع، فقد كتب عنها الناقد الفرنسي الشهير شالز أوجوستان سانت بوف واصفاً إياها بقوله: “إنهّا تُعدّ مع فولتير، في فن النثر، الكلاسيكية الأنقس والأصفى في تلك الحقبة، دون استثناء أيّ من الكتاب الكبار”. وقد تميزت مراسلاتها بدقتها الأدبية وعمقها الفلسفي، مما جعلها واحدة من أبرز الشخصيات الثقافية في عصر الأنوار.

    الأمل اليائس
    ولدت في آخر القرن السابع عشر سنة ١٦٩٧، وماتت في آخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٨٠، وجمعت لنفسها من مزايا هذين العصرين ما جعلها أبرع الناس أدباً، وأشد الناس شكاً، وأوسع الناس أملاً، وأقتم الناس يأساً، وأظهر الناس فرحاً، وأعمق الناس حزناً. ولكني نسيت أن أسميها، وقد كان يجب أن أبدأ بتسميتها هذا الحديث؛ فهي ماري دي فيشي شمبرند، التي يعرفها تاريخ الآداب الفرنسية باسم مدام دي ديفان.
    كان مولدها ونشأتها في هذه السنين القاتمة التي ختمت حكم لويس الرابع عشر، وأدركها اليتم طفلة فأُرسلت إلى دير من هذه الأديرة التي كان يُرسل إليها بنات الأغنياء. وكانت أسرتها عريقة في الشرف والنبل، متقدمة في خدمة الدولة، محتفظة بمكانة رفيعة بين أشراف الأقاليم. وكانت هذه الأسرة من أشراف بورجوني، وأهل هذا الإقليم من فرنسا معروفون بالنشاط القوي، وحدة الذهن، وذلاقة اللسان، وحب الحياة، وإيثار ما تقدمه إلى الناس من لذات.
    فلم يطل مقام هذه الصبية في ديرها الأرستقراطي حتى ظهر من حديثها وسيرتها ما أقلق الأسرة وأقلق رئيسة الدير. ويجب أن يكون هذا الذي ظهر من سيرتها وحديثها خطيراً جداً؛ فلم تكن أسر الأشراف لتقلق من شيء يسير، ولم يكن أهل الأديرة ليضيقوا إلا بالشيء الذي لا يطاق. ذلك بأن حياة الناس في ذلك العصر كان قد أخذها الفساد الخلقي من جميع نواحيها، حتى استهانوا بكل شيء، وتجافوا عما لم يكن يتجافى الناس عنه إلا في مشقة وعنف. وحسبك أن تعلم أن الأديرة كانت قد استحالت في ذلك العصر إلى قصور فخمة يلهو فيها من أبناء الأشراف وبناتهم من لم تسمح له ظروف الحياة بالعمل في السياسة أو في الجيش، ومن لم تتح لهن ظروف الحياة أن يظفرن بالزوج. وكان بنات الأشراف خاصة يتخذن من هذه الأديرة دوراً للعبث واللهو، يسترن ذلك بستار رقيق من اسم الدين، ولم يكنّ ليتحرجن من استقبال الزائرين والزائرات، ولا من إقامة الحفلات الراقصة، بل كان الرقص والموسيقى جزأين أساسيين من برنامج التعليم الذي كان يُلقى إليهن فيها.
    فإذا استطاعت صبيتنا هذه أن تزعج أسرتها ورئيسة الدير بما أظهرت في سيرتها وأحاديثها من خروج على التقاليد، فيجب أن تكون قد أتت أمراً عظيماً. وهي قد أتت أمراً عظيماً حقاً، فقد كانت تجادل في الدين ولما تبلغ الثانية عشرة، وكان جدالها هذا خطراً مخيفاً؛ لأنها كانت تنكر أصول الدين إنكاراً. وقد استعانت الأسرة ورئيسة الدير على جحود هذه الصبية بعظيم من عظماء الكنيسة وخطيب من أبرع الخطباء في عصره وهو ماسيلون، فدُعي هذا الحبر للقاء هذه الطفلة ومحاورتها، فلما رآها سمع لها وتحدث إليها وانصرف عنها يائساً وهو يقول: إنها لظريفة! فلما سألته رئيسة الدير عما تصنع لردها إلى طريق الحق أطال الصمت ثم قال: ضعي في يدها كتاباً من أرخص كتب الدين، ثم لم يزد على ذلك شيئاً. وذكرت الصبية حين تقدمت بها السن حوارها مع هذا الحبر العظيم، فقالت: إن عقلي قد اضطرب أمام عقله، وقالت: إنني لم أذعن لحجته وإنما أذعنت لجلاله؛ ومعنى ذلك أن الخصمين التقيا فلم يقنع أحد منهما صاحبه.
    فلما بلغت هذه الفتاة العشرين أو جاوزتها قليلاً، زُوّجت من رجل شريف عظيم الخطر من حكام الأقاليم، ولكنها لم تكد تقضي معه أشهراً حتى أنكرته وضاقت به وكرهت عشرته كرهاً شديداً. وكانت تقول عنه إنه يبذل أقصى ما يستطيع ليسوءك ويصرفك عنه. على أنها قد أقنعته بالرحلة إلى باريس، ولم تكد تصل إلى هذه المدينة وتستقر فيها حتى اندفعت في حياة اللهو والعبث اندفاعاً لفت إليها الناس، وجعلها موضوع الأحاديث في هذه المدينة الباسمة اللاهية.
    وكان لويس الرابع عشر قد مات، وكان أمر الدولة إلى الوصي الذي أُقيم على الملك الصبي لويس الخامس عشر. وكان هذا الوصي صاحب لهو لا حد له، وصاحب مجون وعبث لا حد لهما أيضاً، وكان الناس قد ساروا سيرته كأنما أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم في تلك الأيام الحزينة التي ختمت حكم الملك الشيخ. وما أسرع ما اتصلت صاحبتنا بقصر الوصي واشتركت فيما أقام فيه من حفلات، ثم اتصلت بالوصي نفسه وأصبحت له خليلة، ولكن حبه لها لم يتجاوز خمسة عشر يوماً، على أنها قد ربحت من هذا الحب القصير ستة آلاف من الجنيهات الفرنسية تُصرف لها في كل عام ما امتدت لها الحياة.
    وأسرفت صاحبتنا في اللهو حتى أنكرها أصحاب اللهو من أهل باريس، وحتى ساءت الصلة بينها وبين زوجها، فافترقا دهراً ثم كان بينهما صلح لم يطل وعادا إلى الفرقة، ثم كان بينهما صلح آخر قوامه أن يلتقيا على الغداء والعشاء وألا يعيشا معاً، ولكن هذا الصلح نفسه لم يتصل أيضاً، ففُرّق بينهما وعاد الرجل إلى قصره في الأقاليم، وأقبلت هي على لهوها في باريس لا تدع فناً من فنون العبث إلا أخذت منه بحظ عظيم.
    على أنها لم تكد تجاوز الثلاثين حتى تبينت أن ما هي فيه من الأمر باطل كله، وحتى سئمت اللهو وعافته، وأخذت تحس انصراف الناس عنها، فآوت إلى أخ لها قسيس أقامت عنده دهراً، ثم انصرفت عنه إلى أخ آخر لها في الأقاليم، ثم عادت مرة أخرى إلى باريس. واتصلت بقصر من قصور الأشراف كان يؤوي أكبر من تعرفهم فرنسا وأوروبا من الأدباء والفلاسفة وأصحاب الفن، وفي هذا القصر ظهرت قيمتها الأدبية، واستُكشفت براعتها في الحديث، وتبين الذين عاشروها أنها امرأة ليست كغيرها من النساء، بل ليست ككثير من الرجال، وإنما تمتاز بقلب ذكي، وعقل قوي، ولسان فصيح عذب، ومهارة في تصريف الحديث لا تبلغ الإعجاب وحده، ولكنها تبلغ إعجاز المحدثين مهما تكن منزلتهم.
    ومن ذلك الوقت أخذ أمر هذه المرأة يعظم وشأنها يرتفع، لا من حيث أنها امرأة جميلة خلابة تحب اللهو وتسرف فيه، فقد كانت في ذلك الوقت قد بدأت تقصر عن اللهو وتُعري أفراس الصبا ورواحله – كما يقول زهير – بل من حيث أنها امرأة أديبة أريبة يستطيع أن يستمتع بحديثها وعشرتها وبراعتها ذوو العقول. وقد آثرتها صاحبة القصر إيثاراً عظيماً حتى لم تكن تصبر على فراقها، وأحبها فولتير، وكُلّف بها منتسكيو، وأطاف بها أعلام الأدب والفلسفة من الفرنسيين يستبقون إلى مودتها.
    وما هي إلا أن تتخذ لنفسها داراً في باريس وتدعو إليها أصدقاءها هؤلاء من الأدباء والعلماء والفلاسفة يسمرون عندها يوم الأربعاء من كل أسبوع، ثم تضيق هذه الدار بمن يقصد إليها من رجال فرنسا وأوروبا على اختلافهم، فتتحول عنها إلى دار أخرى رحبة تستأجرها في دير من هذه الأديرة الأرستقراطية في باريس. وفي هذه الدار التي استأجرتها كانت تقيم قبلها مدام دي منتسبان خليلة لويس الرابع عشر، تلك التي ملأت حياة الملك العظيم لذة وإثماً، وكلفت رجال الدين من حوله مشقة وجهداً، والتي كانت تؤوي إلى هذا الدير من حين إلى حين تستغفر الله من خطاياها وتضرع إليه في الوقت نفسه أن يحفظ عليها هذه الخطايا.
    أقامت صاحبتنا في هذه الدار ونظمت استقبالها لأعلام فرنسا مرتين في الأسبوع؛ يتناولون عندها العشاء ويسمرون إلى قريب من آخر الليل، ويتحدثون فيما شئت من أدب وعلم، ومن فلسفة وفن، ومن سياسة وحرب. ولكنها لم تكن تحب أن تشارك الأدباء والعلماء والفلاسفة فيما كان يجري بينهم من حوار؛ لأنها كانت تكره الأدب والعلم، وكانت تكره الفلسفة خاصة وتضيق بها ضيقاً شديداً، وكانت تُعنى بأشخاص زائريها أكثر مما تُعنى بما كان عندهم من علم، أو أدب، أو فلسفة. كانت مسرفة في الشك، وكان إسرافها في الشك يصرفها عمّا كان يُكلف به الناس في عصرها من هذه الفلسفة الحرة الغالية التي كانت تعمل في الهدم أكثر مما كانت تعمل في البناء.
    وتتقدم السن بصاحبتنا وقد مات زوجها وأصبحت حرة حتى أمام القانون، وقد جدّت بتنظيم حياتها وانصرفت عن اللهو والمجون إلى حياة الجد ولذة الحديث والسمر، ولكنها على ذلك اتخذت لها خليلاً عاشت معه عيشة الأزواج، لم تكن تحبه ولكنها لم تكن تكرهه، إنما كانت تستعين به على احتمال الحياة، كما كانت تستعين بكل شيء على احتمال الحياة. فقلما عرف تاريخ الآداب امرأة ضاقت بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة، بل قلّما عرف تاريخ الآداب رجلاً ضاق بالحياة كما ضاقت بها هذه المرأة. كانت متشائمة كأشد ما يكون التشاؤم، وكانت تردد هذه الكلمة التي تقربها من أبي العلاء: إن شر من ابتُلينا به من الشقاء إنما هو الحياة. وكانت تستعين بإسرافها في المجون والعبث، ثم في الجد والإنتاج الأدبي على احتمال الحياة، ولعلها لم تلهُ ولم تعبث ولم تجدّ إلا لتنسى الحياة وتنصرف عن نفسها؛ فقد كانت تكره العزلة وتخافها خوفاً شديداً، فكانت تسهر الليل ولا تنام إلا قليلاً في النهار، وتنفق وقتها قارئة أو لاهية أو مستقبلة.
    ولا تكاد تبلغ الخمسين من عمرها حتى يتم الله محنته لها، وحتى يأخذها الشقاء من كل وجه؛ فهذا حجاب رقيق يُلقى شيئاً فشيئاً بينها وبين النور، ثم يتكاثف هذا الحجاب قليلاً قليلاً، وهي تحس ذلك وتجزع له وتلجأ إلى الأطباء والسحرة والمشعوذين فلا تجد عند أحد منهم شيئاً. والحجاب يتكاثف ويتكاثف حتى يستحيل إلى سور صفيق يقطع كل سبب بينها وبين الضوء، وإذا هي عمياء.
    أفتظن ذلك قد غير من سيرتها أو اضطرها إلى شيء من القصد والاعتدال؟ ليس من شك في أنها قد حزنت لذلك حزناً عميقاً، ولكنه حزن أُضيف إلى حزن؛ حفظته في أعماق نفسها ولم تظهر منه للناس شيئاً، إنما كتبت إلى بعض أصدقائها من أعلام الأدب والسياسة تنبئهم بهذه الكارثة، فمنهم من رق لها كفولتير، ومنهم من عبث بها كمنتسكيو، وكلهم قد مضى في إكبارها والاختلاف إليها لم يغير من سيرته شيئاً كما لم تغير هي من سيرتها شيئاً. فظلت مائدتها تُقام يوم الاثنين والأربعاء من كل أسبوع، وظلت تختلف إلى الأوبرا والملاعب وتشترك في الحفلات كما كانت تفعل من قبل.
    واتخذت لها رفيقة فتاة من أهل الأقاليم ولدت في أسرة شريفة ولكن مولدها لم يكن شرعياً، وكانت هذه الفتاة مدموازيل لسبيناس؛ ذكية بارعة الذكاء، حساسة قوية الحس، مثقفة واسعة الثقافة. وكانت المودة بينها وبين سيدتها قوية متينة، دامت عشر سنين لم يكدر صفوها مكدر. ثم لاحظت صاحبة الدار أن زوارها أو فريقاً منهم إذا انصرفوا عنها لم يخرجوا، وإنما أتموا سمرهم عند الفتاة، فغاظها ذلك وكانت القطيعة بين الصديقتين، ولكنها لم تكن قطيعة مألوفة، إنما كانت حدثاً من أحداث العصر في باريس، انقسم له الأدباء والفلاسفة انقساماً عظيماً؛ تعصب بعضهم للشيخة وتعصب بعضهم للفتاة، وكانت كثرة الفلاسفة وعلى رأسهم دالامبير من أنصار الفتاة، وكانت الأرستقراطية المعتدلة والمحافظة من أنصار الشيخة.
    ثم استأنفت الحياة المنظمة طريقها عند صاحبتنا، واتخذت الفتاة لها نادياً أو صالوناً أدبياً واشتدت المنافسة بين هاتين المرأتين. وصاحبتنا الآن في الثامنة والستين من عمرها قد فقدت البصر منذ ثماني عشرة سنة، وعظمت مكانتها في أوروبا حتى لم يكن عظيم من الأوروبيين يزور باريس إلا رأى حقاً عليه لنفسه ولمكانته أن يلقاها ويتحدث إليها.
    وفي أكتوبر من هذه السنة ١٧٦٥ زار باريس رجل من عظماء الإنجليز هو هوراس ولبول؛ كان أبوه روبرت وزيراً وكان هو عضواً في البرلمان، فلما مات أبوه ترك السياسة وانصرف إلى الأدب والفن، وكان في الخمسين من عمره. ولم ير هذا الرجل بداً من أن يزور صاحبتنا هذه ويغشى ناديها كما كان يغشى أندية الأدب والسياسة كلها في باريس. فلما رأى هذه الشيخة أنكرها، وكتب إلى صديق له يصفها بأنها عجوز عمياء فاجرة العقل. على أن وقتاً قصيراً لم يمضِ على هذه الزيارة حتى تغير الأمر بين هذا الإنجليزي وهذه الفرنسية، وتكررت الزيارة فوقع الإنجليزي من نفس هذه المرأة موقعاً غريباً؛ رد إليها الشباب بل رد إليها الصبا فأحبته. وأنا أعني بهذه الكلمة معناها، أحبته وقد أشرفت على السبعين ولم يرفض هو هذا الحب، ومن المحقق أنه لم يلقَ هذا الحب بمثله، ولكنه أضمر لهذه المرأة مودة قوية صادقة لم تغيرها الأيام، وأظهر بها إعجاباً لا حد له.
    واتصلت أسباب المودة والحب بينهما ما أقام في باريس، فلما رجع إلى لندن اتصلت بينهما الكتابة، وكان يأتي إلى باريس من حين إلى حين ليرى حبيبته أو ليرى عاشقته، أو ليرى يتيمته – كما كانت تسمي نفسها – فقد كانت تسمي نفسها يتيمة وتسميه هو وصياً، وكان هو يسميها ابنته الصغيرة، وكان الحنان بينهما كأقوى ما عرف الناس من الحنان بين المحبين. وكانت نتيجة هذا الحب أربعة مجلدات نُشرت بعد موتها وفيها ثمانمائة من الرسائل التي اتصلت بينهما، وهي آيات من آيات الأدب الفرنسي لا أكثر ولا أقل؛ فيها تصوير لهذه العواطف النادرة الشاذة التي لم يألفها الناس، والتي تملأ قلوبهم مع ذلك رحمة وبراً وإشفاقاً وعطفاً. وما رأيك في هذه الضريرة التي نيفت على السبعين والتي تكتب لصاحبها رسائل حب وغرام كرسائل الفتيات اللاتي لم يتجاوزن العشرين!
    على أن صاحبها كان إنجليزياً، ومعنى ذلك أنه كان يخاف السخرية والمزاح، وكانت الرقابة مضروبة على الرسائل في إنجلترا ذلك الوقت، فكان صاحبنا مروعاً دائماً يخشى أن تُفضّ رسائل صاحبته وأن يُعرف ما فيها من هذا الحب الغريب فيتندر الناس به في القصر وفي الأندية. فكان يرد صاحبته إلى القصد في تصوير عواطفها الحارة، وكانت هي تخاصمه في ذلك، وكان الأمر يفسد بينهما أحياناً ولكنه لا يلبث أن يعود إلى خير ما كان.
    وانقطعت رسائله عنها مرة فكتبت إليه:
    “يظهر أنك لا تريد أن تظهرني من أمرك على شيء، فاحذر أيها الوصي أن تصبر على ذلك؛ فإني خليقة إن فعلت أن أرسل إليك سكرتيري وأن أكلفه الإسراع إلى لندن وآمره أن يلزمك وأن يرسل إليّ بأنبائك، وأن يعلن إلى الناس جميعاً وفي كل مكان أنني يتيمتك، وأنك وصيي، وأنني أحبك، وأن يهيئ لي عندك مكاناً فألحق به، وأعلن إلى الناس جميعاً ما بيننا، لا أخاف فضيحة مهما تكن، فاختر لنفسك بين الفضيحة والكتابة إليّ”.
    ولعلها كانت في بعض الوقت تذعن وتطيع، وترد نفسها إلى القصد ثم تثور فترسل نفسها على سجيتها وتطلق حبها صريحاً حراً.
    وكذلك عاشت هذه المرأة خمس عشرة سنة، استرد قلبها فيها شبابه كله، وتبينت هي وتبين هو وتبين الناس في عصرهما ومن بعدهما أن ما اندفعت فيه هذه المرأة من العبث واللهو، ومن المجون والفساد، ثم من الجد الخصب والنشاط المنتج، كل ذلك لم يكن إلا ضيقاً بالحياة وافتقاداً لهذا النور الذي يحببها إلى النفس وهو الحب، ومصارعة لهذا العدو الفاتك وهو اليأس. فلما بلغت السبعين أو كادت تبلغها ظفرت بالحب عند هذا الإنجليزي، وظفرت به من غير طريقه كما كان يقول المعاصرون؛ فإن العيون هي أوضح طرق الحب إلى النفوس، ولكن الحب قد يسلك إلى النفوس طريق الآذان كما قال شاعرنا القديم. وأكبر الظن أن صوت هذا الإنجليزي هو الذي حمل الحب إلى نفس هذه الفرنسية فثبته فيها تثبيتاً.
    وفي سنة ١٧٨٠ ماتت هذه المرأة، وكتبت قبل موتها بقليل جداً إلى صاحبها كتاباً تنبئه فيه بقرب آخرتها، وتنبئه بأنها لا تأسف لفراق الحياة؛ لأنها لا ترى في الحياة خيراً بعد أن كتب إليها ألا يلقاها، وتنصح له بأن يستمتع بالحياة ما استطاع، وتنبئه بأنه سيحزن عليها، فليس من اليسير أن يتعزى الناس عمن كان يؤثرهم بالحب. فلما أتمت إملاء كتابها همّ سكرتيرها الشيخ أن يقرأه عليها كعادته فلم يستطع؛ لأنه كان يقطع قراءته بالبكاء. هنالك أحست هذه المرأة المتشائمة اليائسة التي أسرفت في سوء الظن بالناس، أحست أن هذا السكرتير لم يكن يعمل عندها ليعيش، فقالت له بصوت خافت فيه نغمة الموت، وفيه مع ذلك نغمة الرضا والغبطة: “أكنت تحبني إذن؟”
    هذه صورة من صور هذه المرأة، وهي من غير شك أشد هذه الصور اتصالاً بالنفوس وتأثيراً بالقلوب، ولكن لهذه المرأة صوراً أخرى عظيمة الخطر جداً في حياة الأدب الفرنسي؛ فقد كانت ناقدة، ولها في أدباء فرنسا وفي كبار أدبائها خاصة آراء قيمة تثير الإعجاب لرقتها ولبراعة الصياغة التي كانت تعلن فيها. كانت تؤثر فولتير، وكانت تضيق بروسو. فانظر إلى هذه الجملة البديعة التي تنقد فيها أسلوب جان جاك:
    “إن لروسو حظاً من الوضوح، ولكنه وضوح البرق، وله حظ من الحرارة ولكنها حرارة الحمى”.
    واتصلت هذه المرأة بأصحاب السياسة، واتصلت بالعظماء والأشراف وكانت منهم، وقد كتبت إليهم وتلقت منهم الكتب، وقد صورتهم وصوروها؛ فهذه ناحية أخرى من حياتها لها أثرها في توضيح التاريخ السياسي والاجتماعي لفرنسا في القرن الثامن عشر وقبل الثورة الفرنسية الكبرى.
    وبعد، فلعل أحسن ما كُتب عن هذه المرأة إلى الآن فصلان كتبهما سانت بوف في أحاديث الاثنين؛ تستطيع أن تقرأ أحدهما في الجزء الأول، وثانيهما في الجزء الرابع عشر، فإن أردت الإيجاز المقنع فاقرأ الفصل الذي نُشر عنها في (مجلة العالمين) أول أغسطس، فإن أبيت أن تتكلف القراءة أو تشق على نفسك بالبحث، فقدّر هذا الوصف الذي كان يصفها به فولتير وفكّر فيه؛ فإنه يعطيك منها صورة قوية تملأ نفسك رحمة وإعجاباً، فقد كان فولتير يسميها: “الضريرة المبصرة”.
    الرسالة ١\٩\١٩٣٣

  • حرية؟ أين؟ | Where is the liberty?

    وأين الصدق؟ And where is honesty?


