Author: Hassan El-Zayyat

  • تأسيس النظام الدولي الجديد | Founding the New World Order

    الظاهرة الكبرى
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٥ أغسطس ١٩٤٥

    يمكن أن يقال: إن الانتخابات البريطانية شغلت العالم أشهرًا متصلة كما شغلته أحداث الحرب الجسام … وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلبريطانيا العظمى مكانتها الممتازة بين أمم الأرض، وإمبراطوريتها العظيمة وكلمتها المسموعة في كل مشكلة من مشكلات السياسة العالمية، بل لبريطانيا العظمى آثارها التي تختلف قوةً وضعفًا في السياسة الداخلية والخارجية لكثير من الأمم المستقلة، أو التي تشبه أن تكون مستقلة … فإذا حدث في بريطانيا العظمى ما من شأنه أن يغير سياستها قليلًا أو كثيرًا، فمن الطبيعي أن يتساءل العالم، وأن تتساءل الأمم المتأثرة بهذه السياسة عن طبيعة هذا التغيير، وعمَّا يمكن أن ينتهي إليه من الآماد، وأن يترتب عليه من النتائج.

    وقد كانت الحرب الانتخابية في بريطانيا العظمى مثار اختلافات كثيرة عنيفة في التفسير والتقدير، لا في بلاد الإنجليز وحدها، بل في كثيرٍ جدًّا من بلاد الأرض. فكانت الحرب نفسها عنيفة جدًّا بين المحافظين والعمال … وكان الناس يقرءون خطب الزعماء المختصمين في كثير من التلهف والتشوق … وكانوا يعجبون إعجابًا شديدًا بأن هذه الخصومة العنيفة وتلك الحرب — التي كانت بالقياس إلى الحزبين حرب حياة أو موت — لم تمنع الحزبين من التعاون والتناصر، ومن أن يشدَّ أحدُهما أزْرَ صاحبه حين يَجدُّ الجد في أمور السياسة الخارجية.

    فلم يكد مستر إيدن يعلن في مجلس العموم البريطاني قبيل حله مأساة سوريا وموقف بريطانيا العظمى منها حتى وقف زعيم العمال فأعلن تأييد حزبه لمسلك الحكومة، ثم لم يكد يتقرر اجتماع الرؤساء الثلاثة في بوتسدام حتى أعلن مستر تشرشل في مجلس العموم أنه طلب إلى خصمه وصديقه المستر إتلي أن يصحبه في هذا الاجتماع الخطير؛ ليثق العالم بأن البريطانيين مهما يختلفوا في السياسة الداخلية فهم متفقون في كل ما يتصل بسياسة العالم بعد انتهاء الحرب، وبأن بريطانيا العظمى لن تغيِّر موقفها في السياسة العالمية بتغير حكوماتها، أو بانتقال السلطان فيها من حزب إلى حزب.

    كان الناس يقرءون هذا كله ويعجبون به، ويكبرون هذه الديمقراطية البريطانية التي تعرف ما تريد، وتعرف كيف تسعى إلى ما تريد، وكيف تبلغ ما تريد. وكانوا في الوقت نفسه يختلفون في نتائج الحرب الانتخابية، وكان أكثرهم يرى أن المحافظين سيظفرون بالفوز، وسيتفوقون على خصومهم ولو بكثرة ضئيلة، يبنون ذلك على ما للمستر تشرشل من مكانة ممتازة في نفوس الشعب البريطاني خاصةً، وفي نفوس الناس جميعًا خارج بريطانيا العظمى بعد أن أنقذ وطنه من كوارث لم يكد أحد يشك في أنها واقعة، وبعد أن ثبت وحمل مواطنيه على أن يثبتوا لهذه الخطوب الهائلة المروعة التي لم يعرف التاريخ مثلها في عصر من العصور، وبعدما بذل من جهود لا يكاد يتصورها العقل، واحتمل من عناء لا يكاد يحتمله الناس. فسافر في البر والبحر والجو في غير أوقات السفر، وعرض نفسه لأخطار جسام على تقدمه في السن، وعلى اعتلال صحته كلما تعرضت لهذه الأعراض التي تنشأ عن التنقل السريع إلى الأقطار النائية مهما يكن من اختلاف الفصول.

    وكان قليل من الناس ينتظرون فوز العمَّال، يبنون ذلك على اتجاهات إنسانية هي التي اضطربت لها أوروبا بين الحربين، وهي التي ثارت لها الحرب العالمية الثانية، وهي التي تتصل بالصراع بين نوعين من نظام الحكم، وتدبير أمر الشعوب؛ أحدهما: النظام الديمقراطي السمح الطلق، والآخر نظام الدكتاتورية أو ما يشبهها من هذه الديمقراطيات المقيدة المتحرجة.

    وقد انتهت الحرب الانتخابية في بريطانيا بفوز العمَّال، فلم يكد هذا الفوز يعلن إلى الناس حتى أخذوا يختلفون في نتائجه القريبة والبعيدة، وهم الآن ماضون في هذا الاختلاف، يرى بعضهم أن هذه النتائج ستقتصر على السياسة الداخلية البريطانية؛ فتحكم بريطانيا العظمى حكمًا اشتراكيًّا يمعن في الاشتراكية إمعانًا قويًّا أو ضعيفًا، وتمضي السياسة الخارجية على أساليبها التقليدية لينة في هذا المكان، شديدة في ذاك، مرنة بالقياس إلى بعض الأمم، صلبة بالقياس إلى بعضها الآخر، باسطة للنفوذ البريطاني على كل حال.

    ولم يحدث قط أن اهتم العالم لنتائج الانتخابات في بريطانيا العظمى كما اهتم لها في هذه المرة؛ فبريطانيا العظمى دولة منتصرة قد شاركت في سحق ألمانيا وإيطاليا، وفي تحرير أوروبا من تسلط الألمانيين، ولا يكاد قطر من أقطار الأرض في الشرق والغرب يخلو من قوة بريطانية تستقر فيه، أو تسعى إلى دخوله والاستقرار فيه استقرارًا طويلًا أو قصيرًا، لا نستثني من ذلك إلَّا أمريكا، فتغير السياسة البريطانية من طبيعته أن يحمل هذه الأقطار كلها على أن تتساءل ما عسى أن يكون لهذا التغير من أثر في حياته الحاضرة أو المستقبلة.

    ومهما يكن من الحق أن جوهر السياسة الخارجية في بريطانيا العظمى واحد لا يتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وأن غاية السياسة البريطانية واحدة لا تتغير، وهي بسط النفوذ البريطاني في كل مكان؛ فإن أساليب هذه السياسة تتغير من غير شك بتغير الأحزاب التي تنفذها، وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يرعونها ويقومون عليها. وليس من شك عندي في أن أهم الأسباب التي دعت إلى هزيمة المحافظين أنهم غلوا في المصانعة داخل بريطانيا العظمى وخارجها حين كانت المحنة شديدة شاقة، فترفقوا بالشعب البريطاني إلى أبعد حدود الترفق، وتقربوا إلى العمال تقربًا شديدًا، واستعاروا من الاشتراكية نظمًا كثيرة اقتضتها الحرب، ثم وعدوا وغلوا في الوعد حتى اعتقد البريطانيون أنفسهم — واعتقد الأجانب — أن بريطانيا العظمى صائرة إلى الاشتراكية الخالصة.

    وهم في الوقت نفسه توددوا إلى حلفائهم وأنصارهم، وإلى الأمم المحايدة، وغلوا في هذا التودد، ونثروا وعودهم نثرًا، وجلوا أمام الإنسانية وأمام الأمم الضعيفة خاصةً آمالًا خلَّابة، حتى لم تشك أمة من الأمم الخاضعة لنفوذ هذه الدولة أو تلك أنها ستظفر بالحرية والاستقلال متى أصبح النصر شيئًا محققًا.

    وشارك الأمريكيون حلفاءهم البريطانيين في هذا التودد الخارجي، وفي هذه الوعود المبذولة للأمم الضعيفة، فنشر ميثاق الأطلنطي وميثاق الأمم المتحدة وكلام كثير كله وعد، وكله تزيين للآمال والأماني، ولكن الحرب لم تكد تدنو من غايتها في أوروبا حتى استرد المحافظون تقاليدهم القديمة، واستأنفوا سيرتهم الأولى داخل بريطانيا العظمى وخارجها على السواء.

    ولم ينس الناس بعدُ كيف تخلَّص المحافظون في لباقة ورشاقة من مشروع الأستاذ بيفردج، مع أنه كان معتدلًا شديد الاعتدال، ولم ينس الناس بعدُ كيف عاد المحافظون إلى سياستهم التقليدية في الخارج؛ فأيدوا أحزاب اليمين وناهضوا أحزاب اليسار، ولم يتحرجوا من أن يعمدوا إلى القوة أحيانًا في هذا التأييد، وظهر الخلاف بينهم وبين الروسيين في شئون بولندا والبلقان وفي شئون إسبانيا، كما اشتد تأثيرهم في سياسة إيطاليا وبلجيكا حتى قال بعض العمال للمستر تشرشل ذات يوم: إنه يسرف في تأييد الملوك وتملُّقهم.

    ونتج عن هذا الرجوع إلى السياسة التقليدية للمحافظين أن خابت الآمال في السياسة البريطانية داخل بريطانيا العظمى وخارجها، فأمَّا الشعب البريطاني فقد أحس شيئًا يشبه أن يكون خداعًا، وكره أن يذعن لهذا الخداع، وهو قد ذاق أثناء الحرب ألوانًا من الجهد والضيق، وذاق في الوقت نفسه ألوانًا من العدل الاجتماعي الذي اقتضته الظروف، وذاق بنوع خاص حلاوة تلك الوعود؛ فصمَّم على ألَّا يُخدع، وصمَّم على ألَّا يفلت منه ما ظفر به، وصمَّم على ألَّا تكذبه الوعود.

    وأمَّا العالم الخارجي، فقد أصبح ذات يوم وإذا السياسة البريطانية تؤيد الديمقراطيات المعتدلة أحيانًا، والديمقراطيات المزيفة أحيانًا أخرى، وربما أيدت الأقليات في غير تردد؛ فضاق بهذا الانحراف عن الوعود قبل أن يبعد بها العهد، وعن المواثيق قبل أن يجف الحبر الذي كُتِبت به.

    وتعرضت سمعة السياسة البريطانية لكثيرٍ جدًّا من الشك وسوء الظن. والواقع أن المستر تشرشل قد أسرف في سياسة انتهاز الفرص، ولم يحسن تدبير حرصه على تثبيت قوة الإمبراطورية وبسط نفوذها، وإنما اندفع في ذلك اندفاع المنتصر الذي لا يحفل بشيء، ولا يلوي على شيء؛ لأنه واثق بالقدرة على كل شيء.

    من أجل هذا كله كان مركز المستر تشرشل منذ أواخر الصيف الماضي ظاهر القوة، خفي الضعف، وأخذ خصومه في بريطانيا العظمى يجمجمون فيما بينهم وبين أنفسهم أولًا، ثم في مجلس العموم ثانيًا، ثم يصرحون بالمعارضة القوية آخر الأمر، ثم انتهى الأمر بالعمَّال إلى مقاطعته؛ فتصدع الائتلاف، واضطر مستر تشرشل إلى استفتاء الشعب.

    وكان العمال يودون لو مدت لهم الأسباب وجرت الحرب الانتخابية هادئة وادعة في وقت طويل، وقد توسلوا في ذلك إلى المستر تشرشل، ولكنه خدع عن أمره وتعجل الفوز الذي كان واثقًا به، وتعلل بأن الحكومة البريطانية يجب أن تكون مستقرة قوية لا يشك العالم الخارجي في قوتها. وقبِل العمَّال كارهين هذا التحدي الذي وصفوه بأنه بغيض، وأُتيح لهم الفوز، وأشرفوا على السياسة البريطانية تؤيدهم كثرة لم يظفروا بمثلها من قبل.

    ومهما يكن اختلاف الآراء في نتائج هذه الانتخابات، فإن هناك حقائق ثلاثًا هي التي لا تتعرض للشك؛ الأولى: أن الشعب البريطاني قد أثبت أنه يفهم الديمقراطية فهمًا دقيقًا، ويحرص على أن يستمتع بها استمتاعًا كاملًا، ويريد أن يدبر الشعب أمر نفسه بنفسه لنفسه مهما تكن الظروف، الثانية: أن هذه النتيجة قد أزالت التناقض الذي تورط فيه المنتصرون برجوع المحافظين إلى سياستهم التقليدية؛ فقد ثارت الحرب العالمية الثانية لتأييد الديمقراطية بأوسع معانيها، فكان من الطبيعي أن تخطو الديمقراطية البريطانية إلى أمام لا إلى وراء، وأن يشعر العالم الخارجي بشيءٍ من الحرية يمكِّن الشعوب لا أقول في تقرير مصيرها، بل من الأمل في تقرير مصيرها، وانتصار العمال يحقق هذين الغرضين، فيقدم الديمقراطية البريطانية نحو الاشتراكية، ويرد إلى الشعوب الضعيفة والمحررة شيئًا من الأمل.

    وقد ظهرت النتائج السريعة لهذه الخطوة، فضعف أمل ملك بلجيكا في العودة إلى وطنه، وضعف مركز الملكيين في اليونان وفي إيطاليا، واستطاع بعض أعضاء الجمعية الاستشارية في فرنسا أن يصيحوا في وجه الجنرال دي جول بسقوط الدكتاتورية، مع أن الجنرال ليس من الدكتاتورية في شيء.

    وكذلك بدأت الشعوب في أوروبا تتنفس؛ لأنها استيقنت أن وزارة العمال لن تؤيد أحزاب اليمين، ولن تناصر حكومات الأقليات.

    الحقيقة الثالثة هي: أن الشعوب التي تنتظر حريتها واستقلالها واستمتاعها بالعدل الاجتماعي من انهزام المحافظين، وانتصار العمَّال في بريطانيا العظمى ليست خليقة بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا بالعدل الاجتماعي.

    فهذه كلها أمور لا تُعطى، وإنما تؤخذ، ولا تأتي من الخارج، وإنما تصدر عن قلوب المواطنين.

    مستقبل الاستعمار
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٦ أغسطس ١٩٤٥

    كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …

    كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.

    وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.

    وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.

    وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …

    أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …

    وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.

    فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!

    ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.

    وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.

    ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.

    وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.

    وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.

    وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.

    وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.

    وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟

    هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.

    ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.

    فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.

    فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.

    هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.

    وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.

    والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب.

    الديمقراطية والاستقلال
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢ سبتمبر ١٩٤٥

    حين أعلنت بريطانيا العظمى تصريح فبراير سنة ١٩٢٢ معترفة فيه باستقلال مصر، ومحتفظة فيه بالمشكلات الأربع التي كان يجب أن تحل بالمفاوضات الحرة؛ أبرق اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطانية، إلى رئيس الوزارة المصرية، المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، يُهنِّئه بما ظفرت به مصر من الاستقلال التام.

    وقد ضحك المصريون يومئذ من ذلك الاستقلال التام الذي كانت تحده التحفظات الأربعة من جميع أقطاره، ولكن ضحك المصريين في ذلك الوقت كان يختلف ظهورًا وخفاءً، وخفوتًا وارتفاعًا باختلاف موقفهم من الحكومة المصرية إذ ذاك. فأمَّا المعارضون، وكانوا كثرة الشعب، فقد كان ضحكهم عاليًا عريضًا، وأمَّا المؤيدون، وكانوا قلة في الشعب، فقد كان ضحكهم مكتومًا مكظومًا.

    والشيء المحقق الذي لا شك فيه هو أن اللورد كرزون قد ابتسم حين أرسل تلك الرسالة، وأن ثروت باشا قد ابتسم حين تلقاها. فلم يكن أحد يعتقد أن تصريح فبراير قد ردَّ إلى مصر استقلالها التام، وإنما كان أنصار هذا التصريح يرونه خطوة في سبيل الاستقلال، وكان خصومه يرونه عبثًا بالعقول، وكان الأنصار والخصوم مصيبين فيما كانوا يرون.

    فتصريح فبراير قد مكَّن مصر من وضع الدستور، وإقامة سياستها الداخلية على نظام ديمقراطي معقول في الورق على الأقل. وقد مكَّن مصر من إعادة وزارة الخارجية، وإنشاء التمثيل السياسي والقنصلي، وإرسال الوزراء المفوضين إلى العواصم الكبرى. وكل هذا كان تقدمًا في سبيل الاستقلال، ولكن تصريح فبراير كان في الوقت نفسه لونًا من تلهية الشعب وتسليته، ومحاولة لتخفيف عنف الحركة الوطنية، ورد المصريين إلى شيء من الهدوء الموقوت. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن كلمة الاستقلال من هذه الكلمات المرنة التي تطول وتقصر، وتتسع وتضيق حسبما تريد الظروف.

    وقد كان عندنا قبل إلغاء الحماية وبعد تصريح ٢٨ فبراير أنواع مختلفة من الاستقلال، فكان عندنا الاستقلال الكامل، وكان عندنا الاستقلال التام، وكان عندنا الاستقلال الحقيقي، والاستقلال الصحيح، والاستقلال الذي لا شك فيه! وكنا نجد لكل نوع من هذه الأنواع حدودًا ورسومًا تبيِّن أنه هو الاستقلال المحقق للآمال، الذي يرفع رأس مصر عاليًا بين الأمم، ويكفل لها المكان اللائق بها تحت الشمس، كما كان يقال في تلك الأيام، حتى انتهى الأمر بإهمال هذه الألفاظ والاقتناع بأن الشعوب الكريمة لا تنخدع بالكلمات، وإنما تقيم أمورها على الحقائق الواقعة المحسوسة.

    والظاهر أن هذا النوع من الشك في معنى كلمة الاستقلال، والتردد فيما يعرض لها من الطول والقصر، ومن السعة والضيق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو شيء شائع في الأرض كلها، وبالقياس إلى الأمم كلها، وأن الاستقلال بالمعنى الدقيق صورة خيالية يستطيع الأديب أن يحققها في نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يعطي لها مثالًا خارجيًّا يمكن أن يرى ويحس، فطبيعة الحياة بين الجماعات كطبيعة الحياة بين الأفراد تقوم على التضامن والتعاون، واحتياج الناس إلى الناس، واعتماد الناس على الناس.

    وكما أنك لا تستطيع أن تتصور فردًا من أفراد شعب بعينه قد استغنى عن الناس جميعًا، واستقل بأمره كله فلم يحتج إلى أحد، ولم ينتظر معونة من أحد، وإنما يحتاج الناس إليه ويلتمسون عنده المعونة، فأنت لا تستطيع أن تتصور شعبًا من الشعوب يستطيع أن يستغني عن الاتصال بغيره، والاعتماد عليه في إرضاء حاجاته المختلفة، وتحقيق مآربه التي لا تحصى.

    وكلما تقدمت الحضارة ازدادت تعقدًا، وازدادت مصالح الناس اشتباكًا وارتباكًا، وتعسر على المواطن أن يستغني عن مواطنيه، وعلى الشعب أن يستغني عن غيره من الشعوب. وكلما تقدمت الحضارة تيسرت المواصلات، ودنا بعض الأوطان من بعض، وألغيت مسافات الزمان والمكان بين الأمم؛ فأصبح الاستقلال أشد عسرًا، وأعظم امتناعًا. وأيسر نظرة إلى الحياة العالمية قبيل هذه الحرب الأخيرة وفي أثنائها وبعد انقضائها تبيِّن ذلك في وضوح لا يحتمل الشك، ولا يقبل النزاع؛ فالحرب تشب بين ألمانيا وبولندا، فتسرع فرنسا وبريطانيا العظمى إلى الحرب، ثم تسرع إليها إيطاليا، ثم تسرع إليها روسيا، ثم تسرع إليها اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ثم تصبح الأرض كلها ميدانًا للحرب، ويسخر المتحاربون من هذه الأمم القليلة التي استمسكت أو زعمت أنها تريد أن تستمسك بالحياد.

    فلم تكن هناك أمة محايدة حقًّا، ويجب أن نعبث بعقولنا ونَخدع أنفسنا بما لا ينبغي أن يُخدَع به الأطفال إن ظننَّا أن تركيا مثلًا كانت محايدة، أو أن إسبانيا كانت محايدة. فأمَّا حياد مصر فقد كان كالاستقلال كاملًا أو تامًّا أو حقيقيًّا أو لا شك فيه. الواقع أن شعوب الأرض كلها تأثرت تأثرًا مباشرًا بالحرب، وأخذت بحظوظ مختلفة من المشاركة فيها على كثرة ما قيل في الحياد، وفي موقف الأمم غير المحاربة، إلى آخر ذلك الكلام الكثير الذي كنا نقرؤه ونقيم عليه النظريات والأصول ونحن لا نصدقه فيما بيننا وبين أنفسنا، وإنما نمضي فيه كما يمضي الأطفال العاقلون في لعبهم، أو كما يمضي الممثلون البارعون في فنهم على مسرح التمثيل.

    ثم تنتهي الحرب ويستقبل العالم سلمًا غامضة، وإذا كل الشعب يفكر في استقلاله ويتهيأ لما يسمى تقرير المصير، وإذا الخصومات تثار من جديد أو من قديم بين الدول الكبرى المنتصرة، وتثار من جديد أو من قديم بين هذه الدول الكبرى وبين دول أخرى، منها الصغيرة ومنها الصغرى. وكل هذه المشكلات والخصومات إنما تثار حول الاستقلال وتقرير المصير. ولست أدري أي الكتَّاب الفرنسيين هو الذي قال: ما أكثر ما يقتتل الناس ويصرع بعضهم بعضًا لأنهم يتبادلون بينهم ألفاظًا لا يتفقون على معانيها، ولو قد اتفقوا على هذه المعاني لألقوا ما في أيديهم من السلاح، ولاعتنقوا اعتناق الأحباء لا اعتناق الأعداء.

    وأحب أن نتبين مثلًا إلى أي حد يمكن أن يقال إن بريطانيا العظمى تستمتع بالاستقلال الصحيح الدقيق الذي لا شك فيه ولا غبار عليه. أمَّا أثناء الحرب فلم تكن بريطانيا العظمى مستمتعة بهذا الاستقلال الخالص من كل شائبة، وإنما كانت مضطرة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها وأعوانها، ولو أنها انحرفت عن ذلك لخسرت الحرب. فهي إذن لم تكن مستقلة بالقياس إلى روسيا، ولا بالقياس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل هي لم تكن مستقلة بالقياس إلى مصر؛ فلو قد شاءت مصر لأفسدت الأمر على بريطانيا العظمى وعلى حلفائها، ولعَرَّضتهم لخطر الهزيمة؛ فلم يكن بد لبريطانيا العظمى من أن تُصانع مصر وتُلاطفها وتَتَرَضَّاها بالابتسام، وتُغريها بالوعود، وتتقدم إلى حلفائها في أن يلقوا مصر بمثل ما تلقاها به من هذا التلطف والتجمل والإغراء.

    وقد انتصرت بريطانيا العظمى وانتصر حلفاؤها، وأتت بريطانيا العظمى هذه الحركة الخطيرة التي تدل على أنها مستقلة استقلالًا لا شك فيه، فتخلصت من المحافظين، وأعطت مقاليد الأمر فيها إلى العمَّال، وأظهرت أن شعبها يريد فيبلغ ما يريد، ولكنها على ذلك لا تستمتع بالاستقلال الكامل الدقيق الذي صوَّرته آنفًا، وآية ذلك أنها جزعت حين ألغت الولايات المتحدة قانون الإعارة والتأجير، وأنها الآن تداور وتناور، وتصانع وتلاطف، وتنذر وتوعد؛ لتظفر من الولايات المتحدة بما يقوم مقام هذا القانون.

    وكان المحافظون في آخر الحرب قد استردوا غطرستهم، وجعلوا ينظرون إلى الأمم الصغيرة نظرات فيها كثير من الأنفة، وجعلوا ينسون ويتناسون وعودهم الخلابة ولطفهم الذي كان أرق من النسيم، وجعلوا لا يترددون في أن يعلموا اليونان والبلچيكيين والإيطاليين كيف تكون المحافظة على النظام، وفي أن يشيروا إلى غير هؤلاء بأن الرجل العاقل الفطن هو الذين يحسن الانتفاع بما يرى ويسمع، ويجنب نفسه التعرض للأخطار. وجاء العمال بعدهم فرقت الألفاظ، وارتسم الابتسام على الثغور، وشاع في الثغرات شيء من ظرف ولطف، ولكن «الحقائق» لم تتغير.

    فسياسة الائتلاف في اليونان وغير اليونان قائمة، والمستر أنطوني إيدن المحافظ يهنئ المستر بيفن الاشتراكي بحسن تقديره للأمور، ولكن روسيا تنظر إلى البلقان نظرة فيها كثير من الغموض، وكثير من المكر، والولايات المتحدة تلغي قانون الإعارة والتأجيل، وإذا المحافظون والعمال جميعًا يذكرون أن بريطانيا العظمى مستقلة من غير شك، عظيمة من غير شك، قوية من غير شك، ولكنها على ذلك كله ولذلك كله محتاجة إلى أن تلائم بين سياستها وسياسة حلفائها، سواء أكانوا كبارًا أم صغارًا.

    وتحمل لنا أنباء البرق ما يقوله هذا الكاتب الإنجليزي أو ذاك من أن بريطانيا العظمى محتاجة إلى معونة أصدقائها الذين يتعاملون بالجنيه الإسترليني في هذه الأزمة التي تعانيها، وأنها لن تنسى في أيام الرخاء من يساعدونها في أيام الشدة، وكانت تقول نفس هذا القول أثناء الحرب. وليس المهم أنها وفَّت بما وعدت أو أخلفت المواعيد، وإنما المهم أنها على عظمتها وقوتها، واتساع سلطانها، وضخامة إمبراطوريتها، وظفرها بهذا النصر العظيم تستمتع باستقلال مهما يكن هائلًا فهو محدود بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون السلم، كما كان محدودًا بمعونة أصدقائها وحلفائها لها في شئون الحرب.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى روسيا وأمريكا، وقل أكثر من هذا بالقياس إلى فرنسا والصين، ففرنسا مستقلة من غير شك، ولكن استقلالها محدود بما يقدم لها من المعونة على إصلاح ما أفسدته الحرب من أمرها، وعلى رد الرخاء اليسير إلى أبنائها، وعلى تمكينها من استبقاء إمبراطوريتها، وهي على ذلك كله ليست أقل حاجة إلى حلفائها من حاجة حلفائها إليها، فليس لبريطانيا العظمى سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك، وليس لروسيا سبيل إلى الاحتفاظ بمكانتها في أوروبا إلَّا أن تعينها فرنسا على ذلك أيضًا.

    ففرنسا مستقلة محتاجة كما أن بريطانيا وروسيا مستقلتان محتاجتان، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تمضي سياستها في الشرق والغرب، وتنشر تجارتها في الشرق والغرب إلَّا إذا وجدت من حلفائها وأصدقائها المعونة على ذلك. أمَّا الصين فأمرها أشد من هذا كله خطرًا: لا بدَّ لها من أن تُرضي روسيا، ومن أن ترضي الولايات المتحدة، ومن أن ترضي بريطانيا العظمى، ومن أن تصانع فرنسا، وهي مع ذلك مستقلة، بل هي إحدى الدول العظمى التي تدبر أمر العالم في الشرق والغرب!

    فإذا تركت هذه الدول الكبرى؛ فسترى دولًا أخرى مغلوبة قد وقف استقلالها وقفًا موقوتًا، وسترى أممًا أخرى محررة منتصرة، ولكن استقلالها يدعو إلى الفكاهة؛ فدول البلقان مثلًا مستقلة ما في ذلك شك، ولكن روسيا تحتل بعضها، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها، وبريطانيا العظمى تحتل بعضها الآخر، وتتدخل في شئونها الخاصة؛ لأنها هي التي حررتها. وأظرف ما في الأمر أن البريطانيين والأمريكيين يعيبون تدخل روسيا في شئون رومانيا وبلغاريا والمجر وبولندا، وأن روسيا تعيب تدخل البريطانيين في شئون اليونان. أولئك يرون أن تدخل روسيا يضيع استقلال البلاد المحررة، وهؤلاء يرون أن تدخل البريطانيين يجعل استقلال اليونان عبثًا من العبث.

    وأنت واجد بعد هذا كله أممًا أخرى لم تحرر؛ لأن العدو لم يحتلها ولم يقهرها، وإنما احتلها الحلفاء أنفسهم لتنفيذ خطط الحرب، فلما وضعت الحرب أوزارها أصبح بقاء الاحتلال وقتًا طويلًا أو قصيرًا شيئًا لا بدَّ منه لضمان ما تحتاج إليه هذه الأمم من الاستقلال، فإيران مستقلة، ولكن يجب أن يبقى الحلفاء فيها وقتًا ما ليقام استقلالها على أساس متين.

    أمَّا الشرق العربي الأدنى، فقصته أشد من هذا كله تعقيدًا، والشيء الواضح الجلي هو أن كلمة الاستقلال فقدت قيمتها فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأننا عندما نذكر الديمقراطية والاستقلال إنما نذكر كلمتين قديمتين كانتا تدلان على بعض المعاني في أول هذا القرن، ولكن خطوب هاتين الحربين أضاعت معانيهما، وجعلتهما كلمتين لا تدلان على شيء إلَّا ما يريد الساسة من رجال الدول الكبرى أن تدلَّا عليه.

    فالديمقراطية كما يريدها البريطانيون لها معناها الذي يسيغه البريطانيون وحدهم، وهي كما يريدها الأمريكيون لها معناها الأمريكي، كما أن لها في روسيا معناها الروسي. فأمَّا الأمم الأخرى فليس لها أن تختار هذا المعنى أو ذاك، وإنما عليها أن تقبل ما تفرضه الظروف من إرادة البريطانيين أو الأمريكيين أو الروس، فإن زعمت أن لها في الديمقراطية والاستقلال رأيًا خاصًّا، وأنها تريد أن تحقق هذا المعنى كما تتصوره هي لا كما يتصوره أولئك أو هؤلاء؛ فينبغي أن تذكر أن السيوف لم تُغمد بعدُ، وأن القنبلة الذرية قد استُكشفت منذ أسابيع.

    هذه هي الديمقراطية التي انتهت إليها الحرب العالمية الثانية، وهذا هو الاستقلال الذي يراد أن يتخذ أساسًا للعالم الجديد، ولكن من حق الشعوب ألَّا تضعف ولا تهن ولا تيأس، فقد انتهت الحرب ولم يقرر السلام بعدُ، وإنما العالم في أزمة كأزمة المريض الذي تقلع عنه الحمى، ولكنه لم يسترد قوته بعدُ. وستنجلي هذه الأزمة يومًا ما، وسيسترد العالم المريض قوته يومًا ما، وسيعتدل مزاج الإنسانية غدًا أو بعد غد، ويمكن يومئذ أن نبحث عن المعنى الدقيق الذي تدلُّ عليه كلمة الديمقراطية وكلمة الاستقلال.

    مساومات
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٣ سبتمبر ١٩٤٥

    لم ترخص حياة الناس قط كما رخصت في الحرب العالمية الثانية، ولم ترخص كرامة الشعوب قط كما رخصت في السلم الجديد؛ فقد كانت نفوس الناس تزهق، ودماؤهم تُراق، ومرافقهم تُدمر، وآمالهم تُحطم بغير حساب أثناء الحرب.

    وكان هذا كله يحدث حين تقتضيه الحرب وحين لا تقتضيه، كانت الضحايا تقدم في البر والبحر والجو من الجنود والمحاربين، وكانت الضحايا تقدم في المدن والقرى من المدنيين الذين يقدر لهم الأمن، ويفرض أنهم بمعزل من العاديات. ثم كان الألمان واليابانيون يقدمون الضحايا التي لا تُحصى بعشرات الألوف من الأسرى الذين كان يُظن أن الحرب انتهت بالقياس إليهم، وكان هذا كله يدل على شيء واحد، وهو أن الإنسانية المتحضرة قد فقدت رشدها، وجن جنونها، واندفعت بها غرائزها الجامحة إلى الهول الهائل الذي لا يُبقي ولا يذر.

    ثم وضعت الحرب أوزارها، وخيل لمن بقي على الأرض أن النفوس قد عُصمت، وأن الدماء قد حُقنت، وأن الأمن أصبح مكفولًا للجنود والمدنيين على السواء. وقد يكون هذا حقًّا، فقد كفَّت المدافع عن ضجيجها، وردت السيوف إلى أغمادها، ولم يصبح الجو والبحر ضميرًا غامضًا كضمير الغيب يمكن أن يتكشف بين لحظة وأخرى عن طائرات تصب الهول من أطباق السماء، أو غائصات تقذف الموت من أطباق الماء.

    وظن من بقي على الأرض أن هذه الأهوال المنكرة قد كانت ثمنًا غاليًا لعالم جديد يستقر فيه السلم والأمن، وتحفظ فيه الشعوب كرامتها وحرماتها، ولم لا يظن الناس ذلك وقد تحدث القادة إليهم به حديثًا متصلًا مكررًا معادًا ستة أعوام كاملة؛ حتى أصبح تشرشل وستالين وروزفلت وترومان واتلي وغيرهم من القادة والسادة رسل الحياة الكريمة الآمنة لشعوب الأرض جميعًا، دون تفريق بين قوي وضعيف، ولا بين كبير وصغير.

    ولم تمض على انقضاء الحرب أسابيع حتى أخذت الظنون تكذب، وأخذت الآمال تخيب، وأخذت بعض الصحف البريطانية تعلن خيبة الأمل وكذب الظن، وما يملأ النفوس من حسرات، وأخذت المنشستر جارديان تلح على بريطانيا العظمى في أن تحتفظ بيدها نقية من هذه الآثام التي يوشك الطمع أن يقترفها هنا وهناك في هذا الجزء أو ذلك من أقطار الأرض.

    وقد ظن الناس أن الذين ائتمروا في بوتستدام إنما ائتمروا ليقروا الأمن والسلم والعافية والكرامة لأهل الأرض جميعًا، حتى الذين دارت عليهم دوائر الحرب، واضطروا إلى الهزيمة والاستسلام، ثم ظن الناس أن هؤلاء المؤتمرين قد وضعوا الأسس لهذه الحياة الجديدة الكريمة، ثم أنشئوا مجلس وزراء الخارجية، وكلفوه أن يجتمع في لندرة لينسق وينظم، ويبين لكل أمة مكانها المقسوم لها في هذه الجنة التي فُقدت، ثم وُجدت، والتي سيثمر فيها الحق والعدل والإنصاف ثمرات لم تخطر قط للناس على بال.

    وقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية، وأخذ يقسم الجنة على سكانها، فإذا الجنة توشك أن تكون جحيمًا للمنتصرين والمنهزمين، وللأقوياء والضعفاء على السواء! فأما المنتصرون فيشقون بهذه الغنائم الكثيرة التي تملأ نفوسهم طمعًا وجشعًا وبطرًا وأشرًا، والتي لا يعرفون كيف يقسمونها فيما بينهم؛ لأن كل واحد منهم يريد أن يختص نفسه بنصيب الأسد، وأن يترك لغيره نصيب الثعلب وابن آوى.

    وأما المنهزمون فيعذبهم ما يتعرضون له من هذا الصراع العنيف حول أجزائهم الممزقة، وأشلائهم المفرقة، يعرفون أنهم مأكولون، ولكنهم لا يعرفون من سيأكلهم، وهناك آخرون لم ينتصروا ولم ينهزموا، ولكنهم مع ذلك سيشقون كما يشقى المنتصرون، أو كما يشقى المنهزمون، سيعذبهم الطمع فيما لا حق لهم فيه، أو سيعذبهم الخوف مما لم يكن ينبغي أن يخافوه. فكلها أنباء تأتي من لندرة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في لندرة الآن سوقًا عظيمة للبيع والشراء، وفي هذه السوق تباع حقوق الشعوب وتُشترى، وتخضع لمساومة رائعة أقل ما توصف به هو أنها لا تتصل بالمحافظة على كرامة الشعوب من قريب أو بعيد.

    وهذه المساومات ألوان وأشكال، مساومات بين المنتصرين، ومساومات بين المنهزمين، ومساومات بين المحايدين، فمثلًا من الذي يدبر أمور المستعمرات الإيطالية في أفريقيا؟! أيدبرها مجلس دولي يرأسه حاكم عام؟ ولكن كيف يُختار الحاكم العام؟ أو من أي أمة يُختار؟ أيُختار من الأمم المنتصرة؟ وإذن فمن أيها؟ أيكون بريطانيًّا؟ أيكون روسيًّا؟ أيكون أمريكيًّا؟ أم يُختار من الأمم المنهزمة؟ وإذن فما قيمة الانتصار؟ أم يُختار من الأمم المحايدة؟ وإذن ففيم سفكت الأمم المحاربة دماء أبنائها؟

    وهذا المجلس الدولي للوصاية، كيف يُؤلف؟ ومن أي الأمم يختار أعضاؤه؟ من الأمم المنتصرة أم من الأمم المنهزمة، أم من الأمم المحايدة، أم من الأمم المحررة؟ وتستطيع أن تدور في هذه الدائرة كما يدور فيها مجلس وزراء الخارجية حتى يتعبك الجهد، ويأخذك الدوار. أم يوكل تدبير هذه المستعمرات إلى وصاية فردية تنهض بأعبائها دولة منتصرة؟ وإذن فأي الدول المنتصرة يمكن أن تنهض بهذه الأعباء؟ بريطانيا العظمى التي غزت ليبيا وطردت منها المنهزمين؟ والتي لا تكره أن تتخذ من طرابلس قاعدة بحرية لها خطرها إذا انضمت إلى مالطة؟ والتي لا تكره أن تتخذ من برقة قواعد لقواتها في البر والبحر والجو تراقب منها مصر إن قضت الظروف عليها بالجلاء عن مصر؛ فهي قد تستطيع هذا الجلاء، ولكنها تفضل أن تجلو إلى الغرب لتستقر في برقة، وإلى الشرق لتستقر في فلسطين، وبذلك تكون قريبة جدًّا من صديقتها وحليفتها مصر، تجيبها عند أول دعوة، وتطير لنصرها عند أي عدوان.

    أم توكل هذه الوصاية إلى روسيا، فقد سئمت روسيا هذه العزلة في أرضها الواسعة التي فصلت من البحر الأبيض المتوسط فصلًا عنيفًا، وقد طال شوقها إلى البحر الأبيض المتوسط، وحنينها إلى أن تستقر على بعض سواحله؟ ولبريطانيا العظمى مستعمرات، ولها بلاد تديرها بنظام الانتداب، وليس لروسيا مستعمرات، وهي لا تريد استعمارًا، ولكنها دولة منتصرة من حقها أن تنتدب كما ينتدب غيرها، وهي دولة متحضرة من واجبها أن تحضر الشعوب كما تحضرها الدول الأخرى.

    وبريطانيا العظمى تحضر شعوبًا كثيرة، ولها مراكز ممتازة على البحر الأبيض المتوسط، فهل يستكثر على روسيا أن تحضر الشعب الليبي؟ وأن تستقر في هذا الجزء من ساحل بحر الروم؟ على أن أمريكا ليست أقل استحقاقًا للانتداب من هاتين الدولتين، ولا هي أقل منهما استعدادًا لتحضير الشعوب، فلِمَ لا تنتدب في ليبيا؟ وإن كانت لا تطلب هذا الانتداب، وليس من الضروري أن تطلبه، فإن أيسر الذوق يقتضي أن يقدم إليها مجاملة لها، وتقديرًا لجهودها، وتشجيعًا لها على خدمة أوروبا في السلم كما خدمتها في الحرب. وفرنسا جارة لليبيا، والجارة أحق بالشفعة، فلم لا تُنتدب فرنسا لإدارة ليبيا؟ ومصر كذلك جارة ليبيا، وليس حقها في الشفعة بأقل من حق فرنسا؛ فلتُقسم الأرض بين فرنسا ومصر، فتدير فرنسا مستعمرة طرابلس، وتدير مصر مستعمرة برقة.

    وقد كاد المتساومون في لندرة ينسون التاريخ، فذكرتهم اليونان بأنها كانت تملك في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، مستعمرة خطيرة الشأن في برقة، وهي بعدُ دولة من دول البحر الأبيض المتوسط يميل أهلها إلى الهجرة ميلًا شديدًا، وقد شاركت في الحرب أي مشاركة، وشارك أبناؤها في غزو برقة مع الجيش الثامن، ألا يكون من المعقول أن تمنح قطعة من الأرض تقيم عليها مستعمرة في العصر الحديث كما أقامت مستعمرتها في العصر القديم؟!

    والأمريكيون لا ينسون التاريخ، ولا يكرهون الرحمة والإنصاف، وهم يذكرون أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد ملكت ليبيا، وأن إيطاليا الحديثة قد استعمرتها، وأن إيطاليا المنهزمة تستحق العقاب، ولكن في شيء من الرحمة، فلنُكلِّف إيطاليا إدارة ليبيا بشرط أن تقدم حسابًا عن هذه الإدارة إلى مجلس الوصاية الذي تمثل فيه الأمم المتحدة.

    وبينما القوم في هذا كله، وإذا بأصدقائنا الترك يُذكِّرونهم في ابتسامة حلوة بأن إيطاليا إنما اغتصبت ليبيا منها اغتصابًا؛ فقد كان الترك أصحاب الأمر والنهي في هذه الأرض إلى أن اعتدى عليها الإيطاليون سنة ١٩١١، فلِمَ لا تُردُّ ليبيا إلى أصحابها؟ ولم لا يخفق العلم التركي على طرابلس وبني غازي وطبرق؟ ومن أوضح الأشياء أن المصريين قد سيطروا على ليبيا في كثير من العصور: في العصر القديم، وفي القرون الوسطى، وقد كانت الدولة الفاطمية في القاهرة تبسط سلطانها العظيم على ليبيا.

    هذه أشياء لا يشك فيها المؤرخون، ومن حق مصر أن تحيي تاريخها، ومن حقها على كل حال أن تُؤمِّن حدودها؛ لذلك تقدمت في كثير من الذوق والأدب؛ لأن المصريين أصحاب ذوق وأدب، وفي كثير من الاستحياء؛ لأن الذين يستحون قد ماتوا جميعًا، ولم يبق منهم إلا المصريون! تقدمت مصر إذن في ذوق وأدب واستحياء تطلب الوصاية على ليبيا إذا لم يكن بد من الوصاية، وتطلب في ذوق وأدب واستحياء واحترام أن يُستفتى أهل ليبيا، فلعلهم يريدون الاستقلال، ومصر لا تكره أن تراهم مستقلين، وأن تراهم أعضاء في جامعة الأمم العربية، ولكن العصر الذي نعيش فيه ليس عصر ذوق وأدب واستحياء، وإنما هو عصر ينجح فيه الذين قست قلوبهم، وجفت طباعهم، وغاض ماء الحياء من وجوههم؛ ولذلك ابتسم المنتصرون لمصر ابتسامة ظريفة، وأعرضوا عمَّا طلبت من الوصاية، وتجافوا عمَّا عرضت من الاستفتاء والاستقلال.

    واستُبعد أكثر المقترحات التي عرضتها عليك في هذا الفصل، ولم يبق إلا اقتراح واحد، وهو أن تخضع ليبيا للوصاية، ولكن من يكون الوصي؟ أتقول روسيا: أنا، وتقول لها بريطانيا العظمى: لا، وتحاول الأخرى أن تلتمس وسيلة للتوفيق بين الحليفتين العظيمتين؟ فأما الشعب الليبي نفسه فلم يسأله أحد، ولن يسأله أحد؛ لأنه لم ينتصر، ولم ينهزم، ولم يحايد، وإنما كان موضوعًا للصراع بين المنتصرين والمنهزمين، كان موضوعًا للصراع أثناء الحرب، وسيظل موضوعًا للصراع أثناء السلم. بذلك جرى القلم، وبذلك حكم القضاء.

    والذي يحدث بالقياس إلى ليبيا يحدث بالقياس إلى كثير من أجزاء الأرض في جميع البلاد التي اختلف عليها المنتصرون والمنهزمون، بحيث لو أردت أن أعرض عليك ألوان المساومة حول شرق أفريقيا، وحول البلقان، وحول الحدود الإيطالية اليوجسلافية، وحول حدود ألمانيا من جميع جهاتها، وحول أقطار الشرق الأقصى على اختلافها، لاضطررت إلى أن أضع لك مجلدًا ضخمًا يملأ نفسك سأمًا ومللًا.

    فهذه هي الحياة الجديدة التي كتبت للعالم الجديد، ليست إلا صورة مطابقة للحياة القديمة التي عذبت العالم القديم. وإذن فقد كُتب على الإنسانية أن تحيا حياة قوامها العذاب، وأي غرابة في هذا؟ ما أكثر ما يقترف الإنسان من الجرائم والآثام! وما أجدره أن يعاقب على جرائمه وآثامه! فتقوم حياته القديمة والجديدة على الظلم والجور، وعلى القوة والبأس، وعلى المساومة والبيع والشراء. تباع حياة أفراده بأرخص الأثمان وقت الحرب، وتباع كرامة شعوبه بأرخص الأثمان وقت السلم، وليس له من ذلك مخرج؛ لأن أبا العلاء لم يخطئ حين قال:

    وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء

    مفترق الطرق
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٥

    يمكن أن يُقال: إن الدول المنتصرة، والدول المحررة تقف الآن في مفترق الطرق: فإما أن تمضي إلى عالم جديد حقًّا، وإما أن تمضي إلى عالمها القديم الذي طال عليه القدم، وإما أن تمضي إلى عالم مذبذب مزيف لا هو بالقديم جدًّا، ولا هو بالجديد جدًّا، ولكنه مثير للقلق والخوف على كل حال.

    على أن هذا الأمر ليس من اليسر والسهولة بحيث يظن الذين يراقبون التطور العالمي بعد الحرب، فهذا التطور معقد شديد التعقيد، يتصل بعضه بالشعوب، ويتصل بعضه بالحكومات، ويتصل بعضه الآخر بهذه العلاقات التي تصل بين الدول، ويقوم عليها التعاون بين الأمم. ولنجتهد في تجلية هذا الموضوع بعض الشيء، فقد يحسن أن يكون القارئ المصري، بل يحسن أن يكون رجل الشارع — كما يُقال — على بصيرة من أمر الحياة الإنسانية العامة بعد أن انقضت عصور العزلة والانفراد، وبعد أن أصبح عكوف الشعوب على أنفسها سبيلها المحققة الواضحة إلى الخمول والخمود جميعًا. أمَّا شعوب أوروبا الغربية فليس من شك أن تقدمها في الحضارة، وظفرها بحظ عظيم من الثقافة، وقدرتها على التفكير في السياسة المعقدة والحكم عليها؛ كل ذلك لم يمنعها من الانخداع بالوعود التي بذلها ساسة الحلفاء في أثناء الحرب، كما انخدعت بهذه الوعود شعوب أخرى في الشرق القريب والبعيد. وكانت الشعوب الأوروبية قبل الحرب الأخيرة تزهد في الديمقراطية المعتدلة، وتجنح إلى ديمقراطية تميل إلى الشِّمال، إلى الاشتراكية وإلى الشيوعية. ولكن الديمقراطية المعتدلة المسرفة في المحافظة أو المقتصدة في هذه المحافظة كان لها أنصار أقوياء، وكان إليها الأمر كله، وكان الصراع شديدًا من أجل ذلك بين اليمين والشِّمال. وكانت كثرة الشعوب تبغض أقصى اليمين، كما كانت تخاف أقصى الشمال؛ تبغض غلاة المحافظين، وتخاف الشيوعيين، وتطمئن إلى ديمقراطية لا تمس رأس المال، أو لا تمسه إلا مسًّا رفيقًا.

    فلما شبَّت الحرب ووُعدت الشعوب بالحرية الكاملة، وتملقت الحكومات شعور الطبقات على اختلافها؛ لتظفر بالتضامن القومي في وجه العدو، وصدقت الشعوب ما قيل لها، وضحت بالأنفس والأموال والمرافق في سبيل هذه المُثل العُليا. ثم اقتضت ظروف الحرب أن تسيطر الحكومات على الاقتصاد الوطني، وأن تدبر الثروة القومية تدبيرًا، إن لم يكن شيوعيًّا، فقد كان اشتراكيًّا ممعنًا في الاشتراكية؛ فقد أشرفت الدولة على كل شيء، وتدخلت في كل شيء، وأخضعت رأس المال لتجربة قاسية، وحققت المساواة بين المواطنين في الظفر بضرورات الحياة، والاستغناء عن كمالياتها، والعدول عن الترف عدولًا يوشك أن يكون تامًّا. وذاقت الشعوب هذه الحياة الاشتراكية ضيقة بها أول الأمر مطمئنة إليها بعد ذلك، مؤثرة لها آخر الأمر على ما كان مألوفًا من تلك الحياة التي كانت تقوم على التفاوت بين الطبقات. ثم اشتركت روسيا السوفياتية في الحرب، فأقدم المحجمون، ووثق الشاكون، واندفع المترددون، واستيقنت الشعوب أن انتصار الحلفاء سيكون انتصارًا للحرية والإخاء والمساواة. ولم تكد الحرب تضع أوزارها في أوروبا؛ حتى اندفعت الشعوب إلى بلوغ المنى، وتحقيق الآمال، واندفعت في عنف لا يعرف اللين. وكانت بريطانيا العظمى أسرعها إلى هذا الاندفاع؛ فقد أبى الشعب البريطاني أن يحتفظ بالائتلاف بين الأحزاب التي أدارت شئون الحرب، ثم أبى الشعب البريطاني أن يمنح ثقته للمحافظين، وأكره زعيمه العظيم مستر تشرشل على أن يترك الحكم لمنافسه الاشتراكي مستر إتلي. وكان كل شيء يخيل إلى الناس أن مستر تشرشل سيكون رئيس الحكومة حين تستسلم اليابان، ولكن الشعب البريطاني تعجَّل الفوز بحقوقه الديمقراطية فنحَّى المحافظين عن السلطان إلى حين.

    ولم تكن فرنسا مبطئة في تعجُّل الفوز بهذه الحقوق، فقد أُجريت الانتخابات البلدية منذ أشهر، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا، وأُجريت الانتخابات الإقليمية منذ أيام، ففاز فيها الشِّماليون فوزًا مبينًا أيضًا، وستجرى الانتخابات للجمعية التأسيسية بعد أسابيع قليلة، وليس من شك في أن الشِّماليين سيظفرون فيها بالفوز.

    والمشكلة البلجيكية معروفة للقرَّاء، فهي في جوهرها خصومة بين المحافظين الاشتراكيين، ولكنها لا تقتصر على شئون الحكم، وإنما تمس شخص الملك أيضًا، وربما مست الأسرة المالكة كلها.

    والأمر في إيطاليا إلى الشِّماليين، ومصير الملك مقطوع به، ومصير الأسرة المالكة نفسها مشكوك فيه. والناس لم ينسوا بعد مأساة اليونان، ولا مشكلة يوجسلافيا، ولا انتظار الملكين لاستفتاء الشعب في البلدين جميعًا. فإذا تركنا هذا الجزء من أوروبا إلى الجزء الآخر الذي يسيطر عليه الروسيون في بولندا، وفي المجر وفي البلقان، فسنرى أن الشعوب تميل إلى الناحية الروسية ميلًا لا شك فيه، وأن رءوس الأموال تميل إلى غرب أوروبا ميلًا لا شك فيه أيضًا. ومن المحقق أن الشعوب إذا استفتيت استفتاءً صحيحًا، فستصوت للنظام الشيوعي الروسي. وكذلك لا تتردد الشعوب الأوروبية في اختيار الطريق التي تريد أن تسلكها، فهي تريد عالمًا جديدًا حقًّا لا يقوم على الرجعية المستبدة، ولا على الدكتاتورية الطاغية، ولا على الديمقراطية المعتدلة. وأشد هذه الشعوب اعتدالًا واقتصادًا — وهو الشعب البريطاني — قد أعلن أنه يريد الاشتراكية، ويفضلها لا على ديمقراطية المحافظين، بل على ديمقراطية الأحرار أيضًا.

    الشعوب تعرف ما تريد، وتريد أن تبلغ ما تريد. ولكن الشعوب شيء، والحكومات شيء آخر في أشد البلاد إمعانًا في الاشتراكية والديمقراطية، وهنا موضع الخطر المخيف.

    فطبائع الشعوب في أنفسها سليمة مستقيمة، لا تحب العوج والالتواء، وطبائع الحكومات في أنفسها معوجة ملتوية لا تخاف شيئًا كما تخاف السلامة والاستقامة. فالحكومة البريطانية مثلًا اشتراكية من غير شك، ولكنها اشتراكية بالقياس إلى الشعب البريطاني، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كحكومة المستر تشرشل. والحكومة الروسية شيوعية من غير شك، ولكنها شيوعية بالقياس إلى الشعب الروسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى، فمحافظة كالحكومة القيصرية. وستكون حكومة الجمهورية الفرنسية الرابعة اشتراكية من غير شك بالقياس إلى الشعب الفرنسي، فأما بالقياس إلى الشعوب الأخرى فستكون محافظة كحكومة ريمون بونكاريه.

    وهذا التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب يحدث في نفوس الأمم الأوروبية بلبلة خطيرة، فهي تريد شيئًا، وترى من حكومتها شيئًا آخر، وتتلقى من هذه الحكومات دروسًا خطيرة في النفاق السياسي يفسد الأخلاق والأذواق جميعًا. تريد الإخاء الإنساني، وترى حكوماتها لا تتجاوز الإخاء الوطني، تريد المساواة بين الأفراد والشعوب، وترى حكوماتها تبغض المساواة بين الشعوب؛ فتضطرب بين ما تريد وبين ما ترى، وتتردد بين ما تحب طبائعها السليمة المستقيمة، وما تقتضيه منافعها العاجلة.

    وكذلك تقف الشعوب حائرة بين العدل والمساواة والحرية التي وعد بها ميثاق الأطلنطي، وبين الاستعمار الذي يرضي المنافع، ويحقق المطامع. ولا يقف أثر التناقض بين اتجاه الحكومات، واتجاه الشعوب عند هذا الحد، بل يتجاوز بالطبع إلى هذا الاختلاط الذي نراه في لندرة الآن. فما دام تحقيق المنافع والمطامع أساسًا من أسس الحكومات — حتى ولو كانت اشتراكية أو شيوعية — فلا بد من الاختلاف بين هذه الحكومات، ولا بد من التنافس حول هذه المنافع والمطامع. وكذلك يقف الشعب البريطاني، والشعب الروسي واجمين أمام هذا الاختلاف العنيف حول مناطق النفوذ، وكل ما في الأمر أن الشعب البريطاني يستطيع أن يعلن آراءه في صراحة فيوافق الحكومة حينًا، ويخالفها حينًا آخر، على حين أن الشعب الروسي موافق لحكومته دائمًا. والشيء المهم هو أن الشعوب الأوروبية تعرف طريقها التي اختارتها، وهي طريق العالم الجديد حقًّا وصدقًا، وأن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الشعوب باسمة، وتتردد بين العالم القديم حقًّا وصدقًا، وبين عالمٍ آخرَ مزيفٍ، لا هو بالقديم ولا بالجديد.

    أمَّا بالقياس إلى الشرق فالأمر فيه أشد تعقيدًا؛ لأن شعوب الشرق لم تتطور بعد تطورًا كافيًا يُمكِّنها من التفكير في الاشتراكية أو في الشيوعية، وإنما هي تشعر بشيء واحد هو الحاجة إلى الحرية، وتفكر في شيء واحد هو الظفر بهذه الحرية. وهي قد انخدعت كما انخدعت شعوب أوروبا بوعود الحلفاء، وانتظرت تحقيق هذه الوعود فلما انتهت الحرب لم تظفر بشيء، ولم يُقل لها انتظري، وإنما أعرض المنتصرون عن آمالها إعراضًا واضحًا، واتخذوها موضوعًا للتنافس والنزاع. وليست حكومات الشرق بأقل سذاجة من شعوبه، فهي أيضًا قد انخدعت بالوعود، وانتظرت تحقيق الأماني، ثم نظرت فإذا الغرب عنها في شغل بتقسيم الغنائم، وإرضاء المنافع، وتحقيق المطامع، فوقفت حائرة لا تدري ماذا تصنع، وإن عرفت كيف تقول.

    هذا بالضبط هو موقف العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شعوب أوروبية وأمريكية تريد الحرية الكاملة، والعدل الكامل، وحكومات أوروبية وأمريكية تريد العدل والحرية لشعوبها، وتؤثر منافعها على حرية الشعوب الأخرى، وشعوب وحكومات مستضعفة في أقطار الأرض، تريد الحرية والاستقلال، ولكنها لا تعرف كيف تحققهما أو تصل إليهما، وهذا الاختلاط هو الذي يثير ما يملأ جو العالم من قلق في هذه الأيام. فالشعوب الأوروبية والأمريكية غير راضية، وحكوماتها غير مطمئنة ولا مستقرة ولا متفقة، وشعوب الأقطار الأخرى غير راضية، وحكوماتها حائرة قد اختلط عليها الأمر، والعالم كله يضطرب في جو قوامه السخط والخوف، وكان الناس يظنون أن انتصار الحلفاء سيقضي على السخط والخوف.

    وإذن، فإلى أي طريق يدفع العالم؟ إلى هذه الطريق الملتوية التي تسلكها الحكومات وتتخبط فيها … أم إلى هذه الطريق المستقيمة التي تريد الشعوب أن تسلكها؟! لهذا السؤال جوابان: أحدهما يصدر عن الساسة الذين يرقبون الحوادث القريبة، ويطلبون المنافع العاجلة؛ وهو أن العالم سيسلك طرقًا مزيفة فيها كثير جدًّا من التقاليد القديمة، وقليل جدًّا من المبتكرات الحديثة، فيها استبقاء للاستعمار، وفيها تغيير لأسماء الاستعمار وبعض وسائله، فيها استبقاء لسياسة التوازن العتيقة، وفيها تغيير لأسماء السياسة وبعض مظاهرها … فيها ظلم كثير، وفيها شيء قليل من محاولة العدل. وأما الجواب الثاني فيصدر عن الذين لا يحكمون، ولا يتخذون السياسة العملية صناعة، وإنما يرقبون ويلاحظون تطور التاريخ، وهذا الجواب بسيط جدًّا؛ وهو أن الإنسانية قد سعت دائمًا إلى العدل، وظفرت منه بشيء كثير، وأن سعيها إلى العدل سيتصل، وجهادها في سبيله سيستمر، وأن ظفرها به شيء محقق، ولكنه لن يتم حتى تخوض إليه الإنسانية غمارات هائلة، قوامها التضحية بالأنفس والأموال والمرافق. فإذا لم يكن بدٌّ من أن ينصح للشعوب الطامعة في العدل المتعطشة إلى الحرية بشيء، فإنما النصح الخالص لها هو ألا تهن ولا تضعف، ولا تنتظر أن تُقدَّم إليها حقوقها كما تُقدَّم إليها الهدايا؛ فإن الحقوق لا تُعطى، وإنما تؤخذ، وهي لا تؤخذ إلا بالجِدِّ والكدِّ واحتمال العناء.

    بعد الاتفاق …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٣٠ ديسمبر ١٩٤٥

    يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.

    والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.

    فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.

    وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.

    وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.

    على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.

    وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.

    كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.

    وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.

    وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.

    سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.

    وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!

    على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.

    وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.

    فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا.

    الجنة المحرمة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٧ مايو ١٩٤٥

    في هذه الأيام التي يشتد فيها القيظ، ترسل إلينا الشمس فيها أشعتها ضوءًا مشرقًا ولهبًا محرقًا، يصهر الأجسام ويكاد معها يصهر العقول والنفوس.

    في هذه الأيام لا يكره الناس الأحاديث الطوال عن جنات النعيم ذات الظل الوارف والشجر المتكاثف، تجري فيها الأنهار غزارًا ويضطرب فيها النسيم فاترًا ساحرًا، ينعش الأجسام ويحيي النفوس. لا يكره الناس الحديث عن هذه الجنات، ولعلهم ينعمون إن أتاحت لهم أعمالهم بالتفكير فيها واستحضارها في نفوسهم، يستمتعون بالخيال إن لم يُتَحْ لهم أن يستمتعوا بالحقيقة.

    ويُخيَّل إليَّ أننا لا نشقى بهذا القيظ المرهق الذي يهديه إلينا فصل الصيف وحده، وإنما نشقى بقيظ آخر ليس أقل منه إرهاقًا ولا إحراقًا، لا يهديه إلينا فصل من الفصول، ولا يسلطه كوكب من الكواكب، وإنما يهديه الإنسان إلى الإنسان، ويسلطه القوي على الضعيف، وتبسطه علينا هذه الظروف الكثيرة المعقدة الملتوية التي نستطيع أن نجتهد في تحليلها وتعليلها وتأويلها، فلا نجد لها إلَّا مصدرًا واحدًا في حياة الأفراد والجماعات وفي صلات الدول والشعوب، وهو أن العدل لم يستقر بَعْدُ في النفس الإنسانية، ولم يصبح مَلَكة من مَلَكاتها، ومقومًا من مقوماتها، وضرورة من ضروراتها في الحياة، وإنما ظلَّ في هذا العصر الحديث كما كان في العصور القديمة الماضية أملًا من الآمال، تتوق إليه القلوب ولا تذوقه، وتطمح إليه النفوس ولا تبلغه، وتسمو إليه العقول ولا تحققه إلَّا كما يحقق الفقير البائس المحروم جنة النعيم هذه تلتف فيها الأشجار وتجري فيها الأنهار ويترقرق فيها النسيم، وهو يحقق هذه الجنة في نفسه ويتحرق شوقًا إليها وتهالكًا عليها، ولكن حياته القاسية تمسكه فيما هو فيه من بؤس مُلِحٍّ، وحرمان مُمِضٍّ، وعَمَل مُرْهِق، وعَرَق مُغْرِق، وعذابٍ أَلِيم.

    وأرجو ألَّا تظن أني حين أستأنف هذا الحديث إنما أعمد إلى نحو من أنحاء الأدب، ولون من ألوان القول المنمق؛ فأنا أؤكد لك أن الحياة التي نحياها في هذه الأيام لا تُغري بالأدب، ولا تُرغِّب في تنميق الكلام، وإنما هي حياة شاحبة تملأ النفوس شحوبًا، وتشيع في القلوب ظلامًا كثيفًا. إنما أغراني بهذا الحديث ما قرأته الآن في خطبة من الخطب الانتخابية التي أخذ مستر تشرشل رئيس الوزراء البريطانيين يذيعها بين مواطنيه، فهو قد سمع فيما يقول بأن من المثل العليا للعالم الجديد أن يأمن الناس من الخوف، وهو يرى أن هذا الخوف إن كان مصدره عدوان شعب على شعب أو انتهاك دولة لحرمة دولة أخرى، فإن ما تتخذه الأمم المتحدة من إجراء لتنظيم السلم وإقامة الأمن العالمي على أساس متين سيكفل دفع هذا الخوف، وسيرد المعتدي عن عدوانه، وسيؤمن بعض الشعوب من بعض. ولكن المستر تشرشل يرى خوفًا آخر ليس أقل خطرًا من هذا الخوف، وكأنه لا يعرف السبيل إلى إزالته ورد شره عن الناس! وهذا الخوف هو الذي لا يثيره عدوان شعب على شعب، ولا تسلُّط دولة على دولة، وإنما يثيره عدوان الحكومة على الأفراد، وتسلُّط النظم الاستبدادية على حياة الناس.

    هذا الخوف الذي تستشعر الأسر في ظل بعض الحكومات من أن يُطرَق الباب في أي وقت من الأوقات، وعلى غير علم سابق ولا انتظار، فإذا فُتِح نظرت الأسرة فإذا أعوان السلطان قد أقبلوا ليأخذوا كاسبها وليلقوه في قعر مظلمة — كما يقول الشاعر العربي القديم — وليتركوا عياله وفيهم الشيخ الفاني، والمرأة الضعيفة، والأطفال الصغار عرضةً للجوع والشقاء، لا يجدون من يعولهم ويغنيهم، ولا يجدون ما ينفقون، وقد يعود إلى هذه الأسرة كاسبها وقد لا يعود.

    هذا الخوف قد امتلأت به قلوب الأوروبيين في كثير من البلاد الأوروبية بين الحربين — وفي أثناء الحرب التي لم تنتهِ بعد — ويظهر أن المستر تشرشل ليس مطمئنًّا إلى أن النصر الذي أُتِيحَ للحلفاء في أوروبا قد محاه وعفت آثاره، ويظهر أن المستر تشرشل يود لو أُتِيح للمنتصرين أن يزيلوا هذا الخوف، ولكنه لا يدري كيف يمكن أن يُزال.

    فالاستقلال الذي تستمتع به الدول يضع السياسة الداخلية لكل دولة من هذه الدول المستقلة بمأمن من تدخل الأجنبي، فمن الممكن — بل من الواقع — أن تقوم الدولة الديمقراطية التي تضمن لمواطنيها الحرية والإخاء والمساواة إلى جانب دولة أخرى ليست من الديمقراطية في شيء، أو لا تعرف من الديمقراطية إلَّا أسماء لا تدل على شيء، أو لا تتكلف حتى هذه الأسماء التي تخدع الغرباء، وإنما تجهر بما شاءت من نظام لا يكفل للناس أمنًا ولا حريةً ولا مساواةً، وإنما يقيم أمرهم على العسف والبطش وتحكم السلطان، فيُطرَق الباب على الأسرة في أي وقت وعلى غير انتظار، ولا يكاد يُفتَح حتى يُؤخَذ كاسب الأسرة، فيُلقَى حيًّا في غيابات السجن أو يُلْقَى ميتًا في العراء، أو يُحرَّق جسمه وتذروه الرياح.

    ومن الممكن بل من الواقع أن تقوم الدولة الديمقراطية العادلة إلى جانب الدولة المستبدة الجائرة، وأن ترى ما يحدث من الفظائع وما يُقترَف من الآثام دون أن تصنع شيئًا؛ لأنها لا تستطيع أن تصنع شيئًا، يمنعها من ذلك استقلال جاراتها الظالمة المستبدة، وأن هذا الاستقلال مقدَّس لا يجوز التعرض له أو الاعتداء عليه.

    فقد قامت فرنسا مثلًا بين إيطاليا الفاشية وألمانيا الهتلرية، ورأت ما رأت وسمعت ما سمعت وأنكرت ما أنكرت، ولكنها لم تصنع شيئًا. ماذا أقول؟! بل حاولت ما وسعتها المحاولة أن تتقرب إلى هتلر وموسوليني إيثارًا للعافية وتجنُّبًا للحرب. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى بريطانيا العظمى، فهي قد رأت من إيطاليا وألمانيا مثل ما رأت فرنسا، وهي قد تقربت إليهما كما تقربت فرنسا، وهي قد سبقت عندما جد الجد إلى هذا التقرب، فسعى شمبرلين إلى هتلر، وسعى بعد ذلك إلى موسوليني، ولم يُغْنِ هذا السعي شيئًا، فكان ما لم يكن منه بد وشبَّتِ الحرب وانتهت بانتصار الحلفاء، وظنَّ الناس أنهم سيأمنون من الخوف الداخلي ومن الخوف الخارجي جميعًا، ولكن المستر تشرشل يتحدث في دائرته الانتخابية فيقول إنه يرجو أن يزال الخوف الخارجي بما يقرر من تنظيم السلم، ولكن هناك خوفًا داخليًّا لا يدري كيف يُزال.

    والواقع أننا لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من هذا الخوف الداخلي ما زال بعيدًا، بل لم نكن ننتظر حديث المستر تشرشل أمس لنعلم أن الأمن من الخوف الخارجي ما زال بعيدًا على رغم ما يُتخَذ من إجراء لإنشاء مجلس الأمن وتنظيم السلم في العالم الجديد.

    وقد وضع باسكال — الكاتب الفرنسي المعروف — هذه المسألة في وضعها الطبيعي منذ ثلاثة قرون، حين تمنى في الجملة التي ذكَّرنا بها إدوارد هريو منذ حين أن يتحقق التوازن بين العدل والقوة، بحيث يقوى العدل فلا يطمع فيه الباغون، وأن تُبدَّل القوة فلا تبطش بالضعفاء الذين لا يجدون من يحميهم من البطش والعدوان.

    وما دامت الإنسانية لم تُوفَّق إلى تحقيق هذا التوازن بين القوة والعدل، ولم تُوفَّق إلى أن تلطف القوة بشيء من العدل وتؤيد العدل بفضل من القوة، فسيبغي بعض الناس على بعض، وسيذوق بعض الناس بأس بعض، وسيجد الظلم الداخلي والخارجي في حياة الناس مرتعًا خصيبًا.

    وهل من الحق أن ما يتخذ من إجراء لتنظيم السلم سيحقق الأمن من الخوف الخارجي؟! أمَّا أنا فأشك في ذلك أشدَّ الشك؛ لأن الأمن من عدوان بعض الشعوب على بعض لن يتحقق إلَّا إذا كانت المساواة الصحيحة بين الشعوب دون تفريق بين القوي منها والضعيف، والغني منها والفقير، والصغير منها والكبير، والمتقدم منها في الحضارة والذي لم يأخذ منها إلَّا بحظٍّ يسير. وهذا شيء لم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تحققه، ولم يستطع مؤتمر سان فرنسيسكو أن يحققه، وما دامت هناك دول عظيمة تستأثر بالقوة والبأس، ودول صغيرة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العدوان؛ فستظل أشباح الخوف الخارجي ماثلة وراء الأفق تتراءى كلما خطر لها أن تزعج الناس.

    وقد عجزت عصبة الأمم الماضية عن أن تَقِي بعض الدول الكبرى شر بعض، وكل ما يمكن أن يبلغه مؤتمر سان فرنسيسكو وما سينشأ عنه من المؤسسات هو أن يحقق ما لم تستطع عصبة الأمم تحقيقه، فتأمن الدول الكبرى من أن يعتدي بعضها على بعض.

    ولست أدري أيتحقق هذا الغرض أم تتقطع دونه الأسباب؟ فأمَّا الدول الصغرى والدول المتوسطة فأمرها إلى الله وإلى أنفسها، والحق عليهم أن ترسم لنفسها من الخطط ما يعصمها من الشر ويؤمنها من الكيد إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.

    وقد تحدَّث إلينا المنتصرون حين كانوا يجاهدون في سبيل النصر بأنهم يريدون أن يؤمنوا الشعوب من العدوان، وأن يؤمنوا الأفراد من الظلم والجوع.

    وظنَّ أصحاب القلوب السليمة أن النصر سيملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا، وسيحوِّل الدنيا إلى جنة كهذه الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين في الدار الآخرة. وقد تحقق النصر وانهارت الدكتاتوريات وظفرت الدول الديمقراطية بفوز عظيم، ولكن الشعوب ما زالت خائفة من عدوان الشعوب. ماذا أقول؟! بل ما زالت تشكو عدوان الشعوب وتصلى نار هذا العدوان. فأمَّا الأفراد فلم يفكر أحد في حمايتهم من الظلم والبطش، ولو في تأمينهم من الخوف أن تُطرَق عليهم الأبواب ليُؤخَذوا إلى حيث لا يعودون كما يقول مستر تشرشل.

    وإذن؛ وإذن فالأمر يسير جدًّا، وهو أن في الأرض جنات يُتاح فيها النعيم الذي لا حدَّ له لجماعات من الناس ولأفراد من الناس أيضًا، ولكن هذه الجنات محرمة على غير أصحابها، مسوَّرة بهذه القوة الهائلة التي تتكون من الحديد والنار بالقياس إلى الشعوب، ومن القوانين وبأس الحكومات بالقياس إلى الأفراد.

    يستطيع الشعب البريطاني أو الشعب الفرنسي أو الشعب الأمريكي أن ينعم بجنة الحرية التي يحميها بما له من قوة وبأس، ويرد عنها غيره من الشعوب إن أراد أن يدخلها أو يستظل بظلها، ولا عليه بعد ذلك أن تشقى شعوب أخرى بنار الظلم وعذاب الاستبداد. ويستطيع هذا الفرد أو ذاك من أصحاب الثراء أن ينعم في قصره المنيف وجنته الرائعة التي يحميها القانون وبأس الحكومة وسلطان القضاء، ولا عليه أن تتقطع أكباد الفقراء وتتمزق قلوبهم من البؤس والجوع والحرمان.

    وإذا أردتَ الحق فقُلْ إن حياة الناس إلى الآن جنات محرمة ينعم بها الأقلون، وجحيم مهلك يشقى به الأكثرون. وليس من سبيل إلى أن تصبح الحياة جنة للناس جميعًا أو جحيمًا للناس جميعًا إلَّا يوم يصبح العدل ملكة من ملكات النفس الإنسانية ومقوِّمًا من مقوماتها.

    وأظن أن الأمد بيننا وبين هذه الغاية ما زال بعيدًا.

    كلام وأحلام
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٧ مايو ١٩٤٥

    يقول المثل العربي القديم: إن الحرب أولها كلام.

    ويظهر أن الحرب آخرها كلام أيضًا؛ فقد كثر الحوار واشتد الجدال في أقطار الأرض كلها قبل أن تنتهي الحرب بوقت طويل، وقد انقطع دوي المدافع في أوروبا وانتهى تبادل الموت بين المتحاربين، ولكن حرب الكلام لم تزدد إلَّا اضطرامًا واحتدامًا.

    وما من شك في أنها ستمعن في الاضطرام والاحتدام كلما تقدمت الأيام حتى ينعقد مؤتمر الصلح وينتهي إلى القرارات التي يمكن أن ينتهي إليها.

    ومن يدري؟! لعل هذا أيضًا لا يضع حدًّا للحرب الكلامية؛ فحاجة من عاش لا تنقضي، وآمال الناس لا تُضبَط، ومطامعهم لا تُحَدُّ، ولا بدَّ لهم من أن يختصموا. وهم سعداء كل السعادة حين ينتهي اختصامهم إلى مثل ما هم فيه الآن من اختلاف الرأي، وتباين الأهواء، والازدحام على المطامع والمآرب. ولا يتجاوز ذلك إلى مثل ما كانوا فيه في هذه الأعوام الأخيرة من تهادي الموت، وتقارب الدمار، وإسراف بعضهم في إثناء بعض.

    والأمريكيون يحبون الإحصاء ويغلون في حبه ويقحمونه في كل شيء، وهم قد أحصوا المشكلات التي يواجهها المنتصرون في أوروبا، فرأوها تنيف على الثلاثين. منها ما يتصل بشرق أوروبا، ومنها ما يتصل بغرب أوروبا، ومنها ما يتصل بأوروبا الوسطى، ومنها ما يتصل بأوروبا الجنوبية، ومنها ما يتصل بأقطار أخرى يفصلها البحر عن أوروبا، ولكن بينهم وبين أوروبا أسبابًا لا تريد ولا ينبغي أن تنقطع.

    والعالم الحديث يحب التخصص ويحرص عليه، وليس من شك في أن بين الذين يُعنَون بسياسة هذه المشكلات التي نيفت على الثلاثين طوائف تحرص على التخصص، فتؤثر كل واحدة منها أن تفرغ لمشكلة من المشكلات أو لجماعة من هذه المشكلات، تقتلها بحثًا ودرسًا وتمحيصًا، وتستكشف من أسرارها وغوامضها ما يزيد حرب الكلام اضطرامًا واحتدامًا. ولكن هؤلاء المتخصصين لم يستطيعوا بعد أن يمتازوا، ولا أن يرفعوا صوتهم فوق الأصوات، وإنما نحن الآن في طور الاختلاط الذي يعرض فيه كل إنسان لكل شيء، ويكتب فيه كل كاتب في كل موضوع. وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلم تنتهِ الحرب الأوروبية إلَّا منذ أسبوع.

    وعلى كل حال، فهناك مراكز أساسية لهذه الحرب الكلامية الخطيرة، وهي: لندرة، وموسكو، وواشنطون، وباريس. وقد كان يظن أن سان فرنسيسكو ستكون أهم هذه المراكز وقتًا ما، ولكن سان فرنسيسكو لم تلبث أن فقدت خطورتها حين انتهت الحرب الأوروبية، فتفرق عنها وزراء الخارجية للدول الكبرى، وعادوا إلى بلادهم يشرفون من قرب على إدارة الحرب الكلامية الظاهرة والخفية بعد أن انتقلت إليهم أمور الحرب من زملاءهم وزراء الدفاع والهجوم، وأصبحت سان فرنسيسكو الآن في المنزلة الثانية أو الثالثة، يكثر فيها الكلام ويقل فيها العمل.

    وليس أدلُّ على ذلك من أن المسائل الكبرى التي كانت تُدرَس في سان فرنسسكو ويشتد حولها الخلاف والجدال قد سافرت هي أيضًا مع وزراء الخارجية إلى المراكز الكبرى لحرب السياسة والكلام، وأصبحت من الأمور التي لا تشترك في درسها الأمم الصغيرة والكبيرة والمتوسطة، وإنما تتأثر بدرسها والقضاء فيها الدول الكبرى وحدها.

    وهذه الدول الكبرى كانت أربعًا؛ وهي: بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا والصين. فأصبحت خمسًا بعد أن رُدَّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي بقرار إجماعي من مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرنسسكو.

    والظريف الطريف في هذا أن الوفد الكندي هو الذي اقترح أن يُرَدَّ هذا المركز إلى فرنسا، وأن الوفد الذي أيَّده في هذا الاقتراح هو وفد أفريقيا الجنوبية، وإذا لم تكذبني الذاكرة فإن المارشال سمطس هو الذي يرأس وفد أفريقيا الجنوبية، والمارشال سمطس هو الذي ألقى منذ حين حديثًا لم ينسَه الناس بعد ولم تنسَه فرنسا بعد، وقد أعلن فيه أن فرنسا قد فقدت مكانها بين الدول العظمى إلى وقتٍ بعيدٍ جدًّا. فمن الطريف أن يكون المارشال سمطس هو الذي يؤيد الاقتراح الذي يردُّ إلى فرنسا مركزها الطبيعي الممتاز. وهذا يدل على شيئين؛ أحدهما: أن حقائق الحياة أقوى جدًّا من تفكير الناس وتقديرهم. والثاني: أن الناس لم يخطئوا حين قدروا أن المارشال سمطس سياسي عظيم؛ لأنه يلائم بين آرائه وبين حقائق الحياة، ولا يمتنع من الرجوع عن الخطأ حين يظهر له أنه كان مخطئًا.

    وربما دلَّ هذا على شيءٍ آخر ينبغي أن نتدبره نحن ونطيل التفكير فيه، وهو أن اليأس إن كان بغيضًا خطرًا بالقياس إلى الأفراد، فهو سخيف كل السخف بالقياس إلى الشعوب.

    ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي كان الألمانيون يحتلون فرنسا كلها ويسيطرون على أمرها سيطرة تامة، وكان الحلفاء يتهيأون للغزو، وكان الألمانيون يسخرون من هذا الغزو ويرونه مغامرة صائرة إلى الإخفاق.

    ثم بدأ هذا الغزو في يونيو، وحررت باريس نفسها في أغسطس، ولم يتم العام دورته حتى أصبح المغلوب غير الغالب، وأصبحت فرنسا كما كانت إحدى الدول الكبرى، وأصبحت ألمانيا محتلة كلها يشارك الفرنسيون أنفسهم في احتلالها. فإذا كان هناك شيءٌ ينبغي أن تتجنبه الأمم، وأن ترد عنه ردًّا عنيفًا، فإنما هو اليأس الذي لا يلائم الشعوب الحية ذات المجد القديم وذات الثقة بقدرتها على الحياة.

    أقول هذا وأنا أفكر في حلمٍ مَرَّ ببعض النفوس في مصر أثناء الحرب؛ لكثرة ما احتملت مصر من المشقة وما بذلت من الجهد وما سمعت من الشكر والاعتراف بالجميل، وما تلقَّتْ من الوعود، وما زُيِّن لها من الأماني، فقد وجدت بين المصريين من اتسعت آمالهم إلى أبعد حدٍّ. فقدروا أن انتهاء الحرب لن يكفل لهم استكمال الاستقلال فحسب، ولكنه سيكفل لهم شيئًا آخر أعظم خطرًا من استكمال الاستقلال، وهو الاشتراك الفعلي الخطير في تدبير الشئون العالمية الكبرى. ولم يكن هذا الحلم غريبًا ولا شاذًّا؛ فقد كانت مصر نقطة عظيمة الخطر حقًّا في مصير الحرب، وقد عرفت كيف تَفِي لحلفائها، وكيف تحمي ظهورهم حين كان الألمان يسرعون إلى الإسكندرية وإلى وادي النيل، وكيف تشد أزرهم حين ولى الألمان مدبرين، وكيف تمنحهم الود حين قلَّ الأصدقاء، وكيف يثبت قلبها حين تخلعت القلوب.

    كل ذلك قد كان، وكل ذلك عرفه الحلفاء جميعًا وشكروه لمصر شكرًا مجددًا متصلًا.

    وكان هؤلاء المصريون يعتقدون أن هذا كله لن يذهب مع الريح، ولن يُكافأ بكلمات الشكر وألفاظ الثناء وحدها. وكانوا واثقين بأن انتهاء الحرب سيكون من آثاره الأولى أن تُرَدَّ إلى مصر حقوقها الكاملة في وادي النيل كله، وأن تُدْعَى مصر إلى الاشتراك في تدبير الشئون العالمية الكبرى على أنها تستحق ذلك استحقاقًا لمركزها الجغرافي من جهة، ولوفائها بالعهد حين قلَّ الأوفياء بالعهد من جهة أخرى، ولمستقبلها الخطير، سواء أراد الناس أو لم يريدوا من جهة ثالثة.

    ولست أعتقد ولا أقول إن الأيام قد كذبت هذه الأحلام؛ فإن الحرب لم تَنْتَهِ في أوروبا إلَّا منذ أسبوع، والأسبوع شيءٌ قليلٌ في تاريخ الناس، وإنما أتمنى أن تنبئنا الأيام والأسابيع المقبلة بخير مما نبأتنا به الأيام والأسابيع الماضية، وقد كان من الخير أن تقول السياسة العالمية شيئًا في استكمال الاستقلال المصري، وأن يقول حلفاؤنا فيه شيئًا بنوع خاص، واستكمال الاستقلال المصري لا شأن له بمؤتمر الصلح ولا بمؤتمر سان فرنسيسكو، فهو ليس قضية معلقة بيننا وبين المحور المنهزم، وليس قضية معلقة بيننا وبين الروس والأمريكيين والفرنسيين والصينيين، وإنما هو شيءٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين وحدهم. وقد أثبتت الحرب وأهوالها أن كل شيءٍ بيننا وبين البريطانيين يجب أن يقوم على المودة وعلى التكافؤ في الأخذ والعطاء.

    ولكن شيئًا لم يُقَلْ إلى الآن، فلننتظر حازمين عازمين واثقين بأن هذا الشيء يجب أن يُقال، ويجب أن يصبح حقيقة واقعة.

    وكان هؤلاء المصريون يُقدِّرون أن مصر لن تكون عضوًا مؤسسًا في جمعية الأمم المتحدة وحدها، بل ستكون عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، سواء تألف من أحد عشر عضوًا أو أكثر من ذلك أو أقل.

    وقد يبدو هذا غريبًا عند الذين ينظرون إلى الأمور نظرة الشك، وقد يضحك من هذا بعض الأقوياء الذين تغرهم القوة فتغريهم بالاستطالة والاستعلاء، ولكن هذا الحلم ملائم كل الملائمة لحقائق الأشياء ولطبيعة السلم إن أُريد التماس السلم الصحيحة، فقد أظهرت الحرب ألَّا سبيل إلى السلم في أوروبا ولا في الشرق القريب أو البعيد إذا لم تكن شئون البحر الأبيض المتوسط مستقرة آمنة، وألَّا سبيل إلى أن تستقر شئون البحر الأبيض المتوسط وتأمن إلَّا إذا شاركت مصر في إقرارها وتأمينها.

    وهناك سبيلان لمشاركة مصر في إقرار هذه الشئون وتأمينها، إحداهما لا أمل فيها، وهي إكراه مصر على هذه المشاركة بالقهر والقسر والاستعلاء، فقد انقضت الأيام التي كان يمكن أن تُساس فيها مصر بما لا تريد، والثانية أن تكون هذه المشاركة نتيجة للحرية الكاملة والرغبة الصادقة والاقتناع بأن مصر مؤثر خطير في شئون الحرب والسلم في هذا الجزء من أجزاء الأرض.

    إذن؛ فلا غرابةَ في أن تُستشار مصر في كل ما يتصل بشئون البحر الأبيض المتوسط، ولا غرابة في أن تشير مصر في كل هذه الشئون.

    وسبيل ذلك أن تكون مصر عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فلم يَقُل أحد ولن يقول أحد إن الحرب قد ذهبت إلى غير رجعة، وإن السلم قد استقرت في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى آخر الدهر، وإنما الذي يُقال هو أن الحرب قد انتهت الآن وتركت أوتارًا وحفائظَ وضغائنَ وأحقادًا ومطامعَ، وكل هذا خليق أن يعيدها يومًا ما إلَّا أن يحسن الاحتياط لذلك، ولن يحسن الاحتياط لذلك إذا أهملت مصر ولم تَرْعَ حقوقها وكرامتها وآمالها.

    وأعود فأقول إن هذه الأحلام قد يضحك منها الشاكون، ويسخر منها الأقوياء الظافرون، ولكنها مع ذلك ملائمة أدق الملاءمة وأصدقها لحقائق الأشياء.

    ومهما يكن رأي الشاكين والظافرين، ومهما يكن رأي بعض الصحفيين الأجانب الذين ينظرون إلى هذه الأحاديث نظرة لا تخلو من بعض الإشفاق ولا تخلو من بعض المكر، ويرون أنها أحاديث تصور المهارة أكثر مما تصور الحق الواقع.

    مهما يكن رأي أولئك وهؤلاء، فإن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن علينا نحن الذين يبصرون الشعب المصري بحقوقه وواجباته، ويكشفون له عن آماله وأمانيه أن نقول للشعب المصري في صراحة وحزم وعزم إن من حقه أن يظفر باستقلاله كاملًا لوادي النيل، وإن من حقه أن يشارك مشاركة فعلية دائمة في تدبير أمور السلم، وإن من الواجب عليه لنفسه وللحضارة أن يعمل ويأمل ويجد في الظفر بهذه الحقوق والنهوض بهذه الواجبات.

  • صور أدبية للشعراء: من ابن الرومي إلى إقبال | Portraits of the Poets: From Ibn al-Rumi to Iqbal

    ابن الرومي وشعره
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٨ مارس ١٩٣٣

    النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور طه حسين بقاعة بورت التذكارية
    أيها السادة:

    كنتُ أود لو استمر الحال على ما كان عليه، ومضى الأستاذ جيفري في حديثه عن ابن الرومي، فقد يكون من الخير لي أن أستفيد مما كان يُلقِيه، وقد يكون من الخير لكم أن تستمعوا أيضًا إليه؛ فقد كان يأتيكم من غير شك بخير مما ستسمعون. الحديث عن ابن الرومي يخالف الأحاديث عن غيره من الشعراء حاشا أبا تمام، ومصدر هذا ما قاله الأستاذ جيفري، وما تجدونه في الكتب العربية قديمها وحديثها من أنَّ أصل هذا الشاعر يوناني صريح، لا يحتمل شكًّا ولا خلافًا، وأنَّ ابن الرومي كان قريبًا جدًّا من أصله اليوناني، لم يبعد العهد به فلم تضعف وراثته، ولم يتأثر كثيرًا بوراثات أخرى، فهو إذن بطبيعته وفنه مخالِف كل المخالفة لكثرة الشعراء الذين عرفناهم في القرون الأولى للهجرة.

    حياة ابن الرومي كحياة غيره من الشعراء المعاصرين مجهولة أو كالمجهولة، فنحن نعلم أنه وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وأنه مات بين سنة ست وسبعين ومائتين، وسنة أربع وثمانين ومائتين، ونحن نعلم أنه مات مسمومًا، وأنَّ الذي سمَّه أو أمر مَن سمَّه هو القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يكرهه ويشفق منه، فأغرى به مَن أطعمه شيئًا فيه السم. ونحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، لم يكن محبَّبًا إلى الناس، وإنما كان بغيضًا إليهم، وكان محسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سُوء حظه، بل ربما كان سُوء حظه من سُوء طبيعته؛ فقد كان حادَّ المزاج مضطربه، معتلَّ الطبع ضعيفَ الأعصاب، حادَّ الحس جدًّا يكاد يبلغ من ذلك الإسراف، وكان هذا كله قد أعطاه عن الحياة صورة رديئة من ناحية، ومحبَّبة من ناحية أخرى؛ كان اضطراب مزاجه يبغض فيه الناس ويسيء رأيه فيهم، ولكن قوة حسه ورِقَّة طبعه كانت تحبِّب إليه كل اللذات، فكان يجمع بين الخصلتين، فهو رجل يحب اللذة ويسرف فيها ويتهالك عليها، فهو إذن محبٌّ للحياة أشد الحب، وهو في الوقت نفسه مبغض للأحياء قبيح الرأي فيهم، يتبرم بهم أشد التبرم، ويود لو استطاع أن يتخلص منهم. أما الأحياء فكانوا يبغضونه كما كان يبغضهم، وأما الحياة فلست أدري أكانت تحبه أم كانت تبغضه، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه أخذ من اللذات بحظ لا بأس به، ولعله أسرف في ذلك، فضاعَفَ ما كان يجده من ألم، وضاعَفَ ما كان في أعصابه من اضطراب وفي مزاجه من فساد.

    وكلكم يعلم ما يتحدث به الناس عن ابن الرومي، من أنه كان يتطيَّر ويسرف في الطيرة، حتى كان ذلك يؤثِّر في حياته ومزاجه تأثيرًا شديدًا، وكان يضطره إلى أن يلزم بيته أيامًا لا يخرج؛ إما لأنه رأى جاره الأحدب، أو لأنه سمع صاحبًا له هو علي بن سليمان الأخفش عبث به مرة كعادته، فمرَّ عليه في الصباح فدَقَّ الباب، فإذا قيل: مَن الطارق؟ أجاب مرة: ابن حنظلة، فتشاءم بهذا الاسم، وأقسم لا يخرج، وكان هذا يضطره أن يعذب نفسه ويعذب مَن معه.

    هذا أكثر أو كل ما نعرفه عن ابن الرومي، وهو — كما ترون — ليس بالشيء الكثير، بل نحن نعرف شيئًا آخَر، وهو أنَّ سوء حظ ابن الرومي لم يلزمه في حياته فحسب، بل لزمه بعد ذلك، فديوان ابن الرومي من أكبر دواوين الشعر العربي، بل لعله أكبرها وأضخمها، وهو أقلها انتشارًا، ولعله لم يُطبَع إلى الآن، بل لم يُطبَع منه إلا جزء صغير ومختارات اختارها كاتب أديب من هذا الديوان، فهو إذن سيئ الحظ في حياته وبعد موته. ويقال إنَّ تشاؤمه وتطيُّره قد أصاب ديوانه أيضًا، فلم يعرض له أحد إلا أصابه شيء، فبعض الناس يتندر بذلك لأن الأستاذ العقاد أراد أن يكتب عنه فسُجِن، وأرجو ألا تكون محاضرتنا عنه مصدرَ شيء من هذه الأشياء التي أعيذكم منها أنتم، أن لم أعِذْ منها نفسي.

    قلتُ: إنَّ ابن الرومي يخالف غيره من الشعراء الذين عاصروه أو جاءوا قبله، إلا واحدًا هو أبو تمام، وذلك أنَّ طبيعة أبي تمام الشعرية مشبهة لطبيعة ابن الرومي من وجوه؛ فهما متفقان من حيث إنهما يعتمدان اعتمادًا شديدًا جدًّا على العقل في شعرهما، وهما لا يستسلمان للخيال وحده، وإنما يتخذان الخيال وسيلةً إلى تحقيق ما يريده العقل، وهما يتفقان في أنهما حريصان كل الحرص على تعمُّق المعاني، وعلى استيفائها منها واستقصائها والمبالغة في هذا الاستقصاء، حتى يأتيا بالأشياء الغريبة التي يضيق بها الناس الذين تعوَّدوا أن يقرءوا المألوف من الشعر، وهما لا يرضيان أن يكون أحدهما عبدًا للغة، وإنما يبيحان لنفسيهما تصريفها كما يريدان وكما تريد المعاني، دون أن يخضعا للتشدد في أصولها ومراعاة قواعدها، يتفقان في هذا كله، ويختلفان بعد ذلك بعض الاختلاف؛ فأبو تمام أحرص جدًّا من ابن الرومي على متانة اللفظ وروعته في أغلب شعره، لا يعدل عن هذه المتانة، ولا ينصرف عن هذه الروعة إلا حين يضطره المعنى إلى ذلك اضطرارًا لا مخرج له منه، أما ابن الرومي فهو سهل في شعره، لا يريد أن يشق على نفسه ولا على سامعيه، وهو يرسل لسانه على سجيته كما يرسل نفسه على سجيتها، فهو من أقل الشعراء كلفًا بالغريب وإيرادًا له، وعنايته بالجمال اللفظي قد تُحَسُّ أحيانًا، ولكنها تُلتمَس فلا توجد في كثير من الأحيان، وقد تروعك سهولة اللفظ في البيت أو البيتين، ولكنك لا تستطيع أن تقرأ قصيدة كاملة دون أن تجد في هذه القصيدة من الألفاظ ما يغيظك أحيانًا، ويضيق به صدرك أحيانًا أخرى. ثم هما يختلفان من ناحية أخرى في أنَّ أبا تمام كان شديد الحرص على البديع والمحسنات البديعية، أو بعبارة أصح كان شديد الحرص على جمال الصنعة الفنية في الشعر؛ فهو كان يتتبع الاستعارة ويسرف في تتبُّعها، ويجدُّ ما استطاع في طلب الجناس والمطابقة وما إلى هذه الأنواع من المحسنات البديعية، وهو كان يجد في هذه الأشياء جمالًا لا بدَّ منه، وكان يحرص على أن يلائم بين جمال الألفاظ وجمال المعاني.

    أما ابن الرومي فهو لا يتحرج من البديع، ولكنه لا يتهالك عليه، وكما أنه لا يكلف بالغريب ولا يتكلف متانة اللفظ ولا جزالته ولا رصانته، فهو كذلك لا يكلف بهذا الطباق أو الجناس، إن وُفِّقَ إلى هذه الأشياء فذاك، وإن لم يُوفَّق فلا يعنيه.

    وهما يختلفان من ناحية ثالثة؛ فأبو تمام شاعر كغيره من الشعراء، قصائده متوسطة لا تسرف في الطول وله مقطوعات، أما ابن الرومي فشاعر مطيل ومطيل جدًّا، يبلغ بقصيدته المئات من الأبيات، وهذا الاختلاف بين الشاعرين في إطالة القصيدة مصدره واضح جدًّا، وهو أنَّ الشاعرين وإن اتفقا في الغوص على المعاني، فهما يختلفان في مقدار هذا الغوص، أو بعبارة أدق في مقدار البسط والتفصيل في المعاني التي يظفران بها، أما أبو تمام فهو يبحث عن المعنى، ويجدُّ في التماسه، ويظفر به ويعرضه عليك عرضًا متوسطًا لا يطيل فيه ولا يسرف، بل في نفسه شيء من الاحترام لك، والاعتراف بأن لك عقلًا يستطيع أن يتمَّ ما لم يتمه هو، والاطمئنان إلى أنك ستتم هذا المعنى اتمامًا حسنًا، دون أن تقصر أو دون أن تغلو، فهو إذن يفصِّل المعنى، ولكنه لا يسرف في التفصيل، ويهمل الزوائد ويتجافى عن الأطراف.

    أما ابن الرومي فالأمر في شعره ليس كذلك، فهو يمضي مع أبي تمام في الغوص على المعنى والتفتيش والجد في طلبه حتى يبلغ المعنى الجيد، فإذا ظفر بهذا المعنى ساء ظنه بالناس في الأدب كما يسوء ظنه بهم في الحياة العملية، فكما أنه كان يعتقد أنَّ الناس ليسوا أخيارًا في معاملتهم، فهو كذلك كان يعتقد أنَّ حظ الناس من الذكاء ليس بحيث يمكنه من أن يطمئن إليهم في فهم المعاني، فهو إذن كان حريصًا على أن يتم هو معانيه، ويستقصي البحث والعرض حتى لا يتعرض لأي عبث من الذين يسمعونه أو يقرءونه، ومن هنا كان المعنى الذي يستطيع أبو تمام أن يعرضه في بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة على أكثر تقدير، يطيل فيه ابن الرومي في الأبيات التي تبلغ العشرة أو تتجاوزها، ومصدر هذا — كما قلت — هو أخذ أبي تمام بما لا بد منه وثقته بعقل الناس، وحرص ابن الرومي على أن يصل إلى كل شيء وعدم اطمئنانه إلى الذين يسمعونه أو يقرءونه.

    هل أقول أيضًا إنَّ علم أبي تمام باللغة العربية والأدب العربي كان أوسع وأعمق من علم ابن الرومي بهذه اللغة وهذا الأدب؟ الواقع أنَّ القدماء قد اتهموا أبا تمام بالسرقة لأنه كان كثير الرواية للشعر، يطيل النظر فيه، وظنوا أنه أسرف في استغلاله، ولستُ أدري أكان هذا صحيحًا، ولكن الذي لا شك فيه أنَّ إطالة الرواية وإطالة النظر في أشعار القدماء قد أثَّرت في لفظ أبي تمام، فجعلته من أرصن ألفاظ الشعراء في عصره، بينما ابن الرومي لم يُعرَف عنه تَعمُّقٌ كتعمُّق أبي تمام في الرواية ولا في اللغة، وإنما كان حظه من هذا كحظ غيره من الشعراء الذين عاصروه، فهو إذن لا يمتاز بكثرة الرواية كما امتاز البحتري وأبو تمام؛ فليس غريبًا أن يظهر أثر هذا في شعره، وأن يكون شعره من أسهل الشعر الذي نعرفه في القرن الثالث للهجرة.

    لفظ ابن الرومي غير متين، بل ربما كانت الجزالة والرصانة فيه نادرة، وشعره في هذه الناحية أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، قريب إلى النثر من ناحيتين: إحداهما تعمُّده التفصيل والبسط والإجادة في أداء المعاني التي يريد أن يؤديها، فالذي نعرفه — لا في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات على اختلافها — أنَّ الشعراء ليسوا في حاجة إلى الإطناب، ولا في حاجة إلى التفصيل الشديد، وأنَّ الجمال الشعري ربما اعتمد على الإيجاز دون التفصيل أو اللمحة الدالة كما يقولون، أما التفصيل والبسط والتطويل فهو من خصائص النثر ومن مزاياه، فمن هذه الجهة — جهة التفصيل والإطالة — ربما فسد شعر ابن الرومي بعض الشيء؛ لأن الشعر كما قلت لكم لا يحتاج إلى كل هذه الإطالة، ولا إلى هذا التفصيل الذي أمَلَّ القدماء، والذي أمَلَّ ابن الرومي نفسه واضطره أن يعتذر في بعض قصائده من الإطالة.

    الشعر لا يحتمل هذه الإطالة في المعاني الغنائية، وهو إذا احتمله في القصص فقلَّ أن يحتمله في غيره.

    وأما الناحية الأخرى التي تقرِّب شعر ابن الرومي من النثر، فهي هذه السهولة في اللفظ والإعراض عن التجويد اللفظي، فابن الرومي يبلغ من ذلك ما يريد أحيانًا، ولكنه لا يريد هذه الإجادة في كثير من الأحيان، ويكفي أن تقرءوا قصيدةً لابن الرومي، فسترون فيها متانة عارضة، ولكنكم سترون فيها شيئًا يشبه العلة الدائمة في شعر ابن الرومي، وهو هذا اللفظ الذي يقرب من أذهان الناس جميعًا حتى يكاد يبلغ حد الابتذال.

    بعد هذه المقارنة السريعة بين شعر ابن الرومي وأبي تمام بوجه عام، أريد أن ألفتكم إلى الخصائص التي تميِّز شعر ابن الرومي من الشعر العربي عامة، والتي تظهر فيها آثار طبيعته اليونانية وآثار ثقافته اليونانية، فقد يكون من الحق علينا أيضًا ألَّا نغلو في إضافة خصائص ابن الرومي إلى طبيعته اليونانية أو إلى الوراثة اليونانية فيه، بل قد يكون من الحق أن نلاحظ أنَّ التأثير اليوناني في شعر ابن الرومي إن عاد إلى الوراثة، فهو في الوقت نفسه يعود إلى الثقافة اليونانية الإسلامية.

    لسنا نعرف أكان ابن الرومي يحسن اليونانية أم لا، وليست هناك نصوص تدلنا على أنه كان يعرف هذه اللغة معرفة تمكِّنه من أن يتصل بالآداب اليونانية مباشرةً.

    وابن الرومي ليس يونانيًّا خالصًا، ولكنه يوناني من ناحية، وفارسي من ناحية أخرى، فإذا كان أبوه أو جده يونانيًّا فأمه فارسية، وإذن فالطبيعة الخاصة التي تؤثِّر فيه ليست هي الطبيعة اليونانية الخالصة ولا الطبيعة الفارسية الخالصة، إنما هي الطبيعة المختلطة، وإنما الذي كوَّن عقله ومَلَكته الشعرية هي ثقافته، وهذه الثقافة — فيما يظهر — كانت ثقافة متأثِّرة جدًّا بما عرفه المسلمون من الثقافات الأجنبية والعربية، وكانت في الوقت نفسه ثقافة عربية إسلامية، فهو على حظٍّ لا بأس به من العلم بالعربية ولغتها، وهو على حظٍّ لا بأس به من الدين الإسلامي وأحكامه، وحظٍّ عظيم مما كان يعرفه الرجل المثقف من علوم اليونان غير الإسلامية.

    وأنا أضيف تكوين عقل ابن الرومي إلى الثقافة الإسلامية اليونانية أكثر مما أضيفه إلى وراثته اليونانية، ومن المحقق أنَّ اجتماع الثقافة إلى تلك الوراثة هو الذي كوَّن هذه الطبيعة الخاصة التي نجدها في شعر ابن الرومي.

    نظرة ابن الرومي إلى الأشياء، ونظرته إلى الطبيعة، وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني؛ كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين، إلا في شعر أبي تمام كما قلت لكم.

    ابن الرومي كان قوي الخيال جدًّا، وكان خياله بعيدًا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدًّا، وكان قوي الشعور؛ فكان إذا أَلَمَّ بمعنًى من المعاني تأثَّر به تأثُّرًا واضحًا، وربما كان أحسن ما يصوِّر لنا خاصيةَ ابن الرومي أو خصائصه في الشعر أن نقف وقفة قصيرة عند شيء من شعره، لنرى أنه كان يمتاز من الذين عاصروه ومن الذين تقدموه.

    قبل أن أقف عند شيء من هذا الشعر أريد أن ألفتكم إلى نوع من النقد وُجِّه إلى أبي تمام كما وُجِّه إلى ابن الرومي؛ ذلك النقد هو أنَّ أبا تمام كان يضيف إلى الأشياء صفات ليس من المعقول أن تضاف إليها، فهم ينكرون مثلًا على أبي تمام أنه كان يشخِّص، فهو كان يجعل للدهر أخدعين، وكان يجعل الدهر طويلًا عريضًا، وكان يجعل الدهر شيئًا يُركَب، وكان يصوِّر هذه المعاني كما تُصوَّر الأشخاص، كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى الأشخاص والكائنات الحية، ويضيف إليها من الأوصاف ما لا يُضَاف إلا إلى الأشخاص أيضًا. هذا النقد وُجِّه إلى أبي تمام، وأسرف الآمدي وغير الآمدي في أخذه به، وزعموا حين نقدوا أبا تمام أنَّ هذا النوع من الاستعارة وُجِد عند المتقدمين، ولكن أقل جدًّا مما وُجِدَ عند أبي تمام.

    هذا العيب — إن كان عيبًا — يوجد عند ابن الرومي أكثر جدًّا مما يوجد عند أبي تمام للسبب الذي قدَّمْتُه، وهو أنَّ وقوف ابن الرومي عند المعاني أطول جدًّا من وقوف أبي تمام عند هذه المعاني، ومتى كان الأمر كذلك فطول وقوف ابن الرومي عند المعاني يضطره إلى أن يطيل النظر فيها، فهو يتصرف فيها ويعبث بها أكثر مما كان أبو تمام يتصرف في معانيه. وإذا كان أبو تمام قد استطاع أن يجعل للدهر أخدعين، وأن يجعله طويلًا عريضًا، فإن ابن الرومي قد فعل ما هو أكثر من ذلك، فابن الرومي قد تصوَّر هذه المعاني على أنها أشخاص، ووقف هذه الأشخاص منه موقف المتحدث الذي يخاصمه ويطيل معه الخصومة، فهو أجرى في معانيه حياة وحركة من شأنها ألَّا تجري إلا في الكائنات الحية، ثم لم يكتفِ بذلك، بل جعل لهذه المعاني عقولًا تفكِّر وتقاضي، فهو إذن قد جعل معانيه أشخاصًا من الناس، وجعلها تفكِّر وتناقش على أصول المنطق، وهو إذن قد جعل معانيه كأنها أشخاص من الناس، وجعل الحياة ملعبًا أو مسرحًا من مسارح التمثيل، وجعل هذه المعاني هي الأشخاص أو أبطال القصة، هذا النحو من التفكير وهذا النحو من معالجة المعاني وإجراء التفكير فيما ليس من شأنه أن يفكر وإطالة هذا التفكير وهذا الحوار، من الأشياء التي تدل على أنها نتيجة من نتائج الطبيعة والثقافة اليونانية عند أبي تمام وابن الرومي، وهي هذه الطبيعة التي أنشأت فن التمثيل عند اليونان، والتي لم تستطع أن نتصور الشعر الغنائي نفسه كما تصوَّره العرب على أنه مجرد التعبير عن الآراء المختلفة والميول المتباينة، وإنما اضطرت إلى أن تثبت الحركة، واضطرت إلى أن يكون غناؤها نفسه تمثيلًا، وأن يتكلف غير واحد إنشاد الشعر الغنائي، فالشعر الغنائي عند اليونان لم يكن في أول الأمر يستقل بإنشاده شاعر واحد، وإنما كان يشاركه في ذلك شاعر آخَر، ويستعين بالمغنين والموقعين.

    هذا النوع من الكثرة، أو من التعديد، أو من إيجاد المغايرة الظاهرة جدًّا بين الفرد الذي يتأثَّر بالمعاني ويحس العواطف، هذا النوع من التفكير هو الذي يميز ابن الرومي وأبا تمام عن الشعراء الذين تقدموهما أو عاصروهما.

    ويكفي لأجل أن تفهموا هذا النوع أن تنظروا إلى هذه القصيدة التي يعاتب بها صاحبه وصديقه أبا القاسم الشطرنجي، انظروا إليه كيف يبدأ هذه القصيدة، وكيف يكون من الخصال السيئة التي اكتشفها عند صاحبه جماعة من الأشخاص يتحدث إليهم ويتحدثون إليه:

    يَا أَخِي أَيْنَ رَيْعُ ذَاكَ اللِّقَاءِأَيْنَ مَا كَانَ بَيْنَنَا مِنْ صَفَاءِأَيْنَ مِصْدَاقُ شَاهِدٍ كَانَ يَحْكِيأَنَّكَ الْمُخْلِصُ الصَّحِيحُ الْإِخَاءِكَشَفَتْ مِنْكَ حَاجَتِي هَفَوَاتٍغُطِّيَتْ بُرْهَةً بِحُسْنِ اللِّقَاءِ
    هذه الهفوات التي كشفتها حاجته عند صاحبه، هي التي سيشخصها ابن الرومي، وسيتخذ منها جماعة يسبغ عليهن ثوب النساء وسيتحدث إليهن، وسيكون بينه وبينهن حوار لو اتسعت اللغة العربية له لكان كالحوار التمثيلي، ولكنها لم تكن تتسع له في ذلك العصر، لم يسعه إلا أن يقول «قلتُ، وقُلْنَ»، أي أن يحدث بينه وبينهن سؤالًا وجوابًا «قُلْنَ وقلتُ».

    تَرَكَتْنِي وَلَمْ أَكُنْ سَيِّئَ الظَّنـْـنِ أُسِيءُ الظُّنُونَ بِالْأَصْدِقَاءِ
    انظروا أولًا إلى «الظن» و«الظنون» وإلى تكرار هذا اللفظ مفردًا في الشطر الأول، وجمعًا في الشطر الثاني، فهو يُحدِث لنا موسيقى كالبحتري حين كان يكرر الألفاظ أو يرشح في الشطر الأول للقافية التي تأتي في الشطر الثاني، كقوله:

    وَحَسْنَاءَ لَمْ تُحْسِنْ صَنِيعًا وَرُبَّمَاصَبَوْتُ إِلَى حَسْنَاءَ سِيءَ صَنِيعُهَا
    يقول ابن الرومي:

    قُلْتُ لَمَّا بَدَتْ لِعَيْنِيَ شُنْعًارُبَّ شَوْهَاءَ فِي حَشَا حَسْنَاءِ
    يقول إنه لما رأى هذه الخصال التي ظهرت له أساء ظنه بأصدقائه، ولم يكن من شأنه ذلك، وقال ربما توجد المرأة السيئة في ظل المرأة الحسناء، إذ ربما توجد الخصلة السيئة في ظل الخصال الحسنة.

    لَيْتَنِي مَا هَتَكْتُ عَنْكُنَّ سِتْرًافَثَوَيْتُنَّ تَحْتَ ذَاكَ الْغِطَاءِ
    في البيت السابق كان يتحدث إلى نفسه، ثم انتقل الحديث إلى هذه الخصال.

    وأحب أن ألفتكم إلى شيء من الإهمال في هذا البيت، وهو قوله «ذاك» كأنه يتحدث إلى مفرد، ولكنه يتحدث إلى الجمع، ولست أقول إنَّ هذا خطأ، فإنه مألوف شائع، ولكني أقول إنَّ فيه إهمالًا في الذوق، وستجدون هذا الإهمال كثيرًا جدًّا في شعر ابن الرومي:

    إن تزولا انكشافنا ما تجلتعنك ظلماء شبهة قتماء
    يقول: لولا إننا ظهرنا ما تجلت عنكَ هذه الشبهة المظلمة، التي تغشك في صاحبك أبي القاسم.

    قُلْتُ أعجب بِكُنَّ مِن كَاسِفَاتٍكَاشِفَاتٍ غَوَاشِي الظَّلْمَاءِقَدْ أفدتني مع الخبرِ بِالصَّاحِبِ أنَّ رُبَّ كَاسِفٍ مُسْتَضَاءِ
    هنا يلم ابن الرومي بالبديع؛ كاسفات كاشفات «جناس» كاسف مستضاء، ونوع من المعاينة:

    فلَنْ أعجب بمُهْتَدٍ يتمَنَّىأنَّه لم يَزَلْ عَلَى عَمْيَاءِكُنْتَ فِي شُبْهةٍ فزَالَتْ بِنَا عَنـْـكَ فَأَوْسَعْتَنَا مِنَ الْإِزْرَاءِوَتَمَنَّيْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحِيــرَةِ تَحْتَ الْعمَايَةِ الطَّخْبَاءِ
    الخصال هي التي تتحدث إليه فتقول: إنك عجيب مهتدٍ، ولكنك تتمنى أن تظل حائرًا مع أننا نكشف عنك الشبهة:

    قُلْتُ تَاللهِ لَيْسَ مِثْلِيَ مَنْ وَدْدَ ضَلَالًا وَحِيرَةً بِاهْتِدَاءِغَيْرَ أَنِّي وَدَدْتُ سَتْرَ صَدِيقِيبَدَلًا بِاسْتِفَاضِةِ الْأَنْبَاءِقُلْنَ هَذَا هَوًى فَعَرِّجْ عَلَى الْحَقْقِ وَخَلِّ الْهَوَى لِقَلْبٍ هَوَاءِ
    أظنكم تلاحظون أنَّ الهوى كثير في هذا البيت:

    لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَوَدَّ لِخِلٍّأَنَّهُ الدَّهْرُ كَامِنُ الْأَدْوَاءِبَلْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تُنَقِّرَ عَنْهُنـْـنَ وَإِلَّا فَأَنْتَ كَالْبُعَدَاءِإِنَّ بَحْثَ الطَّبِيبِ عَنْ دَاءِ ذِي الدَّاءِ لَأسُّ الشِّفَاءِ قَبْلَ الشِّفَاءِدُونَكَ الْكَشْفَ وَالْعِتَابَ فَقَوِّمْبِهِمَا كُلَّ خِلَّةٍ عَوْجَاءِ
    فأنتم ترون إلى هذا الحوار بين ابن الرومي وبين هذه الخصال من صاحبه، وقد كان مغرمًا به مسرورًا من حُسن العشرة، وما كان يظهر له من أنه مخلص صحيح الإخلاص، ثم عرضت له حاجة فتقدم فيها إلى أخيه فلم يسعفه ولم يواته، فاستكشف أنه ليس كله حسنًا، وبدت له هذه العيوب شنيعة قبيحة، فأسف لأنه فتَّش عن صاحبه فبدت له عيوبه، ووَدَّ لو لم تظهر هذه العيوب، ولكن هذه الخصال نطقت بنفسها وقد أزلنا عنك الشبهة وعرفناك حقيقة الصديق، وهذا النحو هو الذي نجده في القصص التمثيلية اليونانية عند اسكيلوس أو سوفوكليس أو ايروبيد.

    ثم يتحدث ابن الرومي إلى صديقه وصاحبه أبي القاسم في عتاب، فانظروا كيف يستقصي المعاني ولا يطمئن إلى الإيجاز، وإنما يفصِّل ويسرف في التفصيل:

    يَا أَخِي هَبْكَ لَمْ تَهَبْ لِي مِنْ سَعْــيِكَ حَظًّا كَسَائِرِ الْبُخَلَاءِأَفَلَا كَانَ مِنْكَ رَدٌّ جَمِيلٌفِيهِ لِلنَّفْسِ رَاحَةٌ مِنْ عَنَاءِأَجَزَاءُ الصَّدِيقِ إِبْطَاؤُهُ الْعَشـْـوَةَ حَتَّى يَظَلَّ كَالْعَشْوَاءِتَارِكًا سَعْيَهُ اتِّكَالًا عَلَى سَعـْـيِكَ دُونَ الصِّحَابِ وَالشُّفَعَاءِكَالَّذِي غَرَّهُ السَّرَابُ بِمَا خَيْــيَلَ حَتَّى هَرَاقَ مَا فِي السِّقَاءِ
    أراد أن يقول لصاحبه: هَبْكَ لم تُرِدْ أن تجيبني إلى ما طلبت، وهَبْكَ لم تُرِدْ أن تسعى إلى هذه الحاجة التي كلَّفْتُك السعي فيها، أَمَا كان ينبغي أن تجيب جوابًا حسنًا أستطيع أن أطمئن إليه؟ هذا هو المعنى الذي كان يريد أن يقوله، وقد فصلته هنا تفصيلًا، ويمكن الكاتب المجيد أن يوجزه أكثر مما قلتُ أنا، ولكن ابن الرومي لا يطمئن إلى ذكاء كاتب أو سامع في أن يستكمل المعنى ويتمه إذا ظفر به.

    ثم يقول بعد ذلك:

    يَا أَبَا الْقَاسِمَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِدَهْرِي قَطَعْتَ مَتْنَ الرَّجَاءِبِكرُ حَاجَات مَنْ يَعُدُّكَ لِلشِّدْدَةِ طَوْرًا وَتَارَةً لِلرَّخَاءِنِمْتَ عَنْهَا وَمَا لِمِثْلِكَ عُذْرٌعِنْدَ ذِي نُهْيَةٍ عَلَى الْإِغْفَاءِقَسَمًا لَوْ سَأَلْتُ أُخْرَى عُوَانًالَتَنَمَّرْتَ لِي مَعَ الْأَعْدَاءِلَا أُجَازِيكَ مِنْ غُرُورِكَ إِيَّايَ غُرُورًا وُقِيتَ سُوءَ الْجَزَاءِبَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنْتَ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    تلاحظون أنَّ في هذه الأبيات من أول «يا أخي» إلى آخر بيت وقفنا عنده عذوبةً في اللفظ، ورفقًا في الحديث، نلاحظ فيه العتاب بمعناه الصحيح، هو شيء بين الرضا والسخط، بل هو سخط يلبسه صاحبه ثوب الرضا، هو شيء قريب من الهجاء، ولكنه ليس هجاء … وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادةً لا حدَّ لها، فهو شديد على صاحبه، ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول:

    بَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنَتْ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين.

    مَا بِأَمْثَالِ مَا أَتَيْتَ مِنَ الْأَسـْـرِ يَحُلُّ الْفَتَى ذُرَى الْعَلْيَاءِلَا وَلَا يَكْسِبُ الْمَحَامِدَ فِي النَّاسِ وَلَا يَشْتَرِي جَمِيلَ الثَّنَاءِلَيْسَ مَنْ حَلَّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي أَنـْـتَ بِهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَوَفَاءِبَذَلَ الْوَعْدَ لِلْأَخِلَّاءِ سمْحًافَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِفَغَدَا كَالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيـْـنِ وَيَأْبَى الْإِثْمَارَ كُلَّ الْإِبَاءِلَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إنَّ الذي يريد أن يبلغ العلى وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل مَن بلغوا مرتبة في السماحة، يَعِدُ ثم لا يَفِي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول:

    لَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة، وغالى حتى آلمه وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:

    يَا أَخِي يَا أَخَا الدَّمَاثَةِ وَالرِّقـْـقَةِ وَالظَّرْفِ وَالْحِجَا وَالدَّهَاءِ
    انظروا إلى كل هذه الصفات التي جمعها ورتَّبَها في هذا البيت، بعد هذا التقريع العنيف هو مضطر إلى أن يخفف من حدة هذا التوبيخ، فيأتي بهذا البيت يجمع فيه كل هذه الصفات الحسنة، وهي هنا أشبه بالدش البارد، ثم لا يكتفي بهذه الصفات، بل يفصِّل فيقول:

    رُبَّمَا هَالَنِي وَحَيَّرَ عَقْلِيأَخْذُكَ الْلَاعِبِينَ بِالْبَأْسَاءِوَرِضَاهُمْ هُنَاكَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبـْـعِ وَأَدْنَى رِضَاكَ فِي الْإِرْبَاءِوَاحْتِرَاسُ الدُّهَاةِ مِنْكَ وَإِعْصَافُكَ بِالْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِعَنْ تَدَابِيرِكَ اللِّطَافِ اللَّوَاتِيهُنَّ أَخْفَى مِنْ مُسْتَسِرِّ الْهَبَاءِبَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِ
    انظروا إلى هذا البيت، فهو من أجمل تشبيهات ابن الرومي، فهو يريد أن يقول إنَّ نبوغ صاحبه في لعب الشطرنج نبوغ خفي دقيق، كأنه السر في ضمير المحب الذي أفشى سره مرة فعُوقِبَ على هذا الإفشاء.

    بَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِفَإِخَالُ الَّذِي تُدِيرُ عَلَى الْقَوْمِ حُرُوبًا دَوَائِرَ الْأَرْحَاءِوَأَظُنُّ افْتِرَاسَكَ الْقِرْنَ فَالْقِرْنَ مَنَايَا وَشِيكَةَ الْإِرْدَاءِوَأَرَى أَنَّ رُقْعَةَ الْأَدَمِ الْأَحـْـمَرِ أَرْضٌ عَلَلْتهَا بِدِمَاءِغَلِطَ النَّاسُ لَسْتَ تَلْعَبَ بِالشَّطـْـرَنْجِ لَكِنْ بَأَنْفَسِ اللُّعَبَاءِأَنْتَ جديهَا وَغَيْرُكَ مَنْ يَلـْـعَبُ إِنَّ الرِّجَالَ غَيْرَ النِّسَاءِلَكَ مَكْرٌ يَدِبُّ فِي الْقَوْمِ أَخْفَىمِنْ دَبِيبِ الْغِذَاءِ فِي الْأَعْضَاءِأَوْ دَبِيبِ الْملَالِ فِي مُسْتَهَامِيــنَ إِلَى غَايَةٍ مِنَ الْبَغْضَاءِ
    (أو مسير القضاء)

    انظروا إلى هذا البيت جيدًا:

    أَوْ مَسِيرِ القَضَاءِ فِي ظُلَمِ الْغَيـْـبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِالْتِوَاءِأَوْ سُرَى الشَّيْبِ تَحْتَ لَيْلِ شَبَابٍمُسْتَحِيرٍ فِي لِمَّةٍ سَمْحَاءِدَبَّ فِيهَا لَهَا وَمِنْهَا إِلَيْهَافَاكْتَسَتْ لَوْنَ رثَّةٍ شَمْطَاءِتَقْتُلُ الشَّاهَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الرُّقـْـعَةِ طَبًّا بِالْقِتْلَةِ النَّكْرَاءِغَيْر مَا نَاظِرٍ بِعَيْنِكَ فِي الدَّسـْـتِ وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى الرُّسَلَاءِبَلْ تَرَاهَا وَأَنْتَ مُسْتَدْبِرُ الظَّهـْـرِ بِقَلْبٍ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَكَاءِمَا رَأَيْنَا سِوَاكَ قِرْنًا يُوَلِّيوَهْوَ يُرْدِي فَوَارِسَ الْهَيْجَاءِوَالْفُؤَادُ الذَّكِيُّ لِلمُطْرِقِ المُعـْـرِضِ عَينٌ يَرَى بِهَا مِنْ وَرَاءِتَقْرَأُ الدَّسْتَ ظَاهِرًا فَتُؤَدِّيــهِ جَمِيعًا كَأَحْفَظِ القُرَّاءِ
    هذه الأبيات من أجمل ما قيل في اللغة العربية في لعب الشطرنج، ولكن ابن الرومي من غير شك لم يكن يريد أن يمدح صاحبه، ولا أن يتملقه ببراعته في لعب الشطرنج من حيث إنه بارع ماهر، وإنما هو يتخذ هذا الوصف والثناء ذريعةً إلى أن يخفِّف عن صاحبه حدة هذا التقريع، فهو يريد أن يترضاه وأن يتملقه، فيصفه بأحب الأشياء إليه، وبالشيء الذي يجد فيه هذا الرجل رضى وراحة، وهو مهارته في لعب الشطرنج، ثم يمضي ابن الرومي فيصف صاحبه بالذكاء وبالذكاء النادر، ويصفه بهذا الذكاء الذي يجمع إلى البراعة استقامة في الخلق، ولا يتهالك على السلطان، ولا يتهالك على الثروة، وهو من أجل هذا أعرض عن صحبة الملوك وصحبة المترفين والأمراء، من أجل هذا أيضًا ابتعد عن التجارة وربحها، وهو يؤثر حياة هؤلاء الناس الذين يرضون الحياة السهلة اللينة، ولكن بما فيها من ضيق اليد مع الترف الميسور واللذة العقلية، يؤثر هذا على الثروة والجاه، ويمضي في هذا حتى يوقن أنه أرضاه.

    فإذا بلغ ابن الرومي من ذلك ما أراد، بأن حمل صاحبه بأن يعجب بنفسه وخُلُقه وفلسفته، فإذا بلغ من ذلك ما أراد، وإذا نسي صاحبه ذلك التقريع والتعنيف عاد بغاية اللين والسهولة، وعاتبه وسأله أترى كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها مجتمعة فيك، ثم يعسر عليك بعد ذلك أن تفهم مودتي وصداقتي، وأن تسعى وراء هذه الحاجة التي كلَّفْتُكَ السعي فيها؟ حتى إذا بلغ من هذا العتاب مأربه اشتد مرة أخرى وعنَّف صاحبه، ولم يكتفِ بهذا العنف وهذا التقريع، بل يلتمس قاضيًا، هذا القاضي هو أخو أبي القاسم أبو بكر، فيعرض عليه القضية ويطلب إليه أن يمضي فيها رأيه، ولا يمكن أن يكون فيها إلا عدلًا، فيصوِّر صاحبه أشنع صورة أمام القاضي، فإذا فعل ذلك عاد إليه فاستعطفه بأرق لفظ حلو، وأكَّدَ له أنه لم يُرِدْ هجاءً، إنما يريد عتابًا، ثم تنتهي القصيدة عند هذا الحد.

    فأنتم ترون أنَّ هذه القصيدة التي هي من أواسط قصائد ابن الرومي، وله كثير خير منها، لو اتسع الوقت لدرسها معكم درسًا مفصَّلًا، لكانت كافية في أن تعطينا فكرة واضحة عن ابن الرومي.

    مع أنَّ هذه القصيدة لا تكاد تتجاوز ثلاثين ومائة بيت، فقد ألَمَّ فيها بفنون مختلفة؛ فهو مادح، وهو محاور، وهو واصف، وهو بالغ بعتابه حدًّا نستطيع أن نقول إنه الهجاء، ولكنه نفسه يقول إنه لا يهجو، وهو على هذا ملِمٌّ بطائفة غير قليلة من الفنون الشعرية، وهو على هذا حريص أن يرتِّب قصيدته وألَّا يرسلها إرسالًا، وإنما هو كأبي تمام يرتِّب قصيدته ترتيبًا منطقيًّا، فأنتم حينما تقرءونها لا تستطيعون أن تقدموا جزءًا على جزء، إنما تقرءونها كما رتَّبَها هو، وأنتم مضطرون إلى أن تنتقلوا معه من معنى إلى معنى، ومن فصل من فصول القصيدة إلى فصل آخَر.

    وابن الرومي من أخص الشعراء الذين جعلوا شعرهم فصولًا كالنثر — وهذا ما يسميه أصحاب البيان من الفرنج واليونان (Perode) — فيقسم قصيدته إلى فصول، يبدأ الفصل ثم ينتقل إلى فصل آخَر فيستقصيه ويتمه، ومن حيث إنه يطيل فهذا أظهر في شعره منه في شعر أبي تمام.

    إذن هذه القصيدة — كما ترون — على جمعها لكثير من فنون ابن الرومي، تصوِّر لنا الخاصة التي يمتاز بها، وهي إسباغه الحياة والحركة على الأشياء والمعاني.

    آسَف أشد الأسف؛ لأن ساعة أو ساعات لا تكفي لأداء ما كنتُ أودُّ أن أؤديه، ولكن ما تخسرونه من ضيق الوقت ليس شيئًا، فإن ابن الرومي ظلَّ طولَ الوقت مضطهدًا، فلما جاء هذا العصر كُوفِئ عن صبره أحسن المكافأة؛ لأنه درس وفكَّر فيه أكثر ما درس غيره من الشعراء، لا أكاد أستثني إلا المتنبي وأبا العلاء، ودرس دراسة تلائم عصرنا درسه بنوع خاص الأستاذان العقاد والمازني.

    أما العقاد فكتب عنه كتابًا، هو من غير شك أحسن ما كُتِب عن ابن الرومي إلى الآن، وله قيمة ذاتية خاصة، وإن كان الأستاذ العقاد عني بالشاعر أكثر مما عني بالشعر، ولكن هذا نفسه فوز كبير، فشخصية ابن الرومي من أحسن الشخصيات الإنسانية التي يجب أن تُدرس، وأنا حين أقول الإنسانية أعني ما أقول، فالباحثون يجب أن يعنوا بابن الرومي، لا أقول في الأدب وحده، بل في الأدب والفلسفة وعلم النفس، فالأستاذ العقاد في كتابه على عنايته بالشاعر قد أحسن إلى ابن الرومي، وأحسن إلى الأدباء المعاصرين إحسانًا لا حدَّ له.

    وعني المازني في مقالاته عن ابن الرومي في كتابه حصاد الهشيم عنايةً أشهد أنها من أقوى العنايات، فلا أعرف أني قرأت شيئًا أروع ولا أمتع من هذه الفصول التي كتبها، والمازني قد يكون أكثر استشهادًا بشعر ابن الرومي من العقاد، ولكنه كالعقاد يقف عند شخصية ابن الرومي أكثر مما يقف عند الجمال والتحليل الفني، والظاهر أنهما يكلفان كلفًا خاصًّا بشخصيات الشعراء، أما أنا فربما عنيت بالشعر أكثر من عنايتي بالشاعر، وربما اتخذت الشاعر وسيلةً إلى فهم الشعر؛ ولذلك أرجو وألحُّ في الرجاء أن تتيح لي الأوقاتُ والظروفُ أن أدرس مع العقاد والمازني ابنَ الرومي، ولكن من ناحية شعره وفنِّه لا من ناحية شخصه، فأظن أنهما قد بلغا من ذلك فوق ما أريد.

    بول فاليري
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.

    أيها السادة

    كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

    ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

    ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

    وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

    بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

    ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

    ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

    كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

    والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

    فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

    ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

    وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

    هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

    ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

    احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

    هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

    بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

    كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

    سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

    وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

    ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

    ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

    هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

    استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

    وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

    وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

    أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

    يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

    في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

    والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

    والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

    والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

    وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

    سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

    من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

    ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

    نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

    ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

    هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

    يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

    ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

    ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

    وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

    هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

    من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

    وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

    وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

    والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.

    أخلاق الأدباء
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٣٨

    «… فالأدباء ناس من النَّاس، لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحسِّ المرهف الدقيق، والشُّعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف، فيظهر من أخلاقهم — على اختلاف ما فيها من الخير والشَّر — ما يخفى من أخلاق غيرهم من النَّاس …»

    سمعتُ الكتاب الذي أرسلته إليَّ «الهلال» تريدني فيه على أن أتحدث إلى قرائها عن أخلاق الأدباء، ثُمَّ التفتُّ إلى صبي أحبه وأوثره وسألته عن أظهر أخلاق الأديب فقال في لهجة الجد: «الثرثرة، وتضييع الأوقات، وتصديع الرءوس».

    ثم استأنى شيئًا كأنَّما يُفكِّر فيما قال ويتناوله بالتمحيص والنقد، ثم استأنف حديثه فقال: «ولكن من غير الأدباء من يثرثرون، ويضيعون الوقت، ويصدعون الرءوس، فلنقل إيثارًا للدِّقة وحرصًا على التحقيق، أنَّ الأديب يتخذ الثرثرة صناعة وفنًّا وطابعًا يطبع به حياته وغايته ينفق فيه جهده، على حين يثرثر غيره هاويًا للثرثرة، لا مقصورًا عليها، ولا مدفوعًا إليها بحكم الغريزة والطبع»، وكذلك استطاع هذا الصبي أن يُصوِّر أظهر صفات الأديب في شيء من الغلو والإسراف، ولكن في شيء من الإصابة غير قليل، ولهذا الصبي عذره فيما أسرف وما غلا، فهو نفسه يحب الأدب ويتكلفه ويوشك أن يشارك فيه، وربما كان الغلو من أخص صفات الأديب وأظهر خصاله، ولعلَّ الغلو أن يكون الخصلة الأولى الجوهرية التي تنشأ عنها أخلاق الأديب، والتي يصدر عنها الأديب فيما يفعل وما يقول، فالأديب من غير شكٍّ إنسان صناعته الكلام، لا يتكلم ليؤدي ما تعوَّد النَّاس أن يؤدوه من المعاني فحسب، ولكنَّه يتكلم؛ لأنَّه اتخذ الكلام غاية وغرضًا، وهو لم يتخذ الكلام غاية وغرضًا؛ إلا لأنَّه أفاض عليه من الروعة وأشاع فيه من الجمال ما جعله خليقًا أن يتنافس النَّاس فيه ويتهالكوا عليه، وما جعله خليقًا أن يطلب أشد الطلب ويرغب فيه أشد الرغبة، فيتيه به أصحابه ويتخذه مُنشئه تجارة تربح أحيانًا، ويدركها الكساد أحيانًا أخرى، فالأديب إذن قد عمد إلى الكلام الذي يتخذه النَّاس وسيلة إلى تأدية أغراضهم، وأداة إلى أن يفهم بعضهم بعضًا، فحوله عن وجهه وجعله غاية بعد أن كان سببًا، وغرضًا يقصد لنفسه بعد أن كان أداة يوصل إلى غيره، والذي مكَّن الأديب من أن يجعل الكلام غاية بعد أن كان وسيلة، وغرضًا بعد أن كان أداة وسببًا، إنَّما كان هذا الغلو الذي ركب في طبعه، والإسراف الذي كوَّن مزاجه، فسيطر على حياته كلها، غلو في الحسِّ يجعله يحس الأشياء على نحو أقوى وأشد مما يحسها غيره، وغلو في الشعور والعاطفة يجعله يندفع إلى الأشياء أو يرتدُّ عنها، على نحو أقوى وأشد مما يندفع غيره إلى الأشياء أو يرتد عنها، ثُمَّ غلو في الحكم والتقدير يجعله يقوِّم الأشياء تقويمًا لم يتعوده النَّاس ولم يألفوه، ثُمَّ غلو بعد هذا كله في تصوير الأشياء والتعبير عنها، يجعله يعرض الأشياء على نحو غريب لم يألف النَّاس عرضها عليه، وهم من أجل ذلك يُقبلون عليه، ويكلفون به، ويتنافسون فيه.

    وما أعرف أنَّ أديبًا يشذ عن هذه القاعدة، أو ينحرف عن هذا الأصل؛ فالشعراء والكُتَّاب يختلفون في إيثارهم للمبالغة، وحرصهم على القصد والاعتدال، ولكنَّهم على ذلك متفقون في مقدار من الغلو لا يكون أحدهم شاعرًا أو كاتبًا بدونه، فلن تجد أديبًا إلا وهو مرهف الحس، دقيق الشعور، رقيق المزاج إلى حدٍّ لا يُشاركه فيه غيره من النَّاس، وإرهاف حسه، ودقة شعوره، ورقة مزاجه إلى هذا الحد غير المألوف هي التي ميزته من النَّاس، فأتاحت له أن يجد ما لا يجدون، ويشعر بما لا يشعرون، ويقول بعد هذا كله ما لا يقولون، ويذهب من مذاهب القول وألوانه ما لا يألفون.

    فإذا أردت بعد هذا أن تعرف أخلاق الأديب؛ فارجع بها إلى هذا الأصل، وردَّها إلى هذا المصدر، فستنتهي بها إلى الينبوع الذي فاضت منه، وإلى المعدن الذي صدرت عنه، وقد تعوَّد النَّاس أن يظنوا بالأدباء الظنون، وأن يُضيفوا إليهم من الأخلاق والخصال ما يخيل إليك أنَّهم يمتازون به من غيرهم، وينفردون به انفرادًا، والنَّاس معذورون فهم يرون للأدباء أو الممتازين منهم على أقل تقدير أطوارًا غريبة خاصة، وهم يقرءون من شعرهم ونثرهم ما يصور لهم ألوانًا من الحياة ينكرونها ويرغبون عنها، أو يؤثرونها ويحرصون عليها، ولكنهم لا يألفونها عند أوساط النَّاس.

    فهم يعرفون من أمر بشار ما يعرفون؛ إسرافًا في اللهو، وغلوًّا في العبث، وتهالكًا على اللذة، ودفاعًا عن هذا كله، واستهتارًا بهذا كله، فما يشكُّون في أنَّ بشارًا رجلٌ شاذٌّ، وفي أنَّ شذوذه جاءه من أنَّه أديب، وربَّما كان من الحق أن يروا أنَّ بشارًا رجل أدب، وأنَّ أدبه جاءه من أنَّه خلق شاذًّا، ولولا شذوذ فطرته وخروج الطبيعة به عمَّا ألف من اعتدال المزاج، واتزان الحس، واستقامة الشعور، لأحس الأشياء كما يحسها غيره من النَّاس، ولتصرف فيها وحكم عليها كما يتصرف فيها ويحكم عليها غيره من النَّاس، وقل مثل ذلك فيمن شئت من الممتازين المتفوقين بين الأدباء في كل بيئة، وفي كل عصر، وفي كل جيل، هم قوم شذت بهم الطبيعة عن المألوف، وخرجت بهم عن الطور الذي عرفه النَّاس، فمنحتهم حسًّا مُرهفًا وشعورًا دقيقًا ومزاجًا حادًّا، ودفعهم هذا كله إلى التأثر بالحياة وظروفها تأثرًا شاذًّا، وإلى التعبير عن الحياة وظروفها تعبيرًا شاذًّا، ولكنَّ الغريب أنَّ النَّاس لم يقبلوا الأدباء كما هم، ولم يرضوا عنهم جملة، وإنَّما أخذوا الأدب فشطروه شطرين، قبلوا أحدهما فتنافسوا فيه، ورفضوا أحدهما الآخر ونعوا عليه أشد النعي ومقتوه أشنع المقت.

    فالنَّاس يقرءون شعر بشار فيُعجبون به أو يُعجب به أكثرهم، ولكنَّهم ينقمون من بشار قبح سيرته، وسوء خُلقه، وإسرافه في العبث والمجون، وما ينبغي أن نطلب إلى النَّاس، بل نحن نعوذ بالله أن نطلب إلى النَّاس الرضى عمَّا هو معروف من سيرة بشار وأمثاله من أصحاب العبث والمجون، ولكن الذي نطلبه هو الإنصاف، فلولا أنَّ بشارًا قد سار سيرته المعروفة، وعكف على ما عكف عليه من العبث، لما أنتج هذا الشعر الذي نرضى عنه ونُعجب به، وفرق عظيم بين أن ترضى عن سيرة بشار، وتُغري بها النَّاس وتُرغِّبهم فيها، وبين أن تُحقِّقَ الصِّلة بين هذه السيرة، وبين ما أنتجت من الآثار الأدبية، وتردها وترد آثارها الأدبية إلى أصل واحد، هو هذا الشذوذ الفطري الذي طبع الشاعر عليه، والله كفيل بحساب بشار وأخذه بذنوبه، أو التجاوز له عن هذه الذنوب، وصاحب الأخلاق كفيل بتنبيه النَّاس إلى الفضيلة والرذيلة، وترغيبهم عن هذه، وتزيين تلك في قلوبهم، ولكننا نحن حين نحكم في الأدب ونُقدِّر آثار الأدباء، خليقون أن نُقرِّر أنَّ سيرة بشار هذه القبيحة قد أنتجت لنا شعره هذا الجميل.

    وقد أراد الله بالنَّاس خيرًا فأعفاهم من الشر المُطلق، ورفع عنهم ثقل القُبح الخالص، واستخرج لهم من الشر خيرًا، ومن القبح حسنًا، وجعل ما يكرهون سبيلًا إلى ما يُحبُّون، فلنرحم هؤلاء الأدباء البائسين الذين تورطوا فيما نكره؛ فأنتجوا لنا ما نحبُّ، وقد أحسَّ بشار بُغض معاصيره له، وسمع نعيهم عليه، وأراد أن يذود عن نفسه، وأن يعتذر عمَّا كان يُنكر النَّاس من أمره فقال:

    طبعت على ما في غير مخيرهواي ولو خُيِّرت كنت المهذباأريد فلا أعطى وأعطى ولم أردوقصر علمي أن أنال المغيبافأصرف عن قصدي وعلمي مقصروأمسي وما أعقبت إلا التعجبا
    وللفلاسفة وأصحاب الكلام أن يُجادلوا بشارًا ويُنازعوه في ميله إلى الخير، وإعلانه للدعوة إليه، ولكننا نحن الذين ليسوا فلاسفة ولا متكلمين، خليقون أن نرحم بشارًا وأمثاله من آثامهم هذه، وأن نعرف لهم أنَّهم قد تورطوا فيها وشقوا بها؛ لننعم نحن بما أنتجوا لنا من آيات الفن، وروائع الشعر والنثر، وليس الأمر مقصورًا على أمر بشار وأمثاله من أصحاب العبث الذي يأباه الدين، وينكره الخلق، ولكنَّه يتجاوزهم إلى أصحاب الجد الذين شذت بهم الطبيعة عن المألوف، فدفعتهم إلى ألوان من السيرة، وإلى فنون من الكلام تُناقض العبث والمجون، ولكنَّنا مع ذلك ننكرها ونضيق بها، وإن أعجبنا بآثارها الفنية، فقد شذَّت الطبيعة بأبي العلاء عمَّا أَلِفَ النَّاس في حياتهم، وألزمته فنونًا من القسوة على نفسه وعلى النَّاس، ومن سوء الرأي في نفسه وفي النَّاس، ما أظن أننا نتخذها مثلًا أو نغري بها الشباب، ولكننا مع ذلك نقرأ اللزوميات فنُعجب بها، ونفتتن بكثير من شعرها، ونجد ألوانًا من المتاع فيما حفظت لنا من صور هذه الفلسفة المظلمة، وما اختار أبو العلاء أن يكون متشائمًا مظلم النفس سيئ الرأي، وما اختار أبو العلاء أن يسير هذه السيرة التي دُفع إليها دفعًا، فلنرحم أبا العلاء إذن من سيرته هذه التي لم يخترها، وإنَّما أُكره عليها إكراهًا، ولنعرف له أنَّه شقي لنسعد، وقسا على نفسه لنرفه نحن على نفوسنا بما ترك لنا من الآثار.

    والأدباء بعد هذا كله يختلفون اختلافًا شديدًا؛ فمنهم من تظهر سيرته في آثاره الأدبية، ومنهم من يخفون هذه السيرة، ويظهرون في آثارهم ما يناقضها أشد المناقضة، فسيرة بشار ظاهرة في شعره، وسيرة أبي نواس ظاهرة في شعره أيضًا، وكثرة ما ترك أبو العتاهية من الشعر تُناقض ما نعرفه من حياته، وقد كان الشاعر الفرنسي ألفريد دي فيني ألقى في نفوس النَّاس الذين قرءوا شعره أنَّه صورة الجد والحزم والتشاؤم والشدة على النفس، ثم أظهر البحث من أمره ما يُناقض شعره أشدَّ المناقضة، ومن الأدباء من يتوسط بين ذلك، فيظهر من سيرته في آثاره الأدبية أطرافًا، ويُخفي منها أطرافًا، ويكلف الباحثين عن تاريخ الأدب ألوانًا من العناء؛ ليستخرجوا الحقَّ من سيرته وآثاره، وهذا الاختلاف بين الأدباء يأتي فيما أقدر من رأيهم فيما يكون بينهم وبين الجماعات التي يعيشون فيها من الصلة، ومن شجاعتهم واختلاف حظوظهم من هذه الشجاعة التي تمكنهم أو لا تمكنهم من مصارحة الجماعة بشخصياتهم كما هي؛ فمنهم من يُؤمن بشخصه أكثر مما يُؤمن بالجماعة، ويحفل بشخصه أكثر مما يحفل بالجماعة، فيجاهر الجماعة بنفسه وما يؤلف من العواطف والميول والأحوال متعرضًا في سبيل ذلك لألوان الإنكار والسخط التي تنتهي به أحيانًا إلى الاضطهاد، وربما انتهت به من الاضطهاد إلى أقصاها، ومنهم الذي يُصانع ويُوادع ويؤثر العاقبة؛ فيظهر للجماعة من نفسه ما تحتمل، ويخفي عليها من نفسه ما لا يطيق؛ لينفق حياة هادئة أو كالهادئة. وربما كان هؤلاء المصانعون الموادعون أحق النَّاس بالرحمة وأجدرهم بالإشفاق، فليس إنكار الشخصية بالشيء الهين على صاحب الشخصية القوية.

    وقد تسألني بعد هذا عن أخلاق الأدباء ما هي؟ أو ما عسى أن تكون؟ وهل يمكن أن يُقال فيها قولٌ جامعٌ يختصرها ويجملها؟ فصدقني ليس هذا بالشيء الهين، بل ليس هذا بالشيء الممكن.

    فالأدباء ناس من النَّاس لهم ما لغيرهم من الأخلاق، ولكنَّهم يمتازون بما يمتاز به أصحاب الفن الذين طبعوا عليه من الحس المرهف الدقيق، والشعور القوي الرقيق، والمزاج العنيف الحاد، فيظهر من أخلاقهم على اختلاف ما فيها من الخير والشر ما يخفى من أخلاق غيرهم من الناس، وما أكثر الذين أحبوا اللهو وعكفوا على الخمر، فلم يكد يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بشار وأبي نواس، وما أكثر الذين يدخنون الحشيش والأفيون، فلا يكاد النَّاس يعرفون من أمرهم شيئًا؛ لأنَّهم لم يفطروا على طبيعة بودلير، وما أكثر الذين يتشاءمون ويقسون على أنفسهم فلم يعرف النَّاس من أمرهم شيئًا؛ لأنهم لم يفطروا على طبيعة أبي العلاء، صدقني أنَّ للأدباء عيبًا خطيرًا هو الذي يدل عليهم ويغري بهم، أو قل: إنَّ لهم عيبين خطيرين يخيلان إلى النَّاس أنَّهم فرقة ممتازة بأخلاق لا يُشاركهم فيها غيرهم؛ فأمَّا أول هذين العيبين فهو الغلو الذي ركب في طبائعهم، وأشيع في أمزجتهم، وجعلهم يقيسون ذراعًا كلما قاس النَّاس أصبعًا، أما ثاني هذين العيبين فهو هذا الذي ذكره الصبي الذي أحبه وأوثره، وهو الثرثرة والإغراق في الكلام.

    المعري: أشاعر أم فيلسوف
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يونيو ١٩٣٨

    … أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …

    سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.

    وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.

    وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.

    ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.

    وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.

    فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.

    وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.

    وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.

    أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.

    وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.

    ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.

    يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.

    لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.

    كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.

    وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.

    وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.

    ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.

    فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.

    وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.

    فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.

    أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.

    على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.

    أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.

    فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.

    إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.

    فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.

    وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.

    وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:

    ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
    فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.

    لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.

    وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.

    وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.

    هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.

    والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.

    فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟

    لا تظلموا الموتى!
    طه حسين
    النداء
    ٢٠ أبريل ١٩٤٨

    لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.

    ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!

    فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!

    قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …

    ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:

    لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا

    قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.

    قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.

    قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.

    قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.

    قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:

    إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …

    ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.

    وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.

    وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:

    ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ

    وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي

    قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ

    إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي

    ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.

    ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:

    لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا

    أبو نواس أيضًا
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣٠ مايو ١٩٥٣

    أحبب إليَّ بهذا الصمت العميق الذي يُمعن فيه العلماء والأدباء وأصحاب الفن الرفيع أشدَّ الإمعان؛ حتى ينسوا النَّاس، ويُوشك النَّاس أنْ ينسوهم، وحتَّى يُوشك أحدهم أنْ ينسى نفسه لشدة ما أمعن في الصمت، وأغرق في البحث، وشغله العمل عن كل شيء، ثُمَّ يعود إلى نفسه وإلى النَّاس ذات يومٍ وفي يده طُرْفة نفيسة يطرفهم بها في كثير من التواضع والحياء، وكان صمته ذاك الخصب يُنشد قول الراجز القديم:

    هذا جناي وخياره فيهإذ كل جانٍ يده إلى فيه
    وأحبب إليَّ كذلك بهذه الأيام الغرِّ التي تستقبلني مُصبحًا أو مُمسيًا بطرفة من هذه الطرف يهديها إليَّ أصحابُها بين حينٍ وحينٍ.

    ما أعمق هذا الرضا الذي أحسسته ونعمت به أمسِ حين استقبلني الصَّباح بطرفة تاريخية قيِّمَة جاءتني من دمشق، وحين استقبلني المساء بطرفة أدبية رائعة جاءتني من القاهرة، كلتا الطرفتين نتيجة من نتائج هذا الصمت العميق الطويل الذي يُمعن فيه أصحابه، ثم يخرجون منه بما ينفعهم وينفع الناس!

    وقد كانت طرفة الصباح مجلدًا ضخمًا قيِّمًا من هذا الكتاب العظيم الذي يُعدُّ بين الكنوز النفيسة لتراثنا العربي، وهو تاريخ دمشق لابن عساكر. أخذ المجمع العلمي العربي في نشره، وعهد بإخراج المجلد الأول منه إلى الأستاذ صلاح المنجد، وسأتحدث عنه في الأسبوع المُقبِل إن شاء الله.

    وكانت طُرفة المساء مُجلَّدًا ضخمًا كذلك يشتمل على ديوان أبي نواس عُنِيَتْ بنشره شركة مطبعة مصر، وعهدت بإخراجه وتحقيق نَصِّه إلى الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، وقدَّم له شاعرنا الكبير الأستاذ عزيز أباظة بمُقدِّمة مُمتعة، وهذا المُجلد هو الذي سأتحدث عنه اليوم في كثير من الإيجاز.

    ولأمرٍ ما أَلَحَّ أبو نواس على النَّاس في هذه الأعوام الأخيرة من حياتنا الأدبية؛ فقد أخرج الأستاذ عبد الرحمن صدقي منذ وقت قصير كتابين قيِّمين عن أبي نواس، وتحدثت في الأسبوع الماضي عن الكتاب الذي درس فيه الأستاذ الدكتور محمد النويهي نفسية أبي نُواس، وهذا ديوان أبي نواس تُخرجه لنا مطبعة مصر في صورة جديدة قد حُقِّقت نصوصها، وبرئت من شوائب التصحيف والتحريف التي أفسدت الطبعات التي شاعت بين أيدي النَّاس.

    ما عسى أن تكون الصِّلة بين هذا الجيل من أجيال المصريين وبين هذا الشاعر العظيم من شعراء القرن الثَّاني للهجرة؟ فقد ينبغي أن تكون هناك صلة خفية أو ظاهرة حملت هؤلاء السادة من المثقفين الذين أترفت عقولهم وأذواقهم، وهذبت طباعهم وأمزجتهم، على أن يُعْنَوْا بأبي نواس؛ منهم من يعرض حياته، ومنهم من يعرض فَنَّه، ومنهم من يحلل نفسَه، ومنهم من ينشر شعره نشرًا محققًا جديدًا. أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من مُجرد الميل إلى إحياء الأدب القديم؟ ولكن لماذا يُختار أبو نواس بين شعرائنا القدماء الذين لا يكاد يحصيهم العدُّ؟ لِمَ لا يختار شاعر من شعراء العصر الأموي، أو شاعر آخر من الذين عاصروا أبا نواس، أو الذين جاءوا بعده؟ وما أكثر ما يتحدث النَّاس في هذه الأيام عن الضِّيق بالقديم والزهد فيه، وعن الكلف بالجديد والشوق إليه! أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من أنَّ كثيرًا من المُثقفين في هذه الأيام يجدون مثلما كان يجد أبو نواس من الفراغ، ويُصرفون عمَّا أُتيح لأبي نواس من اللهو والعبث والاستمتاع بلذات الحياة؛ فهم يتعزَّوْنَ بما أُتيح لغيرهم عمَّا لم يُتح لهم، ويتسلَّوْن بوصف لَذَّات الحياة عن لَذَّات الحياة نفسها؟

    ولكنَّ أبا نواس لم يكن وحده صاحب اللهو والعبث والمجون، وإنَّما كان كثيرٌ من مُعاصريه يُشاركونه في أمره كُلِّه، يلهون كما يلهو، ويعبثون كما يعبث، ويُسرفون على أنفسهم وعلى النَّاس في الاستهتار باللهو والعبث ووصفهما في الشعر الجميل الصريح؛ وإذن فما بال هؤلاء الباحثين المجودين يُؤثِرون أبا نواس بالبحث من دون غيره من مُعاصريه؟

    يُخيَّل إليه أنَّ هذه الصلة لا تأتي من شيء من هذه الأشياء التي أشرتُ إليها، وإنَّما تأتي من شيء آخر يُصوِّر أصدق تصويرٍ هذا الروحَ الجديد الذي مَلأ الحياة المصرية وسايَرها منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان يعنف مرة ويهدأ أخرى، وهو رُوح الثورة والطموح إلى التحرُّر من الحياة الجامدة التي تُثقلها القيود والأغلال، وتضيق فيها الأوضاع الاجتماعية ضيقًا شديدًا؛ فتؤثِر طائفة قليلة بطيِّبات الحياة، وتحرم الكثرة الكثيرة هذه الطيبات. ولست أريد بطيبات الحياة هنا هذه اللذات المادية التي تُتاح للمترفين، وتُصرف عن المحرومين، وإنَّما أُرِيدُ بهذه الطيبات ما هو أوسع من هذا سعة وأرقى منه طبيعة ومزاجًا، أريد الطيبات المعنوية والمادية جميعًا، أريد الحرية الشائعة التي لا تقصر على طبقة بعينها وإنَّما تُتاح للنَّاس جميعًا، وأريد المساواة في الحقوق التي لا تُفرِّق بين جنس وجنس ولا بين طبقة وطبقة، والتي لا تبيح الاستعلاء لبعض الناس على بعض، ولا تبيح لبعض النَّاس أن يستأثروا دون غيرهم بما يتيح لهم التفوق والامتياز، هذا الروح ملأ حياتنا المصرية منذ انتهت الحرب العالمية الأولى؛ فدفعنا إلى المطالبة بالحرية السياسية، وبالحرية الاجتماعية، وبالمُساواة في الحقوق والواجبات، وحرصنا على أن نَخلُص من التسلط الأجنبي، وجاهدنا حتى ظفِرنا بدستور يسجِّل المساواة بين النَّاس، وقضينا ثُلث القرن الذي قضيناه في جهاد عنيف حينًا هادئ أحيانًا؛ لنحقق هذه الغايات تحقيقًا لا يقبل جدالًا ولا نزاعًا، وهذا الرُّوح هو الذي أغرى المثقفين منَّا بحُبِّ أبي نواس والعناية بشعره؛ فأبو نواس ثمرة من ثمرات الثَّورة التي حققت المساواة بين العرب وغيرهم من الأمم المغلوبة، وشعر هذا الجامح الذي لا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، إنَّما هو شعر المنتصر الذي أسكره الانتصار حتى أخرجه عن طوره، وحتى دفعه إلى ألوان من الشَّطَطِ في سيرته وفي تفكيره وفي شِعْرِه الذي يصور تلك السيرة وهذا التَّفكير.

    فأبو نواس ثائر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة كلها، ثائر على العرب يعيبهم في غير تحفُّظ، ويُفَضِّلُ عليهم الفرس، ويُحْفِظُ السلطان أحيانًا حتى يُلْقِيَه في غيابات السجن، وهو ثائر على المألوف من حياة الناس هذه الحياة الهادئة المطمئنة التي تجري على وتيرة وحيدة محتفظة بما فرض الدين عليها من النقاء والقصد والاعتدال؛ فهو يشرب الخمر ولا يريد أن يستخفي بشربها، وهو يُمعن في الشذوذ الجنسي في غير تحفُّظ ولا استحياء، وهو يسخر من المتزمِّتِين في غير رفق ولا أناة، ثم هو ثائر على المألوف من قيود الفن، فهو يُحسن الشعر العربي التقليدي أيما إحسان، ويُثبت ذلك بما يَقرِض من الشعر التقليدي الرصين؛ حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التقصير، ولكنَّه بعد ذلك يثور على هذا كله، ويُبدع في فنِّه الجديد، فيُعرض عن الأطلال ووصفها والبكاء عليها والحنين إليها، إلى اللذة وإطرائها والافتنان في وصفها إلى أبعد الحدود؛ كل ذلك لأنَّه نشأ كما نشأ أترابُه في ظل الثورة التي أدانت للمغلوبين من الغالبين، ودفعت كثيرًا من هؤلاء المغلوبين إلى فنون من الشَّطَطِ والجموح في القول والفعل جميعًا.

    وليس أبو نواس بدعًا من أترابه الذين عاصروه في البصرة والكوفة وبغداد، وقد وجد أبو نواس وأصحابه من الوزراء والأمراء ومن بعض الخلفاء رِضًى عن هذا الجموح، فتجاوزوا فيه كل حدٍّ؛ ومن هنا أخالف الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، كما خالفت الأستاذ النُّويهي من قبل في ردِّ ثورة أبي نواس هذه إلى ما زعم الرُّواة من سيرة أمه، أو إلى إخفاقه في حبٍّ جبان؛ فلم تكن ثورة أبي نواس مقصورة عليه، وإنَّما كانت شائعة في كثير من أصحابه الشُّعراء وغير الشعراء من أهل ذلك العصر.