    الثعبان
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة ، فصيح اللسان . لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد ، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح ، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا ، وعقلا لا يرى حوله إلا شراً ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذى يشمل كل إنسان ، وكل شى ، والذى يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئاً ، ولكنه قوى ملح كأنه ضوء الشمس ، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب ، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصباً وقوة ونشاطا .
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره ، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شى من العنف لم يكن المصريون يعرفونه فى ذلك الوقت ، وإذا هو لا يستقر فى مكانه مهما يكن هذا المكان فى دار أو ناد أو قهوة أو ديوان ، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت فى مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب ، وإنما يذهب ويجى ويأتى من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر فى وجهه ، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام ، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف ، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التى تتتابع سراعا فى مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية ، وإذا أصحابه يأخذهم شى من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب ، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف .
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور فى ذلك الوقت تجرى فى مصر كما أخذت تجرى منذ كان فى مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان ، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضى إلا لتقف فقد كان فى مصر احتلال أجنبى يتغلغل سلطانه الظاهر والخفى فى جميع المرافق العامة والخاصة ، وكان فى مصر سلطان وطنى شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى ، ويحاول أحيانا أن يرضى أولئك وهؤلاء ، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء .
    وكان هذا كله يفسد الجو المصرى ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفى نفسهم إشفاق من الأخرى ، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا فى الأندية والقهوات والدواوين واندسوا فى المجالس الخاصة . فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبى أو إلى السلطان الوطنى . وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك . فكان المفكرون وذوو الرأى يعيشون فى قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك . فليس غريبا أن يثير صاحبنا فى نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك ، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شى .
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوربا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التى لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية فى ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسى كما كانت تغل حياة المصريين فى ذلك الوقت أيضا ، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه فى أن يأتى ويدع من الأمر ما يشاء وفى أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذى غيره بقول أو عمل . وقد شارك فى هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون فى أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه فى الحياة المصرية من قريب أو بعيد ، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن فى أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية فى القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقى وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان . فعاد إلى مصر وللغيظ فى قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدى من ثورته أو فورته ، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شى والضيق بكل شى. والحرص على تغيير كل شى. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين . ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من
    الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها ، وكانت تتكرر أحياناً أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها . وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها ، ورأى فى هذا الإعجاب وفى هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقاً شديدا . وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفى حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التى ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا . ولم يكد يستقر فى أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما . فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى . لم ير تغيرا فى الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال فى الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد . حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبى ولا باحتياط السلطان الوطنى ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التى ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذى كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تحفل بشى من هذا ، وإنما تمضى أمامها لا تلوى على شى ولا يردها شى ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا . ورأى المصريين يقولون فى كل شى لا يتحفظون ولا يتحرجون . ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبى، وهم لا يرضون عن النظام السياسى الوطنى، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها فى رفق مرة وفى عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح . ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقى بعضهم بعضا إلا فى الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقى فى الحياة المادية والعقلية .
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه . ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضى كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جاداً فى الإصلاح طامحا إلى الرقى مطالبا بالاستقلال . ولكن إقامته فى أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شى من
    المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقى الشر أن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقاً جديدا . كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقى والطموح ، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم فى توثبهم إلى الرقى والطموح . ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصرى الجارف إلى التطور العنيف وهو فى الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية ، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون فى مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حيناً آخر. وقد زاده حرصاً على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب فى أوربا وشقى بما لقى فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفى نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة فى أن يعوض الوقت الذى أضاعه فى أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائراً فائراً مطالبا بالإصلاح . وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين ، فريق يعتدل ، وفريق يتطرف . فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء . وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها ، وأثنى عليها ولم يشارك فيها ، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل فى ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذى لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين .
    وكذلك كنت تراه فى مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه فى مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه فى كل حفل يقيمه المعتدلون وفى كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء . ولكنه كان ماهراً أشد المهارة فى الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء . هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر . وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت
    الأمور فى نصابها واطمأنت القلوب فى الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث .
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين فى المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة فى التجديد بنوع خاص . ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعى حين تمتحن مصر فى آمالها وأمانيها وفى حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويحدد المحافظ إن كان صادقا فى اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله ، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله ، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث .
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم ، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم ، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين ، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأى فى السياسة والنظم الاجتماعية . وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها . ثم أصبحت المحافظة فى بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا فى النعى على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة ، ولكنه فى الوقت نفسه لم يقصر فى ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه فى المحافظة ، وفى أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب . شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم ، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك فى سياستها ، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأى جميعاً .
    قلت لصاحبى أتستطيع أن تحدثنى بما تريد إليه من هذه القصة التى لا تنتهى . قال صاحبى لا أريد إلا إلى شى ء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى فى أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبى ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر فى مصر الثعابين .
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

    أجد أم مزاح
    يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواما طوالا . ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذى رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين . ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذى أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت فى غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام .
    يقال هذا ويقال أكثر من هذا . فهل يأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه ، وفى أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين . وإنما هذه الحرية التى أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التى يقول فيها قوله المعروف :
    صدت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد
    فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً ، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقى فى أعناقنا وفى أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقى من القيود والجوامع والأغلال.
    وتفسير ذلك يسير جدا فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية فى حدود معينة وشروط مبينة فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا فى الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئا .
    ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء ، وما قيل حوله من الكلام ، وما كتب حوله من الفصول، كلاما آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون فى باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أى منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأى . وفى هذا الكلام أن نظاما للحرية قد أقيم فى مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان ، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق ، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التى يثق بها الناس، ولا للأوبرا ، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحرارا كل شى على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء .
    كذلك قال الكاتب الفرنسى سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئا يشبه ذلك سنة ١٩٤٥ . ولست أرى بين الكاتب الفرنسى وبيننا فرقا عظيما فكل هذه الموضوعات التى أشار إليها الكاتب الفرنسى يمكن تأويلها نحوا من التأويل ، وتمكينها نحوا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التى لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكرى العام وأعوانه من الرقباء .
    وكل ما فى الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون فى دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكرى أن يستقروا ، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره ، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام ، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء . ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التى أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ ، وفرح النواب ، وصفق الصحفيون ، وابتهج الشعب فيما يقال . فليأذن لى رئيس الوزراء فى ألا أفرح ، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئا، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضى بها غيرى فلست أرضاها لأنى لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذى يخدع بالأوهام ويعلل بالأمانى والآمال .
    إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام ، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغى هذه القيود التى تقيد الحرية إلغاء صحيحاً ، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه . فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إنى قد أجزت لك الحرية وقتا ما ، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم فى إحسانك حين تحسن وفى إساءتك حين تسىء . فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على
    الشعب بهذا الفضل الشاحب فشىء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطى من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء ، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتى من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد ، ولسان الشعب الذى يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان .
    فهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذى انتهى إليه البرلمان! كلا ، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغى أن ينتهى!
    إن مثل هذه الحرية التى يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التى تحب الحياة السمحة فى الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد فى فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت فى الشكوى ، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها ، فلم يرسلها حرة تهيم فى الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجى تظن أنها حرة . ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضى إلى غير مدى ، وإنما هى مضطرة إلى أن تقف حين ينتهى الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجى .
    هذا هو المثل الدقيق للحرية التى أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم فى أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية فى الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغى أن تعدوها وآماد لا ينبغى أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام فى مكتب الحاكم العسكرى ولا فى مكاتب الرقباء وإنما تقام فى مكتب النائب العام وفى دور القضاء .
    وهل يريد رئيس الوزراء مثلا آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا فى دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضى استقروا فى مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شى بهذه الدمى التى يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى ، والتى يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار ، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حينا آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
    أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذى يلائم شعبا كريما يريد أن يحيا حياة كريمة فى ظل دستور حر كريم . وفيم هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه . ونحن متفقون على أن الغلو فى حمايتها احتياط لابد منه ، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذى يمنع الحكومة من أن تتقدم فى شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان فى هذا العام هادى مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع . فلو قدمت إليه القوانين لما تردد فى أن يجتمع ولما تردد فى أن يعمل .
    وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية ، أخشى أن يلقى فى روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام . ولست أشك فى أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضا أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغى هذه القيود إلغاء صحيحا يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفا على رضى البرلمان . فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإنى أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الأجراء الذى يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدا لا فكاهة وحقيقة لا وهما ، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلى العسكرى . فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها فى مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح .
    طه حسين
    البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥.

    وأنا لو كنت عضوا في البرلمان . . .
    الدكتور طه حسين بك يرد على إسماعيل صدقي باشا

    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لكلام صدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يقولون ولا يكتبون في السياسة المالية أو غير المالية إلا وهم يذكرون أنفسهم قبل أن يذكروا شيئا آخر غير أنفسهم ، فهم يفكرون فيما يمسهم من السياسة المالية أو غير المالية من قريب أو بعيد وهم يقولون أو يكتبون ليدفعوا عن أنفسهم ما قد تنالهم به هذه السياسة من نقص في الأموال أو في الثمرات ولو كان هذا النقص وهماً أو خيالاً.
    نعم ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم لا يفكرون في رخاء الشعب ولا في إرضائه ولا في إصلاح مصر ولا في رقيها بمقدار ما يفكرون في أموالهم وأعمالهم ومنافعهم وأذكر يوم فكرت الحكومة في تيسير تجارة الفاكهة بين مصر وبلاد الشرق الأدنى فثار صدقي باشا يحتج ولم يفكر في أن الحكومة إنما كانت تريد أن تبيح للمصريين الفقراء أن يذوقوا البرتقال وما يشبهه من الفاكهة بعد أن حرمت عليهم ثمرات مصر لأن أصحابها من أمثال صدقي باشا يؤثرون أن يكسبوا منها المال الكثير على أن يبيحوها مواطنيهم الذين لا يستطيعون أن يدفعوا إليهم هذا المال الكثير .
    ولو كنت عضواً في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه من الذين يحسنون الكلام في المال والأعمال والعبث بالحساب والأرقام وإلقاء النظريات الاقتصادية كما كان يلقى أبولون وحيه إلى كاهنته في الزمن القديم فإن في حياة مصر بل في حياة الإنسانية الآن أموراً أعظم خطرا وأجل شأنا من الحساب والأرقام ووحى أبولون ، وتشدق أصحاب الكفايات وأهم هذه الأمور أن يأكل الجائع ويشرب الظمآن ويستريح البائس ولو قليلا من بؤسه وتتاح للشعب فرصة ولو ضئيلة جداً يشعر فيها بأن الله لم يخلقه ليكون خادماً لصدقي باشا وأشباهه وإنما خلقه ليعمل ويجنى ثمرة عمله فينعم بالحياة ولو قليلا بين حين وحين.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فليس إنصاف الموظفين عيبا وليس إنصاف الطوائف عيبا بل ليس
    إرضاء الموظفين وإرضاء الطوائف عيبا فالموظفون من أبناء الشعب والطوائف من أبناء الشعب والدولة إنما وجدت لتنصف الشعب وترضيه وتمكنه من الرقى والاستمتاع بالحياة على أكبر وجه ممكن ، وجدت الدولة لذلك لا لشيء آخر فإذا لم تحقق ذلك فلا معنى لوجودها ولا حق لها على الشعب ، لا حق لها في طاعته ولا في عمله ولا فيما تجبى منه من الضرائب .
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقلت لوزير المالية لا تسمع لصدقي باشا وأشباهه فإنهم حين يلقون هذه النظريات الاقتصادية العليا لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في العصر الذى يعيشون فيه ، وإنما هم محافظون ومحافظون على أشياء لا معنى للمحافظة عليها لأن أيامها قد انقضت منذ زمن طويل ، هم لا يتعمقون الأشياء ولو قد فعلوا لعرفوا أن إنصاف الموظفين وإرضاء الطوائف ومحاولة تحقيق العدل الاجتماعي كل ذلك ينفعهم أكثر مما ينفع الموظفين والطوائف ، فالموظفون لا يعملون لأنفسهم وإنما يعملون للناس جميعا ومنهم صدقي باشا وأشباهه ، وليس من العدل ولا من المنفعة ولا من الخير ولا مما يحقق الأمن الاجتماعي أن يشبع صدقي باشا وأشباهه وأن يروى صدقي باشا وأشباهه وأن ينعم صدقي باشا وأشباهه بطيبات الحياة وأن يجوع الذين يعلمون أبناء صدقي باشا وأبناء أشباهه وظمأوا ويشقوا ويبتئسوا ويعجزوا عن أن يجدوا ما ينفقون ، ليس من العدل ولا من الحق ولا من الخير ولا من تحقيق الأمن الاجتماعي أن يفكر صدقي باشا وأشباهه في الذهاب إلى نادى محمد على ليجتمعوا ويتحدثوا ويلعبوا النرد والشطرنج فما هي إلا إشارة تشار وعجلة تدار وإذا هم حيث أرادوا أن يكونوا لم يتكلفوا في ذلك جهدا ولم يحتملوا فيه عناء ، وأن يحاول الموظفون من المعلمين وأشباه المعلمين أن يذهبوا إلى مدارسهم ودواوينهم ليخدموا صدقي باشا وأشباهه فلا يجدوا من النقد ما يمكنهم من الذهاب لأداء واجبهم إلا أن يأخذوا هذا النقد من ثمن طعامهم وطعام أبنائهم ولباسهم ولباس أبنائهم.
    أؤكد لوزير المالية أن الحياء قوام الفضيلة وقوام الرجولة وأن هناك أشياء كثيرة لا ينبغي أن تقال وهم لا يفكرون تفكيرا مستقيما لأن الموظفين والطوائف الذين تنصفهم الحكومة أو ترضيهم لا يأخذون الأموال ليشتروا بها الأرض أو ليستثمروها في المصارف
    أو ليكنزوها حيث يعلم الله وإنما يأخذون هذه الأموال لينفقوها على أنفسهم وعيالهم ، فهم يأخذون من الحكومة ليردوا على الشعب وهم بذلك لا يعطلون حركة الإنتاج وإنما يزيدونها قوة وخصبا ورخاء فأنصاف الموظفين والطوائف وإرضاؤهم خير حتى من الناحية الاقتصادية التي يستأثر بعلمها والقول فيها أصحاب الأموال والأعمال ، ثم هم لا يجارون التطور السياسي والاجتماعي فقد مضت تلك الأيام السود التي كان الشعب يتخذ فيها أداة لخدمة الدولة أو وسيلة لإرضاء أصحاب الثراء وأصبح الشعب هو الغاية وأصبحت الدولة هي الوسيلة وهى الأداة.
    إن صدقي بشا محافظ أشد المحافظة حين يذكر أن العناية بصحة الشعب خير لأنها تمكن الشعب من الإنتاج ، كلا يا سيدى إن العناية بصحة الشعب واجبة لأن من حق الشعب على الدولة أن تعنى بصحته وكفي ، إن الشعب ليس أداة ولا ماشية يجب أن نعنى بها لتكون أكثر إنتاجا وأعظم نفعا وإنما الشعب هو الغاية لكل نظام سيأسى أو اجتماعي لا أكثر ولا أقل.
    ولو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لتحدثت إلى وزير المالية حديثا آخر يناقض كل المناقضة حديث صدقي باشا إليه في الأهرام صباح اليوم إذن لقلت لوزير المالية صدقني إنك قد خطوت خطوة حسنة إلى إنصاف الموظفين والطوائف وإرضائهم ولكنها قصيرة جدا لا تبلغ من إنصافهم وإرضائهم إلا أيسر ما تريد أنت وأقل ما يستحقون هم ، فالغلاء لا يطاق والأجور التي تعطى للموظفين والطوائف بعيدة كل البعد عن أن تلائم هذا الغلاء وعن أن تمكن الموظفين والطوائف من أن يأمنوا ويؤمنوا أبناءهم الجوع والبؤس والحرمان .
    وأنا أعلم أن ميزانية الدولة لم تسمح لك بأكثر مما فعلت ولكنى أعلم أن في موارد الأمة ما يمكنك من أن ترفع هذه الميزانية . فليس من الضروري أن تكون ميزانيتنا الآن سبعين مليونا بل من الممكن أن تبلغ مئة مليون ولكنك رفيق جدا بأصحاب الثراء عنيف جدا بالفقراء لا تفرض من الضرائب ما ينبغي أن تفرضه ولا تأخذ من الأغنياء ما ينبغي أن تأخذه ، وليس عليك بأس من أن تفرض الضرائب ولا أن تأخذ من أموال الأغنياء صدقة تطهرهم وتزكيهم بها كما أمر الله . وما أشد حاجتهم إلى التطهير والتزكية.
    انظر إلى ما يأخذ الإنجليز من أغنيائهم ومن فقرائهم لا في أوقات الحرب بل في أوقات السلم ، واجعل نظام الضرائب عند الإنجليز أساسا لنظام الضرائب في مصر وثق بأنك ستجد من الميزانية ما تنصف به الطوائف والموظفين فتحسن إنصافهم وما ترضى به وزير الصحة الذى يطالب بالملايين الكثيرة ليعني بصحة الشعب وما ترضى به وزير المعارف الذى يتمنى الملايين الكثيرة ليعلم أبناء الشعب . وما ترضى به وزير الأشغال الذى يريد الملايين الكثيرة ليرضى صدقي باشا وأشباهه بهذه الأعمال الخطيرة التي تصلح الأرض وتنمى الثمرات وتيسر الزراعة والتجارة والصناعة وتضاعف غنى الأغنياء وثروة أصحاب الثراء . ولا بأس عليك من أن تفرض الضرائب وتأخذ من الأغنياء أكثر مما تأخذ . فقد يكفي أن تنظر إلى شعور الأغنياء في أوربا وأمريكا بالتضامن الاجتماعي وإلى شعور الأغنياء في مصر بهذا التضامن الاجتماعي لتفرض الضرائب غير متردد ولا متحفظ . إن الأغنياء في أوربا وفي أمريكا يؤدون إلى الدولة ضرائب هائلة ولكن كثيرا منهم لا يكتفي بما يؤدى إلى الدولة وإنما ينفق عن سعة لا يحلم بها صدقي باشا وأشباهه على التعليم والصحة وأعمال الخير والبر. ومع ذلك فالفقراء وأبناء الطبقات الوسطى في أوربا وأمريكا لا يرضون عن توزيع الثروة ولا يطمئنون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية . فكيف لو تعلم أبناء الشعب في مصر ورأوا خوف أغنياءنا من الضرائب وإعراضهم عن التضامن الاجتماعي وإيثارهم أنفسهم بكل خير ولومهم للحكومة كلما حاولت أن تنصف بأسا أو ترفق بمحروم .
    ألم أقل لك أن هؤلاء الناس حين يلومونك فيما يسمونه الإغداق باليمين والشمال وما أسميه أنا محاولة للإنصاف لا يتعمقون الأشياء ولا يفكرون تفكيرا مستقيما ولا يجارون التطور السياسي والاجتماعي في هذه الأيام .
    أما بعد فلو كنت عضوا في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب لقصصت على وزير المالية قصة صغيرة جدا قصيرة جدا ولكنها على ذلك خليقة أن تحمله على التفكير الطويل الدقيق العميق المؤلم أيضا .
    كان ذلك في صيف سنة 1932 حين أبعدني صدقي باشا عن الجامعة واضطرني إلى حياة الموظف المظلوم الذى لا يجد ما ينفق وفي ذات يوم زارني أحد الأغنياء مواسياً وأقسم ما طلبت إليه شيئاً ولا فكرت في أن أطلب إليه أو إلى أحد غيره شيئا ولكنه أحس أن نظام المجاملة الاجتماعية والسياسية أيضأ يفرض عليه أن يزورني مواسياً وقد فعل مشكورا. وكانت مصر في أزمة اقتصادية خطيرة فجعل هذا الغنى يشكو إلى بؤسه وشقاءه ويقول فيما يقول «أتصدق أن إيرادي كان ثلاثين ألف جنيه في العام فما زال يتضاءل ويتضاءل حتى وصل إلى خمسة عشر ألف جنيه في العام» أترى بؤسا أشد من هذا البؤس قلت له مبتسما «لا» ولكنى فكرت فيما بيني وبين نفسى أن إيرادي أنا كان نحو ألف ومائتين من الجنيهات في العام وانى في هذا الوقت الذى كان يتحدث إلى فيه هذا الغنى لم يكن لي إيراد ما أستطيع أن أعده بالجنيهات أو بالقروش ومع ذلك فقد كان هذا الغنى بائساً لأنه قد نصف إيراده مؤقتا. وكنت أنا سعيدا لأنى لم أفقد شيئا وما قيمة ألف ومائتين من الجنيهات بالقياس إلى أمثالنا الذين ليسوا من أصحاب الأموال والأعمال.
    طه حسين
    المصري، ١ أبريل١٩٤٤.

  • مزيد من مقالات الخمسينيات | More from the fifties…

    وثبتان . . .
    كلتاهما بعيدة المدى ، عميقة الأثر، تصور تحولا خطيرا أشد الخطورة وأقواها فى حياة مصر . لأنها تصور انتقال الشعب من حياة الخضوع والتردد والإشفاق إلى حياة القوة والإقدام والثقة بالنفس والاعتماد عليها .
    أما أولاهما فهى هذه التى كانت حين أعلنت الثورة فى دستورها الجديد الموقوت أن أحكام القضاء ومراسيم الحكم ، وقوانينه تصدر باسم الأمة . وما أشك فى أن المصريين قد وجدوا فى أعماق نفوسهم وضمائرهم ، هذا الشعور الذى كانوا يطمحون إليه دائما ويردون عنه كلما كادوا يبلغونه ، وهو الشعور بالكرامة الوطنية الخالصة ، والإباء المصرى الصريح ، والقوة التى تتيح لمصر منذ اليوم ألا تحسب حسابا لسلطان خارج عن إرادتها فيما تقدم عليه من أمر، وفيما تدبر من خطة وفيما تتخذ من قرار، والمصريون جميعا يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم وقادتهم والمسئولين من حكامهم ، كانوا لا يفكرون فى أمر يأتونه أو يدعونه ، ولا فى خطة يضعونها ، ولا فى قرار يعدونه إلا سألوا أنفسهم وتساءلوا فيما بينهم ما عسى أن يقول الملك أو ما عسى أن يظن! وما عسى أن يكون موقف القصر أيكون موقف الرضى! أم يكون موقف السخط! أم يكون موقف التشكك والارتياب!.
    والمصريون يعلمون حق العلم ويذكرون حق الذكر أن ساستهم ، وقادتهم ، والمسئولين من حكامهم ، كانوا فى كثير من المواطن ذات الخطر لا يسألون أنفسهم ، ولا يتساءلون فيما بينهم عن موقف الملك والقصر وحدهما وإنما يسألون ويتساءلون عن موقف الإنجليز، أيرضون أم يسخطون أم يرتابون؟ وما عسى أن تكون نتيجة الرضى أو السخط أو الارتياب! وكان هذا الخضوع يثبط الهمم ويفل الحد ويورط فى التردد والاضطراب ، ويلقى فى روع المصريين جميعا أن أمورهم ليست إليهم وحدهم، وإنما هى دائما إلى ذلك المحجب فى قصره ، وهى أحيانا إلى القوة المحتلة الجاثمة على صدر الشعب تنغص عليه حياته وتوشك أن تحول بينه وبين التنفس الحر الطلق فقد انهار هذا كله
    انهيارا . ومضى هذا كله إلى غير رجعة ، وردت إلى مصر كرامتها الصريحة الخالصة فاستطاعت أن تقول للملك لا ، واستطاعت أن تجليه وتجلى معه سلطانه إلى ما وراء البحر.
    ثم استطاعت بعد ستة أشهر أن تقول للإنجليز وأن تنزلهم عند رأيها فى تقرير حقوق السودانيين في أن يختاروا لأنفسهم ما يحبون أن يختاروه أحرارا كراما لا يخضعون لرغب أو رهب ، ولا يتأثرون بخوف أو إغراء .
    وكانت هذه هى الوثبة الثانية التى أتمت الوثبة الأولى وجعلت كرامة مصر وعزتها وأبائها واستقلالها حقائق واقعة ، تراها العيون وتسمعها الآذان وتخفق بها القلوب لا أمانى يخدع بها المغرورون ولا أضاليل يعلل بها العاجزون.
    قالت الثورة للملك السابق : التمس لحياتك ميدانا غير مصر فلم يستطع إلا أن يسمع ويطيع.
    وقالت الثورة للإنجليز : يجب أن يختار السودانيون لأنفسهم وأن يقرروا مصيرهم بإرادتهم الحرة المطلقة التى لا تشوبها شائبة . فطاولوا وماطلوا ، وحاولوا أن يسلكوا تلك الطرق التى سلكوها فيما مضى وأن يلتووا بالوعود ويتعللوا بالعلل . ولكن الثورة ثبتت فى مكانها وحزمت أمرها والتزمت بما قالت ، ولم تحفل بمداورة ولا بمناورة ، ولم تقبل مطاولة ولا مماطلة وسبقت إلى السودانيين فألقت فى روعهم وأقرت فى ضمائرهم ما ألقته فى روع المصريين وما أقرته فى ضمائرهم من الشعور بالكرامة والعزة والاباء ، ونظر الإنجليز فإذا الطرق قد أخذت عليهم من جميع أقطارها وإذا وسائل المكر والحيلة والالتواء قد صرفت عنهم ، وإذا أسباب المطاولة والمماطلة قد تقطعت بهم فنزلوا عند ما أراد المصريون والسودانيون ، واستطاع نجيب وأصحابه أن يقولوا لا للإنجليز كما قالوا لا للملك السابق وأن يقولوها جادين حازمين صارمين، لا يجرونها على أطراف ألسنتهم، وإنما ينطقون بها قلوبهم وضمائرهم ، ويستعدون لنتائجها وأعقابها مهما تكن .
    فبلغوا من الملك السابق ومن الإنجليز ما أرادوا ، وما أرادت مصر والسودان ، وهم قارون فى وطنهم لا يعبرون البحر ولا المحيط، وهم محتفظون بقوتهم وصبرهم وثباتهم واطمئنان نفوسهم وابتسام ثغورهم وإشراق وجوههم لا يسرفون فى قول ولا عمل، ولا يسرفون فى إبراق ولا إرعاد وإنما ثبتت أقدامهم فلم تتحول عن مواضعها ، وقالوا : لا ولم يقولوا غيرها ، وانتظروا نتائجها مستعدين لها مهما تختلف ، فكان لهم ما أرادوا وكان لوطنهم ما أراد.
    فلهم ولوطنهم أصدق التهنئة وأخلصها وأذكاها ، ولم أحب أن يفكر المصريون ويطيلوا التفكير والتدبر فى هذا الدرس الذى ألقته الثورة عليهم فهي قد فتحت لهم به آفاقا بعيدة ، وبسطت لهم به آمالا عراضا وألقت إلى نفوسهم وقلوبهم أن الكرامة والإباء والعزة ومضاء العزم ، وصدق الرأى وتصميم الإرادة . كل هذه خصال لا تتحقق بالكلام الكثير ولا بالنشاط المضطرب وإنما تتحقق وتؤتى ثمرها بالثبات الصادق على الرأي والتصميم الحازم على الخطة واستقبال الخطوب فى غير احتفال بها ولا التفات إليها حتى يبلغ الإنسان ما يريد متمثلا قول الشاعر القديم :
    إذا هم ألقى بين عينيه غرمه
    ونكب عن ذكر العواقب جانبا
    ولم يستشر فى رأيه غير نفسه
    ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
    وهذا الدرس الذى ألقته الثورة لم يرد على المصريين والسودانيين كرامتهم فحسب وإنما مهد لهم الطريق المستقيمة إلى حل مشكلاتهم كلها فالخطة التى أنزلت الإنجليز عند رأى مصر فى أمر السودان يوم الخميس وأجلت الملك السابق عن مصر فى السادس والعشرين من شهر يوليو الماضى هى وحدها التى ستجلي جيش الاحتلال عن القناة في وقت قريب لعله أقرب جدا مما يظن المتفائلون والمتشائمون جميعا .
    نية صادقة وبصيرة نافذة وإرادة مصممة وقصد إلى الخير وحده بهذا كله . هذه هى الخصال التى لا تثبت أمامها المصاعب إلا ريثما تذلل ولا تقوم فى سبيلها العقاب إلا ريثما تزول وكلما قوى التجاوب بين الثورة والشعب وقوى إيمان الشعب بنفسه وحقه وكرامته وثباته على رأيه وتصميمه على إرادته واستعداده للتضحية فى سبيل الحق . كان بلوغ الغاية أدنى مدى وأقرب منالا .
    ها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد جدا نسمع القضاة يصدرون أحكامهم باسم الأمة ونقرأ القوانين والمراسيم تصدرها الحكومة باسم الأمة باسم كل واحد من أبناء هذا الوطن ، فنحس أقوى الإحساس وأصدقه بأن الأمر أمرنا نحن وبأنا نحكم أنفسنا لا يحكمنا فرد مسلط ولا تتدخل فى حكمنا قوة أجنبية وإنما يصدر الحكم من السلطة التى ائتمنت نفسها على حقوقنا والتى إئتمناها نحن على حقوقنا ، والتى ستؤدى إلينا الأمانة كاملة حين تنتهي فترة الانتقال لأنها تؤمن إيمانا صادقا لا ارتياب فيه بأن الله يأمر المؤمنين أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها .
    وها نحن هؤلاء لأول مرة منذ عهد بعيد بعيد جدا نطلب إلى الإنجليز بعد أن حزمنا أمرنا أن يجيبوا فى غير مماحكة ولا مداورة بنعم أولا . فيجيب الإنجليز بنعم غير مماحكين ولا مداورين مع أنهم أبرع أمم الأرض فى المماحكة وأمهر أمم الأرض فى المداورة والالتواء .
    هاتان وثبتان لهما ما بعدهما من غير شك لم نقهر بأولاهما الملك السابق وحده ، وإنما قهرنا بها الطغيان كله فى نفس الملك السابق وفى نفوسنا نحن والانتصار على النفس هو أعظم أنواع الفوز . وأنزلنا بالثانية الإنجليز عندما أردنا فى غير ضجيج ولا عجيج فلم ننتصر على الإنجليز وحدهم وإنما انتصرنا على أنفسنا قبل أن ننتصر عليهم لأننا أخذناها بالقصد فى القول والثبات على الرأى والبراءة من الهوى والانتصار على النفس خير أنواع الانتصار .
    وما أريد أن يخدع المصريون أنفسهم ولا أن يطمئنوا إلى ما بلغوا وإنما أريد أن يعلموا أنهم فى أول الطريق وأن حياة الشعوب شى يعرف أوله ولا يعرف آخره وأنها لا تجرى دائما على ما يشتهون .
    فهم قد كسبوا بهاتين الوثبتين شيئا كثيرا ولكن عليهم أن يكسبوا أكثر جدا وأكثر مما كسبوا .
    يجب أن يجلو الإنجليز ويجب أن يشمل الإصلاح السريع الحاسم فروع حياتنا كلها وسبيل ذلك أن نؤمن بالحق أعمق الإيمان وأقواه وأن نمضى فى سبيله غير هيابين ولا مشفقين ولا مترددين وأن ننسى أنفسنا فى سبيل ما نريد من تحقيق الإصلاح وإقرار العدل ولا أن نحفل بالعواقب ولا نكترث بالخطوب .
    وكنت إذا قوم رمونى رميتهم
    فهل أنا فى ذا بالهمدان ظالم
    متى تجمع القلب الذكى وصارما
    وأنفا حميا تجتنبك المظالم
    طه حسين