    وأخالف الأستاذ الغزالي في شيء آخر ليس أقل خطرًا من هذا الذي ذكرتُه آنفًا؛ فالثورة الفنية التي نراها عند أبي نواس وأصحابه، والتي دفعت إلى الإغراق في وصف اللذات والاستهتار بها، ليست ثورة عباسية ولا عراقية، وإنَّما هي قدرة قديمة نشأت في الحجاز، وفي المدينة خاصة أيام الأمويين، وانتقلت من المدينة إلى الشام أيام يزيد بن عبد الملك، وعظُم خطرها أيام هشام بن عبد الملك بفضل الوليد بن يزيد الذي كان ضحية من ضحاياها، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق فاستقرت فيه مع السلطان، ولم تهدأ إلا بعد قتل الأمين بن الرشيد ونهوض المأمون بخلافة المسلمين.

    فإذا كان في العراق أبو نواس ومسلم ومطيع وحماد ووالبة؛ فقد كان في الحجاز الأحوص، وفي الشام الوليد بن يزيد، وحديثُ هذا يطول.

    وقد كنت أحب أن أثني على هذه الطبعة الجديدة لديوان أبي نواس ثناءً لا تحفُّظ فيه، ولكني مُضْطَرٌّ مع الأسف إلى شيء كثير من الاحتياط؛ فهذه الطبعة على جودتها وعلى ما بُذل في تصحيح نصِّها من الجهد العنيف، ليست طبعة علمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلستُ أعرف أنَّ الأستاذ الغزالي قد استقصى النُّسخ المخطوطة لديوان أبي نواس في دور الكتب المُختلفة، ولست أعرف أنَّه قد استقصى أكثرها أو كثيرًا منها.

    وقد كنت أعلم أنَّ المستشرق الألماني الدكتور شادة قد أنفق ثلاثين عامًا من عمره دارسًا لأبي نواس يُهيِّئُ طبعة علمية لديوانه، ولكنَّه فَارَقَ هذه الدنيا، ولست أعرف إلى أي مرحلة بلغ من بحثه وتنقيبه.

    وخصلة أخرى تضطرني إلى التحفُّظ: وهي أنَّ النَّاشر ومطبعة مصر قد راعَيَا ذوق المعاصِرِين، وتخريج القوانين القائمة أكثر ممَّا راعَيَا حقَّ العلم في نشر النَّصِّ كاملًا غير منقوص فهما يهديان إلى القُرَّاءِ نسخة مُصفَّاة يستطيعون أن يقرءوها في غير حَرَجٍ، وليس هذا بالشيء القليل، وما شيءٌ خير من لا شيء، كما يقول المثل.

    فليقرأ القُرَّاء شاكرين للمطبعة والناشر هذا الجهدَ القَيِّمَ الخصبَ، ولينتظر العلماء أن يُنشر لهم نص أبي نواس، كما يريدون أن يكون.

    أصداء النيل
    للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ١٣ مارس ١٩٥٧

    أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.

    هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.

    بدوي النشأة
    ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.

    وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».

    الجزء الأول
    وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.

    كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.

    هذا الجهد
    وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.

    واقرأ معي هذه الأبيات:

    طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
    القافية التامة
    وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:

    قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
    وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.

    وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.

    شطره الأخير
    وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.

    وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.

    يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:

    ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
    أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.

    وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.

    مر الليالي
    وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.

    كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.

    والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.

    وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.

    الشعراء يرضون
    فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»

    وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.

    بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
    أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:

    ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
    وفيها يقول:

    اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
    أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:

    أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
    وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.

    وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.

    ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.

    وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.

    فاسمع له كيف يقول:

    مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
    ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.

    ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.

    وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.

    واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.

    وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟

    فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
    أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.

    والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:

    على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
    لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.

    سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
    وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!

    وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.

    وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.

    أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.

    وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.

    وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.

    وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.

    ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.

    ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.

    والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.

    والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:

    وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
    عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:

    إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
    وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.

    صريع الوطن
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٤ أكتوبر ١٩٣٢

    أما تسمع ما يقول عباد: طابت لك المدينة الآن.

    قال عبد الملك بن مروان هذا الكلام وهو يلتفت إلى رجل لعله قد بلغ الخمسين من العمر أو قاربها أو تجاوزها قليلًا، وكان هذا الرجل في أكبر الظن نحيفًا مهزولًا، رديء الصحة، حاد المزاج، يتكلف التجلد والصبر، ولكن طاقته للتكلف قد نفدت أو كادت، وكان هذا الرجل لا يُرى إلا كئيبًا محزونًا؛ فإذا تكلم لم يسمع الناس منه إلا حديثًا فيه وجد وشوق، وفيه حسرة ولوعة، وقد يسمعون منه شعرًا ملؤه اليأس والقنوط.

    وكان هذا الرجل على ذلك كله مُعتدًّا بنفسه، معتزًّا بقومه، لا يكاد يحفل بعبد الملك بن مروان لولا أنه أمير المؤمنين. فلما قال له عبد الملك ما قال لم يبتسم ولم تنجلِ عن وجهه غبرة الكآبة، ولم يبرق في عينيه الحادتين برق الأمل، ولا تألَّق على جبينه ضوء الرجاء، وإنما أطرق برأسه إلى الأرض وقطب جبينه، وقال بصوت منخفض تكاد تخنقه العبرة:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المِصْران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    كان هذا الرجل أبا قطيفة عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان عبد الملك يُنبئُه بما زعم له عباد بن زياد من أن جيوش بني أمية قد انتصرت في العراق، ففتحت لها الكوفة والبصرة — وكان عبد الملك يُقدِّر أن فتح العراق مقدمة طبيعية لفتح الحجاز وانتزاعه من يد ابن الزبير — فكان ينبئ بذلك أبا قطيفة يُريد أن يَسرَّه، وأن يُسرِّيَ عنه، وأن يفتح له بابًا من الأمل، ويثير في نفسه الكئيبة شعورًا باسمًا بأن رجوعه إلى المدينة قد أصبح قريبًا، ولكن أبا قطيفة لم يصدق خبر عباد، ولم يصطنع من الأدب ما ينبغي في مجلس أمير المؤمنين؛ فأعرض عن الخليفة وأنشد هذين البيتين:

    إني لأحمق من يمشي على قدم إن غرني من حياتي حال عباد

    أنشا يقول: لنا المصران قد فتحا ودون ذلك يوم شرُّه بادي

    وأكبر الظن أن عبد الملك لم يَرُقه ذلك من ابن عمه الشاعر، فأسرَّها في نفسه وأمسك عن ابن عمه مع ذلك لرَحِمه وعصبيته، ولأن سياسة الدولة كانت تقضي على عبد الملك أن يكون حليمًا، وأن لا يصطنع العنف، وماذا يفيده العنف وهو محتاج إلى أن يترضى كل من حوله في هذه الأيام التي ما يزال نصف البلاد الإسلامية فيها خارجًا عن سلطانه، خاضعًا لابن الزبير؟

    أمسك عبد الملك عن ابن عمه وأسرَّ في نفسه حقدًا. وكم كان يُسِرُّ عبد الملك في هذه الأيام من الحقد والضغينة! وكم كان يُمنِّي نفسه إذا خلى إليها بذلك اليوم الذي ينتقم فيه من أبناء عمه هؤلاء الذين قبلوا إمرته كارهين، والذين يظهرون له من الكبرياء والإعراض ما لا ينبغي أن يُواجه به أمير المؤمنين! وكم كان عبد الملك يتمنى ذلك اليوم الذي يُعاقِب فيه أبناء عمه أولئك الذين آثروا الحجاز على الشام، وملك قريش على ملك أمية، ونصرة مُضَر على نصرة قضاعة، فقبلوا سلطان ابن الزبير مؤيدين له أو صابرين عليه!

    صبر عبد الملك على ابن قطيفة، ولكنه لم يمسك عنه لسانه، بل جعل يعيبه ويتنقصه في غيبته، وبلغ أبا قطيفة ذلك فلم يقبله ولم يصبر عليه، ولكنه لقي الشر بالشر، وأجاب على تنقُّص الخليفة إياه بهجاء الخليفة، والفخر عليه، وتهديده بالتلميح حينًا والتصريح حينًا آخر، فقال:

    أنا ابن أبي معيط حين أُنْمِي لأكرم ضِئْضِئٍ وأعَزِّ جيل

    وأُنْمِي للعقائل من قُصيٍّ ومخزوم فما أنا بالضَّئيل

    وأروَى من كُرَيز قد نَمتَني وأروَى الخير بنتُ أبي عَقيل

    كِلَا الحيَّينِ من هذا وهذا لعمرُ أبيك في الشرف الطويل

    فعدِّدْ مثلَهن أبا ذبابٍ ليعلَمَ ما تقول ذوو العقول

    فما الزرقاء لي أُمًّا فأَخْزَى ولا ليَ في الأرزاق مِن سبيل

    وأبو ذباب عبد الملك، والزرقاء امرأة من كندة كانت من أمهات عبد الملك، وكان يُعيَّر بها، كما يقول أبو الفرج، وقال أبو قطيفة أيضًا يهجو عبد الملك:

    نُبِّئتُ أن ابن العَمَلَّس عابني ومَن ذا مِن الناس البَريءُ المسلَّم؟

    مَنَ انتم؟ مَنَ انتم؟ خبِّرونا مَنَ انتم فقد جعلت أشياء تَبدُو وتُكتَمُ

    والبيت الأول من هذين البيتين مخروم ينقصه حرف في أوله ليستقيم وزنه على بحر الطويل، وينبغي أن تقرأ البيت الثاني ملغيًا همز أنتم، ناقلًا فتحتها إلى نون من ليستقيم وزنه أيضًا، وليس في هذا النقل ولا في ذلك الخَرْم عيب، وإنما ذلك شيء مألوف، والنقل خاصة مألوف شائع في شعر قريش وحديثها وقراءتها للقرآن، وليس لهذين البيتين قيمة شعرية ممتازة، ولكن للبيت الثاني قيمته السياسية الخطيرة حين يسأل الشاعرُ بني مروان عن أنفسهم ثلاثة مرات في الشطر الأول، وحين ينبئهم في الشطر الثاني بأن أشياء قد جعلت تبدو وتكتم. وفي هذين الأمرين ما فيهما من النذير.

    ويروى أن عبد الملك لما سمع هذين البيتين قال: ما ظننت أنَّا نجهل، والله لولا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطعت جلده بالسياط. وسواء أكانت رعاية الحرمة هي التي منعت عبد الملك من عقوبة أبي قطيفة أم كانت السياسة، فقد سلم جلد أبي قطيفة من السياط، وما كان أشد خوفه من السياط وعبثها بجلده، ألم يكن قد كتب إلى أبيه وهو والٍ للكوفة من قبل عثمان شعرًا يشفق فيه من سوط الخليفة، إن لم يدركه أبوه فيزوجه، أو يهدي إليه جارية؟

    أظن أن ما قدمته يعطيك عن هذا الرجل صورتين قويتين جدًّا، الأولى أنه كان رجلًا بأدق معاني هذه الكلمة، والأخرى أنه كان رجلًا رقيق القلب، حساسًا، قوي الشعور، وفيًّا، صادق الحنان. ولا بد من كلمتين قصيرتين أوضح بهما هاتين الصورتين، فأما رجولة شاعرنا فليس فيها غرابة أن عرفنا من هو، ويكفي أن نقول: إنه عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. كان أبوه الوليد بن عقبة من سادة بني أمية وأشرافهم، وأشدهم خصومة للإسلام وازورارًا عليه، يقال: إن الآية الكريمة نزلت فيه، وهي قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات: ٦).

    وقد أسلم وظهر حُسن إسلامه، وولاه عثمان الكوفة، ولكنه ظلم وفجر وأسرف في شرب الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، فزاد في صلاة الصبح ركعة، ثم التفت إلى الناس فقال: «وإن شئتم زدناكم.» فعزله عثمان وأقام عليه الحد. وعقبة بن أبي معيط أبو الوليد كان من أشد قريش فتنة للنبي وأصحابه قبل الهجرة، فلما ظفر المسلمون في وقعة بدر أُسِر عقبة فقتله النبي صبرًا، أما صاحبنا عمرو بن الوليد فلم يتول أمرًا من أمور الدولة، ولا عني بالسياسة، ولا هَمَّ بترك المدينة حتى حين ولي أبوه الكوفة، وإنما عاش في المدينة عيشة الفتيان الأغنياء الأعزاء يلهو ويستمتع بالحياة ما سمحت له الظروف بذلك.

    ولعله نعم بالحياة حقًّا أثناء العشرين سنة التي ولي فيها معاوية أمير المسلمين، فلما مات معاوية ونهض بعده يزيد امتحن هذا الرجل في أحب شيء إليه، وأكرم شيء عليه؛ وهي حياته الهادئة الناعمة في المدينة، فظهرت صورته الثانية، وهي صورة الرقة والحنان وصدق الشعور. والواقع أن هذه الصورة لم تظهر عند هذا الرجل وحده، وإنما ظهرت عند جماعة من قريش، وظهرت في شكل مؤثر جدًّا. هذا عبيد الله بن قيس الرقيات يفيض ديوانه بالحزن والأسف؛ لأنه صاحب مصعب بن الزبير إلى العراق فبعد عن المدينة، فلما كانت وقعة الحرة جاءته الأنباء، فامتلأ شعره جزعًا على من أُصيب فيها من قريش، وكان عبيد الله زبيريًّا، وكان أبو قطيفة أمويًّا، ولكنهما جميعًا قرشيان عاشا في المدينة فأحبَّاها حبًّا لا يعدله حب.

    وهذه حميدة حفيدة عبد الرحمن بن عوف تزوجت رجلًا من أهل الشام ورحلت معه كارهة عن المدينة، فلما كانت في بعض الطريق سمعت من يتغنى بشعر لأبي قطيفة في الحزن على المدينة والحنين إليها، فشهقت شهقة أتت على حياتها.

    ما أشد تأثير الإسلام في نفوس قريش! كانت حياة أبي قطيفة هادئة وادعة في المدينة أثناء خلافة عثمان وخلافة معاوية، وكان بنو أمية أصحاب الكلمة في المدينة في هذا الدهر، منهم عثمان أمير المؤمنين، ثم منهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص اللذان كانت ولاية المدينة بينهما أيام معاوية، وكان سعيد بن العاص رجلًا من رجال قريش كريمًا سخيًّا شجاعًا، سهل الخلق، سمح النفس، تمتلئ العين مهابة بالنظر إليه، وتمتلئ النفس أُنْسًا بالحديث معه، وكان أبو قطيفة صديقًا لابنه عمرو بن سعيد، وكانت الحياة في ذلك الوقت نعمة كلها لبني أمية وبني هاشم في المدينة.

    وكان بنو أمية وبنو هاشم يتنافسون في الكرم والجود أيهم يكسب الأنصار، وأيهم يسهل الحياة للناس من حوله؟ وكتب الأدب والتاريخ مملوءة بأخبارهم في هذا التنافس، وكان لسعيد بن العاص قصر خارج المدينة يعيش فيه إذا اعتزل الحكم، ويجعله مثابة للطامعين، وأمنًا للخائفين، وكان الشعراء مفتونين بسعيد، ولِمَ لا؟ أليس قد أغنى الحطيئة وآمن الفرزدق من زياد؟ حضرت سعيدًا الوفاة فقال له ابنه عمرو: لو نزلت إلى المدينة، قال: يا بني، إن قومي لن يكرهوا أن يحملوني على أعناقهم ساعة من نهار، ولكن إذا مت فاذهب إلى معاوية وأخبره بديني، فسيعرض عليك قضاءه عني فلا تقبل، ولكن بِعْهُ هذا القصر؛ فإني إنما اتخذته نزهة، وليس هو بمال، ثم أدِّ بثمنه ما عليَّ من دين.

    فلما مات حمل إلى البقيع فدفن فيه، وتقبل عمرو عزاء الناس عند القبر، وقد أعدت له الرواحل، فركب إلى دمشق ونعى أباه إلى معاوية، فتوجع شيخ قريش وترحم على كريم قريش، ثم قال: أعليه دين؟ قال عمرو: نعم، ثلاثمائة ألف درهم، قال معاوية: هي عليَّ، قال عمرو: لا، ولكنه أمرني أن أبيعك قصره، قال: قد اشتريته بدينه. ثم حمل الدين إلى المدينة فأداه عمرو عن أبيه، وكانت كلها منحًا وعد بها سعيد ولم يجدها عنده، فكان يكتب بها الصك لأصحابها.

    وفي هذه الحياة السهلة الناعمة قضى أبو قطيفة نيفًا وعشرين عامًا، فلما كانت فتنة ابن الزبير أُخرِج بنو أمية من الحجاز، وفيهم أبو قطيفة، فامتلأت نفسه جزعًا على المدينة، وامتلأ شعره حنينًا إليها، وكان بحق شاعر الحنين إلى الأوطان في الإسلام، واقرأ هذه الأبيات:

    القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

    إلا البلاط فما حازت قرائنه دور نزحن عن الفحشاء والهون

    قد يكتم الناس أسرارًا فأعلمها ولا ينالون حتى الموت مكنوني

    واقرأ هذه الأبيات:

    ليت شعري وأين مني ليت أعلى العهد يَلْبنٌ فَبَرام

    أم كعهدي العقيق أم غيَّرته بعدي الحادثات والأيام؟

    وبأهلي بدلت عكًّا ولخمًا وجذامًا وأين مني جذام؟

    وتبدَّلت من مساكن قومي والقصور التي بها الآطام

    كل قصر مشيد ذي أواس يتغنى على ذراه الحمام

    أقرِ مني السلام إن جئت قومي وقليل لهم لدي السلام

    سمع عبد الله بن الزبير هذا الشعر فقال: حن والله أبو قطيفة. وعليه السلام ورحمة الله. من لقيه فليخبره أنه آمِنٌ فليرجع. فأُخبِر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعًا، فلم يصل إليها حتى مات.

    ألست ترى أن أبا قطيفة صريع الحنين إلى الوطن؟

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن شعره وأخباره! ولكنها أول ما يلقاك في كتاب الأغاني إذا نظرت فيه، فاقضِ مع هذا الشاعر ساعة فلن تندم عليها.

    الشعر العربي والقصص
    طه حسين
    الفجر
    ١٥ أكتوبر ١٩٣٤

    وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.

    وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.

    أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.

    ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.

    وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.

    والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.

    فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بيزيسترات بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.

    فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.

    إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.

    وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.

    على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:

    إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.

    والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.

    الثوب الضيق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٩ يناير ١٩٤٨

    وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

    يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

    حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
    ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

    فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

    وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

    هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

    وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

    ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

    ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

    ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

    والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

    فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

    مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

    وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

    هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

    إقبال
    شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
    طه حسين

    شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.

    شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.

    والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.

    كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.

    والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.

    وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.

    كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:

    توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
    كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:

    مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
    ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.

    أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.

    والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.

    وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.

    كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.

    ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.

    ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.

    احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.

    وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.

    ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.

    وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.

    والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.

    فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».

    وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.

    ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.

    مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.

    أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.

    وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.

  • الجيل الضائع | The Lost Generation

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

    الجيل الضائع
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٨ ديسمبر ١٩٤٧

    أخشى أن يكون هذا الجيل الناشئ من شبابنا هو الجيل الضائع إلى غير رجعة وفي غير أمل، فهو مع الأسف الشديد والحزن العميق معرَّض في حياته التعليمية لخطوب لم يتعرض لمثلها من قبل، يأتيه بعضها من الحكومات ويأتيه بعضها الآخر من القضاء والقدر — كما تعودنا أن نضيف الأخطار العظيمة كلها إلى القضاء والقدر — ويأتيه بعضها الآخر من ظروف الحياة الاجتماعية البغيضة التي نحياها.

    ففي العام الماضي أراد صدقي باشا أن يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز على رغم الشعب المصري كله، وأشفق من الثورة أثناء غيبته كما كان يقول، فأجل افتتاح المعاهد التعليمية حتى يذهب ويئوب، ثم عاد فأشفق من الثورة فأجل الدراسة أسبوعًا وأسبوعًا وأسبوعًا، وضاع على الطلاب والتلاميذ من عامهم الدراسي شهران. ثم أذن لهم في أن يتعلموا، ولكن حالت ظروف الحياة الاجتماعية بين أكثرهم وبين التعليم؛ لأن الدولة طالبتهم بثمن العلم، فلما عجزوا عن أدائه أبت أن تبيحه لهم، وأضاع الطلاب والتلاميذ وقتًا آخر طويلًا يطلبون العلم ولا يقدرون على ثمنه، وتريد الوزارة أن تعلمهم ولكن بعد أن تأخذ ثمن العلم معجلًا لا نسيئة.

    واستقرت أمور التعليم أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقررت الوزارة إلغاء الإجازة التي تُمنح للمعلمين والمتعلمين في الشتاء، فقرر الطلاب والتلاميذ أنهم سيمنحون أنفسهم هذه الإجازة وإن كرهت الوزارة. وهمَّت الوزارة أن تقاوم ولكنها استسلمت آخر الأمر، وضاع على الطلاب والتلاميذ أسبوعان. ثم لم يكادوا يستأنفون الدرس حتى أظلهم الصيف، فدُفعوا إلى امتحان لا أدري كيف كان ولا أعرف كيف نفذوا منه؛ لأني لا أعرف فيمَ امتحنوا وهم لم يكادوا يتعلمون شيئًا؟! وينقضي الصيف وتتهيأ المعاهد للتعليم، ويتهيأ الطلاب والتلاميذ للاختلاف إليها، وتبذل الأسر ما تملك وما لا تملك من الجهد لتدبر ما يحتاج إليه هذا كله من المال. ولكن الوباء يقبل من حيث لا يعلم أحد إلى الآن، فتظل المعاهد مغلقة ويظل الشباب معطلين. ولا يكاد المعلمون والمتعلمون يتهيئون لاستئناف نشاطهم حتى تنشأ أزمات خطيرة لا يجد المعلمون ولا المتعلمون ولا الحكومة ولا الأسر لها حلًّا.

    فالدولة مصرة على أن تبيع العلم، والشعب عاجز عن أن يشتريه، فهذه أزمة. وقد أضاع الوباء وتشدد الدولة في ثمن العلم ثلاثة أشهر على المتعلمين، وأحس الشباب أن برنامج الدراسة أطول من الوقت الذي بقيَ لهم، فهم يطالبون بتقصير هذا البرنامج، وتأبى الوزارة إلَّا إنفاذ القوانين، فيُضرب الشباب ويُضاف إلى الوقت الضائع وقتٌ ضائعٌ آخر.

    ثم يشكو المعلمون في مدارس التعليم الحر ويلحون في الشكوى، فتسمع الوزارة لهم بإحدى أذنيها وتصم عنهم أذنها الأخرى؛ فيُضرب المعلمون ويتعطل المتعلمون، ويقيم المعلمون في المدارس معتصمين بها، وسيهيم الشباب والصبية في الشوارع متسكعين فيها، ويضيع وقت آخر إلى الوقت الطويل الذي ضاع. ولست أدري أتنتهي هذه الأزمات وأزمات أخرى تشبهها في وقت قريب أم في وقت بعيد؟ ولكن المحقق أن الطلاب والتلاميذ قد أضاعوا أو أضاعت عليهم الظروف نصف العام الدراسي، فإذا افترضنا أن نصفه الآخر سيبقى لهم لا تعوقهم عوائق أخرى عن الدرس، فليس من شك في أنهم سيتعلمون أقل مما تعودوا أن يتعلموا، وليس من شك في أن تكوين عقولهم وقلوبهم وأخلاقهم سيتأثر بهذا كله تأثرًا منكرًا خطيرًا. وليس من شك أن الامتحان سيكون بين اثنتين ليس لهما ثالثة: فإما أن يكون امتحانًا جادًّا؛ فترسب الكثرة الكثيرة من الشباب، وأنت تعرف أثر الرسوب في حياة الشباب وأسرهم. وإمَّا أن يكون الامتحان هازلًا فيضيع الناجحون والراسبون جميعًا.

    وكذلك ضاع العام الماضي على الشباب، ويريد هذا العام أن يضيع عليهم أيضًا، وليس أخطر على الشعب من أن يضيع على صبيته وشبابه عامان من أعوام الدرس والتحصيل. وقد لا نحسُّ نحن من آثار هذا الخطر إلَّا أيسرها، وقد لا نحسُّ منها إلَّا فراغ الشباب وتبطله وتعرضه لما في الفراغ والتبطل من آفات تتصل بالأجسام والعقول والأخلاق جميعًا.

    ولكن انتظر بهذا الجيل أعوامًا، وانظر إليه حين يذهب إلى الجامعة وحين يخرج منها، وحين يستمع لدروسه غير مهيأ لفهمها، وحين يحتمل تبعات الحياة غير مهيأ لاحتمال هذه التبعات، وقدِّر نتائج هذا كله في حياة الشعب ومستقبله وفيما ينتظره من المشكلات.

    لست أدري، أيفكر المشرفون على أمور التعليم في هذا كله، أم يشغلون بهذه السخافات التي يشغل بها الموظفون عادة؟ وإذا كانوا يفكرون في هذا كله، ويقدرون نتائجه وآثاره وخطره على الحياة المستقبلة للشعب، فهل تراهم يرضون عن أنفسهم ويطمئنون إلى سياستهم، وينامون ملء جفونهم؟ أم هل تراهم قلقين وجلين تؤنبهم ضمائرهم إذا أمسوا، وتصور لهم ضمائرهم هول هذا المنكر فيما يلم بهم من أحلام الليل!

    لم يكن من الضروري أن يذعن وزير المعارف لشهوة صدقي باشا حين أضاع على الطلاب والتلاميذ شهرين، لا لشيء إلَّا أنه كان يريد أن يفاوض الإنجليز على رغم الشعب، وإنما كان الحق على وزير المعارف وأعوانه إذ ذاك أن يحزموا أمرهم ويخلوا بين العلم والمتعلمين، ويمتنعوا على شهوة صدقي باشا مهما يكن حظها من الجموح. ولم يكن من الضروري، وليس من الضروري أن تتشدد الدولة في بيع العلم، حتى ينتهي هذا التشدد إلى إضاعة الوقت وتعطيل الدرس وإذلال الناس وإفساد الأخلاق وإهدار جيل من أجيال المصريين.

    ليس من شك في أن هناك ضرورات لا سبيل إلى اتقائها، فليس يطلب إلى وزارة المعارف أن تفتح معاهد العلم أثناء الوباء، فوزارة المعارف ليست مسئولة عن الوباء، وإنما هناك وزارة أخرى تُسأل عنه وتُلام فيه، وهناك نظام اجتماعي يُسأل عنه ويُلام فيه. ولكن من الحماقة وقصر النظر إذا أضاع الوباء على الشباب شهرين ألَّا تسلك وزارة المعارف كل طريق حتى لا يضيع على الشباب يومٌ أو بعض يومٍ. ولكنا ننظر فنرى ويا شرَّ ما نرى! نرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون ثمن العلم، ونرى شبابًا يُردُّون عن المدارس؛ لأنهم لا يجدون المعلمين، ونرى شبابًا يمتنعون عن المدارس؛ لأنهم يشفقون من طول البرنامج وعسر الامتحان، ونرى وزارة المعارف لا تشغل نفسها بالتعليم، وإنما تشغل نفسها باتقاء المعلمين والمتعلمين جميعًا!

    فوزارة المعارف في هذه الأيام ليست مشغولة ببرامج التعليم ونظمه وكتبه وتيسير وسائله وأسبابه وترقية مادته وطرائقه، وإنما هي مشغولة بدعاء الشرطة لحمايتها وحماية معاهدها من المعلمين والمتعلمين الذين يتظاهرون ويضربون أو يعتصمون. وكذلك تشغل وزارة التعليم بنفسها عن التعليم، وكذلك يصل الاضطراب إلى آخر شيء يمكن أن يصل إليه الاضطراب والفساد، وهو تربية الشباب وتنشئة الجيل الذي سيتلقى التبعات وينهض بالأعباء العامة بعد وقت يقصر أو يطول.

    وزارة المعارف في حربٍ متصلة مع المعلمين والمتعلمين جميعًا، على حين أنها إنما أنشئت لتعين المعلمين والمتعلمين جميعًا، لا لتكون عليهم حربًا ولا ليكونوا لها عدوًّا.

    ويجب أن يُقال الحق مهما يكن مرًّا بغيضًا، فتبعة وزارة المعارف في هذا النكر أقل جدًّا مما يظن الذين يخاصمونها؛ لأن وزارة المعارف ليست هي التي أرسلت صدقي باشا إلى لندرة، وليست هي التي أغرته بتعطيل التعليم، وليست هي التي تتشدد في بيع العلم، وليست هي التي دعت الوباء، وليست هي التي تضطر المعلمين إلى الحياة السيئة التي يحيونها. وإنما المسئول عن هذا كله هو النظام الاجتماعي الذي يجب أن يمسَّه الإصلاح من جميع جوانبه، والنظام السياسي الذي يجب أن يتغير من جميع جوانبه أيضًا.

    النظام الاجتماعي هو الذي أعجز الأسر عن شراء العلم لأبنائها، وهو الذي أرسل الوباء إلى مصر كلها، فأضاع ما أضاع من الوقت على المتعلمين كما أضاع ما أضاع من الجهود والنفوس والأموال على المصريين.

    والنظام السياسي هو الذي أغرى صدقي باشا بعبثه ذلك السخيف، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على أن تبيع العلم بيعًا، وهو الذي يُكره وزارة المعارف على ألَّا ترضي المعلمين، وعلى ألَّا تُتيح لهم أيسر الحياة الكريمة التي تنبغي لمن يُكلَّف تنشئة الأجيال.

    لو صلح النظام الاجتماعي لما عجزت الأسر عن دفع أجور التعليم، بل لما احتاجت الأسر إلى دفع أجور التعليم. ولو صلح النظام الاجتماعي لما تعرضت مصر للوباء. ولو صلح النظام السياسي لما تحكم صدقي باشا وأشباهه في حياة الشباب. ولو صلح النظام السياسي لفرض البرلمان على وزارة المعارف أن تبيح التعليم بغير أجر لكل المتعلمين. ثم لو صلح النظام السياسي والاجتماعي لما كانت هذه التفرقة المنكرة المخزية بين معلمين ومعلمين، وبين متعلمين ومتعلمين.

    فمما يؤذي القلوب ويحزن النفوس ويخزي مصر، أن يكون المعلمون الساخطون أكثر من المعلمين الذين لا يرضون إلَّا كارهين، وأن يكون المتعلمون المشردون أكثر جدًّا من المتعلمين الذي يُضربون عن التعليم.

    نعم، فساد النظام الاجتماعي والسياسي هو أصل الشر ومصدر البلاء، وقد يكون هناك فساد آخر ليس هينًا ولا قليل خطر: وهو فساد يتصل ببعض الأخلاق. فلو قد استطاع بعض الوزراء وبعض كبار الموظفين من رجال التعليم أن يقولوا لا وأن يطالبوا بالإصلاح أو يستقيلوا، لاستطاعت مصر أن تُجنب شبابها شرًّا كثيرًا. فأمَّا والنظام الاجتماعي والسياسي من الفساد بحيث هما الآن، فأمَّا وأخلاق الوزراء وكبار الموظفين من الضعف بحيث هي الآن؛ فقد ينبغي لمصر أن توطِّن نفسها، لا على أن يضيع من أجيالها جيل أو جيلان، بل على أن تضيع أجيالها كلها حتى تعمد إلى الإصلاح جادة لا هازلة.

    مشكلة اللغات الأجنبية
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

    هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

    الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

    الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

    بيت آخر
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٨ يناير ١٩٤٨

    وهذا بيت آخر تحفظه الأجيال من تلاميذ المدارس، لا تستطيع أن تُفلت منه أو تجد من حفظه مهربًا، وهي من أجل ذلك تنساه أو تحاول أن تنساه حين تتقدم بها السن قليلًا؛ لأنه يذكِّرها بالمدرسة ويردُّها إلى دروس النحو ويُحضر أمامها صورًا مختلفة للمعلمين الذين يتخذون العمائم أو الطرابيش والثياب الضيقة أو الثياب الواسعة، والذين ينطقون في لهجة المتأنقين المتحذلقين أو في لهجة المتحفظين المتزمتين، والذين يُعربون ويعلِّمون التلاميذ كيف يعربون قول الشاعر:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب

    ولست أظن أن مصريًّا يحسن القراءة والكتابة، وقد مرَّ بمدرسة من المدارس الابتدائية الأميرية أو الحرة، يستطيع أن يقول إنه لم يلقَ هذا البيت في طريقه أثناء الدرس، ولم يشقَ بحفظه وتكراره وإعرابه، فهو من أبيات النحو الابتدائي التي يرويها المعلمون لتلاميذهم مثلًا وشاهدًا على أن الفعل المضارع ينصب إذا اقترن بفاء السببية بعد أداة من أدوات التمني أو الرجاء. وكنَّا في أيام الصبا نشقى بهذا البيت وأمثاله حين كان المعلِّمون يزعمون لنا أن بين الفعل والفاء «أن» مضمرة لا تستطيع أن تظهر. ومنَّا من كان يسأل نفسه: ما الذي يمنعها من أن تظهر؟! ومنَّا من كان يذهب في هذا الإضمار والاستتار مذاهب مختلفة ويلتمس لها عللًا متباينة، ولكننا لم نكن نفهمه على كل حال. فكان البيت مع ذلك يعجبنا ويرضينا؛ لأنه قريبٌ من أفهامنا، يسيرٌ على أذواقنا، لا نجد في ألفاظه ولا في معانيه مشقةً ولا جهدًا، نحفظه في غير عسر، وننشده في غير تكلف، ونفهمه في غير عناء، ونعجز مع ذلك عن فهم ما كان المعلمون يقولون لنا من استخفاء «أن» هذه بين الفاء والفعل، وحرصها على ألا تظهر أو عجزها عن أن تظهر.

    ولست أظن أن مثقفًا مرَّ بالمدارس الابتدائية يستطيع أن يذكر هذا البيت دون أن تظهر على ثغره ابتسامة خفيفة سريعة؛ لما يذكر من عناء المعلمين في الإفهام وعناء المتعلمين في الفهم، وشقاء أولئك وهؤلاء بهذا الحرف المضمر المستخفي في غير حاجة إلى الإضمار ولا إلى الاستخفاء.

    وكثير من الناس الذين تقدمت بهم السن، وشقَّت عليهم حياة الكهول وحياة الشيوخ، وأدركهم هذا الضعف الجسمي والنفسي الذي يحول بينهم وبين آمال الشباب ولذاته، ولا يبقى لهم من تلك الآمال وهذه اللذات إلَّا ذكريات مختلفة، ولكنها حزينة تثير في نفوسهم اللوعة على ما فات واليأس مما هو مقبل، والأسف على أنهم لا يستطيعون أن يستقبلوا من أمورهم ما استدبروا، وأن يستأنفوا من آمالهم ولذاتهم ما مضى، فلم يبقَ إلى استدراكه من سبيل.

    فهم يتحدثون بما أبلوا في هذا الموقف أو ذاك من مواقف الفرح والمرح والنشاط، ويعجزهم عن أن يبلوا هذا البلاء وعن أن يقفوا هذا الموقف وعن أن يداعبوا أملًا أو يصيبوا لذةً أو يحاولوا نشاطًا؛ تقعد بهم السن ويردهم الضعف عن كل ذلك، فهم لا يستطيعون إلَّا أن يذكروا ويتفكروا ويحزنوا على أنفسهم، ويقولوا في هذه اللهجة البائسة اليائسة:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    وهم واثقون في حزنٍ يائس أو يأسٍ حزين بأن الشباب لن يعود في يوم من الأيام، وبأنهم لن يخبروه مما فعل المشيب بقليل أو كثير. وما أكثر ما يودون لو عاد إليهم الشباب أو الصبا، ورأوا أنفسهم جالسين في فصول المدارس الابتدائية أو الثانوية قد أقبلوا على المعلم أو أعرضوا عنه، وهو يفسر لهم معنى التمني والرجاء، ويفسر لهم فاء السببية وواو المعية، ويدلهم على مكان «أن» هذه المضمرة المستخفية التي لا تستطيع ولا ينبغي أن تظهر لا في شعر ولا في نثر؛ لأن النحو قد فرض عليها أن تستخفي في شيءٍ كثيرٍ من الاستحياء، بحيث يفترض وجودها أو يقطع بوجودها دون أن تراها العين حين تقرأ، ودون أن تحسَّها الأذن حين تسمع، ودون أن ينطق بها اللسان حين ينشد. قضيَ عليها أن تحضر وهي غائبة، وأن تغيب وهي حاضرة، وأن تكون أشد استخفاء واستحياء من صاحبة بشار تلك التي يقول فيها:

    صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولكني أذكر هذا البيت وأذكِّر به الذين حفظوه ثم نسوه، وهم يودُّون لو عادوا إليه أو عاد إليهم لمعنًى لم يخطر لصاحبه حين أنشأه، ولم يخطر لأحد من قرائه ورواته حين ينشده، ولم يخطر للمعلم حين يفسره ولا للمتعلم حين يشقى بتأويله وتعليله، وهو معنى الندم.

    الندم، لا على ما فات من لذات الشباب المادية والمعنوية، ولا على ما ضاع من الآمال والمآرب، ولا على هذا النقص الذي يصيب الكهول والشيوخ حين تتقدم بهم السن، فيعجزون عما كانوا يقدرون عليه حين كانوا يستقبلون الحياة باسمين لها، وحين كانت الحياة تستقبلهم باسمةً لهم، بل على آمال تحققت وقد كان ينبغي لها ألَّا تتحقق، ومآرب قضيت وقد كان ينبغي لها ألَّا تقضى، ومنافع أُدركت وقد كان ينبغي لها ألَّا تدرك؛ لأن في تحقق تلك الآمال نقصًا من نفوسهم، ولأن في قضاء تلك المآرب غضًّا من أقدارهم في أنفسهم وفي أنفس الناس، ولأن في إدراك هذه المنافع ضررًا أي ضرر يصيبهم في أنفسهم ويصيب مواطنيهم في أوطانهم، ولأنهم خطوا حين حققوا تلك الآمال وقضوا تلك المآرب، وأدركوا هذه المنافع خطواتٍ حاسمةً لا سبيل إلى تداركها ولا إلى إصلاح ما نشأ عنها من السيئات والآثام.

    انظر إلى ذلك الشاب الذي كان في طور الشباب جذوة من نار، لا يرضى عن شيء ولا يرضى بشيء، وإنما هو ساخط دائمًا طامح دائمًا ناظر دائمًا إلى أمام، مُستَخِفٌّ بما حوله من الأشياء، وبمن حوله من الناس. يرى أن الشيوخ والكهول قد رضوا بالقليل وقنعوا بما لا يقنع به الرجل الكريم، واطمئنوا إلى ما لا يطمئن إليه أصحاب الأنفة والإباء؛ فهو ثائر على الشيوخ والكهول، طامع في أن يجدد كل شيء، وفي أن يثب بنفسه وبوطنه إلى ما لم تستطع الأجيال الماضية أن تبلغ من منازل العزة والكرامة والاستقلال.

    وهو من أجل ذلك صريح كأشد ما تكون الصراحة في مخاصمته للقديم وإنكاره للحاضر من حوله، عنيفٌ كأشد ما يكون العنف في مطالبته بالتجديد والتغيير؛ لا يرضى عن السياسة؛ لأنها راكدة خامدة، ولا يرضى عن الثقافة؛ لأنها هامدة جامدة، ولا يرضى عن النظام الاجتماعي؛ لأنه ظالم جائر. وهو لا يطمئن إلَّا إذا خرجت السياسة عن خمودها وركودها ونشطت أعظم النشاط، فضمنت للمواطنين حريتهم في وطنهم، وضمنت لهم حريتهم بالقياس إلى الأجنبي المحتل الغير، ودفعتهم بهذه الحرية إلى أن يجدوا ويعملوا في غير تقصير ولا قصور، لا يبلغون منزلة إلَّا سعوا إلى منزلةٍ أسمى منها، ثم هو لا يرضى عن الثقافة حتى تخرج من همودها وجمودها، وحتى تمتلئ القلوب والعقول علمًا وأدبًا بعد أن مُلئت جهلًا وغفلةً وبلادةً وذهولًا!

    وهو لا يؤمن للنظام الاجتماعي حتى يمسه الإصلاح من جميع جوانبه، فتمتلئ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، ويطعم الجائع ويكتسي العاري، ويصح المريض. كأنه جذوة مضطرمة من نار، يضيق بالسياسة الراكدة والثقافة الجامدة والنظام الاجتماعي الجائر، ويريد أن يتغير من حوله كل شيء. ثم هو الآن وزير أو شيء يشبه الوزير، قد أصاب من المال والمنصب والجاه ما أرضاه، وكان الظن به ألَّا يرضى، وما أغناه وكان الظن به ألَّا يغنى، وما أقنعه وكان الظن به ألَّا يقنع.

    فهو راضٍ عن السياسة مهما يكن حظُّها من الركود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الركود إمعانًا؛ لأن نشاطها يضره ولا ينفعه. وهو راضٍ عن الثقافة مهما يكن حظُّها من الخمود، بل هو حريصٌ على أن تمعن في الخمود إمعانًا؛ لأن اضطرام جذوتها يؤذيه ولا يرضيه. وهو راضٍ عن النظام الاجتماعي وإن تهافت الناس من حوله في الموت جوعًا وبؤسًا كما يتهافت الفراش في النار، لا يعنيه أن يمسه نار الإصلاح من أي طرف من أطرافه؛ لأن تطور النظام الاجتماعي إلى العدل لا يتيح له ما يتمنى من اجتماع المال إلى المال وتكدس الثراء إلى الثراء، وثق بأنه لا ينشد ولا يحب أن ينشد ولا يحب أن يسمع هذا البيت:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

    لأنه يشفق إن عاد إليه الشباب أن يلومه أشنع اللوم وأبشعه، وأن يظهره من التناقض بين حياته الأولى وحياته الأخيرة على ما يقض مضجعه وينغص عليه حياته تنغيصًا، وبماذا تريد أن يخبر الشباب إذا عاد إليه؟ أيخبره بأنه كان يحب الحرية ثم أصبح يؤثر عليها الاستبداد؟ وكان يحب الثقافة فأصبح يحب مكانها الجهل؟ وكان يحب العدل فأصبح يفضل عليه الجور؟!

    وذلك الشاب الذي لم يكن يحفل بسياسة ولا بثقافة ولا بعدل؛ لأنه لم يكن يفكر في الشئون العامة، وإنما كان مقبلًا على العلم للعلم، وعلى الفنِّ للفنِّ، وعلى الأدب للأدب، لا يعنيه إلَّا أن يمعن في المعرفة وينتج يومًا ما من الأيام ما ينفع الناس ويرضي حاجته هو إلى الإنتاج. ثم ينظر ذات يوم فإذا ظروف الحياة قد دفعته إلى منصب من المناصب، وعمل من الأعمال العامة، فألقى بينه وبين العلم والفن والأدب أستارًا صفاقًا، لا سبيل إلى رفعها ولا إلى النفوذ إلى ما ورائها. ماذا تريد أن يقص على الشباب إن عاد إليه؟! أتريد أن يقص عليه أنه يؤثر الجهل على العلم، وغلظ الذوق على رقته، وكدر الطبع على صفائه؛ لأن المناصب والأعمال والأموال لا تحب العقول العالمة، ولا الأذواق الرقيقة ولا الطباع الصافية إلَّا قليلًا؟!

    كنت أتمنى أن يغري اللَّه بجماعة من هؤلاء الشيوخ جماعة من تلك الهواتف التي تتحدث بها الأقاصيص، فلا يقبل أحدٌ من هؤلاء الشيوخ على نومه حين ينام، ولا يقظته حين يستيقظ، ولا على عمله حين يعمل ولا على كسله حين يكسل، إلَّا سمع هذا الهاتف يلقي في أذنه بصوت يبلغ أعماق نفسه فيهزُّها هزًّا ويملؤها حزنًا وندمًا:

    ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب!

  • ثلاثون عامًا: الذوق والتجديد الأدبي | Thirty Years on Taste and Literary Renewal

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.

    قيود وأغلال
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    فبراير ١٩٣٠

    أراد كليمنصو في أول هذا القرن أن يُصوِّر عَبثَ الناس بعضهم ببعض، وخداعهم بعضهم لبعض، وما
    يصطنعون في صلاتهم الخاصة والعامة من ضروب النفاق والغش والتضليل، فوضع قصة تمثيلية من فصل واحد
    سماها «نقاب السعادة»، ووُفِّق إلى الإجادة فيها كل التوفيق، فأدرك الغرض الذي كان يرمي إليه في
    رشاقة لفظ، وحلاوة أسلوب، وخفة روح، وبصر بحاجات الناس ومقدرتهم على احتمال الحق وإساغته، ولكنه
    مع هذا كله لم يظفر برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، ولعله تعرض للسخط والهزيمة، ولعله أوشك أن
    تُنال قصته بالأذى؛ فقد مُثِّلت هذه القصة في سنة ١٩٠٠م في بعض ملاعب باريس فلم يحفل الناس بها،
    ولم يُثنِ عليها النقاد إلا ثناء يسيرًا مصدره في أكبر الظن مكانة الكاتب في الأدب والسياسة
    والاجتماع.

    ثم مُثِّلت بعد ذلك بعشر سنين، فلم يكن حظها في المرة الثانية خيرًا من حظها في المرة الأولى،
    ونشرتها في هذه الأيام مجلة اللاللستراسيون بمناسبة موت كليمنصو، وما نظن إلا أن الناس
    سيقرءونها في فُتورٍ كما شهدوا تمثيلها في فُتورٍ.

    وآية ذلك أن مجلة اللاللستراسيون تركتها ثلاثين سنة ولم تنشرها إلا بعد أن مات صاحبها، مع
    أنها تنشر من القصص التمثيلية الجيد والرديء، والقَيِّم والسخيف، ومع هذا فقد احتاط كليمنصو في
    قصته احتياطًا كثيرًا؛ فزعم أن حوادثها تقع في الصين، لا في باريس ولا في فرنسا ولا في أوروبا،
    ولا في بلد من هذه البلاد التي تتصل بالفرنسيين اتصالًا قريبًا أو بعيدًا، واتخذ الرمز سبيله في
    هذه القصة، فلم يصارح الناس بأنهم منافقون أو مخادعون، ولم يعرض لنظام بعينه من نظمهم السياسية
    والاجتماعية، وإنما تصور رجلًا من أغنياء الصين وأشرافها كُفَّ بصرُه، فاحتمل محنته هذه سعيدًا
    مغتبطًا؛ لأنه لم يكن يحس من حوله إلا إخلاصًا ووفاءً، وعناية به وحرصًا على إرضائه.

    كان يحس من أصدقائه مودة لا تشبهها مودة، وكان يحس من ابنه برًّا لا يقاربه بر، وكان يرى زوجه
    المثل الأعلى للعفة والوفاء والإخلاص على جمالها الجسمي والنفسي.

    وكان شاعرًا بارعًا في الشعر، وقد عرض عليه بعض الأطباء الأوروبيين أن يرد إلى عينيه ملكة
    الإبصار، فقبل على شكٍّ شديد وتردد كثير؛ لأنه لا يثق بالأوروبيين ولا يطمئن إليهم، وتحدَّث إلى
    صديق من أصدقائه في ذلك فشاركه في الشك، وحذره الأوربيين؛ لأنهم جنود الشيطان، على أنه قبل عرض
    الأوروبي مستيئسًا، وكتم قبوله هذا عن أكثر من يليه من الناس.

    ونحن نراه في أثناء القصة سعيدًا مغتبطًا يتغنى بما قدمنا من وفاء أصدقائه له، وبر ابنه به،
    وتضحية امرأته في سبيله، ونراه مستمتعًا بحظه من السعادة حتى إنه ليحب أن يشاركه فيه الناس
    جميعًا، ويدخل عليه بائس قد قُضِي بنفيه وهو يسير إلى منفاه ذليلًا مهينًا يعذبه الجوع، فيعينه
    بالمال والكسوة مُتَعرِّضًا بذلك لسخط الحكومة.

    وقد أراد الله أن يتم عليه نعمته، وينتهي به من السعادة إلى أقصاها، فيصل إليه رسول
    الإمبراطور يحمل إليه الهدايا والتحف ولقبًا جليلًا؛ لأن الإمبراطور قد اطَّلع على ديوان من
    دواوينه فأكبره، وأمر أن يُقرَأ في جميع أقطار الدولة، وعطف على صاحبه فأجلَّه وكرَّمه
    وأعطاه.

    وصاحبنا ناعم البال، طيب النفس، يشرك أصحابه في سعادته فيشرب ويسقيهم، ويغني لهم لذة العيش،
    وجمال الطبيعة، وبهجة الحياة، ويغلبه الشراب فينام، ويتفرق عنه أصحابه حينًا، ثم يفيق من نومه
    وقد نجع دواء الأوروبي، فسقط عن عينيه النقاب، فهو يرى الأرض والشمس والسماء، ويرى ما حوله وهو
    دهش لهذه المعجزة، وهو لا يكاد يملك نفسه فرحًا واغتباطًا، ولكنه يرى رجلًا يتسلل إلى داره
    ويسرق بعض ما فيها من نقد ومتاع، وهذا الرجل هو البائس الذي أعانه صاحبنا بالمال والكسوة، وتضرع
    إلى الإمبراطور حتى عفا عنه.

    ولكن صاحبنا سعيد، فهو يدع هذا الشقي وما أخذ، على أنه يسمع صوتًا فينهض وينظر في حجرة تليه؛
    فإذا هو يرى ابنه قد أخذ يُقلِّد أباه في حركاته المضطربة، ساخرًا منه، هازئًا به، وأستاذه
    يُشجعه ويذكيه، ثم ينظر فإذا كتاب أمامه لا يكاد يحدق فيه حتى يعرف ديوانه الذي أجازه
    الإمبراطور من أجله، وقد نشره بعض أصدقائه وزعم أنه شاركه في إنشائه.

    فانظر إليه وقد أفسدت كل هذه الأشياء سعادته وغبطته؛ فهذا صنيعته يسرقه، وهذا ابنه يسخر منه،
    وهذا صديقه يخونه في ديوانه، ولكنه على ذلك كله سعيد، فقد بقيت له امرأته، وهو يسرع إلى حجرته
    فإذا هي مغلقة، وإذا هو يحس فيها شيئًا، فإذا استَرَق النظَر رأى امرأته تأثم مع صديق له آخر؛
    فيفقد صوابه أو يكاد، ثم لا يلبث أن يذكر أنه كان مكفوفًا وكان سعيدًا، وأن شفاءه مع هذه الآفة
    إنما هو أثر لذلك الطبيب الأوروبي؛ أليس الأوروبيون جنود الشيطان؟ أليس هذا الأوروبي الذي رد
    إليه البصر قد سحره وخيَّل إليه؟

    بلى، إن كل ما يراه سحر من عمل الشيطان، فلم يسرق البائس، ولم يسخر الابن من أبيه، ولم يخن
    الصديق صديقه في ديوانه، ولم تأثم المرأة في عرضها. كل هذا سحر، ويجب أن يزول، وأي شيء أيسر من
    زواله؟

    لقد كان الطبيب الأوروبي حدَّثه أن قليلًا من دوائه يردُّ البصر، وأن كثيرًا من هذا الدواء
    يذهب به، فما أسرع ما يهوي صاحبنا إلى الزجاجة فيصبها في عينه، وإذا صيحة تتبعها ظلمة منكرة قد
    أسدلت على عيني هذا الرجل فعاد مكفوفًا كما كان! وهو يدعو إليه أصحابه وامرأته فيُقبلون مبتسمين
    عابسين به كما كانوا يعبسون به من قبل، ويتلقاهم هو راضيًا سعيدًا؛ لأنه لا يحس منهم إلا ما
    يحب، وهو يتناول عوده فيغنيهم — كما كان يفعل منذ حين — لذة العيش، وجمال الطبيعة، وبهجة
    الحياة.

    لم تظفر هذه القصة برضا الناس فضلًا عن إعجابهم، وقد تكلف النقاد فعللوا هذا الإخفاق بأن في
    القصة طولًا هو بالخطابة أجدر منه بالتمثيل، ولكن التعليل الصحيح فيما يظهر هو أن هذه القصة لم
    تلائم هذا «الطاغية» الذي يتسلط على الأدب والأدباء في كثير من الأحيان؛ فيفسد عليه وعليهم كل
    شيء. وهذا «الطاغية» هو الذوق العام؛ فليس يكفي أن تنظم الشعر فتجيده، أو تكتب النثر فتحسنه، أو
    تضع القصة فتتقن وضعها لترضي الناس، وإنما يجب مع هذا كله، بل قبل هذا كله أن تُرضِيَ الذوق
    العام، وبعبارة أدق أن تتملق الذوق العام لترضي الناس.

    وليست الإجادة الفنية وحدها، وليست إصابة الحق وحدها تكفي لإرضاء الذوق العام، بل يظهر أن
    شيئًا من تملق بعض العواطف والميول، شيئًا من النفاق الأدبي بعبارة صريحة، ضروري ليرضي الذوق،
    وليعجب الناس. وآية ذلك أنَّا نعجب الآن بطائفة من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة كرههم معاصروهم
    كرهًا شديدًا؛ فأهملوا بعضهم إهمالًا، وآذوا بعضهم إيذاءً، وقضوا على فريق منهم بالموت، فإذا
    التمسنا الأسباب التي اضطرت الناس إلى أن يهملوا هؤلاء الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة، أو يؤذوهم
    أو يقتلوهم، فلن نجد إلا سببًا واحدًا هو النفور بين الشخصيات الفردية القوية ونفوس الجماعات
    وما كان يصورها من ذوق عام.

    هذا المفكر يرى في الدين رأيًا لا يلائم الجماعة فتنكره ثم تقاومه، ثم تؤذي صاحبه إيذاء يلائم
    مزاجها من جهة، ومقدار ما بينهما وبين هذا الرأي من التنافر من جهة أخرى.

    وهذا الشاعر أو الكاتب يذهب في الفن الشعري أو النثري مذهبًا جديدًا فتنكره، ثم تقاومه مقاومة
    تختلف قوة وضعفًا باختلاف مزاج الجماعة وما بينه وبين المذهب الجديد من تنافر.

    بعض الكُتَّاب والشعراء والمفكرين يؤثرون الراحة والعافية فيُماشون الجمهور، ويظفرون برضاه،
    وبعض الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة يؤثرون شخصياتهم أول الأمر، فإذا أحسوا مقاومة الجمهور ضعفوا
    وأذعنوا إذعانًا تامًّا، أو إذعانًا فيه شيء من المهارة والمداورة.

    أولئك وهؤلاء يتبعون الجماعة، فهم ظلالها، وقليل جدًّا من الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة
    يؤثرون شخصياتهم، فإذا أحسوا مقاومة الناس لم تزدهم هذه المقاومة إلا قوة وشدة، فتكون الحرب
    بينهم وبين الجماعة، وتختلف حظوظهم من الفوز والهزيمة باختلاف الظروف المعاصرة لهم، ولكنهم
    ينتهون في أكثر الأحيان إلى فوز محقق تظفر به آراؤهم ومذاهبهم، بعد أن تذهب أشخاصهم وينساهم
    الناس.

    فأنت ترى أن حرية الأديب أسطورة من الأساطير، وأن من الإسراف والغرور أن يُنظر إليه كما ينظر
    إلى الرجل الذي يستمتع بحرية كاملة أو شبيهة بالكاملة، فقد رأيت في غير هذا الحديث أن الأديب
    مقيد في الإنتاج الأدبي نفسه بمزاجه وطبيعته، فهو لا يقدر على أن ينتج ما تريد، وإنما هو ينتج
    ما يستطيع، وأنت ترى الآن أنه قلما يستطيع إذاعة كل ما ينتجه، وإنما هو مقيد في ذلك بالبيئة
    التي يعيش فيها أو بالذوق العام.

    وأنت تعلم أن هناك سلطانًا آخر يقيد الأديب ويغله في الإنتاج وإذاعة ما ينتج، وهو سلطان
    الحكومة، تهيمن على حماية المظاهر العامة للحياة الاجتماعية؛ كالدين والأخلاق والنظم المختلفة،
    أفبعد هذا كله تذكر حرية الأدباء في الإنتاج والإذاعة دون أن تقترن بهذا الذكر ابتسامة ملؤها
    السخرية والإشفاق؟ ليس الأدباء أحرارًا، وإنما هم مغلولون، ومَن يدري لعل من هذه الأغلال ما
    يحمي الأدباء أنفسهم ويحمي الجماعات من شر كثير؛ فليست الحرية كلها خيرًا، وليست الأغلال كلها
    شرًّا.

    بين الشعر والموسيقى
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١٠ نوفمبر ١٩٣٠

    أعرفُ أنك تحبُّ الغناء وتؤثره على كل شيء، وتستهين في سبيله بكل فن، حتى بأقرب الفنون
    الجميلة إليه، وألصقها به، فأنت تؤثره على المُوسيقى المُجَرَّدة؛ لأنك ترى هذه المُوسيقى أدنى
    إلى اللُّغز والمُحَاجاة، تتحكم فيها شخصية صاحبها، فهي لا تَدُلُّ إلا على ما يُريد، أو شخصية
    سامعها، فهي لا تدل إلا على ما يريد أن يفهم منها.

    وأنت تُؤثِره على الشعر؛ لأنك تراه لغة واضحة، جلية المعنى، قريبة الدلالة، تظهر فيها شخصية
    الشاعر حُرَّةً مُطلقة، تقولُ ما تريد أن تقول، ولا تظهر فيها حرية السامع أو القارئ؛ لأنَّه
    مُضطرٌ إلى أنْ يَفْهَمَ عن الشاعر ما أراد أنْ يعلم من دقائق حِسِّه، ودَخَائل نَفْسِه، دون
    أنْ يذهب به الخيال كل مذهب، ويستطيع أنْ يفهم ما يحب هو أن يفهم مُتأثرًا بحسه الخاص وشعوره
    الفردي.

    أعرف هذا كله، ولكنِّي أعرفُ أيضًا أنك تغلو فيه كل الغلو، وتُسرف فيه كل الإسراف، وأنَّك
    تُخطئ حين تقَدِّر أنَّ الغناء وسط بين وضوح الشعر وغموض الموسيقى؛ لأنه يعتمد عليهما جميعًا،
    يعتمد على الأول في ألفاظه ومعانيه، ويعتمد على الثاني في تلحينه وتوقيعه، ففيه ما يُرضي حاجتك
    إلى الوُضوح، وفيه ما يرضي رغبتك في الغموض.

    وأنت حين تستمع للغناء تتخيل دون أن تضل؛ لأنَّ شعر الشاعر يحول بينك وبين الضلال، ويَعْصِمُك
    من الجورِ عن السبيل، ولكن أليس هذا نفسه يكفي لإقناعك بأنَّ الغناء كما تفهمه ليس شيئًا؛ لأنه
    لا قوام له إلا أن يعتمد على الشعر، ويعتمد على الموسيقى، ومهما تجهد وتتكلف من مَشَقَّة، فأنت
    عاجِزٌ عن أن تتصور غناءً لا شعر فيه ولا موسيقى.

    فأنت حين تُحب الغناء وتؤثره على الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة لا تزيد على أنك تُحب
    الشِّعر حينَ يخضع لقوانين التوقيع والتلحين، أو تُحِبُّ التوقيع والتلحين حين يتناولان الشِّعر
    ويَعْتَمِدَان على صوت المغني.

    وأنا أكره أن أتحدث إليك في فضل الشعر الخالص أو الموسيقى الخالصة، ولكنِّي أُحِبُّ أن يكون
    فهمك للغناء وحكمك عليه أصحَّ بعض الشيء من هذا الرأي الذي تراه، أو قُل إن شئت: إني أحب أن
    تفهم الغناء فهمًا فيه شيء من الدقة، وفيه شيء من الترف العقلي معًا، فما دام الغِنَاءُ وسطًا
    بين الشعر والمُوسيقى، فليس هو في الموسيقى وحدها ولا في الشعر وحده.

    ولولا أن تظن بي الظنون لقلتُ: إنه ليس في شيء منهما، وإنما هو في أنفسنا وأفئدتنا، وما الشعر
    والمُوسيقى والغناء نفسه إلا وسائل تكشف لنا عن هذه المَلَكة الخَاصَّة التي فُطرنا عليها، فليس
    لنا سبيل إلى الحياة من غيرها.

    أُريد أن أقولَ: إنَّنا حينَ نُحِبُّ الشِّعر لا نُحِبُّه لنفسه، وإنَّما نُحِبُّه لأنه يظهر
    لنا من عواطفنا وأهوائنا، وما نجد من ضروب الحس ما تعجز حياتنا العادية عن إظهاره، وكذلك حين
    نُحِبُّ المُوسِيقى نُحِبُّها لأنَّها تُمثل لنا هذه العواطف، وهذه الميول، وهذه الضروب الحسية
    والشعورية التي نجد لذة في الشعور بها والخضوع لسلطانها.

    وآية ذلك أنَّ كل شيء يكشفُ لنا عن هذه الصور من نفوسنا مُحبب إلينا، كريم عَلَينا، نقفُ
    عِنْدَه، ونُمْعِنُ فيه، ونَسْتَزِيدُ حَظَّنا منه، سواء أكانَ من هذه الأشياء التي نَصْنَعُها
    ونتعمدها، ونقصد إليها؛ كالشعر والموسيقى، وكالتصوير ونحت التماثيل، أمْ مِنْ هذه الأشياء التي
    لم نُنْشِئها، ولم نُفَكِّر في إِنْشَائها، ولم نُحاول أن نُصادفها أو نلقاها.

    ألست ترى منظرًا لم تكن تُفكر في أن تراه فتقف عنده وتملأ عينك منه مرة ومرة؟ ألست تسمع صوتًا
    لم تكن تقدر أن تسمعه فتُصغي إليه، وتُطيل الإصغاء، وتملأ أذنيك منه، وأنت لم تبتكر هذا المنظر
    ولم تخترع هذا الصوت، وإنما صادفته مُصادفة، ولقيته من غير حساب ولا تقدير؟ وإلا فما إعجابك
    بالبحر والجبل؟! وما رِضَاك في الغابة المُلتفة والجَنَّة الأنِيقَة؟! ومَا اسْتِمتاعك بغناء
    الطير وصوت الحشرات إذا أظلم الليل وهدأ من حولك كل شيء؟!

    وهل توقيع الموسيقى وشعر الشاعر في حقيقة الأمر إلا تقليد هذه المناظر والأصوات والمَظاهر
    الطبيعية التي نَلْقَاها فتُعْجِبُنا، وتُثير في نفوسنا ما تُثير من لذة هي أدنى إلى الابتهاج
    حينًا، وإلى الابتئاس حينًا آخر، وهي شيء بين الابتهاج والابتئاس في كثير من الأحيان؟

    ليس الغِناء إذن في الشعر، ولا هو في الموسيقى، ولا هو فيهما مُجتمعين، وإنَّما الغِنَاءُ في
    أنفسنا يثيره الشعر وحده، وتُثِيرُه المُوسيقى وحدها في نفوس المترفين الذين أخذوا بحظ موفور من
    رقي العقل، ودقة الحس، ورقة الشعور، ويُثيره اجتماع الشعر والموسيقى بالتوقيع والألحان في نفوس
    أوساط الناس.

    ولست أُخفي عليك أنِّي أتَمَنَّى لك من دِقَّة الحسِّ، ورقة الشعور، والإمعان في الحياة
    العقلية الخالصة ما يُمكنك من أنْ تجد اللذة الغنائية في الشعر الخالص والمُوسيقى المجردة؛
    فإنَّ في ذلك لَذَّة لا تَعدِلُها لذة، واستغناء بالنفس لا تَعدله الكنوز التي لا سبيل إلى أن
    تُقدر.

    وأي لذة تعدل هذه الساعة التي تخلو فيها إلى ديوان من دواوين الشعر، أو مجموعة من مجموعات
    الموسيقى فتقرأ وإذا أنت لا تنتقل من سطر إلى سطر، ولا مِنْ كَلِمَةٍ إلى كَلِمَةٍ، ولا مِنْ
    لَحْنٍ إلى لحن، ولا مِنْ نغمة إلى نغمة، حتى تثور في نفسك العواطف المُختلفة المضطربة، وحتى
    تلتهب في نفسك نيران الشوق إلى الكمال، أو تغمر نفسك راحة الرِّضا والاطمئنان دون أن تكلف أذنك
    الاستماع لإنشاد الشاعر، أو توقيع الموقع، أو غناء المغني.

    وإني لأعرف قومًا لا يبغضون شيئًا كما يبغضون أدوات المُوسيقى وما تُحدث من ضجيج وعجيج، وإنهم
    في الوقت نفسه لأشد الناس كلفًا بالموسيقى وحبًّا لها، ولكنهم يجدون لذتهم الفنية في قراءة
    النَّغم والألحان دونَ الاستماع لها، وإنِّي لأعرف قومًا يثقل عليهم إنشاد المُنشدين وهم على
    ذلك مُترفون في حب الشعر؛ مُوفَّقون في تَخيُّره والحكم على جيده، ولكنهم يؤثرون أن يفرغوا له
    وينقطعوا لقراءته والنظر فيه على أنْ يشغلهم عن جماله الخالص صوت المُنشد، أو غناء المُغني.
    هؤلاء هم المترفون في الفن الذين بلغوا من فهمه وإساغته أن جعلوه فلسفة، ووقفوا منه موقفهم من
    الطبيعة: يتأملون ويعجبون، ويغنيهم التأمل والتفكير عما يحتاج إليه غيرهم من الدلالة
    والتعبير.

    وإذا كان حقًّا أنَّ الغناء في أنفسنا، وأنَّ أنفسنا هي التي تُفيضه على الشعر والمُوسيقى
    وعلى غيرهما من المَظَاهِر الفَنِّية للجَمَال، فليس عَسيرًا أن أُجيبك على ما تَسأل عنه مِمَّا
    يقصد إليه النُقَّاد حين يقولونَ: إنَّهم يَجِدُون غناء في القطعة منَ الشِّعر القَصَصِيِّ أو
    التمثيلي، أو في القطعة من النثر الفني، فهم لا يفهمون من الغِناء هذا المَعْنَى العادي الذي
    يدلُّ عليه اللفظ في مُعجم اللغة، وإنَّما يفهمون منه إثارة ما يَكْمُن في نفوسنا من العواطف
    والميول والأهواء، التي تبعثُ فيها الرضا حينًا، والغضب حينًا آخر، والفرح طورًا، والحزن طورًا
    آخر.

    وليس من شك في أن كل مظهر من مظاهر الفن مثير لشيء من هذه العواطف، باعث إذن على الغناء، فليس
    الغناء — كما يفهمه الناس — إلا إعلانًا لعاطفة نجدها، أو استثارة لعاطفة تضمرها النفوس ولا
    تظهر عليها.

    وإنك لتقرأ الشعر القصصي؛ فإذا انتهى بك الشاعرُ إلى موقف مؤثر من حياة البطل، أو منظر بديع
    من مناظر الطبيعة، أو مظهر رائع من مظاهر الحياة الإنسانية، أحسستَ في نَفسك الحَنان أو
    الإعجابَ أو الرَّوعة، فتغنت نفسك بما أحسست، ولم يبقَ بينك وبين إعلانِ هذا الغناء إلا أمد
    قصير.

    وتستطيع أنْ تقول هذا في كثير من مَواقف القصص التَّمثيلي، شعرًا كانَ أو نثرًا، بلْ تستطيع
    أن تقولَ هذا أمام الصور أو النقش أو التمثال، بل تستطيع أن تقول أمام مظاهر الطبيعة الخالصة؛
    لأنك تجد الغناء في كل شيء، أو بعبارة أدق؛ لأن نفسك تستطيع أن تفيض الغناء على كل شيء.

    ستقول: وإذن فَلِمَ قُسِّم الشعرُ إلى قصص وغناء وتمثيل؟ وما باله لم يكن كله غناء؟! وحري —
    في حقيقة الأمر — بالشعر كله أن يكون غناء، ولكنَّ هذا التقسيم تقسيمٌ تاريخي دعتْ إليه
    المُصَادفة وحدها؛ فقد كانَ الشِّعْرُ في جيل من أَجيال الناس في أول أمره غناء يغلب عليه
    القصص، ثم غناء خالصًا، ثم غِناء يغلب عليه التمثيل، فقُسم هذه الأقسام وسُمي هذه التسمية.
    ولولا هذه المصادفة الصرفة، وأن الناس تأثروا بها بعد الجيل اليوناني، واتخذوها أصلًا وقاعدة؛
    لما عدلوا بالشعر على أنْ يكون غناء خالصًا كله.

    على أنك كما تَجِدُ الغِنَاء في الشِّعر القَصَصِي والتمثيلي، تَسْتَطِيعُ أنْ تَجِدَ
    التَّمثيل في الشعر الغِنَائي والقصصي، فيَكْفِي أنْ يتصور الشاعر القصصي بطلين أو فردين
    يتحاوران، وأنْ يُصور حِوارَهُما تصويرًا دقيقًا قويًّا، حتى يخدعك عن نفسك، ويُخيل إليك أنك
    تسمعهما وتراهما، وتتأثر بما تسمع وترى من أمرهما، وإذا أنت أمَامَ قِطْعَةٍ مِنَ الشعر
    التمثيلي ليست أقلَّ إمْعَانًا في فن التمثيل من القصص التَّمثيلي الذي لا شك فيه، ويكفي كذلك
    أنْ ترى الشاعر المُغَنِّي يتصور شيئًا كهذا، ويُتقن وصفه، ويُحْسِنُ تغنيه، لتجد التمثيل في
    الشعر الغنائي. ولعلك تذكر قصة ابن أبي ربيعة مع صاحبته في رائيته المشهورة:

    أمن آل نُعمٍ أنتَ غادٍ فمُبكِّر غداة غَدٍ أم رائح فمهجر؟!

    وتذْكُر ما كان بينه وبين صاحبته من حِوَارٍ دَقيق رَقيقٍ خَلَّابٍ، ولعلك لا تُخَالِفُني في
    أنَّ هذه القصيدة أقرب إلى أنْ تَكُون قصة تمثيلية صغيرة منها إلى أن تكون قصيدة غنائية عادية،
    وأنت كذلك تستطيعُ أن تجد القصص، بل أنت تجد القصص في الغناء والتمثيل حين يقصد الشاعر المغني
    إلى قصة يتحدث بها إليك، أو حين يقصد الشاعر الممثل إلى قصة يكلف أشخاصه إلقاءها على الجمهور من
    النظارة.

    فالحدود بين القصص والغناء والتمثيل حدود دقيقة في نفسها، ولكنها على كل حال حدود اصطلاحية
    تَواضَعَ عليها الناسُ للتعلم والتعليم، وللتصنيف والتقسيم، فهي إذا قسمت الشعر إلى فنون وفرقت
    بين هذه الفنون؛ فلن تستطيع أن تقسم شعور الناس بجمال هذا الشعر، وتأثرهم بما له من قوة وروعة،
    أو عُذوبة ورِقَّة، أو سِحْرٍ واخْتِلابٍ للعقول، إلى أقسام مُختلفة أو أطوارٍ مُتباينة،
    وإنَّما هو هذا القدر المُشْتَرك منَ الجمال الذي تجده دائمًا في كل آية من آيات الفن مهما تكن
    قصصًا أو غناء أو تمثيلًا، ومهما تكن شعرًا أو موسيقى أو تصويرًا.

    وأنا أعرف أنك ستقرأ هذا الكتاب ضاحكًا له، ساخرًا منه؛ لأنه لن يبلغ منك أن يقنعك بهذه
    الآراء أو يُرضيك عنها، ولكني أعلم أنك تحتمل من الرأي ما لا تَرْضى، وتستطيع أن تقرأ ما لا
    يُقنعك دون أن يُخرجك هذا عن طورك، فاكتم علي هذه الآراء؛ فليس للناس جميعًا ما لك من الصبر
    والاحتمال والحلم على من لا يشاركك فيما أنت فيه من خطأ أو صواب.

    وقد تعودتُ أن أحتمل منك سخفًا كثيرًا؛ فاحتمل مني سخفًا قليلًا، على أني لا أكره أن ألح عليك
    في هذا السخف حتى تُشاركني فيه، وتطمئن معي إليه، إلا إذا كان لك من قوة الحُجَّة على طلبك ما
    يُمكنك من أنْ تعدل بي عن هذا الرَّأي، وأنا مُنتظرٌ كتابًا منك على كل حال.

    الابتكار والتقليد في الآداب
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١ ديسمبر ١٩٣٠
    كان العرب مُجمعين على تقديم امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير في الجاهلية، وكانوا مُجمعين على تقديم الفرزدق وجرير والأخطل في الإسلام، ثُم أجمعوا على تقديم بشار وأبي نواس، ثم على تقديم البحتري وأبي تمام، ثُم على تقديم المُتنبي وأبي العلاء. وليس من شكٍّ في أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء شاعر مُجيد عظيم الحظ من الإجادة أمتع معاصريه، وكثير منهم لا يزال يُمتِّع كثرة النَّاس، وقليل منهم لا يكاد يعجِب الآن إلا الخاصة، ولكنَّ الشيء الذي لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ هؤلاء الشعراء جميعًا غير أبي العلاء لا يكاد نبوغهم يتجاوز أشخاصهم، ولا يكاد ظِلهم يعدوهم؛ فهم مُجيدون، وهم ممتعون، ولكنَّهم لم يوفَّقوا إلى أن يُلهِموا غيرهم أو يثيروا في نفسه الشعر، وكلُّ ما وُفِّقوا إليه هو أن يعجِبوا من سمعهم أو قرأهم، وأن يفتنوا هذا أو ذاك ببيت فيحتذيه، أو أسلوب فيحكيه.

    فأمَّا أن يخطر لأحدهم الخاطر الخصيب الذي يستغله ويستثمره القارئ أو السامع، فذلك شيء لا نكاد نظفر به عندهم، بل لسنا نظفر منه بقليل ولا كثير.

    وإنَّك لتبحث عن أثر امرئ القيس — أو غير امرئ القيس — فيمن عاصره أو جاء بعده من الشعراء، فإذا أنت مُضطر إلى أن تسجِّل أنَّ امرأ القيس أول من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، وهو أول من قيد الأوابد، وشبَّه الخيل بالعُقبان، وأنَّ الشُّعراء قد تابعوه فوقفوا على الأطلال وبكَوْا واستبكَوْا، وقيدوا الأوابد، وشبهوا الخيل بالعقبان؛ وأنَّ النابغة قد اعتذر فأجاد الاعتذار، وحذا حذوه المعتذرون من بعده، وبرع الأعشى في وصف الخمر، وتفوق زهير في المدح، وعلى هذا النحو في الشعراء الآخرين.

    ثم نحن الآن نسخر ممن يتبع امرأ القيس في هذه المعاني، ويسلك سبيله إلى هذه الأغراض. بل قد سخر أبو نواس منذ أحد عشر قرنًا بالذين كانوا يُظهرون تقليد امرئ القيس واتباع طريقته من الشعراء المحافظين؛ وما أرى أننا نرضى الآن عن أبي نواس — مهما يكن مجددًا — بالقياس إلى من تقدمه من الشعراء.

    وإذا أردنا أن نُكوِّن لأنفسنا رأيًا فيه وفي أصحابه، فهو أنَّهم كانوا شعراء مُجيدين في العصور التي عاشوا فيها، ونحن نحب شعرهم لأنَّه يُلائم نفوسنا ويُلائم العصر الذي نعيش نحن فيه الآن.

    وليس للخصومة بين الجديد والقديم في هذه الأيام مصدر إلا أن جماعة يأبَوْن أن يتخذوا هذا الأدب العربي مثلًا أعلى في أغراضه ومعانيه، وفي ألفاظه وأساليبه، وأنَّ جماعة آخرين يأبَوَن أن تنقطع الأسباب بينهم وبينه؛ فيحكونه ويقلدونه مُسرفين في هذا التقليد أو معتدلين، ولكنَّ هناك آدابًا أخرى وشعرًا آخر تُخالف آدابنا وشعرنا أشدَّ المخالفة من هذه الناحية. كانت ممتِعة مُعجِبة في عصورها أشدَّ الإمتاع وأعظم الإعجاب، ثم انقضت تلك العصور وتبعتها عصور أخرى مختلفة متباينة، ولكنَّ هذه الآداب ظلت مصدر الإعجاب والروعة، وأورثت تلك العصور التي جاءت بعدها معانيَ وأغراضًا وفنونًا قالت فيها فأجادت القول، وبلغت أعظم حظٍّ من الإجادة. وما زالت تلك الآداب القديمة حيةً وإنْ ماتت لغتها، مثمرةً وإن بَعُدَ العهد بها، يمضي فلا يزيدها مضيُّه إلا شبابًا وجدة، وتتباين الظروف وتختلف فلا يزيدها تباين الظروف واختلافها إلا نضرة وجمالًا، بل هي تبعث الحياة في النفوس وتبعث النشاط في العقول وتبعث القوة في الشعور، وتخلق أدباء ما كانوا ليوجَدوا لو لم يصل إليهم تراثها الخالد، ماتت لغة تلك الآداب وانقضت عصورها، ولكنَّ النَّاس ما زالوا يحيون عليها ويعيشون بها، ويجدون فيها مصدرًا للعمل والحركة والحياة والإنتاج.

    أكتب هذا وقد فرغت من قراءة قصة تمثيلية حديثة مُثِّلت في باريس أثناء السنة الماضية، وعنوانها «إنڤتريون الثامن والثلاثون».