    الأهرام ١٥\٢\١٩٥٣

    سراب
    لم أؤمن قط بهيئة الأمم المتحدة التى أنشئت فى أعقاب الحرب العالمية الثانية وأحيطت بألوان لا تحصى من إعلان الاقوياء وأوهام الضعفاء ، وآمال الذين يحبون المثل العليا ويتمنون أن يتحقق العدل فى الأرض ويشيع بين الناس فيأمن الخائف ، ويطمئن القلق ، وتستقر القلوب بين الجنوب .
    لم أؤمن قط بهذه الهيئة لأن هيئة أخرى شبيهة لها قامت فى أعقاب الحرب العالمية الأولى فلم تكف معتديا ولم تقمع باغيا ، ولم تقر أمنا ولم تشع عدلا ولم تزد على أن أنفقت مالا كثيرا وملأت الأرض كلاما وأوهاما ، وأغرت الضعفاء بأن يطمئنوا إلى ضعفهم والاقوياء بأن يتزيدوا من قوتهم.
    ومن قبل إنشاء تلك الهيئة الأولى أعلن الرئيس ولسن مبادئه تلك الخطيرة لتكون أساسا للسلم ، فلم تمض شهور وأسابيع على إعلان تلك المبادئ التى ابتهجت لها الشعوب الضعيفة وابتسمت لها الدول القوية حتى كان الرئيس ولسن نفسه أشد الناس إسراعا إلى الاعتراف بالحماية البريطانية على مصر.
    ومن قبل إنشاء هذه الهيئة الثانية أذيع ميثاق الاطلنطى فابتهجت له الشعوب الضعيفة وابتسمت له الدول القوية وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة أسرع الناس إلى إمضائه . كما كان أسرع الناس إلى نقضه ونكث ما أعطى على نفسه من عهد حين فعل فعلته تلك فى بلاد اليونان التى كانت حليفته فى الحرب ، والتى اصطلت النار الألمانية ، ثم لم تلبث أن اصطلت النار الانجليزية أيضا .
    لم أؤمن بشى ء من هذا كله لأن حياة الناس قد علمتنا أن وعود الأقوياء صائرة إلى الاخلاف وأن أقوالهم إن وصفت بشى فإنما توصف بالتمويه وبأنها ذات وجهين فى أحدهما الرحمة وفى الآخر صنوف العذاب . وهم يبرعون فى بذل الوعود كما يبرعون فى أخلافها ويمتازون فى إعطاء العهود كما يمتازون فى نقضها ، تغرهم القوة حتى يصبحوا أضعف من أشد الناس ضعفا ، وأهون من أعظم الناس هوانا .
    كذلك تملق الانجليز الشعوب الضعيفة إلى أقصى غايات التملق حين احتاجوا إليها أثناء الحرب ، فلما أتيح لهم النصر تنمروا وتنكروا وأسرفوا فى البغى والطغيان وسئل رئيس الوزارة البريطانية ونستون تشرشل فى مجلس العموم أثناء بطشه باليونان عن تلك المثل العليا التى أعلنها فى ميثاق الاطلنطى فقال : تلك أشياء نتمناها، وندعو إليها، ولكن الطريق إلى تحقيقها طويلة شديدة الطول .
    وما كرهت شيئا كما كرهت إسراع مصر إلى الاشتراك فى هيئة الأمم المتحدة هذه وتوقيع ميثاقها قبل أن تظفر بحقوقها كاملة من الإنجليز وما شككت فى شى ء قط كما شككت فى مجلس الأمن هذا الذى لا يؤمن أحدا ولا يرد إلى أحد حقا ولا ينصف مظلوما من ظالم ولا يصد معتديا عن عدوان والذى سميته غير مرة مجلس الخوف . ذلك أن القوة لا ترهب إلا القوة وأن البأس لا يخاف إلا البأس وأن الحديد لا يفله إلا الحديد . ولم نر قط قويا اعطى الحق لأنه آمن بالحق ولا أقر العدل لأنه آمن بأن العدل يجب أن يملأ الأرض . وإنما الأقوياء بين اثنتين دائما ، فهم يبطشون إن أتيح لهم البطش ويمكرون ان لم يجدوا إلى البطش سبيلا .
    وهذه هيئة الأمم قائمة تجتمع فى كل ، عام مرة أو مرتين وتكلف الدول ما تكلفها من الجهد والمال . وهذا مجلس الأمن يجتمع فى كل شهر ويكلف الدول ما يكلفها من المشقة ويحملها ما يحملها من العناء ولم نر خائفا آمن ولا باغيا كف عن بغيه ، ولا مظلوما أتيح له الانصاف ، ولا ظالما آثر العدل والقصد .
    وإنما تجرى أمور الاستعمار فى ظلهما كما تعودت أن تجرى لم يتغير منها شى . شعوب تستذل وتستغل فى غير رفق ولا لين وفى غير مقاومة منها أو امتناع لا تقاوم ولا تمتنع لأنها لم تجد بعد سبيلا إلى شى من ذلك، ولا يخطر للمستذلين المستغلين أن يرفقوا بها أو يرحموها لأنهم لا يخافون بأسها ولا يخشون منها مكروها . وشعوب أخرى تكافح وتنافح وتدعو فلا تجاب ، وتقول فلا يسمع لها سامع من هيئة الأمم ولا من مجلس الأمن فتضطر إلي أن تكظم غيظها وتضبط نفسها وتمضى فى جهادها صابرة مصابرة حتى يحكم الله بينها وبين الظالمين ، والله خير الحاكمين .
    وأروع من هذا كله وأبرع ان ترفع أمور الشعوب المظلومة إلى هيئة الأمم أو مجلس الأمن فيقال فيها الكلام الكثير، وتبذل فى الدفاع عنها الجهود التى لا تحصى ، وتوضع أيدى هيئة الأمم ومجلس الأمن على مظالم الاستعمار وجرائمه فى مراكش وتونس وفلسطين وما شاء الله من أقطار الأرض التى يقع فيها الظلم المنكر فى كل لحظة من لحظات الليل والنهار. ويهتم العالم لهذا الكلام الذى يقال ، والجهود التى تبذل ، وينتظر العالم هذا القرار الذى ستصدره الهيئة أو المجلس ، والذى سينصف المظلوم ويردع الظالم ويفتح للناس أبواب الأمل فى حياة راضية آمنة .
    ثم يتمخض الجبل فلا يلد حتى الفأر وإنما يلد هواء إن صح أن يولد الهواء . هذه الدماء التى تسفك وهذه النفوس التى تزهق وهذه الحقوق التى تهدر ، وهذه الحرمات التى تنتهك ، وهذه الشعوب التى تصبح وتمسى فى شقاء وعناء وبؤس وضنك وحرمان . كل ذلك لا خطر له ولا ينبغى أن يكون له خطر. وإنما الشى الوحيد الذى يجب أن يكون له الخطر كل الخطر وأن تحرص عليه هيئة الأمم المتحدة أشد الحرص ، وتضحى فى سبيله بالحق والعدل وبالنفوس والدماء ، وبآمال الشعوب ومثلها العليا هو أن يظل، اتفاق الدول المستعمرة قائما لا يصل اليه الوهن ولا يجد الخلاف إليه سبيلا .
    فلتبطش فرنسا إذن بمن تريد أن تبطش بهم من الشعوب ولتطغ بريطانيا العظمى على من تريد ان تطغى عليهم من الناس، فليس المهم أن يصد هذا البطش أو يرد هذا الطغيان أو تمحى آثارهما ، وانما المهم أن تظل الدولتان على شى من الاتفاق تطلق يد كل منهما فيما تريد ، وفيمن تريد أن تسند إحداهما الأخرى وتسندهما جميعا الولايات المتحدة الأمريكية ما دام هذا الاتفاق على الإثم والعدوان قد يمكن من مقاومة تلك الكتلة الأخرى من الدول التى لا توافقها فى المذهب ولا فى الرأى، ولا فى تدبير شئون المال.
    الأمر كله يدور على المنفعة وعلى منفعة الأقوياء دون الضعفاء ، ومنفعة الأقوياء فى أن يقاوموا عدوهم الأكبر، فأما أعداؤهم الصغار، فما ينبغى أن يقام لهم وزن أو يلقى إليهم بال.
    كذلك يفكر المستعمرون، وكذلك يسيرون تهمهم أنفسهم ومنافعهم قبل كل شى ، وبعد كل شى ولا عليهم أن يضحى بمنافع غيرهم ونفوسهم ودمائهم ما دامت منافعهم هم مكفولة محققة .
    ولكن الغريب أن هذه المنافع ليست مكفولة وقد لا يستقيم تحقيقها كما يريدون . فمنافعهم نفسها قد يعارض بعضها بعضا ، وقد يصدم بعضها بعضا ، وقد يجب أن يضحى ببعضها فى سبيل بعضها الآخر. فقد ينبغى أن تقر فرنسا نظام الجيش الأوروبى وإن كرهه الشعب الفر نسى وقد ينبغى أن تمضى فرنسا فيما مضت فيه من سفك دماء الفرنسيين على أرض الهند الصينية فى غير طائل وإن ضج شعبها من هذه الحرب التى لا تعرف لها غاية .
    وقد ينبغى أن تضحى بريطانيا العظمى بشى من تجارتها فى الشرق الأقصى وفى شرق أوروبا ليكون حصار الشيوعية مجديا . وليس بد من أن تدفع هاتان الدولتان ثمنا لسكوت أمريكا عنهما ورضاها عما تقترفان من الإثم فى أقطار أخرى من الأرض .
    وكذلك يتفق الأقوياء على الضعفاء لا يعترض سبيلهم إلى هذا الاتفاق شى، من المصاعب أو العقبات . فإذا أرادوا أن يتفقوا على منافعهم ثارت المصاعب وكثرت المشكلات واجتمعت المؤتمرات وتفرقت فى غير طائل ، وذهب الساسة مرة إلى أوروبا ومرة إلى برمودا ثم عادوا كما ذهبوا شأنهم شأن النعامة التى ذهبت تطلب قرنين فعادت بلا أذنين.
    وأذن فليس أمام الأمم المغلوبة والشعوب المظلومة إلا خطة واحدة لا ثانية لها ، صورها الشاعر العربى القديم أروع تصوير وأبرعه فى بيته الخالد .
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
    والخير كل الخير أن نذود عن حوضنا بسلاحنا وألا نظلم أحدا ولا نرضى أن يظلمنا أحد .
    طه حسين
    الجمهورية ١١ ديسمبر٣ ١٩٥ .

    الحديث المعاد . . .
    لم أعجب قط لشىء عجبى لأن المصريين لم يملوا المفاوضات ، ولم تضق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب . وعلى كثرة ما جربناه فلم نجن منه إلا فرقة واختلافا ، وإلا بغضا وحقدا وفسادا . مع أن التجربة هى خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه .
    انى لأقرأ أحاديث الإنجليز فى هذه الأيام عن المفاوضات التى أخذنا فيها منذ حين ، فما أشك فى أنى أقرأ نفس الأحاديث التى كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن حين كان عدلى رحمه الله يدير المفاوضات والتى قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين فى لندرة أو فى القاهرة . فأعجب كيف لا نسأم نحن ، وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد . وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء فى مصر . فهم لا يكرهون شيئا كما يكرهون الجلاء . وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون ، فأما نحن فلا نحب شيئا كما نحب الجلاء .
    فما بالنا لا نتعجله ولا نتعجله بالفعل دون القول . فقد قلنا حتى كلت حلوقنا وألسنتنا وكتبنا حتى ملت أقلامنا . وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير وآن لنا أن نسدل الاستار دون هذه القصة السخيفة التى لا تريد أن تنقضى وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل . وأن نتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها . وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الاصلاح على اختلاف ألوانه لا فى هذا الانتظار الممل الذى يميت القلب ويفل الحد ويرد إلي اليأس المرهق للنفوس وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشوا أحرارا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبى وعرف العالم له حقه فى الكرامة والعزة والاستقلال .
    لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابا وشيعا يمكر بعضها تدمير بعض فقد آن لنا فيما أظن أن نعرف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا وأن نبين لهم فى وضوح لا يحتمل شكا ولا لبسا أن حديث المفاوضات لن يفرق من صفوفنا ما اجتمع ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعا وأحزابا ، ولن يلقي منا الآن إلا شعبا مجتمع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهى فى أقصر وقت ممكن إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطى كله ، وإما إلى شر لن يؤذى المصريين وحدهم ولكنه سيؤذى الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.
    قد آن لنا فيما أظن أن نشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز، بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها ، وسئمنا الانتظار كما سئموه ، وأصبحنا لا نريد إلا شيئا واحدا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل ، إما فى تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح وإما فى تحقيق الجلاء الذى لابد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب . إن مصر لم تثر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلى وحده ، وإنما ثارت على الطغيان الخارجى أيضا . بل إن ثورتها على الطغيان الداخلى لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التى تجعل مصر للمصريين حقا وصدقا . والتى تشعر المصريين جميعا بأنهم قد أصبحوا فى وطنهم أحرارا بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعانى .
    لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر ثم مضت الأعوام ولم يتكشف أعلانهم هذا عن شى .
    فاوضهم صدقى رحمه الله فلم يصل إلى شيء ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شى ء ، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدؤون ويعيدون منذ سبعين عاما أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث .
    وما لنا نتحدث إلى الإنجليز ، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا ، وأن نتحدث اليها حديث الجد الصارم الحر الذى لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين
    لا ثالثة لهما : منزلة الحياة العزيزة الكريمة أو منزلة الجهاد العنيف الذى يجشم أصحابه الهول وقد ينتهى بكثير منهم إلى الاستشهاد.
    أن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغى الخارجى والغدر الداخلي فيجب أن يكون لقاؤهم درسا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب ، ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة . إنما تكتسب بأقصى غاية الجود ، وهو بذل النفوس لها ثمنا . ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل فى سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير. ويعلم الشعب إن كان لم يعلم بعد أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب فى ألوان النعيم . كل هذه أشياء لا ينبغى أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذى يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون .
    آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي وهى طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.
    يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التى لا تغنى عنهم شيئا لأنهم لا يحتاجون إليها ولا تغني عنا شيئا لأنها رحمة عقيم تجرى بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة .
    إنما الرحمة الصحيحة التى ينبغى أن نلقى بها هؤلاء الشهداء هى هذه التى تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير وهى رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غرة ولا يطمع فيها الطامع ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات .
    بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدا نعطيه على أنفسنا لا بالصياح الذى يملأ الجو ويصم الاذان ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كراما . وأول مظهر لهذه الكرامةأن نرفض الاحتلال الأجنبى ونأباه ونشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه .
    كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذى يقام للقائهم أم لم يشهده .
    فرب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعى إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذى تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التى ستتلقى عنا هذا الوطن تراثا حرا كريما.
    وليكن هذا اليوم الذى نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذى نعطيه للثورة وقائدها على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلا نشد أزرهم وهم يفاوضون ونستجيب لدعائهم إن لم تنته المفاوضات إلى ما نريد ويريدون وليكن هذا اليوم يوم القسم الذى نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نخدع مرة أخرى كما خدعنا من قبل بهذا الحديث المعاد حديث المفاوضات .
    طه حسين
    الأهرام ، ١٠\٥\١٩٥٣

    تعقيد
    هو هذا الذى أصاب الأمم المستعمرة ، منذ تكشفت الحرب العالمية الأولى ، عن تنبه الأمم المغلوبة الى حقها ، فى أن تعيش حرة كريمة وإلحاحها فى المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.
    فقد وجدت هذه الأمم المستعمرة فى هذا التنبه شيئا من التحدى لقوتها وبأسها وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرضتها لأخطار جسام فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضية لأن هذه الاستجابة تضيع عليها كثيرا من المنافع ، وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذى ظهر هنا وهناك فى الأمم المستضعفة ، فليس من اليسير ولا من الهين على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التى تشب فى الهند ، وتشب فى مصر أو تضطرم نارها فى سوريا ، أو فى العراق والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء وكذلك نشأ هذا التعقيد . تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء فى نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التى تطالبها الأمم الضعيفة بحقها فى الاستقلال . فكان ما كان من تلك الخطوب التى جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة . ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرا حين كانت الحرب العالمية الثانية . وحين اجتاحت ألمانيا ، فى أول هذه الحرب ، غرب أوربا ، واضطرت الامبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف ، وأشدها نكرا ، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة فى الشرق لتأمن جانبها أولا ولتستعين بها ثانيا على كشف الغمة وجلاء الغمرة ودفع البلاء .
    فى ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة وتتابعت الأمانى الرائعة وظنت الأمم الشرقية ، الخاضعة للسلطان البريطانى ، خضوعا خالصا أو خضوعا مشوبا أنها ستظفر باستقلالها كاملا غير منقوص حين تنجلى غمرة الحرب .
    وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة ، السير ونستون تشرشل عذب الحديث حلو اللهجة ، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم ، أو حين يتحدث عنها وكأن العالم الشرقى يرى فى تحول هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار الى هذا اللين والاسماح آية من آيات الحرب وعلامة على أن الانسانية قد أقبلت على تطور حقيقى خطير، لحياتها التى أفعمتها الكوارث والمحن والآلام .
    ولم يشك أشد الناس تشاؤما من الشرقيين فى أن العالم صائر الى الحسنى ، ومنته آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوى ، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة فى ظل ممدود من العافية والسلامة والسلام .
    ولم تكن فرنسا المهيضة أقل من الامبراطورية البريطانية تقربا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها ولا أقل منها بذلا للوعود وتجلية للأمانى ، وتزيينا للآمال . فأهل سوريا ولبنان يعلن اليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى وأهل تونس ومراكش يقال لهم فى كل يوم ، أن استقلالهم آت بعد الحرب لا ريب فيه ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التى تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستملأ عدلا بعد أن ملئت جورا وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب ، وعلى ما تشتهى ، وبأن الحرية الحرة ستكون قوام العالم الجديد . ولكن الحرب لا تكاد تنتهى حتى ينكشف الأمر عن حقيقته ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنا بالمنى ، والأحلام وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم ، وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة ، وكبرياؤه تلك التى كانت يعرف بها قبل الحرب ، وإذا هو يصرح ذات يوم فى مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها فى تقرير مصيرها كل هذه الخصال ، ألوان من المثل العليا التى يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر، والاحتمال والانتظار، والأناة . وأن الانسانية تسعى إلى هذه المثل العليا وقد تصل إليها فى يوم من الأيام.
    ولم تكد الحرب تنتهى حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبى وتجرعت من هذا الاحتلال غصصا ، ونسيت كل النسيان ، وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التى زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان . وقد أتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتيح لهما تحقيق الاستقلال .
    أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب مادة قيمة للجيش الفرنسى ، ومرتعا خصبا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا فى تلك الأرض ، يستغلونها ، ويستذلون أهلها يرون ذلك حقا لهم ، لا ينبغى الجدال فيه .
    ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربى ، والغرب الأوربى، بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب ، أمم مغلوبة تطالب بحقها وأمم غالبة تلتوى بهذا الحق ، وألوان من الكيد والخداع ، وفنون من المداورات والمناورات ، وضروب من الحيل والمكر وكلام كثير ، يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذى يتعمده أصحابه تعمدا ولا يضطرون إليه اضطرارا .
    والناظر إلى البلاد العربية فى هذه الأيام، يرى عجبا أى عجب. يرى مصر ما زالت على حالها التى كانت عليها قبل الحرب وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء مازالت تدور فى تلك الدائرة التى تسمى المفاوضات والمحادثات وهى لا تدور فى هذا الدائرة وحدها ، وإنما يدور معها الانجليز ، فالمفاوضات تبدأ لتنتهى وتنتهى لتبدأ ، وتسير لتقف وتقف لتسير ، والعالم يرى ويعجب ، ولا يقول شيئا أو لا يصنع شيئا .
    ويرى شمال افريقيا على نفس الحال التى كان عليها قبل الحرب ، وحين انتهت الحرب . لم يتغير من أمره شى ، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه ، وتنأى عنه لتعود إليه ، لا تستريح ولا تريح ، تقول كثيرا ولا تصدق فى شى مما تقول ، وتسرف فى الوعد ، ولا تفى بشى مما تعد . وممثلوها فى شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المر الذى يزهو النفوس ، ويريق الدماء ، ويملأ الأرض كذبا وكيدا ونفاقا . والانسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئا ولا تصنع شيئا ، ولا تستخذى من هذه الموبقات التى ينبغى أذ يستخذى منها كل رجل كريم .
    فملك تونس يكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يذعن وبين ان يخلع، وملك مراكش يصنع به نفس هذا الصنيع ثم تشترى ضمائر بعض الموظفين فى حكومته بالمال لتطالب الأجنبى بخلع السلطان ، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الاسلام .
    وكذلك يفسد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الاسلام من المسلمين . والضمير العالمى يرى هذا كله ، فلا يكاد يحفل به . أو يلتفت اليه وأغرب من هذا كله أن هيئة الامم المتحدة تجتمع بين حين وحين ، ويتحدث الخطباء فيها من الانجليز والفرنسيين وغير الانجليز والفرنسيين عن العدل الذى يجب أن يملأ الأرض ، وعن الحرية التى يجب أسن تتاح للأمم وعن المساواة التى يجب أن تتحقق بين الشعوب .
    ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسى الغريب المختلط الذى أصاب هذه الأمم الغربية المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء . وأفسد عليها تقدير ما يكون ، وما لا يكون . وتقدير ما يحسن وما لا يحسن ، واضطرها إلى أن تعيش فى عصر قد انقضى منذ زمن بعيد .
    كل مطالبة بالاستقلال – تصدر عن مصر – ترى فيها بريطانيا العظمى ، تصفية للسلطان البريطانى على العالم . مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم ، منذ وقت غير قصير وهو فى طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارا تاما .
    وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعا فى السلطان الفرنسى ، وتحديا للقوة الفرنسية . واستخفافا بالبأس الفرنسى العظيم .
    مع أن قوة فرنسا وبأسها ، قد تعرضا لخطر أى خطر حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبى ، وهى الآن بسبيل استرجاع شى، من هذا البأس وتلك القوة وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها ، لتقر وراء البحر سلطانا لا سبيل إلى أن يستقر ، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد .
    وأغرب ما فى أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم فتراهم يرون رأيك ، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش فى هذا العصر الحديث .
    وأمر الفرنسيين أعجب من أمر الانجليز فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ، ورجال الثقافة فيهم . ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد ، عددا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية . وأثناء الحرب ، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها . وتحدثت إليهم فى شؤون إفريقيا الشمالية فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أنكرها ، وسخط على ا لاستعمار الفرنسى كما أسخط عليه .
    وفى هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا فى شمال إفريقيا ، ومنهم من ألف فى ذلك كتبا قيمة ، ومنهم من خصص لذلك أعدادا من بعض المجلات الكبرى ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة فى باريس لإعلان انكارهم ، لسياسة الذين يمثلون فرنسا فى شمال افريقيا . ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعا على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم فى البيئات الفرنسية المختلفة لا يصلون إلى شى وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون ، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرأونهم حسابا.
    وللشعب الفرنسى مع ذلك برلمان ، يقال إنه يمثله تمثيلا صادقا ، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية فى شمال إفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية فى الهند الصينية ، ولكن الحكومة الفرنسية على رغم هذا كله ماضية فى سياستها ، مصرة عليها لا تغير منها شيئا .
    وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان ، قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا فى شمال افريقيا وزعم أن الممثلين لفرنسا فى هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال .
    فأعجب لشعب ينكر سياسة حكومته. فى محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة ثم ينظر الشعب ، وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يغير من أمرها شيئا .
    ما مصدر هذا كله ! هو من غير شك هذا التعقيد الذى أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة فى الحرب الأخيرة والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق فى الحرية وفى أن يدبروا شؤونهم بأنفسهم ولهم الحق الكامل فى أن ترعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء .
    يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذى ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفرض عليهم الاحتلال.
    ولست أعجب لشى كما أعجب لهذه الظاهرة الغربية التى نشهدها فى هذه الأيام فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية ، فيدعون إليها ويحثون على الايمان بها ، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما فى الاناجيل من أصول العدل والانصاف ، فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم . وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء ، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب الى كنائسهم فى أيام الآحاد .
    وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربى والغرب الأوروبى على هذا التعقيد المنكر الذى يفسد من أمر الحضارة كل شى ويضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرا مما كان يمكن أن يبذل فى ترقية الحضارة وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان .
    ومن يدرى لعل الله أن يمن على الذين استضعفوا فى الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ويمكن لهم فى الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون .
    طه حسين
    الأهرام ١٩٥٣/٦/٦ .

    تشريف وتكليف
    لست أدرى أيتاح لهذا الحديث ان يقرأه رئيس الجمهورية وقائد الثورة اللواء أركان حرب محمد نجيب . وأنا مع ذلك أتمنى أن يقرأه فإنى لم اكتبه إلا مفكرا فيه أعمق التفكير ومكبرا له أصدق الاكبار، وموضوع هذا الحديث يسير جدا قرأته الآن فى صحيفة إيطالية بعيدة الصوت واسعة الانتشار . وهى صحيفة الأحد التى تصدرها الكوريرى دلاسيرا ليقرأ فيها الناس الاخبار التى يجب أن يقرأوها حين تحتجب الصحف فى هذا اليوم من أيام الاسبوع.
    فقد ذهب ممثل هذه الصحيفة إلى مراكش وزار مدنها الكبرى إثر الأحداث التى وقعت فيها أخيرا وتحدث إلى قرائه بما رأى وما سمع ، وكان بعض ما روى لقرائه مما رأى هناك موضوعا لهذا الحديث . فهو قد رأى أن صور السلطان الذى أقصاه الفرنسيون عن وطنه قد نزعت من مكانها وصادرتها الشرطة ولم توضع مكانها صور السلطان الجديد وإنما ترك هذا المكان خاليا وإلى جانبه صور لقائد الثورة ورئيس الجمهورية المصرية اللواء أركان حرب محمد نجيب .
    وليس يعنينى الآن ولا يعنى قراء الاهرام من مقال الصحفى الايطالى إلا هذا النبأ فنحن نقرأ أنباء مراكش فى الصحف العالمية على اختلافها مفصلة مرة ومجملة مرة أخرى صادقة أحيانا مغالية فى كثير من الاحيان .
    ولست أدرى أيشعر القارى المصرى بما شعرت به حين قرأت هذا النبأ وهو الفخر المؤلم والسرور الحزين ، وأى فخر يجده المصرى اعمق فى القلوب اثرا ، وأبعد فى النفوس صدى ، من هذا الذى يجده حين يقرأ فى صحيفة أجنبية لا تتملق رئيس الجمهورية المصرية لأنها ليست فى حاجة إلى أن تتملقه ولأنها لا تنتظر منه خيرا ولا تخاف منه شرا إن صورة هذا الرئيس قد وضعت إلى جانب صورة السلطان المنفى فى أسواق الأحياء الوطنية من مدن مراكش وحوانيتها فلما نفيت صور السلطان كما نفى السلطان نفسه بقيت صورة نجيب رمزا لما يحتاج المراكشيون اليه من العزاء ورمزا كذلك لما يملأ قلوبهم من الأمل ، وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يجده حين نعلم أن رئيس الثورة التى حررت مصر من الطغيان وتريد أن تحررها من
    الاستعمار ليست رمزا للتحرير فى مصر وحدها ولكنها رمز للتحرير فى البلاد الاخرى التى تشقى بالاستعمار وطغيان الاجنبى وخيانة بعض المواطنين .
    فخر يملأ النفوس بهجة ورضى لولا إنه مشوب بحزن يحول بينها وبين الاستمتاع بتلك البهجة وهذا الرضى. فهؤلاء الملايين من المراكشيين الذين استبقوا صورة نجيب حين نزعت منهم صورة السلطان الذى يؤثرونه بالحب ويختصونه بالولاء والوفاء يجدون فى نفوسهم ما لا نكاد نتصوره من البؤس والخزى والشقاء . كانوا يرون أنفسهم أحرارا فأظهر الاستعمار لهم أن حريتهم لغو من اللغو ووهم من الوهم. وكانوا يرون أنهم كرام. فأظهر الاستعمار لهم أن كرامتهم لا تثبت أمام المدفع والمتراليوز. وكانوا يرون أن لهم سلطانا يمثل حريتهم وعزتهم وكرامتهم فعدا الاستعمار على هذا السلطان فأقصاه عن وطنه واتخذه واتخذ بنيه وأسرته كلها رهائن عنده فى جزيرة من جزر البحر ليس يدرى أيقيم فيها إقامة المستقر أم ينقل منها إلى حيث لا يعلم ولا يريد.
    ثم لم يقصى الاستعمار هذا السلطان وحده إنما أقصى معه صوره التى كان المراكشيون يجدون فيها العزاء والأمل حين تثقل عليهم وطأة الاستعمار. وأى سرور يجده القارى المصرى يعدل هذا السرور الذى يغمر القلوب حين نقرأ فى هذه الصحيفة الأجنبية أن صورة السلطان الذى كان المراكشيون يحبونه قد أزيلت من أماكنها وأن صورة نجيب قد بقيت فى مكانها ترد على المراكشيين ما فقدوا بنفى سلطانهم ونزع صوره من العزاء والرجاء .
    ولكنه سرور يشوبه ظلم لاذع وحزن ممض لأن نجيبا بعيد عن هؤلاء المراكشيين، تستطيع صورته أن تقول لهم ما تشاء فى صمتها الرائع البليغ، ولكنهم فى حاجة ألى أكثر مما يستطيع الصمت أن يقوله. هم فى حاجة إلى الكلام الحى الذى يحيى القلوب، وهم فى حاجة الى العمل الحى الذى يميت اليأس ويمحو القنوط ويعيد الى النفوس حب الحياة والثقة بأنها خليقة أن يحياها أصحابها لأن فيها أكثر من الأكل والشرب والنوم فيها الشعور بأن العزة ليست وهما وفيها الشعور بأن الكرامة ليست أمنية ، وفيها الثقة بأن هذه القيم كلها حقائق موجودة يستطيع الناس أن يستمتعوا بها ويجنو ثمرها فيقولون دون أن يأخذوا بما يقولون ويعملون وينشطون مطمئنين إلى أنهم سينعمون بما يؤتى نشاطهم من ثمر لا يستأثر به من دونهم طاغ ولا باغ ولا مستعمر ولا متجبر.
    هؤلاء المراكشيون الذين ينظرون إلى صورة نجيب يحتاجون إلى أن يروه وإلى أن يقولوا له ليشعروه بما يجدون من ألم وإلى أن يقول لهم ليشعرهم بما يملأ نفسه من أمل وثقة بأن الاستعمار إلى زوال وبأن الشعوب المستضعفة قد آن لها أن تقوى وتكرم وتعز على نفسها وعلى الناس، ولكن أين هم من نجيب أو أين نجيب منهم!
    بهذا الفخر والسرور وبهذا الحزن والأسى شعرت حين قرأت ما قرأت فى هذه الصحيفة الايطالية . وما أشك فى أن إكبار المراكشيين لصورة نجيب تشريف لهذا الرجل الذى أنقذ وطنه من بعض الشر ويريد أن ينقذه من الشر كله .
    وما اشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف وحده فهو أبعد الناس عن الاثرة وابغضهم لها ولكنه سيرد هذا الشرف الى وطنه اولا ، فهو الذى انشأه وبعث فيه روحه القوى الذكى ، ورفعه الى حيث هو الآن وسيرد هذا الشرف الى اعوانه الذين جاهدوا معه ويجاهدون ليخرجوا مصر من الظلمة الى النور ومن الضعف الى القوة ومن الهوان الى العزة والكرامة .
    وما أشك ايضا فى ان نجيبا سيفهم هذا التشريف كما فهمته ، وكما يجب ان يفهمه المصريون جميعا وكما ينبغى أن يفهمه الرجل الذى يجد فى نفسه شعور الرجولة والمروءة . ذلك أن التشريف فى نفسه ليس كلاما يرسل إرسالا ولا ثناء يكال كيلا ولا تمجيدا لا يتجاوز إرضاء من يساق إليه ، وإنما التشريف تكليف قبل كل شئن هو مطالبة بأداء الواجب كما ينبغى أن يؤدى الواجب كاملا غير منقوص .
    إنما المنافقون والمراؤون هم الذين يمدحون لا يريدون من المدح إلا رضى هذا الذين يمدحونه عنهم وعنايته بهم وعطفه عليهم فأما الصادقون المخلصون الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأعمالهم نفاقا ولا رياء ولا تحقيق منفعة عاجلة لأشخاصهم ، فإنهم حين يشرفون من يشرفون يعترفون له ببعض فضله ويطالبونه بأن يضيف فضلا إلى فضل . يسجلون له بعض إحسانه ويلحون عليه فى أن يضيف إحسانا الى إحسان يقدرون له ما فعل وينتظرون منه أن يفعل أكثر مما فعل على هذا النحو فهمت تشريف المراكشيين لنجيب . وما أشك فى أنه يفهم تشريف المراكشيون له على هذا النحو ، هم يحمدون له ما فعل فى وطنه وينتظرون منه أن يمضى فى الطريق التى سلك وأن يتم ما بدأ بالقياس إلى وطنه وهم يعرفون أن مصر وطن عظيم وأن نجيب رجل عظيم وأن عظمة الأوطان والرجال تنفى الأثرة أشد النفى . فالوطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير من دون
    غيره من الأوطان والمواطن العظيم لا يؤثر نفسه بالخير ولا يؤثر وطنه بالجهد وإنما يفيض من شدة وجده وحبه للخير على كل من يحتاج إلى المعونة والتأييد .
    ان فى نفوس المراكشيين الآن عقدة أليمة يجب أن نعينهم على حلها ، لأننا وجدنا هذه العقدة فى أنفسنا وهى عقدة فيها كثير من الخزى وكثير من الذل لانهم ظلموا فى وطنهم وأوذوا فى كرامتهم وأكرههم المستعمر لأنهم لا يملكون من أمرهم قليلا ولا كثيرا. فمن الحق علينا جميعا أن نرد عليهم شيئا من ثقة ليعلموا وليخلصوا من هذه العقدة وأن نشعرهم بأن النوب تنوب وبأن الخطوب تلم ولكنها لا تلبث أن تزول وإنما هى الغمرات ثم ينجلين ، كما كان يقول قادة المسلمين حين كانت تلم بهم الأزمات أيام الفتح .
    يجب أن نشعر المراكشيين بأنهم لا يشقون وحدهم بما نزل بهم من مكروه وإنما يشقى به معهم إخوانهم فى اللغة والتاريخ والدين.
    وأنا واثق بعد هذا بأن تألب الأمم القوية على الأمم الضعيفة لن ينفع الأقوياء ولن يضر الضعفاء . فقد تغيرت حياة الناس وتغيرت الظروف المحيطة بهذه الحياة وأصبح من الحق الذى ليس فيه شك أن الكرة الجامحة لن تغنى عن أصحابها شيئا وأن الشعوب إذا أحست حقوقها وطالبت بها لن يردها شيء حتى تظفر بهذه الحقوق .
    يجب أن يشعر المصريون جميعا بمثل ما يشعر به رئيس الجمهورية من أن تشريف المراكشيين لشخصه إنما هو تشريف لوطنه ومن أن هذا التشريف تكليف لنا أن نعمل ما نستطيع لمواساة اخواننا على ما أصابهم من الباساء والضراء وأن نكون أهلا لحسن ظنهم بنا وصدق رأيهم فينا.
    طه حسين
    الأهرام٤ سبتمبر ١٩٥٣ .

  • قضايا عالمية | Global Issues

    World War II

    الحرب العالمية الثانية

    أزمة
    كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
    وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
    في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
    وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
    وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
    ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
    ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
    وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
    هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
    وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
    هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
    ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
    وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
    وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ .


    Independence

    الإستقلال

    فكرة الاستقلال
    من الأوليات التي يجب ألا نغفل عنها ولا نقصر فى استحضارها أمام أنفسنا دائما ، أن الأزمات العنيفة التي تلم بالإنسانية بين حين وحين ، تستتبع دائماً تغيير طائفة من القيم التي ألفها الناس .. وقد تتغير المعانى تغيراً شديداً وتبقى الألفاظ التي كانت تدل عليها كما هى لا يصيبها تغيير ولا تبديل ، فينشأ عن ذلك كثير من الاختلاط والاضطراب ، إذا لم نلاحظ هذه الأولية التى أصورها الآن . وفكرة الاستقلال من هذه الأفكار التي تغيرت قيمتها بحكم الأزمات العنيفة التي ألمت بالإنسانية منذ أول هذا القرن ، وليس من شك فى أن كلمة الاستقلال تدل الآن على معنى مخالف للمعنى الذي كانت تدل عليه قبل أن تثار الحرب العالمية الأولى .
    في ذلك الوقت ، كانت كلمة الاستقلال تدل على الحرية الكاملة ، أو التي تشبه أن تكون كاملة لأى أمة من الأمم فى تقرير ما يعنيها من الأمور .. في سياستها الداخلية والخارجية على اختلاف فروع هاتين السياستين .. فبريطانيا العظمى مثلا ، كانت تستمتع بحرية كاملة في تدبير شؤونها كلها ، سواء منها ما يمس حياتها في أرض الوطن البريطاني ، وما يمس الصلة بينها وبين أجزاء الامبراطورية البريطانية ، وما يمس الصلة بينها وبين الدول الأخرى .. قوية كانت هذه الدول أم ضعيفة
    ولكن الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا العظمى إلى أن تتعاون مع حلفائها وأن تلائم بين سياستها الخارجية وسياسة هؤلاء الحلفاء ، بل أن تلائم بين سياستها الداخلية وبين ما تقتضيه الحرب من الجهود ، فكان ذلك تضييقا لاستقلالها وحدا من حريتها في الاستمتاع بهذا الاستقلال . كانت بريطانيا العظمى بحكم استقلالها المطلق تستطيع أن توجه سياستها الخارجية أثناء الحرب توجيها يناقض اتجاه السياسة الفرنسية مثلا ، ولكنها لو فعلت لعرضت التحالف للخطر ولأضاعت على نفسها وعلى حلفائها ما كانوا يبتغون من النصر . وهي كذلك كانت تستطيع أن تنظم اقتصادها كما تشاء ، معارضة في ذلك ما كان حلفاؤها يتخذون لأنفسهم من نظم اقتصادية ، ولكنها لو فعلت لقصرت في الجهد الحربى ولأفسدت الأمر بينها وبين حلفائها ، ولعرضت نفسها وعرضتهم للهزيمة والخذلان . فهي قد اضطرت إذن كما اضطر حلفاؤها إلى تنسيق الجهود التي تقتضيها الحرب ، وإلى الاتفاق فى التوجيه السياسي إلى وجهة واحدة وهي الاستكثار من الأصدقاء والاستعانة بكل ما يمكن الاستعانة به على كسب الحرب .
    وإذا ذكرت تنسيق الجهود وذكرت التعاون والاتفاق على التوجيه السياسي ، فقد ذكرت النزول عن شيء من الاستقلال قليل أو كثير . ولكن هذا النزول قد كان اختياريا – إن صح هذا التعبير – أرادته بريطانيا العظمى لتكسب الحرب ، وكانت تستطيع ألا تريده وأن تعرض نفسها للهزيمة ، وكانت تستطيع ألا تريده وألا تشترك في الحرب أصلا . ولكنها اشتركت فى الحرب عن إرادة حرة ، فاحتملت نتائج هذا الاشتراك عن إرادة حرة أيضا ، ونزلت عن بعض استقلالها راضية مختارة لم يكرهها على ذلك أحد ، ولم يضطرها إليه شعب من الشعوب ، فهى فى حقيقة الأمر لم تنزل عن بعض استقلالها لأحد وإنما نزلت عنه للظروف والضرورات العامة التي يخضع لها الناس جميعاً .
    وانتهت الحرب العالمية الأولى واستردت الأمم المنتصرة كثيراً من استقلالها الذي نزلت عنه للظروف ، ولكنها لم تسترده كله ، وإنما ظلت مضحية بجزء منه في سبيل تنظيم السلم فلم يكن بد من التعاون على تنظيم السلم كما لم يكن بد من التعاون على كسب الحرب . وأيسر ما نلاحظه من النزول عن بعض الاستقلال بعد انتهاء الحرب استمرار التعاون على وضع معاهدات الصلح أولا ، فقد كانت لكل دولة من الدول المنتصرة مذاهبها في معاملة المنهزمين ، ولكنها اضطرت إلى أن تلائم بين هذه المذاهب ، وإلى أن تنزل كل دولة عن بعض آرائها حتى لا تضيع جهود الدول كلها ، وحتى لا يصبح بعض المنتصرين لبعض عدواً ، ثم النزول عن بعض الاستقلال الاقتصادى ثانياً . فليس في بلاد الأرض بلد يستطيع أن يستغنى بموارده عن البلاد الأخرى ، ولا سيما في أعقاب الحروب العنيفة . ثم النزول عن بعض السيادة . ثالثاً بإنشاء عصبة الأمم التي كان عهدها يفرض على أعضائها أشياء تناقض السيادة الكاملة قليلا أو كثيراً .
    وواضح جداً أن حياة أوربا ، بل حياة العالم بعد الحرب العالمية الأولى ، كانت صراعا متصلا بين استرجاع الاستقلال كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه في سبيل المصلحة العالمية العليا . فأما أمريكا فلم تمض في هذا الصراع ، وإنما رفضت ما أقره رئيسها ولسن ، واستردت حريتها كاملة ولم تشترك فى عصبة الأمم مع أنها هي التي اقترحتها .
    وأما الدول الأخرى المنتصرة فقد مضت في هذا الصراع على أن تسترد استقلالها شيئا فشيئا ، وتتخذ العبث بعصبة الأمم وعهدها وسيلة إلى استرجاع هذا الاستقلال . وقد نشأ في ذلك من الاصطدام بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ما يعرفه الناس جميعا ، وما قضى بأن تنسحب بعض الدول من عصبة الأمم مع انها شاركت في تأسيسها . وليس شبوب الحرب العالمية الثانية إلا نتيجة لهذا الصراع العنيف المتصل بين الأثرة التي كانت تدفع الأمم إلى استرجاع استقلالها كاملا موفورا ، والايثار الذي كان يدعو الأمم إلى النزول عن بعض هذا الاستقلال رعاية للسلم وتحقيقا للمصالح الانسانية العليا . وقد تغلبت الأثرة على الايثار فانهارت السلم وانهارت معها عصبة الأمم ، وشبت الحرب من جديد واضطرت الدول الكبرى إلى أن تعود إلى النزول عن كثير من استقلالها لتنسق جهودها مرة أخرى في سبيل كسب الحرب .
    وقد انتهت الحرب العالمية الثانية وعاد المنتصرون إلى الصراع القديم بين استرجاع استقلالهم كاملا موفوراً واستبقاء النزول عن بعضه لتقوم السلم على أساس متين .
    فالذين يجتمعون في موسكو الآن قد يدرسون هذه المسألة أو تلك من المسائل الدقيقة التي تثير بينهم الخلاف ، ولكنهم فى حقيقة الأمر إنما يدورون حول مسألة واحدة هي مسألة الاستقلال .. أيسترده كل منتصر كاملا موفورا فيدبر أمره وسياسته ونفوذه وصلاته الخارجية كما يريد ، أم ينزل عن بعضه لتنسق الجهود في السلم كما كانت منسقة في الحرب !
    هذه هى المسألة التي يدور حولها اجتماع موسكو كما دار حولها اجتماع لندره ، وكما دارت حولها الاجتماعات الأخرى التي عقدت في الدار البيضاء وفي القاهرة وفي طهران وفى القرم وفى بوتسدام . والظريف أن العالم يشهد الآن منظرين لا يخلوان من طرافة : أحدهما منظر هذا الاجتماع الصغير الخطير الذي ينعقد الآن في موسكو ، والآخر منظر هذا الاجتماع الكبير الذي يهيأ الآن لانعقاده فى لندرة ، وهو اجتماع الأمم المتحدة . فأما الاجتماع الصغير في موسكو فهو اجتماع عملي يواجه المسائل في صراحة بشعة مخيفة ليس فيها أثر للمثل الأعلى ولا للطموح إلى الكمال ، وإنما هي المنافع تلتقى لتنظر أتستطيع أن تتفق أم هى مكرهة على الاختلاف . فهل تطلق يد روسيا السوفييتية فى شرق أوروبا وجنوبها ، وهل تطلق يد بريطانيا العظمي في غرب أوروبا ، وكيف تنظم شؤون إيران وتركيا؟ وإلى أى حد تطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأقصى ، وكيف يقام التوازن بين المنتصرين فى الشرق الأدنى وفي الشرق الأوسط ؟ أو أين يكون موقع الطاقة الذرية من هذا كله ؟ هذه هي المسائل البشعة التي يدور حولها اجتماع موسكو فى صراحة ما نظن أنها ترضى الاخلاق أو تلائم طموح الناس إلى الرقى والكمال . أما الاجتماع الكبير الآخر الذى يهيأ الآن لاجتماعه في لندرة فهو اجتماع مثالي – كما يقال – لن يذكر فيه إلا السلام الشامل والعدل الكامل والتعاون على نشر الحرية والمساواة ، وعلى تأييد الحق والانصاف . وكذلك ينظر العالم الآن إلى المنافع وهى تلتقى سراً في موسكو لتدبر أمرها على خفية من الناس ، وإلى المثل العليا ، وهي تريد أن تلتقى جهرة فى لندرة لتسمع العالم ألوانا من العناء الذي يحسن وقعه في القلوب والنفوس .
    وفي هذا شيء من الرقى من غير شك ، فليس الخير فى حاجة إلى الاستخفاء ، وهو من أجل ذلك حاول أن يعلن نفسه في سان فرنسسكو ويحاول أن يعلن نفسه في لندرة ، وأما الشر فهو الذي يستخفى ويجتهد في أن يستر نفسه عن العيون . وقد حاول أن يظهر في لندرة حين اجتمع وزراء الخارجية للدول الخمس فأنكره الناس وكرهوا منظره وضاقوا به وأشفقوا منه ، فهو يستخفى الآن فى أعماق الكرملين يبحث لنفسه عن زينة يخدع بها الناس عن أنفسهم
    ولا يظن القارئ أنى اعمد إلى الاستعارة والمجاز وتزيين القول ، وإنما هو الحق الواقع أصوره كما هو ، فاجتماع الأمم المتحدة ينعقد جهرة فى سان فرنسسكو ولندرة لأنه محاولة – قوية أو ضعيفة خصبة أو عقيمة موفقة أو مخفقة – لإقامة السلم وتحقيق التعاون والتقريب بين الشعوب . والاجتماع الخاص فى موسكو إنما هو الاجتماع لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب وتنظيم النفوذ ، على أن يكون هذا كله شيئا يظهر أقله ويستخفى أكثره ويتخذ أساساً لمسلك المنتصرين فى اجتماع الأمم المتحدة ، والأمر كله يدور على فكرة الاستقلال هذه ، أيستردها المنتصرون كاملة موفورة فيصبح بعضهم لبعض عدوا ، أم يمضى المنتصرون في تنسيق الجهود وتنظيم التعاون والنزول عن بعض الاستقلال أثناء السلم كما نزلوا عن بعضه أثناء الحرب فيتاح لهم أكل الأمم المستضعفة في هدوء ورفق وفي غير حرب ولا صراع !؟
    أما فكرة الاستقلال بالقياس الى الأمم الضعيفة ، أو الى الأمم المستضعفة ، فأمرها شر من أمر الاستقلال بالقياس إلى الدول الكبرى المنتصرة . ولست أذكر الأمم المحررة ، فان قصتها مؤذية للنفوس حقا .. فهذه الأمم قد ضحت باستقلالها كله في سبيل النصر ، ووعدت بأن يرد إليها هذا الاستقلال كاملا موفوراً ، وهو يرد إليها الآن قطرة قطرة ، ويرد إليها بشرط أن تذعن لسلطان المنتصرين ، وأن تشكل استقلالها كما يريدون هم ، لا كما تريد هي .. فان لم تفعل ، فستتعرض للجوع والبرد والشقاء والحرمان .. وأما الأمم المستضعفة فاستقلالها فكاهة من الفكاهات ، هي أعضاء تشترك في جماعة الأمم المتحدة ، يقول ممثلوها ما يشاءون ، ويستمتعون بالمساواة مع ممثلى الدول الكبرى . ولكن هذه الأمم يجب أن تخضع لهذا المنتصر أو ذاك ، حسب موقعها من مناطق النفوذ ، ويجب أن تخضع للمنتصرين جميعاً حين يتفق المنتصرون جميعاً ، فاذا اختلفوا وجب عليها أن تنحاز لمن تقع في منطقة نفوذه .
    وكذلك توجد أمم مستقلة بمعنى جديد لم يكن معروفاً قبل هذا القرن ، أو كان معروفاً في العصور القديمة أيام الرومان ، ثم نسيته الانسانية حيناً من الدهر ، ثم عادت فتذكرته وأخذت في إحيائه الآن ، وهو الاستقلال الذي يعتمد على الحلف بين القوى والضعيف .. للقوى حقائق الأشياء ، وللضعيف مظاهرها وأشكالها . وقد عرف التاريخ القديم دولا في الشرق كانت لها مظاهر الاستقلال السياسى كاملة ، وكانت حليفة لروما وكانت كلمة الحلف توشك أن تدل على ما كانت تدل عليه كلمة الحماية منذ حين . فهذا النوع من الاستقلال القديم الجديد هو الذي أخذ ينتشر في الشرق منذ الحرب العالمية الأولى ، ويظهر أن الانسانية أحبته وكلفت به فهو يريد أن ينتشر في أوروبا أيضاً ، فاليونان مستقلة الآن ، ولكن البريطانيين يقضون في شؤونها الداخلية كما يشاءون . فان لم يتح لهم ذلك فقد كانت هناك مدافع ودبابات تردهم إلى الصواب في العام الماضي ، وما زالت هناك أموال ترد اقتصادهم إلى الاستقلال إن عقلوا وتدفعهم إلى الهوة إن آثروا الجنون . ورومانيا مستقلة وبلغاريا مستقلة أيضاً ، ولكن بشرط أن يستظل هذا الاستقلال بظل من روسيا ، وإلا فان مستقبل رومانيا وبلغاريا معرض لخطر شديد . والمهم هو أن كلمة الاستقلال قد أصبحت الآن من هذه الكلمات المرنة التي يمكن أن تمتد حتى تدل على كل شيء ، وأن تنقبض حتى لا تدل شيء ، يمكن أن تمتد فتدل على استقلال دول الشرق الأدنى ودول البلقان وإيران أيضاً وتونس ومراكش إن شئت ، فان لهذه الدول كلها مظاهر الاستقلال على نحو من الأنحاء ، ويمكن أن تنقبض حتى لا تدل على شيء وحتى يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى نفسها ليست مستقلة .. انها في حاجة إلى الولايات المتحدة لتجد ما تنفق من المال ، وفى حاجة إلى هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض لتجد ما تأكل من الطعام ، وفى حاجة إلى هذه السوق أو تلك لتبيع ما تنتج من المصنوعات ، وهى محتاجة إلى رضى حلفائها وموافقتهم لتبسط نفوذها هنا أو هناك .
    كلمة الاستقلال إذن قد فقدت قيمتها القديمة وأصبح من الحق على الشعوب التي تريد أن تكون حرة تدبر أمورها كما تريد لا كما يريد غيرها ، وكما تقتضى مصالحها لا مصالح غيرها .. أصبح من الحق على هذه الشعوب أن تعبر عن هذا الذي تطمح إليه بلفظ آخر أقل مرونة من لفظ الاستقلال . ولست أدرى ما هو ولعل مجمع فؤاد الأول لللغة العربية أن يجد لنا هذا اللفظ الجديد أو القديم .
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ۲۳ ديسمبر سنة ١٩٤٥ . 