    ومعنى هذا العنوان أنَّ موضوع هذه القصة قد شغل الشعراء والكُتَّاب الممثلين حتى وضعوا فيه ثمانيًا وثلاثين قصة منذ العصر اليوناني إلى الآن، وكل هذه القصص التي تناولت موضوعًا واحدًا لا يختلف ولا يتغير قد أعجبت من شهدها أو سمعها، ولم يكره أن يرى الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، بعد أن رأى أو قرأ ما سبقها. وأستطيع أن أؤكد لك أنَّ الذين شهدوا هذه القصة الثامنة والثلاثين أُعجبوا بها إعجابًا لا حدَّ له، ومنهم من قرأ ما سبقها من القصص فلم يُسئمه ذلك، ولم يجعل للملل إلى نفسه سبيلًا، ومن يدري لعل كاتبًا آخر يضع القصة التاسعة والثلاثين أو يتم الأربعين، فيجد من النَّاس شغفًا ومن الجمهور والنظارة إقبالًا. وأقول هذا أيضًا وقد فرغت من قراءة قصة أخرى مُثِّلَتْ في باريس هذا العام عنوانها «أستاذ الإنجليزية» هي الأولى في موضوعها وفي أسلوبها، ولكنَّ صاحبها لم يبتكر شيئًا، ولم يزد على أن دلنا على أنَّه قد قرأ شكسبير وأساغه وأحسن الانتفاع به؛ فهو يصور حبًّا مزدوجًا معقدًا يقع في هذه الأيام، ولكنَّه يستعير صوره كلها من تمثيل شكسبير دون أن يأتيَ بشيء من عنده إلا الحركة التمثيلية الحديثة، فأما خواطر الأشخاص والبواعث التي تدفعهم إلى العمل، والمعاني التي تثير في نفوسهم العواطف المختلفة وتدفعهم إلى الأمل حينًا وإلى اليأس حينًا آخر، وتُعقِّد حياتهم وتُسهِّلها؛ فكلها مأخوذة من قصص شكسبير.

    أَفَتَرَى إلى الفرق بين أولئك الشعراء الذين قدَّمت لك أسماءهم وبين الشاعر الذي ابتكر موضوع القصة الأولى وشكسبير الذي ألهم صاحب القصة الثانية؛ أولئك يُعجِبون ليس غير، وهؤلاء يعجِبون ويلهِمون أبدًا. ولست أريد أن أحمد ولا أن أذم، كما أنِّي لا أريد أن أرضى ولا أن أسخط، وإنَّما أريد أن أتخذ هذه المسألة سبيلًا إلى البحث عن أمر يختلف فيه الأدباء ولا يوفَّقون فيه إلى رأي يتفقون عليه، وهو الحد بين المبتكر والمستثمر من الأدباء. فليس من شكٍّ في أنَّ صاحب الموضوع الذي وُضعت فيه هذه القصص التي نيفت على الثلاثين مبتكِر لم يُسبَق إلى موضوعه؛ فله الفضل الأول في ابتكاره، وله الشخصية القوية التي استطاعت أن تُلهم سبعة وثلاثين شاعرًا وكاتبًا، وليس من شكٍّ في أنَّ شكسبير مُبتكِر له الفضل الأول في هذه القصص التمثيلية وما اشتملت عليه من صور قوية خالدة، مكَّنت صاحبنا الحديث من أن يصنع قصته الأخيرة هذه. وليس من شكٍّ في أن الكُتَّاب والشعراء الذين وضعوا قصصهم في الموضوع الأول، والكاتب الذي وضع قصته الأخيرة هذه عيالٌ على ذلك الشاعر اليوناني وعلى شكسبير، أفَتَرَاهم جميعًا مُقلدين أم تراهم جميعًا لا شخصية لهم، ولا حظ لهم من قوة أو براعة؟ فإنْ كان هذا كذاك فكيف ظفروا بإعجاب من قرأهم أو شهد قصصهم في ملاعب التمثيل؟ ومن أين لهم هذا الحظ من الإجادة التي ضمنت لهم هذا الإعجاب؟ وإن لم يكن هذا كذاك فما الحد بين المبتكِر والمقلِّد؟ وما نصيب هؤلاء الكُتَّاب والشعراء من الشخصية الفنية التي تضمن لهم الإجادة دون أن ترقى بهم إلى مرتبة المبتكِر الأول؟

    أما نُقادنا القدماء فلم يطيلوا البحث عن موضوع كهذا؛ لأنَّ أدبنا القديم لم يُهيئ لهم الفرصة ليطيلوا مثل هذا البحث؛ فقد صادفوا شاعرًا أخذ عن شاعر آخر معنًى من المعاني، أو لفظًا من الألفاظ، أو حاكاه في أسلوب من الأساليب، ورأوا الشعراء يترامون بالسرقة ويتقاذفون بالتقليد؛ فاجتهدوا في التفريق بين السرقة والأخذ، وبين من يأخذ المعنى فيزيد فيه حتى يُصبح له صاحبًا، ومن يأخذه فلا يزيد فيه، ومن يأخذه فيفسده بالنقص والتغيير.

    ولَمَّا كان ذلك لا يُصادف في الأدب العربي إلا في البيت أو الأبيات من حين إلى حين، فليس غريبًا أن يكون حظُّه من عناية النُّقَّاد محدودًا، ونصيبه من البحث والتفصيل ضئيلًا يسيرًا.

    وليس الأمر كذلك في الآداب الأجنبية؛ فقد كانت الصلات بين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين أوثق وأشد تعقيدًا من الصلات بين أدبائنا على اختلاف عصورهم.

    وقد كثُر الأدباء وقلَّت الموضوعات فتواردوا عليها عامدين ملحين في هذا العمد لا يحتاطون ولا يتسترون. وكان الشعراء الممثلون من اليونان يعمدون إلى موضوعات الشعر القصصي فينظمون فيها قصصهم التمثيلية، وكذلك كان يفعل الشعراء المغنون من اليونان؛ لا يكره أحدهم أن يعمد إلى موضوع من موضوعات الألياذة فينظم فيه القصيدة الفخمة الرائعة، وجاء شعراء اليونان الممثلون والمغنون فعمدوا إلى التراث اليوناني فاتخذوه موضوعًا لغنائهم وتمثيلهم، وجاء الشعراء المحدثون والكُتَّاب المحدثون فعمدوا إلى هذا التراث اليوناني الروماني فاستثمروه وأجادوا استثماره، وما يزالون في ذلك إلى الآن، وسيظلون فيه إلى غدٍ وبعد غدٍ، وكل أولئك له حظه من الإجادة، بل من التفوق، بل من النبوغ؛ فأنت ترى أنَّهم لم يبتكروا موضوعاتهم، وأنَّ ذلك لم يَحُلْ بينهم وبين التفوق والنبوغ.

    ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر النبوغ على راسين وكورني وموليير وفيكتور هوجو وجيته، وهم جميعًا يستثمرون الأدب اليوناني ويطرقون من موضوعاته ما طرقه اليونان من قبلهم فأجادوا فيه واستقصَوْا حظهم من الإجادة.

    حل هذه المسألة يسير؛ فليس من الحق أنَّ المبتكِر لا يكون مبتكِرًا حتى يخترع موضوعه اختراعًا ويخلقه بعد أن لم يكن، ولكنَّ المبتكِر من يخترع الموضوع، والمبتكِر أيضًا من يأخذ ما سبقه إليه غيره فيجدده ويفيض عليه من شخصيته القوية ما يبعث فيه الحياة والنشاط والشباب، وأنت إذا أردت أن تلتمس أسباب الجودة في هذه الآيات البيانية الحديثة التي تتناول موضوعاتٍ طرقها القدماء فأجادوا فيها، لم تستطع أن ترد هذه الأسباب إلى الموضوعات وحدها، ولا إلى شخصيات الكُتَّاب والشعراء وحدهم، وإنَّما هي أسباب مشتركة بينها وبينهم؛ فالموضوعات في أنفسها خصبة حية قابلة للبقاء والتجدد واستئناف النشاط، والشعراء والكُتَّاب أقوياء مهرة لهم من البراعة ما يمكِّنهم من استثارة هذه الحياة الكامنة وهذا النشاط الخفي.

    ولقد كان الأثينيون يسمعون الألياذة فيأخذهم ما فيها من جمال وروعة، ثم يشهدون القصة التمثيلية تُمثِّل الموضوع نفسه فيأخذهم ما فيها من رشاقة وظرف، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع نفسه مرة ثانية، فيخلبهم ما فيها من دقة وتحليل، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع للمرة الثالثة، فيستهويهم ما فيها من تفكير واستكشاف لأسرار النفس الإنسانية ودقائقها.

    فالموضوع الواحد يستطيع إذنْ أن يثير في النفس الإعجاب من نواحٍ مختلفة، وأن يبعث فيها العواطف المتباينة فيدفعها إلى الرِّضَى واللذة، وإلى السخط والألم، وإلى الهدوء والاطمئنان. وإذا كان البيان كما يقول القدماء من نقادنا إنَّما هو القدرة على تصوير المعنى الواحد في صور مختلفة، فليس غريبًا أن يُوفَّق الكُتَّاب والشعراء إلى إعجاب الجماهير ورضاهم إذا صوَّروا لهم الموضوع الواحد صورًا مختلفة، لكلٍّ منها حظه من القوة وظهور شخصية الكاتب أو الشاعر. على أنَّ هناك نوعًا من الاستثمار لا خير فيه ولا غناء، بل هو الشر كل الشر وهو الفتور كل الفتور؛ وذلك استثمار الذين لم تمددهم الطبيعة بحظ من القوة البيانية لما سبقوا إليه؛ فهؤلاء هم المقلدون الذين يفسدون ما يعمدون إليه لأنَّهم لا يستطيعون أن يبعثوا فيه حياة ولا نشاطًا، وإنما يستنفدون ما فيه من حياة أو نشاط.

    في الذوق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٥ أبريل ١٩٤٧

    يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!

    يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!

    ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.

    ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!

    وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.

    فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.

    وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!

    فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!

    وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!

    ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!

    وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!

    وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!

    فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!

    وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!

    عَوْد إلى شكسبير
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٠ سبتمبر ١٩٥٥

    فريقان من الأدباء يختصمان في فرنسا منذ وقت طويل جدًّا لا أدري متى بدأ، ولكني أعلم أني لم أكد أتذوق الأدب الفرنسي حين كنت طالبًا في باريس حتى رأيت مظاهر هذا الخصام، ولم أنس بعد خصومة شغلت الصحف الفرنسية، وشغلت بعض أساتذة الأدب في السوربون وقتًا طويلًا أثناء الحرب العالمية الأولى.

    كان بعض الأساتذة الجامعيين يلقي محاضرات عامة عن جان جاك روسو، وعرض ذات مساء للظروف التي أحاطت بانتقال جان جاك روسو من مذهبه الديني البروتستنتي إلى المذهب الكاثوليكي، وكان بعض الأدباء غير الجامعيين حاضرًا ذلك الدرس، فلما أصبح تناول بالنقد حديث الأستاذ الجامعي في صحيفة «التان»، وكانت في تلك الأيام أرفع الصحف الفرنسية مكانًا، وأنفذها إلى دقائق الأدب والنثر، ورد الأستاذ الجامعي في درسه المقبل على نقد ذلك الأديب، واتصل الحوار بين الأديبين وقتًا غير قصير، واشتركت فيه صحف أخرى غير صحيفة التان. يقول الأستاذ الجامعي في درسه. يَسمَع النُّقَّادُ الأحرار، إن صح هذا التعبير، ثم يجادلون الأستاذ وينقضون عليه آراءه وأقواله في صحفهم.

    وأكبر الظن أن هذه الخصومة بين أساتذة الأدب من الجامعيين وبين الأدباء والنُّقَّاد الأحرار أقدم جدًّا من ذلك الوقت الذي عرفتها فيه.

    والمستقر في نفوس الجامعيين أن أولئك الأدباء والنُّقَّاد الذين يكتبون في الصحف، ويؤلفون الكتب في الأدب والنقد، وتقبل عليهم كثرة ضخمة من القُرَّاء، إنما يكتبون على غير منهج، فيخطئون الصواب في كثير من الأحيان، ويظفرون به في قليل من الأحيان، وهم من أجل ذلك صحفيون وليسوا علماء، وحظهم من الثقة قليل.

    ويرى هؤلاء الأدباء الأحرار أن الأساتذة الجامعيين يسرفون على أنفسهم، وعلى قرائهم وتلاميذهم، وعلى الأدب نفسه حين يخضعون خضوعًا خالصًا لهذه المناهج الجافة الضيقة التي تقتل روح الفن، وتذهب بجماله، وتذوي نضرته، وترده إلى غذاء خشن غليظ قد يرضي المناهج، ولكنه لا يرضي الذوق، ولا يحيي القلب، ولا يروق الطبع الفني الصحيح.

    ***

    وليس أحب إليَّ حين ألقى الأساتذة الجامعيين للأدب من أن أذكر لهم كتابًا أو مقالًا لهذا الأديب أو ذاك من الأدباء الأحرار، فأثير عند بعضهم سخطًا شديدًا، وغضبًا جامحًا، وفنونًا لاذعة من النقد لا تخلو من فكاهة مرضية، ودعابة مسلية، فإذا لقيت بعض الأدباء الأحرار صنعت معهم نفس الصنيع، وذكرت لهم كتاب هذا الأستاذ أو ذاك عن كاتب عظيم، أو شاعر ممتاز، فأثرت فيهم سخرية حلوة مرة معًا.

    وقد يلتقي أساتذة الأدب وهؤلاء الأدباء الأحرار فلا يختصمون، ولا يثور بينهم الجدال؛ لأنهم يتجاذبون الحديث في كل شيء إلا في الأدب، قد استقر في نفوسهم جميعًا أن بعضهم لن يفهم بعضًا، ومتى استطاع الأحياء والموتى أن يأخذوا بينهم بأطراف الحديث، وأن يفهم بعضهم عن بعض، والأحياء بالطبع هم الأدباء الأحرار الذين لا يتقيدون بهذه المناهج الجامدة الثقيلة التي لا تعرض للون من ألوان الأدب إلا ذهبت بما فيه من حياة وخصب، وردته مجدبًا عقيمًا، ثم تطورت هذه الخصومة منذ أعوام، واتخذت شكلًا آخر لا يخلو من طرافة، فأساتذة الأدب في الجامعات يعنون بشخص الأديب، والظروف التي أحاطت به، والأحداث التي عرضت له، والخطوب التي أثرت فيه، وهم من أجل ذلك يتتبعون أسرار حياته الخاصة، ويحاولون أن يتبينوا تأثيرها في إنتاجه الأدبي، فهم يشغلون أنفسهم بالأدباء أكثر مما يشغلونها بآثارهم الأدبية، يتبعون في ذلك مناهج القرن الماضي، وهم من أجل ذلك يدرسون تاريخ الأشخاص أكثر مما يدرسون آثارهم، وهم يفسدون بذلك عقول الطلاب وأذواقهم، ويصرفونهم عن نصوص الأدب وما فيها من حياة وجمال وروعة إلى أشخاص الأدباء الذين ماتوا وأصبحوا تاريخًا.

    والأدباء الأحرار يرون أن الأدب حي دائمًا، وأن الجمال في النصوص الأدبية الجديرة بهذا الاسم لا يخضع لسلطان الزمان، وإنما هو باقٍ على تتابع العصور، وتعاقب الأجيال، وهو من أجل ذلك جدير أن يشغلنا؛ لأن الحياة القوية التي تشيع فيه لا تلبث أن تتجاوزه إلى عقولنا وقلوبنا وأذواقنا.

    وكذلك يعاب أساتذة الأدب في الجامعات الآن بأنهم يعنون بالتاريخ الأدبي أكثر مما يعنون بالأدب نفسه، وقد ثارت هذه الخصومة من جديد بين الأساتذة الجامعيين والأدباء الأحرار في هذه الأيام، وكان موضوعها وما زال هو ترجمة شكسبير، فقد ترجم شكسبير إلى اللغة الفرنسية مرات كثيرة جدًّا، ترجم منذ القرن السابع عشر، وما يزال يترجَم إلى الآن، تنشر الترجمة ثم لا يمضي عليها وقت طويل حتى تنسخها ترجمة جديدة.

    ***

    وقد تُرجم شكسبير إلى الفرنسية شعرًا ونثرًا، ولكن الترجمة التي ترضي كل المحبين لشكسبير والمكبرين لفنه لم توجد بعد على كثرة ما نُشر من التراجم، وعلى كثرة من شارك في هذه التراجم من أعلام الأدباء الفرنسيين في العصور المختلفة.

    وقد أخذ جماعة من الأدباء الممتازين المعاصرين، وكلهم أو أكثرهم شعراء، في إعداد ترجمة جديدة لشكسبير، وأعلنوا أنهم قد احتفلوا لهذه الترجمة كما لم يحتفل لها أحد من قبل، وأنهم سينشرون هذه الترجمة وينشرون معها النص الإنجليزي الأخير الذي حققه المختصون من الإنجليز بأدب شكسبير ونشر في كمبريدج. سينشرون النص والترجمة في المجلدات يتبع بعضها بعضًا، بحيث تستطيع أن تقرأ الترجمة الجديدة، وترجع متى شئت إلى النص في الصفحات المقابلة، ولن ترجع إلى النص وحده، بل سترجع معه إلى التعليقات والملاحظات التي سجلها المحققون.

    وقيل في هذا الإعلان: إن هذه الترجمة الجديدة ستصور الروح الحق للشاعر الإنجليزي العظيم، وستكون ترجمة حية لا ميتة كهذه التراجم التي نشرها المتخصصون في الإنجليزية من الأساتذة الجامعيين الذين يتقيدون بالمناهج، ويترجمون ترجمة توشك أن تكون لفظية، ويجهلون ما بين الروح الإنجليزي والروح الفرنسي من التباين والاختلاف.

    ولم يكد أحد الأدباء الأحرار يتحدث عن هذه الترجمة الجديدة في صحيفة الموند حتى ثار بعض الأساتذة الجامعيين، وقال قائلهم أو سأل سائلهم — وهو أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة بوردو: ماذا يريد المترجمون؟ أيريدون أن يظهروا في ترجمتهم الجديدة شكسبير، أم يريدون أن يقنعوا وأن يقنعوه من ذات نفوسهم؛ أي ينفخون فيه من روحهم هم؟ وكيف يستقيم للشعراء وأشباههم من الأدباء الذين لم يتخصصوا في اللغة الإنجليزية، ولم يتقنوا العلم بحقائق هذه اللغة كما اصطنعها شكسبير، كيف يستقيم لهم أن يترجموا هذا الشاعر العظيم ترجمة صحيحة دقيقة مطابقة، إذا لم يستعينوا بأهل الذكر من الجامعيين الذين وقفوا حياتهم على هذا الدرس؟ وكيف يتفق الاعتماد على آخر نص محقق تحقيقًا علميًّا لأدب شكسبير مع الرغبة في تجديده وإشاعة الحياة العصرية فيه؟

    ثم تساءل الأستاذ: ما عسى أن تصور هذه الترجمة الجديدة؟ أتصور شكسبير نفسه وتصور أدبه كما صدر عنه؟ وإذن فليس بد من التزام المناهج العلمية الدقيقة التي تنتج ترجمة صحيحة مطابقة، أم تصور الشعراء الذين يترجمون عن شكسبير؟ وإذن فليست هي بالترجمة الدقيقة للشاعر الإنجليزي العظيم، وإنما هي صورة لأثر هذه الروائع الإنجليزية في نفوس المترجمين وأذواقهم فيها، قليل من روح الشاعر الإنجليزي، وكثير من روح الشعراء الفرنسيين الذين يترجمون أو ينشئون ويزعمون أنهم يترجمون.

    وتشعبت الخصومة، ويظهر أنها ستتشعب إلى فنون من الجدل لا يتسع لها هذا الحديث الذي إنما أمليه لأصور الفرق بين قوم لم يترجم لهم هذا الشاعر العظيم ترجمة مقاربة إلى الآن، وهم مع ذلك زاهدون في ترجمته، راغبون عنها، يثور ثائرهم لأن فريقًا منهم همُّوا بترجمته إلى اللغة العربية، وقومًا آخرين ترجم لهم شكسبير مرات كثيرة جدًّا في صور مختلفة، منها النثر، ومنها الشعر، ومنها النثر الشعري، أو الشعر المنثور، ومثل في ملاعبهم على اختلاف الأجيال وتتابعها، وما يزال يمثل في لغته الأولى أحيانًا، ومترجمًا إلى اللغة الفرنسية على اختلاف التراجم أحيانًا أخرى.

    ثم هم لا يقنعون بما عندهم، وإنما يضيفون التراجم إلى التراجم، بحيث نستطيع أن نقول: إن الفرنسيين لم يعرفوا منذ وصل إليهم أدب شكسبير عصرًا لم تظهر فيه ترجمة أو تراجم لهذا الأدب، وهم مع ذلك لا يكتفون بما أتيح لهم، وإنما يجددون ويضيفون ويختصمون في التجديد والإضافة اختصامًا متصلًا.

    وهم لا يفعلون ذلك بأدب شكسبير وحده، وإنما يفعلونه بروائع الأدب العالمي كله قديمه وحديثه، ثم لا يشغلهم ذلك على كثرته وشقته، وكثرة ما يتكلف من نفقات الترجمة والنشر عن العناية بالعلوم والفنون كأحسن ما تكون العناية، بل لا يشغلهم ذلك عن ترجمة الآثار الأدبية اليسيرة التي ترضي حاجة أوساط الناس إلى القراءة، وتمنعهم من أن يعكفوا على أنفسهم يُجهِّلون العالم الذي يعيشون فيه، بل لا يمنعهم ذلك من أن يترجموا أكثر ما يصل إليهم من هذا القصص المثير الذي يسمونه القصص البوليسي، بل لا يمنعهم كل هذا من أن يكونوا منتجين في فنون الأدب على اختلافها، كما ينتجون في ضروب العلم على اختلافها، وفي الفنون الجميلة على اختلافها أيضًا.

    بل ليس من شك في أن الترجمة نفسها وسيلة من أخصب الوسائل إلى الإنتاج، فهي تغري به، وتدفع إليه، وتيسر النُّجْح فيه، والشعوب العاكفة على نفسها، المعتزلة لغيرها، الجاهلة لما حولها، مضطرة آخر الأمر إلى العقم والجدب، وإلى أن تعيد نفسها وتقول اليوم ما كانت تقول أمس، وتعيش غدًا على ما تعيش عليه اليوم، ويوشك أدبها أن يكون أشبه بهذيان المحموم، يؤذي صاحبه ويؤذي الناس من حوله حين يسمعون له، وإذا قلت: إن الفرنسيين لا يصنعون هذا بشكسبير وحده، لكنهم يصنعونه كذلك بالأدب العالمي كله قديمه وحديثه، فلست أقصر هذا الجهد على الفرنسيين، فالشعوب الحية كلها تصنع صنيع الفرنسيين بالقياس إلى شكسبير وإلى غيره من أعلام الأدب على اختلاف العصور.

    ولقد قرأت في أيام قليلة جدًّا أحاديث أنبأتني بأن شكسبير وكورني وراسين كانوا موضع العناية أخيرًا في يوجسلافيا، حين مُثِّلت بعض آثارهم في مدينة زغرب، وأنا أقرأ اليوم أن الروس أرادوا أن يحتفلوا بزيارة رئيس الوزراء لألمانيا الغربية لبلادهم، فدعوه إلى ملعب من ملاعبهم مُثِّلت فيه قصة من قصص شكسبير تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وهي قصة روميو وجوليت.

    وكانت نفس هذه القصة تمثل أخيرًا في باريس تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وتمثيلًا مسرحيًّا خالصًا أيضًا، ولو قد عُني باحث باستقصاء ما يمثل من آثار شكسبير في أقطار أوروبا أثناء هذا الفصل من فصول العام لأظهرنا على العجب العجاب، ولبين للذين يريدون العلم أن شكسبير وأشباهه من فحول الشعراء الممثلين ما زالوا وسيظلون قوام الحياة الأدبية للشعوب الحية التي تذوق الفن وتقدر الثقافة، ولا يشغلها شأن من شئون الحياة العقلية عن شأن آخر.

    فما أجدر كُتَّابنا الذين يوجهون الشباب أن يقرءوا أكثر مما يقرءون، ويستقصوا أكثر مما يستقصون، وأن يوسعوا آفاقهم ليوسعوا آفاق قرائهم، وأن يأخذوا الحياة بالقوة والجد؛ ليأخذها قراؤها بالقوة والجد أيضًا، ولتعلم الأجيال الناشئة من الشباب أن الحياة العقلية الراقية لا تتاح باللعب، ولا بقراءة الأدب الرخيص الذي يقطع الوقت ويدعو إلى النوم.

    التجديد في الشعر
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٩ أبريل ١٩٥٦

    لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.

    وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.

    لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.

    ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.

    والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.

    ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.

    عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.

    وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.

    جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.

    حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.

    لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.

    فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.

    فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!

    في الذوق الأدبي
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٣ أبريل ١٩٥٧

    كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …

    وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.

    ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.

    ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.

    ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.

    الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.

    المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.

    التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.

    التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!

    الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.

    الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.

    نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.

    المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله.

  • مشاهدة نهاية حرب | Watching a War End

    آمال وأعمال
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٤ يناير ١٩٤٥

    يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.

    وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.

    ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.

    وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.

    فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.

    وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.

    وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.

    وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.

    فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟

    ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.

    هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟

    ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.

    فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.

    ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!

    ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟

    الخطوة الأخيرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١١ يناير ١٩٤٥

    لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.

    وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.

    والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.

    وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.

    وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.

    وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.

    ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.

    وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.

    وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.

    وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.

    والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.

    وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.

    وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.

    كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.

    ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.

    والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.

    وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.

    ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.

    ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.

    وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى.

    العاقبة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٨ يناير ١٩٤٥

    كانت مدينة فارسوفيا أول عاصمة من عواصم الحلفاء احتلتها ألمانيا بعد حربها الخاطفة في سبتمبر سنة ١٩٣٩. وقد أعلن الماريشال ستالين أمس أنها حُرِّرت، وأن الألمان قد أُخرِجوا منها.

    وفيما بين ذلك احتملت مدينة فارسوفيا من الآلام والأهوال والكوارث ما لا يستطيع العقل أن يتصوره، ولا يستطيع القلم أن يُصوِّره. وقد ثارت فارسوفيا غير مرة فقُمِعت فيها الثورة قمعًا عنيفًا، وكان آخر عهدها بالثورة في أغسطس الماضي حين انتصر الحلفاء في غرب أوروبا، وأخذت فرنسا في تحرير نفسها بمعونة حلفائها. في كل ذلك الوقت كان الروس ينتصرون في شرق أوروبا، وهمَّت بولندا أن تسير سيرة حليفتها الغربية فتحرر نفسها بمعونة حلفائها الروس، كما تحرر فرنسا نفسها بمعونة البريطانيين والأمريكيين. وثارت فارسوفيا لتحرر نفسها كما ثارت باريس لنفس هذا الغرض، ولكن الأمر كان يختلف بين فرنسا وبولندا اختلافًا عظيمًا؛ فلم يكن في فرنسا انقسام ولا افتراق ولا تبادل في الأهواء والميول، ولم يكن لفرنسا إلَّا حكومةٌ واحدةٌ هي حكومة الجنرال ديجول.

    أقبل رئيسها من أفريقيا الشمالية فشهد الثورة وشارك فيها، وأشرف على أعمال التحرير من قريب. أمَّا بولندا فقد كانت لها حكومة مقيمة في لندرة متصلة بالشعب البولندي، وكانت لها لجنة تحرير مقيمة في لوبلن متصلة بالشعب البولندي أيضًا.

    وكان الاختلاف بين الحكومة واللجنة واضحًا بعيد المدى، فكان انقسام الشعب البولندي ملائمًا لهذا الاختلاف، وكان من الطبيعي أن يجد تحرير بولندا من المصاعب والعقبات ما لم يجد تحرير فرنسا.

    ولم يكن بين فرنسا وحلفائها خلاف في حقائق الأشياء ودقائقها، فمضت فرنسا إلى غايتها، ومضى معها الحلفاء إلى غايتهم. أمَّا الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، فقد كان الخلاف بينها وبين الحكومة الروسية عنيفًا عميقًا، نشأ قبل أن تُثار مسألة الحدود، ثم أُثيرت مسألة الحدود فازداد سعةً وعمقًا. والناس جميعًا يعلمون أن العلاقات السياسية قُطِعت بين الدولتين قبل أن تُثار مسألة الحدود. وبمقدار ما كان من الاختلاف بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة وحكومة موسكو، كان الاتفاق بين لجنة لوبلين والحكومة الروسية في موسكو.

    فليس غريبًا أن تخفق الثورة البولندية، وليس غريبًا أن تخفق المحاولات الرائعة التي بذلها أهل فارسوفيا ليحرروا عاصمتهم؛ فكل هذا الاختلاف كان خليقًا أن يُضيِّع الجهود، وأن يبعد الشقة بين الخطط التي كان يرسمها الروسيون للحرب، والخطط التي كان يرسمها البولنديون للتحرير.

    ومهما يكن من شك، فقد كان إخفاق فارسوفيا في الصيف الماضي كارثة ليست أقل خطرًا ولا هولًا من احتلال فارسوفيا سنة ١٩٣٩، والناس جميعًا يعرفون الجهود الهائلة التي بذلتها بريطانيا العظمى للتوفيق بين الحكومة البولندية المقيمة في لندرة والحكومة الروسية، ويعرفون أن هذه الجهود قد أخفقت بعد أن كادت تنتهي إلى غايتها. وفي أثناء ذلك عَظُم النفوذ الذي كانت تستمتع به لجنة لوبلين، حتى أعلنت هذه اللجنة أنها أصبحت حكومة مؤقتة، ثم اعترفت بها روسيا، ثم كان هذا الهجوم الهائل الخاطف الذي بدأته روسيا منذ أيام، وإذا هي تكتسح به أجزاء واسعة من أرض بولندا، وتحرر العاصمة، وتحرر مدينة كراكوف ومدنًا وقرًى أخرى لا تُحصى.

    وليس من شك في أن روسيا لم تبدأ هجومها هذا إلَّا وقد استوثقت من حكومة لوبلين واتفقت معها، وتحقق بينها وبين هذه الحكومة والشعب البولندي هذا التعاون الذي لا بدَّ منه لإنجاح الأعمال العسكرية الخطيرة.

    والذي يعنينا الآن هو أن هذا الفوز الذي ظفرت به روسيا أمس قد ردَّ إلى بولندا عاصمتها المجيدة. وأكبر الظن أن هذا الهجوم لن يقف قبل أن يتم تحرير بولندا كلها. فستنقل الحكومة المؤقتة إذن من لوبلين إلى فارسوفيا، وستباشر سلطتها على جميع الأرض البولندية متعاونةً مع روسيا حتى تضع الحرب أوزارها، وستزداد المشكلة البولندية بين الحلفاء بهذا الانتصار وما سيتبعه من النتائج صعوبةً وتعقيدًا؛ فالروسيون هم الذين حرروا بولندا، وحكومة لوبلين هي التي يسَّرت هذا التحرير وأعانت عليه، والروسيون يعترفون بحكومة لوبلين وينكرون الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة لوبلين مستقرة في أرض الوطن، وستنتقل إلى عاصمته وتباشر منها سلطتها الشاملة.

    فهذه هي سياسة الحقائق الواقعة، وسياسة الحقائق التي تؤيدها القوة الساحقة الماحقة، ولكن الحكومة المقيمة في لندن هي التي يعترف بها الحلفاء البريطانيون والأمريكيون وغيرهم من الأمم المتحدة، وهي تعتمد على أنها الحكومة الدستورية، ولها جيوش تعمل في ميادين الحرب المختلفة، فكيف يكون التوفيق بين هاتين الحكومتين البولنديتين من جهة، وبين الحكومة المقيمة في لندرة، وحكومة موسكو من جهة أخرى؟ هذه هي المشكلة الخطيرة التي سيواجهها اجتماع الثلاثة أو اجتماع الأربعة الذي سينعقد في وقت قريب. وليس من شك في أن المارشال ستالين سيشهد هذا الاجتماع، وسيعالج فيه هذه المشكلة وقد ملأ يديه فوزًا وانتصارًا.

    وللسياسة تقلباتها وأطوارها المختلفة المتباينة، ولكن مِن وراء هذه التقلبات، بل فوق هذه التقلبات وحقائقها الواقعة حقائق أخرى معنوية أعظم منها خطرًا، وأبقى منها أثرًا؛ وهي أن الشعب البولندي قد ذاق ألوان العذاب، واحتمل من الخطوب ما يطاق وما لا يطاق، ولكنه صبر وصابر حتى أتيح له الفوز ورُدَّت إليه الحرية، وتأذن الله أن العاقبة دائمًا للصابرين الذين لا يفشلون، ولا يهنون، ولا ييأسون من روح الله.

    وإذا كانت المشكلة البولندية شديدة التعقيد، فإن المشكلة اليونانية لم تُحل بعد، ويظهر أن حلها ليس قريبًا؛ فقد عقدت الهدنة بين الثائرين والإنجليز، ولكنها لم تُعقد بين هؤلاء الثائرين والحكومة اليونانية الجديدة، ويظهر أن الاتفاق بين أولئك وهؤلاء ليس يسيرًا؛ فالثائرون يريدون من الحرية والنظم الاجتماعية ما قد يميل غيرهم إلى مقاومته جهرًا أو سرًّا، والبريطانيون بين أولئك وهؤلاء يريدون أن يجدوا سبيلًا إلى التوفيق، والبرلمان البريطاني يشدد على حكومته في أن تلتزم الحيدة المطلقة على أقل تقدير.

    وآية ذلك هذه المناقشة العنيفة التي اتصلت أمس في مجلس العموم، والتي لم يخلص منها وزير الخارجية إلَّا بإحالة على المناقشات التي ستدور اليوم، والتي سيتكلم فيها رئيس الوزراء، فلننتظر نحن أيضًا هذه المناقشة، على أن هناك مشكلة ثالثة معقدة كمشكلة بولندا واليونان، وهي مشكلة يوجوسلافيا؛ فقد أبى الملك بطرس، ملك هذه البلاد، إقرار الاتفاق بين رئيس وزرائها والمارشال تيتو، وأبى تعيين مجلس الوصاية، ولكن وزراءه خالفوه وأعلنوا أن البلاغ الذي أصدره منكرًا فيه هذا الاتفاق مخالفٌ للدستور؛ لأن الملك لا يستطيع أن يُمضِيَ شيئًا إلَّا إذا أمضاه معه الوزراء والمسئولون.

    فليس إذن الخلاف بين الملك والماريشال تيتو فحسب، ولكنه بين الملك ووزرائه، والوزراء لم يستقيلوا، إنما أقروا رئيسهم على اتفاقه، وأصروا على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد تدخلت الحكومة البريطانية بين الملك ووزرائه، وأكبر الظن أنها ستقنع الملك بقبول ما يعرض عليه. وقد كان بعض النوَّاب البريطانيين يأخذ المستر تشرشل في شيء من الدعابة العنيفة بأنه يغلو في محاباة الملوك على حساب شعوبهم؛ فقد ظهر أن المستر تشرشل سيقيم البرهان لخصومه على أنه لم يتردد في تأييد الشعوب على حساب ملوكها حين تقتضي مصلحة الحرب والسلم والمصالح البريطانية هذا التأييد، فهو قد أقنع ملك اليونان بقبول وصاية البطريرك، وهو يحاول إقناع ملك يوجسلافيا بقبول نظام الوصاية.

    والشيء الذي ليس فيه شك هو أن حوادث السياسة تحدث وتتعقد ويركب بعضها بعضًا، حتى يكاد الناظرون في أمور العالم أن يستيئسوا من حلها، ولكن يدًا خفية تدبر هذه الحلول وتظهرها شيئًا فشيئًا حتى تفرض نفسها على الناس والساسة فرضًا. وهذه اليد الخفية هي يد الحق والعدل اللذين يأبيان إلَّا أن تكون العاقبة للشعوب حين تجاهد وتصبر وتحتمل ما يُصَبُّ عليها من الهول، ثم تريد بعد ذلك أن تجني ثمرة الجهاد، وأن تجنيها كاملةً حلوةً لا يشوبها شيء من المرارة مهما يَقُم في سبيلها من المصاعب والعقبات.

    بين الشرق والغرب
    (١)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ فبراير ١٩٤٥

    من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.

    ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.

    ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.

    وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.

    وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.

    وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.

    وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.

    فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

    وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

    وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.

    وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.

    فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.

    وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.

    لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.

    وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.

    كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.

    ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.

    هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.

    فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.

    وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.

    طبيعة الأشياء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ فبراير ١٩٤٥

    وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

    وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

    وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

    أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

    وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

    ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

    وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

    وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

    وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

    وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

    فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

    وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

    ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

    وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

    وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

    ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

    وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

    وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

    وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

    وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

    وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

    متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ

    ماذا؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ فبراير ١٩٤٥

    يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

    ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

    وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

    أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

    فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

    وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

    ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

    وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

    أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

    وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

    هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

    وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

    وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

    وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

    وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

    هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

    ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.

    الغد
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.

    كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟

    وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.

    وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.

    وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.

    وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.

    وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.

    فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.

    فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.

    وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.

    وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.

    أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.

    فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.

    وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.

    ماذا نريد؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ مارس ١٩٤٥

    يُقال: إن شئون السياسة الخارجية قد أصبحت في هذه الأيام من الأمور ذات الخطر التي لا ينبغي لقادة الرأي أن يهملوا تنبيه الشعوب إليها، وتبصيرها بما قد يكون فيها، مما يؤثر في مستقبلها القريب أو البعيد تأثيرًا لا يمكن استدراكه إلا بعد الجهد والعناء، وكثير من التضحيات التي يمكن أن تتقى إذا استقبلت الشعوب أمرها عن بصيرة وروية، إذا تحدث إليها قادتها، وساستها في صراحة وصدق وإخلاص.

    والذين يقولون هذا يستدلون عليه بهذه الأحاديث الكثيرة المتصلة التي تجرى في شعوب الدول الكبيرة والصغيرة على السواء. فالأحاديث عن مؤتمر سان فرانسيسكو لا تنقطع في إنجلترا وأمريكا، وفي البلاد الأوروبية المحررة التي تصل إلينا أنباؤها في شيء من النظام. وليس أدل على ذلك من بعض الأنباء التي نشرت صباح اليوم عن عناية الخطباء الأمريكيين بالترويج لمؤتمر سان فرانسيسكو في المدن والقرى، وفي بيئات الطلاب والتلاميذ، ومما يذيعه الراديو الفرنسي في كل يوم من الأحاديث التي يراد بها تبصير الشعب الفرنسي بما سيدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو من المشكلات، وإقناعه، وإقناع الشعوب الأخرى بما اتخذته الحكومة الفرنسية من موقف حين قررت أنها لا تريد أن تتقيد بشيء من التعهدات إلا عن بصيرة ودرس واقتناع. وقد بالغ الفرنسيون في ذلك حتى ظنت بهم الظنون، وحتى اضطر سفيرهم في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ينفي ما تلهج به بعض البيئات السياسية من أن فرنسا تريد أن تقود البلاد المحررة في معارضتها للدول الثلاث الكبرى.

    وليس أدل على ذلك أيضًا مما نشر في أمريكا أول أمس، ونقل بعضه إلينا أمس من أن الرأي العام البلجيكي لا يؤمن بمؤتمر سان فرانسيسكو، ولا ينتظر منه خيرًا، وإنما ينظر إليه على أنه اجتماع سيلقي فيه ممثلو الدول الكبرى الثلاث دروسًا في الآداب الاجتماعية والسياسية على جماعة من الأطفال القاصرين. والذي دفع البلجيكيين إلى هذا التشاؤم الشديد أمران: أحدهما موقف الدول الثلاث الكبرى من المشكلة البولندية، والثاني ما وقع في نفوس الشعوب المحررة من خيبة الأمل بعد تحريرها، فقد كانت تنتظر واثقة أن ترد إليها حريتها كاملة، وأن يرد إليها رخاؤها موفورًا متى طرد الألمان من بلادها. وهي تنظر فترى حريتها مقيدة بظروف الحرب، وترى أن بينها وبين الرخاء، بل إن بينها وبين ما يقيم أودها أمدًا لا يزال بعيدًا.

    وإذا كانت هذه هي حال البلاد الأوروبية المحررة التي لا تزال الحرب تدور في أرضها أو قريبًا من حدودها، وإذا كان موقفها من ميادين القتال لا يمنعها من أن تتحدث في هذه الشئون بهذه الحرية وبهذه الصراحة، فقد يخيل إليَّ أننا نحن نستطيع أن نتحدث بمثل ما تتحدث به تلك الشعوب من الحرية والصراحة أيضًا. وقد أظهر الساسة الأمريكيون — وهم يميلون دائمًا إلى الحرية — حرصهم على أن يكون المشروع الذي سيُدرس في مؤتمر سان فرانسيسكو موضوعًا للدرس الحر الذي تظهر فيه إرادة الشعوب واضحة جلية، أو تظهر فيه على أقل تقدير آراء القادة الذين يرشدون الشعوب، ويبصرونها بما تقدم عليه، أو تحجم عنه من الأمور. ومن أجل هذا قلت، وما زلت أقول: إن مصائر الأمم لا ينبغي أن تقرر في ظل الأحكام العرفية، ولا ينبغي أن يقضى فيها دون أن يتاح للناس أن يقول بعضهم لبعض، ويسمع بعضهم من بعض، وأن يقولوا لحكوماتهم، ويسمعوا منها، وأن يقدموا على ما يقدمون عليه، أو يحجموا عمَّا يحجمون عنه، وقد رضيت نفوسهم، واقتنعت عقولهم، واطمأنت قلوبهم إلى الإقدام أو الإحجام.

    ولا بد من أن تقرر حقيقة واقعة، وهي أن من الخطأ أن يظن أن مؤتمر سان فرانسيسكو يلقى من البلاد المحررة، ومن الشعوب التي تُسمى الشعوب الصغيرة الاستقبالَ الحار الذي كان ينتظر أن يلقاه، ويشيع في نفوسها الابتهاج العظيم الذي كان ينتظر أن يشيعه فيها.

    وذلك لأن الدول الثلاث الكبرى لم تستطع أن تكون سمحة، ولا أن تلائم بين ما كانت تبذل من الوعود أيام الشدة، وما اتخذت من القرارات أيام الرخاء. فقد كانت الدول الثلاث الكبرى سخية بالوعود أيام الشدة حتى استوثقت الشعوب المغلوبة، والشعوب الضعيفة بأن الأرض ستمتلئ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وأن نظام العالم الجديد لن يفرق بين شعب قوي وشعب ضعيف، ولن يتيح للدول الكبرى أن تستأثر بالأمر من دون الدول الصغيرة.

    ولست أدري كيف استطاعت الشعوب في هذا العصر الحديث أن تستجيب لمثل هذه الأماني دون أن تستفيد من التجارب الكثيرة التي مرت بالإنسانية، ولكنها على كل حال قد استجابت لها، ووثقت بها كما استجابت لها في أعقاب الحرب الماضية، ووثقت بها أيضًا. مع ملاحظة هذا الفرق، وهو أن أحاديث السلم وتنظيم العالم قد ظلت أسرارًا مكتومة في الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. أمَّا في هذه الحرب، فقد اقتضت ظروف السياسة الأمريكية أن يكثر الكلام عن العالم الجديد، وعن الحريات الأربع، وعن ميثاق الأطلنطي، والحرب في أشد أطوارها عنفًا، وأعظمها خطرًا. والغريب أن التشاؤم وسوء الظن ليسا مقصورين على الأمم المحررة والشعوب الضعيفة، ولكنهما يجدان من يصورهما في بلاد الدول الكبرى الثلاث.

    ولست أضرب لذلك إلا مثلًا واحدًا هو هذا الكتاب الذي أرسله الأستاذ بيفردج إلى جريدة التيمس، ونشر في أواخر الأسبوع الماضي، والذي ينقد فيه الأستاذ طريقة التصويت في مجلس الأمن، ويرى أن هذه الطريقة إذا لم تغير، فستنتهي إلى نتيجة محتومة خطرة، وهي أن الدول الصغيرة ستضطر إلى أن تلجأ إلى المحالفات تعقدها مع الدول الكبيرة، وسيكون من الآثار المحتومة لهذا أن يقسم العالم إلى مناطق النفوذ، وأن تعود المنافسة بين الدول الكبرى حول مناطق النفوذ هذه إلى شر مما كانت عليه قبل الحرب، وهذا سيسرع بهذه الدول الكبرى إلى الحرب الثالثة. كذلك قال الأستاذ بيفردج، وقد أسرع الدعاة الفرنسيون إلى هذا الكتاب، فأذاعوه في الراديو يؤيدون به مذهبهم في الاعتراض على نظام التصويت في مجلس الأمن.

    على أن من الخطأ أيضًا أن يظن أن ما اتفق عليه رؤساء الدول الثلاث في مؤتمر القرم يمكن أن يكون حلًّا نهائيًّا لما عرضوا له من المشكلات، فالرؤساء الثلاثة مهما يعظم حظهم من نفاذ البصيرة، وحصافة الرأي، والقوة المادية المنتصرة في الشرق والغرب ليسوا أقوى من طبائع الأشياء، ولا من الحقائق الواقعة. ويكفي أن ننظر إلى المشكلة البولندية؛ لنرى أنها ما زالت قائمة كما كانت يوم أصدر الثلاثة قرارهم في مؤتمر القرم. فحكومة بولندا المقيمة في لندرة لم تغير من موقفها قليلًا ولا كثيرًا، وهو موقف الإنكار والاحتجاج، وحكومة بولندا المقيمة في فارسوفيا، والتي تُعرف بحكومة لوبلين لا تزال كما هي، ولم يتقدم تأليف الحكومة الجديدة خطوة واحدة، حتى أصبح الحلفاء يخشون في كثير من القلق أن ينعقد مؤتمر سان فرانسيسكو دون أن تشهده بولندا مع أنها أولى ضحايا الحرب، وأشد البلاد المغلوبة تأثرًا بأهوالها. والأمر الواقع هو أن بولندا لم تُدع بعد إلى المؤتمر؛ لأن الحلفاء لا يعرفون إلى من يوجهون الدعوة، وقد يعرفون ذلك في يوم من الأيام.

    وقد كان يُظن أن مسائل البلقان قد فُرغ من تنظيمها بين الدول الكبرى الثلاث في مؤتمر القرم، ولكن الظاهر أن مشكلات البلقان لا تنتهي. وقد كان من أحاديث مجلس العموم أمس ما وقع من تغير الحكومة في رومانيا، فقد يظهر أن الحكومة الرومانية التي كان يرأسها الجنرال رادسكو لم تخلص للديمقراطية، وأشفق الروس منها على مواصلاتهم فأسقطوها، وخاف رئيسها على حياته فالتجأ إلى المفوضية البريطانية. وكره الروس من حلفائهم حمايتهم لهذا اللاجئ فاحتجوا، وقد صرح المستر أيدن أمس بأن هذه المسألة موضوع بحث ومشاورة بين الحكومة البريطانية، والحكومة الأمريكية، والحكومة الروسية بالطبع.

    وما تزال الأنباء تأتينا بأن الأمور في اليونان بعيدة عن الهدوء والاستقرار، بل بأن بعض اليونان لم يضعوا السلاح، وما يزالون يقاومون في بعض الأقاليم، ومعنى هذا كله أن اتفاق الدول الثلاث الكبرى له خطره العظيم من غير شك، ولكنه ليس هو الذي سيحل المشكلات العالمية، أو المشكلات الداخلية في البلاد المحررة، أو البلاد المغلوبة. وإذا كان التطور الحديث قد حقق للإنسانية شيئًا من الرقي، فهو أن مصائر الأمم لا يمكن أن يقضي فيها الأفراد، وإنما تقضي فيها الأمم نفسها، وأن مصير العالم لا يمكن أن تقضي فيه الأمم الكبرى، وإنما يجب أن يقضي فيه العالم نفسه، وأن يكون قضاؤه فيه على أساس من الحق، والعدل، والمساواة بين القوي والضعيف، وبين الصغير والكبير، وبين الدول ذات الجيوش الضخمة والدول التي لا جيش لها.

    ومن المحقق أن هذا الأصل شيء قد اقتنعت به الشعوب، ولكن تنفيذه قد يحتاج إلى وقت يطول أو يقصر، وقد تعترضه المصاعب، وتقوم في سبيله العقبات، ولكن الطبيعة منتهية إلى غايتها، ومحققة الحرية والمساواة بين الدول، كما حققت الحرية والمساواة بين الأفراد في كثير من البلاد الديمقراطية المتحضرة.

    ويكفي أن نلاحظ أن الفرد القوي الغني ذا القوة والبأس، وذا السلطان والجاه لا يستطيع أن يعتدي في بلد متحضر على الفرد الضعيف الفقير الذي لا حظ له من قوة أو جاه، دون أن يجد من السلطان رادعًا له عن هذا الاعتداء قبل وقوعه، ومعاقبًا له على هذا الاعتداء بعد وقوعه.

    فعلى هذا النحو، وعلى هذا النحو وحده، تفهم الشعوب ما ينبغي أن يقوم من العلاقات بينها في النظام الدولي. ولن تستطيع الشعوب أن تفهم أن تمتاز الدول الأربع، أو الدول الخمس بهذه العصمة التي تمنع الدول الصغيرة من أن تنتصف منها إن مستها بما لا تحب.

    فإذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذه الدول الكبرى ذات الجيوش، وذات الأساطيل في البحر والجو، والدول الصغيرة التي لا تستطيع أن تثبت لها في ميدان الصراع المادي — أقول: إذا لم يغير نظام مجلس الأمن بحيث تُلغى الفروق بين هذين النوعين من الدول، فلن يصنع مؤتمر سان فرانسيسكو شيئًا، ولكنه سيقوي هذه الظاهرة التي أفسدت حياة الشعوب الداخلية، وجعلت تفسد الحياة الدولية نفسها، وهي ظاهرة الصراع بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات، وسيشهد العالم صراعًا داخليًّا بين الطبقات في الشعب الواحد، وصراعًا دوليًّا بين طبقات الدول القوية والدول المتوسطة والدول الضعيفة. وليس من أجل هذا كان ما كان من الحرب، وما احتملت الشعوب من أهوالها.

    وإذن، فما عسى أن يكون موقفنا نحن من هذا كله؟ لست أدري ماذا سيتخذ الوفد الذي أُلف أمس أو أول أمس، ولكن الذي أعلمه، وأعتقد أنه وحده يلائم المصلحة، هو أن مصر الضعيفة الطامحة إلى الاستقلال الكامل لا ينبغي أن تتقيد بشيء مهما تكن الظروف إلا أن يكون استقلالها الكامل حقيقة واقعة بمأمن من كل اعتداء. والذي أعلمه وأعتقد أنه يلائم كرامة الوطن الكريم هو أن كلمة لا إذا قيلت في إبانها؛ تحمي الشعوب والأفراد والأجيال المقبلة من أخطار جسام.

    حادثان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.

    ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.

    فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.

    ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.

    كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.

    وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.

    فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.

    وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.

    فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.

    ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.

    وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.

    ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.

    وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.

    ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.

    جو الحب والبغض
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ مارس ١٩٤٥

    ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!

    سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.

    وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.

    فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.

    وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.

    فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.

    وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!

    لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.

    وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.

    ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.

    ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.

    وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.

    وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.

    ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.

    وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.

    ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.

    فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.

    والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.

    وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.

    هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟

    وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!

    أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.

    وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.

    ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.

    ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.

    ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.

    وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.

    ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.

    وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!

    أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.

    وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.

    وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.

    وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.

    أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!

    بين الجد والمزاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٥ أبريل ١٩٤٥

    ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.

    وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.

    وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.

    وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.

    وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.

    وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.

    وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.

    فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.

    والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.

    على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.

    ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.

    وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.

    وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.

    ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.

    أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟

    ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟

    ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.

    وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.

    بين الشرق والغرب
    (٢)
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٢ أبريل ١٩٤٥

    لم يفرغ الناس بعد من الحديث عمَّا قصدت إليه روسيا حين قررت ألَّا تجدد ما بينها وبين تركيا من ميثاق الصداقة والحياد؛ لأنه فيما ترى قد أصبح غير ملائم لظروف العالم الجديد، وأصبح محتاجًا إلى أن يمسَّه كثيرٌ من التعديل والتبديل.

    وقد كثر التنبؤ بما تريد روسيا أن تقترح من تعديل وتبديل، يقتصد المتنبئون مرة ويسرفون مرة أخرى؛ حتى أذاعت بعض الصحف الإنجليزية أمس أن روسيا تريد أن تطلب إلى تركيا حرية المضايق، والنزول لها عن ولايتين من ولاياتها على الحدود، وتعديل دستورها بحيث يصبح ديمقراطيًّا صحيحًا. والمرجح أن مثل هذا التنبؤ لا يخلو من غلو شديد، وهو على كل حال مناقض للتصريحات التي تصدرها روسيا بالقياس إلى الدول التي تحررها من ألمانيا. فقد أعلنت روسيا غير مرة أنها لا تريد أن تتدخل في الشئون السياسية والاجتماعية لهذه الدول، وأنها لا تريد أن تحقق لنفسها مطامع إقليمية؛ أعلنت هذا بالقياس إلى رومانيا وبلغاريا والمجر، وأعلنته أمس بالقياس إلى النمسا. فمن غير المعقول أن يكون هذا موقف روسيا من البلاد التي تحررها بقوة السلاح، وأن تقف موقفًا آخر من بلاد مستقلة محايدة لم تكن بينها وبين روسيا حرب ما، ولعل الأدنى إلى المعقول ما أُذيع منذ حين من أن روسيا تريد حرية المضايق من جهة وضمان التعاون العسكري بينها وبين تركيا — إن ظهرت الحاجة إلى ذلك — من جهة أخرى.

    ولكن المهم هو أن روسيا لم تكد تفرغ من تبليغ تركيا عدولها عن تجديد هذا الميثاق حتى خطت مثل هذه الخطوة بالقياس إلى اليابان، فأبلغتها أنها لا تريد أن تجدد ما بينهما من ميثاق الصداقة والحياد، وأبلغتها ذلك في لهجة عنيفة توشك أن تكون تحدِّيًا وإنذارًا؛ حتى تعجل المتنبئون فقالوا: إن روسيا قد تُعلن الحرب على اليابان قبل أن يبلغ الميثاق أجله. وقال قائلون آخرون: إن اليابان هي التي قد تعلن الحرب على روسيا قبل أن يبلغ الميثاق أجله. والشيء الواضح هو أن هذه الخطوة الروسية لها ما بعدها غدًا أو بعد غدٍ، وأن روسيا لم تخطها عبثًا، وأنها قد قصدت بها إلى أشياء ستكون أبعد مدًى وأعمق أثرًا مما ذهبت إليه حين ألغت ما بينها وبين تركيا من ميثاق.

    والشيء الواضح أيضًا هو أن روسيا لم تسر حلفاءها البريطانيين والأمريكيين بموقفها الجديد من تركيا، وأنها قد سرَّت هؤلاء الحلفاء في ظاهر الأمر على الأقل بموقفها الجديد من اليابان. فتركيا حليفة للبريطانيين صديقة للأمريكيين، واليابان خصم لأولئك وهؤلاء، فتشدد الروسيين مع الترك يسوء الحلفاء من غير شك، وتشددهم مع اليابان يسرُّ الحلفاء من غير شك. وإن دل هذا كله على شيء فإنما يدل على أن للروسيين سياستهم الخاصة المستقلة التي يدبرونها ويسيرونها على مناهجهم الخاصة المستقلة أيضًا. وقد كانت روسيا ضيقة بما تفرض عليها الظروف السياسية والجغرافية في المضايق والبحر الأسود، وهي تريد أن تخرج من هذا الضيق. وكانت روسيا كذلك ضيقة بما تفرضه عليها الظروف السياسية والجغرافية في الشرق الأقصى — ولا سيما بعد انتصار اليابان عليها في أول هذا القرن — فهي تريد أن تخرج من هذا الضيق أيضًا. وهي بعبارة موجزة تريد أن تحقق سياستها التقليدية منذ عهد القياصرة، وهي حرية العمل في الشرق الأوسط والبحر الأبيض من جهة، وحرية العمل في الشرق الأقصى من جهة أخرى. ولن تستريح روسيا حتى يكون لها من الحرية في هذه الأرجاء كلها مثل ما لحليفتيها العظيمتين بريطانيا العظمى وأمريكا.

    ونتيجة هذا كله أن الحرب واقعة لا محالة بين روسيا واليابان، فما ينبغي أن تنظم شئون الشرق الأقصى وتحدد فيه مناطق النفوذ وروسيا غائبة عن مؤتمر الصلح، ولا بدَّ من أن تشهد روسيا هذا المؤتمر مع البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والصينيين. ولا بدَّ من أن تثأر روسيا لنفسها من الحرب اليابانية الروسية التي وقعت في أول هذا القرن.

    وقد أحسَّت البيئات السياسية في بريطانية وأمريكا إحساسًا قويًّا واضحًا بهذه الاتجاهات الروسية. ولاحظ الملاحظون أن الابتهاج لم يكن شديدًا جدًّا في أمريكا — مثلًا — بهذه الخطوة التي خطتها روسيا مع اليابان، وأن الأمريكيين تساءلوا متى تعلن الحرب بين الدولتين، وكان ابتهاج البريطانيين بهذه الخطوة معتدلًا أيضًا. ولست أعلم أن هذه الخطوة ذكرت في مجلس العموم البريطاني، ولكن البريطانيين قومٌ عمليون يحسنون انتهاز الفرص، ويحسنون لقاء الحوادث والخطوب، ويحسنون الاحتياط للمستقبل وما قد يثار فيه من المصاعب والمشكلات. ومع أن الهيئات الرسمية البريطانية لم تعلن خطة ما بشأن موقف روسيا من تركيا أو موقفها من اليابان؛ فقد نشرت التيمس منذ يومين مقالًا له خطره ومغزاه بالقياس إلى بلاد الشرق الأوسط، وأكبر الظن أنها ستنشر يومًا مقالًا آخر له خطره ومغزاه بالقياس إلى مشكلات الشرق الأقصى.

    فأمَّا المقال الذي نشر منذ يومين فهو طريفٌ حقًّا عمليٌّ حقًّا؛ لأن محرر التيمس لا يطلب فيه إلَّا شيئًا يسيرًا وهو ألَّا تنفرد بريطانيا العظمى باحتمال أعباء الأمن السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد الشرق الأوسط كما كانت الحال أثناء هذه الحرب، وإنما ينبغي أن تشترك الدول الأربع الكبرى في هذا كله. والدول الأربع الكبرى بالطبع هي بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وأمريكا. ومعنى هذا الاقتراح هو أن التيمس تريد من بريطانيا العظمى أن تفتح الباب للتعاون الروسي والأمريكي في شئون هذا الشرق. وقد كانت شئون الشرق الأدنى على الأقل محتكرة أو كالمحتكرة لبريطانيا العظمى وفرنسا، فأمَّا الآن فقد ظهر أن هذا الاحتكار غير مفيد أو غير ممكن، وظهر أن من الملائم للمنفعة الإنسانية العامة — أو من الملائم للضرورات الإنسانية العامة — أن تتعاون الدول الأربع ذات الخطر في الإشراف على شئون هذا الشرق. ولو أن للصين من البأس مثل ما لهذه الدول الأربع لدُعيت هي أيضًا إلى المشاركة في هذا الإشراف. ولكن يد الصين أقصر من أن تبلغ الشرق الأوسط، فليس لها من أساطيل البحر والجو ما يبلغها البحر الأحمر أو البحر الأبيض أو البحر الأسود، وحسبها أن تشارك في شئون الشرق الأقصى.

    وتقترح ألَّا يُلغى مركز تموين الشرق الأوسط؛ لأن التجارب قد أظهرت أنه عظيم النفع في أيام الحرب، ولأن التجارب ستظهر أنه سيكون عظيم النفع بعد إمضاء الهدنة وبعد إمضاء الصلح، ولأنه سيكون وسيلة صالحة من وسائل التعاون بين الشرق والغرب.

    وقد تسأل عن موقف بلاد الشرق الأدنى والأوسط نفسها من هذا التعاون بين الدول الكبرى كما يتصوره محرر التيمس، وكما يصوره محرر التيمس أيضًا. فموقف هذه الدول الشرقية بسيطٌ جدًّا واضح كل الوضوح، هو موقف الدول القاصرة التي تحتاج إلى الوصاية والمعونة والإرشاد حتى تبلغ أشدها في يوم من الأيام. فلا بدَّ من حماية المواقع العسكرية ذات الخطر؛ لأن التجارب قد أظهرت أن لهذا الشرق شأنه العسكري العظيم، وأن الاستيلاء عليه أمر حاسم في الحرب. وقد نهضت بريطانيا العظمى بحماية هذه المراكز العسكرية وأيَّدتها البلاد الشرقية في ذلك تأييدًا له قيمته، ولا ينبغي أن تنهض وحدها بهذا العبء منذ الآن. ولا بدَّ من الإشراف على النظام الاقتصادي لهذا الشرق؛ لأنه طريق التجارة من جهة، ولأنه مصدر خطير من مصادر الإنتاج من جهة أخرى، فلا يمكن الاستغناء عنه لا في السلم ولا في الحرب.

    وقد أنشئت الجامعة العربية، وإنشاؤها خطوة حسنة جدًّا في سبيل هذا التعاون بين الشرق والغرب.

    كل هذا صورته التيمس منذ يومين تصويرًا رائعًا مؤثرًا، ولم تنسَ أن تذكر في مقالها ذاك استقلال البلاد الشرقية والمحافظة لها على كرامتها. وأي شيء أيسر من المحافظة على الكرامة والاستقلال بعد أن تُضمن حماية المراكز العسكرية، ويُضمن الإشراف على الشئون الاقتصادية، ويُضمن تقديم المعونة والإرشاد لهذه الدولة حتى تستطيع أن تعتمد على نفسها. ولست أدري أتصور التيمس الرأي العام البريطاني في هذا المقال أم تريد التيمس أن تدعو الرأي العام البريطاني إلى أن يتصور شئون الشرق الأوسط على هذا النحو؟

    ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن الشرقيين أنفسهم لا يتصورون المستقبل القريب على هذا النحو، بل لا يتصورونه على نحو قريب من هذا النحو. فهم لا يريدون أن يخرجوا من وصاية دولة واحدة إلى وصاية دول أربع، وإنما يريدون أن يخرجوا من الوصاية كلها سواء أكانت فردية أو اجتماعية، وأن يخرجوا منها خروجًا صريحًا لا غموض فيه. وهم لا يطيقون الاحتلال مهما تكن أسبابه وأغراضه ودواعيه، وهم يريدون أن يشاركوا بأنفسهم في حماية الأمن الدولي، وأن ينهضوا بحماية المراكز العسكرية ذات الخطر، وهم لا يريدون الإشراف الاقتصادي وإنما يريدون التعاون الاقتصادي ينظِّمونه فيما بينهم من جهة، وينظِّمونه فيما بينهم وبين أوروبا وأمريكا من جهة أخرى، وينظِّمونه تنظيم الراشدين المستقلين لا تنظيم القاصرين الذين يحتاجون إلى الأوصياء.

    والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني أصوِّر الرأي العام الشرقي تصويرًا دقيقًا كل الدقة، وأن أصدقاءنا البريطانيين وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين يخطئون الخطأ كله إن ظنُّوا أنهم يستطيعون أن يتحدثوا إلى الشرق بهذه اللغة القديمة التي أدركها البلى وأصبح الشرق عاجزًا عن أن يفهمها أو يسيغها.

    وهذا كله يدلُّ فيما يظهر على أن مؤتمر سان فرانسيسكو ليس وحده هو الذي يشغل الرأي العام العالمي، وإنما هو شيء يسير بالقياس إلى المشكلات التي تشغل الناس ويجب أن تشغلهم. ولست أدري أي الأمرين هو الأصل، وأيهما هو الهامش، وأكاد أعتقد أن المشكلات التي تحدثت عنها هي الأصل، وأن مؤتمر سان فرانسيسكو سيجتمع وسيعمل على هامش هذه المشكلات.

    وقد أنبأنا وزير الخارجية الأمريكية في خطبة ألقاها منذ أيام بأن مهمة مؤتمر سان فرانسيسكو يسيرة جدًّا، وهي: وضع نظام الأمن الدولي، وإنشاء محكمة العدل الدولية، وإنشاء المجلس الاقتصادي الدولي. وكل هذه أمور حسنة جدًّا، ولكنها بناءٌ ينبغي أن يوضع له أساس، وأساسه لن يوضع في مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن مؤتمر سان فرانسيسكو لن يكون مؤتمر صلح، ولن يقضي في استقلال الدول المطالبة بالاستقلال، ولا في استكمال الاستقلال للدول التي تريد أن تستكمل استقلالها، وإنما هو يترك هذه الأمور كلها ويضع نظامًا مثاليًّا لتحقيق السلم وحمايتها بعد أن يستكمل العالم نظمه التي تتيح له شيئًا من الاستقرار. وقد فهمت مصر فيما أعتقد أمر المؤتمر فهمًا صحيحًا قائمًا على التجربة، فهي قد ظنته هائلًا عظيم الخطر أول الأمر؛ فألَّفت له وفدًا هائلًا خطيرًا، ثم جعلت مهمة المؤتمر تتضاءل شيئًا فشيئًا، وجعل وفدنا إلى المؤتمر يتضاءل شيئًا فشيئًا حتى إذا ظهرت مهمة المؤتمر كما هي قيِّمة جدًّا ولكن يسيرة جدًّا أصبح وفدنا ملائمًا كل الملائمة لهذا المؤتمر القيم اليسير. فأعضاؤه ثلاثة لا عشرة وفي الثلاثة الكفاية كل الكفاية، ورئيسه وزير الخارجية لا رئيس الوزراء وفي وزير الخارجية الغناء كل الغناء.

    فلنتمنَّ للمؤتمر نجحًا، ولنتمنَّ لوفدنا فوزًا وتوفيقًا، ولنتمنَّ قبل هذا كله وبعد هذا كله أن تبلغ مصر حقوقها كاملة موفورة لا يشوبها احتلالٌ ولا وصايةٌ ولا إشرافٌ.

    بين الحقيقة والخيال
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٩ أبريل ١٩٤٥

    كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.

    والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.

    فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.

    والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.

    فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.

    ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.

    ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.

    وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.

    ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!

    وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.

    ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.

    وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟

    وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.

    ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.

    لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.

    ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.

    وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.

    وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.

    أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.

    وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.

    وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.

    وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.

    ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.

    ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.

    وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.

    الدروس
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٩ أبريل ١٩٤٥

    لعل أظهر ما تمتاز به حياة الناس — منذ أعلنت الحرب — أن هذه الحياة قد جاوزت قدرة العقل الإنساني على الفهم والإدراك، وقدرته على الاستقصاء والاستنتاج. فقد كثرت الأحداث وتتابعت، واشتد بينها الاختلاف والائتلاف كما اشتد بينها الاتفاق والافتراق، حتى أصبح العقل العادي عاجزًا عن أن يلم إلَّا بأطراف يسيرة منها. ثم هو لا يكاد يلم بهذه الأطراف ويأخذ في وضعها موضع التأمل والتفكير حتى تحدث حوادث أخرى مختلفة مؤتلفة ومفترقة متفقة؛ فيشغل بها عن الحوادث الأولى. وما يزال كذلك يلم بالأحداث العظام ليشغل عنها بأحداث عظام أخرى، حتى يصبح من أعسر الأشياء عليه أن يكوِّن لنفسه رأيًا شاملًا فيما يحيط به من الظروف، أو يصدر حكمًا عامًّا صحيحًا على ما يكتنفه من الخطوب.

    والواقع أن كثرة الحوادث وتنوعها وتتابعها واختلاف حظها من الخطورة، كل ذلك قد اضطر الإنسان إلى أن يحيا حياة خاطفة ويفكر تفكيرًا خاطفًا، ويصبح أمره كله خطفًا بأدق ما لهذه الكلمة من المعاني. ومن أشق الأشياء على أي إنسان في هذه الأيام أن يصوِّر لك أو لنفسه تصويرًا صحيحًا محيطًا ما كان من الحوادث في شهر واحد فضلًا عن أن يصور ما كان من الحوادث منذ شبت هذه الحرب.

    وأقل ما ينتهي إليه هذا كله من النتائج هو أن بعض هذه الحوادث يمر دون أن يستطيع الناس أن يفكروا فيه كما ينبغي أن يفكروا فيه، وأن يستخرجوا منه ما يمكن من العبر والعظات. فالحوادث تفقد قيمتها من هذه الناحية، ويصبح وقوعها ومرورها أشبه شيء بهذه الحقائق المألوفة التي يضربها الناس مثلًا لما لا يجدي التفكير فيه أو الحديث عنه. فهم يتحدثون عن انهيار الدفاع الألماني في إيطاليا، والتقاء الجيوش المتحالفة في ألمانيا كما يتحدثون عن الجو والمطر، لا يكادون ينتفعون بهذا الحديث ولا يفيدون منه عبرة أو موعظة؛ لأنهم لا يكادون يأخذون في هذا الحديث حتى تأتي أنباء أخرى تصرفهم عنه صرفًا عنيفًا.

    ولست أتخيل ولا أفلسف، وإنما هذه حقيقة واقعة، فقد كنَّا نتحدث أمس عن هذه الأحداث العظام، ولكننا لم نبلغ من الحديث أيسره حتى جاءت الأنباء بأن القيادة الألمانية تعرض التسليم بلا قيد ولا شرط على الإنجليز والأمريكيين دون الروس، وبأن الحلفاء لا يقبلون تسليمًا إلَّا أن يكون هذا التسليم لهم جميعًا لا لبعضهم دون بعض.

    وواضح جدًّا أننا شغلنا بهذه الأنباء الأخيرة عن الأنباء التي سبقتها، وشغلنا بها عن أنباء سان فرانسيسكو وما يحدث فيها من الخلاف والوفاق، وشغلنا بها عن أنباء أخرى لعلها كانت خليقة أن تضطرنا إلى كثير من الروية والتفكير.

    والواقع أن هذا النبأ الأخير خليق أن يشغلنا عن كل نبأ آخر، فقد انتهت الحرب أو قررت أن تنتهي. ويكفي أن نفكر في هذا لنستحضر من أعماق أنفسنا صورًا مروعة لتلك الأيام المروعة التي عشناها حين كانت الحرب تريد أن تبتدئ سنة ١٩٣٨، وحين قررت أن تبتدئ في الصيف من سنة ١٩٣٩.

    في تلك الأيام كان الناس ينظرون إلى المستقبل نظرات ملؤها الخوف والهول، ويستحضرون في أنفسهم كوارث الحرب الماضية، ويتصورون أن الحرب الجديدة ستجر عليهم كوارث أخرى لن تكون أقل منها هولًا، بل ستكون أدعى منها إلى الجزع والهلع. ثم لم تكد الحرب تعلن حتى أخذت تسعى سعيًا بطيئًا متلكئًا، وجعل الناس لا ينتظرون خيرًا من هذا البطء ولا من هذا التلكؤ، وإنما ينتظرون منهما الشر كل الشر والنكر كل النكر. وقد صدقوا فلم يأتِ شهر أبريل من سنة ١٩٤٠ حتى استحالت الحرب البطيئة المتلكئة إلى أهوال خاطفة متتابعة تلم بالنرويج والدنمرك. ثم لا يكاد العام يتقدم شهرًا حتى تلم بهولندا وبلجيكا وفرنسا، وإذا العالم يشهد شيئًا لم يكن يتصوره ولا يحسب له حسابًا؛ لأنه كان أضخم من أن يقدر وأعظم من أن يحسب له حساب، فقد انهارت هذه الدول الثلاث وانهارت فرنسا، تلك التي كان العالم يرى أنها أقوى دول الأرض، وأقدرها على مواجهة الألمانيين والثبات لهم في هذه الحرب، كما واجهتهم وثبتت لهم في الحرب الماضية حتى استطاع حلفاؤها أن يرسلوا إليها النجدات، وأن يعينوها على قهر العدو وإدراك الفوز. ولكنها في هذه المرة لم تستطع أن تثبت، وإنما انهارت في سرعة مدهشة سيكشف التاريخ عن تعليلها وتأويلها، وسيتبين أكان مصدرها الضعف أم كان مصدرها الخيانة أم كان مصدرها الضعف والخيانة معًا.

    ثم تتابع الحوادث سودًا حالكة حتى تملأ العالم ظلمة قاتمة، وحتى يوشك الأمل أن يكون شعاعًا ضئيلًا لا يكاد يضيء في نفوس الناس إلَّا قليلًا. فقد أعلن هتلر حربه على روسيا بعد أن اضطرت بريطانيا العظمى إلى موقف مروع. وقد جعلت جنوده تمعن في اكتساح الأرض الروسية حتى بلغت أبواب موسكو وهزَّ الناس رءوسهم ذات يوم حين قال متحدث من راديو موسكو: إن الألمان لن يدخلوا مدينتهم المقدسة.

    ثم تشب نار الحرب في الشرق الأقصى، وإذا اليابان تصب الكوارث على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الإمبراطورية البريطانية، وتلغي الإمبراطورية الهولندية إلغاءً، وتهدد الهند تهديدًا خطيرًا. وينظر الشرق فإذا هو مهدد بأن يؤخذ من جانبيه، فقد جعل رومل يدنو من مصر، وجعل الألمان يبلغون القوقاز، وظهر جليًّا أن الخطة المرسومة هي الإطباق على الشرق والاستيلاء على قناة السويس، وخنق الإمبراطورية البريطانية بقطع الطريق بين بريطانيا العظمى وبين الشرق من جهة، وإفساد المواصلات بينها وبين أمريكا بحرب الغواصات من جهة أخرى.

    هنالك زلزل الناس زلزالًا شديدًا، وهنالك زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بأنفسهم وباللَّه الظنون، ولم يثبت منهم إلَّا الذين أوتوا من الإيمان حظًّا أعظم من كل هول وأعمق من كل روع وأضخم من كل كارثة وأبقى من كل حادثة. هنالك كان هتلر يتحدث بأنه يغير العالم تغييرًا خطيرًا، ويرسم له حياته الجديدة لألف عام مقبلة. وهنالك كان هتلر حائرًا في اختيار المدينة التي سيملي فيها الصلح أيمليه في لندرة، أيمليه في موسكو، أيمليه في باريس!

    وهنالك كان موسوليني يتهيأ لدخول القاهرة ظافرًا منتصرًا، وليعلن فيها أن الإمبراطورية الرومانية القديمة قد بُعِثت بعثًا جديدًا. وهنالك كان الحلفاء يثبتون للخطب كرامًا، ويلقون الكوارث أباة، ويحتالون في الخروج من المآزق، يلطفون لأصدقائهم ويرفقون بأوليائهم، يبذلون الوعد عن سخاء، ويظهرون الود في غير تكلف، ويدعون إلى الحرية التي لا حد لها؛ حرية الأفراد في أمن من الخوف والجوع، وحرية الشعوب في أمن من الجور والعدوان.

    ثم مضت الحوادث متتابعة متلاحقة مشتبهة، لا يكاد يشرق فيها الأمل حتى تخفيه ظلمات متكاثفة من اليأس. وقد وفَى للحلفاء من وفَى، وانحرف عنهم من انحرف، وتردد من تردد بين الوفاء والانحراف. وكنَّا نحن من الأوفياء الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يرتابوا، وإنما ثبتوا للهول منذ اللحظة الأولى. حتى إذا جد الجِد وعظم الخطب وبلغ الألمان أبواب الإسكندرية، وجعل الناس من الأجانب ينفرون من مصر خفافًا وثقالًا، يريدون أن يضعوا أنفسهم بمأمن من هذه الأهوال المظلمة والخطوب المدلهمة والموت الذي كان مستأنيًا يسعى على عجل — كما يقول الشاعر القديم — لبثنا نحن هادئين ثابتين لا يظهر علينا رَوع ولا جزع ولا انحراف، وإنما هو الجد والثبات كل الثبات والوفاء كل الوفاء والحزم كل الحزم. هنالك عرف النحاس باشا وزملاؤه كيف يظهرون للصديق والعدو أن مصر إذا عاهدت وفَت، وإذا قالت صدقت، وإذا جد الجِد ثبتت للحوادث وانتظرت الخطوب كما ينتظرها العزيز الكريم، لا يرضى الدنية ولا يلتمس الأمن في الغدر ونكث العهد والتنكر للصديق.

    ثم مضت الحوادث في طريقها مترددة شيئًا، ثم مقدمة لا تلوي على شيء وإذا العدو ينهزم عن مصر، ثم عن أفريقيا، ثم عن إيطاليا نفسها، وإذا موسوليني يقبض عليه مرة، ثم يفر ليقبض عليه منذ أيام، وإذا الحرب تعبر البحر إلى هتلر فتخرجه من فرنسا ومن بلجيكا كما أخرجه الروسيون من أرضهم ومن بولندا. وإذا ألمانيا تغزى من الشرق والغرب جميعًا. وإذا الروسيون يحررون شرق أوروبا ووسطها كما يحرر الإنجليز والأمريكيون غرب أوروبا وجنوبها. وإذا الروسيون يدخلون برلين على حين لم يستطع الألمانيون أن يدخلوا موسكو. وإذا البرق يحمل إلينا مساء أمس أن ألمانيا تعرض التسليم على بعض الحلفاء دون بعض، وأن الحلفاء يأبون إلَّا أن يعرض التسليم عليهم جميعًا.

    وإذن، فقد أرادت الحرب أن تنتهي في أوروبا، ومن الممكن أن تنتهي بعد ساعة وأخرى، وقد أخذت تلك الكواكب التي نشرت في العالم ذلك الضوء المنكر المخيف تتهاوى صراعًا، وأمَّا موسوليني فقد أخذ وأمَّا هتلر فيحتضر فيما يقال، وأمَّا الآخرون فسيؤخذون حتى يتم التسليم، وأمَّا الماريشال بيتان فينتظر المحاكمة في قلعة من قلاع باريس.

    وكذلك عاشت الإنسانية أعوامًا منكرة لم تعشِ قط ما يشبهها فيما امتلأت به من الشر والمنكر، وهي توشك أن تخرج من هذه الأعوام، ولكن إلى ماذا؟ أإلى حياة ملؤها الحق والعدل والخير والوفاء للذين وفوا، والانتصاف للذين أنصفوا، والاعتراف بالجميل للذين قدموا الجميل؟ أم إلى حياة كتلك التي ألفتها الإنسانية، قوامها تسلط القوي وظلم القادر وجور المنتصر واضطرار الضعيف إلى الاستسلام الذليل أو إلى المقاومة الثائرة؟ أو إلى انتظار الفرص وتربص الدوائر؟

    هذا هو السؤال الذي يلقى في كل ضمير حي، وفي كل قلب شاعر ذكي، وفي كل عقل مفكر متبصر.

    ومن المحقق أن الإنسان يحسن الانتفاع بالدروس أحيانًا، ولكن من المحقق أيضًا أن الإنسان طاغية، يسرع إلى البطر حين يستغني، ويسرع إليه البطر لينفذ من المشكلات وينتصر على الخطوب.

    ومن المحقق أيضًا أن في نفوس الناس ظمأً شديدًا إلى هذا العدل الذي طمعوا فيه حتى أعياهم الطمع، وطمحوا إليه حتى أجهدهم الطموح، ووُعِدوا به حتى أملتهم الوعود. وهم ينتظرون العدل واثقين بأنهم سيبلغونه، وإن كانت نذر السياسة تتحدث إليهم غير باسمة ولا مشرقة الوجوه. فقد حدثت في الشرق والغرب خطوب تشير إلى أن الإنسانية ما زالت غافلة ذاهلة تترك أمرها للأثرة، وتقيمه على المنافع العاجلة، وتَعِد حين تحتاج إلى المعونة، فإذا استغنت نسيت ما قدمت من الوعود، وجحدت ما قدم إليها من العون، وظنَّت أنها قد انتهت إلى الفوز الذي لا خوف بعده ولا قلق.

    نعم، وقعت خطوب في الشرق والغرب تشير إلى أن الإنسانية لم تتغير ولم تنتفع من هذه الدروس القاسية العنيفة، كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية، والنتائج معروفة من غير شك. فكما أن السياسة التي بنيت في أعقاب الحرب الماضية على الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود قد أثارت الاضطراب في العالم كله، وانتهت إلى الحرب العالمية الثانية؛ فالسياسة التي ستقوم في أعقاب هذه الحرب ستنتج نفس هذه النتائج إلَّا أن تتخذ لنفسها أساسًا غير الأثرة والقسوة وإخلاف الوعود.

    وإني لأنكر ما أسمع وأنكر ما أرى، وأريد أن أكذب الحوادث وأصدق الأمل، وأعتقد أن العالم الحديث أذكى وأبقى من أن يلدغ من جحر مرتين. ومن يدري؟ لعل الآمال تصدق مرة، ولعل الحوادث تكذب مرة، ولعل المنتصرين أن ينتفعوا بالدروس التي لم يدفع بها المنتصرون في أعقاب الحرب الماضية!

    كل هذا ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تجري الأمور بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية. فالرجل الحازم هو الذي لا يستسلم إلى اليأس، ولكنه لا ينخدع بالأمل. وإنما يظل فطنًا حذرًا مترتبًا مالكًا لأمره ضابطًا لنفسه، لا يقبل ولا يرفض إلَّا عن روية وبصيرة وعن رضًا ويقين.

    وكم كنت أتمنى أن تأتي أخبار سان فرانسيسكو راضية مرضية، مؤذنة بأن آمالنا لا تخدعنا، وأن أمانينا لا تكذبنا، ولكني أرى بولندا ما تزال بعيدًا عن المؤتمر لم تدعَ إليه بعد، وأرى العالم العربي قد عمل في تأليف اللجنة التي توجه أعمال المؤتمر. ومع ذلك فهولندا هي الشهيدة الأولى من شهداء هذه الحرب، ومصر هي أصدق من وفَى للحلفاء حين امتحنوا بأهوال هذه الحرب وحين قل الأصدقاء الأوفياء.

    آخر الحروب وأول السلم
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٣ مايو ١٩٤٥

    أصبح العالم كله في هذه الأيام دارًا هائلة للسينما تعرض فيها الحوادث الجسام عرضًا سريعًا خاطفًا، لا يتيح للنظارة تفكيرًا ولا تروية، فضلًا عن أن يتيح لهم شرحًا أو تعليقًا؛ ففي مساء السبت الماضي أُعلِن أن هملر يعرض على البريطانيين والأمريكيين تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط، وأن هؤلاء لا يقبلون هذا العرض إلَّا إذا قُدِّم إلى روسيا، وأنهم يمهلون ألمانيا إلى مساء الثلاثاء لتقبل هذا الإنذار.

    وفي صباح الأحد، أُعلِن أن موسوليني وزملاءه قد أُخِذوا حين كانوا يسلكون طريق الفرار إلى سويسرا، وفي صباح الاثنين، أُعلِن أن موسوليني قد قُتِل، وأعلن تفصيل مقتله، وتفصيل المثلة الشنيعة التي مثَّلها الشعب بجثته في ميدان من ميادين ميلانو. وفي صباح الثلاثاء، أُعلِنت أسطورة موت هتلر، ثم كان الاختلاف في موته، فقال هملر وبعض أصحابه أن هتلر مات بنزيف في المخ، وقال خليفة هتلر للشعب الألماني وللعالم: إن هتلر مات مقتولًا وهو يحارب دفاعًا عن الشعب.

    وبينما كان العالم يفكر في هذه الأحداث الخاطفة تفكيرًا خاطفًا، فيريد أن يَعتبِر بهذه الخاتمة الشائنة البشعة التي انتهت بها حياة موسوليني، ويريد أن يتحقق من موت هتلر أولًا، ومن العلة التي مات بها ثانيًا، ويريد أن يعرف متى يُعلن انتهاء الحرب، أو متى يتم تسليم ألمانيا. بينما كانت هذه الخواطر كلها تشغل العالم؛ أقبل المساء أمس وإذا نبأ آخر ليس أقل من كل هذه الأنباء خطرًا ولا أهون منها شأنًا يذاع، فيصرف الناس عن التفكير إلا فيه، وعن التأمل إلا في نتائجه الخطيرة القريبة والبعيدة.

    فقد أُعلِن أمس أن الجيوش الألمانية المحاربة في شمال إيطاليا، وفي جزء من أرض النمسا قد استسلمت بلا قيد ولا شرط للماريشال ألكسندر، القائد العام لجيوش الحلفاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وعلم الناس أن المفاوضات في هذا التسليم كانت تجري من وراء ستار منذ أيام، وأنها انتهت ظهر يوم الأحد الماضي، في الوقت الذي كان قتل موسوليني وعرض هملر للتسليم يشغلان الناس.

    وعلم الناس كذلك أن القتال قد وقف في هذا الميدان ظهر أمس الأربعاء، وسمع الناس أو قرءوا تهنئة الماريشال ألكسندر لجنوده الذين حرروا إيطاليا بعد جهاد شاق طويل، والذين تلقوا الاستسلام من أضخم جيش ألماني استسلم إلى الآن بلا قيد ولا شرط، فقد بلغ عدد هذا الجيش المستسلم مليونًا من الجند، وهو قد ألقى سلاحه، وأسلم رجاله وأدواته، وأصبح خاضعًا خضوعًا تامًّا لأمر القيادة العليا المنتصرة في هذا الميدان.

    ولست أدري أيذكر الناس أم قد أنستهم الحوادث أن يذكروا أن الحلفاء قد بدءوا تحرير إيطاليا في أوائل سبتمبر سنة ١٩٤٣، وأنهم لقوا في هذا التحرير أهوالًا هائلة، وخسروا فيه خسائر فادحة، وتعرضوا فيه لكثيرٍ من المصاعب التي كانت تأتي من الطبيعة، ومن السياسة، ومن ضرورات الحرب، وهم قد انتهوا الآن إلى تحرير إيطاليا كلها، أو بعبارة أصح إلى تحرير البحر الأبيض المتوسط كله. فهذا التسليم الذي تم أمس إنما هو الخاتمة الطبيعية لهذه المواقع الطويلة الشاقة التي بدأت في العلمين.

    والشيء المحقق هو أن التسليم خطوة حاسمة في تاريخ هذه الحرب، بل خطوة حاسمة في تاريخ العالم الجديد؛ فقد أصبح من اليسير أن تمضي الجيوش المنتصرة في إيطاليا أمامها لا تلقى عائقًا حتى تشارك مع الجيوش المحاربة في ألمانيا نفسها، ومن يدري لعلها لا تبلغ ألمانيا حتى يكون التسليم النهائي حقيقة واقعة.

    وأهم ما يثيره هذا الانتصار الهائل في النفوس من العبرة أمران؛ أولهما: أن الثبات ومضاء العزم والثقة بالنفس خصال مهما تتعقد أمامها المشكلات، فهي قاهرة لها، وظافرة بها، ومتغلبة عليها. فما أكثر المشكلات والمصاعب التي ثارت وتعقدت أمام قوَّاد الحلفاء في أفريقيا وصقلية وإيطاليا واليونان وجزر البحر الأبيض المتوسط. لقد بلغت هذه المشكلات والمصاعب في بعض الأوقات حدًّا كان خليقًا أن يبعث اليأس في القلوب، وكان يضطر المستر تشرشل إلى أن يتجنب القول فيه حين يُسأل عنه في مجلس العموم البريطاني. ومع ذلك فقد قهر ساسة الحلفاء وقوَّادهم هذه المشكلات، ونفذوا من هذه الخطوب، وظفروا أمس بهذا الفوز العظيم؛ لأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا، ولأنهم لم يضطربوا ولم يترددوا، ولأنهم وثقوا بأنفسهم وبالغاية التي يحاربون من أجلها.

    والأمر الثاني: هو أن هذا الفوز العظيم قد أبعد الحرب إبعادًا نهائيًّا عن منطقة البحر الأبيض المتوسط، فأصبح من حق هذه المنطقة أن تتنفس، وأن تتنفس في جوٍّ له حظ من حرية بعد أن اطمأن في هذا الميدان كل شيء، ولم يبق أمام الشعوب التي خرجت من غمرات الحرب إلَّا أن تستأنف حياتها؛ لتصلح ما فسد، وتُقوِّم ما اعوجَّ، وتأسو ما أصابها من الجراح. وهذا الفوز العظيم قد صُوِّر تصويرًا رائعًا في الأمر الذي أصدره الماريشال ألكسندر لجيوشه أمس. وهو خليق أن يملأ نفوس المنتصرين تيهًا وإعجابًا، وأن يغمرها بهذه النشوة التي تخرج المنتصر عن طوره وقتًا ما.

    والواقع أن المنتصرين قد ابتهجوا بما أحرزوا من الفوز، وحقَّ لهم أن يبتهجوا، ولكن من الحق على المنتصرين المبتهجين — وقد تم لهم سحق العدو — أن ينتصروا في حرب أخرى لا ترى مظاهرها، ولا تصطنع فيها أسلحة البر والبحر والجو، وإنما هي حرب بين النفوس وبين نزعاتها. فالابتهاج بالنصر حق، والابتهاج بالنصر خير، ولكن يجب ألا يُشغل المنتصر بهذا الابتهاج عن المستقبل وما يخفي من الحوادث، وألَّا يندفع المنتصر مع الابتهاج حتى ينتهي إلى البطر. وخير الأمور أوساطها كما يقول المثل الإنساني القديم، والاعتدال ملاك الفضيلة، فلعل انتصار أمس وما سيتبعه من انتصارات تحدث اليوم وغدًا وبعد غد. لعل هذه الانتصارات التي ستُكره الحرب على أن تضع أوزارها أن تكون مقدمة لانتصار الظافرين على أنفسهم بعد أن انتصروا على عدوِّهم، وأن تكون مقدِّمة لعالم جديد يقوم على الاعتدال لا على الإسراف، وعلى القصد لا على الغلو والجموح، وعلى الإنصاف لا على الجور والاستعلاء.

    وبينما كانت هذه الحوادث تحدث في العالم القديم فتملأ الدنيا وتشغل الناس؛ كانت حوادث أخرى تحدث في العالم الجديد، وتريد أن تملأ الدنيا وتشغل الناس، ولكنها لا تبلغ من ذلك ما تريد، وهي هذه الحوادث التي شغلت المؤتمرين في سان فرانسيسكو في الأيام القليلة الماضية. فأي غرابة في أن تعجز حوادث سان فرانسيسكو عن أن تظفر من عناية الناس بمثل ما ظفرت به حوادث أوروبا؟ فالحرب في سان فرانسيسكو حرب كلام لا أكثر ولا أقل، والاصطدام في سان فرانسيسكو اصطدام في الرأي لا ينقص عن ذلك ولا يزيد، ولكنه مع ذلك خليق أن يصور الاتجاهات التي ستسيطر على إنشاء العالم الجديد.

    والعالم الجديد فيما يظهر أمنية ستتحقق بمقدار ما تتحقق الأماني في هذه الدنيا، ومعنى ذلك أنها ستتحقق شيئًا فشيئًا، وستتم قليلًا قليلًا، ومعنى ذلك أيضًا أن نظم العالم القديم لن تنهار فجأة، ولكنها ستضطرب — وقد أخذت تضطرب — ثم يصيبها الضعف والانحلال، ثم ينهار منها جزءٌ هنا وجزءٌ هناك، وما يزال العالم في هدمٍ وبناءٍ حتى ينظر الناس ذات يوم وإذا كل شيء من حولهم قد تغير، وإذا هم في عالم جديد قد دُفعوا إليه في رفق، وبلغوه وهم لا يشعرون أو لا يكادون يشعرون.

    وآية ذلك أن الحوادث التي شُغل بها المؤتمرون في سان فرانسيسكو قد كانت صراعًا بين جديد لا يريده أكثر المؤتمرين، وقديم يحرصون عليه. وقد ظفر القديم، ولا ينبغي أن يُقال: إن الجديد انهزم، فهو لم ينهزم، ولكنه لم يفُز، وإنما فرض نفسه على التفكير العالمي. وهذا أول الفوز. اختلف المؤتمرون في رياسة المؤتمر: أتكون لوزير الخارجية في البلاد التي يجتمع فيها المؤتمر كما جرت بذلك التقاليد، أم تكون دولة بين رؤساء الوفود الكبرى؟ وقد انهزمت التقاليد نصف هزيمة، وانتصر الجديد نصف انتصار؛ فصارت رياسة المؤتمر نفسه دُولةً بين رؤساء الوفود، واحتُفظ لوزير الخارجية الأمريكية برياسة لجنتين خطيرتين.

    ثم اختلف المؤتمرون في دعوة الأرجنتين إلى المؤتمر، فأمَّا أصحاب التجديد — وهم الروسيون وحلفاؤهم الأدنون — فكانوا يرفضون هذه الدعوة؛ لأن الأرجنتين أعانت العدو واضطرت الحلفاء إلى أن يقطعوا العلاقات الدبلوماسية بينهم وبينها، ولم تغير موقفها إلَّا حين أصبح انتصار الحلفاء من البديهيات، وحين أخذ الحلفاء في الاستعداد لعقد هذا المؤتمر، ولكن أنصار القديم آثروا العافية، وأرضوا العصبية الأمريكية، وانتظروا الخير من التعاون مع الأرجنتين؛ فدعوها إلى المؤتمر، وتمَّ لهم ما أرادوا.

    واختلف المؤتمرون في تمثيل العمَّال في هذا المؤتمر، فدعا إليه مولوتوف وعارض فيه غيره، وكان ممثلنا نحن لسان المعارضين فيما يظهر. وهذه قضية خطيرة حقًّا، فلم يكن مولوتوف يستطيع أن يهملها، ولم يكن معارضوه يستطيعون أن يقبلوها، فالعمَّال قوام النظام الروسي الرسمي، وهم من غير شك قوام الحرب، ولو قد نجح مولوتوف فيما أراد لكان نجاحه تسجيلًا لوجود دويلة من هذه الدويلات التي يشفق منها رأس المال كل الإشفاق، وتشفق منها الديمقراطيات المعتدلة كل الإشفاق أيضًا، فلم يكن بد من أن ينهزم مولوتوف. ومن المحقق أنه عرض القضية وهو واثق بأنه سيخسرها، ولكنه عرضها لأن عرضها نفسه نوع من أنواع الربح.

    واختلف المؤتمرون في مشكلة بولندا التي لا تريد أن تُحَل، والتي تزداد على الأيام صعوبةً وتعقيدًا، أتُدعى حكومة لوبلين أم لا تُدعى؟! فأمَّا روسيا فقالت: نعم، وبالغت في إلحاح، وأمَّا الآخرون فقالوا: لا، وبالغوا في الإباء، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، وليس أحد يدري متى ولا كيف ينتهي.

    ويزيد أمر بولونيا تعقيدًا ما يقال من أن حكومة لوبلين تضطهد خصومها في الوطن البولوني نفسه اضطهادًا يوصف في مجلس العموم البريطاني بالشناعة والعنف، ففريق يقتلون، وفريق يستخفون، والحكومة البريطانية لا تستطيع أن تعلم ذلك؛ لأنها لا تستطيع أن تسأل حكومة لوبلين؛ فهي لم تعترف بهذه الحكومة، ولأنها تسأل الحكومة الروسية فلا تتلقى منها جوابًا.

    وكذلك ننظر فنرى منظرين رائعين، ولكنهما يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف. فأمَّا أولهما فمنظر الحرب كليلة متخاذلة تقلم أظفارها، ويسرع إليها الفناء، وتوشك أن تسقط من الإعياء، ويوشك الحلفاء أن يجهزوا عليها، والعالم ينظر إلى ذلك سعيدًا راضيًا مغتبطًا؛ لأن الآباء سيعودون إلى أبنائهم، ولأن الأبناء سيعودون إلى أمهاتهم، ولأن الأزواج سيعودون إلى زوجاتهم، ولأن الأرض قد غصَّت بهذا الدم الغزير الذي ما زالت تشربه منذ ستة أعوام.

    وأمَّا المنظر الثاني فمنظر السلم ترى مقبلة من بعيد وهي تسعى مبطئة ثقيلة، وتمشي على استحياء، وفي تردد واضطراب، والناس ينظرون إليها ولا يكادون يرونها، ولا يكادون يتبينون من ملامحها ما يؤذنهم بأنها ستحمل إليهم سعادةً وأمنًا، أو ستحمل إليهم شقاءً وخوفًا.

    وقد تعلَّم الناس منذ أقدم العصور أنهم يستطيعون أن يطمئنوا وأن يقلقوا، وأن يأمنوا وأن يجزعوا، فذلك لا يغني عنهم شيئًا، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والخير كل الخير أن يصبروا ويثبتوا، أو يستقبلوا الأيام بالأمل والرجاء، والرغبة في الخير والحرص عليه؛ فمن يدري؟ لعل الأيام أن تحقق لهم بعض ما يأملون.

    هل ذهب الخوف؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٣ مايو ١٩٤٥

    أمَّا أن العالم قد تلقَّى أيام النصر بالرضا والابتهاج، فذلك شيء لا شك فيه ولا غرابة فيه أيضًا. فقد حقن استسلام ألمانيا دماء غزيرة كانت تُراق، لا نقول في كل يوم، ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وأمن الآباء والأمهات على من بقي من أبنائهم بعض غوائل الحرب، وإن لم يأمنوا غوائل الحرب كلها؛ لأنها ما زالت قائمة مستعرة في الشرق الأقصى، فمن الطبيعي أن يبتهج الناس بانهيار ذلك الصرح الآثم الذي كان الموت يخرج منه ويأوي إليه، والذي كان مصدرًا للهول، وموردًا للهول في قلب أوروبا.

    ولكن هناك أشياء محققة لا معنى لإنكارها ولا للجدال فيها؛ فلم يكن ابتهاج الناس بالانتصار في أوروبا خالصًا من كل شائبة، ولا مطلقًا من كل قيد، ولا مُبرَّءًا مما يكدره وينغصه. فالخوف لم يذهب كله، وإنما بقي منه شيء غير قليل، مصدره هذه الحرب المتصلة في الشرق الأقصى، والتي اضطرت المستر تشرشل إلى أن يقول في بعض أحاديثه لمواطنيه إنهم سيستمتعون بوقت قصير من أوقات الراحة والابتهاج، ثم يستأنفون الجد والجهد والعمل؛ حتى يضطروا اليابان إلى مثل ما اضطرت إليه ألمانيا من الاستسلام.

    وقد سمعنا المذيعين يتحدثون في الراديو أمس من بريطانيا العظمى وأمريكا أن العالم سيشهد منذ الآن حركة نقل هائلة لا نظير لها في التاريخ، وذلك حين يُنقَل الجنود وأداة الحرب من أوروبا إلى الشرق الأقصى؛ فالأمريكيون وحدهم ثلاثة ملايين من الجند يُراد تحويلهم من الميدان الغربي إلى الميدان الشرقي، ومعهم عتادهم وأدواتهم المختلفة.

    فإذا أُضيف إلى ذلك ما سينقله البريطانيون ومن سينقلهم البريطانيون من أداة الحرب ورجالها إلى هذا الميدان، وما لا تزال أمريكا ترسله مباشرة من الوطن الأمريكي إلى الشرق الأقصى؛ عرفنا أن الإنسانية لم يُتَحْ لها بعد أن تطمئن وتستقر، وأن الناس لم يُتَحْ لهم بعد أن يثوبوا إلى أوطانهم، ويئوبوا إلى ديارهم، ويطمئنوا إلى أهلهم، ويستأنفوا العمل الذي يثمر وينتج في ظل الأمن والسلام.

    فهذا مصدر من مصادر الخوف، ولكن للخوف مصادر أخرى قد لا تكون أقل من هذا المصدر هولًا، فقد ألقت ألمانيا السلاح ولكن آثار الحرب لم تُلْقِ السلاح، ولن تلقيه قبل وقت طويل.

    وأظهر هذه الآثار هذا البؤس الشائع الذي يغمر المنتصرين والمنهزمين جميعًا، والذي يُعرِّض بعضهم للحرمان المؤلم، ويُعرِّض بعضهم الآخر للحرمان المميت.

    وقد تحدث إلينا الراديو أمس من بريطانيا العظمى بأن الإنجليز سيجدون مشقة غير قليلة في التموين، وستُخفَّض حظوظهم من بعض المواد الغذائية، وقيل مثل ذلك بالقياس إلى أمريكا. فأما البلاد المحررة، فالبؤس فيها أظهر من أن يحتاج إلى الوصف، وأما الشعب المغلوب فهو يعيش بين أنقاضه كما تعيش الجرذان. فقد بدأ الأمريكيون يشعرون بشيء من الرثاء له والعطف عليه، ويتصدقون عليه ببعض الغذاء. ولم تكد أنباء ذلك تذاع حتى سخطت الأمم المحررة، وقال قائلوها إن الأمريكيين يسرعون إلى نجدة العدو المغلوب أكثر مما أسرعوا إلى نجدة الصديق المنتصر.

    وإذن؛ فالخوف لم يذهب كله من هذه الجهة أيضًا، وما زال كل إنسان في أوروبا مشفقًا على نفسه وعلى ذويه من أعقاب الحرب، حتى حين يُتاح له أن يستقر في وطنه ويطمئن في داره وبين أهليه.

    وما نظن أن في أوروبا أسرة لم تفجعها الحرب في واحد أو غير واحد من أبنائها، وما نظن أن في أوروبا أسرة لا تجد شيئًا من القلق على واحد أو غير واحد من أبنائها قد أفلت من الموت، ولكنه لم يفلت من الجراحات أو من الأمراض التي اقتضتها الحرب.

    فابتهاج هؤلاء الناس بالانتصار لا يمكن أن يكون صفوًا ولا خالصًا من كل شائبة، وإنما هو ابتهاج إضافي هو أشبه شيء بتنفس المكروب الذي كان ينتظر أهوالًا تُصَبُّ عليه إلى غير حد، فرفعت عنه الأهوال بعد أن أخذ منها بحظ ثقيل بغيض.

    وليس هذا كل شيء فهذا الانتصار الذي يدعو الناس إلى الرضا والابتهاج لا يُقْبِل عليهم بوجه مشرق مضيء، وإنما يُقْبِل عليهم بوجه لا يخلو من بعض العبوس. فقد استقبل العالم الانتصار في أعقاب الحرب الماضية مع شيء من الأمن لا يعرفه في أعقاب هذه الحرب.

    لم يكن بين المنتصرين في الحرب الماضية ما نشهده الآن من هذه المظاهر العنيفة المخيفة للخلاف، وإنما أنفق العالم شهرًا أو شهرين مستمتعًا بالأمن والفوز، ولم تظهر الاختلافات السياسية بين المنتصرين إلا حين تقدمت المفاوضات شيئًا في مؤتمر الصلح، ثم لم تكن هذه الاختلافات مزعجة ولا مخيفة.

    أمَّا في هذه الحرب فقد ظهرت الاختلافات قبل أن يستسلم العدو، وظهرت مباعدة بين المختفين ومتخذة ألوانًا من العنف، كانت تشغل الناس أحيانًا عن شئون الحرب نفسها. فلما تم استسلام العدو خلا الميدان للجدل والخلاف، وأي شيء أظهر من أن النصر لم يُعْلَن في يوم واحد عند الحلفاء جميعًا، وإنما أُعلِن في الغرب يوم الثلاثاء، وأُعلِن في شرق أوروبا يوم الأربعاء.

    ولم يَرَ العالم في أعقاب الحرب الماضية ضحية خطيرة للاختلاف كهذه الضحية التي تُرى الآن. فالدولة البولندية التي أُعلِنَت الحرب من أجلها، والتي فقدت ثلث شعبها، والتي خسرت أكثر ثروتها الاقتصادية، والتي شاركت جيوشها في الانتصار الفعلي شرقًا وغربًا. هذه الدولة ضائعة بين الروسيين والسكسونيين، كلٌّ يؤكد أنه يريد بها الخير ويؤثرها بالعافية، ونتيجة هذا أنها غائبة عن مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين لا يقبلون حكومة لندن، ولأن السكسونيين لا يقبلون حكومة لوبلين.

    فأما البولنديون أنفسهم فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؛ لأنهم خاضعون سواء رضوا أو كرهوا لسلطان أولئك أو لسلطان هؤلاء.

    ثم لا يقف الأمر عند المشكلة البولندية، وإنما المشكلات تنبت في كل مكان، وتظهر في كل يوم. فمشكلة النمسا، ومشكلة تريستا، ومشكلة الوصاية، ومشكلة مجلس الأمن، ومشكلة الترك والروس، وما شئت من المشكلات التي لا تدري متى تنقضي، ولا كيف تنقضي.

    والشيء الذي نرجو ألا يشك فيه القارئ، هو أن هذه المشكلات كلها على شدتها وحِدَّتها لن تصل من العنف إلى غايته، ولا بد من أن تجد لنفسها أو يجد المنتصرون لها حلولًا دائمة أو مؤقتة، ولكنها قائمة على كل حال. وقيامها واشتدادها واختلاف الناس في فهمها وفي حلها، كل ذلك يمنع الابتهاج بالنصر من أن يكون صفوًا خالصًا من كل شائبة، فهو ابتهاج حزين إن صح هذا التعبير، وهو ابتهاج قلق من غير شك.

    على أن هناك شعوبًا أخرى لا تشارك في هذه المشكلات من قرب أو بعد، وإنما تشهدها كما يشهد المحايد من الأمر ما يسوءه حينًا ويرضيه حينًا آخر. وهذه الشعوب قد شاركت في الحرب مشاركة قوية أو ضعيفة، وأعانت المنتصرين معونة إيجابية أو سلبية، وذاقت مرارة الحرب، واصطلت نارها على كل حال، وكان من حقها أن تستقبل النصر مبتهجة له مغتبطة به لا يشوب ابتهاجها حزن، ولا يشوب اغتباطها قلق أو خوف.

    ولكنها مع ذلك لم تظفر بهذا الابتهاج الصفو، ولم تنعم بهذه الغبطة الخالصة، وإنما تلقَّتْ أنباء الفوز، فابتسمت لها ابتسامة سريعة مرت على الثغور مر السحاب، ثم مضت هذه الشعوب في حياتها جادة محزونة قلقة، أقل ما تُوصَف به أنها ليست راضية عن يومها، ولا مطمئنة لغدها، وأنها لا تحفظ من أمسها إلا ذكريات مؤلمة تبعث في النفوس شيئًا غير قليل من الأسى والشك وخيبة الأمل.

    وهذه الشعوب هي التي سمعت الوعود فصدقتها، ووثقت بها وعاشت معها، على أنها حقائق واقعة تخفيها الحرب العنيفة المخيفة، ولا تلبث أن تظهر حين تنجلي غمرات الحرب.

    وقد نظرت هذه الشعوب ذات يوم فإذا الوعود التي كانت ناطقة في الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، تؤثر الصمت ثم تستخفي شيئًا، ثم تغيب عن القلوب، وتحتجب عن العيون، وتقوم مقامها مظاهر السياسة القديمة التي ألفها الناس قبل هذه الحرب، وضاقوا بها وظنوا أنهم لن يعودوا إليها، أو أنها لن تعود إليهم، ثم أصبحوا فإذا هم غارقون فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان. فيكف تريد من هذه الشعوب أن تفرغ للفرح والابتهاج، وتذود عن نفسها القلق والخوف، والأمور من حولهما تجري كأن الحرب لم تَثُرْ، وكأن الحرب لم تنتهِ إلى هذا الفوز العظيم؟!

    هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا كاملًا شاملًا لا يشوبه قلق، ولا يكدره خوف؟! أم هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا رسميًّا نظر إليه الشعب باسمًا، ثم مضى في عمله كما يمضي في كل يوم يملأ قلبه الجد، ويملأ قلبه القلق، ويملأ قلبه أمل لا يدري متى يتحقق، وإن كان واثقًا بأنه سيتحقق في يوم من الأيام.

    وأما استسلام ألمانيا فقد كانوا ينتظرون منه لأنفسهم خيرًا كثيرًا عاجلًا، ولكنهم نظروا فإذا ألمانيا تنهار، وهتلر ينتحر، والديمقراطية تنتصر. وهم في أثناء ذلك كما كانوا قبل ذلك، وكما كانوا قبل إعلان الحرب يتمنون أشياء يرونها حقًّا لهم، فلا يُجابون إليها، ولا يُرَدُّون عنها، وإنما يعلَّقون بين كلمات نعم ولا.

    ولم يأتِ الوقت بعد. وقد يأتي الوقت بعد انتظار يقصر أو يطول، وهم يرون أن الانتصار لم يكد يُعلَن حتى رُدَّت الحرية إلى الناس في بلاد الإنجليز، وأُلْغِيَت القيود وزالت رقابة الصحف، واستطاع الناس أن يعيشوا أحرارًا كما كانوا يعيشون قبل الحرب مع أن الحرب لم تنتهِ بَعْدُ بالقياس إليهم، وما زالت تكلفهم جهودًا هائلة، وتُعرِّضهم لأخطار هائلة، وتصب عليهم أهوالًا مُروِّعة.

    فرءوا هذا كله وفكروا فيه ورضوا عنه، ثم نظروا إلى أنفسهم، فإذا هم بعد إعلان الفوز كما كانوا قبل إعلان الفوز لم تُرَدَّ إليهم حرية، ولم يُرفَع عنهم قيد، ولم يخلصوا حتى من رقابة الصحف، وهم مع ذلك لا يحاربون إلا حربًا نظرية.

    كانوا يأملون أن يُقال لهم يوم النصر: ابتهجوا معنا؛ فستخلص لكم حريتكم كاملة، ستجلو عن وطنكم جيوش الحلفاء، وسيستمتع وادي النيل باستقلاله شاملًا كاملًا موفورًا. ابتهجوا معنا؛ فأنتم منذ اليوم أحرار قد رُفِعَتْ عنكم القيود التي فرضتها طوارئ الحرب كلها أو أكثرها، وستستأنفون حياتكم كما كنتم تحيونها قبل الحرب، لا يحد من حريتكم في القول والعمل إلا القانون العام.

    كانوا ينتظرون أن يُقال لهم ذلك، فلم يُقَل لهم منه شيء، وإنما سمعوا المدافع تُطلَق، وسمعوا الراديو يذيع أنباء النصر فابتسموا ومضوا لشأنهم ينظرون إلى الأعلام المرفوعة يعبث بها النسيم عبث المداعب، ولكنهم لا يكادون يلقون إلى شيء من ذلك بالًا.

    أَتُراهم يُلامون؟!

  • طه حسين والمرأة | Women’s rights and education

    الاصلاح والعمران
    طه حسين
    مجلة الهداية
    ~١٩١٠
    الآن كثر القول في مسألة المرأة، فاقتحمها الكاتب والشاعر والخطيب، ولم تبقَ صحيفة من الصحف العربية إلا طرقت هذا البحث وسلكت فيه سبيلًا، وكذلك الأندية العامة ومجالس السمر، لم يبقَ منها ندي ولا مجلس إلا اتخذ هذا الحديث من شئونه وأسماره. وهذه مقدمة لازمة لكل فكرة عامة تريد أنْ تأخذ نصيبها من الوجود الكامل، وتنال قسطها من الحياة الدائمة؛ فإن الناس لا يعدلون طريفًا بتليد ولا يميلون عن قديم إلى جديد إلا إذا أهابت بهم من المصلحين أصواتٌ لها قصيف الرعد وزئير الأسد، تزلهم عما كانوا عليه وتحملهم على ما يُدعَوْن إليه.

    سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

    وإذا عُني الرجال في هذه الأيام بمسألة المرأة، فإنما يُعنَون بمسألتهم قبل كل شيء؛ إذ كان ما ينالهم وينال أنسالهم من هوى أو رقي نتيجة لازمة لما تكون عليه حال المرأة من صلاح أو فساد.

    كيف لا، والمرأة هي قالب النوع الإنساني يفرغه الله فيه ويصوغه على مثاله؟!

    تحمل وليده تسعًا وترضعه شفعًا، وتربوه طفلًا، وتُأدِّبه يانعًا، وترشده غلامًا وكهلًا.

    أفلا يكون حقًّا على الرجل بعد ذلك أنْ يختص مسألة المرأة بالبحث والتمحيص، ويُصفِّي جوهرها من أخلاط الشك وأدناس الوهم، حتى تخلص من كل شائبة وتصير من قلبه إلى مكان اليقين.

    بلى، إنَّ هذا حق لا شك فيه ولا مندوحة عنه؛ ولذلك لم نجد بدًّا من أنْ نلقي دلونا في الدِّلاء، ونضرب مع القائلين بسهم في مسألة المرأة؛ رغبة في تأييد الحق والذود عنه، واستجابة لهذا الدعاء المحزن الذي يصدر عن بنات النيل، وفيهن أخواتنا وأهل مودتنا الآن، ومنهن زوجاتنا وبناتنا في مستقبل الدهر ومستأنف الأيام.

    ذلك الدعاء المحزن الذي يرسلن به أصواتًا فاترة على أنها تنال من نفوس الرحماء وتبلغ من قلوب الصالحين، غير أنَّ لكل كاتب في أي مسألة من المسائل حدًّا يجب أن لا يتعداه، ومدى يجب أنْ ينتهي إليه وحدنا في هذه المسألة، إنما هو دين الله الذي أنزله شفاء لأدواء الأفراد والأمم وإصلاحًا للفاسد من أمورهم؛ فعلينا أنْ نقف عنده ولا نتعدَّى حدَّه، ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون.

    على هذا الأصل الصحيح، نقول: إنَّ رُقيَّ المسلمين رهين بأن يرجعوا إلى أصول دينهم الذي أهملوه، وكتابهم الذي أغفلوه، فيتمسكوا بأسبابها، ويتعلقوا بأهدابها، وعلى غير ذلك لا تقوم لهم قائمة ولا يصلح لهم جيل.

    حرية المرأة
    ليست مسألة المرأة منحصرة في الحجاب أو السفور، كما يظن بعض الكاتبين، وإنما ترجع في الحقيقة إلى أصلين كبيرين؛ أحدهما: تربية المرأة، والثاني: حريتها. ولسنا بقائلين في الأصل الأول شيئًا اليوم، وإنما نرجئه إلى الفصول التالية؛ لأنه يحتاج إلى كلام كثير، وسنكتب الآن في الأصل الثاني، فنقول:

    الحرية المطلقة ظل الحياة المطلقة، فحيثما وُجِدت الأولى يجب أنْ تُوجَد الثانية. ومعنى ذلك أنَّ الحرية المطلقة حق فطري للذكر والأنثى من الحيوان على السواء، وليس الإنسان إلا فردًا من أفراد الحيوان، وفرعًا من فروعه؛ فالرجل والمرأة إذن قسيمان في الحرية المطلقة، والمنفعة وحدها هي التي تحد هذه الحرية العامة بحدود العقل والعادة والدين؛ فكل ما يفيد حرية الرجل من هذه الحدود يفيد حرية المرأة كذلك.

    هذا شيء متفق عليه لا معنى للبحث عنه والجدال فيه، وإنما نبحث عما جعل للرجل سلطانًا على المرأة، وميَّزه عليها وقيَّدها بقيود خاصة لا ينال الرجل منها شيء، ونقول: ليس لهذه القيود مصدر إلا نظام الأسرة؛ فهو الذي اقتضى أنْ يكون للرجل قيامة على المرأة، فيكسب لها القوت ويجمع من أسباب الراحة والدعة ما يُمكِّنها من أنْ تقضِيَ حاجَ المنزل، وتقوم على تربية البنين والبنات، وليس من الممكن غير ذلك؛ لأنه مقتضى الفطرة والطبيعة، ولكن هل قيام المرأة بحاج المنزل وفروض التربية يقضي بأن تُسلَب حريتُها، وتُقصَر في القيود كما تُقصَر الأمتعة.

    هذا ما لا يمكن القول به، بل يجب القول بنقيضه؛ فإن المرأة إذا لم تكن مطلقة اليد، حرة في أعمالها وأقوالها، يستحيل أنْ تقوم بما يجب عليها حق القيام.

    لذلك لم يأتِ الدين الإسلامي بما يُقيِّد هذه الحرية أو يقص جناحها، وإنما جاء بما يجعل هذه الحرية صالحة نافعة يقوم بها أمر المرأة وتنتظم أحوالها.

    ما الذي فرضه الإسلام على المرأة؟ وما الذي أمرها به؟

    فرض عليها العفة، كما فرضها على الرجل، وأمرها بأن تتجنب سبيل الظنة، كما أمر بذلك الرجل. عرف أنَّ في المرأة وجمالها فتنة للرجل هي مظنة الفسوق؛ فنهاها عن أنْ تبدي من زينتها ما تستطيع إخفاءه وهو غير الوجه واليدين؛ فقد قال القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وفهم المسلمون من هذه الزينة الظاهرة الوجهَ واليدين، فأي تكلف في هذا الأمر؟! وأي عناء ينال المرأة من اتباعه؟!

    ما الذي تريده المرأة إذا أباح الله لها أنْ تظهر من زينتها مثل ما يظهره الرجل.

    لم يأخذها الإسلام بحجاب ولا نقاب، ولئن سألتَ الذين ينتحلون ذلك على الإسلام من أي آية في كتاب الله، وأي حديث في سُنة نبيه أخذتم حكم الحجاب والنقاب لَينالهم الإعياء والقصور!

    أباح الإسلام للمرأة أنْ تخرج من منزلها، فتغشى مجالس العلم ومساجد الصلاة، ومواضع الرياضة في غير ما فتنة ولا فسوق.

    عرف الإسلام من طبيعة الرجل والمرأة أكثر مما نعرف، فحظر عليها أنْ تخلو بالأجنبي، كما حظر ذلك على الرجل، وأي مصلحة عامة أو خاصة ينالها الإنسان من خلوة الأجنبي بالأجنبية؟! ليست هناك مصلحة ما، ولكن هناك مفاسد كثيرة، إنْ لم تكن متحققة فهي مظنونة التحقق، والمظنة مبنى الأحكام في الأديان والشرائع قديمًا وحديثًا. ومن اختبر النساء وابتلى طبيعتهن عرف أنَّ المرأة مهما كانت طاهرة الذيل نقية الجيب عفيفة النفس؛ فإنها مظنة الانخداع بأماني الرجال ووعودهم، ولا سيما إذا قُرِنت إلى الثناء. ولله در «شوقي» حيث يقول:

    خدعوها بقولهم حسناءوالغواني يضرهن الثناء
    عرف الإسلام ضعف المرأة عن المقاومة البدنية والنفسية؛ فحظر عليها أنْ تسافر إلا مع زوج أو محرم يدفع عنها ختل الخاتل وشر الغائل، فما الذي تسمو إليه المرأة بعد ذلك؟!

    وكيف يُعد هذا تقييدًا لحريتها، وهو في الحقيقة مبالغة في العناية بها؟! هل أخطأ الإسلام في أن عُنِي بأمر المرأة، ورفع من شأنها حتى جعلها لا تسافر إلا مع الحرس والمحافظين عليها؟!

    من هذا كله تنتج نتيجة لازمة، وهي أنَّ الإسلام قد جاء للمرأة بأحسن نظام تسمو إليه، وسنَّ لها أقوم سُنَّة تطمع فيها، وإنها لو اتبعت ذلك النظام واستنت هذه السُّنَّة، لبلغت أقصى ما تطلبه وتطمع فيه من الرقي والكمال.

    ولنُلخِّص في كلمات قليلة حكم الإسلام في المرأة وحريتها، فنقول:

    لا فرق بين المرأة والرجل في الحرية، وكلاهما مأمور بمكارم الأخلاق، منهي عن مساوئها، محظور عليه أنْ يتعرض لمظان الشبه؛ فالمرأة لا تخلو بالأجنبي، ولا تسافر وحدها، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ولها بعد ذلك أنْ تفعل ما تشاء في غير إثم ولا لغو. لها أنْ تطرح النقاب وترفع الحجاب، وتتمتع بلذات الحياة كما يتمتع الرجل، وليس عليها إلا أنْ تقوم بما أخذت به من الواجب لنفسها وزوجها والنوع الإنساني كافة.

    هذا هو حكم الإسلام في المرأة، وهو رأينا الذي لا نحيد عنه، ولا نعدل به رأيًا آخر.

    المروق
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢٨ يونيو ١٩١٠

    أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

    كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

    كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

    ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

    لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).

    الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

    بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

    ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

    كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

    أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

    وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

    قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

    أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

    أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

    أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

    اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.

    في وزارة المعارف
    حول مدارس البنات
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ ديسمبر ١٩٢٣

    لا أعرض اليوم لتعليم البنات في نفسه، وإنما أعرض لمسألة ليست منه ولكن تمسه في جوهره؛ فقد يُقال إن وزارة المعارف اعتزمت أن تُقيل الأجنبيات اللاتي يُدِرْنَ بعض مدارس البنات، وتقيم مكانهن لإدارة هذه المدارس سيدات مصريات، ويظهر أن هذا الأمر قد تجاوز العزم وأوشك أن يُنفَّذ ويصبح أمرًا واقعًا. فمن الحق أن نفكر فيه قليلًا وأن نتحدث فيه إلى وزير المعارف بما نرى قبل أن تتورط الوزارة في تنفيذه فتسيء إلى هذه المدارس وتسيء إلى التعليم فيها.

    ولقد نعلم أنَّا سنغضب قومًا، ولكننا نعتذر إليهم، ونعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فلن يغضبوا، بل نعتقد أنهم إن فكروا قليلًا فسيشاركوننا في الرأي وسيشجعوننا عليه؛ فالمنفعة فوق العاطفة ولا سيما في أمور التعليم.

    حسن أن يترك الأجنبي مكانه للمصري في جميع مناصب الحكومة على اختلافها، ولكن على شرط أن يكون المصري الذي يخلف الأجنبي أشد منه كفايةً أو مساويًا له في الكفاية على أقل تقدير؛ فإن المنصب من حيث هو ليس غاية وطنية، ولا ينبغي أن يكون غاية وطنية، وإنما هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة الوطنية العامة. وإذا كان وسيلة إلى تحقيق المنفعة فينبغي ألَّا يُوضَع فيه إلَّا من هو أهل لتحقيق هذه المنفعة، قادرٌ على احتمال أعبائها. وواضح أنه إذا تساوى المصري والأجنبي في الكفاية، فالحق والإنصاف والمنفعة أيضًا كل ذلك يقضي بأن يكون المنصب للمصري دون الأجنبي، لا نزاع في ذلك ولا معنى للمناقشة فيه. ولكن ما تقول في أجنبي كيف يُقال من منصبه؛ لأنه أراد أن يُقال أو لأن الحكومة أرادت أن تقيله ثم يوضع مكانه مصري أقل منه كفاية وأضعف منه قدرة على احتمال أعباء المنصب؟ قد يكون في وضع المصري مكان الأجنبي إرضاءٌ لهذه العاطفة العامة التي نريد أن تكون أمورنا إلينا، والتي هي في نفسها حق، والتي شغف بها الجمهور شغفًا شديدًا. ولكن إرضاء هذه العاطفة لا ينبغي أن يكون في نفسه غاية، وإنما يجب أن يُحتاط فيه الاحتياط كله، وأن يُنظر إليه من حيث هو وسيلة إلى تحقيق المنفعة كما قلنا، فالحكومة ومناصبها لم تنشأ ليختص بها المصري دون الأجنبي أو الأجنبي دون المصري قبل كل شيء، وإنما أُنشِئَت لتدبير أمور الدولة ومنافعها. فإذا كان المصريون قادرين على هذا التدبير فهم أحق الناس بالحكم ومناصبه، وإلَّا فهم مكلَّفون أن يستعينوا بالأكْفاء من الأجانب مهما يكونوا. وليست الغضاضة على العاطفة الوطنية أن يقوم الأجنبي مقام المصري، وإنما الغضاضة حقًّا أن تفسد الأمور العامة وأن تفسد بنوع خاص تحت إشراف بعض المصريين الذين ليس لهم من الكفاية حظٌّ موفور. هذه هي الغضاضة حقًّا، بل هي شرٌّ من الغضاضة؛ لأن فيها ضياع المنفعة من جهة، وإقامة الدليل للخصم على سوء تصوُّرنا للأمور من جهة أخرى. فالوطني المخلص لا يُطالب بأن يقوم كل مصري مقام كل أجنبي في تدبير الأمور العامة ومنها التعليم، وإنما يُطالب بأن يقوم المصري مقام الأجنبي كلما كان لهذا المقام أهلًا، فإذا لم يكن المصري أهلًا لهذا المقام، فالوطني المخلص يستعين بالأجنبي ويُلِحُّ في الاستعانة بالأجنبي حتى يبلغ المصريون حظهم من الكفاية. نظن أن هذه القضايا واضحة بَيِّنَة، ونظن أن المصريين جميعًا يقدِّرونها ويريدون أن تُتَّخَذَ أساسًا في إسناد المناصب إلى المصريين وغير المصريين.

    وإذن فلنرجع إلى أنفسنا ولنتساءل عن مدارس البنات وعن حظ المصريات من الكفاية لإدارتها والإشراف عليها، ولنطالب وزارة المعارف بألا تتعجل في وضع السيدة المصرية في هذه المدارس مكان السيدة الأجنبية لترضي هذه العاطفة العامة التي أشرنا إليها، دون أن تفكر في المنفعة تفكيرًا دقيقًا صحيحًا، ودون أن تتبين بعد البحث الطويل والأناة الشديدة أن لهؤلاء السيدات المصريات اللاتي يرشحن للقيام مقام الأجنبيات من حسن الخلق ومن الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية، ما يجعلهن أهلًا لهذه المناصب التي ستسند إليهن. نعم! نطالب وزارة المعارف بأن تفكر وتمعن التفكير في هذا كله. فوزارة المعارف تعلم أن تعليم البنات والإشراف على مدارسهن في مصر من أدق المسائل وأشدها حاجة إلى الروية والأناة وحسن الاختيار، وإذا كان حسن الخلق شرطًا أساسيًّا للعمل في أي منصب من المناصب، فهو أهم الشروط الأساسية للعمل في مناصب التعليم، وفي تعليم البنات بنوع خاص، وفي الإشراف على مدارسهن بنوع أخص. وقل مثل هذا في الكفاية الإدارية والعلمية والتعليمية. فهل من اليسير حقًّا على وزارة المعارف أن تجد سيدات مستوفِيَات لهذه الشروط استيفاءً يمكِّنهن من الإشراف على مدارس البنات؟ نرجو أن يكون ذلك يسيرًا، ولكننا نخشى ألَّا يكون من اليسر بحيث تظن وزارة المعارف. ولسنا مسرفين في هذه الخشية؛ فنحن نعلم أن تعليم البنات في مصر ليس من الجودة والإتقان، بل لم يكن في يوم من الأيام من الجودة والإتقان بحيث يستطيع أن يُخرِج سيدات قادرات حقًّا على الإشراف على مدارس البنات، وحل ما يعرض فيها من المسائل الدقيقة في التربية والتعليم.

    لم يكُن تعليم البنات في مصر جيدًا ولا متقَنًا في يوم من الأيام، ونحن نريد أن يكون جيدًا وأن يكون متقنًا في المستقبل القريب. فليس مما يسهُل الوصول إلى هذا الغرض أن ننصب لإدارة مدارس البنات سيدات تنقصهن الخبرة أو تعوزهن الكفاية. وعندنا أن مصر تستطيع أن تحتمل راضية إشراف الأكفاء من الأجنبيات على مدارس البنات؛ حتى يتم لها إصلاح هذا النوع من التعليم، والوصول بمدارسه إلى تخريج سيدات يضارعن الأجنبيات التي أخرجتهن جامعات أوروبا.

    نعم، تستطيع مصر أن تحتمل هذا راضية، بل هو أهون عليها من هذا الانخداع بالمظاهر الذي يُخيِّل إلينا أن أمورنا في أيدينا، ثم لا يلبث أن يثبت لنا وللناس أننا طمِعنا فيما لا نستطيع أن نحسنه، وتكلفنا الاستقلال بأمورنا فلم نوفَّق إلى إحسان تدبيرها.

    وإذن فقد يصح أن نطلب إلى وزير المعارف ألَّا يتعجل في مثل هذا الأمر، فإذا لم يكُن له بُدٌّ من أن يرى المصريات مستأثرات بأمور التعليم، فليهيئ لذلك أسبابه، وليسارع إلى تهيئة هذه الأسباب، وليبدأ منذ الآن في إصلاح ما لدينا من تعليم البنات، ولا سيما في مدارس المعلِّمات، وإيجاد ما ينقصنا من هذا التعليم؛ فهو إن يفعل يمهِّد السبيل حقًّا لإشراف المصريات على أمور التعليم، يمهِّد هذه السبيل بما يُصلِح من الأخلاق وبما يوسِّع من الاطلاع وبما يقوِّي من الكفاية الفنية. وكل هذه كما قدمنا شروط لازمة لإدارة مدارس البنات، وهي — فيما نعتقد — لا تزال تنقصنا إلى الآن.

    فوز
    كوكب الشرق
    ٢٦ – ٦ – ١٩٣٣
    الناس مصروفون في هذه الأيام بالأحداث السياسية وبما يصيبهم من المحن المختلفة في حياتهم العامة والخاصة عن أشياء ما كانوا لينصرفوا عنها لو أنهم يحيون حياة طبيعية قوامها الهدوء والاطمئنان ولكنهم قد حرموا هدوء النفوس وحيل بينهم وبين اطمئنان القلوب فهم لا يخرجون من خطب إلا إلى خطب، وهم لا يخلصون من حدث إلا إلى حدث. وهم لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا، وخلا بعضهم إلى بعض إلا عن هذه الكوارث الملمة والحوادث التي لا تُرى ولا تُسر. فكيف يتاح لهم مع ذلك من رضا النفوس وفراغ البال ما يمكنهم من أن يفرحوا بما يوجب الفرح ويغتبطوا بما يبعث الغبطة ويبتهجوا بما يدعو إلى الابتهاج. ومع ذلك فالله – عز وجل – لا يريد أن تكون حياة الناس شرًّا كلها ولا حزنًا كلها، وهو لا يريد أن يخليها مما يسر ويبعث على الرضا.
    ولقد حدث في الحياة المصرية منذ أسابيع حدث لو أن المصريين ينعمون بحياتهم الطبيعية لما مر في هذا الصمت العميق الذي مر فيه. فهذه الجامعة المصرية قد أهدت إلى مصر لأول مرة الطبقة الأولى من الفتيات اللاتي أتممن دراسة الآداب والحقوق، وظفرن فيها بدرجة الليسانس. ولو قد حدث هذا الحادث منذ ثلاثة أعوام لاغتبطت به مصر أشد الاغتباط، ولأثار في مصر أشد ما تثيره الحوادث من عناية الأفراد والجماعات، ولكنه لم يثر شيئًا في هذا العام، لأن الناس عن الخير القليل في شغل بهذا الشر الكثير الذي يأخذهم من كل ناحية، ويفسد عليهم حياتهم كلها.
    لأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة مصرية قد درست اللغة العربية واللغات الشرقية وآدابها، وظفرت بدرجة الليسانس، وهي الآنسة سهير القلماوي، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاة درست اليونانية واللاتينية وآدابها وظفرت فيهما بدرجة الليسانس وهي الآنسة فاطمة سالم، ولأول مرة أخرجت كلية الآداب فتاتين درسَتا الفلسفة وعلوم الاجتماع ونالتا فيها درجة الليسانس وهما الآنسَتَان زهيرة عبد العزيز، وفاطمة فهمي.
    ثم لأول مرة أخرجت كلية الحقوق فتاة درست علوم القانون وظفرت فيها بدرجة الليسانس وهي الآنسة نعيمة الأيوبي. وعما قليل تخرج كلية العلوم وكلية الطب فتيات أخريات درسن العلوم الخالصة ودرسن الطب وفروعه وظفرن في هذا كله بالدرجات الجامعية.
    فأي حدث خطير هذا الحدث في حياتنا المصرية العقلية والاجتماعية، وأي فوز عظيم هذا الفوز لأنصار الرقي والنهوض وأصحاب تحرير المرأة والتسوية بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وأي أمل عظيم يبسط هذا الحادث أمام المصريين في أن يروا أنفسهم كغيرهم من الأمم الراقية، لا يختص فيهم بالعلم فريق دون فريق، ولا يحتكر الثقافة فيهم جنس دون جنس، ولا يحتفظ الرجل فيهم بما كان يحتفظ به من أسباب التفوق والعلو والسلطان.
    رحم الله قاسمًا فلو قد عاش إلى هذه الأيام لسعد حين يرى جهوده قد وُفّقت، وآماله قد حُقّقت، وكفاحه قد انتهى إلى غايته. رحم الله قاسمًا لو عاش إلى هذه الأيام لوجد في هذا الفوز العظيم عزاء عما لقي في حياته من أذى وما احتمل في دعوته من مكروه، ولكن الله – عز وجل – يريد أن يبتلي المصلحين بالفتنة والمحنة، وقلما يتيح لهم أن يتعزوا في حياتهم عما يصيبهم من فتنة ومحنة كأنه يؤثرهم بإعظام الأجر لهم في حياتهم الثانية هذه التي لا يتعرض فيها النعيم لما يشوبه في حياتنا الأولى من كدر أو سوء.
    هؤلاء فتياتنا قد ظفرن بما يظفر به فتياننا من التعليم العالي، وانتهين إلى ما ينتهي إليه فتياننا من نيل درجاته والنجاح فيه فلنهنئ مصر بهذا الفوز ولنهنئ المرأة المصرية بهذا التوفيق ولنهنئ الجامعة المصرية بأنها هي التي مهدت السبيل إلى هذا الفوز والتوفيق، ولكننا لا نحب أن نكتفي بتسجيل الفوز، ولا نريد أن نقف عند تهنئة مصر والمرأة المصرية وآنساتنا الناجحات، وإنما نريد أن نعرف ماذا أعدت مصر، أو ماذا تريد أن تعد لهؤلاء الفتيات اللاتي خرجن من الجامعة واللاتي سيخرجن منها يتبع بعضهن بعضا. فقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها، ولم تصبح المرأة فيها كما كانت ترفًا وزينةً، وإنما أصبحت مقومًا لها كالرجل، ليس بينهما في ذلك فرق قليل ولا كثير. وقد تغيرت حياتنا كلها وعقليتنا كلها وأصبحنا لا نعلم الفتاة على أن يكون تعليمها ترفًا وزينةً لها ولأسرتها وبيئتها، وإنما نعلمها لتنتفع بالعلم كما ينتفع به الفتى فترقى كما يرقى، وتعمل في الحياة كما يعمل، وليس يكفينا أن يقال إن فتياتنا قد ظفرن بالدرجات الجامعية، وإنما نريد أن ينفع ظفرهن بهذه الدرجات وأن تفتح هذه الدرجات لهن أبواب النشاط في فروع حياتنا المختلفة. وكانت الجامعة قد فكرت في بعض ذلك منذ عامين فاتفقت مع وزير المعارف السابق على أن تفتح للجامعيات أبواب معهد التربية كما فتحته للجامعيين. وكانت هذه الفكرة قد وجدت من وزير المعارف السابق استعدادًا حسنًا، فألف لجنة نظمتها ووضعت لها الحدود، وبالغ في العناية بهذه الفكرة فقرر أن يأخذ على الطالبات عهدًا بالالتحاق بهذا المعهد، وأن يعتبرهن بعثةً في الجامعة، تعينهن وزارة المعارف بالمكافآت. ومضى وزير المعارف السابق في تنفيذ هذه الفكرة إلى أقصى حدوده، فقدم الطالبات إلى الكشف الطبي، وأخذ على بعضهن تلك العهود فلما ترك وزارة المعارف، وجاء الوزير القائم غير ما كان قد اتخذ من قرار، وفكر في أن يُنشِئ للفتيات معهدًا خاصًا، غلوًا منه في المحافظة، وإصرارًا منه على التقاليد، وأنكرنا عليه تلك الخطة لأن فيها عبثًا وإسرافًا، ولأن فيها تناقضًا واضطرابًا. فما دامت التقاليد قد أذنت أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في الجامعة فإنها تأذن – من غير شك – في أن يختلف الطلاب والطالبات إلى دروس العلم في معهد التربية على أن وزير المعارف لم يصنع شيئًا، فلا هو أنشأ معهدًا للفتيات، ولا هو أذن لهن في الالتحاق بالمعهد القائم، ومع ذلك ففي مصر تعليم ثانوي للبنات. وهذا التعليم محتاج إلى معلمات. وهؤلاء المعلمات تخرجهن الجامعات الأوروبية التي ترسل إليها وزارة المعارف فتيات مصريات يتعلمن فيها ويظفرن بدرجاتها. وقد أخذت الجامعة المصرية تمنح درجاتها لفتيات مصريات. فأيسر أصول الحق والعدل والمنفعة والاقتصاد تقضي على وزارة المعارف بأن تعتمد على هؤلاء الفتيات في إمداد المدارس الثانوية للبنات بمن يقمن فيها بأمور التعليم، وليس على التقاليد حرج في هذا، فمن اليسير أن تُقبل هؤلاء الفتيات في معهد التربية على ألا يخضعن لنظامه الداخلي حتى تستطيع وزارة المعارف أن تُهيئ ذلك لهن على ما يلائم التقاليد والدين والآداب، أي تستطيع وزارة المعارف أن تجد لهن دارًا يأوين إليها وحدهن إذا فرغن من الدرس.
    وقد ظفرت الفتاة الفرنسية خلسة منذ أعوام بالنجاح في مسابقة مدرسة المعلمين العليا، فاضطرت وزارة المعارف الفرنسية أن تفتح لها هذا الباب الذي كان مغلقًا في وجهها من قبل. وقبلت الفتاة في هذه المدرسة على ألا تخضع لنظامها الداخلي فليخط وزير المعارف هذه الخطوة فإن فيها الخير كل الخير، وليس فيها على التقاليد بأس ولا جناح.

    عوجاء
    كوكب الشرق
    ٨-٨-١٩٣٣
    نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.

    نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.

    وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.

    هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.

    وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.

    وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.

    لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.

    زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟

    هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.

    والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.

    إلحاح
    كوكب الشرق
    ٩\٨\١٩٣٣
    يظهر أنه سيتصل وسيتصل حتى يفتح الله على الوزارة وعلى هيئة كبار العلماء بما يخرجها من هذا الصمت المريب، ومن هذا السكون الذي لا يستطيع مسلم ولا مصري أن يرضى عنه أو يطمئن إليه. فقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الشعب المصري ليس طفلاً يمكن أن يكسب رضاه وينال إقراره بالمطاولة والمماطلة، أو بالتعلة والتلهية والاستعانة بالنسيان. وقد ينبغي أن تعلم الوزارة وأن تعلم هيئة كبار العلماء أن الذين يخاصمونها في أمر التبشير والمبشرين لا يريدون لهواً ولا لعباً، ولا يريدون كلاماً ينفق الوقت في كتابته وينفق مع هذه الأشياء التي يمضي بها كر الغداة ومر العشي دون أن ينتج أثراً، إنما هم يريدون الجد كل الجد، ويكتبون ليروا نتيجة ما يكتبون. فإن ظفروا بهذه النتيجة فذاك وإلا فهم ماضون في المطالبة بالحق والدعوة إلى أداء الواجب، وليس يضرهم أن تضع الوزارة أصابعها في آذانها، ولا أن تعرض هيئة كبار العلماء كأنها لا تسمع ولا تقرأ، فهم إن فاتهم استماع الوزارة والهيئة لهم فلن يفوتهم أن الناس يقرأون ويفقهون ويعلمون بعد القراءة والفقه، وبعد التدبير والتفكير أين يكون الدفاع عن الحق والنهوض بأداء الواجب وصون الحرمات، والذود عن الكرامة. أعند الذين يعلنون أنهم ناهضون بذلك، جادون فيه ثم لا يبلغون منه شيئاً، ولا يحققون منه قليلاً ولا كثيراً. إنما هو كلام يتبعه كلام وإعلان يليه إعلان؟ أم عند الذين يطالبون بالحق وهم لا يملكون إلا المطالبة به، ويدعون إلى الواجب وهم لا يملكون إلا الدعوة إليه، ويبذلون ما يملكون من قوة وجهد لتشجيع الذين يؤدون الحق إلى أهله وتأييد الذين ينهضون بالواجب وهم مخلصون؟

    مسألة لابد من أن يتبين فيها موقف الوزارة وموقف الشيوخ على أوضح صورة وأجلاها، لأنها لا تحتمل غموضاً ولا إبهاماً، ولا تقبل مماطلة ولا التواء. فإما أن تعمل
    الوزارة والهيئة فنشكر لهما مخلصين ما تعملان. وإما أن تقول الهيئة والوزارة فنعرف مدى ما تستطيعان أن تعملا. فأما السكوت والسكون، فأما الصمت والجمود فلن يفهم الناس منهما إلا أن الوزارة والهيئة عاجزتان كل العجز عن أوجب ما ينبغي أن تنهضا به أو مقصرتان كل التقصير عن النهوض بأوجب ما أنشئتا من أجله. وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين خليق أن يلزم الوزارة والهيئة التنحي عن هذا العمل الذي لا تستطيعان أو لا تريدان أن تنهضا به.

    نريد أن نعلم أكانت باطلة هذه الأحكام الشرعية التي أصدرها القضاء الإسلامي في أمر نظلة غنيم أم كانت صحيحة؟ فإن تكن باطلة فما بال الوزارة وهيئة كبار العلماء لا تعلنان بطلانها إلى الناس ليعلموا أن سكوتهما ليس عن عجز ولا عن تقصير، وإنما هو عن بغض للباطل وحب للحق وحماية للعدل وصيانة للقانون؟ وإن كانت صحيحة فما بالها لم تنفذ إلى الآن؟ وما هذه القوة الغريبة القاهرة التي تشل يد الوزارة وتحول بينها وبين إنفاذ هذه الأحكام؟ ثم نريد أن نعلم فيم وجد القضاء في مصر؟ أوجد ليصدر أحكاماً تعطل أم وجد ليصدر أحكاماً تنفذ؟ فإن تكن الأولى فما بال الوزارة لا تعلنه إلى الناس حتى لا يمنوا أنفسهم بالإنصاف والعدل اللذين يطلبونهما عند القضاء ما دام القضاء يؤدي واجبه فيقضي بالإنصاف والعدل ثم لا تمضي السلطة التنفيذية ما قضى به، وإن تكن الثانية فما بال هذه الأحكام التي أصدرها القضاء معطلة تنتظر التنفيذ، مهملة تنتظر الاحترام؟ أعطلت عن عمد أم عطلت عن كره من الوزارة؟ ومن الذي يكره الوزارة على أن تعطل أحكام القضاء؟ وتهمل تنفيذ القانون؟ أمصري هو أم أجنبي؟ فإن يكن مصرياً فمن هو؟ وما سلطانه؟ وكيف يتاح لمصري أن يكون سلطانه فوق سلطان الدولة؟ وأن يكون قادراً على تعطيل الأحكام وإهمال القانون؟ وإن يكن أجنبياً فمن هو؟ وبأي قوة يستطيع الأجنبي كائناً من كان أن يدخل بين المصريين إلى هذا الحد، وأن يكره الوزارة المصرية على إهمال قوانينها وتعطيل أحكام القضاء؟

    كل هذه مسائل لابد من أن تجيب عنها الوزارة، ولابد من أن يجيب عنها الذين نصبوا أنفسهم للدفاع عن الوزارة، والدعوة لها وإليها. فإن من العسير أن تعلن الوزارة ألف مرة ومرة في البرلمان وبعيداً عن البرلمان أنها ستحمي الإسلام من كل عدوان، وستقف أمر المبشرين عند حده، وستؤدي من ذلك ما يرضى الله ويرضى المسلمين. كل هذا يسير، ولكن الشيء الذي يريده الناس ولا يؤمنون إلا به ولا يطمئنون إلا إليه هو أن تبر الوزارة بالوعد حين تعد وأن تعمل الوزارة حين تقول. ومهما يقل دعاة الوزارة
    وأنصارها إنها قد أخذت في إنشاء الملاجي وبثها في أقطار مصر فلن يبلغوا من رضا الناس ولا من صرفهم عن هذه القصة التي بين أيدينا شيئاً. فإنشاء الملاجي كما قلنا واجب اجتماعي لا مندوحة لأي وزارة من الوزارات عن أن تنهض به سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، فهو ليس مقاومة للمبشرين، وإنما هو احتياط لابد منه لاتقاء المبشرين وغير المبشرين من الآفات الاجتماعية. إنما المقاومة الصحيحة للمبشرين هي هذه التي نطلبها حين نلح في فرض المراقبة عليهم، وفي رفع أيديهم عن أبناء المصريين وبناتهم، وفي استنقاذ هذه الأسيرة التي لم يجعل الله لغير المسلمين عليها سبيلاً.

    فليظهر وزير الداخلية ووزير الحقانية أنهما جادان حقاً في مقاومة التبشير، ناهضان حقاً بما يفرض عليهما منصب الوزارة من إمضاء أحكام القضاء، ومن إنقاذ القانون وحماية النظام. وإنه لكثير جداً أن نلح نحن في ذلك، وأن يلح فيه غيرنا من الكتاب الذين لم يحتكر لهم أحد حماية الإسلام، ولم ترزقهم الدولة أجورهم على أنهم علماء الدين وحماة الإسلام، وأن يظل هؤلاء الحماة من العلماء في هذا الصمت الرائع والسكوت العميق.

    هذا كثير، وأكثر منه أن يعتقد العلماء أن الناس سيسمعون لهم إذا قالوا إنهم حماة الإسلام، وسيؤمنون لهم إذا قالوا إنهم ورثة الأنبياء.
    حماة الإسلام وورثة الأنبياء المستأثرون بالدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله. هم هؤلاء الذين يلحون على الوزارة ويلحون، ويمضون في الإلحاح حتى تنفذ الوزارة أحكام القضاء الإسلامي فإن أعياهم ذلك أعلنوا إلى الناس أنهم قد أدوا الواجب وأبرأوا الذمة ونصحوا لله ورسوله وللمسلمين.

    فلتفكر الوزارة في هذا كله، وليفكر العلماء في هذا كله، ولتعلم الوزارة والعلماء أن المصريين لن يناموا ولن ينسيهم الصمت والإعراض ولن يرضوا إلا أن يعلموا عن ثقة ويقين أهم من أمر التبشير والمبشرين في هزل أم في جد.

    استعداء
    كوكب الشرق
    ١٠\٨\١٩٣٣
    في صحف الوزارة منذ اليوم وقبل اليوم سخط شديد على الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة بغض شديد لهؤلاء الذين يخاصمون علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى. وفي صحف الوزارة تصريح وتلميح بأن الذين يخاصمون العلماء إنما يخاصمون الإسلام، لأن العلماء هم مظهر الإسلام، ومظهر كرامته، وهم حماة الإسلام والذادة عنه. فمن شك فيهم فقد شك في الإسلام، ومن أثار حولهم الشك فقد أثاره حول الإسلام.
    وفي صحف الوزارة استعداء لأولي الأمر على هؤلاء الذين ينالون بالنقد الهين أو الشديد علماء الإسلام ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى ونجوم الدجى لأن حماية العلماء هؤلاء حماية للإسلام.
    وفي صحف الوزارة مع هذا الصياح الطويل الملح صمت ليس أقل منه طولاً، ولا إلحاحاً عما تورط فيه علماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى من الصمت على تعطيل الأحكام الشرعية وبقاء امرأة مسلمة عند رجل من غير المسلمين، لا يحل له أن يمسكها ولا يحل لها أن تبقى عنده. ولا يحل لحكومة إسلامية أن تقر اتصالها به، وخضوعها له. ولا يحل لعلماء الإسلام ومصابيح الظلام وأعلام الهدى ونجوم الدجى أن يقروا الحكومة إن صبرت على هذا الإثم أو عجزت عن رفع هذا الشر، لأن نص القرآن صريح لا يحتمل تأويلاً ولا تبديلاً. ولأن نص القرآن واضح لا سبيل إلى الفرار منه. فيجب أن نعلم أي الناس أشد إثماً: أهم الذين يريدون أن يقوموا ما في علماء الإسلام من عوج ويسلكوا بهم الطريقة الواضحة المستقيمة للدعوة إلى سبيل الله والذود عن دين الله؟ أم هم الذين يظاهرون العلماء على ما لا يرضاه الله ورسوله والمسلمون؟ وأي الناس أحق أن يستعدى عليه أولو الأمر في بلد إسلامي يعلن أن الإسلام هو دينه الرسمي: أهم الذين يدعون إلى أن تنفيذ أحكام الله دون أن يعترضها معترض وإن كان المجلس الإنجيلي؟ أم هم الذين يسكتون على تعطيل هذه الأحكام وقيام المجلس الملي من دونها، ويطلبون إلى الحكومة الإسلامية أن تبطش بالمدافعين عن الإسلام؟
    صحف الوزارة منطق خاص تقدم به الأشياء إلى وراء، وترفع به الأشياء إلى تحت، ولكن منطق هذه الصحف لا يعنينا، ولغو هذه الصحف أيسر عندنا وأهون علينا من أن نقف عنده ونلتفت إليه. وإنما الذي يعنينا ويدعونا إلى التفكير هو منطق الوزارة وهيئة كبار العلماء. فقد قلنا لهما ومازلنا نقول إن المصريين لن يرضوا أن تمضي قصة نظلة غنيم كما يراد أن تمضي فريسة للصمت العميق والسكوت الطويل، بل سيذكرونها وسيذكرون بها حتى يعلموا ماذا فعلت الوزارة والهيئة في أمرها.
    فأما الوزارة فمسؤولة عن شيئين: الأول حماية الإسلام الذي أخذت نفسها بحمايته. والثاني تنفيذ القانون الذي أنشئت لتنفيذه. فنحن نريد أن نعلم إلى أي حد وصلت من حماية الإسلام وتنفيذ القانون في قصة نظلة غنيم. ونحب أن نعلم: أراضية هي بخضوع هذه الفتاة المسلمة لغير المسلمين برغم أحكام الإسلام أم ساخطة؟ فإن كانت راضية -ونحن نؤكد أنها غير راضية- فقد وعدت بحماية الإسلام، ثم لم تحمه، وأقيمت لتنفيذ القانون ثم لم تنفذه. وإن كانت ساخطة – ونحن نؤكد أنها ساخطة – فماذا فعلت لترفع أسباب هذا السخط؟ وما الذي يمنعها أو يعجزها عن رفع هذه الأسباب؟
    وأما هيئة كبار العلماء فنؤكد أن المسلمين لم يضربوها على يدها – كما يقول العامة – لتأخذ على نفسها هذا العهد الغليظ الذي أعلنت فيه إلى الناس أنها قامت للدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، إنما أخذت على نفسها هذا العهد حرة مختارة، لا مدفوعة إليه، ولا مكرهة عليه. والله – عز وجل – يأمر المسلمين أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، ولا ينقضوا الأيمان بعد توكيدها. وإذن فمن حق المسلمين أن يطالبوا الهيئة الموقرة بالوفاء، وأن يضنوا بالهيئة المقصرة على أن تنقض العهد أو تحنث في اليمين.
    والإسلام الذي نهضت الهيئة لحمايته والذود عنه في حاجة إلى حماية سريعة من الهيئة، فماذا فعلت في أمر هذه المرأة المسلمة التي تنتظر من يخلصها من الأسر ويردها إلى ولاية المسلمين. نص من نصوص القرآن الكريم معطل في بلد إسلامي، وليس القانون هو الذي يدعو إلى تعطيله، وليس الدستور هو الذي يدعو إلى تعطيله .. وإنما القانون والدستور يلحان في تنفيذه واحترامه. فنحب أن نعلم أيهما آثر عند هيئة كبار العلماء، وعند حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر: أن يظل هذا النص الكريم معطلا أم أن تسعى الهيئة عند الوزارة سعياً حازماً في تنفيذه، وأن تؤكد الهيئة للوزارة أن تعطيل هذا النص الكريم إذا استمر سيضطرها إلى أن تستقيل.
    نحب أن نعلم أي الأمرين آثر عند الهيئة: أتعطيل نص من نصوص القرآن الكريم وحكم من أحكام الإسلام؟ أم بقاؤها في مناصبها عاجزة عما يجب أن تنهض به؟
    ونحن ننتظر جواباً، وسنلح حتى نظفر بهذا الجواب، ونؤكد للهيئة أن الاستعداء علينا سواء أصدر منها أم من صحف الوزارة لن يخيفنا ولن يثنينا عن هذا الإلحاح.

    نجدة
    كوكب الشرق
    ٢٩-٨-١٩٣٣
    إذا قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.

    محاضرة الآنسة مي
    الرسالة
    ١٩\٣\١٩٣٤
    لا أعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، وإلى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم أشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة اثنين، وكنت أسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكاً عظيماً في أن للمرأة فضلاً على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بأن للمرأة فضلاً على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديباً من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
    وإذن أنا مقتنع بأن الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاءً، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملاً في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وأنهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بأن ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بأن المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاءً وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاءً فشيء فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لأن كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا أنهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراهاً، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لأن الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن أنهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجني، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما، إنما هي أثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة.
    وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى.
    ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة أطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعداً عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحساناً؟
    ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة، ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها وإثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بأن أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال أكرم مما تظن الآنسة مي، وأحب للرحمة وأحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الإثم، وإنما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد أخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا أكرم مما تظنين، وأحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيراً، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما احتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا أعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم أعرف هذا، ولن أستطيع أن أعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فإن تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وإن تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الأرض، فنحن خير منهما حالاً، وأجمل منهما شكلاً من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وأن نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة امرأة هي إيزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون إيزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع إيزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش.
    أحسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارعاً إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، وأعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
    طه حسين

    حديث الوادي
    عيسويات
    تعذيب
    الوادي
    ٢٣\٩\١٩٣٤
    ومن الغريب أن يكون التعذيب بعض العيسويات، فليست إلى وزير التقاليد ووزارته في ظاهر الأمر أعمال من شأنها أن تدفع إلى التعذيب أو تحرض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه، وبطبيعة هذا المنصب خليق أن يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور، فأما الشدة والعنف، فأما القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب فأمور تفهم من الذين يجبون الضرائب، وإن لم تبح لهم، وهي تفهم من الذين يصرفون أمور الإدارة ويشرفون على ما يتصل بالأمن وإن لم يؤذن لهم فيها، فأما الوزارة التي تعلم الناس وتثقفهم، وتكون منهم مواطنين كراماً يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يعقل ولا يتصور أن يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أن قدمنا بين يديه عنوان العيسويات.

    ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أن نثق كل الثقة بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب ولم يتقدم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار، إذا علم به، وسيأمر بالتحقيق وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا، ومن أجل هذا وحده نكتب هذا الفصل ونحن نرجو من وزير التقاليد أن يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أن ينسى أنه وزير، وأن ينسى أنه كان مديراً وإن لم يستطع أن ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفتي المبني على التشفى والانتقام».

    نرجو منه أن ينسى الوزارة والإدارة لحظة وأن يذكر أنه كان قاضياً وأن يسمع منا هذه القضية، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضاً، فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كتب عليهم العذاب، من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أن تحتمل أجسامهم الضرب، وإن كان في غير حق، وأن يصبروا على الجوع، وإن كان بغير حق، بل إن يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إن لم يجز تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالاً، ماذا نقول؟ بل إن هذا التعذيب لم يقع على النساء، ولا على الفتيات، اللاتي ظن عمر بن أبي ربيعة، أن الله لم يكتب عليهن جر الذيول.. واللاتي يمكن أن يظهر العهد الحاضر، أن الله قد كتب عليهن شيئاً آخر غير جر الذيول وأن مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

    وإنما وقع هذا التعذيب على صبيات لم يبلغن بعد أن يكن فتيات ولا نساء وإنما هن زهرات تتفتح عقولهن للعلم وتتفتح نفوسهن للفضيلة، كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يعذبن لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يعذبن لذنب جناه آباؤهن، وخطيئة تورط فيها آباؤهن. وقد قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وقال الله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). وقد كان يقال أن أخذ البريء بذنب المسيء إثم لا يستبيحه إلا الطغاة، من أمثال زياد والحجاج، ونحن نكره لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضاً أن يكون كزياد والحجاج.