    Democracy and Learning

    الديموقراطية والعلم

    الديموقراطية ليست إلا العلم والمعرفة
    كلمة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك

    سيدي صاحب المقام الرفيع ، أصحاب المعالى والسعادة ، سيداتي سادتي :
    إذا ذكرت الديمقراطية فأنى أفهم منها أمرين أساسيين لا تستقيم حياة الشعوب والافراد بدونهما . أما أولهما فهو طموح الشعب إلى ان يعرف نفسه ويتجه إلى ما فيه من قوة ليستزيد منها ، ويستعين بها ، والى ما فيه من ضعف ليتقيه ويتخفف منه ، وأما الثاني فهو جلاء ضمير الشعب أمامه ليرى ما فيه من طموح ونسام وظمأ إلى الحق واحتياج إلى ما ينبغي أن يصل اليه من كمال .. بغير هذين الأمرين لا أستطيع أن أفهم الديموقراطية ، ولا أظن الديموقراطية نفسها تفهم تقسها إلا على هذا الوضع . فالديموقراطية هي أن يفهم الشعب طموحه ، وهى الوسيلة التي يفهم بها الشعب حاجته إلى الحق والعدل والمثل العليا . والديموقراطية فى هذا ليست إلا العلم والمعرفة ، فاذا كان هذا حقا ، وأظن انه حق ، فالصلة بين الجامعة والديموقراطية ليست إلا الصلة بين العقل والجسم أو ليست إلا الصلة بين العقل المدبر ، والمادة التي تحتاج إلى من يدبرها .
    وعلى هذا الاساس فالديمقراطية تمكن الشعب من أن يتعرف حاجته من العدل ومن الحق ومن الطموح ، وما أظن ان الشعب قادر على أن يستكشف شيئا من هذا ، إذا كان جاهلا
    وإذن فأنا لا أغلو إذا قلت ان الديموقراطية لا تبغض شيئا كما تبغض الجهل ، ولا تحب شيئا كما تحب العلم ، وكما تحب المعرفة
    سيداتي سادتي :
    إن الله لم يختص مصر بخصب ارضها فحسب ، ولكنه اختصها كذلك بخصب النفس المصرية ، فالنفس المصرية كالأرض المصرية معتدلة مستقيمة خصبة قابلة لأن تستقبل ما ينقل اليها من علم ومعرفة ، فيصبح نافعا لها ولغيرها ، وما أكثر النباتات والاشجار التي نقلت إلى مصر فنمت وترعرعت وأزهرت ، وما أكثر المعاني والخواطر وألوان المعرفة التي نقلت إلى مصر فنفعتها واستقرت فيها وأفادت منها مصر ، وأفادت بها غيرها من البلدان
    فقد انتقلت إلى مصر فى الازمان القديمة حضارة اليونان فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر فى العصور الوسطى الحضارة الاسلامية فاستقرت فيها ونمت وكانت مصدر نفع للإنسانية كلها ، وانتقلت إلى مصر في العصور الحديثة الحضارة الاوربية الحديثة فتنمو وتزدهر وهى الآن مصدر نفع للإنسانية كلها . فالنفس المصرية كالأرض والجو والبيئة كلها خصب ونفع ونماء وازدهار ، فاذا كان هذا حقا فقد نقلت إلى مصر فى هذا العهد الجديد الذي نعيش فيه شجرة لم تكد تنقل اليها حتى نمت واثمرت وهى شجرة الديموقراطية .
    لم تكد تصل إلى مصر وتستقر فيها حتى اخذت تهدى ثمراتها وهي جلاء ضمير الشعب للشعب واظهار الشعب على انه فى حاجة شديدة جدا إلى ان يتعلم وعلى أن يتعلم بغير انقطاع .
    فرقى التعليم فى مصر واتساعه وتعمقه انما هو مقترن بوصول الديموقراطية إلى مصر ، وكلما احست مصر حياة ديموقراطية صحيحة نقية بعيدة عن النقص أحست رغبتها في أن تتعلم ، وأن تتعلم إلى غير حد .
    وإني ألفت حضراتكم إلى هذين العامين الاخيرين ، فلم تكد الديموقراطية المصرية تعود إلى حياتها الطبيعية ، حتى انجلى للشعب ضمير الشعب ، وإذا هو في حاجة إلى أن يتعلم ، وإذا هو يدفع حكومته إلى التعليم والتوسع فيه لا إلى غير حساب بل إلى حد كبير جدا … وكم اتمنى أن اقول بغير حساب ، فهذه النتيجة هي ما ينبغي أن نصل اليه حتى نحيا حياة ديموقراطية صحيحة
    وهنا أذكر لحضراتكم هذه الخصومات بين الديموقراطية والحكومات الديموقراطية ، فالحكومات مضطرة إلى أن تفكر وتدبر وتعمل ، وهى لا تريد أن تتوسع بغير حساب ، ولكن الديموقراطية التي تختلط بدم الشعب ، وهذه الديموقراطية تطلب بغير حساب . وإذا كان العقل مضطرا إلى أن يقرر ويدبر ويحدد ، فان طبيعة الاشياء اقوى وأبعد مدى من العقل … فاذا وصل اليه العقل اليوم إلى شيء ، فأن طبيعة الاشياء تدعو إلى أكثر مما وصل العقل ، واذا كانت هذه الطبيعة قد دفعتنا إلى التوسع فى التعليم فستكرهنا غدا على التوسع جداً ، وقد كان الناس يضيقون بهذا التوسع .
    وإذا كانوا ينظرون اليه نظرة امتعاض ، فإنى أوكد لكم غير متردد ، أن هذا التوسع ليس الغاية ولا هو النهاية ، ولكنها خطوة بدائية ان كانت قد دفعتنا اليوم إلى تعميم التعليم الابتدائي بالمجان ، فأنها ستدفعنا حتما إلى تعميم التعليم الثانوى بالمجان ، والى تعميم التعليم العالي بالمجان ايضا ….
    ذلك أن الديموقراطية بطبيعتها حريصة على أن يعرف الشعب نفسه ، وعلى أن يعرف واجباته ليؤديها على الوجه الصحيح ، وأن يعرف حقوقه ليحميها من كل اعتداء ، وليحرص عليها غير متردد . ووسيلة الشعب إلى ان يعرف حقوقه وواجباته ويستطيع الحياة المطمئنة التي لا تركد وانما تنمو وتسمو وتصل إلى الذروة ، وسيلة الشعب إلى هذا هو العلم ، ووسيلة الشعب إلى العلم شيء واحد هو الديموقراطية ، وحاجة الديموقراطية إلى العلم لا تنقضى .
    ليس المهم أن ديموقراطيتنا طموحة إلى العلم ، فهذا شيء مقرر ، وانما يهمنا أن نزيل بعض الاوهام التي تختلط بالمثقفين الممتازين أو غير الممتازين عن علاقة العلم بالديموقراطية أو علاقة الجامعة بهذه الديموقراطية .
    فينا مثقفون ممتازون جداً ، بل لقد بلغوا من الثقافة أبعد الحدود ، وهم ، يذهبون إلى أن التعليم الجامعى ينبغى أن يكون محدوداً أشد الحد لأنه نوع من الترف لا ينبغى أن يدفع اليه الشعب دفعا عنيفا ، وانما يجب أن نقدم عليه محتاطين ، لأن الشعب إذا تعلم تعليما جامعيا ممتازا فقد يطمع فيما ينبغى إلا يطمع فيه ، وقد يفكر فيما لا ينبغي أن يفكر فيه ، وقد يأمل حياة لا ينبغى أن يكون له فيها أمل .
    وهم من أجل ذلك يحرصون أشد الحرص على أن يتحد التعليم الجامعي ، ويدعون دائما إلى الاحتياط في نشر هذا النوع من التعليم . ولكن يخيل إلى ان هذه الدعوة أقل ما يمكن أن توصف به انها خطرة على الديموقراطية والنظام الديموقراطي ، فضلاً عن انها لا تستقيم مع طبيعة الاشياء . ذلك ان التعليم الجامعى اما ان يكون خيراً وأما أن يكون شراً ، فاذا كان خيرا فالديموقراطية تدعو إلى المساواة فيجب ان يتساوى الجميع في الخير واذا كان شرا فلا ينبغى أن يستأثر بهذا الشر فريق دون سواه ، انما الواجب ان يتساوى في الشر الجميع .
    فهل التعليم خير أو هل التعليم شر ، وأريد التعليم الجامعي؟
    أريد ان اجيب كما يجيب الماديون ولا أقصد الماديين فى الخلق والدين ، ولكني أعنى الماديين فى الاعتبار المعتاد ، الذى يرمى إلى الكسب والخسارة .
    أريد أن اجيب كما يحب هؤلاء ولا اجيب كالذين يحبون العلم للعلم ، ولكني أحببت أن اجيب عنه على اساس الكسب والخسارة .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها التجارية والصناعية والزراعية ، أقصى ما يمكن أن تطمح اليه ؟ كلا .
    هل بلغت مصر من استثمار مواردها هذه أوسط ما يمكن ان تطمح اليه ؟ كلا
    انها لم تبلغ من استثمار مواردها الصناعية والتجارية شيئا ، وهي بعد تتحسس الوسائل التي يمكن ان تستثمر بها هذه الموارد
    وإذن فحياتنا المادية نفسها ، هذه الحياة التى تعنى الإثراء وتوفر المال في حاجة إلى ان نفكر فيها ونعمل لها .. فكيف يكون التفكير إذا لم يكن هناك رأس مفكر وهو التعليم العالي ، ولا شيء إلا التعليم العالي …
    قد يقال ان التعليم المتوسط ، أو الأولى أو الثانوى كاف ولكن صدقوني ان هذا كلام يقال ، وأبسط ما يدل عليه ان الذين يقولونه لا يفكرون فيه ، ذلك ان التعليم المتوسط والاولى والثانوى لا يمكن ان يوجد أو ينظم أو يؤتى ثمره القريب أو البعيد إلا إذا اشرف على ادارته وتنظيمه قوم قد بلغوا حظا كبيرا جدا من التعليم العالى . فليس بكاف أن يريد الانسان شيئا ، ولكن ينبغي ان يكون فاهما ما يريد
    فالذين يريدون ان يكتفى بالتعليم الأولى أو الثانوى أو المتوسط ، إنما يريدون ببلادهم ألا يكون لها رأس أو عقل . وليس هذا هو كل ما يوجه إلى الجامعة في البلاد الديمقراطية من اعتراض ، بل يوجه إلى الجامعة والى التعليم العالى انه قد يعني بالنظريات والتفكير الخالص ولا يعنى بالحياة العملية ، وهذا ممكن ولكن فى غير البلاد الديموقراطية حيث يتجلى للشعب ضميره ، ويقدر حاجاته ومطامحه
    ذلك ان الجامعة ليست صومعة يعكف فيها المتعلمون على علم خالص وانما الجامعة بيئة للتعليم الذى يمكن طلابه من أن يفكروا تفكيرا مستقيما جليا مرنا واسعا يشمل كل ما يمكن أن يتجه اليه من المصاعب ومن المشقات التي تمس حياة الانسان النظرية والعملية في وقت واحد ، فاذا رأينا جامعة أفرادها كالرهبان فلسنا في حاجة إلى هذه الجامعة ، وإذا رأينا جامعة تعنى بالعلم لأنه يرقى العقل والحياة نفسها ، ويمكن طالب العلم من أن يكون نافعا لنفسه ولأهله ولأمته كلها عمليا وعلميا فهذه هي الجامعة التي تريدها الديمقراطية ولا نعيش بغيرها .
    اذن فالذين يشفقون على مصر أو على الديموقراطية من الجامعة انما يخطئون فهم الجامعة ، وبظنهم بالشعب نفسه وتقديره لحاجاته ، وأؤكد لكم انه لو وجدت مدرسة تعنى بالعلم من حيث هو علم ، لا من حيث هو وسيلة إلى حياة قوية راقية ، لأعرض الشعب عنها إعراضاً تاماً ، ولبائت هذه المدرسة بالخذلان فلنطمئن إلى ان الشعب يحس حاجاته ويقدرها وله كما قال ديكارت :
    ذوق سليم لحاجاته ومطالبه والديمقراطية تقوم على العدل
    وأخص ما يمكن أن يتصف به هذا العدل ، هو هذه الفكرة التى ادخلها وزير المعارف في التعليم ، وهي فكرة ( تكافؤ الفرص
    «تكافؤ الفرص» يعطى كل ما يمكن أن يعطيه للفرد ، وهو لا ينبغي ان يكون مقصورا على لون دون لون من أنواع التعليم . بل لا ينبغى ان يكون مقصورا على لون دون لون من الحياة كلها . وقد وصل هذا إلى التعليم الابتدائى ، وسيصل إلى التعليم الثانوي ثم إلى التعليم العالي ، وغدا أو بعد غد أو منذ اليوم ستتجاوزه إلى فروع الحياه كلها .
    سيتيح للعامل الفرصة ليؤتى كل ما يستطيع ليخدم نفسه وأمنه ، ومعنى ذلك أن تكافؤ الفرص الذي أدخل سيعم ويتسع ويصبح مرادفا لما اصطلح عليه الناس في هذه الايام وهو « العدالة الاجتماعية» .
    فحياتنا الديمقراطية ستقوم على تكافؤ الفرص من جهة وعلى العدالة الاجتماعية من جهة أخرى ، وأؤكد لكم ان تحقيق التوازن بينهما ، بين ما يطمح اليه الفرد من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال وإلى ما يطمح إليه نظراؤه من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال إلى ما يتوقه الشعب من حياة هادئة مطمئنة قابلة للكمال . لا سبيل إلى تحقيق هذا التوازن إلا بالعقل المفكر والفكر المدير وهو يتمثل في الصفوف الممتازة في الجامعات والتعليم العالي .
    إن هناك قوما يرون قصر التعليم العالى على جماعة دون جماعة فان كل فرد لن يستطيع أن يتعلم تعليما عاليا .. لابد إذن من الاحتياط ومن إبعاد الذين لا تتاح لهم الظروف عن التعليم العالى .. ولكن كيف ومن هم اولا هؤلاء الذين لا تتاح لهم الظروف؟! .
    أتصل ذلك بالثروة ! .. لو أن الأمور عقدت بالثروة لكان هذا هو الهدم الصحيح للديموقراطية . أيتصل ذلك بالقوة؟! لو أن الأمور عقدت بالقوة لكان هذا هو الهدم الصحيح أيضا للديموقراطية .. واذن فهناك ظروف لا تتيح للمصريين جميعا أن يتعلموا تعليما عاليا ، وهذه الظروف يحددها مبدأ تكافؤ الفرص .
    هذه الظروف تتصل بقدرة الشاب واستعداد الشاب ، فلا ينبغي أن يرد عن التعليم العالى مصرى مهما تكن ظروفه ، وأما ينبغى أن ترد الحياة نفسها ، وترد الجامعة نفسها من لا يمكنه استعداده من المضى في هذا التعلم .
    ليس هناك اذن سبيل إلى ان حال فى النظام الديموقراطي الصحيح بين الشباب والتعليم العالي إلا أن يكون هذا الشباب غير مستعد لهذا التعليم .
    فإذا اتيحت المقدرة للشباب فينبغى أن تفتح في وجوهم ابواب التعليم ليستطيعوا النهوض ببلادهم على أن يبعد التعليم الجامعى والعالى عن اللون النظرى الخالص ، فهذا النوع تأباه حاجة البلاد .
    ومن الخير أن الاحظ أن الديمقراطية المصرية قد أخذت تشعر بهذا ، فهى لا تنشئ مدارس إلا على اساس حاجات البلاد وقد اخذت تعرف للتعليم قدره ، وللجامعيين قدرهم ، فأخذت تمكنهم من أن يعملوا على انهم اعضاء كرام فى شعب كريم ، وهذا المثل الأعلى الذي اقدمت عليه اليوم ، وما أشك فى انها إن أقدمت عليه هادئة في هذه الايام ، فأنا جميعا نتمنى ان تتاح لها القوة والنمو بحيث تتمكن من تمكين الشعب لا أن يتعلم فحسب . بل أن يتعلم تعليماً جامعيًاً ممتازاً .
     الوفد المصرى ، ٩ يونية ١٩٤٤ .  

    Satire
    سُخْرِيَة

    ذات الرؤوس
     هي وزارتنا الرائعة البارعة ، كانت لها رؤوس ثلاثة إلى أمس فنقل منها مجلس الأمن رأساً ليضعه فى محكمة العدل الدولية وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رؤوس ثلاثة وقد تبقى ذات رأسين اثنين وقد يضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نقل إلى لاهاى ، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيختار لوزارة الخارجية أن أتيح لهذه الوزارة أن تبقى وأن تعدل وأن يختار للخارجية فيها وزير جديد .
    والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافى الغريب الذي كان يحمل رؤوساً سبعة لا يكاد عدوه يقطع منها رأساً إلا نبت مكانه رأس آخر ، ولكن عدواً من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه . وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رؤوس بمقدار من فيها من الوزراء ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رؤوساً وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد . فأما الرؤوس الثلاثة فمعروفون أحدهم رئيس الوزراء والرئيس مشتق من الرأس فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رؤوس الوزارات المصرية يعمل رأساً ويداً ، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية . أو قل أنه يدان يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة وقد كان يداً ثالثة بين اليمين واليسار وقتاً ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان .
    أما الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذى اقتطع منها أمس ونقل مما بين كتفيها إلى كرسى من كراسي محاكم العدل . فقد كان رأساً أى رأس كان رأساً مرفوعاً في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو وفى أوربا حين كان يرأس وفدنا في لندرة . وقد كاد أن يكون رأساً في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤدياً فريضة الحج لولا أن الوزارة استعارت يداً من أيديها فجعلتها رأساً من رؤوسها وقتاً ما حين كان وزير الصحة أميراً للحج . مهما يكن من شيء فقد كان وزير خارجيتنا رأساً ثانياً من رؤوس الوزارة له الخطر كل الخطر وبه معقد الأمل كل الأمل ، أمل مصر أولاً وأمل البلاد العربية ثانياً ، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك فقد انتخب فى مجلس الأمن ولم تنتخب فيه تركيا ولا إيران . وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله ، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك فهو فقيه متعمق للفقه ، وهو قاض متمكن فى القضاء ، وهو سياسي ممتاز في السياسة ، وهو من أجل ذلك يأتى البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها ، وقد أغلق باب مجلس الأمن فى وجه مصر وفى وجه البلاد العربية الأخرى . فأما مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه أو قل إنها ترفع رأساً وتفض رأساً فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان فى مصر يرتفع أحدهما في رئاسة الوزراء ، فينخفض الآخر في حزب الكتلة ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رئاسة الوزارة والشعب المصرى واقف موقف النظارة يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلا انخفض أحدهما الآخر . والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأناً من أن تهدد السلم وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب وإذن فلن ينظر مجلس الأمن فى شؤونها وقد جعل رأس من رؤوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجاً وعجيجاً وبكاء محتجاً على تغليق الأبواب وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناء ودعاء رضى بتغليق الأبواب وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون فأما البلاد العربية الأخرى فقد هزت رؤوسها ورفعت أكتافها وأعرضت عن الوزارة المصرية ورؤوسها الثلاثة وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب وعرضت على مجلس الأمن شؤون سوريا ولبنان ، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شؤون فلسطين وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة فى مجلس الأمن وأن الأمور تجرى في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجرى عليه الأمور ..
    وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل ويقولان فيحسنان القول أحدهما يملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً يعلن في مجلس الشيوخ مثلاً أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه وفى نفس الوقت الذى كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تغير على قطار قريباً من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحاً وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلق كيداً لأن رأساً من رؤوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رؤوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزماً وعزماً وسلاماً وأمناً وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ .
    وعرف المصريون رأساً ثانياً من رؤوس وزارتنا قد قال فى لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل . شرف مصر بين الأمم فانتخبت فى مجلس الأمن وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب فى ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق فانتخبه قاضياً في محكمة العدل .
    فأما الرأس الثالث من رؤوس وزارتنا فأمره عجب أى عجب هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة يصيح فى غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يومهم وأرق عليهم نومهم وأقض عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأت حركة ولم يرفع صوتاً كل همه أن يملأ الأرض صياحاً وليس من همه أن يعمل شيئاً يقدم ليحجم ، ويهجم لينهزم ويحتج ليستكين لا يريد إقداماً ولا هجوماً ولا احتجاجاً وإنما يريد تنغيصاً وتأريقاً وإقلاقاً ، هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح ولا يريد أن يريح .
    له في كل يوم استقالة وله في كل يوم عدول عن الاستقالة وهو قد تحدث باسم الوزارة . كان رأسها الأول كان متعباً يوم الثلاثاء وكان رأسها الآخر غائباً في لندرة فتحدث نائباً عن الرأسين أو مستبداً بأمر الرأسين . ولست أدرى أرضى الرأسان عما قال طوعاً واختياراً أم قسراً وقهراً . فأما الرأس الغائب فلم يرض ولم يسخط لأنه لم يسمع مما قيل شيئاً . فأما الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم لأنه يؤثر الصمت ويهواه ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه ، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني ولم يكن يستطيع إلا أن يجيب نعم . وهل كان يستطيع أن يقول أنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن بر مصر وجوها وبحرها . وهل كان يستطيع أن يقول أنه سيستفتي سكان السودان فى أمر السودان . ورأسه المكرمى يقيد الحكومة أشد التقييد فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البر والبحر والجو ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف .
    كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصاراً مؤزرا فى مجلس الشيوخ ، فقد أنكر الرأس النقراشى الأول وزير الخارجية كل الأنكار وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز ، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملاً شاملاً ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف .
    ومع ذلك فقد نصت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أمانى السودانيين . فمن أين تستوحى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء وقد قال الرأس المكرمى غير الحق من غير السودانيين فهي لا تستوحى شيئاً وقد قال الرأس النقراشى للإنجليز غير الحق . وإذن فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق والجسم الذى ركب بين كتفيه رؤوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلا في عالم الأساطير والأعاجيب . ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور .
    ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة وهى الوزارة ذات الرؤوس الثلاثة لا تمتاز برؤوسها هذه المثلثة وحدها ، بل تمتاز بشيء آخر لست أدرى أين أضعه من جسمها العجيب أضعه موضع الذنب ، فتكون وزارة مذنبة ، أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز . وقد قال شاعرنا القديم :
    قوم هم الأنف والأذناب دونهمو     –        ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
    فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟ أما هي فتريد أن تكون أنفاً أو أنوفاً ولست أكره لها ذلك وإن لم يرض البرلمان ، وإن لم يرض الدستور ، وأما الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب ، وإن ضاقت بذلك كرامتها . ولم يرض به مركز أعضائها الممتاز مهما يكن من شيء فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت ولتضعها الوزارة حيث شاءت وربما كان خير الحلول أن تكون أنفاً حين يجد الجد وتتحرج الأمور ، وأن تكون ذنباً حين يحاس الحيس وحين تجرى الريح رخاء .
    والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقى باشا غاضب . كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفاً كما كانت فى شهر سبتمبر وفى شهر ديسمبر ولكن الوزارة جعلتها ذنباً بعد أن جاء الرد لبريطاني فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقى باشا في الأهرام صباح اليوم . وغضب صدقى باشا يخيف أحياناً ولا يخيف أحياناً أخرى ، على أنه ليس غاضباً للهيئة السياسية وحدها بل هو غاضب لمجلس النواب أيضاً ، فقد أجلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات مع أن الأمر لا ينبغي أن يقبل فيه إلا المفاوضات والقارئ الذكى يفهم أن المفاوضات شيء تؤلف له الوفود التي تذهب إلى لندرة والتي يمكن أن يكون فيها صدقى باشا وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفاً أما المحادثات فشيء تستأثر به الوزارة ولا يشارك فيه صدقى باشا ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلا ذنباً وإذن فصدقى باشا غاضب والسؤال الخطير الآن هو : هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقى باشا هذه المرة فتسوؤه وترضى الإنجليز بقبول المحادثات؟
    وهناك حل بديع فيما أعتقد : . يريح الناس جميعاً . فقد قطع مجلس الأمن أمس رأساً من رؤوس الوزارة ، فأى بأس على الوزارة من أن تقطع الذنب إن كانت الهيئة السياسية ذنباً ؟ وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها ، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية آنفاً ، وما أكثر الوزارات التى تعيش وأنوفها مجدوعة .
    كل شيء يمكن ، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برؤوس ثلاثة وهي الآن تعيش برأسين اثنين ، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب ، وما يمنعها أن تعيش بغير أنف ، بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب ، بل ما يمنعها أن تعيش برؤوس كثيرة جداً . وذلك يسير . يقال أن التعديل الوزارى قريب فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء ، ولتعش وزارتنا بعشرين رأساً لا برأسين اثنين ، ذلك أجدر أن يضحك المصريين وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام .!
    طه حسین
    البلاغ ، ٧ فبراير ١٩٤٦ .

  • مقالات من الخمسينيات | From the 50s

    من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ١٩٥٢/٨/٥ .

    حيرة
    وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم فى الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف . ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضى .. ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل كأنهم لم يروا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث .
    كان إبطاء مصر فى الرد على رئيس اللجنة التي ألفت لتفاوض في أمر القناة يقض مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين. وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق ليعرفوا أولا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد وليعرفوا ثانيا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه وليعرفوا ثالثا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء ..
    كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة . وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصور هذه الحيرة أصدق تصوير فتبدي وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضى ، ويناقض بعضها بعضا فيما كان ينشر من التنبؤات المتباينة التى لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعا . ولكن الرد المصرى يصل إلى لندن ذات صباح فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى .
    فقد كان رد مصر محيرا حقا كان موجزا أشد الايجاز واضحا أعظم الوضوح لا يحتمل تأويلا ولا تحليلا ، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك فالرد المصرى لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث .
    ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب فى تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جنحت إلى السلم وأثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء ورأى المتشائمون أو وراء الأكمة ما وراءها وأن هذا الايجاز يخفى شروطا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويخفى مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء وجعلوا يضربون أخماسا لأسداس وأسداسا لأخماس ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوربية عن فرنسا وبريطانيا العظمى وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشددهما من تبعات . وما زال الساسة والكتاب يتخبطون في هذه الحيرة المظلمة ويلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابا وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدها نحن أياما قصارا ويعدونها هم أعواما طوالا لكثرة ما تكلفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء . وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة .
    ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوربى . فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة ، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستجرى هذه المفاوضة ، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف ويريدون أن يلزموا مصر قبوله الزاما .. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون ويقدمون بين يدى هذه اللجنة جنودا وبنودا وسفنا وطائرات وتختار فرنسا خاصة اليوم الذى يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمي في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادا للطوارئ وتأهبا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر . أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادا لخطر أى خطر .
    فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضاً . يريدون أن يملوا عليها هذه السياسة ويخيرونها بين أن تقبل ما يملى عليها فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون وإما أن ترفض ما يملى عليها فتصب الحرب عليها صبا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمى معها لشر يعرف أوله ولا يعرف آخره .
    والقوم مع ذلك يعلنون ويلحون فى الاعلان أنهم لا يريدون إلا السلم وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارا أو شيئا يشبه الإنذار . هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة ويعدون أنفسهم للحرب ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاؤون . ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون ، قد أسرفوا على أنفسهم فى الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الاسراف . فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد . بهم
    وحذرهم الأمريكيون وخوفهم . الروسيون من إثارة الحرب ، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون فى شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تحصى وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون في اليد الأخرى نذير الحرب دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربا أم سلما . هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدرون عواقبها . وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويطمع فيهم أمما كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع . وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغى أن تعرف .
    ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون فى القرن الماضي وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن ينذروا فيملأوا قلوب الناس رعبا وفرقا . فهم يرسلون جنودهم تخويفا وإرهابا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل . كأنهم لم يروا شيئا ولم يسمعوا شيئا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث . لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك فى الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفى أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي مع أنها لا تستطيع أن تخيف قبرص نفسها بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم ، ولكن القوم قد سجلوا على أنفسهم وعدا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء فى شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد . وهم واثقون بأن المحافظين فى فرنسا وبريطانيا العظمي لن يغفروا لهم تقصيرا فى خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير وهم من أجل ذلك يملأون الدنيا ضجيجا وعجيجا وتهويشا مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم أن فرضوا عليها الحرب .
    وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي أن مصر تتعرض لامتحان خطير فأما أن تثبت لكيد الغرب ومكره فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تصر أهلا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم . قلت ذلك قبل تأميم القناة فأما بعد تأميمها وبعد هذا التحدى الذي تجاوز كل حد مألوف وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون فى أن يملأوا قلوب المصريين فرقا ورعبا وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يعبئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرقا في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفا وأصبحت مصر مخيرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطانى الفرنسى وهو الوصاية الدولية على إدارة القناة ، وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتحسن الاختيار ..
    طه حسین
    الجمهورية ٥ سبتمبر ١٩٥٦ .  

    مجنون
    لم يتحدث أحد عن خزى الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التى لا تكاد تحصى ، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض ، فر إليها بعض الكتاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها . ولا نعرف هيئة فرنسية برئت من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني . وقد أظهرت المحاكمات التى لم تنقض بعد إن هذا الخزى كان متغلغلا فى طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي . شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة فى الجيش وكان أحدهم يحاكم منذ أسبوعين اثنين ، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة فى نفس الحكم لسبب ما . وشارك فيه علماء ممتازون كان من بينهم مدير الجامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه ، وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوى أخرجوا منه بعد التحرير وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى ، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورؤوس الأموال ، ومن الكتاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدنيا وقد لقى كثير من هؤلاء جزاءهم فمنهم من حكم عليه بالموت ومنهم من أهدرت شخصيته فحرم حقوقه السياسية والمدنية جميعا ، ومنهم من تلقى عقوبات أيسر من هذا قليلا أو كثيراً وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة قتل بعضهم ومثل ببعضهم وحلقت رؤوس كثير من النساء جهرة وقد صور هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية ايضاً . فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم فى فرنسا أعوام الاحتلال وسجلوا بين ذلك صوراً مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملق المنهزمين للمتضررين والتقرب إليهم من طرق مختلفة أقل ما توصف به إنى لا أستطيع أن اذكرها في هذا الحديث .
    وما أنس فلن أنسى ما قرأت فى بعض هذه الكتب من وصف حفلة عشاء أقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس دعى إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال وأقبلوا جميعا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائداً ألمانياً عظيماً . وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئاً فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح يشيع فيها شيء من القلق اليسير . قالت : لا ننتظر الآن الا قاهرنا الجميل . وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس له وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يلقى إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثا .
    كل ذلك قد كان بل أكثر من ذلك وأشد منه خزياً ونكراً . وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزى . ولكن آخر من ينبغى أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه هم الفرنسيون الذين أنشأ هذا الخزى فى نفوسهم عقداً منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها وإلى هذه العقد التي أنشأها الخزى في نفوس الفرنسيون ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة .
    فحرب الهند الصينية ليست إلا أثراً من آثار هذه العقد حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصراً يحررهم من خزى نفوسهم . فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزياً جديداً أضيف إلى خزى قديم . وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا ليست إلا أثراً من آثار هذا الخزى . حاول الفرنسيون أن يجدوا في أثامهم هذه ما يحرر نفوسهم من خزى الضمائر . ويشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارا . فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزياً وعاراً يضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار . فهذه مراكش قد تحررت وهذه تونس قد تحررت أيضاً بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان . وهذه الجزائر توشك أن تتحرر ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسى من الخزي والعار . وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثراً من آثار ذلك الخزى . حاول بها الفرنسيون أن يشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب . فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجرى مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم مخافة أن يصير لعبهم إلى جد وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورطون فى حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم باساً وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويدعى قادتها إلى الحفلات التي تقام عند أصحاب رؤوس الأموال وهم لم يجنوا هذا كله فحسب وإنما جنوا من جريمتهم هذه انحراف العالم عنهم وازدراء الأمم المتحضرة لهم وحكم هيئة الأمم المتحدة عليهم .
    فأى غرابة بعد هذا كله فى أن يقوم رئيس وزرائهم مقامه ذاك في الحفل الذي دعاه إليه اتحاد الصحافة الإقليمية الفرنسية . فهذا بهذا الهذيان الذي تحدثت عنه الجمهورية أمس ، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء . . .
    فر الضباط أولاً وفر الجنود ثانياً وأذعن شعب بورسعيد أخيرا وانتهى الأمر عند ذلك بسلام .
    وإذن فما بال القناة لم تخلص له ولشركائه فى الإثم وما بال مصر كلها لم تقدم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتا يسخر منه ومن شركائه ويتهيأ للقائه إن هم جيشه أن يتجاوز مكانه . وأطال المقام في هذا المكان . وما بال الشعب المصرى ، ما زال ثابتاً يضحك منه ومن جيشه ويؤيد رئيس جمهوريته على رغم فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وسأل الصديق سامى داود عن اسم يسمى به هذا الأحمق ولست أدرى فيما يسأل الصديق وفيم يبحث وليس فى اللغة العربية ولا فى غيرها من اللغات كلمة تليق به وبما يفعل وما يقول إلا كلمة واحدة وهى إنه مجنون .
    طه حسین
    الجمهورية ١٢ نوفمبر ١٩٥٦ .

  • …مقالات شتى | A potpourri of articles…

    مدرسة اللغات
    يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به ، يجب أن نهنئ وزارة المعارف ، فقد أصبحت لها جريدة رسمية ، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وأن كانوا يستحقون وراء الألقاب والاوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية ، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسئ إلى وزارة المعارف من حيث تريد الاحسان اليها ، تثنى على وزارة المعارف بحق وبغير حق ، لا تكلف في ذلك صوابا ولا تتحرى فيه منفعة ، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف ، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف .
    أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان فى مدارس المعلمين الاولية؟ زعمت أن الفضل فى هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفى وزارة المعارف واثنت على فلان بما يستحق ومالا يستحق . ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى ان فلانا هذا قد نقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولى ، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرا حسنا أو سيئا . أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعا حسنا فأصاب من ليس لهم فى التعليم حظ قليل ولا كثير . أصاب رؤساء الامتحان وموظفى الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك . بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقا أو مغصوبا ، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جداً أو هزلا ، وإنما يعنيها أن تثنى عليها الصحف السيارة ، شأنها في ذلك وأن بعض العمد الاميين فى عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهى تشترى الثناء ولو كلفها ذلك ان تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك . فكيف تريد ان تشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم أشرافا جديا منتجا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والانتاج لوزارة المعارف اذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثنى عليها . ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها وخائلها وما تفعل به على الصحف الاخرى والكتاب الآخرين ذلك لأن الصحف الاخرى قد تؤثر الحق . والكتاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. واذن فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم ، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يسمع لهم طلب ولا يجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس ، والمشرفون على الامر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير .
    تفضى وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون ، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين . فقد قرأنا فى المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتخذ من قرار فى هذا الاجتماع وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحى ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأى وزارة المعارف . لا رأى كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذى عرفه القراء . نعتقد ذلك . نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف اننا مخطئون ، وان الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تدرس الهيروغليفية فى مصر على هذا النحو السخيف . فاذا أكدت لنا وزارة المعارف اننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بان مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى فى مسألة واحدة رأيين متناقضين : أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الاخير .
    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد . فهى لا تكتفى بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف اليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره . وهى فى هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها . فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصرى وأوجدوا علم الآثار المصرية بالوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألا نعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما فى مثل هذه الأيام . وهي لا تكتفى بالنيل من «مریت» و «مسبيرو» وأمثال «مريت» و «مسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقا سخيفا . تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر . ويحكم ! فمن الذى أنكر أن كمالا قد نفع وأفاد؟ ولكنها ، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال مالا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم . يزعمون لتلاميذ كمال تأليفا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدى كمال ، وإنما تعلموا على غير كمال . ويزعمون ان هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارا غير آثار كمال ، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم أن يكونوا قد وصلوا إلى شيء ، فمصدر ذلك إنهم أقاموا سنتين فى المتحف يتعلمون على غير كمال ويقنون آثارا غير أثار كمال ، واننا إذا طالبنا بأنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصرى حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تدرس الآثار . وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوربا ليتمموا درسهم فيها .
    نعم ! نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج . نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسا لهذه المدرسة . تريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين .
    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئا آخر . وقد تمضى وزارة المعارف فيما تريد ، ولكن مضيها هذا لن يغير فى الأمر شيئا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة . وما زلنا نلح في ان وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل . وما زلنا نلح فى ان وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئا آخر اهمالا عظيما . عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين . وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص في ١٥٦ئ ؟ ئ . نريد أن تجيبنا وزارة المعارف : ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الاسلامية ؟ سيقولون : آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة . كلا ! أن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار . وحسبك أن هذه الآثار معروضة فى المتحف وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما ، وإنما زارها المارشال اللنبى وقرينته ! وهناك آثار اسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد احدثت حركة فى أوروبا وفى مصر ولكن الذي اظهرها ليس انجليزيا وإنما هو مصرى مثلك ومثلى هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون هناك الفسطاط ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب وعنى بها الأوروبيون ، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأى جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلف وزارة المعارف عشر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تعنى بشيء وتهمل شيئا آخر؟ لا نشك فى أن هذا الاهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى . ضيق التصور ، فوزارة المعارف أضيق رأسا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها أنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها ، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تعنى حكومتهم بالآثار المصرية ، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس : انها نازلة عند ارادة الأمة محققة لمنفعة الأمة . ولكن الناس يعلمون ان النزول عند ارادة الامة يجب أن يكون صحيحاً غير ممسوخ وان الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة . وأذن فاذا اردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصرى فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب . فليكن ذلك في انشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار . ليكن ذلك فى إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف اليها الطلبة ليتخصصوا فى فنونها المتنوعة والتى يختلف اليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسن رأيه فى مصر . ليكن ذلك فى انشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصرى بعد الظهر . فان ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم .
    ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى انك تريد أن تبنى بناء فضع أساسه وابدأ بأسفله لا باعلاه . انشئ ادارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة . اذن تنفع حقا . واذن توفق حقا إلى صواب .
    طه حسین 
    السياسة ١٦ يولية ١٩٢٣ .


    الروح الجامعى
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذى حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافى. والهلال فى هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا فى الوقوف على رأى من يشرف على أحياء الروح الجامعى في مصر.  لم اختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به فى وفحة به على، وما اكثر ما تتحكم «الهلال» فى اصدقائها من الكتاب، وما اكثر ما  تتجنى به علهم! وما أشد إذعان هؤلاء الاصدقاء لهذا التحكم والتجنى، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فـيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم.
    وما اظن اننا نستطيع بعد ان قدمنا الاذعان «للهلال» ان نثور بها ونتمرد عليها، خالف عما تصدر الينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب او لا يستحب. فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بان تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب اذن فى هذا الروح الجامعى الذى هبط الوحى على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير فى نفسنا من رأى، وما نملى على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث. وأول ما أقول فى ذلك انى لا أكاد اتبين معنى واضحا دقيقا محدود الاطراف والنواحى لهذا الذى تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد ان نشيعه فى نفوس الطلاب. فهذا اللفظ فى لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن انه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن انه لم يشع فى مصر الا بعد أن انشئت الجامعة المصرية الحكومية واخذ صاحب المعالى الأستاذ أحمد لطفى السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والاساتذة، والنواب والشيوخ أيضا، من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الاساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الاوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد ان نبحث لو اتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربى حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعى هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا ين. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوى التاريخى الثقيل. فالشع الذى لا شك فيه هو ان اللفظ العربى الفصيح فى نفسه أجنبى المعنى، قد جل معناه من أوربا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربى صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة فى صراحته. فهو فى ذلك كالسيارة والدراجة والحاكى والمذياع، الفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ واشباهه لفظ الروح الجامعى هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى مته إلى شع، الا أن نبين له ما نريد وما نقصد اليه حين نستعمل هذا اللفظ العربى القديم فى هذا المعنى الاجنبى الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين فى ملاحظتهما انصاف وتحقيق. الأول: أن معنى الروح الجامعى إذا كان مستحدثا طريفا فى لغتنا فلعله الا يكون مستحدثا من جميع الوجوه، ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث، فى القرون الوسطى فى مصر وفى غير مصر من اقطار الارض الاسلامية التى نظم فيها التعليم على نحو ما والتى أطردت فيه سنن وعادات لجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد، بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول ان نشخصه او نسميه كما يفعل الاوروبيون والامريكيون وكما نفعل نحن فى هذا العصر الحديث. فليس من شك عندى فى أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضى الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمانها اصل من أصول الأدي الازهرى الذى لا تليق المخالفة عنه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا فى الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الازهريين فى معاهد العلم الاسلامى وفى غير القاهرة من مراكز الثقافة الاسلامية.  
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر واشباهه من معاهد العلم الا تحقيق هذا الروح الازهرى الذى يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألا حياتهم. وهذا الروح الجامعى قد وجد كذلك فى أوروبا أثناء القرون الوسطى فى البيئات التى نشأن فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعى فى القين الرابع عشر، كما كان لجامعة اوكسفورد وكمبردج روحها الجامعى الخاص الذى تطور مم الزمن.
    ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه وتشخصه على اختلاف العصور والظروف. ومعس هذا كله أن الروح الجامع ليس حديثا ولا هو من الاشياء التى ابتكرها هذا العصر الذى نعيش فيه. ليس حديثا فى أوروبا وليس حديثا فى الشرق. وإنما التكلم عنه والاشادة به والعناية بإشاعته فى نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا ان الروح الجامعى شع حر قالم يتطور ويتغير، ويساير فى تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الانسانية من الوان التطور والتغير. وما ارتاب فى أن الاكاديمية التى كان يشرف عليها افلاطون، واللوكايون التى كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الاسكندرية قد كان لكل منها روحه الجا الخاص الذى يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذى تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة فى حمايته أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير فى حمايته والذود عنه.
    فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن الاحظهما قبل كل شى.
    والأمر الثانى: أن الذين يذكرون الروح الجامعى الان من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعى يختلف باختلاف الجامعات، وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التى نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق ان الروح الجامعى الفرنسى ليس هو بالضبط الروح الجامعى الانجليزى، بل من المحقق ان الروح الجامعى الانجليزى نفسه يختلف فى انجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الانجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذى تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذياد.
    وهناك الجامعان الحديثة التى انشئت فى القرن الماضى مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها.
    وما من ريب فى أن الروح الجامعى فى أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعى فى كمبردج. ثم ما من ريب فى أن الروح الجامعى فى لندرة بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعى فى هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال فى فرنا بالقياس إلى السوربون والى الجامعات الفرنسية فى الأقاليم والى بعض المعاهد العلمية الحديثة فى باريس نفسها، ومثل هذا يقال فى المانيا وفى ايطاليا. فاذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والاوروبى يبتسم عادة إدا ذكر له كثير من الجامعات الامريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الاوروبية.
    فالروح الجامعى اذن شيء مختلف اشد الاختلاف متابين اشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والامزجة فى الامم التى تنشأ فيها الجامعات.
    فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح فى انجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فاذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعى يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية فى تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسى ان يكون جامعيا بأدق معانى الكلمة وأشملها دون أن يشارك  في الالعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فادا ذهبت إلى امريكا فالألعاب الرياضية هى العنصر الاول الذى يقوم الروح الجامعى وكون الحياة الجامعية.
    وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إدا ذكروا الروح الجامعى لا يكادون يتفقون على ما ينبغى أن يفهم من هذا اللفظ. يفهم مته السوربونى معنى، ويفهم منه خريج اوكسفورد معنى، ويفهم منه خريج لندرة وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لـيبزج معنى، ويفهم منه خريج الجامعات الامريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعانى أشد الاختلاف.
    وقد تغيرت نظم الحياة الانسانية فى هذا العصر الحديث الذى نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة الغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية فى كثير من انحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا. ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم فى بعض، هذا إلى انواع من المواصلات القهرية التى لا يستطيع الانسان أن يخلص منها، بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد، كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الاسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى.
    وقد شهدن أثناء الصيف الماضى فى باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها فى نفسى أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد ف باريس مؤتمر للتعليم العالى مثلت فيه جامعا الشرق والغرب، وسمعنا فيه ممثلى الجامعات الاوروبية والامريكية والاسيوية والافريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعى. وكانت احاد. ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة اشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذى أريد أن انتهى اليه بعد هذه الاطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب فى ايجاز عن السؤال الذى ألقته على الهلال: ما الروح الجامعى؟ وكيف نشيعه فى نفوس الطلاب؟
    الروح الجامعى الذى يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من الوان الخلاف، هو الذى ميز الانسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه، هو الرغبة فى المعرفة والحرص عليها، هو الاقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قـد ينتج من الخـير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذى مكن ممثلى الجامعات المختلفة فيما بينها اشد الاختلاف من ان يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات.
    هذا الروح من طبعه أن يرفع الانسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التى تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب. الروح الجامعى هو الذى يجعل الناس اخوانا فى العلم، ويقيم اخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة فى الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعى. فأما السبيل الى إشاعته فى نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة، ن كون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الواكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم، وإنما يصطنع منهم روح المودة التى تنشأ من حب لأعلم والتعاون على تحصيله فى غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعى هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال واصدقها فى حب الحق والسعى اليه. ثم يختلف الروح لجامعى بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذى لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    بقلم
    الدكتور طه حسين

    الهلال، ديسمبر ١٩٦٧.

    أمثلة
    لم أكن اذا مخطئا ولا مسرفا حين قدرت أن رئيس وزرائنا سيستفيد من زيارته لروما ، وسيقوم من عظيم ايطاليا السنيور موسوليني مقام التلميذ النجيب من الاستاذ البارع . فرئيس الوزراء نفسه يسجل هذه التلمذة في رسالته البرقية التي يودع بها استاذه قبل أن يفارق أرض ايطاليا الجميلة .
    رئيس الوزراء يعلن انه معجب أشد الإعجاب بما بلغته ايطاليا من الرقى المادي (والادبى) بهمة موسوليني وعبقريته ، وانه وهو يمثل أمة صديقة لإيطاليا يغتبط بهذه الحقيقة ويلتمس في أعمال موسوليني أمثلة صالحة . هو اذاً معجب بموسوليني ولا جناح عليه في هذا الاعجاب ؛ وكل انسان حر فيما يحب ويكره ، وهو اذا يلتمس في أعمال العظيم الايطالي أمثلة صالحة ، وهو كذلك حر لم يتجاوز حقه ولم يعد طوره ؛ فلكل انسان أن يختار القدوة التي يريد أن يقتدى بها ، والاسوة التي يريد أن يتأساها . وهو يعجب بموسوليني ويتخذه قدوة لا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن مصر كافة ؛ فرئيس الوزراء يمثلنا جميعا ، وهو لا يسألنا عن رأينا فى هذا التمثيل ولا يعنيه أن ترضى به أو نسخط عليه . وهو صادق فيما يدعى من تمثيله ايانا وأنا أول من يشهد بصدقه ، ويؤمن بتمثيله لمصر . وآية ذلك انى ان تهمته بانه يقول غير الحق ، أو شككت في تمثيله لمصر أو أنكرت انى أثق به وأطمئن اليه ؛ فأمر السياسة وأمرى الى من تعلم ؛ ممن لا نحب أن نراهم فى غير ضرورة ماسة ؛ أو حاجة ملزمة . وليس علينا بأس من أن ندع صدقى باشا يمثلنا كما يشاء بعد أن تركناه يمثل بنا كما أحب .
    رئيس وزرائنا اذا تلميذ لعظيم ايطاليا ؛ ومصر تلميذة معه لإيطاليا ، والايام دول ، والخطوب تختلف . فقد كانت مصر فيما مضى من الزمان قدوة اليونان والرومان ، فأصبحت الآن تلميذة لروما . ولكن الناس لا يقرءون كلام رئيس الوزراء كما ينبغي أن يقرأ ؛ ولا يفهمونه كما ينبغى أن يفهم . وهم من أجل ذلك يتعرضون لضروب من المكروه ، وفنون من خيبة الأمل . ولو قد قرأوه كما يقرأ الأبطال ، وفهموه كما يفهم عظماء الناس ؛ لعرفوا ما تضمره لهم الايام من خير وشر . فاستعدوا للأحداث قبل وقوعها وتأهبوا للنائبات قبل نزولها . ولكنهم يمرون بكلام الرئيس كما يمرون باى كلام آخر يفهمونه فهما يسيرا ناقصا ؛ ويحققون جملته ولا يحققون تفصيله ؛ ثم يدعونه وكأنهم لم يقرأوه ؛ وما على هذا الوجه يقرأ كلام البلغاء . ورئيس وزرائنا بليغ يقول الشيء الكثير في اللفظ القليل ؛ ويؤدى المعنى الغريب في اللفظ القريب ؛ واذا كنت في حاجة إلى أن تقام لك الادلة على هذا ، فقف معى وقفة قصيرة عند ختام الرسالة البرقية التي أرسلها عظيم مصر الى عظيم ايطاليا ؛ فسترى ان فيه اسرارا خطيرة ؛ ونذرا مخيفة مزعجة . وان من الحق على المصريين لأنفسهم ان يستعدوا ويتهيأوا لما ستتكشف عنه الايام ان مدت للرئيس أسباب الحكم .
    أي شيء هي هذه الاعمال التي سيلتمس فيها صدقى باشا أمثلة صالحة؟ اما دستورنا القديم فقد دفنه رئيس الوزراء ؛ وأعلن انه لن ينشر ؛ ولن يذوق الحياة مرة أخرى ، وقد استحدث الدستور الذى يراه كافياً لمصر ، وملائماً لحاجتها . وأما الصحف فقد فرض عليها رئيس الوزراء ما شاء ، مما يحقق لها الحرية الكاملة ، ويتيح لها التعبير عما ترى بما لم يتح لغيرها من صحف البلاد المسرفة فى الديموقراطية . واما المعارضون فقد اخذهم رئيس الوزراء بالنظام الجديد في حزم وقوة ، حتى آمنوا به ، وأذعنوا له ، واطمأنت نفوسهم اليه . وأما الادارة فقد أصلحها رئيس الوزراء حتى استقام فيها المعوج ، واستقر فيها المضطرب ، وأمن الناس معها على كل شيء ؛ وأصبحت مثالا ستتأثره الامم الراقية التي تطمع فى أن تكون لها ادارة حسنة . وأما ثروة الدولة وثروة الشعب ، فقد بلغ بهما رئيس الوزراء أقصى ما تطمع فيه مصر من الثبات واليسر حتى أصبحنا بفضله محسودين ؛ يجوع الناس ونحن شباع ؛ ويظمأ الناس ونحن ملاء ، وتصفر أيدى الناس من كل شيء وتمتلئ أيدينا بكل شيء . اذن فماذا يريد صدقى باشا أن يتعلم من موسوليني ، وفيم يريد صدقى باشا أن تتلمذ مصر لإيطاليا؟ . ألست ترى معى ان كلام رئيس الوزراء غامض يحتاج الى توضيح ككل كلام بليغ ؟ . بلى ولم أكتب هذا الفصل الا لأضع أمامك بعض الامثلة التي سيلتمسها صدقى باشا عند السنيور موسوليني .
    النظام في مصر مستقر ، ولكنه مستقر بقوة الجند ؛ وما أظن أن هذا الكلام يجعل للنيابة على سبيلا . فانا لا أذكر الجند الأجنبى الانجليزى ، ولا أزعم أن رئيس الوزراء يستند الى حراب الانجليز . وانما أقول أن النظام الذى استحدثه رئيس الوزراء مستقر بقوة الجند المصرى ؛ وواضح ان الجيش والشرطة انما انشئا للدفاع عن الوطن واقرار النظام فيه . نظام رئيس الوزراء اذن محتاج الى أن يعتمد على قلوب الشعب ؛ لا على رماح الجند وعصى الشرطة ، وليست بلاغة رئيس الوزراء مهما يكن بليغاً ، ولا فصاحة رئيس الوزراء مهما يكن فصيحا ، ولا سخاء رئيس الوزراء مهما يكن سخيا . ليس شيء من هذا كله يستطيع أن يكسب قلوب الشعب للنظام الجديد . وانما أمر هذا كله كأمر القوة والبأس ، يدور كل شيء فيه على الترغيب والترهيب وكل ما يعتمد على الترغيب والترهيب ، فهو موقوت يزول بزوال الرغبة والرهبة . فلابد اذن من عماد ثابت ؛ ودعامة باقية لهذا النظام الجديد . وقد وجد السنيور موسوليني لنظامه هذه الدعامة ؛ وذاك العماد ؛ فاصطنع فنا جديدا من فنون التربية يأخذ به الجيل الناشئ أطفالا وصبيانا وفتيانا ؛ يجندهم نوعا من التجنيد ؛ ويعلمهم فنونا من التعليم ، ويمرنهم ضروبا من التمرين ، وينتهي بهم من هذا كله الى أن الفاشي وحده يجب أن يكون قوام الحياة الايطالية . وقد أصبحت ايطاليا بفضل هذا النظام الجديد اشبه شيء باسبرتا في التاريخ القديم . فهذا مثل قد يجتذبه رئيس الوزراء ، فيقيم التربية والتعليم عندنا على النظام الجديد ، ليكسب له قلوب الاجيال الناشئة بعد ان لم يستطع أن يكسب له الا اجسام الاجيال التي نشأت بالفعل . وتثبيت هذا النحو من نظم التربية والتعليم يحتاج الى أن يخلص المربون والمعلمون والأساتذة لهذا النظام الجديد . وقد عرف السنيور موسوليني كيف يكسب هؤلاء الناس لنظامه .
    فأخذهم جميعا بالأيمان المحرجة ، يقسمونها على الاخلاص للنظام ، وعلى أن يكون تعليمهم ملائما له ؛ وخيرهم بين هذا القسم وبين الفصل من مناصبهم . فأختار منهم فريق بقى في مناصب الدولة ؛ وأمتنع منهم فريق فصلوا من مناصب الدولة فصلا . ولم يقتصر هذا التغيير على المعلمين في المدارس الاولية والثانوية ؛ بل تناول أساتذة الجامعات أيضا . فهذا مثل آخر من الامثلة الصالحة التي قد يلتمسها رئيس الوزراء عند موسوليني .
    ولا بد لاستقرار النظام من أن يفهمه الحكام على وجهه ، ويمرنوا على جملته وتفصيله ، ويؤمنوا به ايمانا صادقا قويا ، ومن أن يكون هؤلاء الحكام المؤمنون بالنظام كثيرين يمكن أن يتنقل بينهم الحكم ، وقد عرف موسوليني كيف يهيئ هؤلاء الحكام لنظامه فجعل نفسه أستاذا ؛ وجعل حكومته مدرسة ، وجعل يمرن الوزراء على الحكم ، حتى اذا أحسنوه وأتقنوه عزلهم من الوزارة عزلا ، وادخرهم ليوم مقبل أو نقلهم من الوزارة نقلا ، ومرنهم على فن آخر من فنون الحكم . وكذلك يغير موسوليني وزراءه من حين الى حين ؛ لا سخطا عليهم ، ولكن تعليما لهم وتأديبا . فهذا مثل اخر قد يلتمسه رئيس الوزراء عند موسوليني ، ولن يكون غريبا من الامر ان يمد الله لصدقي باشا في أسباب الحكم أن يعود الى مصر بعد أسابيع ؛ فيمتحن وزراءه ، ويعزل منهم من أتم التعليم ، ليعلم مكانهم قوما آخرين ، ويفصل منهم من يرى ان ليس فيه خير للنظام الجديد
    ولا بد لإقرار النظام من أن تستمتع الدولة بهذا الشعور القوى بالعزة والسلطان ، ومن أن تكره الدول الاجنبية على أن تعرف لها حرمتها وعزتها وقد عرف موسوليني كيف يلغ هذا من خصوم ايطاليا وأصدقائها فاستعمل العنف فى السياسة الدولية ولم يحفل بالمجاملات المألوفة كثيرا ، وأخذ يلقى خطبه المزعجة فتقع في أوروبا وقع الصواعق . وأنا أعلم أن من العسير على صدقى باشا أن يقتدى بموسوليني في هذه الناحية . ولكن اذا لم نستطع أن نخيف الانجليز جهراً بالخطب والجيوش والاساطيل ، فقد نستطيع بأن نخيفهم سراً بالزيارات والمقابلات والمخالفات . فأنت ترى أن رئيس وزرائنا قد كان بليغاً حقا في رسالته إلى عظيم ايطاليا وأن مصر لم تخطئ حين أرسلته في بعثة قصيرة الى روما ليتعلم على الاستاذ الاعظم فن الحكم واقرار النظام . صدقني لا ينبغي أن يقرأ كلام رئيس الوزراء كما يقرأ كلام الناس ، وانما ينبغى أن يحلل ويمحص ويقلب على جميع وجوهه ، فان في نفس رئيس الوزراء من الأسرار الغامضة ما قد يضيق به وادى النيل كله . وحسبك أن الله قد جمع مصر كلها فيه .
    طه حسین
    (*) السياسة ، ٤ أغسطس سنة ١٩٣٢ . 