    تحدث إلينا أب من الآباء بأن له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسية إلى الآن، لأنه لم يستطع أن يدفع المصروفات، ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عود جماعة من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين فالمدرسة تطلب إلى ابنتي وإلى غيرهما من الصبيات أداء المصروفات، وهن يعجزن عن أن يؤدينها، لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء، البائسين المعسرين، قال هذا الأب أفيُعاقب البنات على عسرة آبائهن بالضرب ويعاقبن بالحرمان ويصرفن عن الغداء؟ أسمع وزير التقاليد؟ أسمع مراقب تعليم البنات؟ أسمع رئيس الوزراء؟ صبيات يضربن ويصرفن عن الغداء، لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسية ولم ينقض بعد على افتتاح الدراسة إلا وقت قصير، أفيُريد وزير التقاليد أن ينصف وأن يرعى العدل والحق، والذوق ويعاقب الذين يضربون الصبيات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه؟ أم يريد وزير التقاليد أن يكون لوزارته كما كان لوزارة الداخلية حظ من القسوة ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟

    أما بعد، فما ينبغي لوزير أن يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره لأن التعذيب إثم، في البلاد التي تحكم بالقانون والدستور، فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيات؟ ليفق وزير التقاليد وليأمر بتحقيق هذه القصة وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالاً لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أن تلقى عليهم الدروس وإلى أن يبين لهم، ما يجوز وما لا يجوز…

    طه حسين

    كلية الآداب
    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب
    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:
    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟
    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:
    ١-
    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    في الجامعة المصرية
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٣ مارس ١٩٣٧

    الجامعة لم تُسلِّم ولن تُسلِّم للأزهر، ومسألة اختلاط الجنسين مسألة سخيفة. أين كانت هذه «الغيرة» في العهود الماضية؟!

    قُوبِلَت الأحاديث التي نشرناها في «المصري» من أيام عن مسألتي التعليم الديني واختلاط الجنسين في الجامعة المصرية لحضرات أصحاب السعادة والعزة: لطفي السيد باشا، والدكتور طه حسين بك، والدكتور عبد الحميد العبادي؛ باهتمام شديد في جميع الأوساط، ولا سيما الأزهرية منها.

    وقد نشرنا أمس الأول ردًّا موجزًا على هذه الأحاديث لصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين.

    وننشر اليوم فيما يلي ردَّ حضرة صاحب العزة الدكتور طه حسين بك على رد فضيلة الشيخ اللبان، بل يُعتبَر رد الدكتور ردًّا على جميع الذين ينادون بضرورة التوسع في إدخال التعليم الديني، وفصل الطلبة عن الطالبات في الجامعة المصرية.

    قال الدكتور طه بك جوابًا عن سؤال منَّا إليه:

    أول ما ألاحظه — وما أتمنى أن يلاحظه غيري — من الذين لهم في قيادة الرأي حظٌّ صغير أو كبير؛ أننا في وقت دقيق أقل ما يجب فيه على كل مصري أن يصطنع الذوق من جهة، وأن يلائم بين أفعاله وأقواله وما تفرضه الوطنية الصادقة من جهة أخرى.

    فنحن في وقت نريد أن نثبت فيه استقلالنا السياسي وحياتنا الدستورية الداخلية، وكل عمل أو قول من شأنه أن ينشئ للحكومة مصاعب في سبيل هذين الغرضين، مهما تكن هذه المصاعب، يخالف الذوق ويخالف ما تقتضيه الوطنية في وقت واحد.

    وما أكثر ما رغبت مصر في الإصلاح، وتحرقت شوقًا إليه، وتألمت لطول انتظاره! فأي مشقة وأي جهد تشقى بهما مصر إن انتظرت شهرًا أو شهرين حتى تفرغ الحكومة من المسائل العاجلة التي ينبغي أن تقف عليها جهودها وتفكيرها وعنايتها، ثم نطالبها بعد ذلك بما نشاء أو بما نحب من أنواع الإصلاح؟!

    أليس مما يؤلم ويسوء أن تكون الحكومة منصرفة أو يجب عليها أن تنصرف انصرافًا تامًّا إلى مؤتمر الامتيازات، وإلى دخول مصر عصبة الأمم، ونأتي نحن فنخلق لها المشكلات ونثير في وجهها المصاعب، ونعرضها للاشتغال بأشياء تستطيع أن تشتغل بها بعد أن تفرغ من مسائل السياسة الخارجية.

    لذلك أعود فأؤكد لك أني آسف أشد الأسف؛ لأن كثيرين من الذين يثيرون المشكلات الاجتماعية وغير الاجتماعية الآن يخالفون الذوق مخالفة مؤلمة، ويخالفون الواجب الوطني مخالفة أشد إيلامًا. وما أريد إلَّا أن يبرأ المصريون من أهوائهم وشهواتهم — ولو إلى حين — حتى يثموا ما بينهم وبين الأجنبي من حساب، ثم لهم بعد ذلك أن يستأنفوا الاستسلام للأهواء والشهوات كما يحبون وكما تدفعهم أمزجتهم وتقديرهم لما يجب لهم وما يجب عليهم.

    والآن، أقول لك في صراحة لا تحتمل لبسًا ولا تثير شكًّا، ولا تحتاج إلى تأويل إن هذه المسألة التي أُثيرت أخيرًا، والتي تتصل باختلاط الجنسين في الجامعة مسألة سخيفة لا أكثر ولا أقل. ومن الإثم في حق الذوق وفي حق الوطن أن يُشاع الفساد في الجو المصري لمسألة سخيفة كهذه. فقد قلت — وما زلت أقول — إني لا أعرف في كتاب الله عز وجل ولا في سنة رسول الله ﷺ نصًّا يُحرِّم على الفتيات والفتيان أن يجتمعوا في حلقة من حلقات الدرس حول أستاذ يعلمهم العلم، والأدب، والفن.

    وإذن؛ فالجامعة لم تُحْدِث حدثًا ولم تخرج على نص من نصوص الدين، وما ينبغي لأحد أن يعرض لها في ذلك إلَّا أن يكون محبًّا لإثارة الخلاف، حريصًا على إفساد الجو، مبتغيًا ما يكره الله للصالحين من عباده أن يبتغوه.

    وقد كان الفتيات والفتيان يجتمعون في دروسهم الجامعية في عهد الحكومات الماضية، فلم تَثُر المشكلات ولم تضطرب البيئات التي تضطرب الآن، ولم يتقدَّم أحد إلى الحكومة في التفريق بين الفتيات والفتيان في دُور العلم العالية. فهل كان المطالبون بهذا نائمين في العهد الماضي ثم استيقظوا في هذه الأيام؟!

    والذي يؤلم أن صديقي وزميلي الدكتور منصور فهمي بك كان عميدًا لكلية الآداب ثلاثة أعوام في ظل وزارات مختلفة ووزراء مختلفين، منهم «وزير التقاليد»، فلم يفرق بين الفتيات والفتيان في دروس العلم، ولم يتقدم برأي في ذلك إلى السلطات الجامعية أو الحكومية، فما باله الآن يطالب بهذا بعد أن ترك الجامعة وألقى عن نفسه هذه التبعات الجامعية؟! وهل أستطيع أن أفهم معنى لقبول الشيء حين كان يستطيع أن يرفضه، ثم لرفض الشيء بعد أن نفض يديه منه وأُلْقِيَتْ عنه تبعاته؟!

    وكذلك أصدقاؤنا الأزهريون كانوا يستطيعون أن يطلبوا إلى صدقي باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وتوفيق نسيم باشا، وعلي ماهر باشا التفريقَ بين الفتيات والفتيان في الجامعة؛ فما بالهم لم يفعلوا؟! وما بالهم انتظروا حتى يأتي هذا الظرف الدقيق، ثم أخذوا يطالبون بما لا سبيل إلى تحقيقه؟! وأقول: لا سبيل إلى تحقيقه، وأنا أريد ما أقول وأفهمه حق الفهم.

    فالدستور لا يبيح للحكومة أن تحرم التعليم العالي على الفتيات بحال من الأحوال، والظروف المالية لا تبيح للحكومة أن تنشئ جامعة خاصة للفتيات، ولو أرادت الحكومة ذلك لقُلْنا لها في صراحة وفي إخلاص ونصح للدين والدنيا معًا: إن هذا إضاعة للمال والجهد في غير وجههما، والجامعيون لن يقبلوا أن يدخل أحد في شئونهم على هذا النحو مهما يكن أمره.

    وإذن؛ ففيمَ الضجيج والعجيج؟! وفيمَ إثارة اللغط فيما لا حاجة إلى اللغط فيه؟!

    أحب أن يفهم أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعيين لم يسلموا ولن يسلموا لهم، ولا لأي هيئة أخرى باحتكار حماية الدين والقيام دونه؛ فليس في الإسلام ما يجعل حماية الدين إلى بعض المسلمين دون بعض.

    والجامعيون يرون أن كل مسلم مكلف أن يحمي الدين كما يستطيع، وهم يرون أنهم يفهمون الدين كما يفهمه الأزهريون، ويعلمون من أمره مثل ما يعلم الأزهريون، ويعرفون ما يجب عليهم للدين، وينهضون بواجبهم في ذلك، ولا يعترفون لأحد بسلطان عليهم في ذلك إلَّا الله الذي يملك وحده محاسبة الضمائر ومراقبة القلوب.

    فالجامعيون إذن لا يتلقون أمرًا من معهد آخر مهما يكن، ولا يريدون أن يتلقوا درسًا في الدين من هيئة أخرى مهما تكن، وهم لا يلقون على الأزهر درسًا في أي شأن من شئونه، وهم لا يتقدمون إلى الحكومة باعتراض ما يتصل بشئون الأزهر. فليتركهم الأزهر كما يتركونه، وليُعْنَ الأزهر بإصلاح أمره كما يُعنَى الجامعيون بإصلاح أمرهم، وليحترم الأزهر استقلال الجامعة كما تحترم الجامعة استقلال الأزهر، وليعلم أصدقاؤنا الأزهريون أن لا نفع بحال من الأحوال من إثارة هذه المشكلات الآن، وإتعاب الحكومة والأمة بما لا ينبغي أن يتعبهما به أحد.

    يريد الأزهر أن يُعلِّم الدينَ في كليات الجامعة، وقد قُلْتُ في الحديث الماضي: أَحْبِبْ إلينا بهذا! ولكن يجب أن يُفهَم تعليم الدين في الكليات على وجهه؛ فليست الكليات مدارس ابتدائية ولا ثانوية، وإنما طلاب الكليات راشدون يستطيعون أن يتعلموا الدين إن أرادوا، وقد عرفوا منه ما يجب على المسلم أن يعرفه في المدارس الابتدائية والثانوية.

    ولسنا نرى بأسًا من أن يزيدوا علمهم بالدين، بل نحن نُحِبُّ ذلك ونُرغِّب الطلبة فيه ونُعِينُهم عليه إن استعانونا؛ فَلْيُلْقِ الأزهر محاضرات عامة في الدين، فسنرسل إليه طلابنا ليستمعوا لهذه المحاضرات، وليرسل الأزهر إن أراد من علمائه ووعاظه مَنْ يَعِظ الطلاب في دينهم ويُبصِّرهم بما يجهلون من أموره، فسيصير لهم من ذلك ما يريدون. ولكن يجب ألَّا يخدع الأزهر نفسه، وألا يطلب تعيين أساتذة في الكليات ومنحهم مرتبات ليعلِّموا الشبان دينهم؛ فإن هؤلاء الشبَّان — كما قُلْتُ — قد بلغوا رشدهم وأصبحوا قادرين على أن يتعلموا بأنفسهم، وعلم الدين منهم قريب يُلقى في الأزهر ويُلقى في المساجد، ولن يصدهم أحد عن الأزهر ولا عن المساجد.

    وبَعْدُ، فإذا طلب الأزهرُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الأرثوذكسيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلبت البطريركيةُ الكاثوليكيةُ أن يُعلَّم الدين في الكليات، وطلب البروتستانتيون أن يُعلَّم الدين في الكليات، ثم طلب الإسرائيليون أن يُعلَّم الدين في الكليات؛ ماذا تكون النتيجة؟!

    أويظن أصدقاؤنا الأزهريون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لهذا، أم هم يعلمون أن الجامعة قد أُنْشِئَتْ لتخصص الطلاب في ألوان من العلم، وليس بين طلابها قاصر ولا عاجز عن تثقيف نفسه في الدين؟!

    الحق أقولُ لإخواننا الأزهريين إنهم يشطون ويطغون على إخوانهم ويكلفون الدولة من أمرها عسرًا، ومع ذلك فإن الأزهر نفسه في حاجة شديدة إلى الإصلاح، وفيه مسائل معقدة أشد التعقيد تحتاج إلى الحل. والشعب المصري ينتظر من رجال الدين أن يعظوه ويبصِّروه. ألا يظن الأزهر الشريف أن بين يديه من الأعمال، وأمامه من المشكلات ما يستنفد جهده؟! أليس من الخير أن يبدأ بنفسه، فينهض بواجباته الأولى، وأن يشتغل بما يعنيه قبل أن يشتغل بما لا يعنيه؟!

    إن بين الأزهر والجامعة علاقات قوامها المودة والتعاون على تحصيل العلم؛ فالخير في أن يستبقي الأزهر هذه العلاقات، وأن يعمل على تقويتها. فقد يُخيَّل إلينا أن الأزهر سيحتاج وقتًا طويلًا جدًّا إلى الجامعة لِتُعِينَهُ على تنفيذ نظامه الجديد، وعلى إدخال طائفة من العلوم الحديثة في كلياته.

    فليكن الأزهر عند حسن الظن به، وليفرغ لإصلاح نفسه، وليهيئ للجامعة ما تحب من فرصة معونته والنصح له؛ فذلك خيرٌ له وخيرٌ للجامعة وخيرٌ للمصريين والشرقيين جميعًا.

    وبَعْدُ، فأنا مؤمن بأن الأزهر حريصٌ أشد الحرص على أن يثير في هذه الأيام خصومة لا يكون وراءها إلَّا الشر، وإذا أُثِيرَتْ فلن يصلى نارَها الجامعيون وَحْدَهُمْ، بل سَيَصْلاها معهم قومٌ آخرون!

  • طه حسين في شبابه | A youthful Taha Hussein

    من أيِّهم أنا؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٨ أكتوبر ١٩٠٩

    في البلد أفراد من الكُتَّاب إذا أعلن أحدهم إلى الناس أن مقالًا له سينشر في إحدى الصحف يوم كذا صادف منهم نفوسًا كلفة بما يكتب وقلوبًا مشغوفة بقراءته، ثم ألسِنةً بعد ذلك منطلقة بالثناء وأقلامًا جارية بالإطراء منها ما يثني على الكاتب لأنه الكاتب، ومنها ما لا يصدر في إطرائه إلا عن اعتقاد صحيح بأنه في مقاله محسن مجيد، وبعد هذا وذاك تكثر الألسنة والأقلام التي تتناول بالنقد مقال الكاتب فتذهب منه مذهب النصح، وتقصد فيه إلى الحق أو تميل به مع الهوى وتنحو فيه مناحيَ التغرير والتضليل، ولئن كان تألم الكاتب من النقد وتبرمه بالناقد قد يعدوان طوريهما أحيانًا؛ فإن ارتياحه إلى الثناء والإطراء اللذين يسدَيَان إليه كثيرًا ما يخفف من غيظه ويذهب بموجدته فهو حسن الحظ صاعد الجد على كل تقرير.

    أما سيئ الحظ من الكُتَّاب فأحد اثنين؛ رجل لم يلقَ من الناس إلا انتقادًا مُرًّا وتشهيرًا مخجلًا؛ لأنه لم يقصد إلى الجادة ولم يوفَّق إلى الصواب. ومثل هذا الرجل خليق بعثور الجد؛ لأنه زعيم بأن يوقفه من الغرور وحب الذكر عند حد محدود، ورجل لم يلقَ من الناس خيرًا ولا شرًّا، ولم يبلُ منهم حلوًا ولا مُرًّا؛ لأنه لم يكتب ما يستحقُّ المدح والقدح أو لأن مقاله صادف من القُرَّاء أوقات الخمول والسآمة، أستغفر الله. بل هناك رجل آخر يبلو المر ويسمع الهجر في نصرة الحق والذود عنه، وما أحسبني أنسيته إلا لأنه بين ظهرانينا نادر قليل.

    فمن أي هؤلاء يمكن أن أكون أنا؟ خطر لنفسي هذا الخاطر فألقت عليَّ هذا السؤال بعد أن قرأت مقال يوم الجمعة في مصر الفتاة؛ فإذا هو سابع ما نشر بهذا العنوان، وقد يكون الرابع عشر لما نشر بهذا الإمضاء، وإذا أنا كأول يوم كتبت لا أقول لأني لم أسمع كلمة ثناء فقد علم الله ما ابتغيتها اليوم ولا تمنيتها. ولئن كنت مشغوفًا بها كل شغف فهي الآن أزهد عندي من عفطة عنز، يقول علي بن أبي طالب لأني أعلم أن آنَها لم يؤن بعدُ وأدخرها لذلك اليوم الذي تطلبني فيه ولا أطلبها، ولكن لأني لم أسمع كلمة ناقد ولم أَرَ مقالًا لعائب بعد أن دعوت القراء إلى أن ينازعوني أطراف القول فيما أكتب وأقول. ولقد كنت أحسب أن بؤسي مطبق في كل شيء حتى في الكتابة، وأن موقفي زلق في كل مكان حتى بين الكُتَّاب … نظرت فإذا أنا لست من كُتَّاب المنزلة الأولى فلم يرعني ذلك لأن هذه المنزلة غاية يبلغها كل كاتب مثلي لم يقف من حب الإجادة والإحسان عند حد، ثم نظرت فإذا أنا أحد الرجلين في المنزلة الثالثة؛ فحمدت الله على أن مررت بمنزل أبي فصادة ولم أعرج، وجعلت أتردد بين أن أضع نفسي موضع أول الرجلين فأريح وأرتاح، أو أضعها موضع ثانيهما فأرضيها بالأعاليل ثم أعمد إلى القُرَّاء فأدافع عنهم الخمول، حتى يستفيقوا منه، وإذ ذاك أجد من النقد نصيبًا موفورًا. ولقد خشيت أن يستحيل غلوي في حب النقد إلى تمادٍ في بغضه لولا أن جمعتني ليالي الصوم بفريق من الناس كلهم ينقمون مني ألفاظًا كثرت فيما أكتب يقولون إنها غريبة نابية، وبعضهم يأخذ عليَّ تنويهي بالمنطق وميلي إليه في مقال يوم الجمعة، يقولون كيف يحسن من أديب يكتب في العشق إلى أحد العاشقين أن يعرض بالمنطق أو يميل إليه؟ إن هذا لهو الجور المبين، لم تصادف هذه الكلمات مني إلا نفسًا ظمئة وقلبًا مشغوفًا بهن، فكنَّ أشبه شيء بقطرات الماء يترشفها الصدى فيبللن صداه ويخففن من ظمئه، كذلك الإنسان إذا صادف الأمنية بعد الأمل وطول الرجاء، ولو أن الناقدين على حق لوقفت عنده وسكنت إليه، ولكنهم مع الأسف مخطئون. أما في الأول فلأن اللغة العربية التي نمتدح بغناها ونتحدث بكثرة مادتها لم يقف مألوفها عند هذه الألفاظ التي نفعم بها الصحف كل يوم، وليس الغريب كل لفظ ثقل على ألسنة الظرفاء من أبناء القاهرة أو نَبَا عن طباعهم؛ فإن هؤلاء قد لا يروقهم اللسان العربي إذا لم تُصَغْ ألفاظه من خطرات النسيم ولحظات العيون وغمزات الحواجب، يأبون إلا أن يستعار لهم الكلم من تنفس الأزهار وتناغي الأطيار، يريدون أن يُهملوا آذانهم وألسنة الناس فلا هم يسمعون ولا الناس ينطقون، وإنما تتخاطب النفوس وتتناجى الأفئدة يحسبون أن تشبيه الكلام بالدر يجعله درًّا، وأن قياسه بالخمر يجعله خمرًا، يغلون في الخيال حتى يسمج في أعينهم منظر الحقيقة ويخلق أمامهم معرضها هؤلاء مهما حمدنا منهم الظرف؛ فلن نرضى لهم أن يبلغ بهم الرقة حد الاستماتة وتُخرِجهم عن طور الرجال في النطق، إنما الظرف كرم الأخلاق وسلامة الذوق، وإنما الغريب ما استعصى على العربي فهمه ونبا عن سمعه لفظه، ونحن الآن بإزاء لغة نريد أن نرجع لها مجدها، ولن يكون ذلك إلا باستخراج دررها واستنباط أساليبها الرائعة من بطون المعاجم وأثناء الكتب، وأنا بهذا مشغوف كلف، وأرجو أن أوفَّق إليه إن شاء الله. وأما في الثاني فلا أعرف علمًا يهتدى به في طريق البحث عن مزايا النفوس وصفاتها الخاصة إلا المنطق، ولا أعلم أن اتِّباع سبيل المنطق في الكلام عيب على الكاتب، إنما العيب أن يخرج من موضع بحثه إلى فصل من فصول المنطق فيخوض لجته كما يقول أبو هلال. وإنما المنطق في المعاني كالنحو في الألفاظ، وكل ذنب جنيته هو أني قومت بالمنطق فكرة كما أقوِّم بالنحو ألفاظي. وبعد فكأن هؤلاء الناقدين نسوا أني أكتب إلى صاحبي صارفًا له عن العشق ومبغضًا له فيه، وسواء عليَّ بعد ذلك حمدوا مني حب المنطق واستعماله أم ذموه، ولكني على نقدهم لي من الشاكرين.

    أيهما الأثيم؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٩ أكتوبر ١٩٠٩

    فصل (١): بين العبرات والزَّفرات
    يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …

    على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.

    وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخهإذا رام تطيارًا يقال له: قع
    رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.

    رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.

    ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.

    فصل (٢): الفجور بعد العفة
    نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.

    ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.

    لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.

    وكان ما كان مما سوف أذكرهفظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر
    في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.

    وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.

    وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.

    أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.

    أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.

    قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.

    وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.

    وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.

    في القاهرة بين الإعجاب والأسف
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١١ نوفمبر ١٩٠٩

    قام في مسينا الداثرة بيتٌ زيَّنَتْه يَدُ الصانع بما أبدعَتْ فيه من زخرف وتصوير، وزاده
    زينةً حُسْنُ موضعه وجودةُ مكانه وما كان يحفه من جمال المنظر وجلال الطبيعة، فقد كانت تُقِلُّه
    ربوةٌ مُشْرِفة على البحر وتُحِيط به حديقةٌ جَمَعَتْ من الأشجار صنوفًا تضاعف سرور الجذل وتسلي
    هَمَّ المحزون.

    غابت ذكاء، فأشفقت السماء جزعًا عليها أو فزعًا من الليل، ولبس الإنسان عن ذلك ثوبًا من
    الغفلة والذهول كما هو شأنه لا يُعْنَى إلا بأمره ولا يأبه إلا لنفسه ولا يحفظ إلا بأمره عهدًا
    إلا ريثما يصدر عنه بحاجته. أجل؛ أبصر الإنسان الشمس وقد جنحت إلى الغروب فلم يلحظها لحظة
    وداع.

    رآها مُصْفَرَّة قد ظهر عليها الأسف لفراقه فلم يُجْزِها عن ذلك بشيء.

    رآها تُوَدِّعه، وإنه ليراها كذلك في كل يوم فلا يقع وداعها من نفسه موقعًا، على أنه لو صدق
    فيها نظره اليوم لعلم أن أسفها لفراقه مضاعف، وأنها لم تحزن قط كحزنها اليوم.

    فيمَ وعلامَ؟ ألأنها ستذهب فلا تعود أم لأنها سترجع فلا تجد منا أحدًا؟

    هل خافت صديقتنا من الليل علينا نكرًا أم هل عرفت في وجوه الكواكب الطالعة شرًّا؟ هل استبانت
    من أنباء الغيب ما سيدور به بَعْدُ الفلك بَعْدَ حين؟ هل علمت أن ثورة الغضب على الإنسان قد
    بلغت من الطبيعة مبلغها فعوَّلَتِ الليلة على الانتقام مسائل ما جوابها إلا الحقائق المُرَّة
    المؤلمة؟

    وارحمتاه للإنسان! يجاري هواه ويتمادى في غروره، يحسب إذا استعبد ضعاف الحيوان وصغار الأشياء
    أن له حولًا وطولًا، يظن إذا استخدم لأغراضه الهواء والماء والبخار والكهرباء، أنه أصبح السيد
    المُسلَّط على الطبيعة وما فيها، فما له إذن لا يمنع الأرض أن تميد ولا يزع البركان أن يهيج ولا
    يصد طغيان البحر، ولا يرد صواعق السماء؟! هيهات هيهات! كَلَّ الطالب وجَلَّ المطلوب.

    قِفْ أيها الإنسان الضعيف خاشعًا أمام هذه القوة القاهرة التي لا تستطيع لها مردًّا، هبها
    طوعًا أو كرهًا بقية حولك وطولك.

    تزود من الدنيا فإنك نازل غداة غدٍ في حيث لا تحمد
    المثوى

    ما أرقَّ العاشقَ! وما أصفى نَفْسَه! لقد وقفت من دهري موقف المعتبرة بتنقل الكواكب المتعظة
    بتحول الحال، فما أثار لي هذا الموقف إلا حزنًا وما زادني هذا الاعتبار إلا همًّا، أراني أتنبأ
    بنوى عاجلة وخطوب نازلة.

    وَيْحِي عليك أيها الحبيب! بل وَيْحِي علينا معًا! لقد وَرَدْنا إلى هذا الحُبَّ مع أمل واسع،
    وسنصدر عنه ولم نُشْفِ منه علة أو ننقع له غلة.

    تريَّثِي أيتها النازلة، ارأفي بي وبحبيبي، أمهليني وإياه ريثما نَجْتَني ثمرة هذا الحب
    الناضر؛ فقد أمسينا منها قاب قوسين.

    حِكَم غالية يمازجها شيء من عطف النساء وحنوهن تَجُول بصَدْر مَلِكة الحُسْن وربَّة الجَمال،
    وقد جلستْ في طنف من ذلك البيت على كرسي من الحرير مُطْرِقةً، وقد تلحظ بعينها النجلاء تلألأ
    القمر في السماء، وقد أدلى من أشعته الفضية بأسباب إلى غصون الحديقة وأزهارها؛ فأخذت شكلًا
    بديعًا يملأ العين رواء والقلب ارتياحًا، وربما مدَّتْ بصرها إلى أبعد من ذلك فرأت البحر هادئًا
    إلا من مداعبة النسيم، وكادت تقرأ عليه آثار العبوس لولا ما يلقيه عليه ضوء القمر وتلألأ
    الكواكب، وقد ترفع بصرها قليلًا فترى جبال كلبريا، وقد اتخذ فمها من الثلج أديمًا فضيًا يسقط
    عليه ضوء القمر، وتألق الكواكب وكأنها مصابيح شُدَّت إلى السماء بأمراس من الذهب. ترى كل هذه
    الزينة، فلا ترجع إلا بِهَمٍّ طريف وحُزْنٍ جديد.

    هي على هذه الحال، وإلى جانبها فتى معتدل القوام حَسَن الهندام، تراه فتعلم أنه من ضباط
    المشاة في الجيش قد جلس إلى جانبها يُشْعِل لفافة التبغ ويلحظها بعينين كبيرتين في ظل حاجبين
    مقوسين. يلحظها في طهارة وخشوع كما يلحظ في المحراب دمية العذراء يسألها بصوت هادئ: ما هذا
    الصمت أيتها الحبيبة؟! ما لك لا تكلميني؟! انظري إليَّ، أسمعيني صوتك الرخيم، تكلَّمي، فيمَ
    تفكرين؟

    أفاقت الحسناء من ذهولها الطويل وأجابت بصوت يرن رنة الحزن: لا أدري أيها الحبيب، بل ما كنت
    أفكر في شيء ما … حتى ولا في عرسنا القريب. لا، ما فكرت فيه الآن، لماذا وهل يوجد ما يَحُول
    بيننا وبينه؟! كلا؛ ليس في العالم من يستطيع ذلك، لا شيء أيها الحبيب، لا شيء إلا الموت على أن
    قراننا في ذمة الله وهو خير الحافظين، أراني حزينة جدًّا، أرى صدري ضيقًا حرجًا أشعر بآلام
    كثيرة.

    لماذا أيتها الحبيبة؟ مِمَ يحزن العاشق وكيف يكون حزنه؟ أليس الحب هو كل السعادة؟ بلى، فهل
    تخافين على حُبِّنا شيئًا؟ كلا؛ إن الله قد ضمن أن يكلأه. إذن فمِمَّ تحزنين؟! ثم مال إليها
    قليلًا، فمس بشفتيه جبينها الوضاح، وتناولت عودًا كان إلى جانبها، فاندفعت تُغنِّي.

    ليت الليالي والأيام إذ حفظت حبي وحبك لا تغري بنا
    النوبا

    من لي ومن لك بالصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    تُرَدِّد هذا الغناء بصوت لا تكاد تسمعه الآذان، ولكن له في العقول والألباب فِعْل الصهباء؛
    فلا بدع أن ينسى الفتى نفسه حتى ابتدأت نار اللفافة تلذع شفتيه، فألقى بها وأسلم نفسه إلى
    الغناء، ولما فرغت الحسناء تناول العود واندفع يُغنِّي ويضرب بأصابع ما كانت لِتُحْسِن إلا
    تحريك السيف في ميدان القتال:

    إن الليالي والأيام قد حلفت أن لا تخون ولا تغري بنا
    النوبا

    أنَّى لنا ولك الصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    هذا ما نتمناه. وما فرغ الفتى من غنائه حتى أعلنت نواقيسُ البِيَع أن قُضِيَ من المساء عشر
    ساعات، وأخذ كل شيء في المدينة يقتضي نصيبه من الهدوء.

    استودعتُكِ اللهَ أيتها الحبيبة، استودعتُكِ الله يا زنتا. بعدًا للرقباء! ولكن لا تحزني
    فعمَّا قليل يجمعنا الليل بعد أن كان يُفَرِّقنا.

    أناتَكَ يا جنار، تمهَّلْ ريثما أملأ عيني منك. تقول ذلك وقد مدَّتْ إليه ذراعيها وعانقته
    طويلًا، وتلألأ في عينها دمعتان كاللؤلؤ الرطب، وهي تقول: لقد أخشى أن لا أراك بعد الآن. وبعد
    حين انفصل المتعانقان، وقالت بصوت هادئ: الآن تستطيع أن تمضي في ذمة الله؛ فقد حلَّ قلبي شخصك،
    امضِ يا جنار نَمْ ملء جفنيك، احلم إذا أردتَ بما تشاء، أنت أنا.

    مضى وأمانيه إليه لذيذة وأسلمها للهم
    والحسراتِ

    تعاني جوى الحب القديم وتصطلي لظى جمرات منه
    مشتعلاتِ

    فنام وما ذاقت من النوم والكرى سوى عبرات تقتضي
    زفراتِ

    أفاق من نومه مذعورًا وقد مضى من المساء ساعات أربع، ما الذي أيقظني الآن ولم أنل نصيبي من
    الراحة؟! لقد كنت مستغرقًا في نوم لذيذ تتخلله أحلام جميلة، لقد كنت سعيدًا في جوار
    حبيبتي.

    تنفَّسَ فإذا الهواء مليء برائحة الكبريت، أطَلَّ من النافذة فإذا النجوم متغورة وإذا الجو
    مكفهر، تبيَّنَ البحر فإذا بوادر الثورة قد بدرت منه وكأنه يتحفز للوثبة؛ فوقف حائرًا يعبث
    بقلبه الخوف، ثم استرجع حوادث أمسه فذكر حزن حبيبته، وعلم أنها كانت تنبأ بحق وما هي إلا أن سمع
    كأن انفجارًا عظيمًا في جوف الأرض.

    إنه الزلزال، يَجِب أن أنقذ حبيبتي، يجب أن أخلص زنتا. فأسرع في لبس ثيابه، وإذا بهزة عظيمة
    عَرَتْه وعملت حتى أطراف أصابعه، اختطف رداءً خفيفًا اشتمل به، وخرج عَدْوًا إلى بيت حبيبته،
    وكان على مسافة من بيته، فلما توسَّطَ الطريق أخذته رجَّة عظيمة ألقته على ظهره وأخذه
    الدوار.

    فتح عينيه، فإذا أبنية المدينة ترقص رقصًا محزنًا وسمع أمواج البحر تلتطم كأنها موسيقى
    الجنائز، إلا أن هذه تشيع ميتًا واحدًا، وتلك كانت تندب مدينة بأسرها.

    يا للطبيعة تجني وتتألم في وقت واحد! هَمَّ الفتى بالقيام فأعاقته صخرة ضخمة سقطت على صدره،
    فرضَّتْه وكسرت له ضلعين وأسلمته إلى الإغماء، ثم رنَّ في أذنيه صوت حبيبته تستغيث، فأفاق والدم
    يتدفق من فِيه وعالج الصخرة حتى زحزحها عن صدره، ثم عدا فاقد الشعور إلى بيت حبيبته، وبعد جهد
    ما وصل إليه فتسوَّرَ الحديقة، وإذا البيت قد تهدَّم نِصْفُه والنصف الآخر يتداعى، ولولا غشاء
    الدوار على عينيه لدلَّتْه على مكان حبيبته ذوائبُ ذهبية تعبث بها نسمات الصباح، ولكنه جاهد حتى
    دخل حجرة نومها؛ فإذا السرير منكس، وإذا أجزاء السراج متناثرة في أنحاء الغرفة، فكر إلى الطنف
    وفيه رأى الحسناء قد سقطت مثنية إلى جانب الإفريز، وأسلمت ذوائبها الصفر للنسيم، فخلع رداءه
    وألقاه عليها، ثم ابتدأ يتسمع خفقان القلب، فإذا قد وقفت دقاته، وإذ ذاك علقت بقلبه سهام اليأس؛
    فأخرج من فمه صيحة يحملها الدم المتدفق وخرَّ إلى جانبها صريعًا ثلاثة أيام على هذه
    الحال.

    وفي صباح اليوم الرابع، أَلْقَتِ السفن مراسيها على شاطئ المدينة الدائرة ودوَّتْ في الفضاء
    مدافعُ الحزن على الإنسانية؛ فأفاق الفتى على أصوات القنابل ودوي المدافع: مكانَك يا جنار، ليست
    هذه مدافع العدو إنما هي مدافع أبناء الإنسان جاءوا لنصرة إخوانهم. نظر فلم يَرَ إلا سباع الطير
    تنهش لحم الإنسان، تنفَّسَ فكاد يخنقه نتن الجِيَف.

    وبعد حين، سمع أصوات الناس فصاح بصَوْتٍ خافت: الغوث الغوث، الإعانة الإعانة! فما هي إلا أن
    نُصِبَ سُلَّم رَقَتْ عليه الحسناءُ تخاطر بحياتها ولا تبالي بما ستلقاه، رَقَتْ مُسْرِعة
    نَشِطة، فلم تَكَدْ ترى مصرع الحبيبين حتى انكسر قلبها حزنًا على ابن الشعب وحامي حماه، أمَّا
    هو فلم يكد يرى حسناء تحمل حقيبة صغيرة لها قفل من الذهب حتى عرفها.

    أجل؛ عرف ولية نعمته، عرف ربَّة التاج، عرف مَلِكة إيطاليا التي طالما شاهَدَها مع مولاه
    الملك في أعياد رومية؛ فأهدى إليها كلمة الشكر ودَنَتْ منه بشيء من الأدوية المسعفة، ولكن ماذا
    ينفع الدواء إن الفتى قد عاد إلى غشيته؟!

    جَفَتْ وبها من داخل القلب لوعة وللعين دمع وَاكِف
    العَبَراتِ

    تصلي بنسك للإله ولم يكن ليرجع نسك ميتًا
    لحياةِ

    جَثَتْ ربَّة التاج إلى جانبه حزينة منتحبة تقول الصوت تقطعه العَبْرة: يا لله! حبيبان
    يحملهما الموت على جناح واحد!

    انظري أيتها الملكة الشفيقة، إن الفتى قد ذهبت بعقله غمرات الموت؛ فهو ينظر متلهفًا يظنك
    حبيبته، اسمعي إنه يدعوك بصوت خافت: عانقيني أيتها الحبيبة عانقيني بازنتا، إنني سأموت الآن!
    مالتْ إليه ربةُ التاج، فأغمضت عينيه بقُبْلَتَيْن طاهرتين وعانقته طويلًا، وإن على شفتيه
    لابتسامة خفيفة، وهو يقول: لقد كنت أوقن بأنك حية.

    في ذمة الله أيها الحبيبان، ولك الثناء الطيب أيتها المَلِكة.

    شكاة الأديب
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٢٧ نوفمبر ١٩٠٩

    ضَنيتُ لا من هوَى الغَواني واشتقتُ لا للمَها
    الحِسان

    وشفَّني لا صدود ريم إذا ثنَى عِطْفه
    سَبَاني

    وافتداني لا هوَى فلان فقد تولَّى هوَى فلان

    ما أنا والحب يَزدَهيني حسبي من الحب ما
    ازدهاني

    لقد بلوتُ الغَرام غِرًّا فكم بآلامه
    ابتلاني!

    كم حمد الغِيد من بلائي مُذْ كان لي بالهوى
    يدان!

    تحكَّم الغِيدُ فيَّ دهرًا ثم انثنى عنهم
    عناني

    لا أكذب الله أن عامًا مضى حثيثًا بلا تواني

    إذا تذكرته استهلَّتْ دموعُ عيني كالجُمَان

    إذ أنا في لذة وأمن أباكر اللهو غير واني

    أستقبل الدهر في صفاء وما درَى كاشِحٌ مكاني

    لا يصحو لي عاذلي وإن لم يُثنِ اعتزامي إذا
    لَحَاني

    إني لذو رحمة وعطف على عدوي وإن قلاني

    أرْضَيتُ بالطَّيِّبات نفسي في غير إثم ولا
    افتتان

    ما أخذ الكاتبان سوءًا يذودني عن رُبَى
    الجنان

    إن كان في قُبلة جناح فإنني منه في أمان

    لم أستبح نَيْلها فجورًا بل قال بالحِلِّ
    «مُفتيان»

    قد نِلتُها واستزدتُ منها لو بعض ما نلته
    كفاني

    ثم طوى الدهر ذاك عنا ليتَ الرَّدَى قبلها
    طواني

    لا يشمتُ الحاسدون إني سَلوتُ حبي وما
    سَلاني

    رأيت أن الهوَى سيُلقي نفسي في هُوَّة
    الهَوان

    فقلتُ للقلبِ: عدِّ عنه ودَعْه للمُترَف
    الجبان

    إن نعيم الحياة يَفنى وطيب الحمد غير فاني

    هن الأماني ملَكن قلبي يا وَيحَ قلبي من
    الأماني!

    ذُدْنَ كَرَى النوم عن جفوني وقلن للصَّفْو لا
    يراني

    أدْنَينَ أسبابَهن مني ونائل الدهر غير داني

    بيني وبين الزمان حربٌ لا صنع الله للزمان

    لن يبلغ الثأر من زمان من صال بالسيف
    والسنان

    إن كان يُغني البيان عني فإنني صاحبُ البيان

    من حارب الدهر لم يَسَعه إلا رضاه بكل شان

    لم أمضِ عشرين غير أني بلوتُ دهري كما
    بَلاني

    ما أنا والحادثات إلا كالريح والأغصن اللدان

    أميل بالنفس حيث مالت مثبت الجأش والجنان

    إذا شكى البؤس كل ندب فقد نجا منه شاعران

    بينا نعانيه كان شوقي يقصف في كرمة ابن هاني

    وحافظ في القطار يلهو مُشرَّد الهمِّ غير
    عاني

    أذاك أم مسَّه شقاء فانتجع الواصل المداني؟

    ثم انثنى وهو بالصفايا من صلف الدهر في ضمان

    فليَطبِ الشاعران نَفْسًا إنَّا رَضينا بما
    نعاني

    ما سرَّني ساعة كبؤسي والأدب الغض صاحبان

    لقد سَئِمْتُ الصِّحَاب حتى وَددتُ لو كلُّهم
    جفاني

    تهاني العيد
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ٢٥ ديسمبر ١٩٠٩

    أعلم أنَّ عهد القُرَّاء برسائلي بعيد، وأن قليلًا منهم الذين يقرءون بشَغَف ما أكتب، ويحبون أن يكون كثيرًا؛ أعلم ذلك وإلى هؤلاء أعتذر من انقطاع رسائلي عنهم هذه المُدَّة التي يرونها طويلة، وقد أراها قصيرةً جدًّا، وما إخالهم إلا عاذرين. هل يُصدق القُرَّاء إن قلت لم يصرفني عنهم إلا ما يُنْسِي الشاعرَ نفسَه، ويصرفه عن كل شيء؟

    أيسمعون لي إن قلت: لم يكفَّني عن الكتابة إلا شيء لو استرسلت معه لملَّت الفتاةُ رسائلي، ولسئموا هم قراءاتها؟

    أَيُصغُون إليَّ إنْ قُلت لم أنقطع عن الكتابة إلا مُختارًا، ولقد لذَّ لي عيشي في هذه الفترة أضعافَ ما يَلَذُّ لي اليوم وما بعده؟

    آهٍ! ما ألذَّ الذكرى وأشدَّ آلامها في آن واحد!

    كم أنا سعيدٌ أمس! وكم أنا شقيٌّ اليوم! كم كنتُ راضيًا عن الناس مُحبًّا لهم! وكم أنا ساخط عليهم مُتبرِّم بهم! إن قلبي ليريد أن يتكلم، ولكن لا يجد من يفهم عنه.

    إنَّ للقلوب كلامًا لا تؤدِّيه الألسنة ولا تَعِيه الأسماع، كلام لا تفهمه إلا القلوب. أريد الآن أن أشكو، ولكني لا أجد مُشْكِيًا. أريد الآن أن أنصح، ولكني لا أجد مصغيًا.

    وا حرَّ قلباه؛ تضيع النصيحة والشكوى بين جفاء الطباع ونبو الأسماع! ولكن ما أنا وهذه اللهجة المُحزنة يوم كل الناس فَرِح مسرور.

    معذرة إلى القُرَّاء؛ فقد أكون حيًّا في الطبع قليلًا أو كثيرًا. والحق أقول: إنَّ من يستهين بالحزن والفرح ليس له أن يعيش هنا أو على أقلِّ تقديرٍ ليس له أن يكتب إلى من يرونهما كلَّ الحياة، غير أن بين القُرَّاء فريقًا هم شُركائي في المذهب، ونظرائي في العقيدة؛ فلا عليَّ أنْ أُقَدِّم بعد ذلك إلى القُرَّاء كافةً أجملَ تحية، وأزكى تهنئة بهذا العيد السعيد.

    أقدِّم لهم هذه التهنئة والتحية؛ لأنَّ هذه عادة قومية لا أجد لي منها بُدًّا.

    لقد أصبحتُ أمسِ وإن بين يديَّ من رسائل التهنئة لشيئًا كثيرًا جلست إليه أستقصيه؛ فاستقصيتُ معه الضحكَ والبكاء. جعلتُ أقرأ تلك الرسائل فكنتُ أنبذ واحدة وأحتفظ بأخرى، وأنا على ذلك نَشِطٌ مسرور، حتى وقعت لي رسالة لم أكد أقرؤها حتى انتقلت فجأة من السرور إلى الحزن، ومن الضحك إلى البكاء، وخفتُ أن يلحظ جُلسائي عليَّ ذلك فتركتُهم مُعتذرًا، ودخلتُ إلى حيث أستطيع أن أدع للدموع مجراها وللَّوْعة سبيلها.

    فيا لكَ من يوم توالت همومُه على النفس حتى خلتُ أنيَ هالكُ

    أرى الناس كلٌّ آخذٌ بنصيبه من البؤس والنُّعمى فباكٍ وضاحكُ

    لم تستخفَّني هذه الرسالة لبلاغة في معناها، أو رقة في أسلوبها، أو جمال في معرضها، وإنما استخفتني لأنها رسالة فلان.

    قرأت هذه الرسالة؛ فإذا فيها:

    صديقي العزيز اجتمعنا في مثل هذا اليوم ومعنا أصدقاؤنا الأعزاء، فسُقْيًا لذلك اليوم! ثم افترقنا بعد أيام، ولم يبقَ إلا أنا وأنت؛ فما أجمل هذه الذكرى! ثم فرَّق بيننا أولُ الصيف؛ فبعدًا له! أهنئك بهذا العيد، ولا أكذبك أني لا أجدُ لنفسي عنك صبرًا. أَعِرْني سمعَك وأبلغ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: كذب كل ما قيل. صديقك

    لماذا تحزنني هذه الرسالة؛ لأنها رسالة شخص ما كان أعزه عليَّ وأحبَّه إلى قلبي، توثَّقت بيني وبينه العُرَى واتصلت الوسائل، ثم انقطعت فجأة في اليوم الذي كنت أؤمِّل فيه أن لا تزيد إلا توثُّقًا واتصالًا.

    أيها الشخص الكريم عليَّ، الحبيب إليَّ، المُستأثر بقلبي، العابث بلُبِّي، المالك لسعادتي وشقائي، العارف بآلامي وطبي (كل ذلك قد كان)، سلام على عهدك القديم وأيامك الخالية وودِّك قبل أن يستحيل، وقلبك قبل أن يملكه غيري. تالله ما ابتسام هذا العيد لي في هذا العام كابتسامك لي العام الماضي، ولا صفاؤه لي في هذه السنة كصفاء قلبك لي في السنة الماضية، ولا سروري به العام كسروري بلقائك عام أول.

    تالله ما أفسدَ بيني وبينك إلا أنت، ولا صدع قلبي وقلبك إلا أنت، ولا أشقى صديقينا إلا أنت؛ فأنت أصل سعادتنا عامين، ومصدر شقائنا آخرَ الدهر. نشكو منك إليك؛ فأنت المنتصف. اجتمعنا في مثل هذا اليوم — كما تقول — فلا سُقْيًا لذلك اليوم؛ لأنه أصل شقائي، ثم افترقنا بعد أيام فلم يبقَ إلا أنا وأنت — كما تقول — فما أسوأ هذه الذكرى! لأنها مصدر مِحنتي، ثم فَرَّقَ بيننا أول الصيف، فسُقْيًا لهذا اليوم؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.

    أهنِّئك بهذا العيد ولا أكذبك أني صابر عنك صبرًا جميلًا. أَعِرْني سمعك وأبلغْ قلبك عن قلبي هذه الكلمة: لقد كذَّبتُ كلَّ ما قيل، ولكن لم أستطع تكذيبَ ما أشاهد، والسلام.

    منصب الرسالة
    طه حسين
    مجلة الهداية
    يناير ١٩١٠

    نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.

    هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!

    مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.

    فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.

    قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.

    هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.

    بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.

    فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.

    بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.

    فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ )، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.

    هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ) ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ )، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ).

    وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»

    وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).

    كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل( : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.

    والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.

    حتى في الحفلات العامة
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٥ يناير ١٩١٠

    أكثَرَ النَّاسُ مِنْ نُصْحِ الأزْهَريِّينَ وإرشادهم إلى ما فيه الخير، وتنفيرهم مما هم فيه
    من لغو القول وسخف الحديث؛ فلم يلتفتوا إلى ما دُعُوا إليه، ولم يُصغُوا إلى أصوات المُخلصين أو
    تهكُّم الساخرين.

    ولقد كنتُ بعيدًا عن هذا البَحث؛ لأنِّي أخذْتُ على نفسي أنْ لا أكتُبَ الآن فيما يُغضب
    أحدًا، وأن تكون أبحاثي مقصورة على الأدبيات والغَراميات مُذْ كان ارتياح الناس إلى هذا كثيرًا،
    وتطلبهم له جمًّا، لولا أن دُعيت إلى حفل أقامه صديقي الأديب الأستاذ الشيخ أحمد حسن الزَّيات
    مساء الخميس الماضي؛ لعقد قرانه بكريمة المِفضال سيد أفندي النجار، فلمَّا أجبتُ الدَّعوة راقني
    ما كان في الحفل من جمال وظُرف، ولا سيما ذلك النوع من الغناء القديم الذي طالما اشتقتُ إلى
    سَمَاعه. ولستُ الآن بقائل كلمتي في هذا النوع من الغناء، ولا في هذا المغني المطرب الأستاذ
    الشيخ الحمزاوي، ولكني أقول كلمةً هي في الحقيقة حزن وأسى، لا سرور وفرح.

    بينما كان المُغني يطرب الناس بغنائه الجميل مال إلى طريقة لم أفهمها، كما أني لم ألُمْهُ
    فيها. هذه الطريقة هي التهكم بالأزهريين والسخر منهم: أوله «رُبَّ»، فما هي إلا أن أسترسل في
    البيت قليلًا ثم عاد فانتقل منه إلى قطعة من «الآجرومية»، فجعل يقول: رُبَّ ولعل ومتى واللام
    والواو والباء والتاء، فضحك له النَّاسُ كثيرًا، ومنهم أنا، إلا أنَّ ضحكي لم يكن إلا عنوانًا
    لما يُكِنُّه فؤادي من الأسف والأسى على ما وصل إليه أمر الأزهريين من الضِّعة والامتهان، ثم
    انتقل إلى بيت آخر هو قول القائل:

    إن كان في جلنارِ الخدَّ مِن عجبٍ فالصدرُ يَطرحُ رُمانًا لمَنْ يردِ

    فجعل يُرَدِّد هذا البيت بأنْغَام مُستحسنة، ثم عمد بطريقة من التهكم إلى كلمة في البيت هي
    الجلنار، فقسمها قسمين، وأخذ لفظة النار فجعل يرددها هكذا: نار على نور، نور على نار، نار على
    نار.

    ثم شرح هذا الترديد بقوله: النور في وجه الحبيب، والنار في كبدي أنا. ولو أنَّ بالكتابة يتمثل
    للناس المعاني تمثلًا ظاهرًا لمثلث للقُرَّاء تَهكُّم المعنى فيما كان يقوله بطريقة الترح
    والحواشي، ولا سيما التفاته بذلك إلى العمائم؛ فقد كان كثيرًا مُضحكًا.

    أنا لا ألوم المغني في ذلك؛ فقد يكون عمله وتبكية الأزهريين طريقة من طرق النصح والإرشاد، كما
    أنه قد يكون مَحض التفنن لإرضاء السامعين وإطرابهم، وعلى كلتا الحالين فنحن الأزهريين أهل
    اللوم؛ لأنَّنا جعَلْنا أنفسنا أغراضًا لمِثْل هذه المخجلات، وأبينا مع مرور الزَّمن إلا أنْ
    نظل على ما نحن فيه من جمود وخمول؛ فعسى أن نتعظ بمثل هذا التهكم وتلك السخرية اللذين يترددان
    كثيرًا في كل يوم، حتى أصبحت لفظة الأزهري أو المجاور سُبَّة على الناس وعارًا.

    لعلنا نتعظ بكل هذا فنصلح من أمرنا، ونقصر عن جمودنا، ونجاري غيرنا في الرُّقي والتقدم؛ فقد
    بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطبين، وإن في ذلك لبلاغًا.

    يوم القران قصيدة قالها صاحب الإمضاء يهنئ بها صديقه صاحب الحفل، ويحمد من حفله أن جمعه بصديق له
    طالت بينهما الجفوة، فأصلح بينهما: يا خليليَّ سلامي حبذا يوم القران حبذا أمس فَفَدَّا ني نوالًا غير دان حبذا ليلة أمس راق لي فيها زمان ليلة قد نلت فيها من حظوظي ما شفاني ليلة قصر في تقـ ـريظها أمس لساني أنا لا أحمد منها حسن توقيع الأغاني إنما أحمد منها حسن أنسي بفلان وسروري بصديق وهو في أحسن شان ناعم البال قرير الـ ـعين في غير افتتان لم أزل أقصف حتى خلت أني في الجنان بينما نحن على ذ لك زفَّ القمران آه يا زياتُ ما أجـ ـمل ساعات الأماني! هُنَّ قد هجْنَ لنفسي ذِكْر سَحْرٍ وعنان أنا لولا سوء حظي لم أكن إلا ابن هاني يا شقيق النفس ضاق الشـْ ـشِعر عن نظم التهاني لا تلُمني إن دعوتُ الشـْ ـشِعر والشعر عصاني جلَّ حبي لك يا زيـْ ـيَات عن وصف البيان لك من صِدْق ودادي أي أسباب متان يا صديقي ولعمر الله لو صدقتماني! آه كم أضمر حبًّا لكما لو تعلمان! إن محمودًا لمن قلـ ـبيَ في خير مكان لكما نفسي فداء من عوادي الحدثان فلتعيشا ليَ حتى يقضيَ الله زماني قد أطلت القول يا زيـْ ـيَات فاهنأ بالقران

    المروق
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢٨ يونيو ١٩١٠

    أيسر شيء على بعض النَّاس في هذا البلد أنْ يُرمى الرَّجُلُ بالإلحاد في دينه، والمروق من إيمانه، إنْ أَنْكَرَ بدْعَة معروفة أو جحد خُرافة مألوفة، كأنَّما مَفَاتِيح الجِنَان في يدِ فُلانٍ يُدْخِل فيها من يشاء ويذود عنها من يشاء.

    كذلك من الميسور إباحة المحظور، والتماس الحيلة في كل مستغلق من الأمر، كأنما الدِّينُ إطار مَرِن يستطيع أن يُحيط بكل شيء حتى المتناقضات.

    كل هذا يسير لا بأس به ولا بدع فيه، وإنما القصد في الدين والاعتدال في الإباحة والخطر؛ هما الأمران اللذان قد بلغا من العُسر أقصاه، ومن الحرج مُنتهاه حتى ضاق بهما التأويل، ولم يسعهما النص والدليل، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا.

    ليس الإيمان مِلْكًا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ إنْ شَاءَ وَهبني إيَّاهُ، وإنْ شَاءَ استرده مني، وإنما هو سبيل واضحة إلى رضى الله، قد مهدت للناس كافة يسلكها منهم القاصدون ويصدف عنها الجائرون؛ فمن يهدي الله فما له من مُضل ومن يُضلل الله فما له من هادٍ.

    لا يعرف الإسلام لأحدٍ من الناس حق السيطرة على العقيدة والهيمنة على القلوب، وإنَّما ذلك حق الله وحده يستطيع أنْ يجزي الناس بما يُضمرون من خير وشرٍّ، فيُثيب المُحسن ويُعاقب المسيء. (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦).

    الدين الذي ينطق بهذه الآية الكريمة لا ينبغي أنْ يُرْغَمَ عليه الناسُ إرغامًا، وأن يُذادوا عنه كارهين، كما أنَّه لا يَصِحُّ أن يحال بينهم وبينه بأسوار من الوهم والخُرافات، بل يجبُ أنْ يَظَلَّ كعهده أيام النبي لا زيغ فيه ولا عوج، فما بال فريق من أولئك الذين سُدَّت عليهم مَصَادِرُ الحيلة في هذه الحياة وأعياهم طلب الرزق قد رَكبوا رِقَابَ النَّاسِ باسم الدِّين، واستلانوا كواهلهم أكثر مما استلان شيطان الأساطير كاهل السندباد البحري في أقاصيص ألف ليلة وليلة. ما بالهم يصرفون الناس إلى كل منكر، ويوقعونهم في كل محظور ويفتحون في وجوههم من أبواب الحيلة والرياء في الدين شيئًا كثيرًا.

    بُعدًا لذلك اليوم الذي يُصبِح فيه الدين مَصدرًا للنضار وحبالة للدينار وأُلعوبة في يد الماكرين.

    ماذا يقول القُرَّاء لو علموا أنَّ الذي بعثني على أنْ أكتُب هذه الكلمة إنَّما هي قضية شَرْعِيَّة ذات شأن؛ ما أظن مُسلمًا يسمعها إلا ويذوب قلبه أسفًا، ويتقطع حسرة ولهفًا على هذا الدين الذي أصبح على الناس هينًا يسيرًا.

    كرهت فلانة زوجها وأظلمت في عينها سُبُل الحيلة للنجاة من عِشرته؛ فلجأت إلى تُجَّار الدين تسألهم مَذْهبًا في أمرها فباعوا دين الله بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزَّاهدين.

    أغروها بالردة فمرقت من دينها وبقيت على مُروقها ليالٍ وأيامًا، ثم عادت إلى الإسلام، واتخذت لها قرينًا آخر لم يلبث بعد حين أن خاصمها إلى القاضي الشرعي؛ لأنَّها قد نشزت عن طاعته وخرجت عليه.

    وما هي إلا أن سمع القاضي دعوى القرين ودعوى القرينة، ثم أصدر حكمه بفسخ العقد الأول؛ لأنَّ الرِّدَّة فسخٌ في الحال لا يحتاج إلى القضاء.

    قضية مُدهشة وقضاءٌ غريب ليس بينه وبين الدعوى سبب ولا اتصال.

    أي سبب بين نشوز المرأة عن طاعة زوجها، وبين عقد قد كان لها مع زوج قديم، يا لله وللإسلام تُؤمر المرأة بالمروق من دينها لتنجو من قرينها، ويقضي القاضي بحكم بينه وبين الدعوى بُعد ما بين السماء والأرض.

    أتى اليوم الذي يجهد فيه المرسلون من أبناء النَّصرانية أنفسهم ليُدخلوا الناس في دينهم راضين أو رَاغمين، يعمل رجال الإسلام لإخراج المُسلمين من دينهم طوعًا مرة وكرهًا أخرى.

    أتى اليوم الذي تكثر فيه المطاعن على هذا الدين الحنيف، ينهض قضاتنا الشرعيون لتأييد تلك المطاعن بالأدلة والبراهين. كلا إنَّ الإسلام لبريء مما يعملون.

    اتضح أمر القضية لنظارة الحقَّانية؛ فحاسبت القاضي حسابًا يسيرًا، وجعلت حساب الوكيلين المُحتالين إلى مجلس تأديب من قُضاة كلية الجيزة؛ فليثأر هؤلاء القضاة لدين الله، وليعلموا أنَّ مِثل هذه الحادثة هي التي تظهر فيها الكفاءة الحقيقية، وليعدلوا إنَّا لعدلهم مُنتظرون.

    حقيقة الدين
    طه حسين
    مجلة الهداية
    يناير ١٩١٢
    زعموا والزعم في هذه الأيام كثير أن الرجل لا يكون خيراً صالحاً ولا مسلماً متورعاً ولا تقياً رشيداً إلا إذا اصطنع أموراً خاصة وانتحل نحلاً معينة وذهب مذاهب معروفة، فليس له أن يلبس إلا لبوساً خاصاً فيكبر العمامة ويرسل أردان الثوب ويطيل الأكمام ويمشي مشية المتخشع الذي يتكلف الوقار ويظهر الحرص عليه. وينبغي أن يأخذ في يده مسبحة طويلة كبيرة الحبات ويغرس في عمامته سواكاً طويل القامة ويملأ أنفه من حين إلى حين بألوان من السعوط ويطلق لسانه من آن إلى آن بأنواع من الكلام تكثر فيها القاف وغيرها من الحروف الضخمة الفخمة. فكل هذه أمور لازمة وصفات ضرورية هي مقومات العلم والدين فليس لمسلم صالح أن يحيد عنها أو يتكلف غيرها إلا إذا أراد أن يحيد عن السنة ويميل عن العقيدة الطاهرة ويذهب مذهب الملحدين.

    قالوا: ولا بد من التردد على مقابر الأولياء ومشاهد الصالحين والطواف بها والوقوف عليها وإظهار الخشية والرهبة لها والتقرب إلى الله عز وجل ببركة سكانها، ومن حاد عن ذلك فقد اختار الأولى على الآخرة وآثر الباطل على الحق ورغب إلى الدنيا عن الدين.

    قالوا: ولا بد مع ذلك من الاحتفاظ بعقائد السلف وعادات الأولين والابتعاد عن استحداث الأمر الصالح والسنة النافعة وعن الجهر بالرأي والتصريح بذات النفس وعن القول في العلم والدين بما لم يقله قائل ولم يذهب إليه ذاهب، فإن ذلك أدنى إلى حسن العاقبة وأخلق بمن يريد أن يلقى الله بنفس بريئة وقلب سليم.

    ذلك هو القانون الذي رسموه وأوجبوا على المسلم الصالح أن يتبعه ويحرص عليه ليسلم له دينه وتصح له عقيدته ويأمن من حر النار وعذاب الجحيم، وقد رأوا أن العدول عنه والتبديل فيه نوع من الشرك وضرب من الزندقة وطائف من المروق.

    بذلك انطلقت ألسنتهم وفاضت فتياهم وعليه دلت أعمالهم وبرهنت أطوارهم، فلنبحث الآن عن نصيبه من الحق وحظه من الصواب وليكن بحثنا في هذا الفصل مجملاً موجزاً لنتبعه فيما بعد بفصول ضافية متصلة نشرح فيها حقيقة العقائد الدينية لتهتدي إليها الأمة ويظهر عليها الجمهور.

    لا نفهم للدين معنى يقصد إليه أكثر من هداية النفوس إلى ما يصلح أمرها في الآخرة والأولى، فإن الإنسان اجتماعي بطبعه مدني بفطرته نزاع إلى إيثار نفسه بالصالحات واختصاصها بالطيبات، وذلك مؤدٍ لا محالة إلى اختلاف الأهواء وافتراق الآراء وتباين المذاهب والأغراض، فقد تتعارض المصالح وتتنافى المنافع فيدعو ذلك إلى اضطغان الصدور وامتلاء القلوب بالموجدة والبغض، وذلك مصدر فساد في الأرض يعقبه سفك للدماء المحرمة وإهدار للنفوس المعصومة وقطع لأواصر المودة والألفة بين الناس وهدم لصروح الحضارة والعمران، فلا بد من حاكم حازم وسلطان رشيد يحكم بين الناس بالقسط ويرد عادية القوي الظالم عن الضعيف المظلوم ويصرف الأفناء والجماعات إلى العمل الصالح والرغبة في الخير والمنفعة العامة.

    ثم إن مما لا شك فيه أن لكل عمل من أعمال الإنسان أثراً حسناً أو سيئاً ونتيجة محمودة أو مرذولة كما أن له مقدمة وعلة، وأقصى ما لأعمال الإنسان من النتائج والآثار هو ما يلقاه بعد الموت من خير أو شر ومن نعيم أو جحيم، وذلك كله يقتضي أن هناك مصرفاً للأمور ومسيراً للعالم ومثيباً بالحسنات ومعاقباً على السيئات ومسيطراً على النفوس ومستأثراً بالقلوب، فلا بد للإنسان من مرشد إلى هذا كله ودال عليه لأن عقله لا يستقل بالوصول إلى حقيقته، ولئن استطاع أن يعلم ظاهراً من الحياة الدنيا فإنه لن يستطيع أن يعلم قليلاً من أمر الآخرة لانقطاع الأسباب بينها وبين العقل. وقد امتن الله على الإنسان فأرشده إلى كل ذلك بمن أرسل إليه من رسل وما أنزل عليهم من كتب وما شرع لهم من دين.

    فليس لأحد أن يذهب في فهم الدين غير هذا المذهب أو ينحو غير هذا النحو أو يسلك غير هذه السبيل، لا لأنا نحجر على الرأي أو نستبد في النظر بل لأن ذلك هو الحق الواضح الذي ينطق به الدين وينادي عليه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.

    هذه آيات الكتاب ناطقة بأن الله لم ينزل كتبه ولم يشرع دينه إلا لهداية القلوب وإرشاد الناس إلى منافعهم في الدنيا والآخرة، وقد أحل لهم فيه الحلال وحرم عليهم الحرام وماز لهم الحق من الباطل والرشد من الغي والحسن من القبيح، فمن بدّل فيه أو زاد عليه فهو حريّ بالإثم خليق بسوء الجزاء.

    فلنبحث الآن عن هذه الأوضاع المحدثة والأطوار المبتدعة ولننظر أين مصدرها من الدين وهل جاء بها نص ظاهر أو مؤول من سنة أو كتاب.

    نعرف أن ليس في القرآن الكريم آية أو سورة أنزلت لبيان ما ينبغي أن يتخذ الناس من لبوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذنا بنوع خاص من الثياب أو شكل معين من الأزياء، وإنما ترك لنا ذلك لأنه لم يبعث ليعلمنا كيف نلبس أثوابنا أو نصور أشكالنا، وإنما بعث ليعلمنا كيف نعبد الله عز وجل وماذا ينبغي أن نتخذ إلى السعادة في الدنيا والآخرة من سبيل.

    لذلك لم يقيد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفسهم بزي خاص بل اتخذوا العمائم قبل الفتح ولبسوا القلانس بعده واستبدلوا المخيط من الثياب بالأزر والأردية واتخذوا القصور الشامخة في العراق والشام بل وفي المدينة نفسها، وقد تحلى معاوية بالذهب والفضة ولبس الديباج والحرير، ولعمري إنا لأسمح ديناً من أن نضيق بما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    نعرف أن الإسلام إنما شُرع حرباً على الوثنية وماحياً لها وعدواً للباطل وقاضياً عليه، فهو أطهر وأنقى وأكرم عنصراً من أن يأمر بتعظيم القبور والأنصاب وتقديس الأحجار والأشخاص. وإنما الذي ينبغي تعظيمه ويجب تقديسه والإذعان لسلطانه هو الله الذي لا إله إلا هو قد استأثر بالعزة والسطوة وانفرد بالعظمة والجلال.

    قالوا: لا نعبد هذه القبور والأشخاص ولا نقدسها وإنما نتقرب بها إلى الله ونتشفع بها لديه. ولعمري ما قالوا إلا شراً وما ذهبوا إلا إلى بدع من الأمر ومنكر من الباطل. فليس بين الناس وبين الله من سبب ولا وسيلة إلا الطاعة الخالصة والإنابة البريئة من الشرك والرياء والله عز وجل يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ويقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وإنما التوسل بالأشخاص والتماثيل سبيل المشركين به الخارجين عليه الذين أنكرت عليهم عبادة الأصنام والتماثيل فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ومن ذا الذي يتقرب إلى الله بشخص لا حول له ولا طول أو تمثال لا حس به ولا حياة ثم يعتقد بعد ذلك أنه صادق في دينه مخلص في إيمانه قد خلصت عقيدته من الشك وتمحضت لليقين.

    نعرف أن الإسلام إنما شرع محرراً للعقول والآراء مستنقذاً للأفراد والجماعات من الرق الأدبي والمادي، وبهذه المزية أحيا الأمم ورقى الشعوب، فمن أين لهؤلاء المبتدعة القول بأن الاجتهاد في الدين غي والتصريح بالرأي إثم وإيثار المنفعة للمسلمين مروق؟ ومن قبلنا قد اجتهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين وجهروا بآرائهم واختاروا المصالح للناس، لم يتقيدوا إلا بالكتاب والسنة وعلى سنتهم مضى التابعون.

    أفكان سلفنا الصالح مبتدعاً مارقاً؟ كلا، وإنما هو الحرص على القديم السيئ والتمادي في الباطل المهلك قد انتهى بهم إلى ما يقولون، ويا ليتهم ذهبوا في هذا الأمر إلى شيء مجمل أو قالوا فيه مقالة موجزة قابلة للتأويل، ولكنهم قد أكثروا القول وبسطوه وفصلوا الأمر ولجوا فيه، فزعموا أن دين المرء لا يصح إلا إذا قرأ عقيدة السنوسي التي يعلمها الخليل أطفال الجنة إلى غير ذلك مما لا مصدر له إلا الأوهام والأباطيل.

    الآن قد أشرنا إشارة مجملة إلى حقيقة الدين وبينا أنه لا يتناول أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن زاد على ذلك فيه فقد ضل وأضل. ولنا فيما بعد فصول مبسوطة نفصل فيها القول ونبسط فيها الكلام.

    نحن والتقريظ: مختارات المنفلوطي
    طه حسين
    ٢ أبريل ١٩١٢

    أما وقد كتب الكاتبون عن هذا الكتاب وفيهم ولي الدين وبعضهم وحافظ، فسنلقي دلونا في الدِّلَاء
    — كما يقول المثل العربي — وسندع شيئًا من أعمالنا للنظر في قيمة هذا الكتاب ومنزلته من كتب
    الآداب إيثارًا للحق واختيارًا لنصح الأمة وإرشادها.

    ونحن نعتقد أن صاحب المختارات لن يَضِيق لما سنكتبه من النقد بعد أن بلا حلاوة التقريظ الذي
    أهداه إليه جماعة الكُتَّاب والشعراء، وإنما نكتب عن هذا الكتاب من وجوه:

    الأول: منزلته من الاختيار وحُسْنه. ونريد بهذا الوجه أن نعرف نصيب صاحب الكتاب من تحقيق
    الغرض المقصود أو الذي ينبغي أن يكون مقصودًا من الاختيار في الآداب، وهو تمثيل الحياة الفكرية
    للأمة التي يختار من آدابها في عصر من العصور، حتى يتأتى لتاريخ الآداب أن يستمد هذه الصورة
    التي يمثلها الاختيار حكمه على هذه الأمة أولها بالتبريز في الآداب أو القصور.

    وإذا أردنا أن نتكلم عن كتاب المنفلوطي من هذا النحو وجب علينا أن نقتصد كل الاقتصاد في المدح
    والثناء؛ لأنه مع الأسف الشديد لم يستطع أن يُمثِّل لنا صورة ما من الصور الأدبية للأمة العربية
    في أي عصر من العصور، وإنما الكتاب عبارة عن مقطعات صغيرة من الشعر والنثر في موضوعات مختلفة
    وعصور متباينة، وقلَّما تستطيع القطعة منها أن تبين حالًا خلقية أو فكرية للعصر الذي قِيلَتْ
    فيه؛ لأنها صغيرة ولأنها منفردة في كثير من الأحيان.

    اختار المفضل الضبي فمثَّل العصرَ الجاهلي أحْسَن تمثيل، وأهدى إلى أئمة اللغة مقدارًا كبيرًا
    من الشواهد العربية التي تقوم بكثير مما كتبوه، ومثله صنع أبو تمام والبحتري إلا أنهما تناولا
    العصرين الأموي والعباسي.

    أما المنفلوطي فقد اختار في جميع العصور على التقريب إلا أنني أستطيع أن أباهل أي كاتب من
    الكُتَّاب على أنه لم يُحْسِن تمثيل أي عصر من العصور. وكيف يبلغ هذه المنزلة من يكتفي بإيراد
    بيتين اثنين لعدي بن الرقاع في تهذيب الشعر؟! فالكتاب من هذا النحو لم يُهْدِ إلى تاريخ الآداب
    شيئًا ما، وإنما هو على مثال تلك الكتب التي تُؤلَّف للظرفاء يستظهرون ما فيها من المقطعات
    لتنطلق بها ألسنتهم في الأسمار والمحاضرات من غير إطالة ولا إملال، وإن عندنا منها شيئًا
    كثيرًا.

    الوجه الثاني من وجوه النقد: تَحرِّي صاحبنا لأسماء الرجال وأيام حياتهم وتراجمهم؛ فإن مما لا
    يحتمل النزاع أن صاحب المختارات راوٍ يجب أن يكون صادق الرواية حَسَن الضبط — كما يقول علماء
    الحديث — فإذا زل في اسم رجل أو تاريخه كان ذلك سبيلًا إلى ضعف الثقة به وتبدُّل الرأي فيه. كيف
    لا، وذلك تغرير للشبان الذين سيعتمدون عليه في حفظهم واستظهارهم؟!

    ولصاحب المختارات من هذا كثير نذكر منه الآن خطأه في اسم كاتب كبير ومؤلف مشهور شاع ذكره بين
    الأدباء منذ القرن الرابع للهجرة، وهو أبو هلال العسكري الذي سمَّاه المنفلوطيُّ ابنَ هلال،
    وإنما نعرف ابن هلال أحد الخطاطين في مدينة بغداد، فأما الذي روى عنه المنفلوطي فأشهر مِنْ أن
    يناله الخفاء وكتبه بيننا منشورة وأحاديثه معروفة!

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول إن صاحب المختارات قد جعل على الثقة به سبيلًا للشك
    والريب.

    الثالث من وجوه النقد: إصابة المؤلف في رواية النصوص الشعرية والنثرية وفَهْم ما يرمي إليه
    أصحابها من المعاني والأغراض، ولصاحبنا المنفلوطي من الخطأ في هذا شيء كثير، نذكر منه الآن خطأه
    في أول بيت رواه في كتابه، وهو قول الأعرابي:

    وداهية داهى بها القوم مُفلقٍ شديد بعوران الكلام
    أذومها

    روى صاحبُنا البيتَ مُصَحَّفًا فضَبَطَ «القوم» بالنصب على أنها مفعول والصواب رفعها على أنها
    فاعل، وإنما «مفلق» بالجر على أنها صفة للداهية. وروى «بعوران» محرفة؛ فزعم أنها العوراء وليس
    بشيء، وإنما هي كما روينا لك، وتحقيق ذلك مبسوط في كتاب الكامل لأبي العباس المبرد.

    وزعم أن الشاعر يشكو ويستغيث من سفاهة خصمه، واستشهد بهذا على سوء حظ الأدب في هذا العصر،
    ولكنه مع الأسف قد أخطأ؛ فإن الشاعر يفتخر بذرابة لسانه ويتمدح بقوة حجته وشدة شكيمته! والدليل
    على ذلك قوله بَعْدُ:

    أصختُ لها حتى إذا ما وعيتُها رميتُ بأخرى يستديم
    أميمها

    ترى القوم منها مُطْرِقين كأنما تساقوا عقارًا لا يبل
    سليمها

    وقد وهم المنفلوطي فروى الشطر الثاني من هذا البيت: تساقوا بكأس! والصواب ما رويناه لك كما هو
    في الكتب الصحاح، وأخصها كتاب الكامل.

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول: إن صاحب المختارات لم يُوفَّق إلى المنزلة الوسطى في حُسْن
    الضبط، وإتقان الرواية، وإصابة الفهم.

    الوجه الرابع: أن صاحب المختارات قد تعرَّضَ في كتابه لترجمة الشعراء والكُتَّاب الذين اختار
    لهم فلم يجد في ذلك؛ لأنه توهم أن ترجمة الشاعر هي عبارة عن ذكر السَّنَة التي وُلِد أو مات
    فيها مع شيء من المدح والإطراء الذي لا ينبغي أن يسرف الناقد فيه، بل يجب أن يتوخى فيه القصد
    والأناة.

    وليت شعري! إذا كان كل الشعراء والكُتَّاب فحولًا مجيدين وأفذاذًا نابغين، فماذا عسى أن يكون
    نصيب النقد الصحيح مما كتبوه أو نظموه. تلك طريقة قد سلكها المتقدمون وشقي بها المتأخرون، فحسن
    رأيهم في كل كاتب وظنهم بكل أديب، وذهب التفاوت بين طبقاتهم في الحقيقة.

    ومن الغريب أن المنفلوطي مع ذلك لم يترك أن يقول إن هذا الشاعر من الطبقة الأولى، وذاك من
    الطبقة الثانية! وما أدري أي شيء هو الحد الذي جعله فاصلًا بين الطبقات ومميزًا بين أقدار
    الشعراء، ومن هذا النحو نستطيع أيضًا أن نقول إن صاحب المختارات قد أفعم كتابه بالغلو
    والإسراف.

    وهناك وجوه أخرى لا أُطِيل بذكرها الآن؛ لأني سأعود إن شاء الله إلى النقد المفصَّل، وإنما
    أكتفي في هذا اليوم بما تقدم مع إظهار الأسف الشديد لهذه الحال التي نحاول أن نفارقها فلا
    نستطيع، وهي حال الغلو في التقريظ والإفراط في تقارض الثناء.

    قصد ولي الدين فيما كتب، ولم يُصِب «بعضهم» الإنصاف فيما نشر.

    أما حافظ فأكبر الكُتَّاب على التلاميذ، وزعم أنه كفاية الأديب الفذ والكاتب النابغة، ولعمري
    إن بعض ما ذهب إليه حافظ ليكفي لإرضاء المنفلوطي، ولَعَمْرُ حافظ لو أن هذه الأمة امتلأت بأدباء
    لا يعرفون إلا ما في مختارات المنفلوطي لكانت أقل من أن تغني غناء أو أن تبلي بلاءً. وإنها
    منزلة لا يحبها لأُمَّتِه إلا مغرورًا وسيئ القصد، وإني أُجِلُّ حافظًا عن هاتين الصفتين وأنصح
    له آخرة الأمر أن يقصد في إظهار ذات نفسه، وأن يتحرى إصابة الحق في أناة؛ فإن من العيب أن أنكر
    عليه قوله: «أخذ عليك ولي الدين.» فإن العرب لا تعدي «أخذ» ﺑ «على» في هذا الموضع، وإنما تعديها
    بالباء. كذلك من العيب أن أنكر عليه قوله: «أخصب ما بينه وبين البلاغة، ويبس ما بينه وبين
    الركاكة.» فإن الذوق لا يقابل الإخصاب باليبس وإنما يقابله بالإجداب، وإن في هذا الآن لكفاية
    وغناءً، ولعل موعدنا بنقد المقدمة في ألفاظها ومعانيها قريب.

    الألقاب والثياب
    طه حسين
    جريدة الجريدة
    ٢١ أغسطس ١٩١٢

    ما لي وللرداء يعبث به الهواء، يعانقه فينتفش، ويفارقه فينكمش، لا ينفك مبسوطًا مقبوضًا، ومرفوعًا مخفوضًا، موكل الأذيال بمواطئ النعال، قد انبسطت أجرامه، وانتشرت أكمامه تسبق صاحبها إلى الصحاف، وتمحو آثاره في الصحائف، وتخفي خاتم الماس عن أعين الناس، وتعوقني عن الحركة والسكون؟! ما لي ولهذا الزي يحصرني من الحياة في جوٍّ مظلم، ويقصرني من اللذات في حيز ضيق، يكلفني اصطناع الأناة فيما أهواه، والتزام الوقار في مختلف الأطوار، يسميني الشيخ وما أنا بالشيخ «إنما الشيخ من يدب دبيبًا»، يبغضني إلى الحسان ولي من الشباب مرحه وخاله، ومن الصبا باطله وضلاله، وأنا ابن الهوى والصبوة، وربيب الغنى والثروة، لي اللقب والوسام والرتبة، والمقام ذو الشرف الباذخ، والمجد الشامخ، وصاحب الذكر السائر، والصِّيت الطائر، والشأن النبيه؟!

    أين تقع الأوسمة من أولي الأحزمة، ونباهة الشأن من ذوي القفطان؟! وكيف تجمل الرتبة بلابسي الجبَّة، أو تنال الكرامة صاحب العمامة؟! إنْ هي إلا أضداد متباعدة، ومعانٍ متعاقدة يشناها الطبع، ويمقتها الذوق السليم.

    أين أنا من الزي الغربي وما فيه من حُسن الطلعة وجمالها، ولطف الهيئة وجلالها، ومن نبالة المنظر وانتظامه، وانتساق الملبس والتئامه، ومن الطربوش الأحمر على الجبين الناصع، ومن أزرار تسحر العيون بلألائها، وتخلب العقول بضيائها، ورباط يهفو به الهواء فيسبي القلوب، ويستخف الألباب؟!

    ألا — أيها الزي القديم — إليك عني، فما أنا منك ولا أنت مني …

    يقول الأحنف بن قيس: لا تزال العرب عربًا ما لبست العمائم وتقلدت السيوف. صدق، ولكنْ لِمَ نحرصُ على أنْ نكون عربًا؟ وما بالنا لا نندمج في الغربيين وهم ملوكُ الكون وسلاطينُه، وجنُّ العالم وشياطينه، الضاربون فيه بسهمي العلم والمال، والآخذون منه بحظي الشرف والجمال، المالكون للنفع والضر، والقابضون على الخير والشر، والعابثون بالغنى والفقر، الآمرون ويستمع الدهر، والناهون ويطيع الزمان؟!

    ذلك نحي الشيخ إذا أحرز الرتبة أو نال الوسام يمقت زيه القديم، ويتبرم به، ويسأم شكله السابق ويتحرج منه، وإنه لخاطر شؤم، ونجي سوء.

    اذكر — أيها الشيخ — فقد نسيت أنَّ للناس قدوة بك، وأسوة فيك، فخليقٌ بك أنْ تذكر أنك وإنْ ضننت بكرامة الزي؛ فقد جدت بكرامة نفسك، وأنك لو لهوت في زيك القديم لكان ذلك خيرًا لك؛ لأن الصراحة أجدر بالرجل من الرياء والمُداجاة.

    إنَّ لك من زي الشيخ وعمامته، ومن زينتك ووسامك، ومن تقلب لسانك في لغات مختلفة ميزة ليست لغيرك من أولي الطرابيش، فاحذر أنْ تضيع هذه الميزة؛ فإنها أوضح سبيل إلى ما ترغب فيه من شهرة. وحيث إنَّ لك تاريخًا مجيدًا، وعزًّا تليدًا، وحياة خاصة؛ فاحذر أنْ تفني هذا كله بالاندماج في غيرك؛ فإنك تجني على نفسك، وعلى أُمَّتك؛ تفقد نفسك شخصيتها، وأمتك أحد أفرادها. هذه نصيحة خالصة، فأين الأذن الواعية، والقلب الرشيد؟

    بعد الأوبة
    طه حسين
    مجلة السفور
    ٥ نوفمبر ١٩١٥

    الحمد لله على أنني قد صرت من دهري إلى شر حال

    مشتت النفس بعيد الهوى في عثرة من زمني ما تُقال

    جهدتُ في الخير لنفسي فما أدركت منه غير طيف الخيال

    مني وآمال تقسمنني ثم انجلى زخرفها عن محال

    نم أيها الليل السَّاهر، واهدأ أيها الخاطر القلق، وتعزَّ أيها الفؤاد المَحزون، فما خير لوعة لا تجدي، وما اللجاج في وجد لا يُفيد.

    أقالَ اللهُ عثارَ الجَامِعَة لقد اعترضت سربًا آمنًا فروعته، وقلبًا وادعًا فأزعجته، وعيشًا صافيًا فكدرته، ولقد استقبلت بي أمرًا لم تبلغ بي غايته؛ فوقفتني بين الحمد والذم، وبين الرضا والسخط، وبين الرجاء والقنوط.

    والذنب للأيام لو لا شؤمها لم تنب شيمه

    ولو استقامت كانت الأ حوال فيها مُستقيمه

    تريدونني على أن أكتب، أيها الأصدقاء، ولقد عَلِمْتُم ما لي بالكتابة من طوق، ولا إلى الإجادة من سبيل.

    وماذا تريدون من رجل لم يكَد يأنس إلى حياة النور والهدى حتى ردته الأقدار إلى حيث الظلمة الداجية والضلال المُبين.

    واهًا لك من عيش حَسُنَ أوَّله وساء آخره، ومن حُلْمٍ لم أكَد أتذوق فيه حلاوة الأمل، ولذة الرَّجاء حتى نغصتهما علي بشاعة الألم ومرارة اليأس.

    ويا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

    أجل، أيُّها الأصدقاء، لقدْ علمتم أنَّ تلكم حياة نور وهدى، وأنَّ هذه حياة ظلمة وضلال، وما أحسب إلَّا أنَّكم قد فعلتم ما فعلت فودَّعتم ذكاءكم وقلوبكم يوم ودعتم تلكم البلاد.

    وماذا عسى أن نصنع بذكائنا في بلد قانع كمصر، قد رضي أهله بالقليل من كل شيء؛ فحسبهم من العلم والأدب ومن الفلسفة والحِكمة ألفاظٌ يلوكونها، وكلمات يعلكونها، وجُمل يُرَدِّدونها بين الشفاه واللهَّا، من غير أن تُحَصِّل معنًى جديدًا، أو تدل على رأي طريف.

    زهدوا في البحث والتفكير وقنعوا بالنقل والتقليد؛ لأنهم لم يشعروا بنفوسهم بعد؛ فليس يعنيهم أنْ يَكُون لهم في تراث العقل الإنساني حظ أو نصيب.

    وماذا عسى أن نصنع بقلوبِنَا في بلد قانِعٍ كمصر قد رضي أهله بالقليل من كل شيء فحسبهم من الحياة الحس والحركة، ومن اللذات ما يتملق مشاعرهم الظاهرة، قد وضع الله عواطفهم في أيديهم وأرجلهم، وعلى أطراف ألسنتهم؛ فلا يعرفون من الحُبِّ إلا أغلظه وأجفاه، ولا يألفون من الوُدِّ إلا ما أعان على حاجة أو أدى إلى منفعة، أو انتهى بهم إلى إدراك طلبة وتحقيق رجاء.

    شهد الله ما غلوتُ ولا أسرفتُ، ولا بلغتُ حقَّ ما أُريدُ، ولقد أعلم أنني إنما أكتب هذه السطور لرجلين؛ أحدهما ذاق لذة الحياة الغربية فهو مؤمن بما أقول مصدق له، والآخر لم يبل منها شيئًا؛ فهو يتهمني بالغلو ويصفني بالإغراق.

    فأما الأول فما أملك له إلا يد إخاء وكلمة عزاء، وأما الآخر فما أرجو له إلا الهداية والعافية وصفاء العيش، وأنْ يُجَنِّبه الله ما بلوناه؛ فلم نحمد منه حلاوة الجني حتى ترك لنا غُصَّةً لن تفارقنا، إلا مع آخر نفس من أنفاس الحياة.

    يا عجبًا كل العجب يعودُ الناسُ إلى بلادهم بعد الغربة فرحين مبتهجين، وأنا أُقسم بما في تلك البلاد من ذكاء القلوب ورجاحة الأحلام، ومن صفاء الطباع وسلامة الأذواق، ومن رقة العواطف ورقي الأخلاق، ومن جمال الخلال واعتدال الأمزجة؛ لقد عدت إلى مصر أسفًا محزونًا، ولقد استحيي أنْ أقول الحقَّ فأُعْلِنُ أني استقبلتها باكيًا.

    حياة الخنساء (١): إلى الآنسة صبح
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٢ نوفمبر ١٩١٥

    سيدتي الآنسة: تجمع نفسك إلى وداعة الأوانس لطفهن وشيئًا من دقة الحس ورقة الشعور اللتين هما مصدر ما يمتاز به العقائل الحسان من مودة ورحمة، ومن بر وعطف، ومن رأفة وإشفاق.

    أحْمَدُ منك هذا الخُلق، وأحمد ما ترين في الحياة من رأي ليس بالمشرق الضاحك، ولا بالمظلم العابس، وإنما هو اعتدال بين منزلتي الغلو في الأمل والإغراق في القنوط. سأم حلو تومض في جوانبه من حين إلى حين لمح وضاءة من نور الطمأنينة والرضى، وتظهر عليه من آن إلى آن مظاهر القوة والحياة.

    هذه شخصيتك العقلية والخُلقية يمثلها لي أصدق تمثيل حديثك العذب، ورسائلك الرشيقة. وإلى هذه الشخصية أريد أن أُهدي هذه الفصول في حياة الخنساء.

    فيك وجدت المثل الأعلى لما أتمنى من حياة عقلية لأوانس الشرق، فأردت أن أوثر نفسي بالحديث معك مرة في كل أسبوع.

    ولقد أعلم أني رجل أثر، أحب نفسي أشد الحب، وأختصها بالخير ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، ولكني أردت في هذه المرة أن أجمع بين لذة نفسي ولذة نفسك في هذا الحديث؛ فجعلت موضوعه حياة الخنساء.

    يرضيك هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة المرأة ونبوغها، وما تركت من أثرٍ في حياة العقل والشعور، ويرضيني هذا الموضوع؛ لأن فيه البحث عن حياة الآداب.

    يرضيك لأن البحث عن الخنساء بحث عن أخص ما امتازت به المرأة من رقة الحس ونبل العاطفة، ومن كرم الخُلق واعتدال المزاج، ويرضيني لأن درسه درس لما اشتمل عليه العصر الجاهلي وصدر الإسلام من حقائق غامضة في الأدب والتاريخ لم يستكشفها الأدباء، ولم يصل إليها المؤرخون.

    يعجبك لأن الخنساء ابنة الطبيعة الصريحة الساذجة: لا أعرف أنها تكلفت، أو تعسفت، أو اتخذت التصنع مذهبًا، ولأنك كثيرًا ما ضقت بهذه الحياة الحضرية، ووددت لو أتيح لك تجنبها من حين إلى حين، ويعجبني لأنه يكفل لي هذه الحياة الروحية العذبة التي يشعر بها الإنسان الحساس حين يتحدث إلى آنسة نبيلة ذكية القلب في موضوع نافع مفيد.

    المرأة موضوع هذه الفصول، وإليك فيها أسوق الحديث، وليس أحب إليَّ ولا آثر عندي من أكون مفيدًا للآنسات في لحظة من لحظات الحياة.

    غير أن بي أيتها الآنسة عيوبًا يأخذني بها الناس، وربما أخذت نفسي بشيء منها، فإذا كان يعجبك أن أتحدث إليك؛ فلا بد من أن تروضي نفسك على الإغضاء عن هذه العيوب.

    أنا مكثر مطيل، ولكني لا أكثر ولا أطيل إلا حين اضطر إلى تحقيق مسألة غامضة، وشرح معنى خفي، وأنا صادف عن القديم كلِفٌ بالجديد، ولكني لا أصدف عن القديم إذا كان حقًّا نافعًا، ولا أكلف بالجديد إذا كان باطلًا مؤذيًا.

    البحث عن الخنساء وحياتها ليس بالأمر الجديد؛ فالناس يروون أحاديثها منذ القرن الأول للهجرة إلى الآن، ولكن هذا البحث الذي أهديه إليك طريف من كل وجه.

    طريف في منهجه وخطته، طريف في غايته ومقصده، طريف في أنه حديث معلن بين شاب وآنسة في حياة الآداب.

    لن أسلك في هذا البحث طريق الرواية وجمع الأخبار، ولا طريق الفلسفة التاريخية التي لم تعتمد على قاعدة ثابتة ولا أصل صحيح.

    أرى رأي (تين) في أن الخنساء ليست إلا ثمرة من ثمرات عصرها، وأثرًا من آثار بيئتها التي أنشأتها، وعلى ذلك لا أكفل الثقة بكتب الأدب والتاريخ إذا كان البحث عن عصرها وبيئتها ينتج غير ما اشتملت عليه.

    على أني لا أجعل حال العصر والبيئة كل شيء، ولا أغلو فيهما غلو هذا الناقد الحكيم، بل أنا أقدر معهما الحال النفسية للفرد والجماعة قدرها؛ فإذا بحثت عن شعر الخنساء بحثت عنه من حيث إنه نتيجة لمؤثرات كثيرة يجمعها عنوانان اثنان؛ أحدهما: البيئة، وهي تجمع الزمان والمكان والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وكل أمر خارجي يمكن أن يكون قد ترك في نفس الشاعر أثرًا ما.

    الثاني: الحالة النفسية، وإنما أريد بها ما عسى أن يكون للشاعر من شخصية انبعثت عن نفسه، وليس من وسيلة تاريخية أو علمية إلى تحقيق الصلة بينها وبين البيئة.

    فمن الحق أن للشاعر المجيد والكاتب النابغة شخصية تميزه من أهل عصره وبيئته، ومن الحق أن شعر الشاعر وكتابة الكاتب مظهر هذه الشخصية، فلا بد من الاعتراف بهذين المؤثرين فيما يترك الشاعر والكاتب من منظوم ومنثور.

    لست أذهب مذهب المؤرخين من قومنا الذين يعدون كل ما ورد عن العصر القديم تاريخًا، كأن لفظ التاريخ عندهم لا يدل على أكثر من ذكر الماضي، إنما التاريخ عندي ما له مصدر مكتوب، فإذا وقع إليَّ هذا المصدر استطعت أن أنقده وأُمحِّصَه؛ فإذا انتهى بي نقده وتمحيصه على النهج التاريخي إلى حق لا شك فيه؛ استطعت أن أعترف بأني قد اهتديت إلى حقيقة تاريخية، فإذا بلغت هذه الحقيقة تناولتها بما قدمت من الدرس الأدبي إن كانت تصلح له موضوعًا.

    وليس معنى ذلك أني ألغي ما ليس مكتوبًا من آثار العهد القديم وأجحد قيمته؛ لأنه ليس من حقائق التاريخ، بل معناه أني أدرس هذه الآثار على نحو خاص من الدرس، وأستخلص منها قضايا، ربما كانت حقًّا، وربما كانت أدنى إلى الحق، فالفرق بين هذه القضايا وبين قضايا التاريخ أن الثقة المطلقة بها أمر غير ميسور.

    على ذلك أيتها الآنسة نضع المسألة الأولى من مسائل بحثنا عن الخنساء وحياتها الأدبية، فهل هذه السيدة شخص تاريخي؟ لا.

    ليست الخنساء شخصًا من أشخاص التاريخ؛ لأن أخبارها وحوادث حياتها لم تدون إلا بعد أن مضى عليها أكثر من قرن؛ فمن الجائز، بل من الحق الذي لا شك فيه أن أخبارها وآثارها قد عبث بها النسيان، فنقص منها ما لو بقي لنا لهدانا إلى شيء ربما كان ينفعنا في الدرس، أو قد بالغ فيها الخيال فزاد فيها ما عسى أن يُخفي علينا من أمرها وجه الصواب.

    الخنساء إذن شخص يبحث عنه علم ما قبل التاريخ C’est une personne l’egendaire .

    وسنتحدث في الأسبوع المقبل عن المصادر التي يصح الاعتماد عليها في درس هذا الشخص، وظني أننا سنوفق إلى شيء مفيد.

    ترين، أيتها الآنسة، أن هذا البحث، وإن لم يكن جديدًا بالقياس إليك وإلى طائفة من شباب النهضة الحديثة، فهو بدعٌ بالقياس إلى رجال المدرسة القديمة من شيوخ الآداب.

    ولعمري ليس من اليسير عليَّ أن أتجنب ما ألف شيوخنا، لولا أنه لا يهدي الآن إلى شيء. وأظنك قد قرأت ما كتبوا واستقصيته الاستقصاء كله كما قرأه منا نفر غير قليل، وأرى مع ذلك أنك لن تستطيعي أن تتمثلي منه للخنساء صورة صادقة، أو قريبة من الصدق، كما أنَّا لم نستطع أن نتمثلها من قبل.

    سيسخط عليَّ الشيوخ وسيغضبون، ولكني محتمل سخطهم وغضبهم في سبيل إرضائك، أيتها الآنسة العزيزة، وإرضاء أترابك من شباب النهضة، وفي سبيل الوفاء للغة العربية بهذا النحو الجديد من البحث عن حياة الآداب، فإلى اللقاء.

    حياة الخنساء (٢): إلى الآنسة صبح
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٩ نوفمبر ١٩١٥

    مع السرور والابتهاج، أيتها الآنسة العزيزة، أجحد أن تكون للخنساء وغيرها من شعراء الجاهلية
    شخصية تاريخية، وإن كُنتِ ترين في ذلك غير ما أرى، وتَمِيلين إلى غير ما أميل إليه.

    الخنساء شخص لا يعرفه التاريخ؛ لأنها عاشت قبله أو لأنه لم يظهر عليها.

    لم تكن الكتابة أيام الخنساء شائعة عند العرب؛ فمن اليسير أن نعد عصرها من عصور ما قبل
    التاريخ. وهبيها كانت شائعة معروفة
    ومنتشرة في جميع طبقات الأمة، ومُتناوِلةً للدقيق والجليل من حياتها الأدبية والسياسية، فإنها
    لم تتناول حياة الخنساء، أو تناولتها ولم تصل إلينا لأمر ما، فكل ذلك يكفي كفاية تامة لإلزامنا
    جحد الشخصية التاريخية للخنساء الآن.

    ذاك لأن التاريخ كما يُعرِّفه أصحابه وواضعو مناهجه من المحدثين هو ما استنبط من مصدر مكتوب،
    فإذا لم يوجد هذا المصدر لم يوجد التاريخ، فلو أن شاعرًا أو كاتبًا يعيش بيننا الآن، ثم لم
    تتناول الكتابة حياته، أو شيئًا من نظمه أو نثره؛ لكان من الحق عليك وعليَّ أن نجحد شخصيته
    التاريخية وإن كان قد عاش في عصر التاريخ.

    هوميروس اليوناني شخص يجهله التاريخ؛ لأنه عاش قبل أن تشيع الكتابة في الأمة اليونانية، ومع
    ذلك فنحن نقرأ قصيدتيه كاملتين، ونستفيد منهما الفائدة كلها في تحقيق الحياة الاجتماعية
    والمدنية لليونان أيام جاهليتهم. وبالإلياذة خاصة استعان المؤرخون والأثريون على استكشاف
    طروادة، وظفر التاريخ من هذا الاستكشاف بالشيء الكثير، ولكن بندار اليوناني شخص تاريخي لأنه عاش
    في عصر ظهر التاريخ فيه على كثير من دقائق الحياة اليونانية، ومع ذلك فإن شعره الغنائي الكثير
    لم يؤدِّ إلى التاريخ من الفائدة مثل ما أدى شعر هوميروس.

    من هنا يظهر الفرق بين من نسميه شاعرًا تاريخيًّا وشاعرًا غير تاريخي، ومن هنا يظهر أيضًا أن
    جهل الشخصية التاريخية لشاعر ما لا يمنع أن يكون هذا الشاعر مفيدًا كل الفائدة للأدب والتاريخ
    إذا استطاع الباحثون أن يدرسوا حياته وشعره، وما روي عنهما من الأساطير درسًا منظمًا
    منتجًا.

    من المعقول ألا يستفيد التاريخ كثيرًا من الشاعر التاريخي؛ فإن ما يتناوله شعره من الحوادث
    ونظم الحياة قد يتناوله تاريخ عصره أيضًا، فليس هناك ما يكلف المؤرخ أن يلجأ إلى الشعر؛ ولذلك
    اعتمد الناس على ما كتب الشعراء التاريخيون من اليونان والرومان في درس ما رووا من الأقاصيص
    والأساطير أكثر مما اعتمدوا عليه فيما تناولوا من حوادث عصرهم التي ظفر بها التاريخ، وإنا إذا
    أحببت أن أدرس مقتل المتوكل من الوجهة التاريخية، كان من الحق عليَّ أن أعتمد في هذا الدرس على
    مؤرخي هذا العصر أكثر مما أعتمد على رثاء البحتري للمتوكل، كل ذلك أمر ظاهر يحسن ألا نطيل القول
    فيه منذ الآن.

    إذا لم تكن الخنساء شخصًا يعرفه التاريخ، فهي شخص تعرفه الرواية من غير شك، ومعرفة الرواية
    للخنساء أمر تاريخي؛ لأن الكتابة تناولته، وظل التاريخ قد انبسط عليه، فبين أيدينا كتاب الشعر
    والشعراء لابن قتيبة، وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وهما يثبتان أن العلماء قد رووا من
    حياة الخنساء وشعرها شيئًا ما. ومن الفضول والغلو في البحث أن نُعنى الآن بإثبات ما كان يجب أن
    يثبته غيرنا من صحة نسب هذين الكتابين إلى صاحبيهما، ولكن الذي لا نجد من أن نعرض له بُدًّا هو:
    أن ما بأيدينا من النسخ لهذين الكتابين يجب ألا ينال ثقتنا المطلقة؛ فقد فقدنا نسختي المؤلفين،
    وفقدنا خطيهما، فمن الجائز أن يكون قد لحق كتابيهما شيء من التغيير والتبديل. ومن الجائز، بل من
    المحقق أن يكونا قد أصابتهما الزيادة والنقص، فقد رأينا صاحب الأغاني ينص على أنه سيتناول مسائل
    الأدب في كتابه، ثم لا يفعل، ورأينا اختلافًا بين النسختين المطبوعتين من هذا الكتاب، ورأينا
    فروقًا غير قليلة بين ما طبع من الشعر والشعراء في مصر وفي أوروبا.

    ومن الواضح أن مثل هذه الفروق أو أكثر منها يوجد بين النسخ المخطوطة من هذين الكتابين، وليس
    منا من يجهل عبث النساخين والمصححين بما ينسخون وما يصححون من الكتب؛ فإن لهم من الجهل والجرأة
    ما يحملهم على ألوان من العبث قلَّ أن يسلم منها كتاب.

    فكيف نستطيع بعد ذلك أن نثق الثقة كلها بأن ما بين يدينا من كتاب الشعر والشعراء وكتاب
    الأغاني هو نفس ما ترك لنا ابن قتيبة وأبو الفرج.

    الشعر والشعراء أقدم مصدر مكتوب وصل إلى أيدينا لحياة الخنساء، وقد كان من الممكن أن تصل
    إلينا مصادر تاريخية عاصرت الخنساء، فقد كان أبناؤها من الجند، ولعل أسماءهم كانت في الديوان
    أيام عمر، ولكن ضياع الدواوين وقلة عناية العرب بحفظ أوراقهم الرسمية قد ذهبا بهذا
    المصدر.

    ابن قتيبة رجل معروف من أدباء القرن الثالث وعلمائه، ولكن شهادة النقَّاد فيه لا تجعل حظه من
    الصدق والتثبت في الرواية موفورًا. والحق أن في كتاب المعارف وكتاب الإمامة والسياسة ما لو صح
    عن ابن قتيبة لذهب بأكثر قيمته التاريخية.

    أبو الفرج الأصبهاني أحفظ علماء القرن الرابع وأجمعهم للرواية، ولكنه كان خليعًا ماجنًا،
    ومتهتكًا مستهترًا، فلا تحسن فيه شهادة النقَّاد كما أنها لم تحسن في ابن قتيبة.

    نحن لا نأخذ أنفسنا في جرح رواة الأدب وتعديلهم بما يأخذ به المحدثون أنفسهم في جرح رجال
    الحديث وتعديلهم من اشتراط العدالة الدينية، فليس من الحق على الأديب في رأي مؤرخي الآداب أن
    يكون ورعًا صالحًا، ولا أن يكون عدلًا ديانًا.

    وإنما نكتفي بالعدالة العلمية، وهي أن يكون الرجل صحيح العقل، منظمه، غير مزور، ولا مأخوذ
    بتعمد الكذب في العلم.

    هذا الشرط ليس موفورًا على ابن قتيبة؛ لأنه في الإمامة والسياسة لا يخلو من أن يكون حبُّه لآل
    علي قد ذهب بعقله أو بصدقه العلمي.

    فأما صاحب الأغاني فله من هذا الشرط حظه الذي كانت تسمح به الحياة العلمية في عصره؛ فلنتحدث
    في الأسبوع المقبل عن قيمة الذين اعتمد عليهم صاحب الأغاني من الرواة.

    لست أخشى عليك، أيتها الآنسة العزيزة، السأم من هذه المباحث الجافة التي لا يُلطِّف جفاءها
    شعر رائع أو نثر أنيق؛ فإني أعلم أن لك من الميل إلى الحياة العلمية الخالصة التي لا يقلقها
    خداع الحس والشعور بما يجعلها سهلة مقبولة ما يفي بمشاركتي في هذا الحديث الغض أوله، الحلو
    آخره، فيما أرجو. فإلى اللقاء.

    يوم ٣٠ نوفمبر في الجامعة المصرية
    طه حسين
    مجلة السفور
    ١٠ ديسمبر ١٩١٥

    في مثل هذا اليوم من السنة الماضية سمعت لأول مرة درس الآداب في جامعة «مونبلييه»، وكان الأستاذ يدرس قصة وضعها ألفريد دي فيني Alfred de Vigny على المثال الذي اخترعه الكاتب الإنكليزي ولتر سكوت Walter Scott من القصص يلمُّ فيه الكاتب بحادثة من حوادث التاريخ. لخَّص الأستاذ القصة وحلَّل موضوعها ونقد لفظها ومعناها، وما تمثل من صور أشخاصها وأبطالها، وبيَّن ما أثَّرت فيه وتأثَّرت به من كتب القدماء والمحدثين.

    فلما خرجنا من الدرس سألت صاحبي ضيفًا: كيف ترى هذه المحاضرة؟ قال: لا بأس بها، ولكنها شديدة الاختصار.

    إنك لمسرف شديد الطمع يا ضيف، فلو سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية ورأيت الأستاذ وقد مرَّ في محاضرة واحدة بثمانية من الشعراء في عصر المأمون لعرفت أن صاحبنا في مونبلييه قد بلغ الغاية القصوى من الإطالة والإسهاب.

    رجعنا بعد ذلك إلى مصر، وفي هذا اليوم نفسه من هذه السنة سمعت درس الأدب العربي في الجامعة المصرية وأبى ضيف أن يحضره معي؛ لأنه كان عنه في شغل، ولو قد سمع الدرس الذي سمعته لذكر القصة التي أذكرها الآن، ولشهد بنفسه البرهان على أن الأستاذ فيني قد كان مطيلًا مكثرًا، بل كان مملًّا مسئمًا.

    كان درس الأستاذ المهدي في تاريخ الأدب العربي في الأندلس أيام الحكم المستنصر والمنصور بن أبي عامر أشبه بمعرض الصور المتحركة تمر فيه ظلال الشعراء، ولما يتبين منها الطلاب أكثر من أسمائهم. وما عسى أن يكون درس ذهب نصفه في وصف مكتبة المستنصر ودهاء المنصور، وألمَّ النصف الباقي بما يتجاوز عشرة من الشعراء؟

    مكتبة المستنصر! إن أمرها لغريب هذه المكتبة، كان فيها أربعمائة ألف مجلد، ولها فهرس يزيد على ثمانمائة ورقة وليس فيها كتاب إلا قرأه الحكم! وعلَّق عليه! ووضع له مقدمة! وهو لم يملك إلا بضعة عشر عامًا قد ملئت بالفتوح وألوان الجهاد!

    كل ذلك قاله الرواة، وكل ذلك قبله الأستاذ، إلا أن أوراق الفهرس في رأيه أقل جدًّا مما كان يجب أن تكون! شيء لطيف.

    مررنا بطائفة كبيرة من الشعراء يذكر الأستاذ اسم الشاعر وشيئًا من شعره، ولكنه لا يكاد يفرغ من إنشاد البيت حتى ننتقل من الجامعة إلى إحدى الحانات فنسمع دوي الشرب وقد أطربتهم نغمة المغني وتوقيع العواد، فقالوا بصوت واحد: الله أَعِدْ! فيعيد الأستاذ، والظاهر أنه يحب الاستعادة؛ فقد أنشد بيتًا لم يستعده الطلبة، فقال: لِمَ لا تستعيدون هذا البيت؟ إنه جميل: أَعِدْ يا أستاذ من فضلك، فيعيد! الله أكبر، جميل جدًّا صحيح! وكذلك مضى الدرس.

    إنك لسيئ الحظ يا ضيف، فلو سمعت معي درس الأمس لرأيت شعر ابن هانئ ينسب إلى ابن خفاجة، ثم يعتذر الأستاذ حين ينكر ذلك عليه بعض الطلبة.

    إنك لتعس فلو سمعت معي درس الأمس لأعجبك هذا البيت:

    فكأن الزجاج جامد ماء وكأن المدام ذائب نار

    لا بأس، وما عسى أن تكون هذه النار الذائبة؟ ألا يمكن أن تكون الرواية: ذوب نضار؟ لا يبعد.

    ولكن ما لنا وللتحقيق؟ فقد رأينا ابن خفاجة يُعدُّ من معاصري المنصور المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، مع أن ابن خفاجة لم يولد إلا سنة خمسين وأربعمائة؛ أي بعد أن فرغ المنصور من الحياة وفرغت الحياة منه.

    وبعد أن اختلفت شئون وحالت أحوال، وبعد أن تنكَّر الدهر لقرطبة وذهب منها ريح بني أمية، وعبثت مطامع المتغلبين ببلاد الأندلس جملة، فالمؤثرات التي أثَّرت في ابن خفاجة وكوَّنت شاعريته غير المؤثرات التي كونت الشعراء في عصر المنصور، وحسبك ما يكون من الفرق بين شاعر نشأ أيام الوحدة وآخر نشأ أيام الافتراق، وما لنا وللتحقيق؟ فإن الأستاذ قد كان يعجله حب الاختصار عن كل شيء، حتى إنه إذا ذكر الشاعر نسي أن يذكر سنة ميلاده ووفاته، ولعله لو عني بذلك أو فكر فيه لوضع ابن هانئ موضع ابن خفاجة؛ فقد عاش ابن هانئ في أيام المستنصر وارتحل من الأندلس ومدح المعز.

    لم يكن في هذا الدرس شيء يدل على أنه درس في الجامعة، وإنما هو نوع من الحديث يستفزُّ سامعيه بما يعرض فيه من الغزل والوصف ومن آيات البديهة والارتجال.

    لا ألوم الجامعة؛ فإنها لم تألُ جهدًا في حُسن الاختيار، ولا ألوم الأستاذ؛ فإنه قد بذل ما يملك وجادَ بما يستطيع أن يجود به. ولكني أرثي لصاحبي ضيف؛ لأنه حرم نفسه لذة الاستماع لهذا الدرس الجميل.

    أرثي له لأنه حرم هذه اللذة، وحرم معها هذا الألم يشعر به من سمع العلم في جامعات فرنسا ثم في جامعة مصر، وقارن بين الأساتذة والطلاب هنا وهناك.

    حرم هذا الألم، وكان من الحق عليه أن يشعر به ليعرف أن اختصار فرنسا إطالة، وأن إطالتنا اختصار، وأن هزل فرنسا جد، وأن جدنا لعب، وأن فرنسا حرية بالحب والإعجاب، وأن مصر خليقة بالرحمة والرثاء، زاد الله فرنسا رقيًّا ورفعة، ووفى لمصر حاجتها من الإصلاح.

  • استعادة العدالة: ديسمبر ١٩٣٤ | Restoring Justice: December 1934

    حديث الوادي
    قلق…
    ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعم ويتسع حتى كاد يشمل النفوس جميعاً، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضاً، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضاً في أن هذا القلق ليس مقصوراً على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا. فالذين يقرأون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تعنى بالشؤون المصرية لا تخفي شيئاً من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.
    فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنة والبيئات الرسمية في إنجلترا تظهر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يخفون القلق، ولا يكفون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.
    وليس أدل على هذا القلق من أن زميلتنا “الجهاد” قد أرادت صباح اليوم أن تهدئه وأن ترسل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجلته تسجيلاً. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تضمر لهم الأيام. أتضمر أمناً ودعة واطمئناناً واعترافاً بحق الشعب، وإقراراً لإرادته وأخذاً في تحقيق آماله، أم تضمر خوفاً واضطراباً ومحاولة للأخذ والرد ومحاولة للتجارب وممانعة في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجلها تسجيلاً يقصر في حق قرائه ويقصر في حق التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعاً وتخفق بها قلوب الناس جميعاً وتضطرب لها ضمائر الناس جميعاً وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتتبعون الشؤون المصرية من الإنجليز. ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة ولا التردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها، فإن إخفاء الحق في نفسه شر، فكيف إذا كان هذا الحق شيئاً مفيداً مملوءاً بالسير والعظات خليقاً إذ ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.
    لم يستطع أحد ولن يستطيع أن يشك في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيداً في أرضه، مدبراً لأمره لا يتحكم فيه فرد مسؤول أو غير مسؤول، ولا ينوب عنه إلا من يمثله تمثيلاً صحيحاً. جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيراً من المنافع والحقوق، والذي ضحى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يقدر من الأذى والألم والعذاب.
    فليس غريباً أن يجمع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملاً، وإنما الغريب أن يقصر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد، ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.
    كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب إن الوزارة قد أتمت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر وأنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق. وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قوماً يكيدون وآخرون يتربصون الدوائر وأن هذه الوثائق قد يتأخر صدورها وقد يمسها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تفيض في هذه المعاني مصرحة حيناً ملمحة حيناً آخر، فليس غريباً أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يقدر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقيان ما يردهما حزناً واكتئاباً، وليس غريباً أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريباً أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضاً: هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟
    وليس غريباً أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا، وأن يقلق الأجانب هناك. ليس شيء من هذا غريباً، وإنما الغريب ألا يكون هذا.
    فليس ينفع أحداً إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة وهي أن القلق موجود وأنه شديد وأنه عام شامل ليس مقصوراً على القاهرة بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصوراً على مصر بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن من الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.
    إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئناً إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية. عجزوا عجزاً منكراً كانوا هم أشد الناس إيماناً به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بد منه من الانحلال، عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كل قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد. عجزوا حين كان الشعب يائساً من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا، وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز، وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطاً ظاهراً غير مكتوم. وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتصاله؟
    ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر كما يقال أن يتدبروا وأن يقدروا عاقبة أمرهم وأن يستفيدوا من التجارب وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطراً، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم ولكنها عسيرة شديدة التعقيد.
    إنا أسجل هذا القلق للحق والتاريخ ولكننا واثقون بأنه لن يطول لأنه لا ينفع أحداً، وقد يضر الناس جميعاً، بل نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقاً زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.
    نعم نحن نرجو ملحين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وقعت وأذيعت في الناس.
    طه حسين
    الوادي، 30 نوفمبر 1934.

    حديث الوادي
    المظلمة الكبرى. . .
    هي هذه التي وقعت أمس على المصريين جميعاً، حين صدر الأمر الملكي بإلغاء النظام البغيض، فليس من شك في أن صدقي باشا وأصحابه قد فتحوا على أمتهم باباً عظيماً من الشر، وصبوا عليها ألواناً مختلفة من الظلم، وامتحنوها بضروب متباينة من البلاء، ولكن أكبر المظالم وأثقلها، وأعم المظالم وأشملها، إنما كانت مظلمة النظام هذه التي أثم بها الآثمون، لا في حق فرد من الأفراد، ولا في حق جماعة من الجماعات، ولا في حق طبقة من الطبقات، بل في حق الشعب المصري كله، وفي حق الوطن المصري كله، وفي حق الأجيال المصرية الحاضرة والمقبلة جميعاً.
    نعم لم يأثم صدقي باشا وأصحابه حين عدوا على النظام في حق فرد أو جماعة أو جيل، وإنما أثموا في حق مصر الخالدة، فليس غريباً أن نصف مظلمة النظام بأنها المظلمة الكبرى؛ إن فصل موظف من الموظفين، أو فصل عمدة من العمد، أو فرض الغرامة على هذا الرجل أو ذاك، أو التحكم في جباية الضرائب، أو صب العذاب على الآمنين الوادعين الأبرياء، أو الحجر على حرية الزعماء والقادة وغير الزعماء والقادة، أو منع الاجتماعات بالقسوة والعنف، أو سفك الدماء بالحراب والرصاص؛ كل ذلك ظلم، وكله ظلم بشع قبيح، وكله آثام تأباها الضمائر الحية، ويمقتها عدل الله وعدل الناس، ولكنها على هذا كله أهون من الظلم الأكبر الذي يمس أمة كاملة في حاضرها ومستقبلها، وأيسر من الإثم الأكبر الذي يمس وطناً كاملاً، في حقه، وأمله، ومثله الأعلى.
    إن صدقي باشا وأصحابه يستطيعون أن ينظروا إلى حياتهم فلن يروا فيها إلا شراً، لأن هذا الظلم الأكبر الذي أقروه، وهذا الإثم الأكبر الذي اقترفوه، وهذا العدوان الأكبر الذي لم يتحرجوا منه، كل ذلك قد محا حسناتهم، إن كانوا قد قدموا بعض الحسنات، ورد أعمالهم كلها إلى شر مظلم بغيض، لا أمل لهم في التخلص من أوزاره وآثاره، مهما يقدموا ومهما يؤخروا، ومهما يقولوا ومهما يفعلوا؛ قد حلت بهم الخطيئة فلن تمحى، وأحاطت بهم الخطيئة فلن يجدوا منها منفذاً ولا خلاصاً.
    ويل لهؤلاء الناس من أنفسهم، إن كانت لهم نفوس، وويل لهم من ضمائرهم، إن كانت لهم ضمائر، وويل لهم من رأي أمتهم فيهم، وويل لهم من حكم أمتهم عليهم، إن كانوا يقدرون لرأي الأمة خطراً، أو يعرفون لحكم الأمة سلطاناً، ولكنهم لا يقدرون شيئاً إلا أنفسهم، ولا يعرفون شيئاً إلا منافعهم، ولا يشعرون بشيء إلا بهذه اللذات الدنيئة والحاجات الخسيسة، والمآرب العاجلة التي يضحون في سبيلها بالحق والخير، والعدل والإنصاف والمساواة.
    لقد أقدموا على مظلمتهم الكبرى لا يذكرون أنهم يمسون بها قوماً ما كان ينبغي لهم أن يظلموا، ويبسطونها على شعب ما كان ينبغي أن يناله منهم إلا البر والوفاء، وإلا الإخلاص والولاء، وإلا الخدمة الصادقة مهما تكلف أصحابها من جهد وعناء، ومن تضحية بالأنفس والأموال. لم يذكروا شيئاً من هذا، وإنما ذكروا شهوات يجب أن ترضى، وحاجات يجب أن تقضى، ومآرب يجب أن تنال، فهم كافرون بنعمة الوطن عليهم، وهم جاحدون لحق الشعب عندهم، وهم بعد ذلك ثائرون على النظام منتهكون لحرمات القانون، وهم فوق هذا وذاك مزدرون للعدل والحق، ساخرون من الفضيلة والخلق، متهالكون على أحط ما يتهالك عليه الناس. فكيف تريد أن يغسل هذا الشر كله عن أصحابه، وكيف تريد أن يحط هذا الوزر كله عن مقترفيه، وكيف تريد أن يعود صفاء النية إلى قوم لا يمكن أن تصفو لهم نية، وأن يعود نقاء الضمير إلى قوم لا يمكن أن ينقى لهم ضمير، وأن يعود طهر القلوب إلى قوم لا يمكن أن يطهر لهم قلب.
    إن ظلم الفرد الواحد لينغص على الظالم حياته كلها، فكيف بالذين يظلمون شعباً كاملاً، إن إهدار حرية الفرد الواحد يعرض مرتكبه لأشد العقاب، فكيف بالذين يهدرون حرية أمة كاملة، إن تجاوز القانون في حق فرد واحد إثم يعاقب عليه القانون وتنكره الأخلاق ويرفضه العدل، فكيف بالذين يتجاوزون القانون، وينتهكون حرماته في حق الأجيال جميعاً.
    نعم لقد ظلم هؤلاء الناس وأسرفوا في الظلم، ولقد حمل هؤلاء الناس أنفسهم أوزاراً ثقالاً وصبغوا أيديهم بدماء زكية، وقدموا أمامهم نفوساً زكية ستسألهم بين يدي الله فيما أزهقت، وفيما فرق بينها وبين الضعفاء من الأبناء والبنات، ومن الأزواج والأمهات، ومن الأهل والأصدقاء.
    أفسدوا وأمعنوا فيه فكيف بهم وقد أخذوا على أنفسهم عهداً ليردوا هذا الوطن الناهض إلى الذل بعد العز، وإلى الهوان بعد الإباء، وإلى الإذعان والخضوع بعد الحرية والكرامة والاستقلال، ولكنهم على ما بذلوا من جهد، وما اقترفوه من إثم، وما استباحوا من منكر، وما انتهكوا من حرمة لم يفلحوا، ولم ينجحوا، وهذا كيدهم يرد في نحورهم، وهذا نظامهم يلغى أمس، كما أنشئ منذ أكثر من أربعة أعوام، وهذا دستورهم أصبح ورقاً، يستطيعون أن يبلوه ويشربوا ماءه كما تقول العامة، وهذه كبرياؤهم قد استحالت ضعة وذلة وهواناً، وهذه آثامهم كلها ماثلة أمام الناس يلتمسون فيها العبرة، ويبتغون فيها العظة، ويتخذونها نكالاً للذين تحدثهم أنفسهم أن يأثموا أو يظلموا أو يطغوا أو يعتدوا كما فعل هؤلاء الناس.
    نعم لقد وفقت الوزارة القائمة إلى رفع المظلمة الكبرى أمس، واستطاع الشعب المصري أن ينظر إلى الذين ظلموه مزدرياً لهم، محتقراً لظلمهم، معدد لسيئاتهم، مصمماً على ألا يسمح لهم ولا لأمثالهم، بالعودة إلى الإثم مرة أخرى. فتستطيع هذه الوزارة القائمة أن تسجل لنفسها وللشعب هذا الفوز الذي يرضي الحق ويريح الضمير، وتستطيع هذه الوزارة القائمة بعد أن رفعت هذه المظلمة الكبرى أن تمضي راشدة فيما أخذت نفسها به، من رفع المظالم الخاصة عن الأفراد والجماعات.
    طه حسين
    الوادي، أول ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    مظلمة الصحافة . . .
    لم ينقطع ذكر الصحف لهذه المظلمة لأن آثارها لم تكف عن الصحف في يوم من الأيام، ولا في لحظة من اللحظات، منذ وثب الطاغية إلى منصب الحكم. ولم يكن بد للطغيان من أن يظلم الصحافة ويسرف في ظلمها، فهو الآن يفكر منذ اللحظة الأولى أنه سيجد من هذه الصحافة شراً عظيماً.
    وأي غرابة في ذلك والصحافة مرآة الشعب، تصور آلامه وآماله، وتعلن مذاهبه وآراءه، وتسجل في كل يوم ما تضطرب به القلوب، وما تفكر فيه العقول وما تتكشف عنه الحوادث والخطوب.
    وكان الطغاة يعلمون حق العلم أن الشعب لهم كاره وعليهم ساخط، وأنه لو خلي بينه وبينهم لما أقاموا في مناصبهم يوماً أو بعض يوم. وأن الصحف ستكون صورة صادقة لهذا البغض الذي اتفقت عليه الكلمة ولهذا السخط الذي انعقد عليه الإجماع، ولهذه المقاومة التي صمم الشعب عليها تصميماً. فلم يكن بد من أن تفرض القيود والأغلال، ولم يكن بد من أن تثار الصعاب والعقاب، ولم يكن بد من أن تنتهك حرمات العدل، ولم يكن بد من أن يداس الحياء بالأقدام!
    ويجب أن نعترف بأن صدقي باشا لم يقصر في شيء من ذلك، بل لم يعرض نفسه لتهمة التقصير، بل أسرف في ذلك حتى جاوز كل حد، وحتى أعجز الواصفين عن وصفه، والمصورين عن تصوير ما اقترف من الآثام في ذات القانون والكرامة والضمير. فقد أهمل صدقي باشا وأصحابه التفكير في أن لخصومهم وهم الشعب المصري حقوقاً يمكن أن تحفظ، وحرمات يمكن أن تراعى، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أنهم يريدون البقاء، ويريدون البقاء الذي يملأه السوء واليأس، والظلم والعدوان، وأن هذا البقاء في حاجة إلى جهد شديد وعناء متصل لحماية لا من التعرض للخطر بل من التفكير في تعريضه للخطر، وإذن فيجب أن يظهر اليأس في أبشع صوره ويجب أن يعلن البطش في أشنع مظاهره، ويجب أن تتسع الحيلة حتى تحيط بكل شيء وحتى تمس كل إنسان.
    وكذلك شرعت القوانين وصدرت القرارات واتخذت الإجراءات، ونظر الصحافيون فإذا هم أشبه بالصيد، توضع له الشباك وتنصب له الشراك في كل مكان، لا يكاد أحدهم يخطو خطوة، حتى يجد كيداً، ولا يكاد أحدهم يخط كلمة حتى يعثر بمادة من مواد القانون. ولا يكاد أحدهم يفكر في فصل يكتبه حتى يصطدم بقرار صدر، أو بقرار يمكن إصداره، أو بإجراء اتخذ أو بإجراء يمكن اتخاذه.
    وكذلك أصبحت حياة الصحفيين هماً ثقيلاً، وتنغيصاً متصلاً، وصراعاً عميقاً بين أداء الواجب، الذي لا يستطيع أن يتخلص منه الرجل الكريم، وبين الإشفاق من هذا الشر الثقيل الذي يفرضه الظالمون ويؤيدونه بالقوة والبطش، والذي قد تعجز القوة الإنسانية أحياناً عن احتماله والصبر عليه.
    فالسجن شيء محتمل وهو مألوف في أوقات المحن والأزمات، ولكن اتصال السجن وانقطاع أسباب الحياة وتعرض الصغار والضعاف للجوع، وتعرض النساء للبؤس والشقاء، ولكن اتصال السجن في غير رعاية لمركز السجين ولا لما يعاقب من أجله ولا لصحته ومرضه، ولا لثقافته وجهله، ولا لرقيه وانحطاطه، ولكن تعطيل الصحف في غير رعاية لهذه الأسر الكثيرة التي تعيش من عمل رؤسائها فيها، وفي غير رعاية للحقوق التي يلتزمها الصحفيون، والواجبات التي لا ينبغي لهم أن يفروا من أدائها أو أن يقصروا في هذا الأداء، ولكن الذهاب إلى النيابة في الصباح والذهاب إلى النيابة في المساء والذهاب إلى النيابة في أوقات العمل والذهاب إلى النيابة في وقت الفراغ والذهاب إلى النيابة في أيام الأعياد، ولكن إغراء الشرطة بالباعة ودسها على الموزعين، ولكن هذا وأكثر من هذا، ليس من الأشياء التي يمكن أن تحتمل، وأن تحتمل في غير انقطاع، فقد يحتمل الشر يوماً وقد يحتمل شهراً، وقد يحتمل عاماً، وقد يقاوم الناس ويجدون في المقاومة، ولكن الناس من لحم ودم وأعصابهم أضعف من عقولهم، وأضعف من إرادتهم، وأضعف من التكاليف التي يفرضها عليهم العقل والواجب والكرامة في مثل هذه الأيام السود.
    فليس غريباً أن يكون الصحفيون هم أشد الناس شقاء بالعهد البغيض، وأكثر الناس احتمالاً لما اقترف فيه من إثم، ومما اجترح فيه من ظلم، وأحق الناس أن يغتبطوا بالفوز، لأنهم في طليعة الفائزين، ولأنهم في مقدمة المجاهدين، ولأنهم في بعض الأوقات، بل في كثير من الأوقات، كانوا وحدهم عرضة للسهام يقاومون ويثبتون، ويصبرون ويرفعون رؤوسهم كراماً. والطاغون يصبون عليهم العذاب صباً، ويبسطون حولهم الكيد بسطاً، ويرسلون عليهم الهول إرسالاً.
    وكانت مظالم صدقي باشا وأصحابه للصحافة والصحفيين كما رأيت فنوناً وأشكالاً، وكان أول هذه المظالم وأشنعها تقييد الحرية، بالقوانين والقرارات، وبالإجراءات الآثمة المختلفة، ثم كانت مظالم أخرى على هذا تظهر في كل يوم وتظهر في كل لحظة، وتظهر في كل عمل، حتى تعود الصحفيون هذا النشر وألفوه وانتهوا إلى الضحك منه، والعبث به، كما انتهى أهل باريس أثناء الحرب الكبرى إلى اتخاذ الأنفاق ملاعب وملاهي حين كانت تصب عليهم قنابل الطيارات من السماء.
    على أن هذا الظلم كله لم يصب على الصحافة كلها، وإنما صب على صحافة المعارضين، من الوفديين والأحرار الدستوريين، فأما الصحافة الأخرى فلم يكن يصيبها الظلم، أما لأنها كانت خليقة بالإيثار والعطف وإما لأنها كانت أحقر وأهون من أن تظلم أو يصيبها الأذى، فالظلم في أوقات الأزمة والمحنة لا يصب إلا على كرام الناس، والأذى في أوقات الأزمة والمحنة لا يمس إلا الذين يأبون الضيم ويرتفعون عن الصغار ويكرهون أن يعرضوا ضمائرهم ومبادئهم للبيع والشراء.
    ومهما يكن من شيء، فقد كان الظالمون في العهد البغيض يختصون صحفهم بما شئت وما لم تشأ من كرامة هي إلى الإهانة أدنى منها إلى الكرامة، ومن تفضيل هو إلى التحقير أقرب منه إلى التفضيل، ومن إكبار هو بالازدراء أشبه منه بالإكبار. كانوا يغدقون عليها المال إغداقاً، يغدقونه من المصروفات السرية، ويغدقونه من طريق إعلانات الحكومة التي حرمت على صحف المعارضين تحريماً، وقصرت على صحف الموالين قصراً، فما ينبغي لصحف الوفديين والأحرار الدستوريين أن تنشر من هذه الإعلانات شيئاً، لأن هذه الإعلانات، ملك للحكومة لا للشعب، فالحكومة تمنحها لمن تشاء، وتمنعها عمن تشاء، ليس يهم أن تكون صحف المعارضين أكثر انتشاراً وأحق بنشر الإعلانات ليقرأها الناس، وليعرفوا ما تريد الحكومة، فالإعلانات لا تنشر ليقرأها الناس، وإنما تنشر لتظفر هذه الصحيفة أو تلك بالمئات من الجنيهات إذا انقضى الشهر، وبالآلاف من الجنيهات إذا انقضى العام. وأمر هذه الإعلانات ليس مقصوراً على إعلانات الوزارات والمصالح، فالإعلانات القضائية أيضاً تمنح لقوم دون قوم، وتذاع في صحف دون صحف، ولقد قررت الجمعية العمومية للمحاكم هذه الصحيفة لنشر الإعلانات القضائية لأن هذه الجمعية لم تكن تنظر إلا للمصلحة العامة، فلما ارتفعت قراراتها إلى وزير الحقانية نامت هذه القرارات عند الوزير لأن هذه الصحيفة معارضة، وما ينبغي لوزير من وزراء العهد البغيض يحترم نفسه أن يمكن صحيفة معارضة من نشر الإعلانات، قضائية كانت أو غير قضائية. وإذا لم يكن بد من أن تنشر الصحف المعارضة إعلانات الحكومة فليكن لذلك ثمن، وهذا الثمن هو النزول عن الرأي والكف عن المعارضة، ولقد حدثنا صديقنا هيكل بك من أمر عبد الفتاح يحيى باشا في ذلك بالأعاجيب، فقد ساومت الوزارة الساقطة زميلتنا السياسة مساومة طلبت إليها أن تكف عن المعارضة وعرضت عليها أن تمنحها الإعلانات. فكانت السياسة أكرم من الوزارة نفساً، وأرقى منها شعوراً بالواجب وأحين منها تقديراً لأحكام الضمائر والأخلاق.
    ولم يقف ظلم العهد البغيض للصحافة عند هذا كله، بل تجاوزه إلى صغائر لست أدري كيف استطاع أن يفكر فيها أصحابها، فهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على حساب الدولة كلما اشتهى أن يسافر، لا يؤخذ منه قليل ولا كثير، لأنه مؤيد للحكومة، وهذا الصحفي يستطيع أن يسافر على أن يدفع نصف الأجر.
    فأما هذا الصحفي فليسافر متى شاء وكيف شاء، على أن يدفع الأجر كله، لأن اسمه فلان، أو لأنه يحرر في هذه الصحيفة أو تلك، ولأن مدير الأمن العام قد أصدر أمره إلى إدارة المطبوعات أن تحرم هذا الرجل أو هذه الصحيفة الاستمتاع بكل امتياز من امتيازات الصحفيين.
    وما أكثر الصغائر التي كانت تنفق إدارة الأمن العام فيها أيامها ولياليها، لتحارب هذه الصحيفة أو تلك ولتضايق هذا الصحفي أو ذاك، ومصدر هذا كله أن رجال العهد البغيض كانوا قد اغتصبوا حقوق الدولة واعتبروها ملكاً لهم، واعتبروا مصر ضيعة لهم ولسادتهم، واعتبروا المصريين عبيداً يعملون في هذه الضيعة، واضطردت سيرتهم على هذا النحو الأثيم.
    والغريب أنهم لم يشعروا بشيء من الحياء يعصمهم من هذه الصغائر، وإنما كانوا يتخذون الحديث بها لهواً ووسيلة إلى التفكه والتندر، وكانوا يقصون ما يأتون من ذلك على أنه دليل من دلائل التفوق في الذكاء، والبراعة في إحراج الخصوم.
    أتى الآثمون هذا كله، وأتوا أكثر من هذا كله، فلما كان الصيف الماضي، أستغفر الله، بل الصيف الذي قبله، دبر المدبرون كيداً ليس بعده كيد، فأرادوا أن يحولوا بين الصحافة وبين نقد الموتى، كما أرادوا أن يخترعوا عقوبات لم تكن لما تخيلوا من السيئات، ثم كفوا عن هذا كله وردت سهامهم في نحورهم وانهار العهد الممقوت وانهار معه القضاء البغيض، وأصبح من حق الصحافة أن تنتظر من الوزارة القائمة رفع هذه المظالم كما رفعت مظلمة الدستور. فلابد من أن تلغى القوانين الاستثنائية ولابد من أن تكون المساواة والمساواة وحدها أساساً لما بين الحكومة والصحف من صلة، ومن المحقق أن الصحف التي كانت تظلم أمس أكرم نفساً وأرقى خلقاً وأشد تقديراً للنزاهة من أن تطلب الامتياز أو التفوق ومن أن ترضى ظلم الصحف التي كانت مستأثرة بالعطف والمنفعة في العهد البغيض، إنما تطلب المساواة والمساواة وحدها وتطلب العدل والعدل وحده وتطلب الحرية للصحافيين جميعاً.
    طه حسين
    الوادي، ٣ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    دعاة الفساد . .
    كان أصحاب العهد البغيض يكرهون للمصريين جميعاً أن يكونوا أحراراً، ويقطعون بينهم وبين الحرية كل سبب، يتخذون في سبيل ذلك من الوسائل ما تنكره الأخلاق وتأباه الضمائر، وتحظره القوانين. يأبون على المصريين أن يجتمعوا فإن اجتمعوا فرقوهم بالعنف، ويأبون على المصريين أن يتكلموا فإن تكلموا ألقوهم في غيابات السجن. ويأبون على المصريين أن يتظاهروا فإن تظاهروا صبوا عليهم الرصاص صباً. وكانوا يزعمون مع ذلك أنهم أصحاب عدل، وأنهم حماة نظام، وأنهم دعاة إلى الأمن والطمأنينة. ثم كانوا يكرهون أشد الكره ويأبون أشد الإباء أن يشغل الطلبة بالسياسة أو بشيء يشبه السياسة، أو بشيء يمكن أن تمسه السياسة من قريب أو بعيد. ولهم في ذلك أعاجيب، فهم أغلقوا نادي الجامعة الذي كان في القاهرة، وهم ألغوا اتحاد الجامعة وصنعوا لهم اتحاداً آخر، يسيطر عليه الوزير سيطرة فاحشة، ويحظر على الطلاب أن يتصلوا بأي هيئة من الهيئات، أو يلتحقوا بأي جماعة من الجماعات، مهما تكن بعيدة عن السياسة وخطوبها إلا أن يأذن لهم في ذلك مجلس الاتحاد. ثم كانوا يصطنعون الجاسوسية ويبثون الجواسيس في جماعات الطلاب والتلاميذ، ويرصدون الجواسيس أيضاً لبعض الأفراد من هؤلاء الطلاب والتلاميذ، ليتبينوا ما يأتي الطلبة وما يدعون وليعلموا ما يسر الطلبة وما يعلنون. ثم كان جواسيسهم هؤلاء يكذبون لهم على الأساتذة والطلاب جميعاً، فيزعمون لهم أن هذا الأستاذ أو ذاك قد ألف هذه الجماعة أو تلك يقصد بها إلى السياسة وإلى السياسة الخطرة، وكانوا يسمعون للجواسيس، في غير تحر ولا احتياط، وكانوا لا يكذبون على الوزراء ويحملونهم على اقتراف الظلم والتورط في الجور القبيح، وكان هذا كله لا يرضيهم، أخذوا يذهبون إلى أبعد منه، ويأخذون الناس بالشدة ويعاقبونهم بالريبة، وربما خلقوا لهم الذنوب خلقاً وابتكروا لهم السيئات ابتكاراً. وكانوا يكرهون أن ينجح الطلاب، حتى في مدارسهم ومعاهدهم، بل كانوا يكرهون أن يجتمع الطلاب في غير الفصول لغير الدروس، وكان الطلاب يرغبون أحياناً، في أن يجتمعوا لبعض البحث أو لبعض المحاضرات، فيأبون عليهم ذلك ويصدونهم عنه صداً، مخافة أن يسوء ظن الوزير وأن يظن بهذا الاجتماع بعض الظنون، وكانوا إذا أنكر الناس عليهم ذلك أو نقموا منهم بعض ذلك، تجبروا وتكبروا وتحذقوا وزعموا أن حماية النظام ليست لعباً، وأن الحرية ليست هي التي يفهمها الناس، وإنما هي التي يفهمونها هم، كانوا كذلك. وكانوا شراً من ذلك. فكانوا يدفعون طوائف من الطلبة إلى بعض السياسة دفعاً. يرضون منهم ذلك ويحاولون أن يأجروهم عليه، فإذا أبى الطلاب عاقبوهم لأنهم أرادوا أن يطيعوا القوانين والقرارات. ولم ينس الناس بعد، أن الطلاب عوقبوا لأنهم أبوا أن يقحموا السياسة في مشروع القرش، أو أن يقحموا مشروع القرش في السياسة. وكانت الدروس تعطل في المدارس أياماً استعداداً لزيارة الوزير، وكانت الخطب تهيأ لهذه الزيارة ثم يفرض إلقاؤها على بعض الطلاب ويفرض استماعها على الطلاب جميعاً، ويفرض الهتاف للوزير على الطلاب وغير الطلاب من الأساتذة والموظفين، والخدم أيضاً.
    كانت السياسة إذن محظورة على الطلاب، لا لأنها سياسة بل لأن رجال العهد البغيض يكرهون، فإن أحبوها فرضت على الطلاب فرضاً، والآن وقد تولى العهد البغيض ونهضت وزارة الإصلاح، لنرد الأمر إلى نصابه ونعيد حق الشعب إلى الشعب، أصبح أنصار هذا العهد البغيض كما كانوا من قبل يلقون النور بوجه، ويلقون الظلام بوجه آخر. فهم إذا كتبوا في صحفهم كرهوا المظاهرات وأنكروها وخوفوا منها وزهدوا فيها، وحذروا الوزارة من آثارها، ولكنهم إذ خلوا إلى أنفسهم وإلى شياطينهم أحبوا المظاهرات وهاموا بها، ودبروها تدبيراً. وهم يرسلون شياطينهم في كل بيئة ويبثون دعاتهم في كل مكان. يدسونهم على الأزهريين في الأزهر، ويدسونهم على الجامعيين في الجامعة، ويدسونهم على الطلاب في المدارس والمعاهد على اختلافها. يزينون للطلاب أن وقت الحرية قد أقبل، وأن المظاهرات قد أصبحت مستحبة، وأن للأمة حقوقاً يجب أن ترد إليها في سرعة، ومطالب يجب أن تحقق في غير إبطاء. وأن هذه الوزارة لن تستطيع بل لن تريد أن تقاوم المظاهرات لأنها وزارة شعبية فهي لا تقاوم الشعب، ولا ينبغي لها أن تفعل. وهم يختارون أموراً بعينها يعلمون أن الشعب حريص عليها، وأن الطلاب ملحون فيها فيزعمون لهم أن الوزارة مبطئة في تحقيق هذه الأمور فلابد من تعجلها، وأن الوزارة ناسخة لهذه الأمور، فلابد من تذكيرها، فإذا أعياهم أمر الطلاب، سعوا بالفساد إلى نظار المدارس فتحدثوا إليهم بالتليفون يزعمون لهم أنهم يبلغونهم أمر الوزراء، وأن الوزراء يرون أن ليس على الطلاب بأس إذا تظاهروا أو أضربوا أو انصرفوا عن الدروس وهم كذلك يسعون بالفساد، سراً كما يسعون بالفساد جهرة، يظنون أنهم سيخلقون للوزارة من المشكلات ما يفسد عليها الأمر إفساداً ويضطرها إلى حرج ليس بعده حرج، ويقيموا الأدلة على أن مصر لا يمكن أن تساس إلا بنظامهم البغيض. وواضح جداً أن الوزارة عالمة بهذا الكيد، قادرة على إحباطه، وأن الطلاب عالمون بهذا الكيد، قادرون على رده في نحور أصحابه، وأن كيد هؤلاء الناس لعب ليس له في نفسه خطر، ولا أثر. هذا كله واضح، لا شك فيه ولكن من الخير أن يسجل، ومن الخير أن يعرفه الناس جميعاً، وقد يكون من الخير أيضاً أن يعرض أمره على الوزارة جهرة، لتعلم الوزارة أن الناس يشعرون بما تشعر به، ويتهيأون لمثل ما تتهيأ له ثم لتعلم الوزارة أيضاً أنها تحاول أمراً عسيراً حين تريد أن تصلح وأدوات الفساد مبثوثة في المصالح والدواوين وفي المدارس والمعاهد، وفي العواصم والمدن والقرى. .
    لقد قلنا للوزارة وما زلنا نقول إن الذين أفسدوا لا يستطيعون أن يصلحوا ولا أن يرضوا عن الإصلاح وإن الذين جرحوا لا يستطيعون إذا يئسوا الجراح، وأن الذين سفكوا الدماء لا يستطيعون أن يحقنوا الدماء وأن الذين باعوا ضمائرهم للعهد البغيض لا يستطيعون أن يخلصوا ولا أن ينصحوا للعهد الجديد. وأن الشياطين لا يستطيعون أن يستحيلوا إلى ملائكة ونحن نعلم أن الوزارة تؤثر الأناة وتود لو تبلغ بالرفق ما يبلغه غيرها بالعنف، نحن نعلم ذلك ونتمنى لها التوفيق فيه وإن كنا نعلم حق العلم أن أناتها قد تخدع خصومها، وإن رفقها قد يغري بها الكائدين لها، كما أننا نعلم حق العلم أن الشعب الذي خضع لألوان العذاب أربعة أعوام ونصف عام من حقه أن يشعر بأن أموره ومرافقه وحياته ليست إلى الذين عذبوه وإنما هي إلى قوم آخرين لم يغمسوا أيديهم في شر، ولم يبيعوا ضمائرهم وقلوبهم للظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ٤ ديسمبر ١٩٣٤ .

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة والمال
    وأظنك لاحظت من هذا العنوان أن عنصراً ثالثاً قد دخل بين الأدب والسياسة وهو المال. وأكبر الظن أنه لم يقحم نفسه إقحاماً بين هذين الصديقين، وإنما دُعي فاستجاب، لأنه سمع الدعاء، وإن لم يسمعه الكتاب والشعراء. فما زلت أقول اليوم كما كنت أقول منذ أسبوع، وكما كنت أقول منذ بدأت هذه الفصول، إن أدباءنا في شغل عن الحياة والأحياء، بهذه السياحة البعيدة التي ذهب إليها شياطينهم فلم يرجموا.

    والحق أني لست أدري أدخل المال بين السياسة والأدب أم دخل الأدب بين السياسة والمال؟ ولست أريد أن أمضي في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة، فقد أخشى أن يضحك القارئ أو يمل، وإن كنت أنا أجد في تقليب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة شيئاً من اللهو والمتاع. وكان أستاذنا سيد بن علي المرصفي رحمه الله أديباً عمّاً من طراز القرن الثالث أو الرابع للهجرة. وكان يدرس لنا الأدب على النحو القديم، وكان يسميه أدباً، وكنا نسميه أدباً كذلك. فلما دارت الأيام وأخضع الأزهر للنظام لقيته ذات ليلة حيران كئيباً ضيق الصدر، لأنهم غيروا درسه في الموضوع وغيروه في العنوان أيضاً فسموه تاريخ أدب اللغة، وكان الشيخ لا يفهم هذا الاسم ولا يسيغه، فجعل يسألنا: ولم لا يقولون تاريخ لغة الأدب؟ ولم لا يقولون لغة تاريخ الأدب؟ ولم لا يقولون لغة أدب التاريخ؟ وجعل يقلب هذه الألفاظ على وجوهها المختلفة ويستخرج لنا من صلاتها المتباينة ما أضحكنا وألهانا وقتاً غير قصير، ومنذ ذلك الوقت كلفت بتقليب الألفاظ على وجوهها، وأخذت أعمد إلى ذلك حين أظفر بالخلوة وفراغ البال، فأجد فيه راحة مما تحملني الحياة أحياناً من الجهد والعناء، ومع ذلك فلست أريد أن أقلب الأدب والسياسة والمال على وجوهها، وأن أستخرج ما يمكن أن يكون بينها من الصلات. وإنما أريد أن ألاحظ أن حياتنا اليومية قد فتحت للأدباء باباً طريفاً من الأدب لو أن أدباءنا يحسنون ولوج ما تفتح لهم الحياة من الأبواب.

    فالناس جميعاً يعلمون أن بين السياسة والمال صلات قوية لا تنتهي ولا تنتهي آثارها، فأصحاب المال يجدون في الإشراف على السياسة، وأصحاب السياسة لا يكرهون هذا الإشراف، وهم يستغلونه وينتفعون به، وتظهر آثار الصلة بين السياسة والمال في الحياة الداخلية والخارجية للدول، ومن الأوليات أن الصلة بين السياسة والمال هي التي تثير الحروب حين تثور الحروب، وهي التي تقر السلم حين يستقر السلم، وهي التي تؤثر في حياة البرلمانات، وفيما تتخذ من قرارات تنحرف بها إلى اليمين حيناً، وإلى الشمال حيناً آخر، وتتوسط بها حيناً ثالثاً بين هذا وذاك. وهي التي ترفع صوت الصحف، وهي التي تخفت صوت الصحف، وهي التي تأتي من الأعاجيب في حياة الشعوب ما يعلمه أمثالك وأمثالي من أصحاب السذاجة وما لا يتاح العلم به إلا للواقفين على الأسرار والعالمين بالدخائل والخفيات.

    كل هذه أمور يعرفها الناس والحديث فيها لغو، والإطالة فيها إملال، وقد طرقها الأدباء الأجانب ألف مرة ومرة وأحدثوا فيها آثاراً رائعة فيها الجد، وفيها الهزل، فيها ما يسر، وفيها ما يسوء.

    ولكن للسياسة والمال في مصر أحداثاً خاصة، كانت خليقة أن تثير عناية الأدباء لو أن الأدباء يعنون بما تعرض عليهم الحياة من الصور في كل يوم، وبين يدي الآن حادثتان، ولست أدري كيف أهملهما الأدباء، ولعلهم لم يهملوهما إلا لضيق الوقت، ولعلنا أن نرى عنايتهم بهما غداً أو بعد غد، وأنا على كل حال أعرضهما على الكتاب والشعراء، ونرجو أن نرى آثار عنايتهم بهما بعد حين:

    فأما الحادثة الأولى فقصة الرجل الطيب وهذه الحفلة التي أقامها في الإسكندرية احتفاءً بعيد الجلوس الملكي. ورؤساء الوزارات المصرية يحتفون دائماً بعيد الجلوس الملكي، هذا واجب يفرضه عليهم الإخلاص لمصر، ثم يفرضه عليهم الإخلاص لواجبهم السياسي من حيث هم رؤساء وزارات، وقد سمعنا احتفاء رؤساء الوزارات بأعياد الجلوس قبل الحرب حين كان في مصر أمراء، ومنذ الحرب حين كان في مصر سلاطين، ومنذ الاستقلال حين أصبحت مصر مملكة يدبر أمرها جلالة الملك حفظه الله. وسمعنا عما كان لهذه الحفلات من جمال وروعة، وعما كانت تثير هذه الحفلات من عناية وإعجاب، وعما كانت تستتبع هذه الحفلات من وصف وحديث، وعما كان يقال في هذه الحفلات من شعر مختلف الألوان. ولكن شيئاً واحداً لم نسمع عنه قط إلا حين كانت رياسة الوزارة إلى الرجل الطيب، وهو مقدار ما أنفق على هذه الحفلات من مال. فالنفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في مثل هذه الظروف، بل النفقات آخر ما ينبغي أن يذكر في كل حفل اجتماعي يقصد به إلى الاحتفاء وتصوير الابتهاج، بما يثير الابتهاج في النفوس، ولكن نفقات الحفلة الأخيرة التي أقامها الرجل الطيب منذ شهرين، ذكرت وذكرت في دقة وتفصيل، فنحن نعلم أن الرجل الطيب قد أنفق في هذه الحفلة عشرين وثلاث عشرة مائة من الجنيهات. أستغفر الله العظيم، وأستغفر التاريخ وأستغفر رئيس الوزارة القائمة. فالرجل الطيب لم ينفق هذا المقدار وإنما أمر بإنفاقه، أمر بإنفاقه ووعد بالأداء، ثم لم يفِ بالوعد، قالت الجهاد، وقد طلب الكازينو إلى دولته أن يفي، فأجله يوماً، ثم أجله يوماً، ثم أجله أياماً، فلما ضاق الكازينو بالتأجيل، ترك الرئيس المستقيل وأقبل على الرئيس الجديد يطالبه بالأداء، في كتاب سجله في البريد تسجيلاً.

    ومن هذا الكتاب عرف أن الرجل الطيب أنفق ولم ينفق، وهم ولم يفعل، وجاد ثم بخل وأقدم ثم أحجم، وتقدم ثم تأخر، ودعا الناس ثم قال للمطعم دونك ومن طعم عندك، فخذ من كل واحد منهم ثمن ما أكل وثمن ما شرب، وثمن ما ابتهج!! ثم من هذا الكتاب عرفنا هذا كله، ولم نعرف بعد، ماذا تابع رئيس الوزارة القائمة، أأسرع إلى الدفع فما ينبغي لما أنفق في عيد الجلوس أن يكون ديناً، أم أحال على الرئيس المستقيل، فما ينبغي لمن أمر بالإنفاق أن يكلف غيره الأداء، أم أمر بالدفع ليرضى الدائنون، ثم بالرجوع على الرئيس المستقيل لترضى الخزانة؟!

    أسئلة قد يجيبنا عنها الغد، وقد لا يجيب، وقد لا تعنينا في هذا الفصل وإنما الذي يعنينا هو ما تثيره هذه القصة من الخواطر، وما ينبغي أن تطلق به ألسنة الشعراء، وتجري به أقلام الكتاب من القصائد والفصول.

    ففي الإقدام على الكرم والجود ثم الإحجام عن الوفاء والدين، ما أطلق ألسنة الشعراء، وأجرى أقلام الكتاب قديماً برائع الشعر وبارع النثر، وما ينبغي أن يكون شعراؤنا وكتابنا المحدثون أقل غناءً من كتابنا وشعرائنا الأولين. وفي إظهار المال حيث يجب أن يستخفي المال، مثار للشعر الجيد، والنثر الطريف. وفي الاستعداد للإنفاق حين تكون رئيساً للوزراء والنكوص عن الإنفاق حين تتحول عنك رياسة الوزراء مجال لشياطين الشعر، وعفاريت النثر إن كان للنثر عفاريت. وفي الاستخفاف بما يقول الناس والاستهزاء بما يظنون في أمر يجب أن يكون هيناً يسيراً أهون وأيسر من أن يدعو إلى القال والقيل، والتعليل والتأويل ما ينطق الشعراء، وإن كانوا خرساً، ويلهم الكتاب وإن كانوا قد فارقوا الكتابة منذ عهد بعيد.

    فهذه إحدى القصتين لم أستخرج كل ما فيها من الكنوز التي ينبغي لكتابنا وشعرائنا أن يستغلوها ليبينوا للناس أين يكون الخير، وكيف تكون السيرة حين يتاح لأحدهم أن يكون رئيساً للوزراء؟

    وليست القصة الثانية بأقل من القصة الأولى خصباً ولا بأقل منها تحريضاً لشياطين الأدب. فما رأيك في حزب الشعب وقد اشترى لنفسه داراً حين كانت رياسة الوزراء إلى رئيسه الأول ومضى في دفع ثمن الدار ما استقامت له الأمور، فلما تحول عنه الحكم وانصرف عنه الرئيسان وأحال الله لقوم من قوم وصرف الله السلطان عن ناس إلى ناس نكص الحزب عن الأداء، وقصر في الوفاء، وأخر القسط واضطر صاحب الدار إلى أن يحتجز أمواله في المصارف ثم لم يكفه ما انتهى إليه من هذا فأبى على صاحب العين أن يحتجز الثمن ورفع الأمر إلى القضاء فلما أجاز القضاء لصاحب العين أن يحتجز ما احتجز من المال أبى المشتري إلا أن يعارض في الحكم، سنشهد قصة هذه المعارضة ولعلنا نشهد خطوباً وأهوالاً بين صاحب الدار ومن اشتراها. فما رأى الأدباء في عسر بعد يسر، وفي ضيق بعد سعة، وفي بخل بعد جود. وما رأى الأدباء في أن هذا العسر إنما أقبل حين أدبرت الدولة، وفي أن هذا الضيق إنما هجم حين فر السلطان، وفي أن هذا البخل إنما أطبق حين تحولت الأمور وأصبح السيد مسوداً وأصبح المسود سيداً. وأصبح الحكم إلى نسيم بعد أن كان إلى صدقي وعبد الفتاح؟!

    ألا يظن الأدباء أن من التقصير في ذات الفن، ومن التفريط في حق الأدب، ومن الإعراض عما ينبغي لقرائه أن تمضي هذه القصة وأن تمضي القصة التي سبقتها دون أن يسجلهما الشعر في قصيدة من قصائده الرائعة ودون أن يخلدهما النثر في فصل من فصوله الحسان؟! لقد كان الشعراء الأولون ينظمون فيما هو أهون من ذلك وأيسر أمراً، وكان الجاحظ يكتب الرسائل في أمور لا تكاد تذكر إلى جانب هاتين القصتين، أفيرضى شعراؤنا وكتابنا أن يقصروا حيث لم يقصر الأولون، وهم يزعمون لأنفسهم التفوق، ويرون أنهم يجددون الأدب تجديداً؟! كلا ولكن شياطين الأدب قد ذهبت كما قلت لك في سطر بعيد ومن يدري؟ لعلها أن تعود فإذا النسيان قد طغى على هاتين القصتين وعلى ما هو أكثر خصباً من هاتين القصتين؟!

    طه حسين
    الوادي، ٥ ديسمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب

    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد “الذي” هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها “الجهاد”، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد “الذي” هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • خاتمة العهد البائد | The End of the Fallen Era

    حديث الوادي
    خاتمة
    قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أملي هذا الفصل فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.
    وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجل استقالته يوماً أو يومين أو أياماً ليرى نتيجة الوساطة التي يقال إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضاراً مؤلماً ممضاً لعهد مؤلم ممض. وسنشهد نهاية كلها حزن وأسى، لعهد كان كله حزناً وأسى.
    عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه الذي لا حد له إلا رضى الإنجليز أو غضب الإنجليز.
    عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليّ وفي الحروب نعامة» فكان رجاله أسوداً يحسنون الزئير ويحسنون الافتراس ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.
    عهد أقل ما يوصف به أنه لم يشرف مصر في لحظة من لحظاته وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يشرف رجاله المسؤولين في لحظة من لحظاته، ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء، والاستكانة للأقوياء تشرف رجلاً أو ترفع من شأنه أو تنزله بين كرام الناس.
    عهد بدا بالإثم وهو يختم بالإثم، بدا بالوثوب إلى الحكم في غير رضى من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقاً وإرهاقاً، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافاً، وعلى منافع الأبرياء عبثاً ولعباً، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعاً كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث تفتك بالأخلاق فتكاً، وأفسدت الضمائر إفساداً،
    وقطعت الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخس ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقاً عليه، وبأن لوطنه حقاً على نفسه، هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيء إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي ترد الإنسان إلى أخس مراتب الحيوان.
    على هذا النحو بدا هذا العهد وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء وأزهقت نفوس واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يحتمل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يلقى في هذا العصر الذي يقال إنه عصر الحرية والأمن وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.
    نعم على هذا النحو المنكر بدا هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين، شقاء ثقيلاً مظلماً مطبقاً، أكثر من أربعة أعوام، وها هي هذه الملايين من المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يؤسس على التقوى، ولم يقم على حب الشعب، ولم يشيد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شراً وسوءاً، وأن تستبشر بانهيار بناء أسس على الظلم والجور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة، لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدا بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شراً ونكراً، بدا بالاعتداء على حقوق الشعب والاستهانة بسلطان الشعب والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.
    يقول الإنجليز لرئيس الوزراء أخرج زميلين من زملائك، وحل بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر تردداً لا يخدع أحداً ويتكلف مقاومة لا تخدع أحداً، حتى إذا جد الجد، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك لعل جلالته أن يقبلها وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه. أتعرف مأساة شر من هذه المأساة؟ أتعرف بلداً يقول إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي الدستوري وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلداً يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي، في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان فيرد إليه ما حرمه من الرضى، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سم هذا بما شئت من الأسماء، وصف هذا بما أحببت من الصفات، وقل في هذا ما استطعت أن تقول ولكنك مكره مع الأسف الشديد والألم الممض والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة ونزول عن الاستقلال.
    ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدماً، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.
    أفتراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة حتى على شكل الاستقلال.
    سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري لعل هذا الرجل ينكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي، وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمراً مقضياً لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته وفوق إرادة الشعب.
    خروجه من الحكم أمر مقضي، فليهنأ المصريون فلسنا نعرف أن أحداً منهم يسره أن يتصل الفساد ويستمر الاضطراب ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه إن على رأس الوزارة المصرية رجلاً لا يتردد في أن يخرج زميليه من الحكم لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطراراً.
    نعم لقد بدا هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية. والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءاً كله، سوءاً حين يبتدئ وسوءاً حين يتصل، وسوءاً حين ينتهي. ولكن الله عز وجل يريد أن يمحص المصريين بهذه المحنة وأن يظهرهم رجالاً كراماً كما تعودوا أن يكونوا رجالاً كراماً. وأن يقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظاماً مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب ومهما تحرجت الظروف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١١/١.

    حديث الوادي
    في الموقف . . .
    هل رفع رئيس الوزراء استقالة الوزارة إلى جلالة الملك أمس؟ يقول قليل من الناس نعم ويقول أكثر الناس لا. ويرى الأولون أن رئيس الوزراء لا مخرج له من الحرج الذي اضطر إليه إلا أن يستقيل، وأنه قد يكون رجلاً طيباً مسرفاً في الطيبة، ولكنه على ذلك، وبرغم ذلك أذكى من أن يجهل الحرج الذي دفع نفسه إليه، وأن الاستقالة هي التي تخرجه منه، وأن الاستقالة خير من الإقامة على كل حال، ويرى الآخرون أن رئيس الوزراء ليس رجلاً طيباً فحسب، وإنما هو رجل طيب، واسع الأمل، وإن لم يكن واسع الحيلة فهو قد يعجز عن أن يخرج نفسه من المآزق وإن قدر على أن يزج بنفسه في المآزق، ولكنه لا يعجز عن الانتظار وعن حسن الظن بالأيام وعن الاعتماد على ما ستتكشف عنه الحوادث، فقد يجعل الله له بعد عسر يسراً، وقد يجعل الله له من الحرج فرجاً، ومن الضيق مخرجاً، وقد يلهم الله رئيس الديوان الملكي خطة سديدة موفقة تمكنه من إقناع الإنجليز، بأن رئيس الوزراء رجل طيب، وبأن الرجال الطيبين قليلون، وبأن الخير في أن يقبل منه ما يعرض، وفي أن يُعفى له عما قدم، وفي أن يرضى الإنجليز منه إخراج الوزيرين، ويقبلوه على علاته، ويعملوا معه، ويتصلوا به فمن يدري لعل رئيس الوزراء الذي يخلفه إن استقال، أن يكون أشد منه مكراً، وأعظم منه حظاً من البراعة، وأكثر منه إمعاناً في الطيبة، وتعرضاً للتورط في الأغلاط.
    وإذن فقد تعبث هذه الآمال كلها بنفس الرجل الطيب، ولا سيما إذ أضيف إليها، أن زيور باشا رجل ضخم الجسم ولكنه رشيق العقل، رشيق الحديث، قادر على الإقناع بهزله الذي يشبه الجد وجده الذي يشبه الهزل، والإنجليز يحبون هذه الرشاقة، ويتأثرون بهذه اللباقة، ويعجبون بهذا التناقض الذي يكون بين الظاهر والباطن، وهم يحبون زيور باشا وقد ينجحون سعيه، ويقبلون رأيه ويرضون أن يظل عبد الفتاح يحيى باشا في الحكم أسبوعاً أو أسابيع وكذلك يرى بعض الناس أن الرجل الطيب قد تعلل بالآمال فلم يرفع استقالته أمس، وانتظر أن يدركه القضاء، بما أضمره القضاء.
    ولسنا ندري أي الفريقين أخطأ وأي الفريقين أصاب ولكن الذي نلاحظه على كل حال هو أن الذين يعنون بهذه الأزمة العنيفة ويجدون في حلها أو في تعقيدها لا يفكرون أو لا يكادون يفكرون إلا في الخصمين، الذين يقع بينهما الصراع: في الإنجليز وما يريدون من ناحية وفي الوزارة وما تقدر عليه من ناحية أخرى. ومع ذلك فالإنجليز والوزارة لا يختصمون في غير موضوع للخصومة، ولا يصطرعون في الهواء رغبة في إنفاق الوقت، وطلباً للتسلية والتلهية وإنما خصومتهم وصراعهم يقومان سواء أرادوا أو لم يريدوا على شيء واقع محسوس ملموس يحسه الناس جميعاً، ويعرفه الناس جميعاً، وهو حياة هذا الشعب المصري كيف تدبر، وعلى أي نحو يكون تصريف أمورها. فالإنجليز لم يشتروا مصر لأنفسهم، والوزراء والإبراشي باشا لم يرثوا مصر وأهلها عن آبائهم.
    وإذن فقد يكون من المعقول وقد يكون من الممكن المرغوب فيه، أن يفكر المختصمون في موضوع الخصومة وأن يسألوا أنفسهم عن هذا الشعب المصري الذي يختصمون في مصالحه ومرافقه، وفي حقه في الحرية ونصيبه منها، ما رأيه في الخصومة، وماذا يريد. وكيف يتصور أن تحل الأزمة وما عسى أن يكون الحل الذي يرضيه؟
    نظن أن هذا طبيعي وأنه معقول ولكن المختصمين إلى الآن لم يظهروا عناية بهذا الشعب، ولا التفاتاً إليه، ولا سؤالاً عما يريد. استشار رئيس الوزراء دار المندوب السامي ولم يفكر في استشارة المصريين، وأشارت عليه دار المندوب السامي ولم تفكر في أن تحيله إلى المصريين، ثم غضب رئيس الوزراء من مشورة الإنجليز، وأبى قبولها، ولم يفكر في أن يلتمس مشورة المصريين، ثم غضب الإنجليز لإعراض رئيس الوزراء عن مشورتهم بعد أن طلبها ولم يفكروا في المصريين ولا فيما يمكن أن يراه المصريون.
    ثم نفى رئيس الوزراء أن يكون قد استشار الإنجليز، ثم أكد الإنجليز أنه استشارهم، ثم عاد رئيس الوزراء فأجاز الأمر، ولم يقطع بأنه وقع أو بأنه لم يقع، ثم اشتدت الأزمة وضيق الخناق، والمختصمون ماضون في خصومتهم، لا يسألون عن المصريين، ولا يحفلون بهم، كأن الأمر لم يعنهم من قريب أو من بعيد.
    وقل مثل هذا في أمر هذين الوزيرين. طلب المصريون إخراجهما، فلم يسمع لهم أحد. لم يسمع لهم الوزراء ولم يسمع لهم الإنجليز، ثم طلب الإنجليز إخراجهما، فتمنع رئيس الوزراء، ثم أذن وأقر الاستسلام
    وقل مثل هذا في زكي الإبراشي باشا، طلب المصريون كفه عن شؤون الحكم، فلم يحفل بهم الوزراء، ولم يحفل بهم الإنجليز. ثم طلب الإنجليز كفه عن شؤون الحكم، فاضطربت الوزارة وزلزلت بها الأرض، كما زلزلت بالإبراشي باشا نفسه حتى اضطر إلى الانكفاء.
    وقد يكون هذا كله عجيباً. في القرن العشرين. وفي بلد لم يبق جزءاً من أفريقيا، وإنما أصبح جزءاً من أوروبا، ولم يبق خاضعاً لسلطان الاستبداد. وإنما هو خاضع للديمقراطية والدستور. قد يكون هذا عجيباً ولكنه الأمر الواقع الذي لا يستطيع أحد أن يشك فيه، أو يتخذه موضوعاً للنزاع، فالشعب المصري، آخر شيء يفكر فيه المختصمون في هذه الأيام. وقد يكون أعجب من هذا أن الإنجليز قد يسألون أنفسهم أحياناً ماذا عسى أن يكون رأي المصريين فيما تفعل وفيما تقول؟ يكتبون ذلك في صحفهم ويكتبونه عن وحي يصدر إليهم من ساستهم هنا وهناك. ولكن الوزراء المصريين لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال ولم يخطر لهم أن يسألوها وإنما جهلوا مصر جهلاً تاماً، وأنكروها إنكاراً شاملاً، وتصرفوا في الأزمة كأنها لا تضر إلا أشخاصهم وشخص صديقهم الإبراشي باشا، إلا مناصبهم ومنصب صديقهم هذا. وكأن هذه المناصب ملك لهم، لا ملك للشعب، وحق لهم لا حق للشعب، ويخيل إلينا أن المختصمين إذا جهلوا مصر وأنكروها، فإن مصر لا تجهل نفسها، ولا تستطيع أن تنكر حقها، وأن تنسى أنها موجودة تحس وتشعر وتفكر وتريد وأن أمر هذه الخصومة يجب أن يكون إليها على كل حال. وإذا كان الإنجليز والوزراء لا يريدون أن يتحدثوا إليها بشيء، ولا أن يسألوها عن شيء فقد يكون عندها هي شيء تريد أن تقوله لهم، وأن تلقيه إليهم، وأن تلح عليهم في أن يسمعوا له، وفي أن يتدبروه.
    فأما ما تقوله للوزراء فالوزراء يعرفونه حق المعرفة، ولكنهم يعرضون عنه، لأن الحكم فيما يظهر أحب إليهم من الإصغاء إليه، وآثر عندهم من رضائه، هم يعرفون أنهم أصبحوا بعد أن عضتهم هذه الأزمة وبعد أن أظهرت من ضعفهم وعجزهم وقصورهم وتقصيرهم ما أظهرت، لا يصلحون للبقاء في الحكم، سواء أكان هذا الحكم ديمقراطياً أم استبدادياً، فالحكم الديمقراطي يقوم على الثقة، والمصريون لا يثقون بالوزراء. والحكم الاستبدادي يقوم على الهيبة والخوف ولم يبق بين المصريين منذ ثارت الأزمة من يهاب الوزراء أو يحسب لهم حساباً. وإذن فما بقاؤهم في الحكم وما تعللهم بالآمال؟ ليرض الإنجليز عنهم ولن يفعلوا، أو ليسخط الإنجليز وقد فعلوا، فإن شيئاً من ذلك لن يمنحهم ثقة المصريين ولن يرد إليهم ما فقدوا من الهيبة. وإذن فدورهم أولى بهم من الدواوين، وخير لهم أن يعودوا إلى دورهم اليوم، من أن يعودوا إليها غداً أو بعد غد فإن بقاءهم في الحكم لا يزيدهم إلا ضعفاً وعجزاً وتضاؤلاً في قلوب الناس.
    هذا ما تقوله مصر للوزراء، وأما ما تقوله للإنجليز فهم يعرفونه حق المعرفة سمعوه منها ألف مرة. وهم يسمعونه منها في كل يوم، فقد قالت وما زالت تقول وستقول دائماً إن حكم الشعوب بالعسف والقهر، والمكر والكيد، قد انقضى عصره، وإنكم قد جربتموه في مصر أعواماً طوالاً فلم تجنوا منه خيراً ولم يجن أحد منه خيراً، فلم يبق أمامكم إلا شيء واحد وهو أن تفهموا مصر كما ينبغي أن تفهم وتخلصوا النية فيما بينكم وبينها من صلة، لا تتحفظون ولا تمكرون ولا تظهرون شيئاً وتخفون شيئاً آخر وأنتم إن فعلتم هذا منتهون إلى ما ليس لكم بد من الانتهاء إليه، من الاعتراف بمصر، على أنها أمة رشيدة خليقة أن توجد بينكم وبينها صلات كريمة شريفة لا تقوم إلا على الثقة والنزاهة والصدق. وسبيل ذلك واضحة وهي أن تردوا إلى الشعب أمور الشعب وأن تتحدثوا إلى الشعب، وتسمعوا منه لا إلى من يرددون نغماتكم ممن تؤيدون وتنصرون.
    ردوا إذن إلى مصر حريتها كاملة كما كانت، وخذوا إذن في الحديث مع مصر كما كنتم قد أخذتم من قبل وأتموا صادقين ما كنتم قد بدأتم وثقوا بأن إقالة هذه الوزارة أو إبقاءها، وبأن إقالة الإبراشي باشا أو إبقاءه، وبأن دخولكم في شؤون الحكم، بالشدة أو باللين، كل ذلك لن يريحكم ولن يريح المصريين ولن يحل ما بينكم وبينهم من المشكلات. فليس لهذه المشكلات حل إلا تبادل الثقة، والصدق والإخلاص.
    (طه حسين)
    الوادي، ٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    احتضار . . .
    كان طويلاً ثقيلاً هذا الاحتضار، الذي ظلت الوزارة تقاسي آلامه، وتعاني سكراته، لا يوماً ولا يومين، ولا أسبوعاً ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.
    ولم يكن طول هذا الاحتضار نتيجة لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء، فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلاً عن عسف الريح فضلاً عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل، وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلاً بغيضاً مملولاً مفعماً بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يخل من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة، فأما الشعب فقد زاده النظر الطويل إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيماناً إلى إيمان ويقيناً إلى يقين وثقة إلى ثقة، فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب ولا تستند إلى ثقته ولا تستمد قوتها من قوته، ولا تكون صورة لآماله ومثله العليا، ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضة للعبث لا تستطيع أن تبرم ولا أن تنقض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن ينفذ من المحن المتراكمة كما ينفذ السهم من الرمية، قوياً نقياً، وصلباً ثابتاً جريئاً، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد ولا تنال منه المحن والأهوال. وأما الإنجليز فقد انتفعوا من طول هذا الاحتضار لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى، ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني، ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب، ولا ترده الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد، مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعباً، ولم يثر عابثاً، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق. رأى الإنجليز هذا الشعب ورأوا منه كيف كان مستقيماً في الخصومة، شريفاً في النضال، فطناً يعرف ما يأتي ويعرف ما يدع، ولو كان شعباً مغروراً ضعيفاً تذهب به الأهواء كل مذهب، لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر. أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر، وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه، لأنهم يذودون عن استقلاله، ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفطن اليقظ الحذر لم ينخدع للإنجليز لأنه لا ينخدع للخصم مهما يكن شريفاً ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تساس القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء وإنما قام كريماً شريفاً نزيهاً بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض. وسجل على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون وينتظر مؤمناً واثقاً ساعة الفوز، التي يهزم فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وترد إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.
    وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضار الطويل، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحياناً أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه، منتهون دائماً إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم، تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصناً يأوون إليه، لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترساً يثقون به لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضى الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرق عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم فإذا هم لا يزنون شيئاً ولا يعدلون شيئاً، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.
    فإن احتضاراً طويلاً ثقيلاً هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها وتلفظ آخر أنفاسها وتنظر من حولها فلا ترى حزناً ولا ابتئاساً وإنما ترى إغضاءً وإعراضاً وشعباً ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتفنى فيما يفنى، وهو يقول كذا فلتُهوَّ الوزارة التي لم تستمد قوتها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.
    طه حسين
    الوادي، ٤/ ١١ / ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    عهد الذلة والهوان . . .
    نعم كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف ويسومونهم الضيم وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة ولا عن قدرة مختارة ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها ولا عن رأي ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة ويوحى إليهم أن يكونوا أساة فإذا هم أساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالعنف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم فهم ليسوا شيئاً، وهم ليسوا أقل من شيء.
    كان يقال لهم أنتم الوزراء فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم ولكن عليكم أن تطيعوا فيؤمنوا بأن عليهم أن يطيعوا. كان يقال لهم هذا من الإبراشي باشا حيناً فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم هذا من الإنجليز حيناً آخر فيؤمنون له خاضعين. كانوا هشيماً لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعاً، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقاً، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعاً لكل ما يراد به سامعاً لكل ما يتنزل عليه. وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له، هو الذي حكم مصر عاماً وبعض عام. هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل وصب على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له أقبل على رئاسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يرو ولم يستقص، وإنما طار لا يلوي على شيء. ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.
    ثم انتهت به السفينة إلى الثغر فاستخرجه منها غيره استخراجاً، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر ثم خرج من القصر رئيساً للوزراء، وأي وزراء؟ رئيساً لقوم لم يخترهم، ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعاً من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحداً منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفساداً وعلى أموال هذا الشعب فبذروها تبذيراً، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل. قيل لهم أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا. واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء والاستسلام للأقوياء. وأنفقوا عاماً وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئاً وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصى ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة لا في حق مصر وحدها بل في حق أنفسهم أيضاً، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة، وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظاً ونياماً، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجاً، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالاً. والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا. قيل لهم كونوا وزراء دستوريين فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين، وقال قائلهم وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله، ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوؤوا وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ. ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم،
    وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى وعجز الإبراشي باشا عن حلها عجزوا هم عن حلها أيضاً. فقيل لهم دعوا ذلك للإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز. ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات ثم ثقل المرض على جلالة الملك. واضطرب الإبراشي باشا فاضطربوا معه وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال نعم وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟. فلما أشاروا عليه قبل المشورة ووعد بالإنجاز ثم منّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك فسقط في يد الإبراشي باشا وسقط في يد رئيس الوزراء، وقيل للقوم أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث فقيل لهم أنكروا أن يكون في الجو شيء. فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئاً؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟
    ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم استقيلوا فقالوا نعم وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.
    هؤلاء هم الذين حكموا مصر عاماً وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صوراً فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالاً فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته “الاجبشيان جازيت” غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره وأخذ المصريون يستقبلون عهداً جديداً وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.
    ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم
    وكابر فلابد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون. ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضاً أو قبولاً، وقد استبشر المصريون جميعاً حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضواً في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزاراً نصح بألا تحتمل فليس عجيباً أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر. فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفاً شريفاً وقفه ومن أن يقدم على شيء أباه ومن أن يخيب أمل الشعب فيه ويكذب ظن الشعب به يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.
    نعم وإنا نقرأ في الصحف كلاماً عجباً فقد يقال إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقاً به، تبارك الله وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟
    ألا تزال إصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات فإن هذا الكلام إن صح يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فأما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء وأما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فمازال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء. فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدرياً إرادة الأمة مستعداً لتلقي العمل والوحي والعمل بالأمر والإذعان لغير المسؤولين فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلاً.
    طه حسين
    الوادي، ٧ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ليل الشياطين…
    كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
    وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
    غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
    أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
    فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
    ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
    إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
    كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
    طه حسين
    الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤

    حديث الوادي
    أبطال النظام…
    الذوق الراقي الدقيق ورعاية اللياقة في القول والعمل أخص ما يمتاز به أبطال النظام الحاضر. وهؤلاء الأبطال كثيرون والحمد لله، قد يبلغون الأربعة وقد يبلغون الخمسة، وما نظن أنهم يزيدون على هذا العدد.
    فأولهم مؤسس النظام صدقي باشا، وهو رجل مثقف ما في ذلك شك، ولكنه رجل دقيق الذوق، رقيق الحس، يعرف ما يحسن وما لا يحسن، لكثرة اختلافه إلى البيئات الراقية الأجنبية الممتازة، ولهذا كانت أعماله وأقواله وحركاته كلها مرآة صافية الذوق الذي لا غبار عليه، وليس ضرورياً أن يكون ذوق صدقي باشا في السياسة كذوقك أو كذوقي، فنحن من قوم لا يختلفون إلى البيئات الراقية ولا يتصلون بالأجانب الممتازين.
    أنت وأنا وأمثالنا لا نقحم اسم جلالة الملك إقحاماً في الخصومات السياسية، ولا نسرع فنسجل على جلالة الملك موقفاً سياسياً حزبياً بعينه، ونشكر له هذا الموقف، ولا نبرق إلى القصر لنحمد لجلالة الملك حرصه على النظام الحاضر وتأييده له واستمساكه به، لأنا نعلم أن هذا خطأ لا ينبغي للذين يعملون في السياسة أو يفقهون أوليات الدستور والقانون، ولأننا نعلم أن هذا خروج عن الذوق وتجاوز للأدب وانحراف عما ينبغي من رفع الملوك عن الأهواء والشهوات. فأما صدقي باشا المثقف الممتاز المتصل بالبيئات الأجنبية ذات الثقافة والامتياز فلا يرى بذلك بأساً، ولا يحس في ذلك حرجاً، وإنما يقدم عليه غير هياب، ويمعن فيه غير وجل، إما لأنه يعرف من أصول الذوق ما لا يعرف الناس، وإما لأنه يضحي بالذوق وأصوله في سبيل المنفعة العاجلة، سواء أكانت محققة أو موهومة، وصدقي باشا رجل قدير يحب التضحية ولا يتردد فيها، مهما تكن الظروف. يضحي بحقوق الشعب في سبيل الوثوب إلى الحكم، ويضحي بأخلاق الشعب في سبيل التمكن من الحكم، ويضحي بكرامة الشعب في سبيل الاستئثار بالسلطان، ويضحي بأموال الشعب في سبيل الاستمتاع بالجاه، ويضحي بدماء الشعب أحياناً في سبيل إذلال الخصوم وترويع المقاومين، ثم يضحي بالذوق آخر الأمر في سبيل شيء غير معروف، فما نظن أنه يطمع في أن يرضى عن نفسه الإبراشي باشا.
    وما نظن أنه يطمع في أن يصل إلى الحكم في هذه الأيام، ولكنه مضطر إلى أن ينشط، وإلى أن يقول ليظن الناس أنه زعيم مسموع الكلمة وأن له أنصاراً وأعواناً، وذلك شيء يستحق أن يضحي في سبيله صدقي باشا بالذوق، وأن يقحم اسم جلالة الملك في السياسة، وأن يسجل على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام ويؤيد قلة الأمة دون كثرتها ويقف في صف جماعة من الجماعات أو حزب من الأحزاب. ولو أن الأمور تجري في مصر على مثل ما تجري عليه في البلاد الأخرى لسئل صدقي باشا عن التضحية بالذوق، ولكن صدقي باشا لم يسأل عن إهدار الحقوق، وانتهاك الحرمات، والعبث بالنفوس والأموال.
    هذا بطل من أبطال النظام الحاضر تمخض عنه رأسه الكبير، فهو يريد الآن أن يحميه بذكائه الخطير.
    وللنظام الحاضر بطل آخر أكبر من صدقي باشا بيوم أو يومين، فهو يعرف أكثر من صدقي باشا بعام أو عامين، كما يقول الغول في قصص العجائز. وهو رئيس مجلس الشيوخ يحيى باشا إبراهيم، وهو كصدقي باشا لا يتردد في أن يضحي بالذوق في سبيل المحافظة على النظام، ولا يتردد في أن يشهد أمام الناس جميعاً على جلالة الملك أنه يؤثر نظاماً على نظام وحزباً على حزب، وقلة على كثرة، وهو كصدقي باشا خليق أن يحاسب على إهدار الذوق، لو أن الناس يحاسبون في مصر على كل ما يعملون.
    ويحيى باشا إبراهيم رجل عظيم له شجاعة تنزع سلاح الخصوم كما يقول الفرنسيون، فهو يرجع بذاكرته إلى الماضي فينبئ الناس بأنه هو الذي استصدر الدستور القديم، وأمضاه حين كان رئيساً للوزراء سنة ١٩٢٣، ثم عمل في ظل الدستور الجديد الذي لم يصدره ولم يمضه، وهو يفضل الدستور الجديد، ويراه أشد ملاءمة لمصالح البلاد.
    ويحيى باشا إبراهيم لم يصدر الدستور القديم فحسب، ولكنه عمل في ظله أيضاً، وأقسم يمين الوفاء له أيضاً، ولكنه مع ذلك لم يتحرج كصدقي باشا أن يحنث في يمين ويقسم يميناً أخرى، ومن أن يؤثر دستوراً جديداً على دستور قديم، ومن أن يضحي باللياقة والذوق في سبيل هذا الدستور الجديد.
    وثالث الأبطال وأقدرهم على النضال وأبرعهم في النزال، وأمضاهم في القتال، وأفصحهم في المقال، هو صاحب المعالي الدكتور توفيق رفعت باشا – ولا ننس الدكتور – رئيس مجلس النواب الحاضر طبعاً ورئيس المجمع اللغوي، وصاحب المعالي يستمد ذوقه في أكبر الظن من معاجم اللغة وكتب الأدب ودواوين الشعر وآثار الكتاب والخطباء، فهو الشاعر الفذ والأديب الفرد والخطيب الذي لا يجارى، لا يشك في ذلك إلا الجاهلون.
    ذوق صاحب المعالي قديم كلاسيك، كما أن ذوق صدقي باشا جديد، وهما مع ذلك يتفقان في أن إقحام اسم جلالة الملك في السياسة جائز، وفي أن تسجيل المواقف السياسية على جلالة الملك شيء لا يضر، وقد ينفع كثيراً، وقد يعين على إبقاء نظام يريد أن يزول، وإقامة بناء يريد أن ينقض. وذوق صاحب المعالي خليق أن يكلف صاحبه تحقيقاً وسؤالاً وأموراً ثقالاً، لولا أن بعض المصريين فوق التحقيق والسؤال والأمور الثقال.
    وكان صاحب المعالي صامتاً، فلما تكلم رئيس الشيوخ لم يسعه إلا أن يتكلم، وقد قال فأطال وشفا الغليل، فالمقطم تروي لنا أمس أنه ينبئ الناس بأن جلالة الملك حريص على النظام الحاضر، وبأن جلالة الملك تحدث إليه في أمر الإبراشي باشا وقال إنه حر في تنظيم بيته. يا للذوق، يا للرقة، يا للأدب، يا للإكبار لصاحب العرش، يا للإجلال لمكانة الملك! وهبه قال لك هذا، فكيف تأذن لنفسك بإذاعته بين الناس، وكيف تأذن لنفسك بأن تصور جلالة الملك مدافعاً عن حريته الخاصة في تنظيم بيته؟ ومن الذي يسمح بأن يثار شيء من الأشياء أو يلقى حديث من الأحاديث حول ما ينبغي لجلالة الملك من الحرية في تنظيم بيته؟ يا للذوق! متى أجازت الثقافة والسياسة والمناصب للناس أن يتحدثوا عن الملوك القائمين بهذا الابتذال وأن يبيحوا نشر ذلك عنهم في الصحف؟ ومع ذلك فالمقطم تضيف هذا إلى رفعت باشا رئيس مجلس النواب ورئيس المجمع اللغوي وصاحب الدكتوراه في الحقوق، دكتوراه الشرف بالطبع.
    هؤلاء قوم لا يفرقون بين أحاديث الملوك وأحاديث السوقة: يتشرفون بلقاء الملك فيتحدثون بما كان بين جلالته وبينهم من حوار كما يلقونك فيذيعون ما كان بينك وبينهم من حديث. وهؤلاء هم حماة النظام والحفظة على الدستور الجديد، وهم الذين يعلن أن الوزارة قد تدور بينهم، وبين جماعة من أمثالهم إن صرفت عن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا. فحدثني عن نظام يحميه هؤلاء الناس، وحدثني عن حكم يصرفه هؤلاء الناس، وحدثني عن دستور يذود عنه هؤلاء الناس، وقل للإنجليز بعد ذلك ابتهجوا واستبشروا واطمئنوا، فقد ذهب عنكم عبد الفتاح يحيى وقد يرسل إليكم واحد من هؤلاء الناس الذين لا يرعون ذوقاً، ولا يكتمون سراً، ولا يفرقون بين أحاديث السوقة وأحاديث الملوك.
    وقل للإنجليز ابتهجوا واستبشروا فستجدون من هؤلاء الناس من يستطيع أن يؤلف وزارة ترضون الاتصال بها، لأنها تجمع بين القدرة والنزاهة والكفاية، أما إرضاء الشعب فتستطيعون أن تنظروا فإن الشعب لا يرى هؤلاء الناس أهلاً للرضى ولا للسخط، وإنما يهملهم إهمالاً فإن تحدث عنهم فليلهو ويعبث ليس غير.
    أما بعد فقد نظن أن الأزمة قد طال أمرها، وأن أمور الحكم توشك أن تضطرب، وأن المصريين الرسميين الذين تصرفوا في حل الأزمة إلى الآن لم يظهروا جداً ولا حزماً، ولا براعة، ولا شجاعة على احتمال التبعات وإنما أظهروا تردداً واضطراباً واختلاطاً في القول والعمل وأثاروا ضحكاً كثيراً. وقد ينبغي أن تظهر مصر الرسمية شيئاً من الجد فما ينبغي أن تكون أمور الشعب لعباً إلى غير حد.
    إن إرادة الشعب واضحة بينة فيجب أن يعلم الشعب أجاء الوقت الذي تحترم فيه إرادته أم لا يزال مهملاً كما أهمل في هذه الأعوام الأربعة.
    طه حسين
    الوادي، ١٠ نوفمبر ١٩٣٤.

  • تشكيل الوزارة الجديدة | Forming the New Cabinet

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    مولاي،
    ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.

    وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.

    فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.

    والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.

    والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.

    فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.

    والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.

    نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:

    وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.

    وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.

    آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.

    والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.

    والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.

    طه حسين
    الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    رجاء . . .
    – ٢ –

    مولاي،
    ولم يألم المصريون في هذه الأيام الثقيلة لشيء كما ألموا هذا التناقض الغريب الذي يحسونه فيتأذون به أشد الأذى، ويحزنون له أعظم الحزن، وتثور ضمائرهم إنكاراً له، وسخطاً عليه، وذلك حين يقرأون ما تذيعه الصحف الإنجليزية من جهة وما تذيعه الصحف المصرية من جهة أخرى. فأما الصحف الإنجليزية فتذيع بإيعاز من وزارة الخارجية مرة وبغير إيعاز مرة أخرى، ولكنها تذيع على كل حال، أن الإنجليز يرون أن رأي المصري قد نضج، وأن إرضاء الشعب المصري قد آن أوانه وأصبح شيئاً لابد منه. وأنهم إنما يقفون موقفهم الذي يقفونه الآن دفاعاً عن مصالح الأجانب من ناحية، ورغبة في إرضاء الشعب المصري من ناحية أخرى.

    وأما الصحف المصرية فتذيع نقلاً عن رئيس مجلس الشيوخ الحاضر يوماً ونقلاً عن رئيس مجلس النواب الحاضر يوماً آخر، أن جلالتكم تحرصون حرصاً شديداً على نظام الحكم الذي أحدثه صدقي باشا، وتأبون إباءً شديداً أن يمس هذا النظام بتغيير أو تبديل. والشعب المصري ينكر هذا النظام ويرفضه اليوم كما أنكره ورفضه أمس وكما أنه سينكره ويرفضه دائماً. قد احتمل في سبيل ذلك آلاماً ثقالاً وضحى في سبيل ذلك بكثير من الأنفس والأموال، ومن المنافع والمرافق، وهو مستعد دائماً للمضي في هذه التضحية، مهما تثقل، ومهما تكن نتائجها وآثارها.

    فالشعب المصري يألم أشد الألم حين يرى هذين الأمرين المتناقضين، حين يرى الإنجليز يظهرون التودد له والاعتراف به والتقرب إليه، وحين يرى بعض المسئولين وغير المسئولين، من أنصار هذا النظام القائم يذيعون في الشعب غير متحرجين ولا متحفظين ولا خائفين التكذيب فضلاً عن أن يخافوا العقاب، أن جلالتكم تحرصون على نظام لا يحبه الشعب، وتؤيدون عهداً قد كرهه الشعب، وتأبون أن تأذنوا بافتتاح عهد لا يريد الشعب به بديلاً.

    والمصريون يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أن ما تذيعه أنصار هذا النظام القائم كذب، وإن ما يحملونه على جلالتكم مختلق منحول، ولكنهم على ذلك يألمون لأنهم يكرهون أن يضاف إلى ملك مصر ما لا ينبغي أن يضاف إليه، وأن يحمل على ملك مصر ما لا ينبغي أن يحمل عليه، وأن يكون الذين يضيفون هذا ويحملونه من الذين تأخذهم مراكزهم بالصدق، وتضطرهم مناصبهم إلى الأمانة والإخلاص، وتحرم عليهم مناصبهم أن يسعوا بين الشعب ومليكة بألوان السوء وضروب الفساد.

    والمصريون يعتقدون مؤمنين أن المصدر الذي ينبغي أن يأتيهم منه الخير، وينالهم منه البر، ويبلغهم منه الرضي، إنما هو العرش المصري الذي أقاموه بسواعدهم، وأحاطوه بمودتهم وقلوبهم، وفدوه وما يزالون مستعدين لفدائه بأنفسهم وأموالهم. وهم يعتقدون مؤمنين أن العرش يجب أن يكون أسبق إلى إرضائهم، وأحرص على تحقيق مصالحهم، وأرغب في احترام إرادتهم والاعتراف بها من الإنجليز، لأن العرش منهم وهم منه، ولأن العرش لهم وهم له، ولأن الإنجليز أجانب وخصوم على كل حال، قد تحسن الصلة بيننا وبينهم وقد تسوء، ولكن الصلة بيننا وبين العرش، لا يمكن ولا ينبغي إلا أن تكون حسنة دائماً.

    فالمصريون يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بكف هؤلاء الساعين عن سعيهم، ووقف ألسنة السوء عن أن تذيع السوء، ومنع المفسدين بين الشعب والعرش، عن أن يفسدوا بين الشعب والعرش.

    والمصريون يعلمون حق العلم أن مليكهم مثقف أرقى الثقافة، يمتاز بالبصيرة النافذة والحلم الراجح والنظر البعيد، وأنه يعرف تاريخ مصر الحديثة حق المعرفة وأنه بصير بحياة الشعوب، وما يختلف عليها من الأطوار، وأنه عليم بأن الشعوب لا ترجع إلى وراء، وإنما تسعى إلى أمام، وبأن الشعب المصري الذى ثار منذ أكثر من نصف قرن يبتغي الإصلاح والدستور، والذى احتمل في سبيل الإصلاح والدستور ما احتمل منذ الثورة الأولى إلى أن انقضت الحرب الكبرى وإلى أن كانت الثورة الثانية، وإلى أن اعترف الإنجليز له بالاستقلال، وآمنوا له بحقه في الإصلاح والدستور، هذا الشعب لا يستطيع أن يرجع إلى وراء، ولا أن يقبل حكماً يقوم على غير إرادته، ويصرف على غير هواه، ويعتمد على غير المسئولين من رجال القصر، وعلى المسئولين من الذين لا يقدرون التبعات، ولا يحسنون النهوض بالواجب، ولا يقدمون إرادة الشعب على إرادة الفرد، ولا يؤثرون رضي الشعب، على رضي أصحاب الجاه والسلطان.

    نعم يا مولاي لا يستطيع المصريون مهما تسلطت عليهم المحن، ومهما تكتنفهم الخطوب، ومهما يصب عليهم من الهول أن ينكروا أنفسهم، أو يجحدوا ماضيهم، أو ينسوا تضحياتهم، أو ينزلوا عن بعض ما كسبوا من الحق، أو يقصروا في طلب ما بقي لهم من الحق. هم يؤمنون بأنهم قد خلقوا ليعيشوا كراماً أحراراً وهم مصممون على أن يعيشوا كراماً أحراراً. وهم لا يستطيعون من أجل ذلك أن يذعنوا لرجل كبير مهما يكن وإن كان الإبراشي باشا. ولا أن يخضعوا لوزير خطير مهما يكن وإن كان صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، وأن لا يفهموا رجال الدولة إلا على أنهم خدام الشعب، وأن لا يفهموا رجال القصر إلا على أنهم خدام الملك:

    وهم يأبون أشد الإباء أن يطغى رجال القصر حتى يدخلوا فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه. وحتى يسخروا رجال الدولة لغير سلطان الشعب، ومنافعه الخالصة الواضحة. أعلنوا ذلك منذ كان الانقلاب، بل أعلنوا ذلك في أوقات مختلفة منذ كانت الثورة وهم يعلنون ذلك الآن، وهم مستعدون لإعلانه غداً وبعد غد، ولكنهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تعفوهم من ذلك، وفي أن تقفوا رجال القصر عند خدمة القصر، وفي أن تخلوا بين رجال الدولة ومصالح الدولة، وفي أن تخلوا بين الشعب وسلطان الشعب.

    وليس بين المصريين يا مولاي مثقف عظيم الخطر أو ضئيلة، رفيع المكانة أو وضيعها، إلا هو مؤمن أشد الإيمان بأن عصر الطغيان قد انقضى ولا يمكن أن يعود، وبأن الأمم لا تحكم إلا بالنظام الذى تريده وترضاه، وعلى النحو الذى تريده وترضاه، وبأن نظم الحكم لا تمنح للشعوب، ولا يهبط الوحي بها من السماء، وإنما تنشئها الشعوب إنشاءً، وتقرها الشعوب إقراراً، وتغيرها الشعوب إن أرادت تغييرها وتمنع الشعوب ما لا نريد من التعديل والإصلاح عنها وحدها يصدر هذا كله، وإليها وحدها يرد هذا كله، ليس لأحد أن يفرض عليها من ذلك ما لا تريد مهما يكن، ومهما تؤيده القوة وتواتيه الظروف.

    آمن المصريون بهذا كله في هذا العصر، كما آمن الأوروبيون بهذا كله قبل هذا العصر، ولن ينزع هذا الإيمان من قلوب المصريين لأنهم كما قلت يسعون إلى أمام، ولا يرجعون إلى وراء. وهم يرون في غير تردد ولا شك ولا امتراء أن صدقي باشا قد كان متمرداً حين وثب إلى الحكم، وقد كان متمرداً حين غير الدستور في غير احترام لأصول الدستور، وهم يرغبون إلى جلالتكم في أن تتفضلوا فتأمروا بإصلاح ما أفسده صدقي باشا وأصحابه وفي أن تتفضلوا فتأمروا بمحو آثار هذا التمرد على حقوق الشعب، ورفع أوزار هذا العدوان مع سلطان الأمة وفي أن تتفضلوا فتأمروا برجوع الدستور الذى لم يلغِه صدقي باشا لأنه لم يكن يملك إلغاءه، وفي أن تتفضلوا فتأمروا برفع هذا النظام القائم الذى لم يستطع صدقي باشا، ولن يستطيع غيره أن يفرضه على الأمة شرعاً، لأن نظم الحكم لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عن الشعوب.

    والمصريون يا مولاي يأسفون أشد الأسف لأن تمرد المتمردين وعبث العابثين وطغيان الطغاة، يفسد على الشعب أموره الداخلية، ويشغله بخصومات كان يحب ألا يشغل بها وألا يضيع فيها وقته وجهده ليفرغ لما بينه وبين الإنجليز من خلاف، وليتوفر على معالجة ما بينه وبين الإنجليز من خصومة، وليجد في تحقيق الاتفاق المصري الإنجليزي الذي يحقق لمصر استقلالها التام.

    والمصريون واثقون بأن جلالتكم ستعنون بهذا كله. وستتخذون من القرارات الحكيمة، ما يكفل للشعب رضاه وحريته، ويحميه في المستقبل من كل عدوان أو طغيان، ويمكنه من تحقيق هذا الغرض الأسمى وهو الاستقلال التام – والمصريون وقد ملئت قلوبهم ثقة بذلك وأملاً في ذلك، يرجون ألا ينقضي يوم أو أيام حتى تكون آمالهم حقائق، وحتى يكون رجاؤهم يقيناً. وهم يتمنون لجلالتكم حياة ناعمة سعيدة كلها خير لجلالتكم وللشعب، الذي يرفع إلى جلالتكم أصدق آيات الحب والإخلاص.

    طه حسين
    الوادي، ١٢ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة
    في تأليف الوزارات . . .

    هو حدث من الأحداث التي تستحق عناية الأدباء، لو أن الأدباء مفرغون لما يستحق عنايتهم دائماً. وقد عني به الوزير الفرنسي العظيم بارتو في كتابه الذي أشرنا إليه في فصل مضى، وهو كتاب «السياسي» فترك للناس فيه فصلاً ممتعاً ظريفاً يستطيع المصريون أن يقرؤوه فسيجدون فيه لذة ومتاعاً، وسيجدون فيه أموراً تشبه من وجوه كثيرة ما يحدث عندنا منذ بدأنا نعرف تأليف الوزارات ومنذ أخذنا نحيا حياة ديمقراطية صحيحة أو زائفة.
    وليس في هذا شيء من الغرابة، فطبائع الناس مختلفة ولكنها على ذلك متشابهة كما يقول ابن خلدون، ولابد للذين يبحثون عن أطوار الحياة الاجتماعية من أن يلحظوا ما بين طبائع الناس من اختلاف، وما بين طبائعهم من تشابه، ومن أن يلائموا بين هذين القانونين اللذين يتناقضان في ظاهر الأمر ولكن تناقضهما هو قوام هذا الانسجام البديع الذي تقوم عليه حياة الجماعات.
    فتأليف الوزارات في مصر يشبه في ظاهره وفي بعض حقائقه، تأليف الوزارات في فرنسا، ولكنه من ناحية أخرى يخالفه مخالفة واضحة لأن طبائع المصريين وأمزجتهم وما يحيط بهم من ظروف السياسة الداخلية والخارجية، ومن ظروف الأحزاب أثناء قيام البرلمان، وأثناء غيبته أو تعطيله تخالف مخالفة شديدة طبائع الفرنسيين وما يحيط بها من الظروف. وأوضح ما ينبغي أن يثير عناية الأدباء في تأليف الوزارات هو هذا الاضطراب الخفي الدقيق الذي يسعى بين المستوزرين، أو قل الذي ينبعث من رئيس الوزراء، كما ينبعث التيار الخفي الدقيق فيمضي إلى يمين وإلى شمال، ويسعى إلى أمام وإلى وراء، فلا يدع داراً يسكنها مستوزر إلا اقتحمها اقتحاماً، أو انساب فيها انسياباً ثم يسعى في هذه الدار حتى يبلغ غرفة المستوزر أو حجرته، وإذا هو يمس المستوزر مساً خفيفاً فيوقظه إن كان نائماً، وينبهه إن كان غافلاً، ويصرفه عن شغله إن كان مشغولاً، ثم ما يزال يضطرب أمامهم اضطراباً مريباً ويرقص أمام عينيه رقصاً مغرياً، حتى يقف المستوزر عليه نظره وتفكيره وعنايته، وإذا هو قد اندس إليه وانساب فيه، وجرى في عروقه كما يجري الدم، ثم تسلط على قلبه ولبه، ثم استأثر بضميره وشعوره، ثم صرفه إلى نفسه عن كل شيء، وأنشأ بينه وبين رئيس الوزراء أسباباً خفية ولكنها قوية متينة لا تتقطع وإنما يتاح لها أن تزداد قوة ومتانة إن وصلت الدعوة من رئيس الوزراء إلى المستوزر على لسان رسول يسعى إليه، أو من طريق التليفون يحملها إليه، وما تزال هذه الأسباب تقوى وتشتد حتى يصبح المستوزر وزيراً، وما تزال هذه الأسباب قوية متصلة حتى يتم تأليف الوزارة وإذ المستوزر قد أقصي عنها ولم يهيأ له أو لم يرد له أن يشترك فيها.
    هذا الاضطراب الذي ينبعث من رئيس الوزراء إلى المستوزرين جميعاً هو شيء يشبه أن يكون شعاعاً كهربائياً، فيه أمل وفيه يأس، فيه رجاء وفيه خوف، وهو من هذه الناحية منبر لطائفة من العواطف وألوان من الشعور في نفس رئيس الوزراء الذي ينبعث عنه هذا الشعاع، وفي نفس المستوزرين الذين ينتهي إليهم هذا الشعاع، وفي نفس الأصدقاء الذين يحيطون برئيس الوزراء وبالمستوزرين. فإذا كانت الأزمة جادة خطيرة وكانت الوزارة التي تؤلف مرجوة لعظائم الأمور أو مخوفة، فإن هذا الشعاع لا يلبث أن يتسع ويمتد، وإذا هو يمس الناس جميعاً ويثير في قلوبهم ألواناً مختلفة من العواطف والشعور.
    لا يكاد رئيس الوزراء يشعر بأن التفكير متجه إليه ليؤلف الوزارة حتى يفكر هو سواء أراد أو لم يرد في زملائه الذين سيعملون معه، وإذا هو مضطرب مرتبك، وإذا الأمر يختلط عليه اختلاطاً شديداً لأن هؤلاء الزملاء كثيرون. وهم دائماً أكثر مما ينبغي حتى حين يكون البلد فقيراً في الرجال، وليس الزملاء وحدهم كثيرين، بل الأصدقاء كثيرون أيضاً، أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يقدر رئيس الوزراء. ومن المحقق أن صاحب الدولة نسيم باشا قد قضى أعوام عزلته السياسية الأخيرة لا يفكر في كثير من رجال السياسة، ولا يفكر فيه كثير من رجال السياسة، ولعله خيل إليه أنه قد نسي هؤلاء الناس وأنهم قد نسوه وليس من شك في أنهم كانوا قد نسوه حقاً، لأنه لم يكن مصدر خوف ولا مصدر رجاء. ولعله هو كان قد نسيهم أيضاً وشغل عنهم بما يشغل الرجل المعتزل من أمر حياته الخاصة ولم يذكر إلا هؤلاء القليلين الذين تتصل بينه وبينهم أسباب المودة الخالصة أو أسباب المجاملة بين أصحاب المكانات.
    ولكن من المحقق أيضاً أن صاحب الدولة توفيق نسيم باشا قد نظر ذات يوم، ذات صباح أو ذات مساء، فإذا غرفته الخاصة قد ملئت بالأشباح والظلال ولعل هذه الأشباح والظلال كانت ترقص أمام دولته رقصاً متصلاً غريباً، ولعله حقق النظر فيها فتبين فلاناً وفلاناً وفلاناً من المستوزرين، ولعله أخذ يمتحنها امتحاناً قاسياً صريحاً، فيه شيء من العنف، وفيه شيء من الغلظة، لأنه كان يحدث في الخلوة وعلى غير مشهد من الناس، ولعله رفض أكثر هؤلاء الناس لأنهم لم يحسنوا أداء الامتحان.
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فما أسرع ما تجسمت هذه الأشباح والظلال وما أسرع ما ازدحم المكان الذي تقوم فيه دار الرئيس بالسيارات والعربات، وبالساعين على الأقدام أيضاً، وما أكثر ما تركت البطاقات، وما أكثر ما دق التليفون.
    ولندع رئيس الوزراء قاسياً على هذه الأشباح حين كانت أشباحاً، ثم مجاملاً لها ورفيقاً بها، وحائراً بينها، وفاراً منها حين استحالت أجساماً. ثم لننظر إلى المستوزرين أنفسهم، فكلهم ذكر نسيماً منذ لهجت الصحف بذكر نسيم. وكلهم سأل نفسه: أيفكر نسيم فيه أم ينساه؟ أينظر نسيم إليه أم يعرض عنه؟ أيستعين نسيم به أم يهمله؟ أم حالاً؟ وكلهم هيأ لنفسه موقفين متناقضين أشد التناقض، موقف الحب الخالص والتأييد الصادق لنسيم إن دعاه، وموقف البغض الشديد والحرب الضروس يثيرها على نسيم إن آثر غيره عليه. وكلهم انتظر بين هذين الموقفين يغلبه الرجاء فيدفعه إلى اليمين وإذا هو يمدح لنفسه نسيماً، ثم يغلبه اليأس فيدفعه إلى الشمال وإذا هو يذم لنفسه نسيماً. ولكنه على ذلك يتحفظ إذا تحدث، يحتاط إذا لقي الناس، ويثير حول نفسه غباراً من الأمل ينشر الدعوة له نشراً، حتى إذا أعلن أن نسيماً سيؤلف الوزارة تأليفاً رسمياً فلا تسل عن القلوب الواجفة والنفوس الخائفة، ولا عن الصراع بين الأمل واليأس، ولا عن النضال بين الرجاء والقنوط، ولا عن الاضطراب في الغرفة انتظاراً لرسول يجيء، أو لدقة يذيعها التليفون في أرجاء الدار.
    ولا تسل عما يصوره لبارتو أجمل تصوير من لحظات الانتظار هذه، فكل سيارة تقف في الشارع أو تمر فيه هي سيارة قد أقبلت من نحو الرئيس، وكل طرق يمس الباب مؤذن بمقدم رسول الرئيس، وكل صلصلة بجرس التليفون دعاء من الرئيس. وقد يطول الانتظار ويشق ويصبح أطول وأثقل من أن يحتمل، فيخرج المستوزر من داره ويسعى إما في دار الرئيس فوراً، وإما إلى حيث يلقى من يستطيع أن رآه أن يذكره للرئيس أو يلفت الرئيس إليه.
    الرئيس إذن مضطرب مرتبك بين الزملاء الذين لا يحصون، والزملاء أنفسهم مضطربون مرتبكون بين الخوف والرجاء، وأصدقاء الرئيس والزملاء يرون فيضطربون ويرتبكون، والصحف تصور هذا كله، والناس يقرؤون هذا كله، وإذا هم أيضاً بمصريين ويرتبكون، وإذا الجو كله مضطرب مرتبك، لأن رجلاً كلف تأليف الوزارة وهو يختار أعوانه من الوزراء.
    ويقص بارتو على قرائه فكاهات ظريفة، فقد عبث عابث ذات يوم بأحد المستوزرين، فأنبأه في التليفون أن رئيس الوزراء يدعوه ويعرض عليه وزارة كذا، فأسرع الرجل إلى رئيس الوزراء وكان رئيس الوزراء بارتو نفسه، ولم يكن ينتهي إلى دار الرئيس حتى لقي مستوزراً آخر قد انتهى إلى الدار فدخلا معاً، ولقيهما الرئيس مرتبكاً حائراً لأنه لم يدعهما ولم يكلف أحداً دعاءهما، فأما أحد الرجلين فكان من الشيوخ وكان وقوراً فقضى لحظات مع الرئيس ولما رأى أنه لا يذكر له الوزارة فهم وانصرف، وأما الآخر وكان نائباً شاباً، فلم يعلق صبراً على صمت الرئيس فابتدره بالشكر وأعلن إليه قبوله الاشتراك في الوزارة واضطر الرئيس إلى أن يشكر له استعداده هذا ويعتذر إليه.
    وكلف رجل آخر تأليف الوزارة فأراد أن يتثبت من كليمنصو ويعرف أيؤيده أم يخذله، ولم يكن يريد أن يشترك معه كليمنصو في وزارته، فأصبح ذات يوم زائراً لكليمنصو، فلما تلقاه النمر -هو كليمنصو- قال له الرجل: إني لم أزرك لأعرض عليك منصباً في الوزارة. قال كليمنصو: «وحسناً تفعل، فلو قد عرضت عليّ منصباً لأخترت الرئاسة»، قال الرجل: «بالطبع ولكن جئت لأستشيرك»، قال كليمنصو: «فإن من مخالفة الذوق أن تقلق الناس من الصباح لتستشيرهم فيما لا يريدون أن يشيروا فيه».
    وأمثال هذه الطرائف عندنا كثير، فالناس يذكرون هذا الوزير الذي فارق الحياة، والذي دعاه رئيس الوزارة فارق الحياة أيضاً، فلم يكد يبعث بأنه اختاره لمنصب من مناصب الوزارة حتى انكب على يده فأوسعها تقبيلاً. والناس يذكرون وزيراً ضخماً مرتفع القامة عريض القفا واسع الحنجرة، لم يكد يبلغه وهو في الثغر أن رئيس الوزارة قد اختاره حتى أسرع فقبل وسأل لأي وزارة دون أن يسأل عن برنامج الوزارة أو عن زملائه وأعوانه. وحدثنا صديق عن وزير ضخم مرتفع القامة عريض القفا، واسع الحنجرة، ضيق العقل، أنه كان في بعض الأوقات، يعمل في وزارة مختصرة وكان يضطهد بعض الموظفين.
    فلما ضاق الموظف بهذا الاضطهاد سأل رئيساً من رؤساء الوزارات أن يعيره سيارته وذهب بها إلى دار الوزير فلما لقيه أسرَّ إليه أن فلاناً يرشحه للوزارة المقبلة فلا تسل عن إكبار الوزير لهذا الموظف وشكره له وعنايته به منذ الغد، ولكن وزارته أدركها الموت وألفت الوزارة الجديدة ولم يفكر أحد في الوزير المخدوع.
    ولو أن الناس استباحوا لأنفسهم أن يكتبوا ويذيعوا ما يعلمون من المضحكات التي أثارها وما زال يثيرها تأليف نسيم باشا لوزارته لألهو القراء وقتاً طويلاً، ولكن الحياء والاحتشام ورعاية مكانة الناس يمنع من ذلك ويحول دون إذاعته.
    فليت الذين يعلمون كل ذلك يسجلون في مذكرات خاصة، فليس ينبغي أن يكون التاريخ كله جداً، بل من الخير أن يكون فيه ما يضحك ويلهي، ويقال إننا مقدمون على حياة ديمقراطية، وما خير الديمقراطية إذا لم يضحك الناس من الساسة والوزراء.
    طه حسين
    الوادي، ١٤ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    توفيق. . .
    قضاه الله عز وجل لمصر، بعد أن قضى عليها لمحنة أكثر من أربعة أعوام، فكان ابتهاج الشعب له، واغتباط الشعب به مكافئين لما أصاب الشعب من بؤس بالمحنة واكتئاب للفتنة، وكان شكر الشعب لله عز وجل على حسن العاقبة، مكافأة لرضى الشعب بقضاء الله عز وجل فيما قضى من محنة وما ابتلى به من فتنة، وما محص الناس به من أذى في الأنفس والأموال وفي المنافع والمرافق وفي الضمائر والأخلاق.
    نعم توفيق قضاه الله للأمة جزاءً على صبرها الطويل، واحتمالها الكريم لما سلط عليها من كوارث، وما بسط عليها من ظلم، وما فرض عليها من جور، والحمد لله على ما ابتلى به فقد كان في ذلك تطهير للقلوب، وتنقية للضمائر، وتصفية للطباع، وتمييز للخبيث من الطيب، وتفرقة بين المخلصين والمنافقين، وإظهار لرجولة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم رجال، وإعلان لكرامة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم كرام، وإشادة بأباء الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم أباة للضيم، وتنويه بمروءة الذين يستطيعون أن يقولوا إنهم حماة للوطن وحملة للأمانة ووافون بالعهد وقادرون على أن يضحوا بكل شيء إلا بالوطن وما ينبغي له من العزة والأنفة والكرامة والاستقلال. والحمد لله عز وجل على أن أظهر من هذا كله ما أظهر، وبين للعالم الحديث أن مصر الحديثة خليقة بمصر القديمة، فيها صبر وجلد، وفيها عزة وإباء، وفيها سمو وطموح، وفيها استهزاء بالأقوياء، وفيها ازدراء للظالمين، وفيها أنفة من الذل، وفيها نهو عن الخضوع والإذعان. والحمد لله الذي أظهر للعالم الحديث، أثناء هذه الأعوام الطوال الثقال، أن مصر الحديثة خليقة بما تطمح إليه من أمل، وما تطمع فيه من استقلال، وما تسمو إليه من مثل أعلى، تلم بها الخطوب فلا تجزع للخطوب، وصب عليها الشر فلا تفرق للشر، وينجم فيها المجرمون فلا تؤبه للمجرمين، ويكاد لها الكيد فلا تتورط في الكيد، ويسلط عليها الإغراء فلا يزدهيها الإغراء، وتزين لها الأماني فلا تخدعها الأماني، وإنما تظل في مكانها ثابتة ثبات هذه الجبال التي تكتنف واديها من جانبيه، صافية القلب والضمير والنية، صفاء هذا الجو الذي يبعث فيها الحركة والحياة، ساعية في جد وحزم، وأناة، ونشاط، سعي هذا النهر الذي يمنحها الخصب والبركة والجمال، عظيمة في نفسها، وفي نفس أعدائها وأحبائها.
    عظمة هذا البحر الشاهد بما كان لها من مجد قديم، الأمل فيما سيكون لها من مجد حديث. والحمد لله الذي أظهر في هذه الأعوام الطوال الثقال أن مصر ليست حمقاء ولا خرقاء، وأنها ليست طائشة ولا مستسلمة للأهواء، وأن مصر تريد ما تريد عن فهم، وتأتي ما تأتي عن عزم ويقين، وأن لمصر زعماء لا يقدمون إلا إذا فكروا وقدروا ودبروا، فإذا أقدموا لم يعرفوا تردداً ولا إحجاماً، وإذا هموا لم يعرفوا ضعفاً ولا استسلاماً، وإذا صمموا لم يعرفوا خوفاً ولا إشفاقاً، تكتنفهم الأهوال فيبتسمون للأهوال، تثار أمامهم المصاعب فيضحكون من المصاعب، قد آمنوا بالله والوطن فاعتمدوا على الله ووثقوا بالوطن ومضوا في طريقهم لا يستشيرون إلا ما يملأ نفوسهم من إيمان وما يعمر قلوبهم من ثقة ويقين. . .
    والحمد لله الذي أظهر أن هذا الرجل الذي يسمونه النحاس، والذي يقول فيه القائلون ويظن به الظانون، هو ابن مصر خليق بأن يكون ابنها البر، وهي خليقة أن تكون أمه الرؤوم، هو ابن مصر الذي تستطيع أن تمنحه حبها لا حد له، وهي واثقة أنها لا تبلغ مكافأته على وفائه لها ونضاله عنها. وهو خليق أن يبذل في سبيلها أمنه ودعته وحياته وهو مطمئن إلى أنه لم يؤد إليها ما ينبغي لها من حق، إنما تمنحه مصر ما تستطيع الأمم أن تمنح أبناءها، وإنما يمنح هو مصر ما يستطيع الأبناء أن يمنحوا أممهم، وإنما الجزاء الأوفى لهذا الرجل على إخلاصه ولهذه الأمة على وفائها وتأييدها عند الله وحده الذي يستطيع أن يعطي بغير حساب، والذي لا حد لقدرته ولا حد لرضاه حين يرضى، ولا حد لسخطه حين يسخط:
    نعم والحمد لله الذي أتاح لهذا الرجل الضعيف أن يكون أقوى المعاصرين من مواطنيه بعزمه وحزمه، وبيقينه وإيمانه، وأتاح لهذا الرجل الفقير أن يكون أغنى المعاصرين من مواطنيه بقلبه الذكي وضميره النقي وحلمه الراجح وبصيرته الثاقبة ونظره البعيد.
    نعم والحمد لله الذي جعل لواء مصر إلى رجل يعرف كيف يحتفظ باللواء نقياً كريماً لا يصيبه دنس، ولا يعرض له ذل ولا هوان.
    والحمد لله على هذا كله وعلى أكثر من هذا كله. على ما تستطيع مصر أن تحصي وما لا تستطيع أن تحصي من محنته حين امتحن، ومن نعمته حين أنعم، ومن بره بمصر ورعايته لها على كل حال. هؤلاء الطغاة قد خنسوا بعد أن ملأوا الأرض تجبراً وتكبراً وقد استكانوا بعد أن ملأوا الجو تعالياً وغروراً وقد استخذوا وعادوا إلى جحورهم، بعد أن انتشروا في الجو كما تنتشر الطير الخبيثة باعثة فيه صياحها الخبيث.
    هؤلاء الطغاة قد نكصوا على أعقابهم خجلين وجلين بعد أن دعاهم الشيطان، فاستجابوا له لا يرعون عهداً قديماً ولا يرعون حقاً للوطن، ولا يرعون حرمة للشعب، ولا يرعون كرامة لأنفسهم، زين لهم شيطانهم باطلاً فأسرعوا إليه، وتهافتوا على منافعهم الدنيئة كما يتهافت الذباب على أحسن الطعام.
    هاهم أولاء قد سكتوا فلا ينطقون، وسكنوا فلا ينشطون، وخمدوا فلا يعملون. هاهم أولاء يودون لو ابتلعتهم الأرض أو اختطفتهم السماء. هاهم أولاء لا يستطيعون أن يظهروا لمواطنيهم وقد كانوا لا يريدون أن ينظروا إلى مواطنيهم. دعاهم الشيطان فأسرعوا إليه، ثم انخذل عنهم الشيطان فانخذلوا عن أنفسهم، لقد كانوا يجمعون الجموع، ويؤلبون الأحزاب ويجعلون أمرهم إلى عظيمهم صدقي يريدون أن يقاوموا الحق، والحق لا يقاوم، يريدون أن يثبتوا الباطل والباطل لا يثبت، يريدون أن يقروا الجور والجور لا يستقر، يريدون أن يذلوا مصر ومصر أعز من أن تذل وأمنع من أن تضام – لقد جمعوا الجموع وألبوا الأحزاب وألقوا الخطب وهيأوا المذكرات وأنفقوا الأموال، واستأنفوا شراء الضمائر وإفساد الأخلاق، ثم أين هم الآن؟ ما بال جموعهم لا تأتلف وما بال أحزابهم لا تتألب، وما بال خطبهم لا تلقى، وما بال مذكراتهم لا ترفع، وما بال لجنهم لا تذود عن النظام ولا تدافع عن الدستور. لقد خنسوا واستذلوا واستسلموا للقضاء، وأخذ الماهرون الماكرون منهم يتهيأون لتغيير الرأي ويتأهبون لتحقيق المنافع، وينتظرون أن ينساهم الناس قليلاً حتى إذا مضت عليهم أشهر ظهروا من جديد يبتغون الوسيلة إلى الوزراء، ويتقربون إلى الحكام، ويلتمسون منافعهم العاجلة لأنهم لا يقدرون إلا على التماس منافعهم العاجلة.
    أين صدقي وأصحاب صدقي؟ أين عبد الفتاح وأصحاب عبد الفتاح؟ أين الإبراشي وجنود الإبراشي؟ أين وزير التقاليد وسخف وزير التقاليد؟ أين صبري والصبريات؟ أين القيسي وما سلط على أجسام المصريين من عصي وسياط، وما صب على أموال المصريين من عبث وفساد؟
    أين كبار الموظفين الذين صغروا في أنفسهم فأصبحوا أدوات للطغاة؟ أين الجنود والأعوان؟ أين المسيرون والمسخرون؟ لقد ذهبوا جميعاً. واستكانوا وآوى كل منهم إلى وكره يدبر أمره لعله يحس الحياء في العصر الجديد.
    ما أشد حاجة مصر إلى الحزم والعزم، وإلى عقاب الظالمين على ظلمهم، وأخذ الطغاة بطغيانهم وإلى أن تصب على هؤلاء القوم مثل ما صبوا على الأبرياء، ما أشد حاجة هؤلاء الناس إلى أن يذوقوا مثل ما أذاقوا الناس! ولكن إن عجزت مصر عن أن تعفو عن هؤلاء الناس، فإنها لا تعجز عن أن تزدريهم ازدراءً وتنبذهم نبذاً، وتضعهم حيث أرادوا أن يكونوا عبيداً للمنافع وجنوداً للشياطين.
    فالحمد لله على أن أخرج مصر من ظلمة إلى نور. وعلى أن جلى عن مصر ذلك الليل البهيم ليل الفساد والشر، وعلى أن رد على مصر حقها في الحرية والأمن والنظام الذي ترضاه.
    الحمد لله خالصاً على هذا كله، والتهنئة لمصر وزعمائها خالصة بما قضى الله لها ولهم من توفيق، والخزي الدائم للطغاة والظالمين.
    طه حسين
    الوادي، ١٥ نوفمبر ١٩٣٤

    حديث الوادي
    يمين الوزراء
    أقسموها أمس بين يدي جلالة الملك صريحة صدرت عن قلوب صريحة، نقية، صدرت عن ضمائر نقية، صادقة حارة صدرت عن نفوس لا تحب إلا الصدق، ولا تريد إلا البر، ولم تتعود إلا النزاهة والإخلاص.
    أقسموها واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا غموض. يمين يقسمها كل مصري، مهما يكن مذهبه في السياسة، ومهما يكن رأيه في تصريف الأمور. يمين لا تصور ميلاً إلى الهوى ولا جنوحاً إلى الأحزاب، ولا تأثراً بالشهوة، ولا انحيازاً إلى فريق من المصريين دون فريق، يمين تعلو على الأهواء والمنافع، وعلى النزعات والميول، وعلى الخصومات وأصناف الخلاف، يمين يقسمها مصريون صادقون على أنهم سينهضون بمصالح هذا البلد كما ينبغي أن ينهض الرجل الكريم في غير تحيز ولا تعنت ولا أثرة ولا إيثار ولا محاباة.
    يمين تلائم مقام جلالة الملك الذي أُديت بين يديه، وتلائم كرامة الوطن الذي بدأت بها خدمته؛ فجلالة الملك فوق الأحزاب جميعاً، ويجب أن يكون فوق الأهواء جميعاً، والوطن فوق الأحزاب وفوق الأهواء وفوق الأشخاص، لأنه أنقى وأخلد من الأهواء والأحزاب والأشخاص. وقد أقسم الوزراء يمينهم فارتفعوا بها عن هذا كله، ولم يعاهدوا الله إلا على أن يخلصوا للملك ويصدقوا في خدمة الوطن. فهم إذن يقسمون يميناً لا يتعرضون للحنث بها. ومن حنث فيها فهو خائن، وما أبعد ما بين هؤلاء الوزراء وبين الخيانة للملك والوطن. هم يقسمون يمين الجندي الذي يبذل نفسه وجهده وراحته فداءً للملك والوطن، لا يمين السياسي الذي يروغ كما يروغ الثعلب، ويحمل نفسه ما تطيق وما لا تطيق، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويعلن إلى الناس ما يريد وما لا يريد. ولعله يعلن إليهم ما لا يريد أكثر مما يعلن إليهم ما يريد. يقسم وهو يعلم أنه معرض للحنث، ويعد وهو يعلم أنه قد يعجز عن الوفاء. ولعله يعد وهو يعلم حق العلم أنه لن يفي، لأنه لا يريد أن يفي، وإنما هو يمكر ويخادع؛ لأنه يرى السياسة مكراً وخداعاً. نعم أقسموا يمين الجندي لا يمين السياسي، والجندي قادر في مثل هذه المواقف على أن يكون سياسياً إن فهم السياسة على وجهها واستقبلها صادقاً مخلصاً طاهر القلب والضمير، وآمن بأن السياسة ليست كذباً ولا غدراً، وليست مكراً ولا خداعاً، وإنما هي خدمة صادقة للوطن وإيثار صادق لمنافع الوطن، واحتفاظ أبٍ بكرامة الوطن، وجدّ في ذلك كله ما استطاع الإنسان أن يجد، ثم اعتزال العمل إذ أحس العجز عن النهوض بما احتمل من أعباء.
    أقسموا يمين الجندي التي يستطيع أن يقسمها معهم كل مصري، بل يجب أن يقسمها معهم كل مصري، فكل مصري مخلص للملك والوطن. ولكن لهذه اليمين الصريحة الواضحة في صيغتها السهلة اليسيرة، خطراً عظيماً يجب أن يعلم الوزراء أن المصريين جميعاً قد فهموه وقدروه؛ فالمصريون جميعاً قد علموا مغتبطين أن وزراءهم لم يقسموا يمين الإخلاص للدستور الذي استحدثه الطغاة لأنهم لا يستطيعون ولا يريدون أن يبقوا على هذا الدستور فضلاً عن أن يخلصوا له ويتقيدوا به. وقد علم المصريون جميعاً أنهم لم يقسموا يمين الإخلاص للقوانين، لأن بين هذه القوانين ما لا يريدون، ولا يستطيعون أمام ضمائرهم ومصالح بلادهم أن يبقوه فضلاً عن أن يخلصوا له. فهم إذن يقسمون اليمين التي يشعرون أمام ضمائرهم وضمائر مواطنيهم أنهم قادرون على الوفاء بها، وهم إذن يشهدون الوطن وأبناءه جميعاً على أنهم كالوطن وكأبنائه جميعاً، لا يؤمنون بنظام الطغاة، ولا بما استحدث من بدع، ولا بما فرض على الناس من قانون، وهم إذن أحرار كالشعب المصري، وهم إذن يسعون في طليعة الشعب لمحو الظلم، وإلغاء الجور ورد العدل إلى نصابه، وإنقاذ الوطن مما ألم به من الكوارث، وما سلط عليه من الخطوب. هم صورة لميل الشعب، وهم صورة لصدق الشعب والوطن. هم لم يقسموا أمس عن أنفسهم فحسب، ولكنهم أقسموا عن أنفسهم وعن مواطنيهم جميعاً. وهم قد ألغوا الدستور الجديد منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص له، وهم قد ألغوا القوانين الجائرة منذ أمس، لأنهم أبوا أن يقسموا يمين الإخلاص لها، فلم يبق إلا أن يتخذوا إجراءات رسمية ترضي الأشكال والصور، فأما الجوهر فقد حققوه، فأما الضمير فقد أرضوه، تحللوا من طاعة الدستور الجديد فأحلوا الشعب من طاعته. فالدستور إذن ملغى منذ أمس، والمصريون إذن أحرار منذ أمس، والطغيان أذن منته منذ أمس، وهذا كله محقق منذ فرغ الوزراء من تأدية يمينهم أمام الملك.
    ليقل بعد ذلك المخاصمون للوزراء ما يقولون، فلن يجدي ما يقولونه شيئاً ولن يعتبر ما يقولونه شيئاً، قد أبى الوزراء أن يقسموا يمين الإخلاص للنظام الغابر. وقُبل منهم لتلك ألا يقسموا، ودفعهم الشعب كله ألا يقسموا، فتم الاتفاق منذ أمس بين الشعب والملك والوزراء، على أن هذا النظام لاغٍ لا يستحق أن يخلص له أحد ولا أن يحفل به أحد، وهذه هي الخطوة الأولى الموفقة إلى الإصلاح من خطوات وزارة التوفيق.
    يقول بعض الإنجليز المقيمين في مصر والذين يكتبون فيها إن الوزارة لا تمثل ما كان ينتظر أن تمثله من القوة، فأي قوة يريدون؟ إن كانوا يريدون قوة الشعب فقد أخذت الوزارة منذ أمس تمثل هذه القوة تمثيلاً صادقاً، وأخذت تحس ذلك إحساساً قوياً، وستظل ممثلة لهذه القوة واثقة بهذا التأييد ما مضت في طريقها الذي رسمته أمس حين أبت أن تقسم اليمين بالإخلاص للنظام الغابر وما استحدث من قوانين. وإن كانوا يريدون قوة الذكاء والكفاية فإن هؤلاء الوزراء قد أظهروا إلى الآن ذكاء غير مجحود، وكفاية لا غبار عليها، وما ينبغي لقوم نهضوا بأثقل الأعباء في أدق أمور الفن والإدارة أن يعجزوا عن النهوض بأثقل الأعباء في مسائل السياسة ما دام الإخلاص والصدق والوفاء للملك والوطن والاعتماد على الله والشعب هو برنامجهم.
    وإن كانوا يريدون القوة التي تأتيهم من الخارج فإن هذه القوة لم تظهر بعد، وسيرتهم هي التي ستظهر حظهم منها، وها هم لولا مساحة الإنجليز الرسميون وغير الرسميين يتحدثون إلى مكاتب الأهرام في لندن بأن إنجلترا لا تريد أن تعبث باستقلال مصر، ولا أن تدخل في شؤون مصر إلا في حدود التحفظات، والمصريون يعلمون أن نسيم وأصحابه سيعرفون كيف يحوطون استقلال مصر، وكيف يقومون دون استقلالها يحمونه من كل تدخل واعتداء؛ فإذا توفر حسن النية من الإنجليز فالمصريون خير من يلقي النية الصادقة بنية صادقة مثلها. ولن يكون نسيم وأصحابه كما كان الرجل الطيب وأصحابه ضعافاً يتكلفون القوة، وأصحاب سذاجة يتكلفون المكر، وبسطاء يتكلفون المهارة والذكاء.
    نعم لن يكون نسيم وأصحابه إلا وزراء مخلصين لوطنهم وملكهم، صادقين في سياستهم مع الإنجليز وغير الإنجليز، مؤثرين للصراحة والاستقامة، منكرين للغموض والالتواء، أقسموا أمس على ذلك وهم خير من يبر إذا أقسم، ولن يكون منهم حنث، ولن يكون منهم استعداد للحنث، لأنهم أكرم على أنفسهم من أن يحنثوا، ولأنهم يعلمون حق العلم أن شعبهم كريم لا ينبغي أن يخدمه الخائنون.
    لهؤلاء الوزراء ثقة الشعب كاملة، وتأييد الشعب كاملاً؛ صاروا بهذه اليمين التي أقسموها أمس والتي يقسمها المصريون معهم في غير تحفظ ولا احتياط.
    فامضوا إلى أمام فإن الشعب ينتظر أعمالهم، وإنما يكون الثناء بعد البلاء كما قال الأحنف بن قيس.
    طه حسين
    الوادي، ١٦ نوفمبر ١٩٣٤.

    حديث الوادي
    ابن الثورة. . .
    وليس من المحتوم أن يكون ابناً باراً، فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يدفعون إليه دفعاً، ويتورطون فيه تورطاً، ولكنهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكأن الناس ينتظرون منهم الإحسان، ويفسدون وكأن الناس ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد. وهؤلاء الأبناء الذين يقترفون الإثم أو يتورطون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كثيرون تشقى بهم الأمهات شقاءً مؤلماً ممضاً، ويضربون للناس أمثالاً سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النفع. سيئة لأنها تغري الضعفاء وتستخف المتعجلين وتستهوي عشاق الوصول، ونافعة لأنها تعظ الأقوياء وتثير العبرة في قلوب الذين يريدون أن يعتبروا، وتقيم الأدلة للناس على أن نصر الله قريب، وعلى أن عدل الله أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.

    وكان ابن الثورة الذي نريد أن نتحدث عنه شاباً حين أدركته الثورة فلم تكتشفه حتى ألهبت فيه؟؟؟ وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطاً وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا ينطق إلا بالثورة ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومحاولة الشعر. ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب، ولا تثنيها المصاعب، ومضى هو مع الثورة تابعاً لها، متأثراً بها صائحاً حين تريد الثورة أن يصيح، خطيباً حين تريد الثورة أن يخطب، متكلفاً الشعر حين يخيل إليه أن الثورة تريده على الشعر، ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلو الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر فلم يكد جلالة الملك يعهد برئاسة الوزارة الشعبية الأولى إلى سعد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي. وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلباً، وغيرت أوضاع الحكم تغييراً ورفعت إلى منصب الوزارة رجلاً كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى، وذكر بعض الناس يومئذ شاعراً يونانياً قديماً كره انتصار الديمقراطية في مدينة فنفى نفسه من الأرض، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظاً إلى الآن:

    ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فتحت عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المباركة ثم سقطوا في ميدان الجهاد قبل أن يصيبوا من ثمر هذه الشجرة شيئاً وبقاء جماعة آخرين أتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذه وأطيبه، وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أتيح لهم الفوز، وقضي لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئاً مريئاً ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سنداً له، وهو ينكر على الرجل؟؟؟ ولكنه لا ينكر عليه شيئاً كثيراً ومضى الرجل بعد وفاة الزعيم مجاهداً مع خليفة الزعيم، وفياً للثورة ورجال الثورة، وآمال الثورة أو مظهر من هذا الوفاء ما لا يثير في النفوس شكاً ولا ريباً. وشارك الرجل أصدقاءه في الحكم حين انتهى إليهم الحكم، وشاركهم في المحنة حين صبت عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه. والظاهر من أمره في هذا كله واضح مستقيم، تؤكده الأيمان التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.

    ثم أصبح الناس ذات يوم وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعداً، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسئ حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه فعرضوا أنفسهم من أجله للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحب الشعب، وحملوا أنفسهم من أجله تبعات ثقالاً فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟

    جحد الرجل هذا كله وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دعي إلى المنصب، وخف إلى الحكم حين لوح له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبحث الناس فإذا الغرابلي باشا كان يدبر أمره تدبيراً ويلتمس منصباً من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة، ويوسط في ذلك الوسطاء ونظر الناس فإذا عهد الثورة قد قطع، وإذا الرجل قد حنث في أيمانه كلها، ومد يده إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى محاربي الشعب، استغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يعين عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيع أن يتحرك بيمين أخرى يقسمها ليكون للدستور الجديد مخلصاً وفياً، وإذا قلب الرجل وعقله وضميره مستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر. ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القدماء بالعنف والبطش، يمنعهم من الانتقال إن أرادوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنعهم من الاستقالة إن أرادوا أن يستقيلوا ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديق، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.

    ثم تمضي الأيام وينقضي العام وإذا الله قد تأذن بأن دولة الباطل قد زالت، وبأن سلطان الشر قد زال وبأن ليل الشياطين قد انجلى، وبأن الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى حجورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتقطعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أنه فقد أصدقاءه جميعاً، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بغض الشعب أو قل إعراض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزهد الشعب فيهم وفيه.

    أعاد إلى داره غنياً بعد فقر؟ ميسوراً بعد عسر؟ الله يعلم من هذا ما لا نعلم. ولكن الذي لا شك فيه أنه لم يعد إلى داره عزيزاً ولا كريماً ولا مستمتعاً بما يستمتع به الرجل العزيز الكريم من الثقة والحب والتأييد. سخط الناس عليه حين ولي الحكم، ولم يفكر فيه أحد حين أقصي عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس، ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حياداً مدخولاً، ومنهم من حارب حرباً آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المحنة واتصال الفتنة وظهور الحق وانخذال الباطل، كل ذلك قد ضم إليهم قوماً كانوا يخاصمونهم، ورد إليهم قوماً كانوا ينكرونهم، فقوي جند الثورة قوة لا حد لها وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أن ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زلت ببعضهم الأقدام وزلت ببعضهم الأخلاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.

    إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لعظة للشباب المصريين، يجب أن يتدبروها، وأن يفكروا فيها فيطيلوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يلقاه الآن من الجزاء، كانوا خليقين أن يكونوا رجالاً حقاً، وأن يعرفوا أن أشد الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النقمة العاجلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه ماضيه، وتحيل مستقبله حظاً قاتماً مملوءاً بالشبهات.

    فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا فقد ألقت الأيام عليهم بهذه القصة درساً ناقماً بليغاً خليقاً بالتفكير.
    طه حسين
    الوادي، ١٧ نوفمبر ١٩٣٤.