    وداع . . .
    لعل صدقى باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية الى حين بعد ان تفضل فأعلن اليهما ان مصر لم تعد لهما دار مقام ، وان عليهما ان يرتحلا عنها الي حيث يحبان حتى اذا تمت المفاوضات بيننا وبين الانجليز وانتهت الى ما نحب أو الى ما نكره وأذن الله لصدقى باشا ان يستريح كان من الممكن ان يحاولا العودة الى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضى به الظروف حينئذ ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقاما في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو فى سوريا أو فى لبنان . فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبا حارا وتستقبلهما فى كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح الى الاستقلال وان كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان واتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان .
    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا فى أى قطر من هذه الأقطار لان حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرا على الامن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعا من تحقيق الاستقلال
    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد ، لان لها في المفاوضات مذهبا غير مذهب الحكومة ورأيا يناقض رأى الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الانجليز وانما ستفاوضها حكومة صدقى باشا فلا أقل من ان تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره ونذعن لما لا تحب حتى يمضى الله أمراً كان مفعولا وليس من سبيل الى هذا الصبر ولا من امل فى هذا الاذعان الا اذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل واقاما حيث يحبان في الشرق أو فى الغرب حتى تنتهى المفاوضات . فى أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة ان تقول ما تشاء وان تعمل ما تشاء وان تظهر المصريين على ما تحب وان تخفى عليهم ما تحب وان تأمرهم بما تريد وان تنهاهم عما تريد دون ان تخشى منهم انكارا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون ان تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه . هذا شرط أساسى لتستقيم الامور ولتستطيع الوزارة ان تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التى لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وانما هي حرة كالنسيم الذي يجرى في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدا ان حرية المفاوضات تقتضى تقييد الشعب . فليس من الممكن ان يجمع السيفان فى عمد وان تكون الحكومة حرة في مفاوضة الانجليز ويكون الشعب حرا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الانجليز مفروضة لان الشعب ارادها وطالب بها فطبيعة الاشياء تقضى بان ينزل الشعب عن حريته لان الذين يطلبون النتائج يجب ان يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هى تقييد حرية الشعب .
    هذا كلام يضحك منه الناس فى أى بلد من بلاد الارض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلا ، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وانما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لان المصريين أعقل من أهل الأرض جميعا واعلم بحقائق الاشياء وفلسفة ارسطاطليس من أهل الأرض جميعاً وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب ان يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصرى من البحث والتحقيق أولا ومن الاحتجاج والانكار ثانيا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الانجليز من هذا كله أيضا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الانجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهما المصريون لتجنبوا كثيرا من هذا الخطأ الذي يدفعون اليه كل يوم ولتنكبوا كثيرا من هذا الشر الذى يتورطون فيه كل يوم ايضا . فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين ، ويفاوضون أمما أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئا وانما ينتهون بها او تنتهى بهم الى الاخفاق وليس لهذا سبب إلا ان الانجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي ان تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الاخفاق ولو انهم عرفوا ما عرفته مصر من ان المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن احداهما يطرد الأخرى ولو انهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون فى الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون . ولكن الانجليز قوم فطروا على غرابة الاطوار ، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء ، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها . يؤثرونها حتى انهم ليحاربون فى سبيلها ، ويتعرضون لأعظم الهول : يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس ، نستغفر الله ، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الاوطان الأخرى . ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية ان نائبا بريطانيا قدم الى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم .
    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة
    الانجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية أجازة يقضيانها فى فرنسا مثلا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التيمس ولا الديلي تلغراف ولا الديلى هيرالد ولا غيرها من الصحف .
    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقا ولا يطمسون حروفها طمساً ، وهم من أجل ذلك لا يصدرون اليها التعليمات بما ينبغى ان تنشر وبما لا ينبغى ان تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات . هم لا يصنعون شيئا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون فى مفاوضاتهم اخفاقا متصلا ولكنهم يحبون مصر اكثر مما يحبون انفسهم ويحرصون على مصلحة مصر اكثر مما يحرصون على مصلحة انفسهم يريدون ان تنجح مفاوضاتهم مع مصر وان اخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون فى ان يكون جو المفاوضات صفوا صحوا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق . وقد هموا بان يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئا فاكتفوا مضطرين بان يقيد صدقى باشا حرية الشعب المصرى ويصادر الوفد والمصرى والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التيمس والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء واذا لم يمكن اذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من ان يذل احدهما واعقل الشعبين هو الذى يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وان يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات ، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصرى الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق ارسطاطاليس ويعلم ان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقبلوا الوسيلة ويقروها .
    لهذا كله يرغب الانجليز الينا صادقين فى ان ننقى جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها . فى ربوع لبنان . ولهذا كله نرغب نحن الى انفسنا في ان نريح مصر من الحق والحرية حينا ونريح الحق والحرية من مصر حينا ونقضى اسابيع أو أشهرا مطمئنين الى الذلة مستنيمين الى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس ، يقال لهم ان الشمس تطلع من الغرب وتغرب فى الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئا . يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون الى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء الا لانهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق ارسطاطاليس ويؤمنون بان الذين يطلبون الغاية يجب ان يقروا الوسيلة
    كل هذا حق وكل هذا واقع ، واذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة فى مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور .
    كان زعيم المعارضة لا يعلم ان الدستور وسيلة لا غاية وان المفاوضات أعظم خطرا من الدستور وان الحرية شر لا بد منه . يحتمل حين لا يكون فى احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين يخشى منه الضرر . ولو كنت عضوا فى مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقى باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجر ان اليه من الآثام .
    أنا إذن مؤيد لصدقى باشا كل التأييد يجب ان نصادر الصحف وان يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون الى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عاما لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الانجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادى النيل من منبع النيل الى مصبه . فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر ، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها اصحاب الصحف . ومن هذا الضغط اليومى الذى يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم انها قد صودرت . وما الذى يخسره المصريون اذا لم يجدوا الوفد والمصرى والبلاغ وانهم سيجدون صحفا اخرى تنشر لهم الاخبار كما تحبها الحكومة ، وكما ينبغي ان تنشر الاخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتنى صحف لان الناس سيشترونها راضين أو كارهين . وستفتقر صحف اخرى لان الناس سيصدون عنها صدا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون :
    غنى زيد يكون لفقر عمرو
    إنا إذن أؤيد صدقى باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابى الصحف التي تذعن لأمره ، وعلى ان يسير الشعب المصرى على هوى صدقى باشا لا على هوى نفسه
    ولو كنت وزيرا مع صدقى باشا او لو اتيح لى ان أشير على صدقى باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الانجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة الا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة الا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي ان يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور .
    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم ان يشتغل صدقى باشا بالاستعداد للمفاوضات أو ان يضيع وقته فى الاستعداد للرد على الاستجوابات .
    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع ، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات . الدستور قائم نائم كهذا المريض الذى ينهض اثناء الليل ويسعى لا يحس انه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس انه يقدم أو يحجم .
    فأى بأس على صدقى باشا وأى بأس على المصريين من ان ينام الدستور نوما عميقا متصلا حتى تنتهى المفاوضات إما الى جنة وإما إلى نار . واذا فرضت المصلحة على صدقى باشا ان يمنح الحق والحرية أجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه ان يمنح النواب والشيوخ أجازة يقضونها فى الأقاليم ، وان يمنح الدستور نفسه أجازة يقضيها في درج من الأدراج .
    لیصدقنى رئيس الوزراء ان وقته أنفس من أن يضيع فى هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر ، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور . فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء . ولست أطلب إليه إلا شيئا واحدا ، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين .
    شيء واحد هو الذى أطلبه لا أطلب معه شيئا آخر وهو يبتسم صدقى باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا فى أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين .
    طه حسین 
    البلاغ ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦ .

    المولد
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئا … والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام .
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضاً هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف . لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهذه الهيئة …
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرا ونكرا وهولا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع .
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضى حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أمانى تداعب النفوس فتملأها رضى وابتهاجا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه ، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة .
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقى بعضهم بعضا . أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوى حتي يعطى النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم ، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرا وروعا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد أنشاؤها يتم حتى شبت الحرب فى أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس فى غير اكتراث ، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبا مباحا للأقوياء . ويكفى أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا فى الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة ، غرباء فى غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء . وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقى إليه بالها .
    ***
    ويكفى أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعواما متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس فى حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار . وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغى الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئا ولا تستطيع أن تصنع شيئا ، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء .
    ***
    وهى على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويا . فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدا . فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه ، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف ، فالفرنسيون يشكون فى الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين . والأمريكيون يشكون فى أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير . وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس . فلم تصنع مما أنشئت له شيئا .
    وما أكثر ما أنفقت الأمم فى سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهى الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدا وتدبر غدا لتقبل بعد غد . ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة فى أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك .
    فأما العدل الشامل الكامل الذى لا يفرق بين قوى وضعيف فما زال أملا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب . وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبا حقا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير . واليوم يحتفل المسلمون فى أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيما ، قد مات أبوه قبل مولده ، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر ، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره .
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئا لأنه فعل أو قال . ولا لأنه غدا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق . ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها . وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلا جلدا قادرا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء .
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أى قوة ومضاء أى مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كراما تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم فى الأمل . ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنا ورضى وإيمانا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار فى أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير .
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة فى بعضها ولا تمضى عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوا فأصبحوا بنعمة الله إخوانا وكانوا يعيشون فى جهالة جهلاء ، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها ، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونوراً … وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن فى التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضى الله عنهم إلا إذا أقاموها علي العدل الذى لا يمتاز فيه قوى من ضعيف ولا غنى من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوى بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف .
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور فى جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام .
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانا بعد أن ملئت نكراً وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلا بعد أن ملئت جورا .
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيما فأواه وضالا فهداه وعائلا فأغناه . ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقا جديدا .
    ما أعظم الفرق بين المولد الذى احتفل العالم به فى أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئاً والمولد الذى يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائما ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحا وممسيا ويقظان ونائما ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه الأقوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانا .
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها فى هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأى والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغى أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذى أو يشين .
    طه حسین
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥ . 

  • ٤ مقالات من ١٩٢٣ | Four articles from 1923

    أربع مقالات كتبها طه حسين في صيف عام ١٩٢٣
    Four articles written in the summer of 1923.

    من باريس
    العلم والثروة

    هنا وهناك في مصر أغنياء كثيرون ولكن معظمهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين لأنهم لا يفقهون الثروة ولا يقدرونها ولا يفهمون ما ينبغى أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين مواطنيهم وهم اغنياء وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيرا ويستمتعوا بلذات مادية لا تتجاوز الحس إلى القلب أو إلى العقل . ثروتهم مقصورة على اجسامهم فان وصلت إلى نفوسهم فهي لا تمس منها إلا مواضع الضعف والغرور تمس الفخر والتيه . تمس العجبة والخيلاء . لكنها لا تمس الذكاء ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس ولا تمس عاطفة الاعانة على الخير .
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم أشد بؤساً من الفقراء المعوزين . لا ينتفعون بثروتهم أحياءاً ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم . هم لا يملكون الثروة وإنما يحملونها على ظهورهم لينقلوها من جيل إلى جيل . يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى ابنائهم ليعبروا بها النهر وكثيراً ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها ولا يظفر ابناؤهم منا إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال .
    في مصر أغنياء كثيرون ولكنهم فى الحق فقراء معوزون ! .
    وفي أوروبا أغنياء ولكنهم أبعد الناس عن الفقر . وأدناهم إلى الغني حقا لأنهم يفهمون الثروة ويقدرونها ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم وأسرهم . فهم يتمتعون بالثروة حقاً ، بجنون منها لذة الجسم ولذة القلب ولذة العقل . بل يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت . ينفعون وينتفعون . ليسوا عالة على قومهم وليس قومهم عليهم عالة . وإنما هم ، يفهمون أن الثروة أداة من أدوات المنفعة العامة المشتركة التي ينبغى أن يستمتع بها الناس جميعا كل على القدر الذى يتاح له . هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها لا يشترون بها الطعام والشراب واللباس فحسب . وإنما يشترون بها أيضا الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد الموت . ليسوا أنعاما ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل وإنما هم ناس يملكون الثروة ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون . ليسوا عبيداً للمادة وإنما هم سادتها يملكونها ويسخرونها لحياة الأنسان والترفيه عليه .
    أقرأ في جريدة «الطان» أن رجلا أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين لإقامة حي خاص يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل صحية يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم . وأقرأ في جريدة «الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس وثروتها تكاد تبلغ الخمس عشر مليونا . وأقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات مقادير مختلفة من المال وانها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقداراً من المال تنفقه في طبع الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه . وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه . وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة باريس ثروة تغل عليها (٣٥,٠٠٠) فرنك في السنة لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب . وإن رجلا ترك لها نصف مليون . وأن أستاذا في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ (٧٦,٤٠٨) فرنكا لإعانة طلبة التاريخ الحديث . وأن امرأة تركت مليونا لإعانة المؤرخين على بحثهم التاريخي . وأقرأ فى الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد خصصت جزءا من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء علي تأسيس المعامل العلمية المختلفة . بل اقرأ ما هو أغرب من هذا . اقرأ تعاون الفقراء والمعوزين واقتنائهم فى جمع المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها . واقرأ فى الوقت نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ونقصها ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغى أن يمنحهم . هذا الجود وهذا البذل اللذان اشرت اليهما فى أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان ومع ذلك ففقر العلم في فرنسا إضافي جداً لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى . وآية ذلك ما وصلت اليه فرنسا من الرقى العلمى لذا لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوربا بعد .
    كتبت في غير هذا المقال منذ اشهر أن العلم مهما اشتد غناه و عظمت ثروته فهو فقير محتاج إلى المعونة لأنه يحيا وحاجة من عاش لا تنقضى فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس يبذلون . هذا في فرنسا . أما فى مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء بالأغنياء . ولسنا نستطيع أن نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة لأنا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر . فليس لمصر علم وإنما هى فى علمها عالة على أوربا وأمريكا تستعير منهما كل شيء . وهي لا تحسن الاستعارة ولا تستطيع أن تستعير منهما ماهي في حاجة اليه أو جزءاً موفوراً مما هي فى حاجة اليه لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي محتاجة اليه لتعيش . أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحلى و إلى اللباس وبديع الاداة والآنية فما أكثر المال وما أيسر البذل . هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم فتكثر فى مصر هذه الأدوات المختلفة التي يقيد قليلها ويضر كثيرها . نعم . نحن أغنياء أجواد إذا احتجنا إلى متاع الدنيا . فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل والقلب ففقرنا لا يعد له فقر . هناك علوم مزهرة في أوربا وأمريكا ونحن لا نسمع بها فى مصر إما لأننا لا نحاول ان نسمع بها واما لأننا نضع اصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع بها فنحتاج إلى ان ننفق المال في جلبها إلى بلادنا . ولكنى واثق بان لونا من الوان البدع فى الحلى أو الملابس أو السيارات أو الازرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك حتى نسمع به ونرغب فيه ونتهالك عليه . والنتيجة اننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب مدنية وحضارة وربما كنا أفخر لباسا وزينة من أغنياء باريس ونيويورك ولندرا فاذا رآنا الأوربى خيل اليه اننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيرا مما يلبس و نزدان كما يزدان بل خيرا مما يزدان ، ونتصرف فى فنون الحياة المادية كما يتصرف بل خيراً مما يتصرف يحسبنا مثله إذا رآنا ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى يشعر بان وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئا يشبه الفناء . وماذا تريد من قوم يجلبون من اوربا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها المادية فاذا ذكر العلم والادب والفن هزوا الرؤوس والكتاف . بل هم يفعلون شرا من هذا . فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه . لا يرونه ولا يشعرون به ، ويحسه الأوربيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون اليه ويحملونه إلى بلادهم حتى إذا نبه منا نابه فأحس كما يحس الناس وأشتاق إلى ما يشتاق اليه الناس وأراد أن يكون مصرياً يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا اضطر إلى أن يبحث عن مصر فى باريس أو لندرا أو برلين يا للخزى ! بل قد يحتاج إلى ان يبحث عن مصر في أثينا !!! .
    لقد قلنا هذه الاشياء وقلنا وسنقولها ونقولها . فلم يحفل بنا أحد ولن يحفل بنا أحد . اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون . فأما القادرون على أن ينفعوا . فأما القادرون على أن يفيدوا بلادهم فهم عن النفع والفائدة في شغل . وما أنت والعلم تحدثهم به وتثقل عليهم فيه وهم أرغب فى هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل فلانا على أن يقول : لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها . رأيت ثوب فلان فراقنى ولاصطنعن مثله . فإما أن يقول الناس لقد رأينا عالما مصريا أو أديبا مصريا أو فنيا مصريا يروقنا أن يكون لدينا مثله فذلك شيء لا يخطر لاغنيائنا على بال . ولقد أكتب هذه الكلمة وانا أثق الثقة كلها بأن كثير من أغنيائنا سيقرؤونها وينالون كاتبها بالسخط والنعى لأنه يحدثهم بما لا خير فيه
    لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة ولولا لطف الله بها لماتت على أنها ليست بعيدة من الموت . ولقد أظهر اغنيائنا ميلا شديدا إلى تأييد هذه الجامعة واعانتها لأن ذلك كان بدعا يومئذ وكان فيه فخر للباذلين فلما انقضى البدع هبطت الرغبة وفتر الميل وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا . لا تذكر الحرب فان الحرب لم تسئ إلى مصر ولم تنزل الفقر بأهلها ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا فزعزعت ثروتها وخربت جزءاً عظيما منها بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا حبا للعلم وتشجيعا للعلم واعانة للعلماء ولم يضع عليها من ذلك شيء فقد اتاح لها العلم أن تنتصر . أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم اضعافا مضاعفة فلم يزدهم ذلك إلا ضننا وحبسا للمال عن وجوه الخير وتهالكا على اللذات المادية . والحكومة والأفراد في ذلك سواء فلست أنسى الوزارة النسيميه الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح سيارات الحكومة فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات . أما الجامعة فكانت الحكومة تعينها بالفي جنيه قبل ان تبلغ ميزانيتها عشرين مليوناً فبلغت هذه الميزانية أربعين مليونا ولم تزد إعانة الجامعة وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الاعانة ! وكانت وزارة الاوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم فلما قبل النظام الجديد نقصت هذه الاعانة حتى بلغت ۱۸۰۰ جنيه . ولست أدرى افتقرت وزارة الأوقاف ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية ؟ ثم نحن نطلب الاستقلال تزعم ان ليس بيننا وبين أهل أوروبا فرق وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به . وقد يكون هذا حقاً ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة بالتهالك على السيارات والحلى وملابس الحرير وما يشبهها وإنما وصلوا اليها بالتهالك على العلم والرغبة فيه . يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر فلئن بئسنا من الحكومة ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان . ويقيننا ان هذا البرلمان لن يغفر في المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الاغلاط المنكرة . لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت اليه حال التعليم فى مصر من ضعف وفساد . ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب .
    طه حسین
    باريس في ١١ مايو سنة ١٩٢٣
    السياسة ، 22\5\1923 .

    مسألة التعليم
     ليست المسألة الآن أن نعلم كيف ندرس العلم فقد نعرض لهذه المسألة بعد حين . وإنما المسألة هى أن نعلم لم ندرس العلم . ولقد أحب أن يعرض ناس كثيرون لدرس هذه المسألة والجواب عليها وأن ينشروا مباحثهم وآراءهم ففي ذلك خير كثير لا شك فيه . على أن جواب هذه المسألة يختلف باختلاف من تلقى اليه هذه المسألة . فلو انك سألت وزارة المعارف لم تدرس العلم فى مدارس الدولة لوجدت من وزارة المعارف جوابين مختلفين . أحدهما يصدر عن الانجليز والآخر يصدر عن المصريين الذين يعملون في هذه الوزارة . أما الانجليز فجوابهم معروف قد نشروه ولم يخفوه . تحدث به ممثلوهم السياسيون وتحدث به كتابهم الصحفيون : وهو انا ندرس العلم لنعمل في دواوين الحكومة عمالا صغاراً يشرف علينا رؤساء متسلطون هم الانجليز . واذن فيجب أن يقوم التعليم على قاعدتين تمسان مقداره وصورته أو تمسان كمه وكيفه كما يقول الفلاسفة . القاعدة الأولى أن يكون مقدار ما نتعلم قليلا وقليلا جداً من القلة بحيث لا يسمح لنا ان نتجاوز أعمالنا الصغيرة الضئيلة في الدواوين .
    القاعدة الثانية أن يكون ما نتعلم والطريقة التي بها نتعلم من الرداءة والقصور بحيث يحولان بيننا وبين كل حياة شخصية فيها أثر ما للاستقلال الفردى أو الاعتراف بالنفس أو القدرة على الابتكار .
    هاتان القاعدتان كفيلتان بتحقيق الغاية التي كان يسعى اليها الإنجليز في وزارة المعارف : يجب أن نعلم قليلا وان نسئ علم هذا القليل . يجب إلا تنمو عقولنا ويجب أن تكون هذه العقول التي حرمت النمو ممسوخة مشوهة من المسخ والتشويه بحيث لا تدرك شيئاً على وجهه ولا تستطيع أن تنتقل من حكم إلى حكم أو من قضية إلى قضية . بحيث لا تستطيع أن تحسن التصرف فى الحياة . فاذا عنى بتنفيذ هاتين القاعدتين ووفق الانجليز إلى هذا التنفيذ فقد وفقوا إلى ما يريدون من تثبيت سلطانهم الاستعماري دون أن يتعرضوا لخطر عظيم أو ضئيل . هذا جواب الإنجليز . وهو واضح معقول فالإنجليز مستعمرون قبل كل شيء وليس ينبغى أن نطلب إلى المستعمر أن يحول البلد الذي يريد أن يستعمره إلى بلد قوى خليق بالاستقلال قادر عليه . 
    أما جواب المصريين الذين يعملون في وزارة المعارف فليس من السهل أن تصل إليه لأنه في كثير من الاحيان غير موجود . فكثير جدا من رجال وزارة المعارف لم يلقوا على أنفسهم هذه المسألة ولم يتحدثوا إلى انفسهم بأن للتعليم غاية أو غرضا وإنما عملوا ومازالوا يعملون في وزارة المعارف بطريقة آلية صرفة كما يعمل غيرهم من الموظفين في المالية والداخلية وغيرهما من الوزارات . يعملون ليتقاضوا اجورهم . يعملون ليعيشوا . وهم معذورون فقد كان سلطان الانجليز قويا شديد الأثر فى نفوسهم وكان من القوة بحيث لا يبيح لهم أن أن يفكروا أو يبتكروا أو يعملوا . خضعوا لهذا السلطان كارهين أو غير كارهين فأثر فيهم هذا الخضوع وأصبح العمل الآلى طبيعة من طبائعهم حتى أن بعضهم ليأخذه الدهش إذا سألته ما غاية التعليم وما الاصول التي ينبغى أن تتخذ لتحقيق هذه الغاية . وآخرون في وزارة المعارف يفكرون ويحاولون أن يتبينوا غايات التعليم واغراضه ولكن هناك شيئا لا أدرى ما هو يحول بينهم وبين الوصول إلى نتيجة واضحة بينه لهذا التفكير . ولعل هذا الشيء هو هذا الجو السيء الذى يعيش فيه المصريون المستقلون في وزارة المعارف بين انجليزى مستعمر و مصرى خاضع أو متهالك على الخضوع . ثقيل جداً هذا الجو يحول بين الرجل المستقل وبين التنفس الهادئ وبين التفكير الصحيح . فهو مضطرب حائر ليس له رأى أو له رأى لا يكاد يتبينه . وآخرون في وزارة المعارف لا يفكرون في التعليم ولا يفكرون فى الخضوع للإنجليز وإنما هم يريدون التخلص من الانجليز والاستئثار بمناصبهم . ويرون أن المسألة الآن ليست مسألة التعليم وإنما هي مسألة الاستقلال لا تستلزم إصلاح التعليم الآن وإنما تستلزم قبل كل شيء أن يقوم المصريون مقام الانجليز . ذلك أن الانجليز قد ظلموا المصريين فاستأثروا بأمورهم ومناصب الحكم فيهم وقد أن للمصريين أن يخلصوا من هذا الظلم وأن يستردوا مناصب الحكم فاذا وفقوا إلى ذلك فقد يفكرون فى اصلاح التعليم . 
    هذه فيما اعتقد الأجوبة التي تستطيع أن تلقاها في وزارة المعارف إذا تحدثت إلى المصريين في وزارة المعارف ، في إصلاح التعليم وهى أجوبة ليس يعنينا أن تكون قيمة أو معوجة وإنما يعنينا أنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تسأل عن غاية التعليم قوما آخرين متصلين بوزارة المعارف ولكنهم لا يعملون في دواوينها وإنما يعملون في مدارسها . قد تسأل عن غاية التعليم قوما هم المعلمون . وهؤلاء المعلمون أجدر الناس بأن يفهموا سؤالك وأجدر الناس بأن يحسنوا الجواب على هذا السؤال . ولكن هؤلاء المعلمين ينقسمون انقساما كإخوانهم الذين يعملون في الوزارة ينقسمون اقساما مختلفة . فمنهم الزكي النابه الذي يتحرق غيرة على أمته ومصير التعليم فى أمته . فيفكر ويقرأ ، ويبحث ويقارن ويكون لنفسه رأيا في غاية التعليم ومناهجه وبرامجه . ومنهم الذي يعمل في المدرسة كما يعمل في الديوان . يريد. أن يتقاضى أجره يريد أن يعيش . ومنهم الذي أصابه اليأس ونالته خيبة الأمل فهو لا يريد أن يفكر وحسبه أن يحتمل الحياة . ومنهم الإنجليزي الذي ينفذ في المدرسة خطة رئيسه فى الديوان . يستعمر أكثر مما يعلم . والأمر غير واقف عند هذا الحد . فان هؤلاء المعلمين الأذكياء الذين يفكرون ويرون في التعليم آراء مختلفة خاضعون لنظم وقوانين لم يضعوها وإنما وضعها الانجليز المستعمرون أو المصريون الذين لا يفكرون . هم خاضعون لهذه النظم والقوانين . فهم أقل الناس حظا من حرية الرأى . يريدون ولكنهم لا يستطيعون أن يتكلموا . يفكرون ولكن في أنفسهم وضمائرهم لأنهم أن أعلنوا أراءهم أو نشروا شيئا من افكارهم لمناهج التعليم أو برامجه نالهم سخط الرؤساء بما لا يحبون ولا يحتملون . واذن فاليأس أسرع اليهم من الرجاء وربما استحالوا بحكم هذا الضغط المتصل وهذا الجو الفاسد إلى الآن يعملون في المدارس كما يعملون في الدواوين ولكنهم يألمون . هم خاضعون لهذه النظم . وهم خاضعون لنظم أخرى تصور عملهم في المدرسة تصويراً رديئا وتحدد لهذا العمل غاية ليس لهم أن يتجاوزوها ، وهم يعلمون هذه الغاية حق العلم ويسعون اليها حق السعى ليرضى عنهم الرؤساء وتحسن فيهم شهادة المفتشين . فاذا سألت المعلم عن غاية التعليم أجابك مقتنعا حينا وساخراً حينا آخر : غاية التعليم هى شيء شاق . شاق جداً . هي أن ينجح الطلبة في الامتحان . فالمعلم كفء إذا كثر عدد الناجحين من تلاميذه . هذا مقياس كفايته وليس لهذه الكفاية مقياس آخر . نستغفر الله ! بل قد تقاس الكفايات بمقاييس أخرى لا نعرض لها لأنها لا تمس التعليم . ولكنك قد تلقى نفس هذا السؤال على غير وزارة المعارف وعلى غير المعلمين . بل تلقيه على التلاميذ والطلاب فلا تجد منهم إلا جوابا واحداً : غاية التعليم هى أن أنجح فى الامتحان . هى أن احصل على الشهادة التي أبلغ بها ديوانا من دواوين الحكومة والتي تكفل لى التفوق على غير المتعلمين . كذلك يجيبك رجال وزارة المعارف . وكذلك يجيبك المعلمون . وكذلك يجيبك التلاميذ والطلبة . وعلى نحو من ذلك يجيبك آباء التلاميذ والطلبة . وكل هذه الاجوبة علي اختلافها وتباينها تدل على شيئين اثنين : أحدهما ان الذين يعنون بالتعليم لا يقدرون التعليم .
    والثاني ان الانجليز قد وفقوا من هذه الناحية إلى ما كانوا يريدون فمسخوا في نفوسنا أو في نفوس كثير منا صورة التعليم بل تستطيع أن تقول إنهم حالوا بيننا وبين أن نوجد للتعليم فى أنفسنا صورة ما . ومع هذا فليس تحديد غاية التعليم (بحرا وجوا أن يحب كما يقول الفرنسيون وإنما هى ان لم يكن يسيراً كل اليسر فليس عسيرا كل العسر .) لم نتعلم ؟ يجب إذا أردت أن تجيب على هذه المسألة أن تجتهد قبل كل شيء في تحديدها وتضييق موضوعها . فهناك التعليم الأولى . وهناك التعليم الثانوى . وهناك التعليم العالى . وهناك التعليم الفنى . وقد تشترك كل هذه الأنواع في انها نافعة مكونة للعقل الانساني . منمية للملكات الانسانية على اختلافها سواء أكانت عملية أم نظرية . قد تشترك كل هذه الأنواع فى هذه الأغراض وما يشبهها . ولكن يخيل الينا ان لكل نوع منها غاية يسعى إلى تحقيقها وغرضا يجتهد في الوصول اليه .
    ليس من شك في أن التعليم الأولى يكون عقل الطفل وينمى ملكاته المختلفة . ولكن عقل الطفل وتنمية ملكاته ليسا كل شيء . بل ان هذه التنمية وهذا التكوين نفسهما يستلزمان التفكير فى شيء آخر وهو الصيغة التي تريد أن تصوغ بها عقل الطفل وملكاته وأخلاقه . الصورة التي تريد أن تصور فيها هذا العقل وهذه الاخلاق وهذه الملكات . وهذه الصورة نفسها يجب أن ينظر اليها من وجوه مختلفة ومن وجهين اثنين بنوع خاص : أحدهما انك تريد أن تكون رجلا وأن تمنحه من التعليم سلاحا يمكنه من النضال في الحياة . الثانية انك تريد أن تكون فرداً من أفراد أمة فيجب أن يكون هذا الفرد ملائما لهذه الأمة أو يجب بعبارة واضحة أن تكون الصورة التي تريد أن تصور بها هذا الفرد ملائمة لحياة الأمة ملائمة للمثل الأعلى الذى تسمو اليه هذه الأمة قابلة لأن تتطور وتستحيل كما تتطور الأمة وتستحيل دون أن يكون بينها وبين الأمة في ذلك مشادة أو نزاع . أنت اذن فى المدرسة الأولية مكلف أن تنظر الي هذين الغرضين اللذين يتصل كل منهما بصاحبه اتصالا شديداً . فلا قيمة للفرد بغير الأمة ولا وجود للأمة بغير الفرد . وعلى الملاءمة بين الصورة العقلية للفرد والمثل الأعلى للأمة تقوم الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية . واذن فغاية التعليم الأولى واضحة جلية وهي أن تكون أفراداً قادرين على الحياة لأمة قادرة على العيش في الحياة .
    ولقد نعلم ان هذا كله مجمل يحتاج إلى التفصيل . ولقد نعلم ان هذا كله غامض
     يحتاج إلى التوضيح . وليس التفصيل علينا عسيراً . وليس التوضيح علينا شاقا . ولكننا نريد ان تجتنب الاطالة . فنكتفى بمثل واحد نعتقد انه يفصل هذا الرأى ويوضحه.
    علام تقوم حياتنا اليوم؟ تقوم على اننا أمة قد سلبت حقوقها السياسية ووجودها السياسي فهي تريد أن تسترد هذه الحقوق وتثبت هذا الوجود . فاذا استردت هذه الحقوق واثبتت هذا الوجود السياسى فهى تريد أن تنتفع بحقوقها ووجودها وأن تتخذ هذه الحقوق وهذا إلى الوجود وسيلة إلى الرقى السياسي وغير السياسي . وإذن فأول واجب على المدرسة من هذه الوجهة هو ان تعد الطفل لهذا الجهاد وأن تشعره بهذه الحقوق وهذا الوجود وتملأ قلبه حرصا على استرداد هذه وأثبات هذا . فما رأيك في تعليم أولى كالتعليم المصرى يخلو أو يكاد يخلو من كل شيء يشعر التلميذ المصرى بأن له وطنا هو مصر وبأن لهذا الوطن حقوقا سياسية أو وجوداً سياسياً . ما رأيك في تعليم أولى في مصر يخلو أو يكاد يخلو من تاريخ مصر ويخلو أو يكاد يخلو من جغرافية مصر؟ ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد . فان لنا في الحياة آمالا ولنا فى الحياة أساليب نتخذها لتحقيق هذه الآمال . فيجب أن يكون الطفل بحيث يستطيع أن يشعر بهذه المال ويجاهد لتحقيق هذه الآمال ويتخذ فى هذا الجهاد ما ألفنا من طرق وأساليب . نريد أن يكون نظام الحكم فينا ديمقراطيا فيجب أن تكون المدرسة الأولية ديمقراطية . نريد أن تكون ديمقراطيتنا هادئة معتدلة فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذا الهدوء وهذا الاعتدال . نريد أن تكون وحدتنا الاجتماعية والسياسية والعقلية ظاهرة بينه قوية . فيجب أن تعد المدرسة الأولية لهذه الوحدة . نريد في عبارة موجزة أن تكون المدرسة الأولية قالبا تصاغ فيه حياتنا المقبلة كما نحب أن نحياها وكما نريد أن تكون . ومن هنا لا نجد سبيلا إلى النزاع في أن التعليم الأولى أمر من أمور الدولة يجب أن تتولاه ويجب أن تشرف عليه . ولكنا نريد أن تحسن الدولة ولاية هذا التعليم والإشراف عليه بحيث تفهم الدولة آمالنا ومثلنا العليا وأساليبنا في الحياة فتكون من هذا كله هذا القالب الذى يصاغ فيه الطفل والذي هو المدرسة الأولية .
    هذا فيما نظن الغرض الذى يجب أن يسعى التعليم الأولى إلى تحقيقه . فإذا انتقلت من التعليم الأولى إلى غيره من أنواع التعليم تعقد هذا الغرض وتنوع . ولكننا نحدثك عنه في غير هذا المقال .
    طه حسین
     (*) السياسة ، ٢٢ يونية ١٩٢٣ .
     

    مدرسة اللغات القديمة ايضا
    بين يدى الآن التقرير النهائى للجنة الجامعة الحكومية . اقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة . وكانت وزارة المعارف قد الفت الدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان اعضاء هذه اللجنة الاستاذ المسيو لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والاستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثرى الفرنسى فى مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة على بك بهجت مدير دار الآثار العربية
    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار فى جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة علي أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد . وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الالسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار .
    الحق أنى لم اكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانا وتثبيتاً واغتباطا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فنى وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية . ازددت اذن ايمانا وتثبيتا واصراراً على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسما للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا . تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس القراءة الآثار ، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثار كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم . فلابد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصرى سواء من هذه الآثار ما كتب ومالم يكتب . والغريب في هذا الامر ان صاحب السعادة كمال باشا امضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار . وهو مع هذا الامضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذى نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير . وان كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط فى شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه . فهى تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية . وإذن فهى تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية . وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها . ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضى إلى الأمام غیر معنية بحق ولا منفعة وانما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده .
    نعم ان وزارة المعارف تخطئ الطريق وهى تعلم انها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف الى نتيجة . وهى الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت ، وتعيدها فى طريقة أوسع وأشد تعقيداً . فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل فى اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية فى تجربتها الأولى . وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين . وفى الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت اليه آنفا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاق ناقص ولكنه مضطر اليه لأن وجود الاساتذة ليس بالشيء اليسير . ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير .
    أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذى أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذى هو كمال باشا مرتب استاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبا لا يتجوز مائتي جنيه . أما استاذ الهيروغليفية ( كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون استاذا ومشرفا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف . وكنت أظن أم وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم اليه استاذا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة . كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته . وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الاستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الاستاذ فنه لمصلحة مصر . ولكننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر . واذا أراد الله شيئا فلا مرد له . غير أني أزعم شيئا آخر ، أزعم أن السياسة «الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة ، الدنلوبية امتازت وستمتاز دائما بشيئين : أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة . تتصور الأشياء منقوصة . تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها . وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعنى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة . الثانى أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف . تريد أن تحتكر كل شيء . تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد و لا تصلح . هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره . واليك البيان :
    لا التمس هذا البيان بعيداً وإنما أجده فى هذه المدرسة نفسها . فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة . فأنشأت ثوبا شديد القصر جدا . شديد الضيق جداً يلبسه من يلبسه فاذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية . واذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل . تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة أما أن تذعن لوزارة المعارف وأما أن تزول . تنافسها وهى منتصرة فى هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية . واذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية . واذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية فى مدرسة المعلمين طلابا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عند هؤلاء الطلاب فلا يجدهم . واذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها .
    لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير ، ويخيل إلى أنه لا يستحق الأعجاب ولا تصفيق الجمهور . ويخيل إلى أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة ، ويخيل إلى أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف . ففى الأمر شيء غريب ! في الأمر أن وزارة المعارف التى تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف فى أركانها وزواياها . فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر . بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد . فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها . ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لانهما يريدان الخير . ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وان تنافسها بأستاذ الجامعة . أليس في ذلك شيء من المهارة السياسة دنلوب» ؟ أليس في ذلك شيء من الخزى السياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجأون اليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت فى ضيق وشدة على سياسة دنلوب وانصار دنلوب
    الوزارة اذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة . ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة فى وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف احدى طريقين : فإما أنا تنشئ مدرسة للآثار ، مدرسة كاملة . مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقا ، واما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها . ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية . فهى لا تبحث عن نفع ولا عن خير . وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور .
    قلت لك إننا نريد شيئا ويريد الله شيئا آخر واذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له » .
    طه حسین
    (*) السياسة ، ١٢ يولية ١٩٢٣ .    

    وجه الصواب فى درس الآثار
    يوفق الله قوما فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير فاذا هم يسعون إلى المنفعة سعيا سريعا منظما آمنا كل عثار . ويخذل الله قوما فتضطرب عقولهم وتؤخذ عليهم طرق المنفعة ويحال بينهم وبين الحق فاذا هم يتخبطون ، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات ، وإذا هم يميلون إلى اليمين مرة والى الشمال مرة أحرى ، وإذا هم يتحركون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة .
    يوفق الله قوما فيهتدون إلى الخير . ويخذل الله قوما فيتورطون فى الضلال . ولست أدرى أيوفق الله وزارة المعارف فى أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضى وزارة المعارف فى هذا الأمر الذى اعتزمته بعد أن قدم الـيها النصح وأشير عليها بالخير ودلت على وجه المنفعة ليس إلا ضربا من ضرو الخذلان . ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو ارشاد المرشد . فان وزارة المعارف لم تنس عصر الحكم الاوتوقراطى ، وعزيز عليها أن تنساه ، وعزيز عليها أن تطمئن إلى النظم الديمقراطية الجديدة . واذن فهى إذا رأت رايا مضت فـيه غير ملتفته إلى ما يقال خيرا كان أم شرا . وان كان العهد بوزارات المعارف الحرة فى البلاد الاخرى إلا تقدم على أمر ذى بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم وربما بالغت فى ذلك فاستشارت الجمهور والصحف . ولكن ذلك فى البلاد الديمقراطية لا فى مصر!
    نيأس اذن من وزارة المعارف ونعتقد انها قد تمضى فيما تريد . ولـكنا لا نيأس من البرلمان ، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيرد وزارة المعارف إلى طريق القصد وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق . وليس من المنفعة ولا من الحق فى شق أن يكون فى مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان ، وأغنى متحف لتاريخ مصر فى العصر الاسلامى ، وألا تكون فى مصر مدرسة نافعة منتجة حقا تدرس فيها هذه الآثار المخزونة فى المتاحف والمنبثة فى أقطار البلاد. ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملا مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار . فـاذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» فى باريس أو إلى المتحف البريطانى فى لندن أو إلى غيرهما من المعاهد فى فينا وبرلين .
    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة . فاذا أشتد الحا مصر فى أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تلقى فى مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تفيد ، ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة ، وإنما الحق والمنفعة أن تقدر وزارة المعارف حاجه مصر ومنفعة مصر وكرامة مصر ، وأن تنشئ هذه المدرسة التى تستخزى مصر بأنها غير قائمة فيها ، والتى أن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلفها من النفقات شيئا كثيرا .
    تعنى وزارة المعارف فى مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصرى ويقومون فـيه بشوع من التمرين وسيسيحون فى أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها . ولكنا نلفت وزارة المعارف ألى أن هذه الزيارات لن تنفع لأنها لن تكون من الاطراد والاستمرار بحيث تمكن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرا أثرا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التى تعلمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها . وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيها إ!! وهو مقدار لا يكفى لسياحة فرد واحد فى مصر العليا أثناء الشتاء فيكف بطلبه كثيرين واستاذ كثير الحاجات ! ولكن في الأمر ما هو شر من هذا . فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبا وهى العناية بالآثار العربية الإسلامية . العناية بما فى دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة فى أقطار مصر وغير مصر والتى يتقن الاوربيون العلم بها نختلف نحن اليها كثيرا دون أن نعرف من أمرها شيئا ، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التى تمثل تاريخ الاسلام وحظ دول الاسلام من الحضارة والرقى الفنى . فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربى والآثار الاسلامية؟ وماذا أعدت وزارة الـمعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك فى انشاء مدرسة أو قـسم في مدرسة المعلمين تدرس فيه هذه الآثار ويخرج لنا طلابا يشعرون بان هناك نقوشا عربية عن الأوربيون بجمعها وتفسيرها وتجهلها نحن الجهل كله؟
    لم تفكر وزارة المعارف فى شيء من هذا وما كان لها أن تفكر فى شيء من هذا ، فهى كما قلت لك أمس ضيقة التصور ترى الشع من وجه لا من وجهين ولا من وجوه . ولو أن الله وفق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى انشاء مدرسة الآثار التى تدرس الأثار المصرية الفرعونية وآثار مصر ايام اليونان والرومان وأثار مصر فى العصر الاسلامى ، والتى لا تمضى عليها أعوام حتي تتجاوز الآثار المصرية إلى الأثار الاخرى السامية والى الآثار الاخرى عير السامية فتصبح معهدا من المعاهد الاثرية المعدودة فى العالم كما ينبغى أن يكون الأمر فى مصر التى التقت فيها الحضارات المختلفة والتى لا يعرف العالم القديم تاريخا إلا وله فيها اثر ما . ولكن وزارة المعارف أضيق تصورا من أن تدخل فى رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة . وليس في الأمر شع من الغرابة . فانت لا تجنى من الشوك العنب ، وليس ينبغى أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين . وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار . وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها . والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لمالا نتقن . ولو أن فى مصر ادارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك الف ” لا مره حسنت هذه الادارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذا نافعا مفيدا . لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد .
    حدثنى وزير المعارف حين زرته أخيرا أنه يفكر فى انشاء ادارة الفنون ، وأنه قد كتب فى ذلك تقريرا سيرفعه إلى الحكومة . فاذا كان هذا حقا ، وما نشك فى أنه حق ، فما بال المعارف يبنى أعلى البيت قبل أن يبنى أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجه همه وزير إلى انشاء هذه الادارة قبل كل شع؟ فاذا تم تكوينها واستقلت بأمورها عن المهندسين والمشرفـين على تنظيم المبانى وتوزيع الصدقات كلفت هذه الادارة أن تنشع ما تحتاج اليه من المدارس ومعاهد البحث . أليس هذا هو الخير؟ اليس هذا هو الصواب؟ بلى ! هو الخير وهو الصواب . ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعى إلى الخـير أو إلى الصواب
    صدقنى يا معالى الوزير أن الحق عليك لمصر أن تنشى أولا ادارة للفنون ومن الآداب تجمع للمتحف المصرى ودار الآثار العربية ودار الكتب المصرية والاوبرا الملكية ومدارس الفنون على اختلافها . فاذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين فى انشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية .
    هذا هو الحق وهذه هى المنفعة . فانصرف إلى الحق والى المنفعة ولا تخدعنك هذه المشروعات التى ليست فى حقيقة الأمر إلا الفاظا خلابة براقة دون أن يكون وراءها نفع ولا غناء .
    طه حسين
     ١ – السياسة ، ١٣ يولية ١٩٢٣ ٠


  • الحرية | Freedom

    حرية…
    لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذى أنزل فـيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتي بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
    وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حسا، تسمح فى الصباح وتجمح فى المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبنى إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملا النفوس فزعا والقلوي هلعا والضمائر فرقا وشفقا، وما أحب لنفسى ولا لأهلى ولا لأصدقائى أن يصيـبنا فى شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو اشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم فى وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملنى على الهدوء والاناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون فى شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فـرعون فى شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
     فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يحسى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعـدل إن الله نعما يعظكم به أن الله كان سميعا بصيرا.
     
    ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التى يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التى يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التى تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
     وللشعب المصرى فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له فى الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هى أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هى التى تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهى عن الشر فينتهى عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتى ما يشاء وينتهى عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت الـقوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهى وعلى الثواب والعقاب.
     والأمر والنهى لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثوا والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هى حريتهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا، لا ينبغى أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم فى أن يفكروا ويقـولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب فى المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها فى مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثـيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا فى الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها الينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيسى الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأنى أتحدث اليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر فى التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا فى رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها فى الدين من جهة أخرى فقد حملت الينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التى أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فـما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتى ويدع يلحظ الإسلام فـيما نأمر وينهى ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فيمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى الينا منها وماذا احتجز عنا.
     ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد الينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونبحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد فى أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق فى هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق فى هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق فى هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبـيننا دائما إلى القضاء الذى ينبغى أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه فى كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة فى الحرية فى قليل ولا كثير.
     كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى فى نشرها خطرا لا يرجع فى ذلك إلى القضاء ولا يعتمد فى ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضى ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم فى أن يكتبوا أو يقرأهم الناس وتضيع على الشعب حقه فى أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة فى أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس فى قليل ولا كثير.
     ثم حاءتنا الأنباء فى باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلي التعطيل وتجاوز. المضايقة إلى الحرمان وعطل فى يوم واحد صحفا عدة لم يرجع فى أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم وضى ثم أنقذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال أن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال أن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى فى انفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادى فى الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب فى شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والاناة، وقـد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابة وأن يبلغ ذلك بالتى هى أحسن فبين لرئيسى الوزراء فى مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء فى منتصف الطريق من أسس الحياة فى هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف فى إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعى إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين خرجا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فشاب إلى نصف الحق ولـم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه يهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغى أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطى على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر فى هذا اليسر وتضيع فى غير مشقة ولا عناء على أن التبعة فى ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغى أن يغضبوا لها.
     أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى اليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبـيح للناس أن يطيعوا المخلوق فى معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام فى مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذاءهم فى حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
     إنى أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هى قول الله عز وجل: إن الله يأمر كم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
     وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأوكد للكتاب والمثقفين جميعا إنى – وأنا لا أملك إلا نفسى – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فـلا أقبل فى حرية الرأى هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط فى الحرية.
     طه حسين
     صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦.